← Сира

Сира · id 96964

وا محمداه إن شانئك هو الأبتر

سيد حسين العفاني

Полный текст (2 668 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

السربون" عنوانها "الإسلام والعلم"، حَمَل فيها على الإسلام حَمْلَةَ متعصَّبةً عنيفة. ° وقال: "إن الدينَ الإسلاميَّ عَقبةٌ في سَبيل تقدُّم العلم بسببِ التعصُّب". ° وقال: "إنه اضطَهَد العِلمَ والفلسفة، ووَصَف العقليةَ الساميةَ بأنها مُجدِبَةٌ، كالصحراءِ التي نَبَتَتْ فيها". ° وقال: "إن انحطاطَ بلادِ الإسلام في العالَم واضح، وسببُ هذا الانحطاطِ هو أن عقولَ المسلمين بَلغت منَ الحُمقِ غايتَه حتى كأنَّ دِينَهم صار حِجابًا على قُلوبهم، مَنَعها من أن تَعِيَ شيئًا من العلوم". ° وقال: "إن العَجْزَ عن التقدُم ناتجٌ عن دينِ الإسلام، وإن دينَ الإسلام قد نَجَح، ولكن لشقائه، فإنه لَمَّا قَبِلَ الإسلامُ الفلسفةَ قَتَل نفسَه، وحَكَم عليها بالانحطاط التام". وقد رَدَّ على "رينان" رجالٌ من أبناء جِلْدَتِه، منهم "غوستاف لوبون" الذي قد أشار إلى محاضرةِ رينان، ووصَفَها بالتناقض، وأنه أراد أنْ يُثبِتَ عَجْزَ العربِ. ° وقال "لوبون": "ولكنْ ترَّهاتُه كانت تُنقَضُ بما كان يَجِيءُ في الصفحة التي تَليها، فبَعدَ أنْ قال "رينان": إن تقدُمَ العلوم مَدِين للعرب وحدَهم عِدَّةَ سِتمئةِ سنةٍ .. ذكَرَ أن عَدَمَ التسامُح ممَا لا يَعرفُه الإسلام إلاَّ بعدَ أن حَلَّت مَحِل العربِ شعوبٌ متأخِّرةٌ كالبَرْبر والتُرك .. ثم عاد فادَّعي أن الإسلام اضطَهَد العلمَ وقَضَي على العقل في البلادِ التي دَانت له!! ".

стр. 1367

* فكتور شوفان (١٨٤٤ - ١٩١٣ م): فكتور شوفان، مستشرق بلجيكي، عَمِل أستاذًا للغةِ العربية بجامعة "ليج"، ووضع فِهرسًا مفصلاً للكتابات التي صَدَرت حولَ محمدٍ ﷺ ، وذلك في الجزء التاسع كتابه "فهرس المصنَّفات العربية أو المصنَّفات المتصلةِ بالغرب"، وقد وَضع الفهرسَ في اثنَىْ عَشَر جزءً. وفي القِسم الأول من هذا المؤلَّف يتناولُ "شوفان" المؤلَّفاتِ الحديثةَ - أي المؤلَّفات التي صَدَرت حولَ محمد ﷺ في الفترة الممتدة من عام ١٨١٠ حتى عام ١٩٠٨ - ، وبجانب ذِكرِه لعناوينِ هذه المؤلَفات بكلَّ دقةٍ، فإنه يُقدَّمُ لنا أيضًا بيانًا بمحتوياتِ المؤلَّفاتِ ذاتِ الأهمية، ويشيرُ إلى أهمِّ ما وُجِّه إليها من نَقدٍ. أمَّا القسمُ الثاني، فإنه يتضمنُ ذِكرَ المؤلَفاتِ السابقةِ على عام ١٨١٠، ويتناولُ بالتفصيل -بصفةٍ خاصةٍ - المؤلَفاتِ البيزنطيةَ والأسبانيةَ ومؤلَّفاتِ القرون الوسطي. وفي القسم الثالث يَتناولُ رسائلَ جامعيةً حولَ بعضِ المسائل الخاصة مثل: الوفود، بدر، بَحِيرى، الصَّرَع، فاطمة، نساء محمد، شجرة النَّسَب، المعجزات، وفاة محمد، مولده، نَبَالة نسبه، أسماء محمد، صورته الجسمية وأخلاقه .. إلخ. وأما القسم الرابع، فإنه يُخصِّصُه للأساطير الغربية عن محمدٍ ﷺ كما يُخصِّصُ القسمَ الخامسَ للحديثِ عن محمد ﷺ في الأدب. ولعلَّ القارئَ يلاحظُ هنا أن موضوعَ "الصَّرَع" مُقحَم بين هذه

стр. 1368

الموضوعات التي تتحدَّثُ عن سيرةِ محمدٍ ﷺ ، وأن الأمرَ هنا ربما يدورُ حولَ خطأٍ مطبعيٍّ أو خطأٍ من الترجمة! ولكن الأمرَ ليس كذلك، فالحديثُ عن "الصرع" هنا حديثٌ مقصود، إذ يَحلُو لبعضِ المستشرقين أن يُفسروا ظاهرةَ "وحي الله" إلى نبيِّه ﵊ بأنها كانت عبارةً عن نَوباتٍ من الصرَع تَعتريه بين الحِين والحين، وذلك انطلاقًا مِن مبدأِ عدم الاعترافِ بنبوَّته، وبالتالي فليس هناك أصلاً -في زعمهم- وَحيٌ كان يأتيه. وهذا الموقفُ يَدخلُ في باب التعصُّبِ الأعمي الذي هو نفسُه مرضٌ لا أَمَلَ في شِفائه، ولا جَدوى من علاجِه. * القِسِّيس السويسري ببلياندر: وَضَع هذا القسيسُ كتابًا من ثلاثةِ مجلداتٍ، وصدر عام ١٥٤٣ م، ويمثِّل الوضعَ الذي وَصَل إليه الجَدَلُ كلُّه ضِدَّ الإسلام حتى ذلك العصر، كما يمثل حاصلَ هذا الجدل، فالكتابُ لا يَشتملُ فقط على الترجمة اللاتينية للقرآن، والتي تَمَّتْ قبلَ ذلك بأرْبَعِمِئةِ عام، وإنما يَشتملُ أيضًا على عددٍ كبير من الكتاباتِ المضادَّةِ للقرآن والإسلام، ابتداءً من عَصرِ بطرس الموقَّر حتى عصرِ الإصلاح الديني (١). * هوتنجر السويسري (١٦٢٠ - ١٦٦٧ م): هذا المستشرقُ السويسري كان أستاذًا للغات السامِية في كل من "زيوريخ وهايدلبرج"، ويقدِّمُ في كتابه "تاريخ الشرق" الصادرِ في "زيوريخ" عام ١٦٥١ م نقضًا للقرآن، إسهامًا في مكافحةِ الخُرافات

стр. 1369

المحمدية -كما يدَّعي هذا الأفَّاك - (١). * الأبُ الإِيطالي لودفيج ماراتشي: أمضَى هذا الأثيم أربعين عامًا في دراسةِ القرآن، وكُتبِ التفسير العربية لكي يحاربَ محمدًا ﷺ بنفسِ سلاحه، وقد كانت حَصيلةُ هذه الدراسةِ هذا العملَ الأسودَ الضحمَ الذي أنجزه، والذي تَضمَّن النصَّ العربيَّ الكاملَ للقرآن مع ترجمةِ لاتينيةٍ مصحوبةٍ بهوامشَ توضيحية، ونقضٍ مُفصَّلٍ لكل فقرةِ قرآنيةٍ على حِدَة، وقد أصدر "مراتشي" قبل ذلك في عام ١٦٩١ م كتابًا حَولَ نقضِ القرآن، قَدَّم فيه لَمحةً عن حياةِ محمدٍ ﷺ وعن القرآن، ثم بَرْهَنَ -كما يزعمُ ويَفتري ويدَّعي- على بُطلانِ الإسلام وحقيقةِ الديانة المسيحية .. وكل ما كَتَبه عن محمدٍ ﷺ يلاحَظُ فيه النفورُ إزاءَ محمدٍ ﷺ -وتعاليمه (٢) .. يا ناطِحَ الجَبَلِ العالي لتُكْلِمَهُ … أشفِقْ على الرأسِ لا تُشفِق على الجَبَلِ * ماراتشي Marracci: وقد قدَّم "ماراتشي" في كتابه "الرائد في تفنيد القرآن" (٣) نَظرةً على حياةِ وأعمالِ محمدٍ مؤلِّف القرآن. وقد حاول جاهدًا -كما فَعل "بوكوك وهوتنجر"- أن يَرجعَ إلى مصادرَ عربية، وُيعبِّرُ "مارتشي" هنا عن الغايةِ مِن وصفه لحياةِ محمدٍ على النحو

стр. 1370

التالي: "إذا أردتُ أصوِّرَ حياةَ محمدٍ حسبما كَتب في ذلك مؤلِّفونا وكُتَّابُنا، فسأجعلُ نفسي مَدْعاةً للسخرية لدى المحمَّديين، فالفرقُ كبير جدًّا بين ما يَروُونه وما نَرويه نحن، لدرجةِ أنَّ المرء لا يُمكنُه أن يُصدّقَ أنَّ كِلا الجانبيَنِ يتناولُ بالحديث رجلاً واحدًا، ومِن أجل ذلك فإنني أريدُ أن أتابعَ أولئك، ليس لأني آخُذُ كل شيءٍ على أنه حق، بل لأننا إذا تناوَلْنا عدوَّ الدينِ بالنقض والتنفيد، فإن محاربتَه بأسلحتِه هو أفضلُ مِن محاربته بأسلحتنا، وحينئذٍ يَسهُلُ التغلُّبُ عليه. وبالإضافة إلى ذلك، فإن كثيراً من كُتَّابنا يَروُونَ عن محمدٍ أشياءَ تُثيرُ الضحِكَ لدى المحمَّديين، ولا تُجدِي إلاَّ في زيادةِ تقويتهم في خرافاتِهم، وعلى ذلك فإني سأعتمدُ في الحديث عن حياةِ محمدٍ على أكثرِ المؤلفين العرب قَدرًا، وإذا كنتُ على عِلمٍ أيضًا بأن هؤلاء يأتون بالكثيرِ من الأكاذيب لإعلاءِ شأنِ نبيهم الزائفِ، فإنني لن أجعلَهم يعتبرونني كاذبًا". ° وقد ظل رسولُ الله ﷺ لدى "ماراتشي" هو النبيَّ الزائفَ، والمُضَلِّلَ والغاصبَ، ومؤسِّسَ طائفةٍ تُثيرُ الاشمئزاز، ومؤلِّفَ كتابٍ -يعني: القرآن- مملوءٍ بالتناقضاتِ والخرافاتِ الكاذِبةِ والأباطيل (١). ° لقد كان "مارتشي" أحدَ رجالِ اللاهوت الإيطاليين، أمضى حياتَه كلَّها في إعدادِ دراساتٍ هَدَفُها البرهنةُ -كما يزعُم- على بُطلانِ الإسلام وحقيقةِ الديانة المِسيحية، وقد صَدَر كتابُه في "تفنيد القرآن" عام ١٦٩١ م، وقدَّم فيه أيضًا لَمحةً عن حياةِ محمدٍ، ثم نَشَر النص العربي الكاملَ للقرآنِ

стр. 1371

عام ١٦٩٨ م مع ترجمةٍ لاتينيةٍ مصحوبةٍ بهوامشَ كثيرةٍ، ومحاولةٍ فاشلةٍ لنَقْضِ القرآن فقرةً فقرة، وينطلقُ "مارتشي" في دراساته -مثلما يفعلُ غيرُه من اللاهوتيين ومعظمُ المستشرقين- من فرضيةٍ يَضَعونها كأنها حُجَّةٌ مسلِّمةٌ، ويَبنون عليها كل مزاعِمِهم، وتتمثَّلُ هذه الفَرْضيَّةُ في أن محمدًا ليس نبيًّا حقيقيًّا، وأنه هو الذي قام بتأليفِ القرآن، وقد سبق أنْ فَعَل الشيءَ نفسَه مشركو مكة، وقد وَصف "بفانموللر" نفسُه موقفَ "ماراتشي" بأنه "نُفورٌ داخليٌّ إزاءَ محمدٍ وتعاليمه"، فكيف يُنتظرُ منه -وقلبُه مليء هكذا بالحقدِ على الإسلام- أن يكون منصِفًا للإسلام ونبيِّه؟! وأين ذلك من تعاليم القرآن -التي لابدَّ أنه قد اطَّلَع عليها- والتي تتمثلُ في الإنصافِ المطلقِ الذي يعلو فوقُ كلِّ اعتبار؟! ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]. * همفري بريدو (١٦٤٨ - ١٧٢٤): هذا المستشرقُ الإنجليزى الذي جَعَل كتابه "حياة محمد" مرآةً تعكِسُ نُفورَه من محمدٍ ﷺ ، وتعكِسُ الصورةَ الخاصَّةَ لكل من الكفَّارِ والزنادقةِ وأصحابِ مذهبِ "التأليه الطبيعي" والإباحيين (١). ° يقول نجيب العقيقي معلقًا على كتاب "حياة محمد" لـ "بريدو": "إنه ترجمةٌ تافهةٌ لا غَنَاء فيها" (٢). ويُصوِّر "بريدو" محمدًا ﷺ ليس بوَصفِه أكبرَ الدجَّالين فحسب، بل

стр. 1372

بوَصفه أيضًا أحد المجرمين. وقد أراد "بريدو" أن يكونَ كتابُه مجرد جزءٍ من تاريخ الكنيسة في الشرق، وأن يُثبِتَ فيه أن النبيَّ ﷺ كان بمَثابةِ سَوطِ الله لمعاقبةِ الكنائسِ الشرقية وحَمْلِها علي التوبة النصوح. وقد صَدَر الكتابُ في "لندن" عام ١٦٩٧، وصَدَر بالفرنسية عام ١٦٩٨ م. ويصف "بفانموللر" موقف "بريدو" من رسولِ الله ﷺ بأنه "حَمَاسٌ حَقود" (١). * هادريان ريلاند (١٧٧٦ - ١٨١٨ م): هذا المسشرقُ الهُولندي كان أستاذًا للغات الشرقية في جامعة "أوترشت" بهولندا، ومن مؤلَفاته التي كان لها صَدَى بعيدٌ في أوربا كتابه عن الإسلام في مجلدَيْن: أحدهما عن "الديانة الإسلامية"، والثاني: "حول تصويب فكرة الأوربيين الخاطئة عن الإسلام"، وقد تُرجِم الكتابُ إلى عدَّةِ لغاتِ أوروبية، وكان "ريلاند" أولَ مَن قام بعرض عِلميٍّ للإسلام في أوروبا، ومع هذا حَرَّمت الكنيسةُ تَداوُلَ الكِتاب. ° يقول "بفانموللر" المستشرقُ الألماني في كتابه "موجز في أدب علوم الإسلام": "قال "ريلاند": هل مِن الممكن أن تَجِدَ ديانة متناقضة -كما يَصِفُها المؤلفون المسيحيون- ملايينَ الأتباع؟ دَعُوا المسلمين أنفسَهم

стр. 1373

يَصفون لنا دينَهم. وفضلاً عن ذلك فإنه يَتحتَّم على المرءِ أن يعرفَ الإسلامَ جيِّدًا لكي يستطيعَ أن يُحاربَه بطريقةٍ فعَّالةٍ، ولكنْ ضرورةُ محاربتِه تنمو مع كلِّ يومٍ؛ لأن علاقاتِ الأوروبيين بالمحمديِّين في تركيا وإفريقيا وسوريا وإيران وجُزرِ الهند التابعة لهولندا تتَّسع دائرتُها باستمرار، وفي وُسْع المرءِ -عن طريقِ النقاش الدِّينيِّ- أن يَكسِبَ المسلمين إلى صفِّ العقيدةِ الحقَّة، وهذا أفضلُ بكثير منَ القيام بتوجيهِ الشتائم لهم بطريقةٍ حمقاء. والمعرفةُ الدقيقةُ بالإسلام وأتباعِه ستجعلُنا نَضَعُ مكانَ الكبرياءِ الساذجةِ الإحساسَ بالشكر لله الذي أنعَمَ علينا من فضلة بالمسيحية. وعلى الرغم من كلِّ ذلك، فإنه لم يَدُرْ بخَلَدِ "ريلاند" أن يقومَ بتمجيدِ الإسلام، فهو بالأحرى يستفظعه كما يوضح هو ذلك" (١). * جان جانييه (١٦٧٠ - ١٧٤٠) العدوُّ اللدود لرسول الله ﷺ -: كان هذا المجرمُ أستاذًا للعبريَّة ثم العربية في "أكسفورد"، وفي عام ١٧٢٣ قام بترجمة "سيرة النبي" لأبي الفداء إلى اللاتينية ثم إلى الفرنسية، وقد ألَّف كتابًا عن حياةِ محمدٍ ﷺ في جزئينِ بالفرنسية (١٧٣٢) م. وفي مقدِّمةِ كتاب جانييه يَصِفُ هذا المجرمُ رسولَ الله ﷺ بأنه أكثرُ الناس شرًّا، وبأنه عدوٌّ لدودٌ لله (٢).

стр. 1374

* جورج سيل (١٦٩٧ - ١٧٣٦): مستشرقٌ إنجيلزي، ترجم القرآنَ إلى الإنجليزية، ونُشرت الترجمةُ في لندن عام ١٧٣٤ م، وقد اشتملت على حواشٍ وشروح ومقدِّمةٍ مُسهَبَةٍ عن الدين الإسلاميِّ تَضمَنتِ الكثيرَ من الإفك واللغوِ والتجريح، ووَصَف الرسولَ ﷺ والنظرَ إليه على أنه مُضلِّل (١). ويَرى هذا الدَّجالُ أن محمدًا ﷺ لم يكن واحداً من أمثالِ جبابرة الملحِدين -كما يتصوَّرة المسيحيُّون عادةً-، والضرر الذي ألحقه محمدٌ بالمسيحية يُنسَبُ إلى جَهلِه أكثرَ مما يُنسَب إلى خُبثه!!. ° يقول الدكتور محمود حمدي زقزوق: "يَزعُمُ المستشرقون واللاهوتيون أن محمدًا ﷺ لم يَعرِفِ التعاليمَ "الصحيحة" للمسيحية، وبَنَى معارضتَه للتعاليم المسيحية على ما عَرَفه من صورةٍ زائفةٍ كانت شاسعةً حينذاك، ويُعبِّرُ مستشرقٌ معاصر هو "رُودي بارت" عن ذلك بقوله: لقد كانت معلوماتُ الناس عن المسيحية في مكةَ في العصر الذي عاش فيه محمدٌ معلوماتٍ محدودةً وناقصةً، ولم يكن المسيحيون العَربُ يَسلُكون النَّهْجَ الصحيحَ في معتقداتهم، وكانت تَرُوج هناك آراءُ بِدعيَّةٌ منحرفةٌ، ولولا ذلك -كما يزعمُ "بارت"- لَمَا كان محمدٌ على علم بأمثالِ تلك الآراءِ التي تنكِر صَلْبَ المسيح، وتَذهبُ إلى أن نَظريةَ "التثليث" لا تَعني الآب والابن وروح القدس، وإنما تَعني اللهَ وعيسي ومريم إلخ (راجع كتابنا: "الإسلام في الفكر الغربي" (٦٧) وما بعدها).

стр. 1375

وهكذا يُنكِرُ المستشرقون أن يكون محمد ﷺ قد تلقي معلوماتِه عن المسيحية من أعلي عن طريقِ وَحيٍ سَمَاوي أراد اللهُ به أن يُصحِّحَ العقائدَ التي أفسَدتها عقولُ البشرِ على مر العصور (١). * فولتير وروايتُه السوداءُ المأساوية الكاذِبة "محمد أو التعصُّب" (١٦٩٤ - ١٧٧٨ م): فيلسوف وأديب فِرنسي شهيرُ، يَعدُّ قُطْبَ عصرِ التنوير -كما يُسَمُّونه- في فرنسا. "فرانسوا ماري أرويه" المعروف باسم "فولتير Voltaire". ° كَتب فولتير مسرحيتَه السوداءَ الشهيرة -التي أسماها (التعصُّب أو محمد النبي" التي عُرِضت لأولِ مرةِ- في مدينة "لِيل" بفرنسا عام ١٧٤١ م وأهداها إلى "البناينوا الرابعَ عَشَرَ"، ويقول في تقديمه المسرحية: "إلى رئيسِ الديانةِ الحقيقية ضدَّ مؤسس ديانةِ كاذبةٍ بربريةٍ، أضَعُ عند مَوطِئِ قَدَمَيْك الكتابَ ومؤلِّفَه، إن صاحبَ القَدَاسةِ سيَغفرُ ولا شك الجُرأةَ التي يأخذُ أسبابَها أحدُ المؤمنين المتواضِعين في أنْ يُهديَ حبرَ أحبارِ الكنيسةِ الكاثوليكية الحَقَّةِ هذه المسرحية" (٢). ولقد سب فيها "فولتير" رسولَ الله ﷺ سيدَ البشر سبًّا مُقذِعًا، ووَصَفه بأنه كان "دجَّالاً، ومستبدًا، تُحركه الشهواتُ الحِسيّةُ،

стр. 1376

ومُتعطِّشًا للدماء". ° يقول المستشرق الألماني "بفانموللر" في كتاب "موجز في أدب علوم الإسلام": (أما "فولتير"، فقد كَتب روايتَه المأساوية "محمد أو التعصُّب" دون أن يراعيَ الحقائقَ التاريخية، وقد كان "فولتير" نفسُه مقتنِعًا بأن كتابَه المنبثِقَ من خيالِه يَتناقضُ تناقضًا حادًّا مع التاريخ، ومع ذلك فقد أراد أن يَعرِضَ على الجمهورِ شَخصيةَ "تارتوف Tartuffe " (١) ممسكًا سلاحًا في يده، وكان يَعتقدُ أنه يستطيعُ أن يُعِيرَ "محمدًا" هذا الدَّورَ، ولكن "فولتير" لم يكن له أن يفعل ذلك، لو لم يكن التصوُّرُ السائدُ حينَذَاك هو أن محمدًا يُمثِّلُ التعصُّبَ والتضليلَ الديني. وهكذا كانت أوروبا تَمُوجُ بآراءَ كثيرةٍ حولَ عَمَل محمد، ولكن الحِس التاريخي الحقيقي الذي يَتمتُع به خِيرةُ علماءِ عصرِنا، كان لا يزالُ معدومًا تمامًا" (٢). ° يقول الدكتور "محمود حمدي زقزوق": "إنه لأَمرٌ غريبٌ حقًّا أن يلجأَ "فولتير" إلى التشهير بالنبي ﷺ ، جاعلاً منه في هذه الروايةِ التي مُثِّلت على المسرح "منافقًا لا يعرفُ الحياءَ، ومُضَلِّلَا، وظالمًا تدفعُه النوازعُ الحِسيةُ والتعطُّشُ للدماء .. إلخ"، وهو يعلمُ تمامَ العلم أن كل ذلك غيرُ صحيح ولا يتفقُ مع الحقيقةِ التاريخية، ولكن "فولتير" أراد بذلك أن يتخذَ من محمدٍ

стр. 1377

أداةَ حربٍ على الكنيسة على طريقةِ "أياك أعني، واسمعي يا جارة"، ولذلك يقول "بفانموللر": "لكن "فولتير" لم يُرِدْ إطلاقًا "بمأساته" أن يُصور شخصيةَ محمدٍ التاريخية، وإنما أراد بذلك فقط أن يُحوِّل دَفَّةَ الحديثِ ضدَّ المسيحية الكاثوليكية، وضدَّ التضليل الكهنوتي، وضدَّ الخرافات، وضدَّ الدينِ نفسِه وما يَرتبطُ به ضرورةً مَن تعصَّب". وقد مُثِّلت المسرحيةُ في مدينة "لِيل" عام ١٧٤١ م، ثم قَدَّمتها "الكوميدي فرانسيز" في باريس عام ١٨٤٢ م، فاحتَجَّ عليها السفيرُ التركي لدى الحكومةِ الفرنسية، وعَقَد مؤتمرًا دعا إليه كُتَّابَ فرنسا الأحرار، فأَوقَفَتِ الحكومةُ تمثيلَها حينذاك (انظر: "الشرق والإسلام في أدب جوته" لعبد الرحمن صدقي ص ٢٣). وبجانب هذه الصورةِ الظالمةِ، نَجِدُ "فولتير" في مقالته moeurs) Esai sur les) يُقدم لنا صورةً أخرى، يَصِفُ فيها "محمدًا" بأنه "الرجل العظيم الذي جَمع في شخصِه بين الفاتح والمُشرع والحاكِم والكاهن، والذي لَعِبَ أعظمَ الأدوارِ التي يُمكنُ أن يَلعَبَها إنسان على ظَهرِ الأرض" (انظر "بفانموللر" ١٧٢). وفي وَسَطِ هذا البحرِ المتلاطِم بأمواج التخبُّطِ الواضح والتناقضِ الصارخ، لم يكن هناك كان للحقيقةِ التاريخيةِ والموضوعيةِ النزيهة. وممَّا هو جديرٌ بالذكر أن "فولتير" كان يُعَدُّ من الملَاحِدِة حينًا، ومِن مُنكِرِي النبوَّاتِ عامة في أكثر الأحايين" (١).

стр. 1378

نِفاقٌ كَريهٌ، وتَضليل متعمد، وعَمَل لا أخلاقي، وحوادثُ وشخصيات مفتعَلَة قائمةٌ على التخيُّل أكثَرَ ممَا تقومُ على الواقعِ التاريخي، ثم لَم يتحرز من الأخطاءِ الكبرى لحقائقَ يعرفُها كلُّ مَن يعرفُ تاريخ الإسلام، فيَجعلُ "الزبير" زعيمًا لسادةِ قريش المناهِضِين لمحمد!! وهو يُوجِّهُ كتابَه على نحوٍ مثير، يَفضحُ دَخِيلةَ النفس، ويَكشِفُ عن الضعفِ البَشري لكاتبٍ وُصف بأنه "حُرُّ الفِكر". " فولتير" الذي قَدَمه المثقفون العِلمانيوُن في بلادنا باعتباره نموذجَ "الشجاعةِ الفكرية"، "المستعد للموت في سبيل حُريَّة الآخرين"!!! يَجعلُ هذا الأفاكُ الدَّجالُ رسولَ الله ﷺ وهو خيرُ المتسامِحِين الذي أرسله اللهُ رحمةً للعالمين-، يَجعلُه نموذجًا ورمزًا للتعصُّب، ويُخفِي "فولتير" في هذه المسرحيَّةِ جُبْنَه أمامَ الكنيسة، وخَوْفَه من مهاجمةِ المسيحية أو نَقدِها، بالهجوم على الإسلام ورسولِ الإسلام. ° وكتب "جمال الدين الأفغاني" كاشفًا لحقيقةِ الذي جعلوه فيلسوفًا للحرية والتنوير، كتب الأفغاني عن "فولتير" و"رُوسو" (١٧١٢ - ١٧٧٨ م) فقال: "ولقد زَعَمَا حمايةَ العَدْلِ، ومُغالبةَ الظُلم، والقيامَ بإنارةِ الأفكار، وهدايةِ العقول، فنَبَشَا قَبْرَ "أبيقور الكلبي" (٣٤١ - ٢٧٠ ق. م)، وأحيَيَا ما يَلي من عِظامٍ الدهريين، ونَبَذا كل تكليفٍ ديني، وغَرَسَا بُذورَ الإباحيةِ والاشتراك، وزَعَما أن الآدابَ الإلهيةَ "جَعْلِياتٍ خرافيَّة"، كما زَعَمَا أن

стр. 1379

الأديان "مخترعاتٌ أحْدَثَها نقصُ العقل الإنساني"، وجَهَر كِلاهما بإنكارِ الألوهية، ورَفَع كل عقيرتَه بالتشنيع على الأنبياء -برَّأهم اللهُ ممَّا قالا-، وكثيرًا ما ألَّفَ "فولتير" مِن الكتب في تخطئةِ الأنبياءِ والسخريةِ بهم والقدح في أنسابهم وعَيبِ ما جاؤوا به" (١). ° "وقد واجَهَ توفيقُ الحكيم هذه القصة، فقال: قرأتُ قصةَ "فولتير" التمثيلية "محمد"، فخَجِلتُ أن يكونَ كاتبُها معدودًا في أصحابِ "الفكر الحر"، فقد سَبَّ فيها النبي سبًّا قبيحًا عَجِبتُ له وما أَدركتُ له عِلَّةً، لكن عَجَبي لم يَطُلْ، فقد رأيتُه يُهديها إلى "البابا بنوا الرابع عشر"، وعَلِمتُ أن "روسو" كان يتناولُ بالنقدِ أعمالَ "فولتير" التمثيلية، فاطَّلعتُ على ما قال في قصة "محمد"، عَلَّني أجدُ ما يَرُدُّ الحقَّ إلى نِصابه، فلم أَرَ هذا المُفكرَ الحر أيضًا يَدفعُ عن النبي ما أُلْصِقَ به كَذِبًا، كأن الأمرَ لا يَعنِيه، وكأنَّ ما قيل في النبي لا غبارَ عليه ولا حَرَج منه، ولم يتعرض للقصَةِ إلاَّ مِن حيثُ هيَ "أدبٌ وفن"، وقد قرأتُ بعد ذلك ردَّ "الباب بنوا" على "فولتير"، فألفيته ردًّا رقيقًا كيِّسًا لا يُشيرُ بكلمةٍ واحدةٍ إلى الدين، وكلُّه حديث في الأدب، فعَظُم عَجَبي لأمرِ "فولتير"، وسألتُ نفسي طويلاً: أيستطيعُ عقل مثقَّفٌ كعقل هذا الكاتبِ العظيم أن يعتقدَ ما يقول؟! دينٌ يتبعُه آلافُ الملايينِ من البشر على مَدَى الأجيال، هو في نظرِه حقًّا دينٌ كاذب؟! ومبادئُ إنسانية كالتي جاء بها الإسلامُ هي عنده حقًّا مبادئُ بربرية، أم أنه التملُّقُ والزَّلفي

стр. 1380

والنفاق، وأن الزمن والتاريخ يضعان أحيانًا أقنعةً زائفةً على نفوسٍ تَزعُم أنها خُلقت للدفاع عن حريَّةِ الفكر؟!!. منذ ذلك اليوم وأنا أُحِسُّ كأني فُجِعتُ في شيءٍ عزيز لديَّ: الإيمانِ بنزاهةِ الفِكرِ الحُرِّ، ولقد كنتُ أحيانًا التمسُ الأعذار لـ"فولتير"، وأزعُمُ أنه قال ما قال لا عن مجاملةٍ أو مَلَقٍ، بل عن عقيدةٍ وحُسنِ طَوِيَّةٍ، استنادًا على عِلم خاطئٍ بأخبارِ النبي، ولكن كتابه إلى البابا كان يتَّهمُه اتهامًا صارخًا، ولا يَدَع مجالاً للشك في دَخيلةِ أمرِه، إني قرأتُ لـ"فولتير" كُتبًا أخرى كانت تَكشِفُ عن آراءَ حُرَّةٍ حقًّا في مسائِل الأديانِ، وتنمُّ عن رُوح واسعةِ الآفاقِ تكرهُ التعصُّبَ الذميمَ، فما بالُه عندما عَرَض لذِكرِ "محمدٍ والإسلام" كَتب شيئًا هو التعصبُ بعينه، تَعصُّبٌ لدينهِ ذهب فيه إلى حدّ السجودِ وتقبيل الأقدام، لا لرب العِزة والخَلقِ، بل لبشر هو رئيسُ الكنيسة التي ما أرى أن "فولتير" كان ذاتَ يومٍ من خُدَّامها المخلِصين. وإنما هي الأطماعُ التي كانت تَدفعُ "فولتير" -فيما أرى- إلى التمسُّح بأعاتبِ الملوك والبابوات، وقد يُقدمُ ثَمَنًا لذلك أفكارَه الحُرة أحيانًا، منذ ذلك الحين، و"فولتير" عندي مُتَّهمٌ، ولن أبرِّئه أبدًا، ولن أَعُدَّه أبدًا من بين أولئك العِظام الذين عاشُوا بالفِكرِ وحدَه، وللفكرِ، وأحسَبُ أن التاريخَ العادلَ سوف يَحكُمُ عليه هذا الحُكمَ، فينتقمُ للحقِّ بما افتراه على نَبيٍّ كريم ظلمًا وزُورًا. على أن الذي يدعُو إلى الدَّهَشِ أكثَرَ مِن كل هذا: أن الشرقَ والإسلامَ وَقَفَا مِن هذا الأمرِ موقفَ النائم الذي لا يَعِي ولا يَشعُرُ بما يَحدُثُ حولَه،

стр. 1381

فلم نَرَ كاتبًا من كُتَّابِ الإسلام قام في ذلك الوقت يدفعُ عن دِينه هذا الهُراءَ الذي قاله "فولتير"، ويَقذِفُ في وجهِ هذا الكتاب بالحقائقِ الباهرةِ القاطعة، أو أن مؤلِّفًا وَضَع كتابًا يُبرِزُ فيه شخصيةَ النبيِّ الخيرةَ العظيمةَ واضحةً جليةً، لقد كان الشرقُ في ليلٍ هادئٍ بَهيم لم تُثِرْ فيه حركةُ "فولتير" يومئذٍ ساكنًا. ولكنَّ الأمرَ قد تغيَّر اليوم، ولاحت في أُفُقِ الشرقِ خُيوطُ الفجر، وقام في هذا القَرنِ كُتَّابٌ يَمجِّدون عقيدتَهم وهم يَعلمون أن ذلك تمجيدٌ للحق وللشرق، فإنَّ المسألةَ ليست مسألةَ دين فقط، وإنما هي مسالةُ جِنس وقومية (١)، وإذ تقولُ أوروبا عن "الإسلام" -وتعني في غالِبِ الأحيان "الشرق"-: "إن الحربَ الصليبيةَ لم تكن في حقيقتها إلاَّ حربَ الغربِ على الشرق"، وهذا المَدُّ والجَزْرُ بين الغربِ والشرقِ يَفهمُه مُفكِّرو الأوربيين تمامَ اللهم، ويَحسَبون له الحسابَ، فالدفاعُ عن شخصيتِنا وعقيدتِنا دفاعٌ عن حياتِنا" (٢). * المستشرق الفرنسي اللعين "كيمون" وكتابه "باثولوجيا الإِسلام": ° يقول هذا الدجَّالُ المجنونُ القِزمُ في كتابه "باثولوجيا الإسلام": "إن الديانةَ المحمديةَ جُذامٌ تَفشَّي بين الناس، وأخذ يَفتِكُ بهم فتكًا ذريعًا، بل هو مَرَضٌ مُريع، وشَلَلٌ عامٌّ، وجُنونٌ ذُهوليٌّ يَبعثُ الإنسانَ على الخُمولِ والكَسَل، ولا يوقظُه من الخُمولِ والكَسَل إلاَّ ليدفعَه إلى سَفْكِ الدماء،

стр. 1382

والإدمانِ على مُعاقَرَةِ الخمور، وارتكابِ جميع القبائح، وما قَبرُ محمدٍ إلاَّ عمودٌ كهرُبائيٌّ يَبعثُ الجنونَ في رؤوسِ المسلمين، فيأتون بمظاهِرِ الصَّرَع والذُّهولِ العَقلي إلى ما لا نهاية، ويَعتادون على عاداتٍ تنقلبُ إلى طِباع أصليةٍ، ككراهةِ لحم الخنزيرِ والخمرِ والموسيقي .. إنَّ الإسلام كله قائمٌ على القَسوةِ والفجورِ في اللذات". ° وُيتابع هذا المستشرقُ المجنون: "أعتقدُ أنَّ مِن الواجبِ إبادةَ خُمْسِ المسلمين، والحكمَ على الباقين بالأشغالِ الشاقَّة، وتدميرَ الكعبة، ووَضعَ قَبرِ محمدٍ وجُثَّتِه في مُتحف اللوفر" (١). * أرناط اللعين صاحب الكَرَك، عدوُّ اللهِ ورسوله: هو Reginald de chatllon المعروف عند المؤرخين بـ "أرناط صاحب الكَرَك"، شيطانٌ من أكابرِ مُجرِمِي وشياطينِ الإنس، أراد في سَنة ٥٧٧ هـ أن يقصدَ "تيماء" وهي دهليز المدينة النبوية، وحَدثَتْه نفسُه الخبيثةُ بذلك، فما زال نائبُ دمشق ابن أخي السلطان صلاح الدين الأيوبي "عز الدين مُزَّخشاه" في مقابلته حتى نَقَصَ اللعينُ على عَقِبَيْه ذليلاً، ولم تجِدْ إلى ما حَدَّثته به نفسُه سبيلاً، وكَتَب السلطانُ صلاح الدين الأيوبي إلى الخليفة ببغداد باللفظ العِمِادي: "وابنُ أخينا غائبٌ في أقصي بلادِ الفرنج في أولَ بريَةِ الحجاز، فإنَّ طاغيةً منهم جَمَع خَيْلَه ورَجْلَه، وحدَّثته نفسُه الخبيثةُ

стр. 1383

بقصد "تيْماء"، وهي دِهيلزُ المدينة -على ساكنها السلام-، واغتَنَم كونَ البريةِ مُعْشِبَةً مُخْصِبةً في هذا العام. والعجبُ أنَّا نُحامِي عن قبرِ النبي ﷺ ، مشتغِلِين بهَمّه، والمذكورُ -يعني صاحبَ المَوْصل- يُنازعُ في ولايةِ هي لنا ليأخذَها بيَدِ ظُلمِهِ .. " (١). ° وفي سنة ٥٧٨ هـ كتب أبو شامة في "عيون الروضتين" فصل "في أخذ الفرنج السَّالكين لقَصدِ الحجاز": "قال العماد: وفي شوَّال سنة ثمانٍ وسبعين كانت نُصرةُ الأسطولِ المتوجهِ إلى "بحر القُلْزمُ" (٢)، والمُقدَّم فيه الحاجبُ "حسام الدين لؤلؤ" لطلب الفرنجِ السالكينَ بَحرَ الحجاز؛ وذلك أن الإبرنس -أرناط- صاحب الكَرَك لَمَّا صعُب عليه ما توالي عليه من نكايةِ أصحابنا المقيمين بقلعةِ "أَيْلَة" -وهي في وَسَط البحر، لا سبيل عليها لأهل الكفر-، وأفكر في أسبابِ احتياله، وفَتَح أبوابَ اغتياله، فبَنَي سُفُنًا، ونَقَل أخشابَها على الجِمالِ إلى الساحل، ثم ركَّب المراكب، وشَحَنها بالرجال وآلاتِ القتال؛ ووقَّف منها مركبينِ على جزيرة القلعة، فمَنَع أهلَها من استقاءِ الماء، ومضى الباقون في مراكبَ نحوَ "عَيْذَاب"، فقطعوا طريقَ التجَّار، وشَرَعوا في القتلِ والنَّهْبِ والإسار، ثم توجهوا إلى أرضِ الحجاز، فتعذَّر على الناسِ وجهُ الاحتراز، فعَظُمَ النبلاء، وأعضَل الدَّاء، وأشرفَ أهلُ المدينةِ النبوية منهم على خطَر، ووَصَل الخبرُ إلى مصرَ وبها

стр. 1384

"العادلُ" أخو السلطان، فأمر الحاجبَ "حسامَ الدين لؤلؤ"، فعَمَر في بحر القُلْزُم مراكبَ بالرجال البحريَّة، ذَوِي التجربةِ من أهل النَّخْوة للدين والحَميَّة، وسار إلى أَيْلَة، فظَفِر بالمركبِ الفِرنجي عندها، فخرق السفينة وأخذ جُنْدها، ثم عدَّى إلى "عَيْذَاب"، وشاهَدَ بأهلها العذاب، ودُل على مراكبِ العدوِّ فتبِعها، فوقع بها بعدَ أيامٍ، فأوقع بها وواقعها، وأطَلَق المأسورِينَ من التجَّار، ورَدَّ عليهم كل ما أُخِذ لهم، ثم صَعِد إلى البَر، فوَجَد أعرابًا قد نزلوا منه شِعابًا، فركِبَ خَيْلَهم وراءَ الهاربين، وكانوا في أرضِ تلك الطُرق ضارِبينَ، فحَصَرهم في شِعْبٍ لا ماءَ فيه، فأسَرهم بِأسْرِهم، وكان ذلك في أشهُرِ الحج، فَسَاقَ منهم أسيرَيْن إلى "مِنى" كما يُساق الهَدي، وعاد إلى القاهرة ومعه الأُسارى، فكتب السلطانُ إليه بضربِ رقابِهم وقطع أسبابهم، بحيثُ لا تَبقَي منهم عَينٌ تطرِف، ولا أحدٌ يَخْبُرُ طريقَ ذلك البحرِ أو يَعْرف" (١). حَبَّذَا لؤلؤٌ يصيدُ الأعادي … وسِوَاهُ من اللآلي يُصادُ ° وفي كتاب آخَرَ إلى بغداد: "كان الفِرْنج قد رَكبوا من الأَمْر نُكْرًا، وافتضوا من البحر بِكْرًا، وعَمَّروا مراكبَ حربيَّةً شحنوها بالمقاتِلة والأسلحة والأزواد، وضربوا بها سواحلَ اليمن والحجاز، وأثخنوا وأوْغلوا في البلاد، واشتدَّت مخافة أهل تلك الجوانب، بل أهلُ القبلةِ لِمَا أومَضَ إليهم مِن خَلَل العواقب، وما ظَنَّ المسلمون إلاَّ أنَّها الساعة، وقد نُشِرَ مَطوِيُّ أشراطِها، والدنيا قد طُوِي مَنشورُ بِساطها، وانتظرَ غضبُ الله لفناءِ بيتِه

стр. 1385

المحَرَّم، ومقام خليلِه الأكرم، وتراثِ أنبيائِه الأقدم، وضَريح نبيه الأعظم ﷺ ، ورَجَوا أن تَشْحَذَ البصائرَ آيةٌ كآيةِ هذا البيت، إذ قَصَده أصحاب الفيل، ووَكَلوا إلى الله الأمر، وكان حَسْبَهم ونعمَ الوكيل. وأما السائرةُ إلى بحر الحجاز، فتمادتْ في الساحل الحجازي إلى "رابغ" إلى سواحل "الحوراء" (١)، فأخذت تجَّارًا، وأخافتْ رِفاقًا، ودَلَّها على عَوْراتِ البلاد من الأعرابِ من هو أشدُّ كفرًا ونفاقًا، وهناك وَقَع عليها أصحابُنا وأُخذت المراكبُ بأسرها، وفَرَّ فِرنجُها بعدَ إسلام المراكب، وسَلَكوا في الجبالِ مهاوِيَ المهالك، ومعاطِنَ المعاطب، ورَكِبَ أصحابُنا وراءَهم خَيلَ العربِ يَشُلُّونهم شلاًّ، ويقتنِصونهم أسرًا وقتلاً، وما زالوا يتبعونهم خمسةَ أيامٍ خيْلاً ورَجْلاً، ونهارًا وليلاً، حتى لم يتركوا عنهم مُخبرًا، ولم يُبقوا لهم أثرًا، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١]، وقُيِّد منهم إلى مصر مئةٌ وسبعون أُسرَا" (٢). ° قال الذهبيُّ عن بطل هذه المعركة "حسام الدين العادلي": "لؤلؤ العادلي الحاجب بَطلٌ من أبطالِ الإسلام، وهو كان المندوبَ لحرب فرنج الكَرَك الذين ساروا لأخذِ "طَيبة"، أوْ فرنج سواهم، ساروا في البحر المالح، فلم يَسِرْ "لؤلؤ" إلاَّ ومعه قيودٌ بعددهم، فأدركهم عند "الفحلتيْن"، فأحاط بهم، فسلَّموا نفوسهم، فقيَّدهم، وكانوا أكثَرَ من ثلاثِمئةِ مقاتل، وأقبل بهم

стр. 1386

إلى القاهرة، فكان يومًا مشهودًا" (١). ° وقال الذهبي أيضًا: "وقيل: إن الملاعين التجؤوا منه إلى جبل، فترجَّل وصَعِد إليهم في تِسعةِ أجناد، فأُلقي في قلوبهم الرُّعْب، وطَلبوا منه الأمان، وقُتلوا بمصر، تولَّي قَتْلَهم العلماءُ والصالحون" (٢). * "قولوا لمحمدٍ: لِمَ لَمْ يُخَلِّصكُمْ؟! ": في سنة ٥٨٢ هـ عَبَر "بالشوبك" قَفْلٌ من الديار المصرية في حالةِ الصُّلح مع أرناط برنس الكَرَك، فنزلوا عنده بالأمان، فغَدَر بهم وقَتَلهم، فناشَدوه اللهَ والصلحَ الذي بينه وبين المسلمين، فقال ما يتضمَّنُ الاستخفافَ بالنبيّ ﷺ ، وقال: "قولوا لمحمد: لِمَ لم يُخلِّصكم؟! "، وبلغ ذلك السلطانَ -صلاح الدين ﵀، فحمَلَه الدينُ والحَمِيَّة على أنه نذر إنْ ظَفِر به قَتَله (٣). ° قال أبو شامة في "عيون الرَّوْضتَيْن": "كان إبرنسُ "الكَرَك" أَغْدَر الفرنجيَّة وأخبَثَها، وأفحَصَها عن الرديِّ والرَّداءة وأبْحَثها، وأنقضَها للمواثيقِ المُحْكَمةِ والأيمانِ المبرَمة وأنكثَها وأحنثَها، ومعه شِرْذِمةٌ لها شَرُّ ذِمَّة، وهي مِن شرِّ أمة، وهم على طريقِ الحجاز، ومِن نَهج الحجّ على المجاز، وكُنَّا في كلّ سنةٍ نغزوه، وبالبوائقِ نَعرُوه، ويصيبه منَّا المكروه، فأظهر أنه على الهُدْنة، وجَنَح للسَّلْم، وأخذ الأمانَ لبلدِه وأهلِه وقومِه

стр. 1387

ورُوحِه، وبَقِيَ الأمنُ له شاملاً، والقُفْلُ من مصرَ في طريقِ بلدِه متواصلاً، وهو يَمكُسُ الجائي والذاهب، حتى لاحتْ له فرصةٌ في الغَدْر، فقَطَع الطريق، وأخاف السبيل، ووَقَع في قافلةٍ ثقيلة، معها نَعَمٌ جليلة، فأخذها بأسْرِها، وكان معها جَماعةٌ من الأجناد، فأوقعهم في الشَّرَك، وحَمَلَهم إلى الكَرَك، وأخَذَ خَيْلَهم والعُدَّة، وسامَهم الشدَّ والشدَّة، فأرسلنا إليه، وذَمَمْنا فِعَالَه، وقَبَّحْنا احتيالَه واغتيالَه، فأبَى إلاَّ الإصرارَ والإضرار، فنَذَر السلطانُ دَمَه، ووفَّى في إراقةِ دمه بما التزمه، وذلك في السنَة الآتية". * ها أنا أنتصرُ لمحمد ﷺ -: ° ففي سنةِ ثلاثٍ وثمانين وخَمْسِمئة (٥٨٣) وهي السنةُ الحَسَنَةُ المُحْسنة كانت كَسْرَة "حِطِّين"، وفيها أسَرَ صلاحُ الدين جميعَ ملوكِ الفِرنجة سوى "قومس" طرابلس، فإنه انهزم في أول المعركة. ° قال أبو شامة في "عيون الروضتين": "جلس السلطانُ لِعَرضِ أكابرِ الأسارى وهم يتهادَون في القيود تَهادِي السُّكارى، فقُدم بدايةً مقدَّم "الدَّاوية"، وعِدَّةٌ كثيرةٌ منهم، ومن الإسبتاريةِ، وأُحضِر المَلِكُ "كي" وأخوه "جفري"، و"أوك" صاحب جُبيل، و"هنفري"، والإبرنس "أرناط" صاحب الكَرَك، وهو أوَّل مَن وقعِ في الشَّرَك، وكان السلطانُ قد نَذَر دَمَه، وقال: "لأعجِّلَنَّ عند وِجْدانه عَدَمه". فلمَّا حضر بين يديْه، أجلسه إلى جَنب المَلِكِ والمَلِكُ بجنْبه، وقرَّعه على عذرِه، وذَكَّره بذَنبه، وقال له: كم تَحْلْفُ وتَحْنَث، وتعهَدُ وتنكُث، وتُبرِمُ الميثاقَ وتَنقُض، وتُقْبِلُ على الوِفاقِ ثم تُعْرِض؟!. فقال الترجمان عنه: إنه يقول: قدْ جَرَت بذلك عادةُ الملوك، وما

стр. 1388

سَلَكْتُ غيرَ السنَن المسلوك. وكان المَلِكُ يَلهَثُ ظمأ، ويَمِيلُ مِن سَكْرَةٍ الرُّعْب مُنْتَشِيَا، فآنَسَه السلطانُ وحاوره، وفثَأَ سَوْرَةَ الوَجَل الذي ساوَره، وسكَّن رُعْبَه، وأَمَّن قلبَه، وأَمَر له بماءٍ مَثلُوج فشَرِبه، وأطفأَ به لَهَبه، ثم ناول المَلِكُ الإبرنسَ القَدَح، فاستشفَّه، وبَرد به لَهْفَه، فقال السلطانُ للمَلِك: لَمْ تأخذ في سَقْيه مني إذْنًا، فلا يُوجبُ ذلك له مِني أَمْنًا، ثم ركب وخلاَّهُما، وبَنارِ الوَهَل (١) أصْلَاهُما، ولم ينزلْ إلى أن ضُرِب سُرَادقُه، ورَكزَت أعلامُه وبَيَارقُه، وعادت إلى الحِمَي عن الحَوْمهِ فَيَالِقُه. فلمَّا دَخَل سُرَادقَه استَحضَرَ الإبرنسَ، فقام إليه، وتلقَّاه بالسَّيف، فَحَل عاتقَه، وحين صُرع أمرَ برأسِه فَقُطع، وجُرَّ برِجلِه قُدَّامَ المَلِكِ حين أخرج، فارتاع المَلِكُ وانزَعَج، فعَرَف السلطانُ أنه خامَرَه الفَزَع، وساوَرَه الهَلَع، وسَامَرَه الجَزَع، فاستدعاه واستَدْناه، وأَمَّنه وطمَّنه، ومكَّنَه من قُرْبهِ وسَكَّنه، وقال له: ذاك رداءتُه أَرْدَتْه، وغَدْرته كما تراه غادَرَتْه، وقد هلك بِغيه وبَغْيِه، ونبا زَنْدُ حياتِه وَوِرْدُها عن رِيه ووَرْيه" (٢). ° وقال أبو شامة أيضًا: "لَمَّا فَتَح اللهُ عليه بالنصر والظَفَر، جَلَس في دِهليز الخيْمة؛ فإنها لم تكُنْ نُصبتْ بعدُ، والناسُ يتقرَّبون إليه بالأُسارى وبمن وَجدوه من المتقدِّمين، ونُصِبت الخَيمةُ، وجَلَس فَرِحًا مسرورًا، وشاكرًا لِمَا أنعَمَ اللهُ به عليه، ثم استَحَضَر الملك "جفري" وأخاه والبرنس

стр. 1389

"أرناط"، وناوَلَ المَلِكَ شَرْبةً من حُلابٍ مُبَرَّد بثلج، فشَرِب منها، وكان على أشدِّ حالٍ من العَطَش، ثم ناول بعضَها البرنس، فقال السلطانُ للتَّرجُمان: قُلْ للمَلِك: أنتَ الذي سَقَيْتَه وإلاَّ أنا ما سَقَيتُه، وكان على جميل عادةِ العرب وكريم أخلاقِهم أن الأسيرَ إذا أَكَل أو شَرِب من مالِ مَن أسَرَه أَمِن، فقَصَد السلطانُ بذلك الجرْيَ على مكارم الأخلاق. وأُقعِد المَلِكُ في الدِّهليز، واستُحضر البرنس، ووافقه على ما قال، ثم قال له:" ها أنا أنتصرُ لمحمد ﷺ " (١)، ثم عَرَض عليه الإسلامِ، فلم يَفْعل، فقام إليه وسَلَّ المِجنَّاةَ وضربه بها، فَحَلَّ كَتِفه، وتمم عليه مَن حضَر، ثم رُمي على باب الخيمة" (٢). ° ومن كتابٍ للقاضي الفاضل: "فأُخِذ الملكُ أسيرًا، ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦]، وأُسِر الإبرنسُ -لعنه الله-، فحُصِدَ بذْرُه، وقَتَله الخادم -يعني السلطانَ صلاحَ الدين- بيده، ووفَّى بذلك نَذْرَه". ° ولله درُّ القائل: وأنجَزَ اللهُ للسُّلطانِ مَوْعِدَه … ونَذْرَه في كَفُورٍ دِينُهُ البَطَرُ وعايَنَ المَلِكُ الإبرنسَ في دَمِه … فمات حَيًّا وحَيًّا وهْو يعتذِرُ (٣) ° والقائل: ألمْ تَرَ للسلطانِ صُدِّق نَذْرُهُ … دَم الغادرِ الإبرنسِ فاقتيد أربَدَا

стр. 1390

وباشرَهُ بالقتلِ وَسْطَ خِبائه … وعاينه الكند المليك فأرعدا (١) ° وقال العمادُ ﵀: يا طُهْرَ سيفِ بَرَى رأسَ البرنسِ فقد … أصاب أعظم من بالشرك قد نجُسا وغاص إِذ طار ذاك الرأسُ في دَمَهِ … كأنه ضفدعٌ في الماء قد غطسا ما زال يَعْطُسُ مَزْكُومًا بغَدْرَتِه … والقتل تشميت من بالغدر قد عطشا عرَّى ظُباه مِنَ الأغمادِ مُهْرَقَةً … دمًا من الشرك ردَّاها به وكسَا (٢) ° وقال العمادُ أيضًا: شكَا يَبَسًا رأسُ البِرْنسِ الذي به … تندي حسامٌ حاسمٌ ذلك اليُبسا حَسَا دَمَه ماضي الغِرارِ (٣) لِغَدْرِه … وما كان لولا غدره دمُهُ يحسَي فلله ما أهْدَى يَدًا فَتكَتْ بِهِ … وأطهر سيفًا معدمًا رجسَه النَّجسا نَسَفْتَ به رَأسَ البرنسِ بِضَرْبَةٍ … فأشبه راسي رأسه العهن (٤) والبرسا (٥) تَبوَّغَ (٦) في أَوْدَاجِه دَمُ بَغْيِه … فصال عليه السيف يلحسُه لحسا

стр. 1391

بَعَثْتَ أمام أُمةِ النَّار نحوَها … إمامَهُمُ أرناطَها ذلك الجِبْسَا (١) (٢) * السِّير وليم موير (١٨١٩ - ١٩٠٥): السير "وليم موير" مستشرقٌ أسكتلندي، عَمِل في الهند، ثم اختِير رئيسًا لجامعة "أَدِنْبَره"، ومن مؤلَّفاته "حياة محمد" في أربعةِ أجزاء، وقد صَدَر في لندن من ١٨٥٨ حتى ١٨٦١. وهو -على الرغم من أرثوذوكسيته الإنجليزية- فإنه قد اكتَسَب خلالَ دراسته تعاطُفًا مُعيَّنًا لرجل (يقصد رسول الله ﷺ )، ظَهَر أنه كان ضحيَّةَ للشيطان" (٣). أو أن محمدًا كان أداةً من أدواتِ الشيطان، ولكنه مع ذلك اعترف بأن هذا الشيطانَ قد ظَهر لمحمدٍ في صورةِ رسول الله ﷺ (٤). ومحمدٌ ﷺ ليس في حاجةٍ إلى مِثل هذا التعاطُفِ المردودِ على صاحبه، وقد سَبَق لمشرِكي مكةَ أنْ زَعَموا أن محمدًا ﷺ به مَسٌّ من الجن، فلا جديدَ في زَعم "موير"، فهو ترديدٌ من كافر لمزاعمَ قديمةٍ في صورةٍ أُخرَى. * ثيوفانس Theophanes البريطاني: كاتبٌ دجَّالُ بريطانيٌّ، تولَّى كِبْرَ اتهام النبي ﷺ بالصرع، وهو أولُ

стр. 1392

منَ أذاع في الغربِ "أسطورةَ الصَّرَع" انظر (ص ٥٢٢) مِنْ Hand woer terbuch des Islam) وقد كان الكُتَابُ البريطانيون هم المصدرُ الوحيدُ الذي تلقي منه الغربُ معلوماتِه الأولى عن الإسلام، وإليهم تَرجعُ أغلبُ الأساطيرِ التي شاعَت في الغرب حولَ محمدٍ ﷺ في العصورِ الوسطي (١). * اشبرنجر (sprenger) : لويس اشبرنجر (١٨١٣ - ١٨٩٣) مستشرقٌ نمساويُّ الأصل، تجنس بالجنسية البريطانية عام ١٨٣٨، عَمِل في الهند، ثم عَمِل أستاذًا للغات الشرقية في جامعة "بِرن" بسويسرا، ومن مؤلَّفاته "حياة محمد" في ثلاثة أجزاء، وقد صَدَر الجزءُ الأول في "الله آباد" عام ١٨٥١ بالإنجليزية، ثم صدرت الأجزاءُ الثلاثةُ بالألمانية في "برلين" من ١٨٦١ حتى ١٨٦٥، وأُعيد طبعُه عام ١٨٦٩. ويُعلِّقُ المستشرقُ الألماني المعاصرُ "رودي بارت" على كِتاب اشبرنجر "حياة محمد" بأنه كتابٌ جاء مُخيبًا للآمال في أكثرَ من ناحية، وأنه لم يُراع شروطَ ومتطلَّباتِ التقريرِ العلمي (٢). ° في هذا الكتابِ "حياة محمد وتعاليمه" يَخلُصُ "اشبرنجر" الأفَاكُ الأثيمُ إلى الاقتناع -كما يدَّعي- بأن محمدًا كان "إنسانًا هستيريًّا"، وقد نَقَد "فيلهاوزن" في كتابه "محمد في المدينة" (ص ٢٠) وما بعدها آراءَ "اشبرنجر".

стр. 1393

وما قاله "اشبرنجر" ودجَّالو المستشرقين من أنَّ ظاهرةَ الوحي للنبيِّ ﷺ لم تكن إلاَّ نَوْباتٍ من الصرع تَعتريه، أو ما يقولُه "اشبرنجر" من أنَّ محمدًا ﷺ كان مصابًا بالهستيريا، فهذه مزاعُم قَذِرةٌ كلُّها تَكمُنُ في محاولةِ استبعادِ القولِ بنبوَّتِه وإنكارِ تلقِّيه الوحيَ من عند الله، وما دام هذا هو الموقف المبدئي لهذه المزاعِم، فلن يستطيعَ القائلون بها فَهمَ ظاهرةِ الوحي، ولو طَبقْنا هذه المزاعمَ على جميع الأنبياءِ والمرسَلين لأَبْطَلْنا الأديانَ السماويةَ جميعًا. وهذا الموقفُ ليس أمرًا جديدًا، فقد سَبَق لمشركي مكةَ أن اتَّخذوا موقفًا مماثلاً من محمدٍ ﷺ ، كما اتخذ المعانِدون من أقوامِ الأنبياء السابقين مواقفَ مشابهة، والقرآنُ نفسُه يُخبرُنا أن محمدًا ﵊ والمرسَلين مِن قبلِه- قد وُجِّهت إليهم تُهمةُ الجنون من أقوامهم. * ومن ذلك قوله تعالى حكايته عنهم: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ [الحجر: ٦]. * وقوله: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾ [الذاريات: ٥٢]. * وقوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤)﴾ [الدخان: ١٤]. * وقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩)﴾ [القمر: ٩]. ولسنا هنا في حاجةِ إلى مناقشةٍ مستفيضةٍ لأسطورَتَي "الصرع والهستيريا"، فكل مَن يعرفُ أعراضَ هذين المَرَضَينِ وما لهما من آثارٍ في

стр. 1394

شخصيةِ المصابِ بأيٍّ منهما، ويَعرفُ السيرةَ الصحيحةَ لمحمدٍ ﷺ ، يَعرفُ حتمًا أن هذه المزاعمَ لَغوٌ باطلٌ وافتراءٌ كاذبٌ لا يستحقُّ أن يأخذَه المرءُ مأخَذَ الجِدِّ. وقد أساء المستشرقون -عن جَهل أو عن عَمدٍ- فَهْمَ الظواهر التي كانت تُصاحبُ الوحيَ عند نزوله على النبي ﷺ من أنه -كما يقول الرسولُ ﷺ نفسه- كان يأتيه مِثلَ صَلصلةِ الجَرَس، وكما تقولُ عائشة ﵂: "رأيتُه يَنزلُ عليه الوحيُ في اليوم الشديدِ البَرْدِ، فيَفصِمُ عنه وإن جَبينَه لَيتفصَّدُ عَرَقًا"، كما روى ذلك البخاري في "صحيحه" في حديثٍ مشهور (١). * أساطيرُ العصرِ الوسيط في الغرب عن رسول الله ﷺ -: ° أسخفُ التصوُّراتِ الجنونيَّة، وأخبثُ الافتراءات سَوَّدَتْها أقلامُ الغربِ الكافر في العصر الوسيط عن رسول الله ﷺ .. ولله درُّ القائل: والحق أبلجُ لو يَبغُونُ رؤيتَه … هيهات يُبْصِرُ مَن في ناظِرَيْه عَمَى وصرخةُ الحق تأباها مَسَامعُهم … مَن يسمع الحق منهم يَشتكي الصَّمَمَا محمدٌ سيِّدُ البَشر ﷺ يَصِفُونه بأقبح الصفات، وهو النورُ الذي أضاء بهَديه وبقرآنه جَنَباتُ الكون، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ [المائدة: ١٥]. . والنورُ هو محمدٌ ﷺ كما قال الطبري شيخ المفسرين. أشرق النور .. هَلَّ النور .. سَطَع النور .. بَزَغَ النور .. بَثَق النور .. بَرِقَ النور .. أبرَقَ النور .. أضاء النور .. فاض النور .. بَدَا النور .. اتَّسَع النور .. تأَلَّق

стр. 1395

النور .. أَلِقَ النور .. ائتَلَق النور .. تلألأ النور .. ظَهَر النور .. بَهَر النور .. لَمَع النور .. طَلَع النور .. أبلَجَ النور .. ازدَهَر النور .. زَهَا النور .. أزهَرَ النور .. سَفَر النور .. أسفَرَ النور .. انتَشَر النور .. أومَضَ النور .. سَنَا النور .. انفَجَر النور .. تهاطَل النور .. هيَطَل النور .. نَبَع النور .. شَفَا نورَ القلبِ والروح والجسد، وأزال عن البشريةِ آلامَها وكُدورَها، وأبرأَ جِراحَها .. عندما أتى رسولُ الله ﷺ برسالته العظيمة. ولكنَّ خنازيرَ أوروبا وكلابَ الغَرب المسعورةَ يأتون بأقبح الأقوالِ وأسمج الأساطير عن رسول الله ﷺ ، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ [الكهف: ٥] أسطِّرُ ذلك والقلبُ ينفطرُ ألمًا وحياءً من رسول الله ﷺ .. أُسطِّرُ ذلك إقامة للحجَّةِ على صِبيان الغرب .. الأغبياءِ الأقزام الذين يسيرون في فَلَك الغرب، ويردِّدون كالببَّغاوات مقالتَهم .. ويَدَّعون أنهم لا يعرفون هذا الجانبَ القبيحَ المظلِمَ عن معتقداتِ الغربِ عن ﷺ وافتراءاتِهم عليه. * اليهوديُّ الأسبانيُّ المتنصِّر بتروس ألفونسوس: حاوَلَ هذا اللئيمُ نقضَ القرآن في بدايةِ القرنِ الحادي عَشَر، وألَّف كتابًا بعنوان: " Forta litium fidei". * الأب بطرس "الموقر" بل "الأحقر" وأباطيله: يُسمونه "الموقر"، وهذه جريمةٌ في حقِّ التاريخ، بل هو "الأحقر، والمُضلِّل، والكذَّاب، والدجَّال"، ولا يبقى مكانٌ أبدًا لدى عاقلٍ بوَصفه بالتوقير والاحترام، بل هو الذي ازداد كُفرًا فوقَ كُفرِه بتطاوُلِه الفجِّ القَذِر

стр. 1396

على أطهرِ مَن مَشَى على الأرضِ ﷺ . بطرس الموقر (١٠٩٤ - ١١٥٦) هذا راهبٌ فِرنسيٌّ، ينتمي إلى "جماعةِ الرهبانية البندكتية" التي شَيَّدت "ديركلوني" عام ٩١٠ في فرنسا، وكان بطرسُ رئيسًا لرهبان "كلوني". وقد عَمِل "بطرس" في البداية على إنجازِ ترجمةٍ للقرآن إلى اللغةِ اللاتينية، وتمَّت هذه الترجمة عام ١١٤٣ م على يد العالم الإنجليزي "روبرت أوف كيتون" بإيعازٍ من بطرس الموقَّر، وبالإضافةِ إلى ذلك أَمَر بترجمةِ كتابيْن آخريْن، أحدهما عن سيرة النبي ﷺ ، والثاني عَرضٌ للنقاط الأساسية في تعاليم العقيدة المحمدية في شكل حوار. وأخيرًا قام بتاليفِ أربعةِ كتبٍ "ضدَّ الزندقة البغيضة لطائفة المسلمين"، وهذه الأعمالُ التي قام بها هذا "الرجلُ الكلوني" المتحمِّس لا تَرسمُ مجردَ بدايةِ الجَدَلِ الأوروبي ضدَّ الإسلام فحسب، بل أصبَحَتِ المصدَرَ الرئيسي أيضًا للتصوَّرات غيرِ المعقولةِ التي صارت فيما بعدُ مألوفةَ لدى المسيحيين عن حياةِ محمدٍ وتعاليمه، وإلي مؤلَفات "بطرس الموقر" ترجعُ غالبيةُ المؤلَفات الجَدَليةِ العديدةِ التي نشأت في العصر الوسيط ضدَّ الإسلامِ، سواءٌ أكانت نثرًا، أو في شكل شِعريٍّ، أو في صيغةِ أخبارٍ وتقارير حَولَ المناقشاتِ التي جَرَت -زعمًا كان ذلك أو حقيقةً- بين رجالِ الدينِ المسيحيين والمحمَّديين، وفي هذه المناقشاتِ يَظهرُ محمد ليس فقط نبيًّا زائفًا ومضلِّلاً، وإنما أيضًا محتالاً وَضيعًا ومِن عُشَّاق اللذة (١).

стр. 1397

° "ومِن بين التصوُّراتِ التي كانت منتشرةً بصفةٍ خاصةٍ: القولُ بأن المحمَّديِّين لم يكونوا يُجلُّون محمدًا لمجرَّدِ كونِه نبيَّهم ومؤسِّس دينِهم، بل كانوا يَعبُدونه بوصفِه يُمثِّلُ الالوهية، وبالإضافة إلى ذلك وُصفَ دين محمدٍ -على النقيضِ تمامًا من الحقيقة التاريخية- بأنه دين الشِّرك وتعدُّدِ الألوهية. وقد اتُّهم المحمَّديون أيضًا -دون سَندٍ تاريخيٍّ- بأنهم يمارِسون عبادةَ التماثيل بطريقةٍ فَظَّة، وكذلك كان المَرءُ يَهْزأ من أُميةِ النبيِّ، ويَسخرُ من الراعي السابق للأبل والحمير" (١) -كما يقول "بفانموللر"-. * تيوفانس البيزنطي" Theophanes": صاحبُ أقدم التقاريرِ التاريخية عن نشأةِ الإسلام، وقد عَرَضه أمينُ المكتبة الروماني "أناستاسيوس" في كتابه عن تاريخ الكنيسة، وإلي هذا التقريرِ ترجعُ غالبيةُ الأساطير التي قِيلت عن محمدٍ ﷺ في العصر الوسيط. وبعد ذلك قَدَّمت الحَمَلاتُ الصليبيةُ دافعًا جديدًا، ومِن هنا اتَّخذت صورةُ محمدٍ باستمرارِ لونًا أشنَّعَ مِن ذي قبل، وعُرضت باستمرارٍ بصورةٍ أكثرَ فظاعة، ويُقدِّمُ لنا أولاً "جيبير النوجنتي Guibert de nogent Sous Coucy" صورةً شاملةً، وكثيرًا ما عُرضت أسطورةُ محمدٍ أيضًا في صورٍ شِعرية، وهكذا قام "هيلديبرت" المنتسب إلى "ليمو Lemans " والذي كان

стр. 1398

فيما بعدُ رئيسًا لأساقفةِ "تور Tours " (تُوفي عام ١١٣٣ م) قام بكتابةِ تاريخ محمدٍ في صورةٍ شعريةٍ معينةٍ (Distichen) تتضمَنُ ذكرياتٍ كلاسيكية، وقد ظَهرت فيما بعدُ قصيدةٌ مشابِهة، وهي "أساطير محمد لدى فالتيري" (Otia Walteri de Mahomet) وعلى هذه القصيدةُ اللاتينيةُ تعتمدُ اعتمادًا تامًّا "رواية محمد" (Roman de Mahomet) التي كتبها "الكسندر دو بون" du pont، وفي العَرضِ الذي قدمه لنا "أندريا داندولو الفينيسي Andrea Den dolo" تتجمعُ عناصرُ الأساطيرِ البيزنطية عن محمد، مع الاختراعاتِ التي يجبُ أن توضَعَ على حسابِ خيالِ المحارِبين الصليبيين، وعلى حسابِ قادتِهم الروحيين. ونحن نجدُ التجميعَ الكاملَ لكل ما يتعلَّقُ بمحمدٍ من أساطيرَ وخرافاتٍ ومخترعاتٍ افترائيةٍ للعصر المسيحي الوسيطِ في كتاب "فينسينز Vincenz" المنتسب إلى "بوفيه Beauvais" والمسمى" المرآة التاريخية Speculum historiale (١) . * دانكونا D.ancona: له بحث نُشِر في العدد رقم (١٣) من المجلة التاريخية للآداب الإيطالية بعنوان "أسطورة محمد في الغرب"، ويرسمُ الكاتبُ صورةً لأسطورة محمدٍ ﷺ في الغرب، ويتناولُ "دانكونا" على وجهِ الخصوصِ التأثيرات المسيحيةِ على محمدٍ (الراهب بحيرَى)، والأخبار المختلفة حولَ وفاةِ محمدٍ، ويبين "دانكونا" الوحدةَ المميزةَ لهذه الأساطيرِ منذ زمنِ المؤرِّخ

стр. 1399

البيزنطي "تيوفانس Theophanus"، وطِبقًا لهذه الأساطير يَظهرُ محمدٌ على أنه "زنديق"، وأنه "آريوس" جديد أسوأ من "أريوس الأول" (١).

стр. 1400

وأسطورتُه تَنهجُ نهجَ أسطورةِ الزنادقةِ الكَنَسِيين الكبار من أمثال "سيمون ماجوس S.Magus " أو " نيكولاوس Nikolaus". وتُضيف المولَّفاتُ الشعبيةُ إلى ذلك افتراءاتٍ شنيعةً، وأن محمَّدًا ﷺ لَمَّا حِيل بينه وبين مَنصبِ "البابوية" الذي يستحِقُّه، تَحوَّل إلى مُنشَق على الكنيسة، وهذه أسطورةٌ مضحِكةٌ لا تستحقُّ الوقوفَ عندها. ويُصبحُ محمد ﷺ عند هؤلاء الأوباش مشابهًا لـ "نيكولاوس" و"بلاجيوس pelagins"، أجل، فالبعضُ كان يرى أنَّ الإسلام قد انبَثَق من النزاعاتِ الداخليةِ الخبيثةِ للكرادلة الرومانيين! وأخيرًا تبقي الأسطورةُ عند موت محمدٍ، مع إحساسٍ بنوع خاصٍّ من الغبطة، فالخنازيرُ قد التهمته وهو في حالة سُكر! ولهذا السبب أصبح أكلُ لحم الخنزيرِ محرمًا لدى المحمَّديين -أي: المسلمين- (١). هكذا يَروي أوباشُ الغرب وكتَّابُهم ومُفَكِّروهم بشَغفٍ قصةَ موتِ النبي محمدِ ﷺ الذي يُرثى له، فالخنازيرُ قد وَجَدَتْه مخمورًا فوقَ كَومةٍ من القمامة فالتهمته!!!! (٢) هكذا يزورون التاريخَ ويزيِّفونه .. وقد كان موتُ النبي ﷺ أطيَبَ موتِ وأعطَرَه وأطهَرَه مثلما كانت حياتُه ﷺ : قد تُنكِرُ العينُ ضوءَ الشمسِ من رَمَدٍ … ويُنكر الفَمُ طَعْمَ الماءِ من سَقَم * ر. شرودر R.Schroeder: أما "ر. شرودر"، فإنه قد جَمَع الخطوطَ الرئيسيةَ لأسطورةِ محمدٍ في

стр. 1401

العصر الوسيط، كما تتمثلُ في الشَّعر الفرنسي القديم، وذلك في كتابه الذي صَدَر بالألمانية عام ١٨٨٦ بعنوان "العقيدة والخرافة في الأشعار الفرنسية". وحسبما وَرَد في هذا الشعر، فإن محمدًا وَحده هو صاحبُ نظرية التعدُّدِ في الألوهية بكامِلها، تلك النظريةُ التي يقولُ بها المسلمون، وفي الأساطير الشعبيةِ الأصيلةِ لا يَظهرُ محمدٌ أبدًا بوصفه "نبيًّا"، وإنما يَظهرُ باستمرار بوصفه "إلها"، وعلى وجهِ التحديد بوصفه أعظمَ وأقوى الآلهةِ الوثنية، وقبل أن يتحوَّل محمدٌ إلى هذا الاعتقادِ كان مسيحيًّا مؤمنًا، وكان هو نفسُه يؤمنُ بعقيدةِ "الخلاص" المسيحية. ويُعَدُّ محمد لدى الوثنيَّين (أي: المسلمين!!!) خالقَ هذا العالَم وحافظَه، وتَحدُثُ عبادتُه بطبيعة الحال في شَكِل عبادةِ التماثيل، هذا الشكلُ الذي اعتادَتْه جماعةُ المحمديين، وكما هو الحالُ مع إلهِ المسيحيين فإن محمدًا محاطٌ أيضًا في السماء بالقدَّسين، ومِثلما تُعَدُّ القُدسُ مدينةً مقدَّسةً بالنسبةِ للمسيحيين، فكذلك تُعدُّ مكةُ مدينةً مقدسةً بالنسبة للوثنيين، حيث يوجدُ داخلَ أسوارِها قَبرُ إلههم .. أما العيدُ الكبيرُ السنويُّ الذي يُقامُ لتمجيدِ محمدٍ، فيُوصَفُ بأنه يتوافقُ مع "عيدِ الفِصح". وأشدُّ التناقضاتِ بين المؤسَّسات المسيحية والوثنية تتمثَّلُ في رأي الجانبين في الزواج، والمحمَّديُّون يكرهون إلهَ المسيحيين، وكذلك لا تَعرفُ كراهيةُ المسيحيين لأتباع محمدٍ حُدودًا تقفُ عندها، فالمسيحيون يُشككون بشتى الطُرقِ الممكنةِ في طهارةِ محمدٍ من الذنوب أثناءَ حياته الأرضية،

стр. 1402

وتَروي بشَغَفٍ خاصٍّ قصةَ موتهِ الذي يُرثى له (١). * دُوتيه Doutte: يتناولُ "دوتيه" في كتابه بالفرنسية "محمد الكاردينال" الصادرِ في باريس عام ١٨٩٩ الخرافةَ التي انتشَرَت انتشارًا واسعًا في العصرِ الوسيط والتي تقولُ بأنَّ محمدًا كان في الأصل "كاردينالاً رومانيًّا" يسعى للحصول على تاج البابوية، ولكنه عندما فَشَل في الحصول عليه أسس الطائفة المحمديَّة، وصَرَف آلافًا كثيرةً من النفوسِ عن المسيحية (٢). * باسيه Basset: باسيه مستشرقٌ فِرنسيٌّ (١٨٥٥ - ١٩٢٤)، له العديدُ من الأبحاثِ والدراساتِ الإسلامية والعربيَّة، ورَأَسَ مؤتمرَ المستشرقين بالجزائر عام ١٩٠٥، وأسهَمَ في دائرة المعارف الإسلاميَّة، وله بحثٌ بعنوان "هرقل ومحمد" نشره عام ١٩٠٣ في مجلة العلماء من (ص ٣٩١ - ٤٠٢) تناول فيه أسطورةً أخرى عن محمدٍ، كانت هي الأخرى منتشرةً أيضًا انتشارًا واسعًا في العصر الوسيط، وتقولُ هذه الأسطورةُ: إن القيصرَ "كارل الكبير" قام بتحطيم كل تماثيل الآلهةِ التي كانت قائمةً في "أسبانيا" ما عدا تمثالاً واحدًا فقط كان موجودًا في "قادس " Cadiz" (٣) وَيروي المسلمون أن محمدًا نفسَه قد قام بعمل هذا التمثالِ أثناءَ حياتِه باسمه هو، وأنه بفضل ما لديه من فنٍّ

стр. 1403

سِحريٍّ قام بحبسِ كتيبةٍ من الجنِّ بداخله، وقد عَمِلت هذه الكتيبةُ -بما لها من تأثير- على مَنع تحطيم هذا التمثالِ من جانبِ أيِّ أحدٍ يريدُ تحطيمَه. وقد أثبت "باسيه" بالتفصيل انتشارَ هذه الأسطورةِ في المصادر المسيحية والعربية والأسكندنافية، وبَرهَنَ على أن الأمرَ هنا يدور -على الأرجح- في الأصل حولَ تمثالِ لهرقلَ ظنَّ المحمَّديون خطأً أنه يرمز إلى محمد! ثم انتَقلت الأسطورةُ عن طريقِ المسلمين إلى المسيحيين في أسبانيا، ومن هناك تسرَّبت إلى الأدب الفرنسيِّ في العصر الوسيط (١). ° قال الدكتور محمود حمدي زقزوق في كتابه "الإسلام في تصوُّرات الغرب": "إذا رُويت هذه الأساطير على ألسِنةِ الغربيِّين، ودُوِّنت في مؤلَّفاتهم، فهذا أمرٌ مفهومٌ، وقد اعتدنا عليه، أمَّا أن يُقالَ: إن المسلمين أنفسَهم قد قالوا بهذا الهُراء، وإن مصادِرَهم قد دُوِّن فيها هذا الباطلُ، فهذا أمرٌ لا يمكنُ تصديقُه، وذلك لأسبابٍ كثيرةٍ أهمُّها ما يأتي: أولاً: المسلمون يَعرِفون تمامًا أن النبيَّ ﷺ قد حَرَّم التماثيل لأنها تُذكِّر بالأصنام من ناحية؛ ولأن فيها محاكاةً لخَلِق اللهِ من ناحيةٍ أخرى، وقد وَرَد في هذا الصددِ العديدُ من الأحاديث الصحيحة، ومن ذلك ما رواه مسلم في "صحيحه" أن النبي ﷺ قال: "لا تدخلُ الملائكةُ بيتًا فيه تماثيلُ أو تصاوير"، وقوله: "يا عائشة: أشدُّ الناسِ عذابًا عند الله يومَ القيامة الذين يُضاهُون بحلِق الله"، وفي روايةٍ أخرى: "الذين يُشبِّهون بخَلقِ الله". فهل يُعقلُ -بعد هذا التحذير الشديدِ- أنْ يَنسِبَ المسلمون إلى نبيهم أنه

стр. 1404

صَنَع لنفسه تمثالاً أو أوعَزَ بصُنعِه؟ وقد يقال: إن بعضَ العلماءِ في العصرِ الحديث قد قال بتأويل مثل هذه الأحاديث، ولكن هذا التأويلَ لم يكن بالقطع قائمًا لدى المسلمين في الأندلس. ثانيًا: المسلمون يتحرَّجون حتى اليوم -بعد مرورِ أكثرَ من أربعةَ عَشَرَ قرنًا على ظهورِ الإسلام- من مجردِ ظهورِ شخصياتٍ تمثل أدوار أحدٍ من الصحابة في مشاهدَ هادفة، ناهِيك عن إقامةِ تماثيلَ لهم، فما بالُك إذا كان الأمرُ يتعلَّقُ بالنبيِّ ﷺ ؟! وإذا كان هذا شأنَ المسلمين اليومَ حيث تنتشرُ التماثيلُ في كل مكان، وحيثُ أصبَحَ التمثيلُ أمرًا مألوفًا، فما بالُك بالمسلمين منذ قرونٍ عديدة، وفي بلادٍ أحرقت كتاب "الإحياء" للغزالي ظنًّا منها أنه رُبما يحمل أفكارًا فلسفيةً لا يَرضى عنها الإسلام؟!. إن الأمرَ الأقربَ إلى المعقول هو أن هناك أسطورةً كانت قائمةً قبلَ أن يدخلَ المسلمون إلى هذه البلاد، ثم حَوَّرها الأوروبيُّون أنفسُهم -وإيمانُهم بالأساطيرِ كان شديدًا في العصرِ الوسيط-، ورَوَّجوها على أَلسِنَةِ المسلمين" (١). هذه مَورُوثاتُ وتصوُّراتُ العصورِ الوسطي عن رسول الله- ﷺ ، ولا يزالُ الغربيُّون الصليبيون أسرى هذه التصوُّرات والأساطيرِ والتجني الواضح على رسول الله ﷺ . لقد بَلَغ ما كَتَبه المستشرقون عن الإسلام في قرنٍ ونصفٍ (منذ أوائل القرن التاسعَ عَشَرَ حتى منتصفِ القرن العشرين) نحوَ ستينَ ألفَ

стр. 1405

كتابٍ (١) مُعظمُها يَطفحُ بالعَداء لنبيِّ الإسلام ﷺ وأتباعِه، ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨]. ° قال "كارلايل": "إن الأكاذيبَ التي عَمِل على تراكُمها الحماسُ المنبعثُ بحُسنِ نيَّةٍ حولَ محمدٍ لا تَسُبُّ أحدًا غيرَنا" (٢). وتعالَ معيَ مرةً ثانيةً لنتابعَ ما يقولُه الصليبيون عن رسول الله ﷺ : * كريل: ° يقول هذا المأفونُ: "يجبُ أن يعترفَ المَرءُ بأنَّ محمدًا كان -رَغْمَ كلِّ أخطائه- مؤسسَ المدنيَّةِ العربية، وأنه قد وَضَع شَعْبَه على دَرجةٍ عُلْيَا من التديُن" (٣). فأيَّةُ أخطاءٍ كانت للمعصوم سيِّدِ ولدِ آدمَ ﷺ الذي أقسَمَ اللهُ بحياته؟!. * ألكسندر دوبون: في الرواية التي كتبها "الكسندر دوبون A. du pont" عن محمد " Romande Mahomet"، يَظهَرُ محمدٌ بوصفِه أحدَ قُطَّاع الطُّرُق، وقد أصابه مَسٌّ من الشيطان، ويقومُ بفعِل كلِّ نوع من أنواع الأفعالِ الدنيئةِ والتضليل (٤).
следующие страницы →