← Сира

Сира · id 96964

وا محمداه إن شانئك هو الأبتر

سيد حسين العفاني

Полный текст (2 668 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

مستخدمًا "بحيري الراهب" الذي نَسَجَ قصتَه مُدَّعيًا أن الشيطانَ أمدَّ محمدًا بالموالي والأعوانِ من بينهم، سَمَّى أحدَ الرُّهبانِ المرتدين الملحِدِين يُدْعَي "سوسيو"، وهذا الراهبُ أُدِينَ مِن قِبَل بابا روما، واعتبره مرتدًّا، وكان منبوذًا في قومه، فلَجَأَ إلى الجزيرةِ العربية، وأراد أن ينتقمَ لنفسه، فاتَّفق مع رجلٍ يهودي، والاثنانِ حثَّا محمدًا على أن يَدَّعيَ النبوَّة، وقد أخذ محمدٌ من التوراةِ والإنجيل شريعتَه الجديدةَ مضيفًا لها ما وَسْوَسَ إليه الشيطانُ (١). (٥) "مارتان بولونكو" (المتوفَّي في ١٢٧٤)، وَصَف محمدًا ﷺ "بالمجوسيِّ مُدَّعي النبوة"، وبأنه "زعيم اللصوص" قُطع الطريق، ومحمدٌ بالنسبة له تعلَّم على يدِ راهبٍ يُدْعَي "سيرجيوس"، وشريعتُه أُمْلِيت عليه من قِبَل الشيطان، وبمساعدةِ هذا الراهب المُلحِدِ "سيرجيوس"، وأن شريعتَه التي أرساها محمدٌ تمَّ الدفاعُ عنها وفَرْضُها بحدَّ السيف، وتأسست على سَفْكِ الدماء (٢). (٦) ثم كتب "فانسون دي بوفيه" (٣) الكاتبُ الشهير للموسوعة "المرايا" -وهي من أربعة أجزاء: الموسوعة الدينية، الموسوعة الطبيعية، والموسوعة التاريخية، والأخيرةُ هي تاريخُ العالَم منذ الخَلْقِ وحتى عام (١٢٤٤) التي امتدَّت أيضًا بواسطة "فانسون" نفسِه حتى عام (١٢٥٣)، وامتدَّت أبعدَ من ذلك بواسطةِ مَن جاء بعدَه. ومِن المعلوم أن "فانسون" كان راهبًا وواعظًا، وهو أحدُ الدومينيك في

стр. 1332

"دير بوفيه"، وأنشأ علاقاتٍ وطيدةً مع القِدِّيس "لويس التاسع" الذي قاد الحَمْلةَ الصليبيةَ السادسةَ في (١٢٤٩ - ١٢٥٠)، ولقد حَظِي بثِقةِ المَلِك، وكان قارئه وأمينَ مكتبته ومُعلِّمَ أولادِه، وهذا كلُّه يُفسِّرُ اهتمامَه بالإسلام الذي أطال الحديثَ عنه في موسوعته "المرآة التاريخية"، وأفرَدَ له صفحاتٍ طويلة (الثالثة والعشرون من الفصل ٣٩ - ٦١). ° وفي حديثهِ عن الإسلام اقتَبَس من ثلاثةِ مصادر: المصدر الأول: لاكروناكا "كرونيكا"، لإيجور فلور ياسنيس الذي أخذ منه ذِكْرَ نَوباتِ الصَّرَع المزعومة التي تعرَّض لها النبي ﷺ بزعمهم. المصدر الثاني: "ليبيلوس إن باركيبس تراتسمارين دوماشومتي فالاس"، وهو كُتيِّب عن "فِكر محمد فيما وراء البحار". المصدر الثالث: "ديسبو تاتيو كوجو سدام ساراسيني، كويسدام كربستياني". من المصدر الأول، استَوحى قصَّةَ السِّحرِ عند محمدٍ، وحالاتِ الصَّرَع المتتابعةِ عنده. ومن المصدر الثاني استَوحى مُلخصًا عن البقرة، وعن بَركةِ إناءِ اللبنِ والعسل، وعلى اليمامةِ (الحمامة) المُدَرَّبة على النَّقْرِ في أُذُنِ محمدٍ ما اعتقد هو أنه "الروح القدس"!!!. ويبدو أنَّ هذه القصةَ ظَهرت في أسطورة محمدٍ لأولِ مرةٍ في العالَم الغربيِّ كما يقول "دانكونا" في كتابه (OP.Cit صفحة ٢٣٥). ° ومن المصدر الثالث أخذ قصةَ الراهبِ "سرجيوس" الآثم في

стр. 1333

صومعته وطَرْدِه ولجوئِه إلى منطقة "تَيماء" في الجزيرة العربية حيث كان يعيشُ شبعانَ: الأول كان يعبدُ الاصنام، والآخرُ كان يهوديًّا، وهناك وَجد "سرجيوس" محمدًا الذي يَعشَقُ عبادةَ الأصنام، وكان مُعجبًا بالرهبان المطرودِين، ويرى التوفيقَ بينهم، لقد أقنع "سرجيوس" محمدًا بالتَخلِّي عن عبادةِ الأصنام وأن يُصبحَ نصرانيًّا نسطوريًّا. لقد نَجَحَ إذن في إقناع محمدٍ الذي صار تلميذَه، ولهذا أَخَذ اسمَ ولَقَبَ "نسطورس". لقد تعلَّم محمدٌ من "نسطورس" تعاليمَ العهدِ القديم والعهدِ الجديد، ورَكَّب منهما القرآن، وأدخَلَ عليهما قَصَصًا وأساطيرَ وأكاذيبَ أُخرى، ولكن اليهودَ رَأَوا أن محمدًا يمكنُه الوصولُ إلى "الحقيقة" النصرانية "المسيحية الحقة"، فاندسُّوا عنده كأتباعٍ له، وادَّعَوا طَلَبَ المعرفةِ عن الدين الجديد، وحاولوا تغذيةَ الإسلام بالطُقوسِ اليهودية، فأضافوا إلى القرآنِ بعضَ التغيُّرات، وعَدَّلوا أخرى، وحَذَفوا أجزاءَ ثالثةً ومقاطعَ كاملةً. ويُعتبر "فانسان دي بوفيه" أكبرَ كاتبٍ نصراني، بل قمَّةَ المؤلِّفين والكُتَابِ المسيحيّين الذين لم يَرجِعوا قط إلى المصادِرِ العربيَّة، ولم يَقتبِسوا منها. (٧) وأول مَن حاوَلَ استخدامَ المصادر العربية هو "جيوم دي تريبولي" (الطرابلسي) (١)، وهو أيضًا كان راهبًا من المجموعة المُسمَاه "الفرير" (الدومنيك)، وفي عام ١٢١٧ م استقر به المُقامُ في دَير بالقرب من طرابلس،

стр. 1334

وكَتب كتابًا عن رِحِلاتِه في سوريا الذي قدَمه إلى "تيدالد" عام ١٢٧٣ في قصَته عن حياةِ محمدٍ، رَكَّز على دَور"بحيرى" الراهبِ الذي كان يعيشُ في صَومعتِه الواقعةِ على الطريق الذي يؤدي إلى عَرَب مكةَ ناحيةَ "جبل سيناء"، وذاتَ يومٍ مر رجل من عند "بحيرى"، ومن خلاله عَلِمَ أن الكنيسةَ مصيبة عظيمة، أتى هذا اليومُ، وعرَفَ "بحيرى" بواسطةِ التجلي الروحي الذي تمَ إخبارُه به مُسبقًا، وكان الأمرُ يتعلَّقُ بالطفل اليتيم السَقيم الفقيرِ راعي النوقِ "الجِمال". ° يقول "جويوم الطرابلسي": "إن المسلمين يَحْكُون أن البابَ الصغيرَ للصومعة كان مفتوحًا، ودَخَل منه هذا الطفلُ، وفي لحظةِ دخولِه ارتَفَع ودَخَل حتى أخذ قَوساً ملكيًّا، وقد استَقبل بحيرى الطفلَ بكل تِرحاب، وأعطاه طعامًا ولباسًا، واعتَبَره كابن له بالتبني، وعَلَّمه احتقارَ عِبادةِ الأصنام، وأن يَتضرع بإخلاص، ويَعبُدَ بكل قلبِه الرب "يسوع"!!. وبعد بُرهةٍ من الزمان غادَرَ الطفلُ الصومعةَ؛ لأنَّه كان في خِدمةِ تاجر غنيّ، ولكنه وَعَده بالرجوع. لقد مارس الطفلُ التجارةَ بنجاح، وعاد عِدَّةَ مراتٍ إلى بحيرى الراهب، وفي أثناءِ ذلك مات سيدُه، فتزوج بأرملتِه، واستمر في زيارةِ هذا الراهبِ، فتضايَقَ عَشَرةٌ من أصحابه، وفكَّروا في قَتل "بحيرى"، ولكنهم خافوا من غَضَبِ محمدٍ، وذاتَ ليلةٍ مَلُّوا من طُولِ النقاش وأحاديثِ "بحيرى" مِع محمد، وقَتلوا "بحيرى" بسيفِ محمدٍ نفسِه، واعتَذروا له بأنهم قد شرِبوا كثيرًا، وهذا هو السببُ الذي قادهم إلى أن يَضَعوا السيفَ

стр. 1335

في بطنِ بحيرى، وصَدَّق محمد هذا الاعتذارَ الآثم، وسَبَّ الخَمْرَ، ومَنَعَ شُربَ الخمرِ بين أصحابه. ° وبعد موتِ الراهبِ بحيرى، انطلق أتباعُ محمدٍ يَسرقون البلاد، ويقتلون الرجالَ واستمروا في ذلك حتى وفاةِ محمدٍ. لقد عَرَض "جويوم" الدينَ الإسلاميَ بالتفصيل حَسْبَ إدراكِه الوعي، وخَتَمَ مؤكِّدًا أن المسلمينَ لا يزالون بعيدًا عن رُوح الديانةِ المسيحيةِ الحقَّة. إذن قصة "جويوم" الطرابلسي كانت أقربَ للحقيقةِ التاريخيةِ عنها من سابقِيهِ الأوربيِّين. (٨) والكاتبُ الثاني الذي اقتَبَس من المصادرِ العربية مباشرةً هو "بيير باسكاسيو" (١٢٢٨ - ١٣٠٠)، الذي أتى من "غرناطة" بأسبانيا ثم من "جُون" -وكان راهبًا-، وكَتَب معالجاتٍ طويلةً عن مِلَّةِ المحمديِّين .. لقد هجَمَ بنفسِه على بحيرى الذي وَصَفه بالهَرْطقة، وأنه الراهبُ الضال، ومِن خِلاله حكي القصةَ بأسلوبٍ باطل، وهنا قال: إنَّ بحيرى كان راهبًا عالمًا ينغمسُ في الفنونِ التحرريَّة، طَموحًا للشرف، وطامعًا في مجدٍ متوهَّم. لقد أتى إلى روما، لكنه لم يَحصُلْ على شيءٍ مما كان يَطمعُ فيه، فأصابه الغَضَبُ، وامتلأ كراهيةً ضدَّ البلاط الروماني، وأراد أن يَنتقم لنفسهِ واضعًا الشِّقاقَ بين النصارى، وعندما قَرأ في العهدِ القديم أن المُنحدِرِينَ مِن نسل "هاجر" أم إسماعيلَ ولدِ إبراهيم ليس لهم أيُّ قيمةٍ، ونزوانيُّون وجَشِعون طلاَّبٌ للسلطة المادية، فرَحَل إلى الجزيرة العربية حيث يوجدُ نَسل"هاجر" ولقد وَجَد في الجزيرة العربية شعبًا قد اهتدى حديثًا

стр. 1336

للنصرانية، فنزل بينهم وعاش في صومعةٍ في مكانٍ منعزل، وبعد بُرهةٍ قابَلَ الشاب محمدًا الذي كان يرعى الإبل، وعندما رآه يَتمتَعُ بهيئةٍ جميلةٍ وذَكاءٍ، وعَلَّمه أشياءَ كثيرةً، وعندما تأكَّد بأنه قد استولي على لُبِّه وَعَدَه بأن يجعلَه أميرًا لهذه البلدة وما حولها، وطَلَب منه أن يطيعَه في كلِّ شيءٍ، فوافق محمد على هذا، وكان بحيرى الراهب خبيرًا بتحضيرِ الأرواح والفَلَكِ واللغات، وفي هذا الوقتِ مات مَلِكُ تلك المنطقةِ بدون أن يتركَ وريثًا له، ونَشَب الشقاق بين الناس، ولجأ الكِبار إلى الراهبِ لكي يُخمِدَ هذه الفتنةَ، فردَّ عليهم أنه سيَستدعيهم إليهِ خلالَ ثمانيةِ أيام. وخلال هذه الفترةِ اتَّفق مع محمدٍ، ودبَّرا حيلةَ "اليمامة"، وقصةَ "الثور الأبيض"، وعندما عاد الناسُ إليه اقترح عليهم أن يختاروا رجلاً يكونُ بعد ذلك مَلِكًا عليهم، ولكنه يكون قادرًا على أن يَتصدَّى لثورٍ هائجٍ يجري بين الجبال، ومحمدٌ الذي تدرَّب على الثورِ هو الوحيدُ الذي رَوَّضه، وأتى به للناسِ الذين أنهِكت قواهم، وتَعطَّشوِا لصيدِ الثور، وأظهر لهم جَدولَ الماءِ الصافي الذي وضع فيه القِرَب، واهتمَّ بإخفائه، ولهذا اختارَ القومُ محمدًا مَلِكًا عليهم. ولقد نَشَر محمدٌ شريعتَه التي تَخدُم الربَّ، وأيضًا لشهوةٍ، وبمساعدةِ الراهب اخترع القرآنَ الذي وَضَعه على قَرنِ الثور، وعنده كانت "اليمامةُ المدرَّبة" بواسطته، وجَعَل الناسَ يعتقدون فيها بأنها الوحيُ التي تُوحي إليه في أذنه. في هذه القصة لم يذكر "بيير باسكاسيو" اسمَ الراهب، ولكنه قال أبعدَ من ذلك في "كتب المسلمين"، وذكر "سرجيوس" النصراني صاحبَ

стр. 1337

محمدٍ الذي لم يَقتبسْ منه حِدَّةَ الذكاء ولا التدين، ولكن فقط المَيلُ إلى قَطع الطريق. وقال: "إن سرجيوس كان يَعلَمُ كل الطرقِ والمسالِكِ في الجزيرة، وعندما بدؤوا مشاريعَهم لجؤوا إلى استخدام الحِيَل، كان يَدُسُّ بَيضَ النَّعام المملوءَ بالماءِ في الرمال، ويُعطيها لأصحابه لكي يَشرَبوا عندما يشعرون بالعطش، والناسُ الذين نَهَبَهم قُطَاعُ الطريق لمِ يَتْبَعُوهم، وأنهم يموتون في وسطِ الصحراء من العطش، ولكنْ عندما يرَون قُطَاعَ الطريقِ يعودون أصحَّاءَ، يعتقدون في هذه المعجزة، وهذا زاد من صيتِ محمدٍ". وقال بيير باسكاسيو:"بواسطة سرجيوس تَفهمُ أيَّ نوع من الناس كان أوائلُ الأتْباع لمحمد، وأيَّ دِينٍ من الصحَّةِ البدنيَّةِ والروحية نادَى به إذن". بالنسبة لبسكاسيو ربما كان سرجيوس هو بحيرى نفسه، وفي نظره لم يكن راهبًا، ولم يكن في صومعةٍ، ولكن كان قائدًا ماهِرًا في قَطع الطريق. لقد ألَّف باسكاسيو الروايةَ كلَّها، والتي استعار فيها القَصَصَ من سابِقِيه الأوربيين، وبالرغم من أنه ادَّعي أنه لَجَأ إلى المصادر الإسلامية، ولكن لا يُوجدُ بُرهانٌ على ذلك، فروايتُه تُظهِرُ تخيُّلاً باطلاً بالكامل، بالرغم من أنه عاش بين المسلمين، وفي قلبِ المملكةِ الإسلامية في "غرناطة" التي ظَلت مسلمةَ حتى نهايةِ السيطرة الإسلاميةِ على أسبانيا في عام ١٤٩٢ م. إنه نَسِي أنه عاش يومًا بينهم، وكان في متناوَلِ يديه جميعُ أنواع الكُتبِ والوثائق، وكان لديه الفرصةُ أن يُطيلَ الحديثَ عن العلوم الإسلامية ليعرفَ جيدًا حقيقةَ الإسلام، أو حتى يكونَ لديه فكرةٌ قريبةٌ من الحقيقة بدلاً

стр. 1338

من التحصُّنِ في قلعة الآراء المتعصبِّةِ والأفكارِ الخاطئةِ عن الآخرين، وما زلنا في أيامِنا هذه نُعَلِّق على القَسِّ النصراني في بلاد الإسلام الذي عنده نفسُ الموقفِ الذي تبنَّاه "بيير باسكاسيو" في القَرنِ الثالثَ عَشَرَ، والجديدُ في الأسطورة كالتي حُكيت بواسطة "باسكاسيو" أن مَجِيءَ "سرجيوس" إلى روما وأطماعَه في أكبرِ شرفٍ دينيٍّ على سبيل المثال، أن يكونَ كاردينالاً أوْ ربما يكونُ هو البابا. سرجيوس -أو بحيرى- لم يَعُدِ الراهبَ النصراني الذي يَعيشُ في صَومعتِه على الطريق المؤدي إلى "مكةَ "أو "تَيماء"، أو في جَبَل سَيناء، ولكنه رجل دين ذهب إلى روما لينالَ مكانةً كَنَسِيَّةً عاليةً، ويَذيعَ له صِيتٌ، ومات ولم يَحصُلْ على شيءٍ من ذلك، فأراد أن ينتقمَ لنفسه، فعمل خُطةً ليزرعَ الشِّقاقَ في عُقرِ دارِ النصرانية. (٩) و"تومازو تيسكو" كَتَب في ١٧٢٨ م قصة ادَّعي فيها أنَّه استعارَها من كتابٍ موجودٍ في كنيسةٍ في "بولونيا" شمالَ إيطاليا، روايتُه عن رواية باسكاسيو، إلاَّ في عِدَّة نِقاطٍ فرعيةٍ، وبعض الإضافات لها أهمية قليلة. (١٠) وفي هذه الآوِنة، لم تَهتمَ الأسطورةُ بوَصفِ القَس الذي جاء إلى رُوما لينالَ مكانةً دينيةً رفيعةً وسُمعةً، وأصبح بعد ذلك محرضًا على الانشقاق، إذن الأسطورةُ أخذت شكلاً آخر، ولم تَجعل من هذا الراهبِ أنه معلِّمُ محمدٍ وأستاذُه، ولكن هو محمدٌ بنفسه!. في هذا الشكل الجديد، أعطَوا لمحمدٍ اسم "نيكولا" في روايةِ "ليبر نيكولاي".

стр. 1339

يقول: إن "نيكولا" هو محمد، كان أحَدَ الكهنة السبعةِ الكَرَادلةِ في الكنيسةِ الرومانية، كان مُنفتِحًا على جميع العلوم، خبيرًا بكلِّ القضايا الإنسانيةِ، وعالِمًا بكلِّ اللغات. والبابا الذي كان في أسبانيا وفي الدول البربريَّة شمالَ أفريقيا كان مُعَمَّرًا، وعندما كان "نيكولا" في بَعثتِه مات البابا، وكما يتطلَّب الأمرُ لا يُقبَرُ البابا حتى يختارَ خليفةً له يُعطيه الغُفران، فاختارُوا بابًا جديدًا ولُقِّب بـ"لورونزو"، وكان كاردينالَ الكهنة وكان مُسِنًّا، وأوشَكَ على الموتِ من لحظةٍ إلى أخرى، فأرسل الكرادلة إلى "نيكولا" يطلُبون منه العَودةَ إلى روما، واستَغرقت رحلةُ عَودتِه وقتًا طويلاً، مات خلالها البابا، واختاروا بابًا آخَرَ، كان ضعيفًا عندما كان كاردينالاً، وعندما صار بابًا أصبح صارمًا، وفي هيئةٍ قوية. وعندما وصل "نيكولا" إلى روما استقبله الكرادلة، وقدَّموا له الاعتذاراتِ على ما حَدَث، ووعدوه بأنهم لا يُقدِّرون شيئًا بدونِ موافقته، وعندما قَدَّم "نيكولا" نفسَه للبابا لم يُظهِرْ له أيَّ إجلالٍ، وأَمَره البابا ألا يأتيَ إلى البلاط الكَنَسيِّ بدونِ إذنه، ورَحَل "نيكولا" ساخطًا، ومِن هذه اللحظة كانت لديه نيَّةُ الانتقام، وشَكَّل دينًا جديدًا لهدم النصرانيَّة. وبَعدَما سَرَدَ الكاتب العقائدَ التي طالب بها "نيكولا" العرب، قال الكاف: إنَّ نيكولا "محمدًا" قُتل بواسطةِ أحدِ "المارزيكو" التي كانت زوجتُه تسَمَّى "كاريفا". كان محمد "نيكولا" حبيبًا إلى الناس، وعندما قَتل "مارزيكو"

стр. 1340

وزوجتُه محمدًا اخترعوا هذه الأكذوبة حتى لا تفترسَهما عامةُ الناس، وأعلَموهم بأن الملائكةَ حَملت محمدًا "نيكولا" إلى السماءِ، فأمسكت "كاريفا" بقَدَمِه لتحتفظَ بها، وظَلَّت القَدَمُ في يدها، وأظهروا هذه القَدَمَ للناس!. ° وقصَّةُ القَدَم موجودةٌ عند "بيير باسكاسيو" صفحة (٨٧) التي تحكِي أن محمدًا كان يَعشَقُ امرأةً يهوديةً التي دَعَتْه ليأتي إليها ذات ليلة، وتآمرت مع اليهود لقَتلِهِ، ويَقطعوا قَدَمَه اليُسرى، وباقي الجسدِ يُلْقُوه للخنازير، وهذه المرأة احتَفظت بالقَدَم، ودَهَنَت عليها بعضَ الدهانات وقالت لأتباع محمدٍ: إنه صَعِد إلى السماء، وبينما أتى المَلَكانِ لِيرفعَا الجُثة إلى السماء، أَمَسَكَت بالقَدَم، فظَلَتْ هذه القَدَمُ في يدها. ° وبهذا التخيل الجنوني عند الكُتَّابِ الأوربيِّين في القَرنِ الثالثَ عَشَرَ كونوا هذه القصَةَ الواهمةَ التي تَستندُ إلى حَدَثِ صغير مذكورِ في كُتب "سيراحي" تعني ما هو آتٍ: أن يهوديَّة تُدعي "زينبَ بنتَ الحارث" زَوْجَ "سَلام بن مِشكم" أحدِ زعماءِ اليهود، سَمَّت محمدًا في شاةٍ مسمومة، والتي وَضعت فيها سُمًّا قاتلاً وشديدًا. (انظر التفاصيل ص ١٣٥)، وانظر "سيرة ابن هشام" (ص ٧٦٤، ٧٦٥). "زينب" أصبحت "كاريفا" و"سلام بن مِشكم" أصبح "مارزيكو"، وبدلاً من محاولةِ السُّمِّ لمحمدٍ في شاةٍ مشويةٍ مملوءةٍ بالسُّمِّ، وليس لها أيُّ تأثير إلاَّ بعدَ أربع سنواب، هذه القصَةُ تتحدَّث عن محاولةِ اغتيالٍ بواسطةِ مجموعةٍ من اليهود، عِلاوةً على الخاتمةِ المثيرةِ للسخرية بأسلوبِ الأقاصيصِ الباطلة، هذا هو المِثالُ النموذجي لعقليةِ الكُتَّابِ الأوربيين

стр. 1341

المؤرخين، المحاضِرِين، علماء اللاهوت والشعراء. ° هذه الأقصوصةُ البابويَّةُ الموعودةُ غيرُ مختلِفةٍ كما عَلَّق "دانكونا" (ص ٢٥٠) ببعضِ الاختلافاتِ في التفاصيل، مرةً بذكرِ اسم "نيكولا"، ومرة بغيره، ومرة بذِكرِ الكاردينال المُلحِد الذي عَلَّم محمدًا، ومرة ذاكِرين أن هذا الراهبَ هو نفسُ شخصيةِ محمدٍ، ونشروا ذلك بين عامةِ الناس في أوروبا. لقد أَعطي "دانكونا" مثالَيْن أخذهما من شاعريْن: الأول: "نيكول ودكازولا" في قصيدته "أتاليا" في منتصف القرن الرابع عشر، والآخر هو مؤلِّفُ القصيدةِ الشعبية "لودانوا" التي أُلِّفت في منتصفِ القرن الخامسَ عشَرَ. (١١) وفي روايته "ليجوندا أورا" اختار "جاكو بودا فاراجين" ثلاثةَ تراجمَ، اختار من بينِهنَّ الأقاصيصَ التي أشرنا إليها قبلَ ذلك، ولكنه حَكي قصَّةَ قتل محمدٍ بالسم بأسلوبِ مُحايِد، ووافق التاريخَ؛ لأنَه قالَ: إن النبيَّ مات بالسُّم الذي وُضع له في الشاةِ المَصْلِيةِ بعد عِدَّةِ سنوات. (١٢) وعلى نفسِ مِنوالِ الأساطيرِ نَصلُ الآنَ إلى كاتبٍ آخَرَ هو "ريكالدودا مونتيروس"، وهو راهبٌ دُومنِيكي مُدافعٌ عن النصرانيةِ، ورَحَّالةٌ كبيرٌ في بلادِ الإسلام، وُلِدَ في "فلورنسا" عام ١٢٤٣، ومات في ٣١ أكتوبر ١٣٢٠، وأصبح رجلَ دين عام ١٢٦٧ م، وبأمرٍ من البابا "نيكولا الرابع"، بدأ رحلتَه نحوَ المشرقِ العربي، لَجَأ إلى فِلسطينَ، وفيها لُقِّب بـ"دامونتيروس"، ثُمَّ أرمينيا الصغرى، وتركيا، وإيران، والعراق،

стр. 1342

والمَوصل .. وسَجَّل قصَّةَ رِحلاتِه في كتابِ يُسَمَّى "ليبر بيريقرينا شوني" ولكنَّ الأهمَّ بالنسبةِ لموضوعِنا هنا هو كتابُهُ "نَقدُ القرآن" الذي كَتَبَه في "فلورنسا" في ١٣٤٠ عام وفاته، هذا الكتاب تُرجِم إلى اليونانية، ثم أُعيدت ترجمتُه إلى اللاتينية بواسطةِ "بي بيسرنو" (روما ١٥٠٦)، ولكن التأثيرَ الأصلي على الترجمةِ كان اللاتيني، وفي بعض النسخ نلاحظُ الفَرقَ بين الترجمةِ اليونانيةِ والترجمةِ اللاتينية. ° وفي هذا الكتابِ يقول "ريكالدو": "إن الوحيَ الحقيقي لمحمدٍ هو الشيطانُ الذي كان مملوءَ بالحقدِ بسببِ انتصاراتِ "هرقل" الإمبراطورِ البِيزنطي على الفُرْس". ° وقال: "إن الشيطانَ مَنَحَ محمدًا بعضَ اليهودِ والنصارى ليُعلموه؛ لأنَه كان أُميًّا، ومن بين هؤلاء ذَكَر أسماءَ، منها "بحيرى الراهب" الذي قَتَلَه محمدٌ فيما بعد، و"عبد الله بن سلَام"، وبعضَ النَسطوريين الذين يعتقدون في السيد المسيح أنه رجلٌ وليس ربًّا، وهو ابنُ السيدةِ مريم". وحَرَّف الحديثَ الذي يقول: "نَزَل القرآنُ على سبعة أحرف" إلى: "نَزَل القرآنُ على سبعةِ رجالٍ"، وهؤلاء الرجال هم: "نفل، عَون، عمر، عَمْرة، اليسار، أُسير بن سيزير، وابن عمر"، وهذا هو التحريفُ للقراءاتِ السبعة!. (١٣) وخَطٌّ جديدٌ للأسطورة يُوجد في شخصِ "جاكو بودا أكي" المتوفى عام (١٣٣٧) مؤلفِ "صورة العالم"، ويدَّعي أن قضيةَ محمدٍ كلَّها أتت من عند النصارى، وقال: إن قسًّا نصرانيًّا يُسمَّى "نيكولا" الذي أتى

стр. 1343

روما، فاستُقبل بكلِّ الإهانات، فيئس وتَخلَّي عن العقيدةِ النصرانية، وذَهَبِ إلى بلادِ ما وراءَ البحر، وكان رجلاً بارعًا وحقودًا، واستطاع أن يَعيشَ بينهم بجدارةٍ عالية، وبالفعل كان رجلاً مثقفًا، فصيحًا، بشوشًا، وذا أخلاقٍ حميدة، وَصَل إلى الفُرس، أخفى قداستَه الكبيرةَ وكلَّ شيءٍ يدلُّ على الزهد والعِفَّة. في هذه المناطق يُوجد النصارى والوثنيون، والأولون كانوا متخلِّفِين بسبب نقصانِ عددِ المبشرين وظهورِ كثير من الملحدين .. "نيكولا" هذا وجَدَ عَونًا له وصاحبًا الذي هيَّأه له الشيطانُ، وتعرَّف على تاجر وراعي الإبل الذي يُسمَّى "محمدً"، الذي تعامَل مع جميع الناس -نصارى، ويهود، ووثنيِّين-، وعلاوةً على مِهنتِهِ هذه، كان ذا ذكاءٍ حاد، متعلّما قليلاً، عالِمًا بعاداتِ وتقاليدِ هذه المناطق، "نيوكولا" القَسَّ و"محمد" اتَّحدا معًا، وتسمَّيا باسم "سرجيوس" الذي كان قبلَ ذلك راهبًا نصرانيًّا، واتَّفَقَا على تشكيل ديانةٍ جديدةٍ ضدَّ النصرانية، حيث عاشا حياةً مرِحةً، فاستدعيا مَن كانوا من نَسَبِ السيدة "هاجر"، وقالوا لهؤلاء الأجلاف: نحن لا نريدُ أن نسميكم باسم "عَبَدَةِ هاجر" ولكن باسم "السارسيِّين" نسبةً إلى السيدةِ "سارة"، ولأنَّ محمدًا كان يتمتَّعُ بهَيبةٍ كبيرةٍ قال عن نفسِه: إنه "نبيُّ العرب"، وهؤلاءِ الأجلاف اختَبروه، وتفنَّن هو في ترويضِ الحمامة، واقَتبس محمدٌ من شرائع النصارى واليهود، لِيُعجَبوا به، مضيفًا إليها شريعتَه الخاصة. "جاكوب دا أكي" أنهي قصته حاكيًا أن محمدًا مات مسمومًا، وكان

стр. 1344

محمولاً على قَوس مُعلَّق في الهواء. هذه القصةُ الخياليةُ الأخيرةُ انتَشرت بين الأوربيين حتى القرنِ الثامنَ عَشَرَ، فنجد "بالي" في كتابِه "القاموس التاريخي والنقدي" (مقالة محمد ص ١٨٦١ وكردام ١٧٢٠) قال في موضوعه: "إن لا تناهيَ للناس الذين يقولون ويعتقدون أن نَعْشَ محمدٍ من الحديد وتحتَ القُبَّةِ الزرقاء من الحَجَرِ المُمغنَطِ المُعَلَّق في الهواء، وهذا هو الذي صَنَع معجزةً كبيرةً في رُوح مُعتنِقِي دينِه، هذه أقصوصةٌ باعثةٌ على الضحكِ عندما نعلمُ أن النصارى يحكونها كأنها حَدَثٌ مؤكَد". بَعدَ هذا العَرضِ التاريخيِّ "دانكونا" يُلخصُ هذا الغُموضَ الذي يَعتقدُ فيه الأوربيُّون خلالَ أكثرَ من أربعةِ قرونٍ، فقال: "بالفعل أستاذُ ومُعلِّمُ محمدٍ أَخَذَ مرةً من "بحيرى"، ومرةً أخرى من "ورقة بن نوفل"، وشَكَّل الأسطورةَ الإسلاميةَ، فمرَّةً كان معتقِدًا أو مدافِعًا عن النصرانية .. ومَرَّةً كان مرتدًّا، أو كان "آريًّا، أو يعقوبيًّا، أو نسطوريًّا". وطبقًا للترجمة: عَمِل للحصول على شُكرِ إخوانهِ الذين طَرَدوه. وحَسْبَ ترجمةٍ أخرى: عَمِلَ لينتقمَ لنفسه، كان راهبًا، بطريركًا كاردينالاً، اسمه كان "بحيرى، سرجيوس، سوسيو، أو جروسيو، نسطورس، نيوكولا". محمدٌ نفسُه عُرِض مرَّةً كوثني، ومرة أخرى كنصرانيٍّ ويُسمَّى "أوسان، بيلاجيوس، نيوكولا"، كان مجوسيًّا، أُميًّا، وعالِمًا في "بولوني"، أتى القسطنطينيةَ من "أنتيوش"، من "سميرن"، من مناطقَ

стр. 1345

أخرى للوثنيين أو للنصارى، كان عربيًّا، أسبانيًّا، رومانيًا من عائلة كولونا، وأحيانًا يختلط بالأستاذ، وكان شمَاسَه، أو الكاردينال، واقترب من منصب "البابا". وما زلنا نرى اختلافاتٍ أخرى، والتباساتٍ أخرى، ولَوثاتٍ من أساطيرَ متعدِّدةٍ، ومن أسطورةٍ إلى أخرى، الأسماءُ والأجزاءُ تتغيرُ، وتعكِسُ الالتباسَ الروحي، وهذا الاختلافُ الدائمُ في أن محمدًا كان نصرانيا، أو متعلِّمًا مِن قِبَل نصرانيٍّ، وأن الإسلامَ تفرع عن النصرانية. ° وبالنسبةِ لاسم "بيلاج" الذي أُطلق على النبيِّ محمدٍ ﷺ يعترف دانكونا: "لا نعرفُ كل الاكتشافات وأصلَ وتحوُّلَ محمدٍ إلى بيلاج " (٢٧٤ صفحة op. c: t) . هذا عن القرن الرابع عشر. (١٤) في القرنِ الخامِسَ عَشَرَ، لا نجدُ شيئًا جديدًا يَخُصُّ هذه الأسطورةَ، كتاب "نيكولا دوكيوس" المتوفَي سنة ١٤٦٤، كتابُه "كربراتيو" يُقدَّم لدحضِ أو نَقدِ بعضِ الموضوعاتِ في القرآن، حيث يدَّعي فيه أنه وَجَد متناقضاتٍ في القرآن. (١٥) وفي القرن السادسَ عَشَرَ، نجدُ أوَّلاً نقدًا صغيرًا مطبوعًا في حوالَي سنةِ ١٥١٥، وهو موجود في مكتبة "بردش"، ليس له عنوان، مكوَّن من ٦ ورقات، وهذه بعضُ تراجم ما قالوه عن محمد: "محمد هذا وُلِد في الجزيرةِ العربية، وعَمِلَ أوَّلاً أجيراً وحارسًا للخيل في إسطبل، ورَحَل بعد ذلك مع التجَّار، وهكذا حتى وَصَلَ إلى

стр. 1346

مصرَ في قافلةٍ تجاريةٍ، وفي هذا العصرِ كانت مصرُ نصرانيَّةً، وكانت هناك كنيسة قريبة من الجزيرةِ العربيةِ، حيث كان يَعيشُ بها راهبٌ، وعندما دخل محمد إلى الكنيسة التي لم تكنْ إلاَّ بيتًا صغيرًا ببابٍ منخفضٍ، وبدأت هذه الكنيسةُ تكبرُ، حتى أصبَحَ بابُها مِثْلَ بابِ القصر، والمسلمون يقولون: إن هذه هي أولُ معجزةٍ لمحمدٍ في شبابه، وبعدما أصبح محمدٌ حكيمًا، صار عالِمًا بالفَلَك، وقال: إنه رعي مالَ أمراء "كوريدان"، فأداره ورعاه بحكمةٍ، وعندما مات أميرُ كوريدان تَزوَّج محمد بأرملتِه وهي السيدة التي تُسمَّى "كادريج" (خديجة)، وكان محمدٌ يُصرعَ، وهذا أغضَبَ هذه السيدة؛ لأنها أَخَذَتْه على أنه زَوج، ولكن محمدًا جَعَلها تعتقِدُ كلَّ مرَّةٍ أنه يُصرعَ؛ لأنَّ المَلَكَ جبريلَ يُحدِّثه، فيُصرعَ بسببِ عظمةِ نورِ هذا المَلَك، ولذلك يَسقطُ محمدٌ علي الأرض. ولقد سيطر هذا التاجرُ على الجزيرة في عام ٦٢٠ م. ° ومحمد هذا ارتبط مع رجل عابدٍ يَعيشُ معزولاً على بُعد مِيل من جَبل سيناء، وكان محمدٌ يأتي غالبًا إلى هذه الصَّومعة، وهذا هو الذي هَيَّج الناسَ عليه؛ لأنَّه كان مُعجبًا بالسَّماع لهذا الراهبِ الخاطئِ، ويتركُ الرجالَ "التجار" يَمشُون في الطريقِ طوالَ الليل، وكان هؤلاء الرجال يتمنَّوْن موتَ هذا الراهبِ، وأتتْ ليلةٌ شرب فيها محمدٌ الخَمْرَ، فنام نومًا عميقًا، وأخذ هؤلاء الرجالُ سيفَ محمدٍ من غِمْدِهِ عندما كان نائمًا، وبهذا السيفِ قَتلوا هذا الراهبَ، ثم أعادوا السيفَ في غمدِه مُلطخًا بالدماء، وفي الغدِ وَجَد محمدٌ الراهبَ مقتولاً؛ فغَضِب غضبًا شديدًا، وأوشك على قتل هؤلاء الرجال، ولكنهم اتَّفقوا فيما بينهم وقالوا له: إنك أنتَ الذي قَتلتَ هذا

стр. 1347

الراهبَ وأنت سكرانٌ، ورجَوْا من محمدٍ أن ينظرَ إلى سيفه، فاقتنع وصَدَّق مَقولتَهم، وهذا هو الذي جَعل محمدًا يَلعَنُ الخمرَ وشارَبها؛ ولهذا السبب لا يَجرؤُ المسلمون على شُربِ الخمر، لكنَّ بعضَهم يشربونها سِرًّا. ° ويذهبُ أحيانًا ويقول: إن هؤلاء الرجالَ النصارى أصبحوا مسلمين؛ بسبب فَقرِهم أو بسبب نسائِهم، وعندما كَفَروا بعقيدتِهم النصرانيةِ علَّموهم هذه العقائدَ الفاسدةَ، وأَمَروهم أن يقولوا: "لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله". فأضاف هذا الكُتيِّبُ للأسطورة قضيةَ "مال الأمير كوريدان". (١٦) وفي القرن السابع عشر: نُشيرُ إلى أكذوبةٍ سخيفةٍ مصنوعةٍ أو مكررة بواسطةِ "فرانسيس بيكون" (١٥٦١ - ١٦٢٦ م) المؤسس المشهورِ بالطريقةِ التجريبية في كتاب له عنوانه "الخدعة"، حكي فيه مثالاً عن "الخُدعة" في شخصِ محمدٍ الذي قال ذاتَ يوم للعرب: إنه يستطيعُ أن يُنادِيَ على الجبل البعيد، ولكن بعد ما نادى عليه لم يأتِ ولم يتحرَّكْ، فقال لهم: "إذًا الجبلُ لم يأتِ إلى محمدٍ، محمدٌ سوف يذهبُ إلى الجبل". (١٧) "هيجود وجروت" أو باللاتينية "دوجر وتيوس" المؤلِّف المشهور بكتاباته تحت عنوان "مِن قانون الحرب والسلام" (امستردام ١٦٣٠ م)، كَتب "معالجةَ حقيقةِ الدين المسيحي" باللاتينية والذي ظهر في ١٦٢٧ م، في كتابه السادس حاول أن يَنقُضَ المِلَّةَ المحمديَّةَ، وأن يثبتَ مِيزةَ الدينِ المسيحي التي تَفُوقُ الدينَ الإسلامي -حَسْبَ كلماتِه- والذي يُهِمُّنا هنا هو المبدأُ الخاطئُ الذي صَنَعه عن محمدٍ والإسلام، وها هي الأُسس التي

стр. 1348

قالها في هذا الموضوع: ١ - يدَّعي أن محمدًا قال: "إنه أتى لِيتَّبِعَه الناسُ، ليس بالمعجزات، ولكن بقوةِ السلاح" (ص ٢٩٦). ٢ - يُسنِدُ أتباعُ محمدٍ إليه المعجزةَ التي يَدَّعي فيها أن محمدًا عَلَّم حمامةً لتطيرَ إلى أُذنه. ° وقال جروت: "إن الأمرَ يتعلَّقُ بأنَّ لديه مُحادثاتٍ مستمرةً مع جَمَل أثناء الليل". ومعجزةٌ أخرى، يقول أتباعه: إنَّ جزءً من القمر سَقَط في كُمِّه، وأعاد هذا النجمَ إلى استدارته مرةً أخرى. ٣ - قال: إنَّ صِيتَ محمدٍ ذاع بسببِ سَرِقاته، ونَهْبِه، وفجُوره!. ٤ - ادَّعي أن محمدًا أخْبَرَ سيدةً تتمتعُ بجمالٍ طبيعي، تسمع منه ترتيلاً عجيبًا بالسِّرِّ العجيب في الصعودِ أو النزول من السماء، وهذه السيدةُ رَدَّدت ألفاظَ هذا الترتيل، وأرادت أن تَتحقَّقَ مما تعلَّمتْه، فصَعَّدت رأسَها في السماوات العُلَي، وعندما أوقفها الربُّ حوَّلها إلى الكوكبِ الذي نُسميه "فينوس"!!!. ° وقال جروت: إنَّ محمدًا قال: "إنَّ الفأرَ مخلوق من رَوَثِ النيل، وإن القِطَّ مولودٌ من نفخةِ أسد" (ص ٣٠٥). ٥ - "ادَّعي أن القرآنَ يقول: إن الموت سيتحوَلُ إلى كَبش، ويختارُ مأواه بين السماء والأرض" (ص ٣٠٥). ٦ - ووَصَفَ الدينَ المحمَّديَّ، فقال: "إن هذا الدينَ لم يأتِ إلاَّ

стр. 1349

ليخضِّب الأرضَ مِن دماءِ الشعوبِ، هو كلُّه غريبٌ، مؤسسٌ على عددٍ كبير من الشعائر، يَقترحُ كل ما يريدُه ليعتِقده، ويجبُ أن يَخضعَ المرءُ له بطريقةٍ عمياءَ دون أي تجربة. ° لقد قال: إنَّ الكُتبَ التي تَحتوي على هذا الدين كُتب مقدَّسة، والقراءةَ فيها محرمة على الناس. ها هي الأكذوباتُ القاسيةُ لهذا الرجل الذي زَكَّتْه نفوسٌ كبيرةٌ في أوروبا: "لونيز" في كتابه "أنكومبارا بلنر دوكترنا"، و"بييربال" في "قاموسه التاريخي والنقدي" يَرى فيه أنه واحدٌ من أعظم رجالِ أوروبا. وآخَرون مَدَحوا أعماله القانونية التي تشيرُ إلى التجديدِ الدائم في القانونِ الدولي. ١ - فبأي هَلْوَسةٍ غريبةٍ يقول: "إن قراءةَ القرآن محرمةٌ على المسلم؟ ". ٢ - وفي أي قرآنٍ قرأ "جروت" أن الموت سيتحولُ إلى كبش يختارُ مَصيره إلى السماء أو إلى الأرض؟!. ٣ - كرَّر أليًّا قصةَ "الحمامة" التي دَرَّبها محمد، والتي تَهمِسُ في أُذنيه. ٤ - لقد فاق أسلافَه، واختَرعَ قَصصًا أخرى، قِصةَ الجَمَل الذي اعتاد محمدٌ أن يُحادثَه، وقصةَ القمر وسقوطِ جزءٍ منه في يد محمد، وأُعيد لمداره، وأيضًا قصةَ المرأةِ المنقولةِ إلى السماء، ثم أوقفها الربُّ وحَوَّلها إلى الكوكبِ الذي نُسَمِّيهِ "فينوس"!. "هيجوه" لَقَّبوه بأعظم رجل في أوروبا بشيئيْن: إمَّا أنه ذا غباءٍ متناهٍ،

стр. 1350

أو ذا خداعٍ متناهٍ. (١٨) يريدوكس: أفاض "يريدوكس" في ذِكرِ الأساطيرِ والأكاذيبِ السخيفة: ١ - فحكي بعضَ الأشياءِ المذهلةِ فيما يَخص الشاعرَ "كعبَ بنَ زُهير" صاحب القصيدة المعروفة والتي مَطلعها: "بانت سعاد"، فيدَّعي أن كعبًا كان يهوديًّا!! وما زال يقولُ: إن بعضَ الناسِ نَسَبوا إلى كعبٍ أنه ساعدَ محمدًا أكثرَ من أيِّ أحدٍ في خِداعه، وأيضًا في تأليفِ القرآن الذي يبدو أنه تأثَّر بفصاحةِ وطبيعةِ هذا اليهوديِّ. ٢ - لقد ترك "يريدوكس" نفسَه تنساقُ وراءَ أسطورةٍ أخرى مختَرعة هذه المرَّة، وهي تدورُ حولَ "عبد الله بن سلام"، ويعتقدُ فيما قاله الراهب "ريكارد" في كتابه "نقض الشريعة المحمدية" في الفصل (١٣)، وقال: إن محمدًا كان جاهلاً، استخدم وزارةَ "عبديد بن سالون" اليهودي الفارسيَّ المتحدث بالعربية، ومَنَحه اسمَ "عبد الله بن سلام" (ص ٦٢). ° وقال مدَّعيًا أن هذا الرجل "مِن المُحتَمَل أنه هو نفسُه الرجلُ الذي تحدَّث بالقرآن". ثم ادَّعي "يريدوكس" أن عبد الله بن سلام هو نفس الرجل الفارسي المُلقب بسلمانَ الفارسيِّ المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]

стр. 1351

(١٩) رولاند: أولُ كاتبٍ أوربي يُنصِفُ الإسلام (١)، وُلِد في ١٧ يوليو ١٦٧٦ م في شمال هولندا، ومات في الخامس من فبراير ١٧١٨ عن عمر ٤٢ سنة .. والذي يُهمُّنا هنا هو كتابُه "الدين المحمَّدي"، وتُرجِم هذا الكتاب إلى الإلمانيةِ بعدَ موتِ رولاند في صيف ١٧٢١ م في مجلدٍ واحدٍ بواسطة "ديفيد ديراند". وُيعلِنُ رولاند عن هدفه الذي يقترحُه في الكتاب، هذا ما قاله بدون مراوغاتٍ: "هدفي ليس خفيًّا، وهو سقوطُ دينٍ أُبغضه، والابتعادُ عن أيِّ تحالُفٍ معه" (٢) اهـ. كلُّ هذا نقلناه من كتابِ الدكتور عبد الرحمن بدوي الذي أجادَ في نقل الأساطيرِ المخترعةِ والتُّهَم والشتائم الملصَقة بالإسلام والمسلمين، فالغربيون لا ينفكُّون عن وصفِ المسلمين بأنهم حُمُرٌ وحشية، مَجَّانون، حَمقي، رَعني، هم الشياطين أنفسهم". خرافاتٌ مكدَّسة، وأكاذيبُ متراكمة منذ عَشَرةِ قرونٍ، هذا بخلافِ أكاذيبِ "فولتير، ومونتسكيو، وهيرد، وجيبون، وهيجل" التي سنعرضُ لها بالتفصيل.

стр. 1352

° يقول الدكتور "ميجيل إيرناندت" الأستاذ بجامعة "مدريد" -وذلك في بحث له بعنوان "الجذور الاجتماعية والسياسية للصورة المُزيَفَّة التي كونتها المسيحية عن النبي محمدٍ"، كان قد قدَّمه للمؤتمرِ الثاني للحوارِ الإسلامي المسيحي الذي عُقِد في "قرطبة" بأسبانيا عام ١٩٧٧ - ، وقال فيه: "لا يُوجدُ صاحبُ دعوةٍ تَعرَّض للتجريح والإهانةِ ظُلمًا على مَدارِ التاريخ مثلُ محمدٍ؛ إن الأفكارَ حولَ الإسلام والمسلمين ونبيهم محمدٍ استمرت تَسودُها الخرافةُ حتى نهايةِ القَرنِ الثاني عَشَرَ الميلادي، ولَم يَمنع الاحتكاكُ المباشرُ بين الطائفتين من انتشارِ هذه الخرافات" (١). ° ويقول: "فيليب سيناك" في مولَّفه: "صورة الطرف الآخر": "حتى نهايةِ القرنِ الثالثَ عَشَرَ كانت أغلبُ الوثائقِ المكتوبةِ عن الإسلام صادرةً عن رجالِ الكنيسة، وهؤلاء كانت حِرفتُهم الطبيعيةُ نَقْدُ ديانةِ غيرِهم وتشويهُها، وذلك بالإضافة إلى أن المعلوماتِ التي عَكَسَتْها تلك القرونُ كانت ضئيلةً، وأن أقليَّةً فقط من رجالِ الدينِ المسيحي "الإكليروس" كانت تَعرِفُ القِراءةَ والكتابة .. لقد وُصِف المسلمون بأنهم شَعب غيرُ مَسيحيٍّ يَنبعُ أساسًا مِن "القوقاز"! وقد جاؤوا في أعدادٍ هائلةٍ ليستولُوا قَسْرًا وبكلِّ توحُّشٍ على القدسِ والإسكندرية وكل إفريقيا .. وفي النصفِ الأول من القرنِ الثامن استُخدِمت كلمةُ "سارسان"، لتَعني المسلمَ ثم الكافرَ بوجهٍ عام، وأنه محارِبٌ عُدوانيٌّ وَثَني" (٢).

стр. 1353

° ويقول "جوزيف رينو" في مُؤَلَّفِه: "الفتوحات الإسلامية في فرنسا وإيطاليا وسويسرا": "إن الكُتَّابَ المسيحيين في العصور الوسطي كانوا يُطلقون على جميع فئاتِ الغُزاة المسلمين اسم "الوثنيين"، ولا توجد عقيدة أبعدُ عن الوثنيةِ من الإسلام الذي حَطَّم الأصنام، والواقعُ أنَّ الإسلامَ يُنادِي بعبادةِ إلهٍ واحدٍ لا شريكَ له، خالقِ السماواتِ والأرض، ولشدَّةِ استفظاع الإسلام للوثنية، فإنه يَمنعُ تصويرَ كلِّ ما هو حَيٌّ .. وقد زَعَمَ كاتبُ التاريخ المنسوب إلى رئيس أساقفة "تورين" أنه يُوجَدُ في الأندلس على شاطئِ البحر فوقَ عمودٍ شديدِ الارتفاع، صَنَمٌ من البُرونز صَنَعه محمدٌ بنفسه، ويَعبدُه المسلمون!. كذلك ادَّعي "فيلومين" في تاريخه القصصي حول غزوة شارلمان لمقاطعة "لانجدوك"، أنه كان يوجد تمثالٌ مصنوعٌ من فِضَّةٍ مُذهبة في مدينةِ "أربونة"، وضع في معبدٍ أثناءَ احتلالِ المسلمينَ لهذه المدينة". ° ثم قال: "فيا لَسُخريةِ القَدَرِ والجهل الأعمي بالإسلام!. ما هو السبب الذي دَفع آباءَنا إلى هذا الوَهم والخطأ يا تري؟!. ذهب بعضُ العلماءِ إلى أن "النورمانديِّين" وغيرَهم من الشعوب الوثنيَّة، كانوا ضِمْنَ الشعوبِ التي كان يَشملُها اسم "سارازين" الذين كانوا يَعبدون الأوثان، وهكذا خَلَطَ العامَّة بين المسلمين وهذه الشعوبِ بصورةٍ مُخجِلة" (١). * عداءٌ وإِهاناتٌ لها تاريخ: ° في كتاب "صورة الإسلام في التراث الغربي" "دراسات ألمانية" وهو

стр. 1354

كتاب مترجَم عن الألمانية كَتَب المفكِّر الألماني "هوبرت هيركومر" أستاذُ الأدبِ الألمانيِّ بجامعة "برن" بسويسرا مقالاً بعنوان "صورة الإسلام في الأدب الألماني الوسيط"، وقد نُشِر الأصلُ الألماني في عدد مجلة " du" السويسرية الصادر في صيف ١٩٩٤، قال: "اعتَبر المسيحيُّون مَن سمَّاه المسلمون نبيًّا، وخاتمًا لسلسلةِ الأنبياءِ التي بدأت بآدمَ ﵇، رجلاً عاشَ حياةً داعرةً، وتجاوَزَ خُبثُه كل حدودِ الدَّناءةِ والانحطاط، ولم يتورَّعْ خيال مسيحييِّ أوربا المتعطشين للظفَرِ والتوسع، والذي نَتَجت عنه أساطير وَهميَّةٌ عَدائيَّة، عن خَلْقِ الأكاذيب وترويجها، بل إنَّ الأوربيِّين ادَّعَوْا أَنَّ رسولَ الإسلام كان في الأصل كاردينالاً كاثولكيًّا، تجاهلته الكنيسةُ في انتخاباتِ البابا، فقام بتأسيس طائفةٍ ملحدةٍ في الشَّرقِ انتقامًا من الكنيسة، واعتَبرت أوروبا المسيحيةُ في القرون الوسطي محمدًا ﷺ المرتدَّ الأكبَرَ عن المسيحيَّة، الذي يتحمَّلُ وِزْرَ انقسامِ نصفِ البشرية عن الديانة المسيحية" (١). ° وفي نفس المقال يقول: "اتَّفق أورثوذكس أوربا ورجالُ دينِها .. اتفقوا على أنَّ الإسلام هو كَنِيفُ (حرفِيًّا: مجاري) الزندقةِ جميعًا" (٢). ° "وبشهادةِ المستشرق الفرنسيِّ الشهير "مكسيم رودنسون" (١٩١٥ - ٢٠٠٤ م): "فلقد حَدَث أنَّ الكُتَّابَ اللاتين، الذين أَخَذوا بين عامَيْ ١١٠٠ م ١١٤٠ م على عاتِقِهم إشباعَ الحاجةِ لدى الإنسانِ العامِّيِّ، أَخذوا

стр. 1355

يُوجِّهون اهتمامَهم نحو حياةِ محمدٍ، دونَ أي اعتبارٍ للدِّقة، فأطلَقوا العِنانَ لـ "جهل الخيالِ المنتصِر" .. فكان محمد "في عرفهم" ساحرًا، هَدَم الكنيسةَ في إفريقيَّا والشرقِ عن طريقِ السِّحرِ والخديعة، وضَمِنَ نجاحَه بأن أباحَ الاتصالاتِ الجنسيةَ، وكان محمدٌ "في عرف تلك الملاحم" هو صَنَمُهم الرئيسيُّ، وكان مُعظَمُ الشُّعراءِ الجَوَالةِ يَعتبرونه كبيرَ آلهةِ السراسنة "البدو"، وكانت تماثيلُه "حسب أقوالهم" تُصنَعُ من موادَّ غنيةٍ، وذات أحجام هائلة!!. لقد اعتُبر الإسلامُ في العصورِ الوسطي نوعًا من الانشقاق الديني، أو هَرطقةً ضَمنَ المسيحيةِ، وهكذا رآه "دانتي" (١٢٩٥ - ١٣٢١ م) .. " (١). تلك هي صورةُ الإسلام ورسولِه في الثقافةِ الشعبية الأوروبية، التي تَبلورت وشاعَت منذ العصور الأوروبية الوسيطة .. قَبلَ العلمانية، وقبل أن يَعرفَ الغربُ شيئًا اسمُه "حرية التعبير"! اهـ (٢). وحاجتُنا ماسَّةٌ إلى دراسةِ كل ما يُكتب عنَّا وعن دينِنا في السابق واللاحق دراسةً عميقةً واعيةً؛ لأنَّ هذه الكتاباتِ تَمَسُّ أقدَسَ ما لدينا، وتَمَسُّنا في أخص خصائصِنا وهو عقيدتُنا التي نعتزُّ بها، وتَمس شَخصَ نبينا الذي جَعَله اللهُ لنا "أسوةً حسنة"، وتَمَسُّ قرآنَنا الذي جَعَله الله ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وتَمس سُنةَ نبينا التي هي مصدرُنا الثاني للتشريع، وبصفةٍ عامةٍ تَمسُّ تاريخَنا كله.

стр. 1356

وربما تكونُ بعضُ هذه التصوراتِ الغربيةِ عن الاسلام ونبيِّه قد دَخلت إلى عالَم النسيان، وعفا عليها الزمن، وخاصةَ ما يتعلقُ منها بأساطيرِ العصورِ الوسطي عن النبيِّ ﷺ ، ولكنها مع ذلك لا تزالُ وستظل جزءً أساسيًّا من تراثِ الغربيين، لابدَّ لنا من الاطلاعِ عليه ومعرفته. ومن المعلوم أن الكتاباتِ الغربيةَ عن الإسلام ونبيِّه تتراوحُ بين الجَهل التامِّ والمعرفةِ المُوجَّهة، بين الإسفاف الشنيع والموضوعيةِ النسبية، بين الافتراءِ والإنصاف، بين الاستعلاءِ والنزاهة، بين الفُحشِ الصارخ والتسامح العاقل. ونحن إذ نُترجِمُ هنا هذه الصفحاتِ بما تتضمنه أحيانًا من أوصافٍ شنيعةِ للنبى ﷺ ، وهجومٍ دنِيءٍ عليه وعلى دينه، دونَ أن نَحذفَ من ذلك شيئًا؛ فذلك لأننا على يقينٍ من أنه لن يُجدِيَ نفعًا إخفاءُ شيءٍ من ذلك، فهذا الكلامُ منشورٌ بشتَّى اللغاتِ الحيَّة، وكما لا يُجدي النعامةَ في شيءٍ إخفاءُ رأسِها في الرمال ظنًّا منها أنها ستكونُ بمَنجاةِ من الصياد، فكذلك لا يُجدينا في شيءٍ أنْ نتجاهلَ كل ما يُنشَرُ عنَا وعن ديننا؛ لأننا بذلك لن نستطيعَ أن نمحوَه من تراثِ الغربيين، أو نُبعِدَه من رُفوفِ المكتبات في بلادِ الغربِ المختلفة، أو نمنعَه من الوصولِ إلى أيدِي الباحثين. وقد يُلاحظُ القارئُ تِكرارًا لبعضِ الأقوالِ، وخاصةً الأساطير التي نسَجَها خيالُ الغربِ حول نبيِّنا ﷺ ، ومِن خلال هذا التكرارِ يتبينُ مَدَى الانتشارِ الواسع لمثل هذه الأساطير.

стр. 1357

* "ملحمة رولاند" .. المسلمون يَعبُدون الأصنام .. يعبدون محمدًا: إذا كانت الملاحمُ الشَّعبيةُ إنما تُمثِّل أكبرَ المكوِّناتِ لثقافةِ جمهورِ أيةِ أُمةٍ من الأمم أو حضارةٍ من الحضارات، فإنَّ "ملحمة رولاند" الشعبية -حوالي عام ١٠٠٠ م- تصوِّرُ المسلمين- الذين يَبلُغُ التوحيدُ الديني للألوهيةِ عندهم أرقي درجات التنزيه والتجريد-، تُصَوِّرهم هذه الملحمةُ الشِّعريةُ الشعبيةُ الأوربيةُ "وَثَنيِّينَ" يعبدون ثالوث!!. ١ - أبوللين Apollin. ٢ - تيرفاجانت Tervagant. ٣ - محمد Mahamed. ° يقول "هوبرت هيركومر" في مقاله السابق: "مِن غرائبِ الأوهام المسيحيَّةِ الكاذبة عن الإسلام اتِّهامُ المسلمين بعبادةِ الأصنام، وتذكر "أغنية رولاند" Chanson de Roland الفرنسيةُ القديمة (حوالي سنة ١١٠٠ م) أسماءَ هذه الأصنام: "أبوللين Apollin"، " وتيرفاجانت Tervagant"، " ماحوميت Mahumet" (محمد). ثم إن هذا الثالوثَ الفَلكي قد تَمَّ تطويرُه في الترجمةِ الألمانية الوسيطة (عصر اللغة الأدبية الألمانية الوسيطة يمتد من القرن الحادي عشر حتى القرن الرابع عشر) لملحمة رولاند Rolandslied التي نَشَرها القِسِّيس "كونراد pfaffe Konrad" حوالي سنة ١١٧٠ م، عندما قام بتكليف مِن دُوق عائلةِ الفلفين "هنري الأسد Heinrich der Loewe " (حوالي سنة ١١٢٩ - ١١٩٥ م) وزوجتِه الأنجلو- فرنسية "ماتهيلدا Mathilde" بتحويل تلك اللحمة إلى

стр. 1358

روايةٍ صليبية. في تلك الرواية، يدعو الكَفَرَةُ "المسلمون" آلهتَهم -قبلَ معركةِ "رونسسفاليس Roncesvalles"" الفاصلة في جبالِ البِرانس- قائلين: "على هؤلاءِ الذين يُريدون الخلاصَ أن يَجتمعوا معًا، ها هو "تيرفاجانت- Tervagant" الرحيم، فلْنَعبُدْه، وكذلك "ماخميت" (محمد Machmet) العزيز، و"أبوللو Apollo" المجيد، ولَنَعبُدْ أيضًا المخلِّصِينَ الآخَرِينَ من الآلهة الخالدة". ° وعندما يَسمعُ الإمبراطورُ "كارل الأكبر Kalser Karl der Grosse" هذا الدعاءَ، تزدادُ ثِقتُه في نجاح مهمَّتِه، حيث يقول: "انظروا إلى هذا الشعبِ الملعون! إنه شَعبٌ ملحِد، لا علاقةَ له بالله، سوف يُمحى اسمُهم من فوق الأرض الزاخرةِ بالحياة؛ لأنهم يَعبُدون الأصنام، لا يمكنُ أن يكونَ لهم أيُّ خَلاصٍ، لقد حُكِم عليهم، فلنبدأ إذن في تنفيذِ الحُكم: بسم الله" .. ثم تبدأ المذبحة. وما زالت النسخةُ المنقَّحةُ لهذه القصة "ملحمة رولاند" التي نَشَرها "شتريكر Stricker" في كتاب بعنوان "كارل الأعظم Karl der Grosse " (كتب بين سنة ١٢١٥ وسنة ١٢٣٣ م) تَحتوي على خُرافةِ الصنم "ماحميت" (محمد Mahmet) (١) . وفي "ملحمة رولاند" في النسخة الألمانية عند "شتريكر" يُطلَقُ لقب "الكَفَرةِ الملحِدين المنغمسِين في شهواتهم جيشِ الشيطان وسِرْبه" على

стр. 1359

المسلمين!! بل وُيلَقَّبون بالكِلاب والكائناتِ الحقيرة (١). * صَلِيبيَّانِ أرادا سرقةَ جسدِ النبي ﷺ وضرب نور الدين زَنكي لرقبتَيْهما: ذَكَر "العماد الحنبلي" في "شَذَرات الذهب" -نقلاً عن المَطَريِّ في كتابه "تاريخِ المدينةِ"-: "أن السلطان "محمودًا" (٢) رأى النبي ﷺ في ليلةٍ واحدةٍ ثلاث مراتٍ، وهو يقول له في كل واحدةٍ منها: "يا محمود، أنقِذْني مِن هَذيْنِ الشخصيْن" -لشخصيْن أشقَرينِ تُجاهه-، فاستحضَرَ وزيرَه قبلَ الصبح، فأخبره، فقال له: هذا أمر حَدَث في مدينة النبي ﷺ ليس له غيرُك، فتجهَّزَ نورُ الدين، وخَرَج على عَجَل بمقدارِ ألفِ راحلةٍ وما يتَبعُها مِن خيل وغيرِ ذلك، دَخَل المدينةَ على غَفلةٍ، فلما زار، طَلَبَ الناسَ عامةً للصَّدَقة، وقال: لا يَبقي بالمدينةِ أحدٌ إلاَّ جاء، فلم يَبقَ إلاَّ رجلانِ مُجاوِرانِ من أهل الأندلس نازِلانِ في الناحية التي قِبلةَ حُجْرَةِ النبيِّ ﷺ من خارج المسجدِ عند دارِ آل عمر بن الخطاب ﵁ .. قالا-: نحنُ في كفاية .. فَجَدَّ في طلبِهما حتى جِيءَ بهما، فلما رآهما قال للوزير: هما هذانِ .. فسألهما عن حالهما وما جاء بهما؟ فقالا: لِمجاورةِ النبي- ﷺ .. فكرر السؤالَ عليهما حتى أفضي إلى العقوبة، فأقرا أنهما من النصَارى، وصلا لكي يَنقِلا النبي- ﷺ -مِنْ هذه الحجرةِ الشريفة، ووَجَدهما قد حَفَرا نَقْبًا تحتَ الأرضِ مِن تحتِ حائطِ المسجد القِبْلِي، ويجعلانِ الترابَ في بئر عندهما في البيت. فضَرَب أعناقَهما عند الشُّباكِ الذي في شَرقِيِّ حُجرةِ النبي ﷺ خارجَ المسجد، ورَكِبَ مُتَوَجِّهًا إلى الشام راجعًا، فصاحَ بهِ مَن كان نازلاً خارج

стр. 1360

السُّورِ، واستغاثوا أن يَبنيَ لهم سُورًا يَحفظُهم .. فأمر ببناءِ هذا السُّورِ، الموجودِ اليوم" (١). هذي المَكارمُ لا قُعبانُ من لَبَنٍ … وذلك السَّيفُ لا سَيف بنِ ذي يَزَنِ * دانتي الإِيطالي صاحب "الكوميديا الإِلهية": ° "دانتي" الإيطالي (١٢٩٥ - ١٣٢١ م) صاحب "الكوميديا الإلهية" التي غدت مَعْلمًا من معالِم ثقافةِ أوروبا منذ عصرِ النهضة وحتى هذه اللحظة، ونصًّا يَدرُسُهُ الطلاَّبُ في المدارس والجامعات .. "دانتي" هذا الكريهُ القِزمُ الكافرُ يقول عنه "هوبرت هيركومر" في مقاله السابق: "كان منطقيًّا -بِناءً على ما سبق- أن يقوم "دانتي" بإقصاء رسول الإسلام ﷺ ، وعليِّ بنِ أبي طالب -زوج ابنتِه فاطمة، والخليفة الرابع-، إلى الحُفرةِ التاسعةِ في ثامنِ حَلْقَةٍ من حَلقاتِ جهنم، حيث يقول في "الكوميديا الإلهية": "برميل فَقَدَ سَدَّادَتَه وضِلْعَه- ليس مشقوقًا مِثلَ شخصٍ هناك- كان مشقوقًا مِن ذَقنه حتى قَضيبِه- عندما أردتُ أن أتأمله بدقةٍ - نظر إليَّ، ثم مَزق صدرَه بيديه، قائلاً: "انظر كيف أمزِّق جِسمي- تعالَ وتأمل كيف يتألَمُ "محمد Mahomet " في جهنم-

стр. 1361

وتَرى أمامي عليَّ بنَ أبي طالب يخطو باكيًا- وقد شُقَّت رأَسُه مِن الذقن حتى شَعْرِ الرأس- وجميعُ مَن تُشاهدُهم هنا في هذا الجزءِ من جهنم- كانوا في الحياةِ الدنيا أهلَ شِجارٍ وشقاق- ولذلك فقد قُطِعت أجسامُهم وشُوِّهت أجسادُهم هنا في دار السعير". اهـ " (١). * مارتن لوثر دَجَّال البروتستانتية يشتم سيِّدَ البشر ﷺ -: عندما قام السويسري البازلي "يوحنَّا أوبورين" سنة ١٥٤٢ م بطبع الترجمة اللاتينية للقرآن، سارعت بلدية مدينة "بازل" بحَظرِ نشره، ولم تَسْحَبْ حظرها إلاَّ بعد التدُّخل المُكَثف "لمارتين لوثر Martin Luther" - مؤسسِ الكنيسة البروتستانتية الإصلاحية-، بَيْدَ أن حُجَّة لوثر في ذلك -كما صاغَها هو بنفسه-، كانت كما يلي: "لقد استيقنتُ أنه لا يُمكنُ عَمَلُ شيءٍ أكثرَ إزعاجًا لـ "لمحمدٍ Mahmet" أو الأتراك، ولا أشدَّ ضررًا (أشد من جميع أنواع السلاح)، من ترجمةِ قرآنهم ونَشرِه بين المسيحيين، عندئذٍ سيتضحُ لهم أيُّ كتابٍ بغيضٍ وفظيع وملعونٍ -هذا القرآن- مَلِيئٍ بالأكاذيبِ والخرافات والفظائع". ° إن "لوثر" البروتستانتي -الذي أهان نبي الإسلام بلا أدنى حياءٍ أو تأنيبِ ضمير، واصمًا إياه بأنه "خادم العاهرات، وصائد المومسات"، كان ينظر إلى قرآنٍ مترجَم إلى اللاتينيةِ في عصر الحروبِ التركية، على أنه

стр. 1362

وَسيلةٌ مثالية لتسليح القلوبِ اليائسةِ للمسيحيين، ورَفع روحِهِمُ المعنوية، حيث أعلَنَ قائلَا: "بعد ظهورِ الأتراك عي حقيقتِهم، أرى أن القساوسةَ عليهم أن يَخطُبوا الآنَ أمامَ الشَّعبِ عن فظائع محمد Mahmet حتى يزدادَ المسيحيُّون عداوةً له، وأيضًا ليتقوى إيمانُهم بالمسيحية، ولتتضاعفَ جَسارتُهم وبَسالتُهم في الحرب، ويضحُّوا بأموالِهم وأنفسِهم .. من شأنِ موعظةٍ كهذه أن يكونَ أثرُها النفسي على المسيحي أشدَّ من طُبولِ الحرب وأبواقها، بل إنها ستَمنحُه قَلْبَ أسدٍ حقيقي في ساحةِ القتال" (١). * تُوماس الأكويني THomas von Aquin الكَذُّاب الأشر وافتراءاته على الإِسلام: "لقد تَورَّط مفكِّرو أوروبا -باستثناءِ حالاتٍ قليلةٍ، ولكنها رائعة-، في علاقةِ طَعن وهجومٍ ضدَّ الإسلام، فصحيح أن توماس الأكويني قد تلقي دَفْعَاتٍ فكريةً هامةً من خلالِ دراستهِ العقلانيةِ للفيلسوف الأرسطوطالي العربي الأندلسي "ابن رشد" (١١٢٦ - ١١٩٨ م)، ولكنه ظل في تقييمِه للإسلام ورسولِ الإسلام محمدٍ ﷺ ، على المستوى الوضيع المكرَّرِ والمعروفِ لعصره، والذي حدَّده "بطرس المبجَّل Petrus Venerabilis" (١١٢٦ - ١١٩٨ م) في مؤلفاته التي طَعن فيها الإسلام. ففي كتابه"الشامل في الردِّ على الكفرة" Summa contra gentiles - الذي مَهَّد الطريقَ أمامَ العمل التبشيري في إسبانيا للدفاع عن المسيحية والطعنِ في الإسلام- نَقل "توماس الأكويني" الاتهاماتِ القديمةَ، وادَّعي

стр. 1363

أن:"ماحوميت Mahmet" (محمدًا) قد أغوى الشعوبَ من خلالِ وُعودِه لها بالمُتَع الشهوانية، وبالتالي لم يَجِدِ الشهوانيون من البشرِ أيَّ صُعوبةِ في اتباع تعاليمه. ° ويستطردُ "توماس الأكويني" قائلاً: "إن محمدًا لم يَرِدْ ذِكرُه في التوراة والأناجيل، ولا يمكنُه أن يدَّعِي أن الرسلَ الأسبَقِين قد تنبؤوا بظهورِه وبعثتِه من بعدِهم". واتهم "توماس الأكويني" رسولَ الإسلام بتحريفِ جميع الأدلةِ الواردةِ في التوراةِ والأناجيل من خلالِ الأساطيرِ والخرافاتِ التي كان يَتلُوها على أصحابِه، ولم يؤمِنْ برسالةِ محمد ﷺ ، إلاَّ المتوحشون من البشر homies bestiales الذين كانوا يَعيشون في البادية (١). * أوتو الفرايسنجي Otto von Freising ينفي تُهمةَ عبادةِ الأصنام عن المسلمين، ولكنه يطعنُ في محمد ﷺ -: كان بُوسع الأوروبيين أن يعرفوا في القرن الثاني عَشَرَ أن "السراسنة" Sarrazin- وهو اسمُ أعداءِ المسيحيين عند "شتريكر Stricker" - لم يَعبُدوا الأصنام، كان هذا على كلِّ حالٍ ما ذكره في تاريخه بوضوح "أوتو الفرايسنجي Otto von Freising (١١١١ / ١٥ - ١١٥٨ م) خال الإمبراطور "فريدريخ بارباروسا Friedrich Barbarossa" فهو- أي: أوتو الفرايسنجي Otto von Freising"- انتَقَد الروايةَ القائلة: (إن المسلمين قد قَتلوا رئيسَ الأساقفةِ"تيمو السالزبورجي Thiemo von Salzburg"؛ لأنه حَطَم أصنامَهم

стр. 1364

بدلاً مِن أن يعبدَها، حيث يشيرُ إلى أن الرواياتِ الموثوقَ فيها تَذهبُ فقط إلى أن "تيمو" قد استُشهد من أجل الديانة المسيحية، ثم يذكرُ المؤرِّخ الدقيقُ في عمله: "أما القول بأن "تيمو" قد حَطَّم الأصنام، فيَصعُبُ تصديقه؛ لأنه من المعروف أن المسلمين Sarazenen لا يَعبُدون، إلاَّ إلهًا واحدًا، ولديهم شريعتُهم السماويةُ، ويمارِسون الختان، كذلك فإنهم يَعترِفون بالمسيح وحوارَّييه وأتباعِهم، وهم فقط بعيدون عن الخَلاصِ لأنهم يُنكِرون أن المسيحَ هو مُخلَّصُ الإنسانية، وأنه الربُّ وابنُ الربِّ في الوقت نفسه، ويقدِّسون المُضَلِّلَ محمدًا، الذي تحدَّثنا عنه سابقًا، باعتباره أعظمَ أنبياءِ الله تعالى" (١). * أرنِسْت رٍينان، يصِفُ الرسولَ محمدًا ﷺ بالخداع والدجل، ويَطعنُ في الإسلام، ويتهِمُه بأنه عدو العلم والعقلِ: أرنست رينان (١٨٢٣ - ١٨٩٢ م) فيلسوف ومستشرق فرنسي. لقد طَعَن "رينان" في الإسلام، وقال: "إنه دين طبيعي عَقلي يتصفُ بالجديةِ والليبرالية والبرود" (٢). وقد وصَفَه أيضًا بأنه "عدوُّ العلم والعقل"، ووصَفَ العربَ بأن عقولَهم قاصرة بطَبعِها غيرُ مُستعِدَّةٍ لفهم ما وراءَ الطبيعة. ومع ذلك فإن آراءَ "رينان" حافلةٌ بالتناقضِ والاضطراب، فبينما هو يَمقُتُ الإسلام ويَحمِلُ عليه ويَنتقِدُه انتقادًا مُرًّا، يعترف برهبةِ هذا

стр. 1365

الدينِ وعَظَمتِه!!. ورأيُ "رينان" في النبيِّ محمدٍ ﷺ رأيُ كافر جهولٍ متعصِّب، فقد وَصَفه بالخِداع والدَّجَل، وقَرَّر أن الذي أسس الإسلامَ وَشيَّد صَرْحَه هو "عُمر"؛ لأنه يُماثِلُ القدِّيسَ "بولس" في المسيحية!!. ° وقال: "إن الإسلام دينٌ لا يَسمحُ بحريَّةِ الفِكرِ ورُوح النقد". ° وقال: "إنَّ الإسلامَ يُعادِي العلمَ والفلسفةَ، وإنه صارمٌ يتحكَّمُ في العبدِ وفي دنياه وفي آخرته، وإنه ذلك القَيدُ الثقيلُ الذي لم تُصَبْ بمثلِه الإنسانيةُ في تاريخها". ° والواقعُ أن "رينان" لم يُثبِتْ في نَظَرِ مؤرِّخيه بأنه باحثٌ مستقرٌّ الفِكرِ، بل عُرف باضطرابِ الرأي، وقد وَصَفه "بيكافيه" أكبرُ الباحثين في إثارة: "بأنه رجل يَقلِب أوضاعَ الأشياءِ والمسائل، وذلك لاختمارِ النَّزعةِ الصليبيةِ في عَقلِه الباطن، وتَمَلُّكها على أفكارِه في الحكم عَلَي مَن يُخالِفُ تعاليمَ دِينِه الأولِ قبلَ إلحادِه وكفرِه". ° وقال مؤرِّخوه: "إنه أفسَدَ الاستشراقَ الفِرنسي بهذه الآراء، وقد سار على نَهجه كازانوفا في كتابه "محمد ونهاية العالم" .. ". ° يقول "رينان" المُلحِد في كتابه "مقالات ومحاضرات": "أقولُ دائمًا -وَلَستُ بحاجةٍ إلى أن أكرِّر-: إن العقلَ البشريَّ يجب أن يُنزَّه من كلِّ المعتقداتِ الدينيَّة، وأنْ يَحصُرَ جُهودَه في مجالِهِ الخاص، وهو إقامةُ العلم الوَضعيِّ". ولرينانَ محاضرة مشهورة ألقاها في ٢٩ مارس ١٨٨٣ في "جامعة

стр. 1366

السربون" عنوانها "الإسلام والعلم"، حَمَل فيها على الإسلام حَمْلَةَ متعصَّبةً عنيفة. ° وقال: "إن الدينَ الإسلاميَّ عَقبةٌ في سَبيل تقدُّم العلم بسببِ التعصُّب". ° وقال: "إنه اضطَهَد العِلمَ والفلسفة، ووَصَف العقليةَ الساميةَ بأنها مُجدِبَةٌ، كالصحراءِ التي نَبَتَتْ فيها". ° وقال: "إن انحطاطَ بلادِ الإسلام في العالَم واضح، وسببُ هذا الانحطاطِ هو أن عقولَ المسلمين بَلغت منَ الحُمقِ غايتَه حتى كأنَّ دِينَهم صار حِجابًا على قُلوبهم، مَنَعها من أن تَعِيَ شيئًا من العلوم". ° وقال: "إن العَجْزَ عن التقدُم ناتجٌ عن دينِ الإسلام، وإن دينَ الإسلام قد نَجَح، ولكن لشقائه، فإنه لَمَّا قَبِلَ الإسلامُ الفلسفةَ قَتَل نفسَه، وحَكَم عليها بالانحطاط التام". وقد رَدَّ على "رينان" رجالٌ من أبناء جِلْدَتِه، منهم "غوستاف لوبون" الذي قد أشار إلى محاضرةِ رينان، ووصَفَها بالتناقض، وأنه أراد أنْ يُثبِتَ عَجْزَ العربِ. ° وقال "لوبون": "ولكنْ ترَّهاتُه كانت تُنقَضُ بما كان يَجِيءُ في الصفحة التي تَليها، فبَعدَ أنْ قال "رينان": إن تقدُمَ العلوم مَدِين للعرب وحدَهم عِدَّةَ سِتمئةِ سنةٍ .. ذكَرَ أن عَدَمَ التسامُح ممَا لا يَعرفُه الإسلام إلاَّ بعدَ أن حَلَّت مَحِل العربِ شعوبٌ متأخِّرةٌ كالبَرْبر والتُرك .. ثم عاد فادَّعي أن الإسلام اضطَهَد العلمَ وقَضَي على العقل في البلادِ التي دَانت له!! ".

стр. 1367

* فكتور شوفان (١٨٤٤ - ١٩١٣ م): فكتور شوفان، مستشرق بلجيكي، عَمِل أستاذًا للغةِ العربية بجامعة "ليج"، ووضع فِهرسًا مفصلاً للكتابات التي صَدَرت حولَ محمدٍ ﷺ ، وذلك في الجزء التاسع كتابه "فهرس المصنَّفات العربية أو المصنَّفات المتصلةِ بالغرب"، وقد وَضع الفهرسَ في اثنَىْ عَشَر جزءً. وفي القِسم الأول من هذا المؤلَّف يتناولُ "شوفان" المؤلَّفاتِ الحديثةَ - أي المؤلَّفات التي صَدَرت حولَ محمد ﷺ في الفترة الممتدة من عام ١٨١٠ حتى عام ١٩٠٨ - ، وبجانب ذِكرِه لعناوينِ هذه المؤلَفات بكلَّ دقةٍ، فإنه يُقدَّمُ لنا أيضًا بيانًا بمحتوياتِ المؤلَّفاتِ ذاتِ الأهمية، ويشيرُ إلى أهمِّ ما وُجِّه إليها من نَقدٍ. أمَّا القسمُ الثاني، فإنه يتضمنُ ذِكرَ المؤلَفاتِ السابقةِ على عام ١٨١٠، ويتناولُ بالتفصيل -بصفةٍ خاصةٍ - المؤلَفاتِ البيزنطيةَ والأسبانيةَ ومؤلَّفاتِ القرون الوسطي. وفي القسم الثالث يَتناولُ رسائلَ جامعيةً حولَ بعضِ المسائل الخاصة مثل: الوفود، بدر، بَحِيرى، الصَّرَع، فاطمة، نساء محمد، شجرة النَّسَب، المعجزات، وفاة محمد، مولده، نَبَالة نسبه، أسماء محمد، صورته الجسمية وأخلاقه .. إلخ. وأما القسم الرابع، فإنه يُخصِّصُه للأساطير الغربية عن محمدٍ ﷺ كما يُخصِّصُ القسمَ الخامسَ للحديثِ عن محمد ﷺ في الأدب. ولعلَّ القارئَ يلاحظُ هنا أن موضوعَ "الصَّرَع" مُقحَم بين هذه

стр. 1368

الموضوعات التي تتحدَّثُ عن سيرةِ محمدٍ ﷺ ، وأن الأمرَ هنا ربما يدورُ حولَ خطأٍ مطبعيٍّ أو خطأٍ من الترجمة! ولكن الأمرَ ليس كذلك، فالحديثُ عن "الصرع" هنا حديثٌ مقصود، إذ يَحلُو لبعضِ المستشرقين أن يُفسروا ظاهرةَ "وحي الله" إلى نبيِّه ﵊ بأنها كانت عبارةً عن نَوباتٍ من الصرَع تَعتريه بين الحِين والحين، وذلك انطلاقًا مِن مبدأِ عدم الاعترافِ بنبوَّته، وبالتالي فليس هناك أصلاً -في زعمهم- وَحيٌ كان يأتيه. وهذا الموقفُ يَدخلُ في باب التعصُّبِ الأعمي الذي هو نفسُه مرضٌ لا أَمَلَ في شِفائه، ولا جَدوى من علاجِه. * القِسِّيس السويسري ببلياندر: وَضَع هذا القسيسُ كتابًا من ثلاثةِ مجلداتٍ، وصدر عام ١٥٤٣ م، ويمثِّل الوضعَ الذي وَصَل إليه الجَدَلُ كلُّه ضِدَّ الإسلام حتى ذلك العصر، كما يمثل حاصلَ هذا الجدل، فالكتابُ لا يَشتملُ فقط على الترجمة اللاتينية للقرآن، والتي تَمَّتْ قبلَ ذلك بأرْبَعِمِئةِ عام، وإنما يَشتملُ أيضًا على عددٍ كبير من الكتاباتِ المضادَّةِ للقرآن والإسلام، ابتداءً من عَصرِ بطرس الموقَّر حتى عصرِ الإصلاح الديني (١). * هوتنجر السويسري (١٦٢٠ - ١٦٦٧ م): هذا المستشرقُ السويسري كان أستاذًا للغات السامِية في كل من "زيوريخ وهايدلبرج"، ويقدِّمُ في كتابه "تاريخ الشرق" الصادرِ في "زيوريخ" عام ١٦٥١ م نقضًا للقرآن، إسهامًا في مكافحةِ الخُرافات

стр. 1369

المحمدية -كما يدَّعي هذا الأفَّاك - (١). * الأبُ الإِيطالي لودفيج ماراتشي: أمضَى هذا الأثيم أربعين عامًا في دراسةِ القرآن، وكُتبِ التفسير العربية لكي يحاربَ محمدًا ﷺ بنفسِ سلاحه، وقد كانت حَصيلةُ هذه الدراسةِ هذا العملَ الأسودَ الضحمَ الذي أنجزه، والذي تَضمَّن النصَّ العربيَّ الكاملَ للقرآن مع ترجمةِ لاتينيةٍ مصحوبةٍ بهوامشَ توضيحية، ونقضٍ مُفصَّلٍ لكل فقرةِ قرآنيةٍ على حِدَة، وقد أصدر "مراتشي" قبل ذلك في عام ١٦٩١ م كتابًا حَولَ نقضِ القرآن، قَدَّم فيه لَمحةً عن حياةِ محمدٍ ﷺ وعن القرآن، ثم بَرْهَنَ -كما يزعمُ ويَفتري ويدَّعي- على بُطلانِ الإسلام وحقيقةِ الديانة المسيحية .. وكل ما كَتَبه عن محمدٍ ﷺ يلاحَظُ فيه النفورُ إزاءَ محمدٍ ﷺ -وتعاليمه (٢) .. يا ناطِحَ الجَبَلِ العالي لتُكْلِمَهُ … أشفِقْ على الرأسِ لا تُشفِق على الجَبَلِ * ماراتشي Marracci: وقد قدَّم "ماراتشي" في كتابه "الرائد في تفنيد القرآن" (٣) نَظرةً على حياةِ وأعمالِ محمدٍ مؤلِّف القرآن. وقد حاول جاهدًا -كما فَعل "بوكوك وهوتنجر"- أن يَرجعَ إلى مصادرَ عربية، وُيعبِّرُ "مارتشي" هنا عن الغايةِ مِن وصفه لحياةِ محمدٍ على النحو

стр. 1370

التالي: "إذا أردتُ أصوِّرَ حياةَ محمدٍ حسبما كَتب في ذلك مؤلِّفونا وكُتَّابُنا، فسأجعلُ نفسي مَدْعاةً للسخرية لدى المحمَّديين، فالفرقُ كبير جدًّا بين ما يَروُونه وما نَرويه نحن، لدرجةِ أنَّ المرء لا يُمكنُه أن يُصدّقَ أنَّ كِلا الجانبيَنِ يتناولُ بالحديث رجلاً واحدًا، ومِن أجل ذلك فإنني أريدُ أن أتابعَ أولئك، ليس لأني آخُذُ كل شيءٍ على أنه حق، بل لأننا إذا تناوَلْنا عدوَّ الدينِ بالنقض والتنفيد، فإن محاربتَه بأسلحتِه هو أفضلُ مِن محاربته بأسلحتنا، وحينئذٍ يَسهُلُ التغلُّبُ عليه. وبالإضافة إلى ذلك، فإن كثيراً من كُتَّابنا يَروُونَ عن محمدٍ أشياءَ تُثيرُ الضحِكَ لدى المحمَّديين، ولا تُجدِي إلاَّ في زيادةِ تقويتهم في خرافاتِهم، وعلى ذلك فإني سأعتمدُ في الحديث عن حياةِ محمدٍ على أكثرِ المؤلفين العرب قَدرًا، وإذا كنتُ على عِلمٍ أيضًا بأن هؤلاء يأتون بالكثيرِ من الأكاذيب لإعلاءِ شأنِ نبيهم الزائفِ، فإنني لن أجعلَهم يعتبرونني كاذبًا". ° وقد ظل رسولُ الله ﷺ لدى "ماراتشي" هو النبيَّ الزائفَ، والمُضَلِّلَ والغاصبَ، ومؤسِّسَ طائفةٍ تُثيرُ الاشمئزاز، ومؤلِّفَ كتابٍ -يعني: القرآن- مملوءٍ بالتناقضاتِ والخرافاتِ الكاذِبةِ والأباطيل (١). ° لقد كان "مارتشي" أحدَ رجالِ اللاهوت الإيطاليين، أمضى حياتَه كلَّها في إعدادِ دراساتٍ هَدَفُها البرهنةُ -كما يزعُم- على بُطلانِ الإسلام وحقيقةِ الديانة المِسيحية، وقد صَدَر كتابُه في "تفنيد القرآن" عام ١٦٩١ م، وقدَّم فيه أيضًا لَمحةً عن حياةِ محمدٍ، ثم نَشَر النص العربي الكاملَ للقرآنِ
следующие страницы →