العصر الوسيط، كما تتمثلُ في الشَّعر الفرنسي القديم، وذلك في كتابه الذي صَدَر بالألمانية عام ١٨٨٦ بعنوان "العقيدة والخرافة في الأشعار الفرنسية".
وحسبما وَرَد في هذا الشعر، فإن محمدًا وَحده هو صاحبُ نظرية التعدُّدِ في الألوهية بكامِلها، تلك النظريةُ التي يقولُ بها المسلمون، وفي الأساطير الشعبيةِ الأصيلةِ لا يَظهرُ محمدٌ أبدًا بوصفه "نبيًّا"، وإنما يَظهرُ باستمرار بوصفه "إلها"، وعلى وجهِ التحديد بوصفه أعظمَ وأقوى الآلهةِ الوثنية، وقبل أن يتحوَّل محمدٌ إلى هذا الاعتقادِ كان مسيحيًّا مؤمنًا، وكان هو نفسُه يؤمنُ بعقيدةِ "الخلاص" المسيحية.
ويُعَدُّ محمد لدى الوثنيَّين (أي: المسلمين!!!) خالقَ هذا العالَم وحافظَه، وتَحدُثُ عبادتُه بطبيعة الحال في شَكِل عبادةِ التماثيل، هذا الشكلُ الذي اعتادَتْه جماعةُ المحمديين، وكما هو الحالُ مع إلهِ المسيحيين فإن محمدًا محاطٌ أيضًا في السماء بالقدَّسين، ومِثلما تُعَدُّ القُدسُ مدينةً مقدَّسةً بالنسبةِ للمسيحيين، فكذلك تُعدُّ مكةُ مدينةً مقدسةً بالنسبة للوثنيين، حيث يوجدُ داخلَ أسوارِها قَبرُ إلههم .. أما العيدُ الكبيرُ السنويُّ الذي يُقامُ لتمجيدِ محمدٍ، فيُوصَفُ بأنه يتوافقُ مع "عيدِ الفِصح".
وأشدُّ التناقضاتِ بين المؤسَّسات المسيحية والوثنية تتمثَّلُ في رأي الجانبين في الزواج، والمحمَّديُّون يكرهون إلهَ المسيحيين، وكذلك لا تَعرفُ كراهيةُ المسيحيين لأتباع محمدٍ حُدودًا تقفُ عندها، فالمسيحيون يُشككون بشتى الطُرقِ الممكنةِ في طهارةِ محمدٍ من الذنوب أثناءَ حياته الأرضية،
стр. 1402
وتَروي بشَغَفٍ خاصٍّ قصةَ موتهِ الذي يُرثى له (١).
* دُوتيه Doutte:
يتناولُ "دوتيه" في كتابه بالفرنسية "محمد الكاردينال" الصادرِ في باريس عام ١٨٩٩ الخرافةَ التي انتشَرَت انتشارًا واسعًا في العصرِ الوسيط والتي تقولُ بأنَّ محمدًا كان في الأصل "كاردينالاً رومانيًّا" يسعى للحصول على تاج البابوية، ولكنه عندما فَشَل في الحصول عليه أسس الطائفة المحمديَّة، وصَرَف آلافًا كثيرةً من النفوسِ عن المسيحية (٢).
* باسيه Basset:
باسيه مستشرقٌ فِرنسيٌّ (١٨٥٥ - ١٩٢٤)، له العديدُ من الأبحاثِ والدراساتِ الإسلامية والعربيَّة، ورَأَسَ مؤتمرَ المستشرقين بالجزائر عام ١٩٠٥، وأسهَمَ في دائرة المعارف الإسلاميَّة، وله بحثٌ بعنوان "هرقل ومحمد" نشره عام ١٩٠٣ في مجلة العلماء من (ص ٣٩١ - ٤٠٢) تناول فيه أسطورةً أخرى عن محمدٍ، كانت هي الأخرى منتشرةً أيضًا انتشارًا واسعًا في العصر الوسيط، وتقولُ هذه الأسطورةُ: إن القيصرَ "كارل الكبير" قام
بتحطيم كل تماثيل الآلهةِ التي كانت قائمةً في "أسبانيا" ما عدا تمثالاً واحدًا فقط كان موجودًا في "قادس " Cadiz" (٣) وَيروي المسلمون أن محمدًا نفسَه قد قام بعمل هذا التمثالِ أثناءَ حياتِه باسمه هو، وأنه بفضل ما لديه من فنٍّ
стр. 1403
سِحريٍّ قام بحبسِ كتيبةٍ من الجنِّ بداخله، وقد عَمِلت هذه الكتيبةُ -بما لها من تأثير- على مَنع تحطيم هذا التمثالِ من جانبِ أيِّ أحدٍ يريدُ تحطيمَه.
وقد أثبت "باسيه" بالتفصيل انتشارَ هذه الأسطورةِ في المصادر المسيحية والعربية والأسكندنافية، وبَرهَنَ على أن الأمرَ هنا يدور -على الأرجح- في الأصل حولَ تمثالِ لهرقلَ ظنَّ المحمَّديون خطأً أنه يرمز إلى محمد! ثم انتَقلت الأسطورةُ عن طريقِ المسلمين إلى المسيحيين في أسبانيا، ومن هناك تسرَّبت إلى الأدب الفرنسيِّ في العصر الوسيط (١).
° قال الدكتور محمود حمدي زقزوق في كتابه "الإسلام في تصوُّرات الغرب": "إذا رُويت هذه الأساطير على ألسِنةِ الغربيِّين، ودُوِّنت في مؤلَّفاتهم، فهذا أمرٌ مفهومٌ، وقد اعتدنا عليه، أمَّا أن يُقالَ: إن المسلمين أنفسَهم قد قالوا بهذا الهُراء، وإن مصادِرَهم قد دُوِّن فيها هذا الباطلُ، فهذا أمرٌ لا يمكنُ تصديقُه، وذلك لأسبابٍ كثيرةٍ أهمُّها ما يأتي:
أولاً: المسلمون يَعرِفون تمامًا أن النبيَّ ﷺ قد حَرَّم التماثيل لأنها تُذكِّر بالأصنام من ناحية؛ ولأن فيها محاكاةً لخَلِق اللهِ من ناحيةٍ أخرى، وقد وَرَد في هذا الصددِ العديدُ من الأحاديث الصحيحة، ومن ذلك ما رواه مسلم في "صحيحه" أن النبي ﷺ قال: "لا تدخلُ الملائكةُ بيتًا فيه تماثيلُ أو تصاوير"، وقوله: "يا عائشة: أشدُّ الناسِ عذابًا عند الله يومَ القيامة الذين يُضاهُون بحلِق الله"، وفي روايةٍ أخرى: "الذين يُشبِّهون بخَلقِ الله".
فهل يُعقلُ -بعد هذا التحذير الشديدِ- أنْ يَنسِبَ المسلمون إلى نبيهم أنه
стр. 1404
صَنَع لنفسه تمثالاً أو أوعَزَ بصُنعِه؟ وقد يقال: إن بعضَ العلماءِ في العصرِ الحديث قد قال بتأويل مثل هذه الأحاديث، ولكن هذا التأويلَ لم يكن بالقطع قائمًا لدى المسلمين في الأندلس.
ثانيًا: المسلمون يتحرَّجون حتى اليوم -بعد مرورِ أكثرَ من أربعةَ عَشَرَ قرنًا على ظهورِ الإسلام- من مجردِ ظهورِ شخصياتٍ تمثل أدوار أحدٍ من الصحابة في مشاهدَ هادفة، ناهِيك عن إقامةِ تماثيلَ لهم، فما بالُك إذا كان الأمرُ يتعلَّقُ بالنبيِّ ﷺ ؟! وإذا كان هذا شأنَ المسلمين اليومَ حيث تنتشرُ التماثيلُ في كل مكان، وحيثُ أصبَحَ التمثيلُ أمرًا مألوفًا، فما بالُك بالمسلمين منذ قرونٍ عديدة، وفي بلادٍ أحرقت كتاب "الإحياء" للغزالي ظنًّا منها أنه رُبما يحمل أفكارًا فلسفيةً لا يَرضى عنها الإسلام؟!.
إن الأمرَ الأقربَ إلى المعقول هو أن هناك أسطورةً كانت قائمةً قبلَ أن يدخلَ المسلمون إلى هذه البلاد، ثم حَوَّرها الأوروبيُّون أنفسُهم -وإيمانُهم بالأساطيرِ كان شديدًا في العصرِ الوسيط-، ورَوَّجوها على أَلسِنَةِ المسلمين" (١).
هذه مَورُوثاتُ وتصوُّراتُ العصورِ الوسطي عن رسول الله- ﷺ ، ولا يزالُ الغربيُّون الصليبيون أسرى هذه التصوُّرات والأساطيرِ والتجني الواضح على رسول الله ﷺ .
لقد بَلَغ ما كَتَبه المستشرقون عن الإسلام في قرنٍ ونصفٍ (منذ أوائل القرن التاسعَ عَشَرَ حتى منتصفِ القرن العشرين) نحوَ ستينَ ألفَ
стр. 1405
كتابٍ (١) مُعظمُها يَطفحُ بالعَداء لنبيِّ الإسلام ﷺ وأتباعِه، ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨].
° قال "كارلايل": "إن الأكاذيبَ التي عَمِل على تراكُمها الحماسُ المنبعثُ بحُسنِ نيَّةٍ حولَ محمدٍ لا تَسُبُّ أحدًا غيرَنا" (٢).
وتعالَ معيَ مرةً ثانيةً لنتابعَ ما يقولُه الصليبيون عن رسول الله ﷺ :
* كريل:
° يقول هذا المأفونُ: "يجبُ أن يعترفَ المَرءُ بأنَّ محمدًا كان -رَغْمَ كلِّ أخطائه- مؤسسَ المدنيَّةِ العربية، وأنه قد وَضَع شَعْبَه على دَرجةٍ عُلْيَا من التديُن" (٣).
فأيَّةُ أخطاءٍ كانت للمعصوم سيِّدِ ولدِ آدمَ ﷺ الذي أقسَمَ اللهُ بحياته؟!.
* ألكسندر دوبون:
في الرواية التي كتبها "الكسندر دوبون A. du pont" عن محمد " Romande Mahomet"، يَظهَرُ محمدٌ بوصفِه أحدَ قُطَّاع الطُّرُق، وقد أصابه مَسٌّ من الشيطان، ويقومُ بفعِل كلِّ نوع من أنواع الأفعالِ الدنيئةِ والتضليل (٤).
стр. 1406
° وظَهَر دَجَلُ الصليبيين وسُوءُ طَوِيتِهم وقُبحُ ما يُكِنُّونَه للنبي ﷺ في كتاب "القانون لدى المسلمين Livrede La Loi au sarrasin" فإنه يتضمَّنُ أكثَرَ خرافاتِ المسلمين زِرايةً -كما يدَّعي الغربُ الصليبيُّ-، ويجعلون من رسول الله ﷺ نبيًّا مزَيَفًا، وزنديقًا مارقًا، وجعلوا منه كاردنيالاً أسلمَ نفسَه للشيطان ليأسِه من أن يَظفَرَ بمنصبِ "البابا"! وقد كان حُكمُ العصرِ على شخصية محمدٍ كلها هو الانغماسُ في المُتَع والخديعة (١).
* دورييه Du Ryer:
تُعَدُّ ترجمةُ دورييه للقرآن التي ظَهرت عام ١٦٤٧ أولَ ترجمةٍ فرنسيةٍ للقرآن، وقد عَمِلَ دورييه مدةً طويلةً قُنصلاً لبلاده في مصر، وهناك تَعلَّم العربية، وقد طُبعت هذه الترجمةُ مرَّاتٍ عديدةً على مَدى قرنٍ ونصفٍ، وأقبل الناسُ على قِراءتها إقبالاً كبيرًا، ولم يكن "دورييه" منصِفًا للإسلام بأيِّ حالٍ من الأحوال، وقد ظلَّت ترجمتُه تمارِسُ تأثيرَها الأسودَ في عقولِ الغربيِّين، حتى قام "سافاري" بإنجازِ ترجمةٍ فرنسيةٍ أخرى للقرآن ظهرت عام ١٧٨٣ م (٢).
* بليس بسكال Blaise Pascal (١٦٢٣ - ١٦٦٢ م):
هو الفيلسوفُ الفرنسي المعروف، وقد صَدَر كتابُه "خواطر حول الدين" (pensees sur la religion) في باريس عام ١٦٧٠، وقد كان "بسكال" يرى في محمدٍ العدوَّ اللدودَ للكنيسة، ولهذا كان حريصًا كلَّ الحرصِ على
стр. 1407
محاربتِه، ففي كتابِه السابقِ يتناول محمدًا ﷺ في تِسْع شَذَراتٍ من بينِ الشَّذَرات التي يَضُمُّها هذا الكتاب، ويَعقِدُ في أحدِها مقارنةً بين محمدٍ والمسيح، يقول فيها: "إن محمدًا لم يَجْرِ التنبؤُ بظهورِه في "العهدِ القديم" في حينِ جرى التنبؤُ بظهور المسيح، ومحمدٌ كان يقترفُ القتلَ في حين كان المسيحُ يَدَعُ أتباعَه يُقتلون، ومحمدٌ كان يُحرِّمُ القراءةَ في حين كان الحواريُّون يأمُرون بالقراءة، ومحمدٌ صادف نجاحًا دنيويًّا، في حين كان المسيحُ مغلوبًا على أمرِه، وانتهى به الأمرُ إلى الصلب .. " إلخ.
وكان "بسكال" يَفتقدُ لدى محمدٍ عدمَ إتيانِه بالمعجزات، كما أن تعاليمَه لم تشتملُ على أسرارٍ (كما هو الشأن في المسيحية)، ويُنكر "بسكال" على محمدٍ الأخلاقَ "السيئة" التي أتى بها، كما يُنكِرُ عليه تصوُّراتِه الحسِّيةَ للجنة، ويقول:"إنه لم يَجِدْ في هذا الدينِ سببًا يحملُه على قبولِه؛ لأنه دينٌ ليس فيه أيُّ أمارةٍ من أماراتِ الحقيقة" (راجع بفانموللر ص ١٤٩).
هذا هو "بسكال" الفيلسوف، والفلسفةُ تعني البحثَ عن الحقيقة -كما يدَّعون- وتَعني التجرد التامَّ والنزاهةَ والموضوعية، وتَرفُضُ التقليدَ وقبولَ الأحكام المسبقة، ولكنَّ "بسكال" كان في موقفِه من الإسلام ونبيِّه يَفتقدُ كلِّ هذه الصفات، وبَرهَنَ على جَهلٍ فاضحٍ، وراح يتبنَّى الآراءَ الكاذبةَ السائدة حينَذاك حولَ الإسلام ونبيّه، شأنُه في ذلك شأنُ رجل الشارع، فأساء لنفسِه وللفلسفةِ وللحقيقةِ بصفةٍ عامة (١).
أساطيرُ وأكاذيبُ ومزاعمُ وشتائمُ ووقاحةٌ وتطاولٌ وتسفُّلٌ من مفكِّري
стр. 1408
الغرب على السِّراج المنير ﷺ ، ثم بَعد هذا يدَّعون العلمَ والمعرفة .. ألَا شاهت الوجوه النَّكِدةُ، وزُبالاتُ الأذهانِ العَفِنة، وانتكاسُ الفطرة.
° وفي أثناء العصر الوسيط كلِّه، وكذلك في القرْنَيْن السادسَ عَشَرَ والسابعَ عَشَر، كان الحُكمُ على محمدٍ حُكْمًا سيئًا إلى أبعدِ الحدود، إذ يُوصَفُ بأنه "دجَّال" و"نبيٌّ مُزَيف"، و"مؤسِّس طائفةٍ " وتجسيد لشتَّي ألوانِ الرذائل والمنكرات (١).
* تور أندريه Tor Andrae (١٨٨٥ - ١٩٤٧) :
تور أندريه مستشرقٌ سويدي .. عَمِل أستاذًا للعلوم الدينية في جامعتَي "استوكهلم"، و"أوبساله"، ومن مؤلَّفاته: "مَن هو محمد؟ " و"شخصُ محمدٍ في تعاليم وعقيدةِ أتباعِه" وهو رسالةُ الدكتوراة التي تقدَّم بها إلى جامعة "استوكهلم" عام ١٩١٧ م، وقدْ تُرجم هذا الكتابُ إلى الإيطالية والإنجليزية والألمانية.
° يقولُ هذا المفترِي: إن "التغييرَ غيرَ المتوقع لظروف -رسول الله ﷺ الخارجية -وبصفةٍ خاصَةٍ انتصارُه في بدر- كان له تأثيرٌ قويٌّ على وَعي النبي باصطفائه، وأخيرًا أصبح الوحيُ الذي كان يَظهرُ في البدايةِ بوصفِه تأثيرًا من جِهةٍ عُليا فوقَ التشخص -دونَ أن يكونَ ذا صِلَةٍ واعيةٍ بحياةِ النبي النفسية- أصبح بالتدريج يأتيه أيضًا مرتبطًا بوعي عاديٍّ، وهذا الارتباطُ جَعل الوحيَ أخيرًا واقعًا إلى حدٍّ ما تحتَ مراقبةٍ نفسيةٍ، وهكذا وَصل الأمرُ بالنبيِّ بالتدريج إلى الحدِّ الذي جَعله يَعتبرُ ما يبدُو له من أفكارٍ وقراراتٍ
стр. 1409
على أنها وحيُ الله، ويتحدَّثُ عن اللهِ ورسولِه حديثًا يكادُ يجعلُهما في مكانةٍ واحدة" (١).
وهذا واللهِ عَينُ الكَذِبِ على النبي ﷺ ، واتهامٌ له -حاشاه- بالكَذِبِ على الله، إذ يَنسِبُ إليه ما لَم يَقُلْه .. وإنكارٌ للوحي بُرمَّتِه.
° ويقول هذا الدجال المفتَري: "وكنتيجةٍ للتطوُّرِ الذي وَصَل إليه الوعيُ النبويُّ لدى محمدٍ بتأثير من انتصاراتِه العظيمةِ، نَجِدُ الاقتناعَ لديه بأن رسالتَه جاءت عامةً للعالَم كلِّه، وأن دِينَه قد قُدِّر له أن يُحققَ النصرَ على كل الديانات الأخرى، وأنه هو نفسُه "خاتم النبيين"، وأفضلُ الأنبياءِ وآخِرُهم، وأنه كان مَقصِدَ تطوُّرِ النبوَّةِ كله في حقيقة الأمر، وعلى هذا النحوِ كان في وُسع التقديس الذي نشأ فيما بعدُ للنبي أن يَجِدَ في الواقع أيضًا نِقاطَ ارتباطٍ معينةٍ في الشهاداتِ الذاتيةِ لمحمد" (٢).
وهذا أيضًا عينُ الكذبِ وصريحُه .. فعموميةُ رسالتِه للعالَمين كانت وحيًا من الله لا لانتصاراتهِ ﷺ الخارجية.
° ويَكذِبُ الدجالُ "أندريه" ويتكلَّمُ في الفصل الأولِ عن نشأةِ "أسطورة النبي" وكيف كانت بصفةٍ خاصةٍ عملاً من أعمالِ القُصَّاص، وهم أولئك الذين احتَرفوا مِهنةَ حكايةِ الأساطير، وتُصادفُنا آثارُ نشاطِهم في كتاب ابنِ إسحاق، فحياةُ محمدٍ كلُّها يُتْمٌ نَسَجها هكذا بالتدريج في شَبكةٍ من المعجزات، وَيبسُطُ "أندريه" القولَ بوجهٍ خاصٍّ في قصةِ ميلادِ محمدٍ والمعراج، ومعجزاتِ الطعام والماء، ومعجزة الشفاء، وشق الصدر،
стр. 1410
وانشقاقِ القمر .. والمصدرُ الرئيسيُّ لهذا المعجزات هو أساطيرُ وأقاصيصُ دوائرِ الحضارة الهللينية (١) وبعدَ مَضِى بعضِ الوقتِ (على أعمال القُصَّاص) ظهرت مؤلَفاتٌ حولَ معجزاتِ محمد، وقد حَظِيت هذه المؤلَّفات أيضًا بعرضٍ تفصيليٍّ من جانبِ "أندريه" .. ".
يَستكثر "أندريه"، ويُنكِرُ المعجزات، وهم يَرَون ألوانًا شتَّى من الأقاصيصِ والغرائبِ عن حياةِ القديسينَ المسيحيين، ويُسارعُ برد المعجزات وقَصَصِها إلى الحضارة اليونانية، فأيُّ منطقٍ هذا؟ وأين وكيف اتصل هؤلاءِ "القُصَّاصُ" الذين رَوى عنهم ابنُ إسحاقَ هذه المعجزاتِ بالحضارة اليونانية؟!.
° ويَجعل "أندريه" مفهومَ الوحي ضمنَ العناصرِ التي دَخلت إلى الإسلام "السني" بتأثير شيعيٍّ .. فالمعروفُ أن مفهومَ الوحي مفهومٌ قرآنيٌّ خالص قبلَ ظهورِ الفِرَق!!.
* التراجمُ الحديثةُ لسِيرة الرسولِ محمد ﷺ عند الغرب:
* ميشيل بودييه Michael Baudier:
يَرجعُ الفضلُ إلى "ميشيل بودييه" (٢) في أنه أولُ مَن قام بوضع وصفٍ شامل لحياةِ محمدِ بدلاً من الكتاباتِ الجَدَليةِ الكَنَسية، وقد كان "بودييه"
стр. 1411
بالنسبة لعصره -على أيِّ حالٍ - مؤرِّخًا معتَبَرًا، كما كان كاتبًا شعبيًّا، ويَدينُ له الجمهورُ الفرنسي بالفضل لكتابِه الذي استطاع أن يُعرفه فيه بالإسلام، ويُباهِي "بودييه" بحقٍّ بأنه أولُ مَن جَمَع هذه المادةَ "المتعلقة بحياة محمد"، وذلك في كتابه "تاريخ ديانةِ الأتراك ومولدِ وحياةِ ووفاةِ نبيِّهم المزيِّف محمد" الصادرِ في باريس ١٦٢٥، وقد أعيد طبعُه عام ١٦٣٢، وعام ١٧٤١، وقد كان "بودييه" أولَ مَن قام بتأليف مسيرةٍ لمحمد بالفرنسية، وكان لكِتابِه تأثيرٌ يفوقُ الوصفَ على التصوُّرات الغربيةِ عن الإسلام وعن محمد ﷺ ، ولم يكن هذا العملُ -على وجهِ اليقين- عملاً محايدًا، فقد كانت غايةُ "بودييه" هي "الكشف عن أباطيل ورذائل نبيِّ الأتراك وفُحشِه وخدائع محمدٍ وزَيفِ طائفتِه، والكشفُ عن تضليله وتفاهةِ طائفتهِ وتعاليمه المضحِكة والوحشية".
وقد كان "بودييه" كاثوليكيًّا متدينًا، يستقي معلوماتِه من مصادرَ كَنَسيَّةٍ فقط، وكان يَنقُلُ عنها دونَ نقد، وبفضل كتاباته لم يَرَ القرنُ السابَعَ عَشَرَ في محمدٍ إلاَّ دجَّالاً أو مُضلِّلاً، ولم تكن لدى هذا القرنِ إلاَّ الرغبةُ في دَفنِ محمدٍ تحتَ أكوام من النَّقضِ والتفنيد.
ولقد أُغرِمَ "بودييه" بوَصفِ أعمالِ السَّلبِ والنَّهبِ والقَسوةِ والفجورِ مِن جانبِ النبيِّ -كما يدَّعي هذا الكذَّابُ الأشر-.
° وتحت عنوان "إلحاديات محمد" يصف "بودييه" بإسهابٍ المواضعَ القرآنيةَ التي أفسد فيها النبي الزائف -حاشاه- الديانةَ المسيحية، ولكي يَجعلَ "بودييه" الخديعةَ أو التضليلَ واضحًا بقَدْرِ الإمكان أمامَ الجمهورِ، فإنه
стр. 1412
يَقتبسُ آياتٍ من القرآن بجانبِ نصوصٍ من الكتاب المقدَّس (١).
ونقول لهذا المفترِي: موعدُك مع محمدٍ ﷺ يومَ القيامة .. واللهُ الموعد .. يومَ أنَ ينادَى على رؤوس الأشهادِ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].
* هوتنجر Hottinger:
في كتابه "تاريخ الشرق" (٢) " Historia Orientalis" حاول المستشرقُ السويسري "يوهان هينريش هوتنجر" (١٦٢٠ - ١٦٦٧) الذي تَخرج بوصفِه مستشرقًا في كلٍّ مِن "جروننجن وليدن"، ثم أصبح أستاذًا لتاريخ الكنيسة واللغاتِ الشرقية في "زيوريخ" أنْ يتكلَّم عن تاريخ العرب بوجهٍ عامَ وتاريخ الرسول ﷺ بوجهٍ خاصٍّ.
ويرى "هوتنجر" في مقدمة كتابه أن من الضروري أنه يجبُ عليه أن يعتذرَ لقيامه بتقديم عرضٍ لحياة محمدٍ وتعاليمه، ولكي يبرِّرَ عَمَلَه هذا يَستشهدُ بعلماءَ من أمثال "بوللينجر Bullimger" و"ميكونيوس Myconius" و"ببلياندر Bibliander"، وكذلك يَستشهدُ بالشخصياتِ المعاصرةِ الشهيرةِ من أمثال " لامبرور L. Empreur" الأستاذ بجامعة "ليدن".
ويريد "هوتنجر" أنْ يُسْهمَ في محاربةِ خيانةِ المحمَدِيين وغَدرِهم ومحاربةِ السيادةِ التركية، ويَعتقدُ "هوتنجر" أن تفنيدَ الديانةِ التركية يُعَدُّ أيضًا بمثابةِ توجيهِ ضربةٍ للسيادةِ التركية (٣).
стр. 1413
* ألكسندرروس A. ROSS:
بعد ظهور كتاب "هوتنجر" "تاريخ الشرق" بعاميْن ظَهر في "إنجلترا" في عام ١٦٥٣ أولُ كتابٍ في تاريخ الأديانِ العامِّ، من تأليف "ألكسندر روس" تحت عُنوان "التقديس الشامل" أو " Pansebeia" وقد تُرجم أيضًا إلى الألمانية بعد ذلك بخَمْسَهَ عَشَرَ عامًا تحت عنوان "العبادات المتبايِنة في العالَم كلِّه".
ولا يُنكرُ "روس" في كتابه "أن محمدًا كان عَدُوًّا للمسيح!! لإتيانِه بتعاليمَ قام بترويجِها تُعارِضُ ألوهيةَ المسيح" (١).
* ديدرو Didedro (١٧١٣ - ١٧٨٤) :
" دينيه ديدرو" أحدُ أعلام الكُتَّابِ في عصرِ التنوير الفِرنسيِّ، كان رئيسَ تحريرِ دائرة المعارف الفرنسية الشهيرة، ومؤلِّفَ العديدِ من مقالاتها.
في كتابه "رسائل إلى صوفي فولاند" وَصَف النبي ﷺ بأنه "كان أفضلَ صَديقٍ للنساء، وأكبَرَ عدوٍّ للعقل"، بجانب وصفِه له بعد ذلك بأنه "مُشَرِّعٌ ماهر، ورسولٌ من رُسُل الفضيلة"، وهذا يدل على التخبُّطِ والتناقضِ؛ إذ كيف يُوصَفُ المُشَرِّع الماهرُ الداعي إلى الفضيلةِ بأنه عدوٌّ للعقل؟! (٢).
стр. 1414
* ليسنج "جوتهولد إِفرايم" (١٧٢٩ - ١٧٧٨):
من أعظم أدباءِ ألمانيا في القرن الثامنَ عَشَر.
° في "شذرات فولفنبوتل" يُرجعُ "ليسنج" تعاليمَ محمدٍ إلى الدينِ الطبيعي كما فعل "ليبنتز": "صحيحٌ أن قرآنَ محمدٍ والعقيدةَ التركيةَ لهما لدينا سُمعةٌ سيئة، وليس ذلك فقط لأن مؤسِّس هذا الدينِ قد استَخدم التضليلَ والعُنف، بل لأن هناك أيضًا (في هذه العقيدة) كثيرًا من الحماقاتِ والأضاليل مختلِطةً ببعضِ العاداتِ الخارجيةِ الوافدةِ التي لا ضرورةَ لها، ولستُ أريدُ أيضًا أن أتحدَّثَ باسمِه -أي باسم محمد-، وأقلُّ من ذلك كثيرًا أن أرفعَ من شأنِه على حساب الديانة المسيحية، ولكني على يقينٍ من أن هناك مِن بين مَن يُحَمِّلون الديانةَ التركيةَ مسؤولية هذا أو ذاك من الأخطاءِ قلَّةً قليلةً جدًّا ممَّن اطَّلع على القرآن، وأن هناك أيضًا قلةً قليلةً جدًّا مِن بين هؤلاءِ الذين قرؤوه كان لديهم القصدُ لإعطاءِ كلماتِ القرآن معنًى معقولاً يمكنُ للمرءِ أن يَفهَمه، وفي وُسعي -إذا كان هذا مَقصِدي الأساسي- أن أُبيِّنَ أفضلَ ما في الدينِ الطبيعي من القرآنِ معروضًا بوضوحٍ ومُعبِّرًا عنه إلى حدٍّ ما تعبيرًا جميلاً" (١).
* جُوته Goethe:
" يُوهان فولفجانج فون جوته" (١٧٤٩ - ١٨٣٢) يُعَدُّ أعظمَ شعراءِ ألمانيا على الإطلاق.
стр. 1415
° يقول الدكتور محمود حمدي زقزوق في كتابه "الإسلام في تصوُّرات الغرب" (ص ١٤٧): "كان منصفًا للشرقِ وللإسلام ونبيِّه ﷺ ، وقرأ القرآنَ وتأثَّر به واقتَبَس منه الكثيرَ، وبخاصةٍ في الديوانِ الذي أطلق عليه اسم "الديوان الشرقي الغربي".
° ويقول عنه (ص ١٠١): "قرأ القرآنَ بإمعانٍ في ترجمتين، إحداهما لاتينية، والأخرى ألمانية، واقتَبس منه الكثير، ويَظهرُ تأثرُه بالقرآن بوجهٍ خاصٍّ في الديوانِ الذي أسماه "الديوان الشرقي الغربي"، ومِن بين ما نقرؤه له في هذا الديوان قوله: "لله المشرق ولله المغرب، وفي راحتَيه الشَّمالُ والجَنوبُ جميعًا، هو الحقُّ، وما يشاء بعباده فهو الحق سبحانه، له الأسماء الحسني، وتبارك اسمُه الحق، وتعالي علوًّا كبيرًا".
وفي بعض أشعارِ الحِكمة من ديوانه يقول عن الإسلام: "مِن حماقةِ الإنسانِ في دنياه أن يتعصَّبَ كلٌّ منَّا لِمَا يراه، وإذا الإسلامُ كان معناه التسليمَ لله، فإننا أجمعين، نحيا ونموت مسلمين".
وقد وَضع "جوته" مشروعَ تمثيلةٍ عن محمدٍ تدلُّ على إعجابهِ وتقديرِه لنبي الإسلام، مما يدل على سَعَةِ أُفقِه، وسُموِّ فِكرِه، ونزاهةِ حُكمه، وترفُّعِه عن التعصُّب الشُّعوبي والديني "انظر مزيدًا من التفصيل عن ذلك في كتاب: "الشرق والإسلام في أدب جوته" للأستاذ عبد الرحمن صدقي (ص ١٤) وما بعدها من سلسلة المكتبة الثقافية رقم ١٠) ".
° يقول المستشرق الألماني "بفانموللر": "وفي خريف عام ١٧٧٣ ظهر "نشيد محمد" وفيه يُقارن "جوته" محمدًا بنهرٍ ينمو باستمرارٍ ويجذبُ في
стр. 1416
سَيرِه إخوتَه معه إلى الأب الخالد.
° وفي كتابه "الشعر والحقيقة" يقول "جوته": "إن هذا النشيدَ المَدْحِيَّ كان قد قُصد به في الأصل أن يكونَ إضافةً شِعريةً لمسرحيةٍ عن محمد كان قد خُطط لها"، وقد كان يريدُ أن يُصوِّرَ فيها كيف تؤثِّرُ العبقريةُ في الناس عن طريقِ الأخلاقِ والعقل، وكيف تنتصرُ العبقريةُ في ذلك وكيف تَخسر.
وفي عام ١٧٩٩ عاد "جوته" مرةً أخرى إلى الاشتغالِ بموضوع محمد، بأنْ قام بِناءً على رغبةِ الدُّوق "كارل أوجسطس Augusts " وضدَّ إرادتِه هو تمامًا -بترجمة مسرحية "فولتير" عن محمدٍ وإعدادِها للمسرح.
وهناك أخيرًا أكثرُ من اثنَتَيْ عَشْرَةَ قصيدةً من أشعاره في "الديوان الشرقي الغربي" تهتمُّ بمحمدٍ وبالقرآن، وفي الملاحظات والمَقالاتِ حولَ هذا الديوان يَعودُ "جوته" -بوصفه مؤرِّخًا- للحديث عن محمدٍ وتعاليمه" (١).
° إلاَّ أن المستشرقَ الألماني "جيرنوت روتر" يقول في بَحثه ومقاله "الإسلام والغرب- الحوار المفقود" التي تضمَّنه كتاب "صورة الإسلام في التراث الغربي" "دراسات ألمانية": "تحدَّث "جوته" عن العرب بحماسٍ وهُيام، ولكنَّ حَماسَه هذا فَتَر عندما تَعرض لمحمدٍ ﷺ ؛ لأنه نَصَب حولَ العَرَب غلافًا دينيًّا كئيبًا، وعَرف كيف يَحجُبُ عنهم الأملَ في أيِّ تقدُّمٍ حقيقيٍّ" (٢).
стр. 1417
° وقال "جوته" عن "القرآن": "إنه الكتابُ الذي يكرِّرُ نفسَه تكراراتٍ لا تَنتهي، فيثير اشمئزازَنا دائمًا، كلَّما شَرَعْنا في قراءته" (١).
* هردر Herder (١٧٤٤ - ١٨٠٣) :
" يوهان جوتفريد فون هردر" كاتبٌ ألماني معروف، وعالِمٌ في اللاهوت، وقد تأثر به "جوته" في شبابه.
يصفُ هردر محمدًا ﷺ بأنه: "مزيجٌ خاصٌّ من كلِّ ما يُمِكنُ أن تُعطيَه الأمَّةُ والقَبيلةُ والزمانُ والمكان، فقد كان تاجرًا ونبيًّا وخطيبًا وشاعرًا وبطلاً ومُشرِّعًا، وكلُّ ذلك حَسَبَ الطريقةِ العربية".
° ويَبدُو أن سَبب نبوَّتهِ يتمثَّلُ في البُغضِ لشناعةِ عبادةِ الأصنام والتحمُّس لتعاليم توحيدِ الله وطريقةِ التعبُّدِ له بالطهارةِ والذِّكرِ والعمل الصالح، "وقد كانت التقاليدُ الفاسدةُ لليهودية والمسيحية، وطريقةُ التفكير الشاعريةُ لأُمَّته، ولغةُ قبيلته، ومواهبُه الشخصية -كانت كلُّها كأنها الأجنحةُ التي حَلَّقت به فوقَ نفسِه وخارجَ نفسه".
° ولكن "هردر" يُعبِّرُ عن حُكمه على القرآن على النحو التالي: "هذا الخليطُ الفريدُ من فنِّ الشِّعرِ وحُسنِ البيانِ والجَهل والذكاءِ والتكبُّرِ، هو مرآةُ نفسِه التي تُبين مواهِبَه ونقائصَه ومُيولَه وأخطاءَه وخِداعَ نفسِه والمعوناتِ الوقتيةَ التي خدَع بها نَفسَه، وخَدَع الآخرين، وذلك كله بدرجةٍ أكثرَ
стр. 1418
وضوحًا ممَّا يتبينُ في أي قرآنٍ آخَرَ لنبيٍّ من الأنبياء" (١).
فالفكرةُ الأساسيةُ لدى "هردر" وأمثالِه هي أن القرآنَ مِن تأليفِ محمدٍ ﷺ ؛ ولذلك فهو مِرآةُ نفسِه وإنتاجُ عقلِه، ومن هنا فإذا وَرَدَ في القرآن أنه "وحيُ اللهْ " اعتَبروا ذلك نوعًا من الخِداع أو التضليل، وإذا كان هذا هو موقفُهم الأساسي الذي يُسيطرُ عليهم قبلَ التعرُّف على القرآن، فلن يَصِلوا إلى حقيقةِ الإسلام أبدًا، إلاَّ إذا أزالوا مِن على أعيُنهم وقلوبِهم هذه الغِشاوةَ المتمثلة في الأوهام والأحكام السابقة، وتخلَّصوا من التعصُّبِ الذي يَحجُبُ عنهم نُورَ الحقيقة.
* أولزنر Oelsner:
عنده يُعَدُّ محمدٌ ﷺ في الأصل متحمِّسًا وَجَد الدليلَ على بَعثتِه في قوةِ اعتقاده فقط، ومن السهل أن يَخلِطَ المرءُ بينه وبين مجردِ إنسانٍ دجَّال، وإذا لم تكن هناك أيضًا أغراضٌ طُموحية قد عَمِلت على تحريكِه في البداية، فإنها قد أتت في أعقابِ الحماس، وبنفسِ القَدْرِ الذي بَرَد فيه الحَماسُ لقضيةِ "الله" أو قضيةِ "الوطن" اشتدَّ لديه الغَرضُ الأنانيُّ عن طريقِ كل الوسائل المساعِدةِ التي أكسَبَها له حَماسُه الناري السابق، وبطبيعةِ الحال لا يمكنُ تحديدُ التوقيتِ الذي انتَهى فيه خِداعُ الذاتِ وبدأ فيه الدَّجَلُ تحديدًا دقيقًا.
وَيصِفُ "أولزنر" محمدًا بالتفصيل بأنه الداعي للإلهِ الواحدِ، وبأنه أستاذٌ في الديبلوماسية، وبأنه رجلُ دولةٍ وقائدُ جيشٍ عبقريٌّ، ولكنْ بمرورِ
стр. 1419
الزمن تحوَّل دينه من دين يدعو للسلام ويمقت الحربَ إلى دينٍ للسيف، وإنْ كان "أولزنر" أيضًا -كما كان "فولتير" من قبلِه- لا يَرى إطلاقًا أن النجاحاتِ التي حقَّقها الإسلام يعودُ الفضل فيها إلى السيف وحده (١).
* هامر بورجشتال (Hammer-Purgstall) :
أمَّا المستشرق النسماوي الشهير "يوسف فون هامر بورجشتال" الذي أصدر أولَ مجلةٍ استشراقيةٍ متخصِّصةٍ في أوربا عام ١٨٠٩ وهي مجلة "ينابيع الشرق"والذي كان لمولَّفاته تأثيرٌ قوي على "جوته"-، فقد تناول محمدًا أيضًا في المَقام الأول في كتابه "صورة لحياة الحُكَّام المسلمين العظام".
ويُلَخِّصُ "هامر برجشتال" حُكمَه على محمدٍ في نهاية كتابِه على النحو التالي: "على الرغم من ضلالِ شَهوانيته، وعلى الرغم من الجرائم التي سَولَتْها لنفسه حِدةُ الطبع، وبصفةٍ خاصةٍ الثأرُ لشَرَفِه المهانِ عن طريق السخرية والاستهزاء، وعلى الرغم مِن وجهةِ النظرِ المتناقضةِ التي عَبَّر عنها مؤرِّخون مشهورون ومستشرقون، والتي تتمثَّلُ في أنَّ محمدًا لم يكن إلاَّ مجردَ كذَّابٍ ودجَّالٍ من منطَلَقِ حُبِّه للسيطرة -على الرغم من كل ذلك، فإننا يجب أن نثبُتَ على رأينا، وهو أن محمدًا لم يَنطلِقْ فقط من الفكرةِ العظيمة التي تتمثَّلُ في هدايةِ شَعبِه من ضلالِ الوثنية إلى الطريق المستقيم بعبادةِ الله وحدَه، بل كان يتمتَّع أيضًا بمواهب شِعريةٍ ومشاعرَ دينيةٍ حيَّةٍ، وكان مقتنعًا ببَعثتِه في ساعاتِ حماسه، ورأى -كما رأى غيرُه من الأنبياء الذين سَبقوه- أنه أداةُ السماءِ لهدايةِ شَعبه، وأنه مؤسِّسُ واحدٍ من الأديان
стр. 1420
الثلاثة التي انتَشرت من مصرَ وسوريا وبلاد العرب إلى كلّ بِقاع الأرضِ، وأنه خاتم الأنبياء واللَّبِنةُ الأخيرة" (١).
كَذب "هامر" حين قال عن النبي ﷺ : "على الرغم من ضلال شهوانيته"، فالمعروف أن محمدًا ﷺ قد تزوَّج "خديجة" ﵂ التي كانت تكبرُهُ بسنواتٍ، وعمرة خمسةٌ وعشرون عامًا، وكان قد سبق لها أن تزوَّجت قبل ذلك مرَّتين، وظَلَّت له زوجةً وحيدةً إلى أن ماتت بعد أن أمضى معها ثمانيةً وعشرين عامًا، وبعد ذلك -أي: وهو في العقدِ السادس من عُمرِه- تزوَّج "سَودةَ بنتَ زَمْعة" ﵂ أرملةَ أحدِ صحابته، ثم تزوج باقي نسائِه لأسبابٍ إنسانيةٍ نبيلةٍ، أو أهدافٍ تشريعية، فأين هنا ضلال شهوانيته المزعوم؟!.
أما الثأرُ لشرفه المهان وحِدَّة الطبع .. إلخ، فهذا لم يعرَفْ عنه إطلاقًا، فقد كان (رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) تمكَّن من أهل مكةَ الذين لاقي هو وأصحابُه على أيديهم الأمَرينِ، وكان يستطيعُ أن يَجمَعَهم ويأمرَ بقتلِهم جزاءً وِفاقًا على ما اقترفوه في حقِّه وحقِّ أصحابه من جرائم، ولكنه عفا عنهم يومَ "فتح مكة" عَفوًا مطلقًا، وقال قولَته الشهيرة: "اذهبوا فأنتم الطُّلَقاء".
* توماس كارلايل- أو كارليل- (١٧٩٥ - ١٨٨١):
هو المؤرِّخُ الإنجليزى وأحد فلاسفة الحضارة "كارليل" أصدر عام ١٨٤٠ كتابَه الشهير "حول الأبطال وتقدير الأبطال" الذي خَصَّص فيه المحاضرةَ الثانيةَ للحديث عن محمدٍ وعن الإسلام، و"كارلايل" لا يَعتبِر
стр. 1421
محمدًا أحق الأنبياء، ولكن يعتبرُه نبيًّا حقيقيًّا، أمَّا الرأيُ السائدُ عن حقيقةِ محمدٍ -والذي يتمثلُ في أنه كان دجَّالاً متعمِّدًا، وأن دينَه عبارةٌ عن خليطٍ من الدَّجَل الطبِّي والإسفاف-، فإن "كارلايل" يعتبرُه رأيًا باطلاً.
° "فالأكاذيبُ التي عَمِل على تراكُمِها الحماسُ المنبعثُ بحُسنِ نيةٍ حول هذا الرجل -يقصد محمدًا- لا تَسُبُّ أحدًا غيرَنا".
° وأكثرُ من ذلك، يَصِفُ "كارلايل" محمدًا بأنه كان "نَفْسًا عظيمةً وهادئةً، لقد كان واحدًا من هؤلاء الذين استطاعوا أن يأخُذوا الأمورَ بجِدية، والذين وجهتهم الطبيعة نفسها لكي يكونوا مستقيمين".
فالأصالةُ والاستقامةُ هما الصِّفتانِ المميِّزتانِ لأخلاقه، ولكن هذه الاستقامةَ كانت تشتملُ على شيءٍ إلهي، "فكلمةُ مثل هذا الإنسانِ هي صوتٌ مباشرٌ من قلبِ الطبيعة الحقيقية".
ولم يكن محمدٌ في حياته الشخصية من عُشَّاقِ اللذَّةِ على الإطلاق، فقد كان مَتاعُ بيتِه يُعَدُّ من أكثرِ الأمورِ اعتدالاً، ومع ذلك "فلم يَحْظَ أيُّ قيصر بتاجِه بالطاعةِ مثلما حَظِيَ هذا الرجلُ بردائه الذي كان يُرقِّعُه بيده".
أمَّا القرآنُ، فإن "كارلايل" يُطلِق عليه أنه "بَلبلةٌ ثقيلةٌ ومحيِّرةٌ، فهو ساذَجٌ ومُجدِبٌ، يشتملُ على تكرير وإسهابٍ وتشابُكٍ لا حدَّ له، وهو جافٌّ وغيرُ ناضج، وباختصارٍ هو سُخفٌ لا يُطاق".
ومع ذلك تكمنُ فيه قيمةٌ أخرى تختلفُ تمامًا عن القيمةِ الأدبية، فهو بمثابةِ تخمُّرٍ مُبهَمٍ لنفس إنسانيةٍ كبيرةٍ وساذجة، غيرِ ناضجةٍ، وغيرِ مُثقفة، ولم تكن تستطيعُ حتى أن تقرأَ، ولكنها نَفْسٌ جادَّة، وتَفيضُ حماسًا،
стр. 1422
وتَسعى سعيًا جبَّارًا لكي تُعبِّرَ عن ذاتِها في كلمات" (١).
° ويقول: "إن محمدًا شيءٌ، والقرآنَ شيء آخر، فالقرآنُ هو خَليطٌ طويل ومُمِلٌّ، ومشوَّش .. جافٌ وغليظ .. باختصار، هو غَباءٌ لا يُحتمَل" (٢).
* ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ [الكهف: ٥]، ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠)﴾ [مريم: ٩٠].
فالموقفُ الأساسي الغربيُّ يُصِرُّ على أن القرآنَ من تأليف محمد، و"كارليل" كما هو واضح لا يَشُذُّ عن هذا الموقفِ مع حديثهِ الإيجابيِّ عن رسول الله ﷺ .
وما يُجدِي شيئًا هذا الحديث بعد أن طَعَن في قُدْسِ الأقداس .. القرآنِ كلام الله.
* جوستاف فايل Weil:
مستشرقٌ ألماني (١٨٠٨ - ١٨٨٩) له كتاب عن "حياة محمد" و"مقدمة تاريخية نقدية في القرآن"، ويذهبُ إلى أنَّ القرآنَ يُمثِّل مزيجًا مختلفَ الألوان من الأناشيدِ والصلواتِ والأساطيرِ والعقائدِ والمواعظِ والقوانين والتنظيماتِ (٣) أساطير الأولين .. هكذا يقول مفكر الغرب .. مثلما قال كفار قريش .. اللهم إنا نعوذُ بك من عِلم لا ينفع .. اللهم لا تَحشُرْنا مع
стр. 1423
قومٍ طالمَا عادَيْناهم فيك بذمِّهم لكتابك وقولِهم عنه: "إنه أساطير الأولين".
* أوجست موللر A.Muller (١٨٤٨ - ١٨٩٢) :
" أوجست موللر" مستشرقٌ ألماني .. كان أُستاذًا للعربية في جامعة "فيينا"، كَتَب "الإسلام في الشرق والغرب"، صَدَر في "برلين" عام ١٨٨٥، تكلَّم فيه عن حياةِ محمدٍ ﷺ .
° يقول "موللر": "بالمعني التاريخيِّ الخالصِ يكونُ من الصَّعبِ على المَرءِ أن يُنكِرَ على محمدٍ اسم "النبي"، حقًّا لا يستطيعُ المرءُ أن يُنكِرَ أنه كان واقعًا تحتَ حالاتٍ عصبيَّةٍ مختلفةٍ نتيجةً لِمِزاجهِ الذي كان سريعَ الانفعال بطريقةٍ غيرِ عادية، وقد ارتَفعت هذه الحالاتُ في بعضِ الأحيانِ إلى درجةِ الهلوسة، ولكنَّ هذه الحالاتِ لم تكن أبدًا ذاتَ طبيعةٍ صَرْعيَّة، بل كانت تتلاءمُ أيضًا مع الانفعالات العصبيةِ المعروفة (التي تعتري) الأشخاصَ مِن ذَوِي الحِسِّ المرهفِ دينيًّا، ولكن قُدرتَه الكاملةَ على التمييزِ بصفةٍ خاصةٍ لم تكن تعاني تحت (وطأةِ) هذه الحالات، ولا يستطيعُ المرءُ أيضًا أن يُشكِّكَ في إخلاصِه الكامِل في الفترةِ المكيَّة".
وإذا كان المرءُ لا يَستطيعُ أن يُنكِرَ على محمدٍ صِفَة "نبيّ حقيقيٍّ"، فإن "موللر" له مع ذلك بعضُ التحفظات، فهو يَعيبُ على محمدٍ أنه لم يُدرِك إلا جانبًا واحداً فقط من الطبيعةِ الإلهية، وأنه يَنقُصُه تمامًا مفهومُ القَداسةِ بوجهٍ خاص، وبذلك يَنقُصه الأساسُ لتشكيل عميقٍ بطريقةٍ ما لفكرةِ نظامٍ أخلاقيٍّ للحياة، ثم يَصدُمُنا لدى محمدٍ في المدينة على وجهِ الخصوصِ أنه قد حَوَّل الدينَ إلى السياسة في تزايُدٍ مستمرٍّ: فقد استعان بالكَذِبَ لكي
стр. 1424
يَفرضَ الحقيقة، وربَّما كان ذلك في البداية دون وعيٍ، ثم بنصفِ وعيٍ، وفي النهاية بوعي كامل! " (١).
وهو هنا يُحاولُ أن يُطبِّقَ مفاهيمَ النصارى وتَصوُّراتِهم على الإسلام .. ثم كيف يَعترفُ له بالنبوَّة ويَتَهمه بالكذب -حاشاه- وبأنه يَنقصُه تمامًا مفهومَ "القداسة"؟! ثم بجهله ونصرانيَّته المحرَّفة يَعيبُ على النبي ﷺ أنه قد حَوَّل الدينَ إلى السياسة، وليس في الإسلام مقولةُ النصارى القاصرة "ما لقيصر لقيصر .. وما لله لله".
* هوبرت جريمه H. Grimme (١٨٦٤ - ١٩٤٢) :
" هوبرت جريمه" مستشرقٌ ألماني كان أُستاذًا للغات الشرقية في "مونستر" بألمانيا، ومن مؤلَّفاته "محمد" في جزئين، وله دراساتٌ حولَ اسم "محمد"، وله مقدمةٌ في القرآن، ونَسَّقَ علمَ الإلهيات القرآني، ولهذا الدجَّال الأشِر كلامٌ عن شكل السُّور القرآنية وتتابُعِها الزَّمني، وسار فيه على دَربِ مَن سَبَقه من النصارى .. والأمر الذي عليه المسلمون أن هذه القضيةَ قضيةٌ توقيفية لا تَخضعُ للاجتهاد البشريِّ، والنبى ﷺ لم يَترك الأمر في ذلك للأهواءِ والأغراض، بل حَسَمه بتوجيهٍ إلهيٍّ تَمَّ بِناءً عليه ترتيب الآياتِ والسُّوَر على النحوِ المعروفِ في المصحف.
° ويذهب "جريمه" إلى القول بأن محمدًا كان في المَقام الأوَّلِ مثيرًا للفِتَنِ أو محرِّضًا " Agitator" ذكيًّا وسياسيًّا كبيرًا، وفي المدينة تطوَّر محمدٌ -حَسْبَ رأي "جريمه"- في تزايدِ مستمر إلى دجَّالِ عن وَعي بذلك، ولكن
стр. 1425
الأمرَ الجديدَ تمامًا هو دعوى "جريمه" بأن محمدًا عند ظهورِه الأول "بدعوته" لم يكن يدعُو إلى دين إطلاقًا، بل كان يدعو إلى شكل من أشكالِ الاشتراكية، فالإسلام "لم يَظهرْ إطلاقًا بوصفِه نَسَقًا دينيًّا في الحياة، وإنما بوَصْفِه محاولةً لشكل من أشكالِ الاشتراكية، ليواجهَ ما كان سائدًا إلى حدٍّ بعيدٍ من أحوالٍ أرضيةٍ سيئةٍ معيَّنة.
وقد كان التناقُضُ المُخيفُ بين الأغنياءِ والفقراء -والذي كان سائدًا في مكة- هو الذي دَفع محمدًا إلى المطالبةِ بضرورةِ أن يَدفعَ كلُّ فردٍ ضريبةً معينةً لمساعدةِ المحتاجين، ولكي يَجِدَ محمدٌ آذانًا صاغيةً لهذه الدعوة، استخدم عقيدةَ "يوم الحساب" كوسيلةِ إجبارٍ رُوحية" (١).
وما قاله عن الإسلام والاشتراكية، وأنَّ النبي ﷺ كان يدعو إلى لَونٍ من ألوانِ الاشتراكية: دعوى لا يُوافقُه عليها مُعظَمُ المستشرقين؛ بل لعل هذا الكذابَ الأشِرَ قد انفَرَد بها وحدَه، يُحاسِبُه الله عليها يومَ القيامة.
وقد عارَضَ هذا الرأيَ في محمدٍ "سنوك هورجرونيه" في مقالةٍ مُسهَبةٍ في "مجلة تاريخ الأديان" (٢).
° ثم تعالَ إلى دَجَلٍ آخَرَ لهذا الكذابِ المفترِي "جريمه"، فإن حديثَه عن محمد ﷺ في كتابه "تاريخ العالم في صور مميزة"، يأتي بفرضيةٍ جديدةٍ يُحاولُ إثباتَها، وهي الأصلُ العربي الجنوبي لأفكارِ محمدٍ الدينية، ومن أجل هذا الغَرَض خَصَّص النصفَ الأولَ كله من دراستِه لبحث التاريخ
стр. 1426
الأقدم لبلادِ العرب، وهنا نتعرَّف على التاريخ السياسيِّ والحضاريِّ لبلادِ العربِ القديمةِ الشماليةِ والجنوبية.
والآنَ، فإن الاقتباسَ من جنوبِ العرب لا يُعدُّ فقط أمرًا محتمَلاً، بل هو أمر راجح إلى أقصي حدٍّ .. أجل، فهناك في عبادةِ الإسلام، على كلِّ حالٍ أمورٌ كثيرةٌ مما كان في بلادِ العربِ القديمةِ بقَدْرٍ أكثرَ ممَا كان يفترضُه المرء في العادة.
ولكن الأمرَ الذي يُعدُّ بعيدَ الاحتمال جدًّا هو أن تكونَ التأثيراتُ العربيةُ الجنوبيةُ وحدَها هي كل شيء، فالأحرى أنه لا يَجوزُ التغاضي عن التأثيراتِ اليهوديةِ والمسيحيةِ والفارسية، ويُضافُ إلى ذلك أن مكةَ كانت مَدينةً لها صِبغةٌ عالميةٌ لدرجةٍ كبيرة، ومِن ناحيةٍ أخرى كان ظهورُ محمدٍ أمرًا غيرَ عاديٍّ إلى حدٍّ كبير (١).
стр. 1427
° ومن الطبيعي أن تتوقَّفَ التأثيراتُ العربيةُ الجنوبيةُ بالهجرة (إلى المدينة)، ومِن هذه اللحظة فصاعدًا فَقَدَ "جريمه" أيضًا كلَّ اهتمامٍ بالتطوُّرِ الديني لمحمد، فكلُّ شيءٍ بعدَ ذلك يُعَدُّ بالنسبةِ "لجريمه"، مناورةً سياسيةً لدجَّالٍ امتَهَن الدينَ من أجل غاياتٍ دنيوية، وقد كان هذا الرأيُ عن محمدٍ رأيًا عامًّا شائعًا في السابق، ولا يزالُ الآنَ أيضًا قويَّ الانتشار، ولكنَّ محمدًا لم يكن يَجعلُ هناك أبدًا فارقًا بين الأمور الدينيةِ والأمورِ السياسية، فهو يريدُ الإنسانَ كلَّه، والارتباطُ السياسيُّ هو النتيجةُ البديهيةُ تمامًا للتحوُّل إلى الإسلام، والرعايةُ السياسيةُ لأتباعه تُعَدُّ جانبًا أساسيًّا لنبوَّته، وأيضًا فإنَّ ضَمَّ الكعبةِ إلى دائرةِ نظرتِه أو تأمُّلِه لا يُعَدُّ مناورةً سياسيةً، بل يُعَدُّ تطوُّرًا دينيًّا داخليًّا.
° وفي مقالٍ خاصٍّ نُشر في "مجلة الشرق" الشهرية النمساوية عَرض "جريمه" مرةً أخرى "أصول دين محمد" باختصار، فبجانبِ اليهوديةِ والمسيحيةِ كان هناك دين قائم في الجنوبِ العربي هو "دين الرحمانان"، بِناءً على شهاداتِ النقوش السبئية.
ويحاولُ "جريمه" أن يَصِفَ هذا الدينَ من واقع النفوشِ وصفًا دقيقًا، وأن يُبيّنَ صِلَتَه الوثيقةَ بدينِ محمد، ونتيجةً لبحوثه يُقرِّرُ "جريمه" أن الإسلامَ "لم يكن شيئًا وُلد في رأسِ محمدٍ ثمرةً لتأمُّل أصيل دون أيِّ تأثير من العالَم المحيطِ به، بل كان في بداياتِه الأولى كما كان في استمرارِ تطوُّره -طالمَا كان هذا التطوُّرُ يَحدُثُ على أرضِ مكة- متشابكًا تشابُكًا وثيقًا مع "دين الرحمانين" الجنوبي العربي".
стр. 1428
وبصرفِ النظرِ عمَّا إذا كان "دين الرحمانان" هذا لم يَثبُتْ إطلاقًا أنه كان دينًا خاصًّا، فإنه يبدو أن "جريمه" هنا أيضًا لم يُقدِّرْ قيمةَ التأثيراتِ اليهوديةِ والمسيحيةِ إلا في أقلِّ القليل، والأمرُ كلُّه لا يعدُو أن يكونَ فَرْضيَّةً طريفة! (١).
° قال الدكتور محمود حمدي زقزوق: "إنها فرضية باطلةٌ تَستهينُ بعقولِ الناس، فإذا كان "دينُ الرحمانان" هذا المزعومُ لم يَثبُتْ إطلاقًا كما يقول "بفانموللر" نفسه: "إنه كان دينًا خاصًّا له كيانٌ متميِّز"، فكيف يمكنُ أن يَنتُجَ عنه هذا الدينُ العالمي المتمثِّلُ في الإسلام؟! " (٢).
* سنوك هورجرونيه (Hurgronje) :
يَذهبُ "سنوك" في مقالِهِ المُسَهب في "مجلة تاريخ الأديان" إلى أن "أفكارَ محمدٍ ﷺ الرئيسيةَ هي -مع بعضِ التغييراتِ في الشكل- تلك الأفكارُ التي تشتركُ فيها كلٌّ من اليهوديةِ والمسيحية، وفي التفاصيل يُبدِي وَحْيُه تارةً الصِّبغةَ اليهودية، وتارةً أخرى الطابعَ المسيحي، وتارةً ثالثة يُبدي أمورًا متنوعةً لخيالٍ حرٍّ نسبيًّا مبنيٍّ على أساسٍ يهوديٍّ مسيحيٍّ.
ولكن محمدًا لم تكن لديه إلاَّ معلوماتٌ ناقصةٌ وقاصرةٌ عن اليهودية والمسيحية، فلم يكن يَعرفُ مثلاً الكتابَ المقدَّس، أو عِلمَ العقيدة الأرثوذكسية، بل كان يعرفُ فقط الأدبَ والتراثَ المشكوكَ في صحَّته
стр. 1429
(Die apokryphe Literatur) لهذين الدينين (١)، وقد كان محمدٌ -فضلاً عن ذلك- رجلاً أُمِّيًّا، وهكذا ظَلَّت الكُتبُ المقدَّسةُ اليهوديةُ والمسيحيةُ غريبةً عنه، وعن طريقِ الحديثِ فقط مع أتباع هذين الدينينِ تعرَّف محمدٌ عليهما كما كانا قائمَينِ في بلادِ العربٍ حينذاك، ويضافُ إلى ذلك أن من الأمور التي تركت لديه انطباعًا خاصًّا كان فنُّ قراءة النصوص المقدَّسة، أو فنُّ تلاوتها وترتيلِها في صلواتِ اليهود والمسيحيين، خاصةً وأنه قد سَمع الناسَ يقولون -واعتقد (ما يقولون) بلا حدود- أن الكُتبَ والألواحَ التي يقرؤُها اليهودُ والمسيحيُّون في صلواتهم، والتي تتضمَّنُ شرائعَهم ومؤسساتِهم ليست ذاتَ مصدرٍ إنسانيٍّ، بل مصدرُها إلهيٌّ.
стр. 1430
ولكن كيف تكوَّنَ لدى محمدٍ مفهومُ "الوحي"؟!.
في البداية لم يكن محمدٌ يلحَظُ إطلاقًا الموقفَ العَدائي الذي تتَّخذه الطوائفُ والكنائسُ المختلفةُ من بعضِها بعضًا، فالفرقُ بين اليهود والمسيحيين، ووجودِ الطوائفِ والكنائسِ العديدةِ التي كانت تُعادِي بعضُها بعضًا خارجَ هذين الدينين، كل ذلكُّ قد بدا في التصوُّرِ الساذج لمحمدٍ أنه يرجعُ إلى اختلافِ الأجناس أو القوميَّات، فقد تصوَّر البشريةَ -من حيث إنها تَملكُ نِعمةَ الوحي- مقسَّمةً في "جماعات" يمكنُ أن تتميزَ كُتبُها وألواحُها في الشكل والمضمون، ولكنها جميعًا قد جاءت وحيًا من لَدُنْ إلهٍ واحدٍ وللغاية ذاتها.
وقد تأسست كل جماعةٍ -في رأيه- عن طريقِ إنسانٍ اصطفاه اللهُ من بين شَعبِه، وتَحمَّل مُهمَّةَ دعوةِ قومِه إلى كلمةِ الله بوصفه نبيًّا ومبعوثًا أو نذيرًا، وهناك عددٌ كبيرٌ من الأنبياء، وليس بينَهم فرقٌ جَوهريٌّ، ولم يَكُنِ اصطفاْءُ محمدٍ للعرب -في نظرِ محمدٍ - أمرًا مختلِفًا عن اصطفاءِ الأنبياءِ السابقين، فقد كان كلُّ منهم مختارًا لشَعبِه الذي ينتمِي إليه (١).
стр. 1431
وهكذا كان في وُسع محمدٍ أن يفترضَ بلا عَناءٍ أنَّ أتباع الدينَينِ القائمينِ الموحَى بهما يُمكنُهم أن يعترفوا به بوصفِه نذيرًا مرسَلاً من الله للغرب، دون أن يَلحَقَ ذلك أيُّ ضررٍ بمعتقداتهم (اليهودية والمسيحية)، ولكن عندما اتَّصل محمدٌ باليهود في المدينة اتصالاً مباشرًا كان لابدَّ له حينئذٍ أن يَعرفَ أن اليهودَ الحقيقيين والمسيحيين الحقيقيين لن يَعترفوا إطلاقًا بأصالةِ بَعثتِه الدينية.
ولكنْ نظرًا لأنه من ناحيتِه كان مقتنعًا بشرعيةِ بعثتِه، وكان يعتقدُ أنها من جِنسِ بَعثةِ موسى وعيسي وأسلافهما، فقد أدَّى به ذلك بطبيعةِ الحال إلي نتيجةٍ مؤدَّاها أنَّ اليهودَ والمسحيين قد فَسَّروا الوحيَ الذي لديهم تفسيرًا سيئًا، وعليه إذن أن يقومَ بواجبِ تصحيحهم! وتلك مهمةٌ صعبةٌ لمن لم يَستطعْ أن يقرأَ كُتبَهُم المقدَّسةَ، وكانت لديه أيضًا فضلاً عن ذلك مفاهيم مشوَّشةٌ عن طبيعةِ هذه الكُتبِ وعن مضمونها (١).
وفي الفترةِ الثانية من نشاطِه شَرعَ محمد أيضًا شروعًا حقيقيًّا في التعرُّف بعضَ الشيءِ عن قُربٍ على التاريخ التقليديِّ الموروثِ للوحي السابق، وحَصَل -مع بعض التغييرات الضرورية- على ما أمكن أن يَخدُمَه في التحرُّرِ من اليهودية والمسيحية اللتين استَشهَدَ بهما في السابق أكثَرَ من
стр. 1432
مرةٍ على حقيقةِ بَعثته، ولم يكن في ذلك الاستشهادِ شيءٌ من الحِكمة (١).
ولن نَقِفَ عند المراحل الجزئيةِ لعمليةِ التحرُّر هذه، وسنقتصرُ على إثباتِ أن محمدًا لم يتوصَّلْ إلى حَل المشكلةِ دَفعة واحدةً، بل تمَ ذلك بالتدريج شيئًا فشيئًا، ففي حين كان إبراهيمُ يُعَدُّ في الوحيِ السابق [الذي نزَل على محمد] واحدًا من أسلافِ محمدٍ العديِدينَ فحسب، يُصبحُ الآن [بالنسبة لمحمد] رائدَه ومَثَلَه الأعلى على الإطلاق، وقد استَمدَّ إبراهيمُ هذه المنزلةَ العالية لدى محمدٍ من أمرينِ توصَّل محمدٌ إلى معرفتِهما أولاً في المدينة.
الأمرُ الأول: يتمثلُ في أن إبراهيمَ -الذي يُقدسُه اليهودُ والمسيحيون بنفس الطريقةِ بوصفِه "رجلَ الله"- لم يكن يهوديا ولا مسيحيًّا (٢)، وكونُ محمدٍ قد جَعل اصطفاءَه مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بتلك الأبوَّةِ، مَكَّنه مِن تفادِي اتهاماتِ اليهودِ الذين رَمَوه بأنه لم يُراع شريعتَهم مراعاةً تامةً، واتهاماتِ المسيحيين أيضًا الذين عارَضوه بعقيدةِ الخلاصِ عن طريق المسيح وحدَه.
стр. 1433
أما الأمر الثاني: فقد كان يَتمثَّلُ في أنَّ محمدًا قد عَرَف أن الكتابَ المقدَّس قد جَعَل من إبراهيمَ الأبَ الأولَ للعرب، وهكذا كان محمدٌ يَميلُ بطبيعةِ الحال إلى الاستنادِ إلى أبي الجِنس الذي ينتمي هو إليه، وقد وَصف محمدٌ نفسَه من الآنِ فصاعِدًا بأنه ذلك النبي الذي جاء لإكمالِ العمل الذي بدأه الأبَوانِ إبراهيمُ وإسماعيل، فالإسلامُ الذي دعا إليه محمدٌ كان هو نفسَه تمامًا ذلك الذي دعا إليه إبراهيم، وقد كان إبراهيمُ -الأبُ الأولُ للعرب- مثلَ محمدٍ تمامًا مُسلِمًا وحَنِيفًا، ولكن إبراهيمَ لم يكن بالنسبةِ لمحمدٍ المحرِّرَ من اليهوديةِ والمسيحية فحسب، فقد خَدَم النبي الأبُ محمدًا أيضًا في إدخالِ طقوسِ العبادةِ المَكيَّةِ في الإسلام بعدَ أن خَلَّصها من بعضِ المراسِم التي تكشِفُ بوضوح عن أصلٍ وَثَني.
وكان إبراهيمُ قد دَفع بإسماعيلَ وأمه إلى بلاد العرب، وفي وُسع المرءِ إذن أن يَفترضَ أنهما قد جاءَا إلى مكةَ وأسسا الكعبةَ هناك بِناءً على أمر إلهيٍّ، وهذا الافتراضُ يَتضمَّنُ بطبيعةِ الحال أن نَسْلَ إسماعيلَ قد أفسَدَ بصفةٍ عامةٍ العبادةَ والدينَ بطريقةٍ مُزعجة.
إنَّ صِلاتِ محمدٍ باليهوديةِ والمسيحية -كما وصفناها هنا- وتاريخَ تطوُّرِ أسطورةِ إبراهيمَ في عَقِل محمدٍ بصفةٍ خاصة-، كلُّ ذلك يَستبعدُ الآنَ تمامًا الرأيَ الذي يَذهبُ إلى القولِ بأن دَعوةَ محمدٍ قد استَندت إلى جماعةِ الحنفاءِ الذين كانوا مِن قَبلِه يَدْعُون إلى شيءِ من اليهودية والمسيحية تحت اسم "دين إبراهيم" (١).
стр. 1434
وبعد أنْ وَصَف "سنوك هورجرونيه" صِلاتِ محمدٍ باليهودية والمسيحية يَطرحُ السؤالَ عن الدافع المحدَّدِ لبَعثتِه النبوية.
لقد كان المرء في السابق يَرى بطريقةٍ عامةٍ أن مِحورَ دعوةِ محمدٍ يتمثَّلُ في كِفاحِه ضدَّ الوثنيةِ لصالح "عقيدةِ" التوحيدِ الصارم، ومن المؤكَّد -كما يرى "سنوك هورجرونيه"- أن وِحدةَ الله كانت تُمثِّلُ أحدَ الأعمدةِ الرئيسيةِ للإسلامِ، وقد نالت هذه العقيدةُ -فيما بعدُ- أهميةً متنامِيةً باستمرار، ولكن الحماس للدفاع عن الوحدةِ الالهيةِ ضذَ الوثنيةِ وضدَّ التثليث .. إلخ لم يكن بالنسبةِ لمحمدٍ هو الدافعَ المحدَّدَ لبعثتِه النبوية، فقد كانت هناك بالأحرى منذُ البدايةِ فكرةٌ احتَلَّت مكانَ الصدارة من تفكيره وسلوكِه، وهي فكرةُ "يوم الحساب"، فالأمرُ الذي كان يُقلِقُه هو الاقتناعُ بأن الناسَ جميعًا سوف يُضطرُّون في يومٍ من الأيام للمُثول أمامَ الله للحساب، وأنه لن يكونَ أمامَهم مَخرجٌ آخَرُ غيرُ بابِ النارِ أو بابِ الجنة (١).
стр. 1435
وقد كانت هناك فكرتانِ تتنازعانِ في عَقلهِ على السيطرة.
فمن ناحيةٍ كانت هناك فكرةٌ محكمةٌ عامةٌ للناس جميعًا بعد بَعثِ الأموات.
ومن ناحيةٍ أخرى كان هناك الخوفُ من المحاكَماتِ الجزئيةِ التي تتعرَّض لها من عصر إلى عصر الشعوبُ التي تتمرَّدُ على رُسُل الله.
وقد كانت هذه الأفكارُ المتمثِّلةُ في الكارثةِ النهائيةِ وبَعثِ الأمواتِ والحسابِ والنارِ والجنة، هي التي دَفعت محمدًا إلى إنعامِ الفِكرِ وإلي النبوَّة، وقد عَرَضت أقدمُ الآياتِ القرآنيةِ هذه القضايا بإثارةٍ عاطِفِيَّةٍ تكاد أن تكونَ في صورةٍ وحشيَّة، وقد اتَّخذت هذه القضايا فيما بعدُ اشكالاً أكثرَ ثَباتًا وأكثرَ تقليديةً، وأخيرًا عندما أصبح النبيُّ على رأسِ جماعةٍ تَحتَّمَ عليه أن يقومَ بتنظيمها، وعندما توقَّف الصراعُ ضدَّ الكفارِ -في مُحيطه- ظَلَّت عقيدةُ "العالم الآخر" عنصرًا أساسيًّا من عناصرِ الإسلام، ولكنَّ التصويرَ المثيرَ للعواطفِ بشأنِ يوم الحساب لم يَعُدْ يَظهرُ في الوحي المحمديِّ إلاَّ نادرًا (١).
стр. 1436
إنَّ فِكرةَ "المَحكمة الإلهية" -التي كانت فكرةَ مشتركةَ بين اليهود والمسيحيين- قد أرَّقت محمدًا، واقَضَّتْ مَضْجَعَه إذن منذ البداية، ولكن اليهودَ والمسيحيين كانوا قد عَرفوا عن طريقِ الوحي يقينيَّةَ يوم الحساب، وليس هذا فحسب، بل عَرفوا أيضًا الأوامرَ التي أعطَتْهم مراعاتُها اليقينَ بأنهم سيكونون من الناجِين في يوم الحساب، (أما العرب فلم يأتهم نذير) ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦].
ولم تكنِ المساواةُ التي أقرَّها محمدٌ بين الشعوبِ أو الأجناسِ والطوائفِ الدينيةِ تَسمحُ له بالاعتقادِ بأن وَحيًّا مِن هذا الوَحيِ السابقِ (في اليهودية والمسيحية) كان مقرَّرًا لشعبهِ أو مقرَّرًا له هو، فكيف إذن يَتجنَّبُ محمدٌ وقومه العذابَ المقيم؟.
لقد أجابت عن هذه القضيةِ الحياتية "المصيرية" آياتُ القرآن التي يُنظَرُ إليها بالإجماع على أنها أقدمُ الآياتِ، سواءٌ من جانبِ المسلمين الأصوليين
стр. 1437
أو من جانبِ النظرةِ النقديةِ أيضًا.
فإذا أراد المرءُ أن يَعتبرَ محمدًا إنسانًا قد أوحي إليه حقًّا من عند الله، أو إذا أراد المرء أن يَعتبرَ أنه قد أُعطي له حدٌّ أدنى فقط من الرُّوح النبويِّ، أو إذا أراد أن يَعتبرَ أن الشيطانَ قد تَلبَّسه، أو أنه إنسان هِستيريٌّ، أو مصابٌ بالصرع، فإن الأمرَ الذي لا جِدالَ فيه أنه كان لديه المِزَاجُ العقليُّ الخاصُّ الذي يَدفع أُناسًا معيَّنين إلى إنعام الفِكرِ وتعذيبِ أنفسِهم بمسائلَ دينيةٍ إلى أن يَجِدوا حَلاًّ لها، ولم يكن هناك في الماضي "بالنسبة لمحمد" أحدٌ من رجالِ الله استطاع أن يُجيبَ عن الشدَّةِ والمعاناةِ التي أقَضت مَضْجَعَ محمدٍ بوَحيٍ يَشتملُ على الحقيقةِ الواضحة عن البَعث ويوم الحساب، والأمرُ الأقل مِن ذلك بكثير أنه لم يكن هناك أحدٌ مِن أمثالِ هؤلاءِ بين معاصِرِيه وقد أتى إليه الخلاص من أعلي! وقد كان هو نفسه مُعيَّنًا مِن قِبَل اللهِ لإخراج قومِه من الظلماتِ إلى النور! (١).
* مرجليوث Margoliouth (١٨٥٨ - ١٩٤٠) :
" د. س. مرجليوث" (١٨٥٨ - ١٩٤٠) مستشرقٌ إنجليزي معروف، كان أستاذًا للعربية في جامعة "أكسفورد" منذ عام ١٨٨٩، ومن مؤلَّفاته "محمد ونهضة الإسلام" (١٩٠٥ م)، و"أصول الشعر العربي" (١٩٢٥) وهذا البحث الأخيرُ هو الذي اعتَمد عليه الدكتور "طه حسين" في كتابه عن "الشعر الجاهلي" عام ١٩٢٦ م.
стр. 1438
"مرجليوث" -وهو من كبار المستشرقين- كان له اتصالٌ واسع المدى مع المصريِّين بعد الاحتلالِ البريطاني، وقد اتَّصل به الشيخ "عبد العزيز جاويش" وهاجَمَه عندما أصدر كتابه "محمد وظهور الإسلام".
ومنذ عام ١٩٠٧ تناوَلت الصُّحُفُ في مصرَ آراءَه، فقد أَصدرَ في ذلك الوقتِ كتابًا عن النبيِّ محمدٍ ﷺ ، وجَعله حَلْقةً من سلسلةِ "عظماء الأمم"، وَصَفه "سليمانُ النَّدْويُّ" فيما بعدُ بأنه لم يؤلَّف بالإنجليزية كتابٌ أشدُّ تحامُلاً على النبيِّ ﷺ منه، حاوَل فيه "مرجليوث" أن يُشوِّهَ كل ما يَتعلَّقُ بالسيرة، وأن يُشكِّكَ في أسانيدها، ولم يَأْلُ جَهْدًا في نَقضِ ما أَبْرمَه التاريخُ ومعارضةِ ما حَقَّقه المحقِّقون من المُنصِفين، وقد أشار الشيخ "جاويش" إلى آراء "مرجليوث"، وقال: "إنه -أي مرجليوث- حارَبَ التاريخَ كما حارَبَ الإنصَافَ، وحَمَل على الرسولِ ﷺ حَمْلاتٍ مُنكَرَةً "، وأشار إلى قولِ "مرجليوث": " إنَّ المسلمَ معناه في الأصل: الخائن"، وعَلَّل ذلك بأن هذه الكلمة مشتقَّةٌ من اسم مسلم، وادَّعي "مرجليوث" أن النبيَّ ﷺ كانت تنتابهُ النُّوَبُ العصبيةُ كثيرًا، وزَعَم المؤلِّفُ أن النبيَّ ﷺ عاشَرَ بعضَ النصارى، فاستفاد كثيرًا من القَصص، واقتَبَس بعضَ أساليبِ التعبير، وعَلَّل زَواجَه بخديجةَ بطَمَعِه في مالها.
وقد صارت آراءُ "مرجليوث" مَصدرًا للمتعصِّبين من الكُتَّابِ الغربيِّين، ومن ذلك ما نَقَله عنه مستر "سكوت" وأثار كثيرًا من الاعتراضات، وقد أشار رضا إلى أن السببَ في أكثرِ غَلَط "مرجليوث" وخَطأه في السيرة هو التحكُّمُ في الاستنباطِ والقياسِ الجُزئيِّ وبيانِ أسبابِ
стр. 1439
الحوادث، كما هو شأنُهم في أَخذِ تاريخ الأقدمِين من الآثارِ المكتَشَفة واللغات المَنسِيَّة ونَقصِ فهمهم.
° كما أشار صاحبُ المقبس "محمد كرد علي" إلى كتابه "عظماء الأمم" فقال: "إنه لم يؤلَّفْ كتابٌ بالإنجليزية أشدُّ تحامُلاً على النبيِّ ﷺ مما جاء بهذا الكتاب، فقد حاول "مرجليوث" أن يُشوِّهَ كلَّ ما يَتعلَّقُ بالسيرة الشريفة، وأن يُشكِّك في أسانيدها، ولم يَأْلُ جَهدًا في نقضِ ما أَبرمه التاريخ ويعارِضُ ما حَقَّقه من المثقفين، و"مرجليوثُ" له فَرضٌ في الشَّعر الجاهلي، نَشَره في يوليو ١٩٣٥ في إحدى المجلات الاستشراقية، وفي ١٩٢٦ نَقَله "طه حسين" في كتابه المشهور عن الشعر الجاهلي، يقول "مالك بن نبي": "ربما لم يكن فَرضُ "مرجليوث" ليحتويَ على شيءٍ خاصٍّ غيرِ عادي لو أنه حينَ نُشِر لم يُصادِفْ ذلك الترحيبَ الحارَّ من المجلاَّت المستغربة، ومِن بعض الرسالاتِ التي يقومُ بها دكاترةٌ عَرَب مُحدَثون، حتى لقد كَسَب هذا الفرضُ قيمةَ المقياسِ الثابتِ في دراسةِ الدكتورِ "صبَّاغ" عن "المجاز في القرآن"، وقد رفض الدكتور "صبَّاغ" رفضًا مقصودًا مغرضًا الاعترافَ بالشِّعر الجاهليِّ كحقيقةٍ موضوعيةٍ في تاريخ الأدب العربي".
وكَتَب "مرجليوثُ" مقالاً نشر عام ١٩٠٤، فردَّد قولَ "برايس" مِن أنَّ الإسلام لم يَبْقَ من عُمرِه إلاَّ قَرنان، كما أعاد ما قاله أحدُ المبشِّرين مِن أن الإسلام لا يَلبثُ أن يَذوبَ ذَوَبانَ الثلْج بين يَدَيِ العِلو والتمدُّنِ والنصرانية، كما نَقَل رأْيَ الدكتور "بروين" الذي قال: "إن الإسلام يذهبُ بذَهابِ الدولةِ العثمانية"، ومضى يُردِّدُ الكلماتِ التقليديةَ التي يُرددها المتعصِّبون وخُدَّامُ الاستعمار من أنَّ الإسلام لن يَبقَي بعدَ احتكاكِه بالتمدُّنِ الحديث،
стр. 1440
ويموتُ لا محالةَ، كما رَدَّدَ ما قاله أحدُ كُتَّاب التغريب من أنَّ الانحطاطَ الذي يَعيشُه المسلمون -في هذه الفترة- يَرجع إلى أسبابٍ متَّصلةٍ بالإسلام نفسه؛ لأنه لا يوافقُ رُوحَ التمدُّنِ، وهكذا يَتكشَّفُ في كتاباتِه جُمَّاع مُنَسَّقٌ لِمَا تُورِدُه حَمْلاتُ التشكيك التي لا يَرقي كُتَّابُها إلى مَقام العلماء، ونَقَد العلاَّمة "عبد العزيز جاويش" هذا الكتاب "محمد وظهور الإسلام" لـ"مرجليوث"، فقال: كتاب وَضَعه مستر "مرجليوث": ظهر هذا الكتابُ من نحوِ سبعةِ أعوامٍ، ونُفوسُ الإنجليز والأمريكيين تَرقُبُه لِمَا لذلك الرجل عندهم من المكانةِ العِلميَّةِ الرفيعة، ولا سيَّما وهو مشغوفٌ بدعوى أنه محيطٌ بأكثرِ لغاتِ العالم، فتراه يَدَّعَي العِلمَ بالإسبانيةِ والفِرنسيةِ والإيطالية والألمانيةِ والعَربيةِ والفارسية والعِبرانية، وقد كُنتُ إِبَّانَ ظُهورِ الكِتابِ في مدينة "أكسفورد" حيث المؤلّف، لَمَّا ذَكرتُ له رغبتي في شراءِ كتابه، وَعَد أن يُقدِّمَ لي منه نُسخةً، ثم جَعَل يتباطأ تارةً، ويتناسى أخرى، حتى مَلِلتُ وُعودَه، وظَننتُ أنه لا بد لهذا الكِتابِ مِن سرٍّ يُريدُ إخفاءَه عني، ولا سيَّما والمؤلفُ يَعلمُ أنني ضعيفُ الثقةِ بكثير من المستشرقين، سيئُ الظنِّ بهم، وقد كنتُ في الواقع كذلك، ولكنْ بعد أن خَبَرتُهم، وسَبَرْتُ غَوْرَ معلوماتِهم، وتَتبَّعتُ مَبلغَ كفاءتَهم، ولولا أنني وَجدتُ مِن بينهم أفذاذًا قليلينَ جدًّا، لَمَا اطمأنَّت نفسي إلى أحدٍ منهم، فلما حَصُلتُ على الكِتابِ وتصفَّحتُه ثم درستُه بابًا بابًا وكلمةً كلمةً، حتى جِئتُ على آخِرِه، فوجدتُه عند ظنِّي به، وجدتُه حارَبَ التاريخ كما حارَبَ الإنصافَ، وحَمَل على الرسولِ ﷺ حَمْلاتٍ منكرةً، ويَظهرُ أن المؤلِّفَ توقَّع أنْ لا يَقَعَ كتابُه إلاَّ في أيدي البُلْهِ، ولا يَطَّلعُ عليه إلاَّ الأغرارُ، فلم يُبالِ أنْ جاء فيه بمُحدَثاتٍ لو أنه تَدبَّر لَمَا