إنَّ فِكرةَ "المَحكمة الإلهية" -التي كانت فكرةَ مشتركةَ بين اليهود والمسيحيين- قد أرَّقت محمدًا، واقَضَّتْ مَضْجَعَه إذن منذ البداية، ولكن اليهودَ والمسيحيين كانوا قد عَرفوا عن طريقِ الوحي يقينيَّةَ يوم الحساب، وليس هذا فحسب، بل عَرفوا أيضًا الأوامرَ التي أعطَتْهم مراعاتُها اليقينَ بأنهم سيكونون من الناجِين في يوم الحساب، (أما العرب فلم يأتهم نذير) ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦].
ولم تكنِ المساواةُ التي أقرَّها محمدٌ بين الشعوبِ أو الأجناسِ والطوائفِ الدينيةِ تَسمحُ له بالاعتقادِ بأن وَحيًّا مِن هذا الوَحيِ السابقِ (في اليهودية والمسيحية) كان مقرَّرًا لشعبهِ أو مقرَّرًا له هو، فكيف إذن يَتجنَّبُ محمدٌ وقومه العذابَ المقيم؟.
لقد أجابت عن هذه القضيةِ الحياتية "المصيرية" آياتُ القرآن التي يُنظَرُ إليها بالإجماع على أنها أقدمُ الآياتِ، سواءٌ من جانبِ المسلمين الأصوليين
стр. 1437
أو من جانبِ النظرةِ النقديةِ أيضًا.
فإذا أراد المرءُ أن يَعتبرَ محمدًا إنسانًا قد أوحي إليه حقًّا من عند الله، أو إذا أراد المرء أن يَعتبرَ أنه قد أُعطي له حدٌّ أدنى فقط من الرُّوح النبويِّ، أو إذا أراد أن يَعتبرَ أن الشيطانَ قد تَلبَّسه، أو أنه إنسان هِستيريٌّ، أو مصابٌ بالصرع، فإن الأمرَ الذي لا جِدالَ فيه أنه كان لديه المِزَاجُ العقليُّ الخاصُّ الذي يَدفع أُناسًا معيَّنين إلى إنعام الفِكرِ وتعذيبِ أنفسِهم بمسائلَ دينيةٍ إلى أن يَجِدوا حَلاًّ لها، ولم يكن هناك في الماضي "بالنسبة لمحمد" أحدٌ من رجالِ الله استطاع أن يُجيبَ عن الشدَّةِ والمعاناةِ التي أقَضت مَضْجَعَ محمدٍ بوَحيٍ يَشتملُ على الحقيقةِ الواضحة عن البَعث ويوم الحساب، والأمرُ الأقل مِن ذلك بكثير أنه لم يكن هناك أحدٌ مِن أمثالِ هؤلاءِ بين معاصِرِيه وقد أتى إليه الخلاص من أعلي! وقد كان هو نفسه مُعيَّنًا مِن قِبَل اللهِ لإخراج قومِه من الظلماتِ إلى النور! (١).
* مرجليوث Margoliouth (١٨٥٨ - ١٩٤٠) :
" د. س. مرجليوث" (١٨٥٨ - ١٩٤٠) مستشرقٌ إنجليزي معروف، كان أستاذًا للعربية في جامعة "أكسفورد" منذ عام ١٨٨٩، ومن مؤلَّفاته "محمد ونهضة الإسلام" (١٩٠٥ م)، و"أصول الشعر العربي" (١٩٢٥) وهذا البحث الأخيرُ هو الذي اعتَمد عليه الدكتور "طه حسين" في كتابه عن "الشعر الجاهلي" عام ١٩٢٦ م.
стр. 1438
"مرجليوث" -وهو من كبار المستشرقين- كان له اتصالٌ واسع المدى مع المصريِّين بعد الاحتلالِ البريطاني، وقد اتَّصل به الشيخ "عبد العزيز جاويش" وهاجَمَه عندما أصدر كتابه "محمد وظهور الإسلام".
ومنذ عام ١٩٠٧ تناوَلت الصُّحُفُ في مصرَ آراءَه، فقد أَصدرَ في ذلك الوقتِ كتابًا عن النبيِّ محمدٍ ﷺ ، وجَعله حَلْقةً من سلسلةِ "عظماء الأمم"، وَصَفه "سليمانُ النَّدْويُّ" فيما بعدُ بأنه لم يؤلَّف بالإنجليزية كتابٌ أشدُّ تحامُلاً على النبيِّ ﷺ منه، حاوَل فيه "مرجليوث" أن يُشوِّهَ كل ما يَتعلَّقُ بالسيرة، وأن يُشكِّكَ في أسانيدها، ولم يَأْلُ جَهْدًا في نَقضِ ما أَبْرمَه التاريخُ ومعارضةِ ما حَقَّقه المحقِّقون من المُنصِفين، وقد أشار الشيخ "جاويش" إلى آراء "مرجليوث"، وقال: "إنه -أي مرجليوث- حارَبَ التاريخَ كما حارَبَ الإنصَافَ، وحَمَل على الرسولِ ﷺ حَمْلاتٍ مُنكَرَةً "، وأشار إلى قولِ "مرجليوث": " إنَّ المسلمَ معناه في الأصل: الخائن"، وعَلَّل ذلك بأن هذه الكلمة مشتقَّةٌ من اسم مسلم، وادَّعي "مرجليوث" أن النبيَّ ﷺ كانت تنتابهُ النُّوَبُ العصبيةُ كثيرًا، وزَعَم المؤلِّفُ أن النبيَّ ﷺ عاشَرَ بعضَ النصارى، فاستفاد كثيرًا من القَصص، واقتَبَس بعضَ أساليبِ التعبير، وعَلَّل زَواجَه بخديجةَ بطَمَعِه في مالها.
وقد صارت آراءُ "مرجليوث" مَصدرًا للمتعصِّبين من الكُتَّابِ الغربيِّين، ومن ذلك ما نَقَله عنه مستر "سكوت" وأثار كثيرًا من الاعتراضات، وقد أشار رضا إلى أن السببَ في أكثرِ غَلَط "مرجليوث" وخَطأه في السيرة هو التحكُّمُ في الاستنباطِ والقياسِ الجُزئيِّ وبيانِ أسبابِ
стр. 1439
الحوادث، كما هو شأنُهم في أَخذِ تاريخ الأقدمِين من الآثارِ المكتَشَفة واللغات المَنسِيَّة ونَقصِ فهمهم.
° كما أشار صاحبُ المقبس "محمد كرد علي" إلى كتابه "عظماء الأمم" فقال: "إنه لم يؤلَّفْ كتابٌ بالإنجليزية أشدُّ تحامُلاً على النبيِّ ﷺ مما جاء بهذا الكتاب، فقد حاول "مرجليوث" أن يُشوِّهَ كلَّ ما يَتعلَّقُ بالسيرة الشريفة، وأن يُشكِّك في أسانيدها، ولم يَأْلُ جَهدًا في نقضِ ما أَبرمه التاريخ ويعارِضُ ما حَقَّقه من المثقفين، و"مرجليوثُ" له فَرضٌ في الشَّعر الجاهلي، نَشَره في يوليو ١٩٣٥ في إحدى المجلات الاستشراقية، وفي ١٩٢٦ نَقَله "طه حسين" في كتابه المشهور عن الشعر الجاهلي، يقول "مالك بن نبي": "ربما لم يكن فَرضُ "مرجليوث" ليحتويَ على شيءٍ خاصٍّ غيرِ عادي لو أنه حينَ نُشِر لم يُصادِفْ ذلك الترحيبَ الحارَّ من المجلاَّت المستغربة، ومِن بعض الرسالاتِ التي يقومُ بها دكاترةٌ عَرَب مُحدَثون، حتى لقد كَسَب هذا الفرضُ قيمةَ المقياسِ الثابتِ في دراسةِ الدكتورِ "صبَّاغ" عن "المجاز في القرآن"، وقد رفض الدكتور "صبَّاغ" رفضًا مقصودًا مغرضًا الاعترافَ بالشِّعر الجاهليِّ كحقيقةٍ موضوعيةٍ في تاريخ الأدب العربي".
وكَتَب "مرجليوثُ" مقالاً نشر عام ١٩٠٤، فردَّد قولَ "برايس" مِن أنَّ الإسلام لم يَبْقَ من عُمرِه إلاَّ قَرنان، كما أعاد ما قاله أحدُ المبشِّرين مِن أن الإسلام لا يَلبثُ أن يَذوبَ ذَوَبانَ الثلْج بين يَدَيِ العِلو والتمدُّنِ والنصرانية، كما نَقَل رأْيَ الدكتور "بروين" الذي قال: "إن الإسلام يذهبُ بذَهابِ الدولةِ العثمانية"، ومضى يُردِّدُ الكلماتِ التقليديةَ التي يُرددها المتعصِّبون وخُدَّامُ الاستعمار من أنَّ الإسلام لن يَبقَي بعدَ احتكاكِه بالتمدُّنِ الحديث،
стр. 1440
ويموتُ لا محالةَ، كما رَدَّدَ ما قاله أحدُ كُتَّاب التغريب من أنَّ الانحطاطَ الذي يَعيشُه المسلمون -في هذه الفترة- يَرجع إلى أسبابٍ متَّصلةٍ بالإسلام نفسه؛ لأنه لا يوافقُ رُوحَ التمدُّنِ، وهكذا يَتكشَّفُ في كتاباتِه جُمَّاع مُنَسَّقٌ لِمَا تُورِدُه حَمْلاتُ التشكيك التي لا يَرقي كُتَّابُها إلى مَقام العلماء، ونَقَد العلاَّمة "عبد العزيز جاويش" هذا الكتاب "محمد وظهور الإسلام" لـ"مرجليوث"، فقال: كتاب وَضَعه مستر "مرجليوث": ظهر هذا الكتابُ من نحوِ سبعةِ أعوامٍ، ونُفوسُ الإنجليز والأمريكيين تَرقُبُه لِمَا لذلك الرجل عندهم من المكانةِ العِلميَّةِ الرفيعة، ولا سيَّما وهو مشغوفٌ بدعوى أنه محيطٌ بأكثرِ لغاتِ العالم، فتراه يَدَّعَي العِلمَ بالإسبانيةِ والفِرنسيةِ والإيطالية والألمانيةِ والعَربيةِ والفارسية والعِبرانية، وقد كُنتُ إِبَّانَ ظُهورِ الكِتابِ في مدينة "أكسفورد" حيث المؤلّف، لَمَّا ذَكرتُ له رغبتي في شراءِ كتابه، وَعَد أن يُقدِّمَ لي منه نُسخةً، ثم جَعَل يتباطأ تارةً، ويتناسى أخرى، حتى مَلِلتُ وُعودَه، وظَننتُ أنه لا بد لهذا الكِتابِ مِن سرٍّ يُريدُ إخفاءَه عني، ولا سيَّما والمؤلفُ يَعلمُ أنني ضعيفُ الثقةِ بكثير من المستشرقين، سيئُ الظنِّ بهم، وقد كنتُ في الواقع كذلك، ولكنْ بعد أن خَبَرتُهم، وسَبَرْتُ غَوْرَ معلوماتِهم، وتَتبَّعتُ مَبلغَ كفاءتَهم، ولولا أنني وَجدتُ مِن بينهم أفذاذًا قليلينَ جدًّا، لَمَا اطمأنَّت نفسي إلى أحدٍ منهم، فلما حَصُلتُ على الكِتابِ وتصفَّحتُه ثم درستُه بابًا بابًا وكلمةً كلمةً، حتى جِئتُ على آخِرِه، فوجدتُه عند ظنِّي به، وجدتُه حارَبَ التاريخ كما حارَبَ الإنصافَ، وحَمَل على الرسولِ ﷺ حَمْلاتٍ منكرةً، ويَظهرُ أن المؤلِّفَ توقَّع أنْ لا يَقَعَ كتابُه إلاَّ في أيدي البُلْهِ، ولا يَطَّلعُ عليه إلاَّ الأغرارُ، فلم يُبالِ أنْ جاء فيه بمُحدَثاتٍ لو أنه تَدبَّر لَمَا
стр. 1441
اجترأَ على الإقدام عليها، فمِن ذلك أنه يقول: إن "المسلم"معناه في الأصل "الخائن"، وعَلَّل ذلك بأن الكلمةَ مشتقَّةٌ من اسمٍ مسلم، ثم زَعَم أن المسلمين سَمَّوا أنفُسَهم بذلك من غيرِ تدبُّر، ثم حَوَّلوا هذه المادةَ إلى معنَى "التسليم" المشهور اليومَ، وادَّعى المسترُ "مرجليوث" أن النبي ﷺ كانت تنتابُه النُّوَبُ العصبيةُ كثيرًا، وفَسر بذلك ما كان يُصيبُه ﷺ من الجَهدِ خلالَ نزولِ الوحي، مع أنه ﷺ لَم يُعرفْ في تاريخ حياته أنه كان يُصابُ بأمثالِ تلك النوْباتِ العصبيةِ قبلَ زَمَنِ البعثةِ ومُقدماتِها.
وزَعَم أنَّ ما كان من بلاغ النبي ورسالاتِه لم يكن وحيًا يُوحى، وإنما آراءٌ وأنباء يَجيئُه بها جواسيسُه وعُيونُه.
وقال: إن محمدًا والذين آمنوا به قد كَوَّنوا جماعةً سِرِّيَّةً على نحوِ ما يفعل الماسون، وإن هذا الجَمْعَ السِّرِّيَّ قد اتَّخذ له بِضعَ رُموزٍ، منها قولهم: "السلام عليكم".
وللمستر "مرجليوث" عِدة تأويلاتٍ من أعجبِ ما يَرى الراؤون، فمِن ذلك ما قاله في "التوحيد" -الذي هو رُوحُ الإسلام-، فلقد زَعَم أن النبي ﷺ نَظَر في تعاليم النصارى واليهود، فأخرج منها ما لا يَقبلُه العقلُ، وكان "الله" أحدَ أصنام الكعبة قبلَ الإسلام، فوفَّق بين إلهِ اليهود والنصارى، وجَعَلهما واحدًا، فكيف يكونُ التوحيدُ هو عينَ التثليث، إلاَّ في نَظَرِ مَن يُغالِطون في القضايا الحسابية العقلية؟! ولو أن الكاتبَ أراد أن يُنصِف الحقَّ والتاريخَ لقال بما قال به القرآنُ -في أكثرَ مِن آيةٍ- من أن التوحيدَ هو دينُ جميع رُسُل الله وأنبيائه.
стр. 1442
ومما وَرَد في الكتاب في تعليل إسلام عُمرَ بنِ الخطاب ﵁ بأن سِرَّ انقلابِ عُمرَ من اضطهادِ أُختِهِ وضَربِها إلى مجاراتِها والمبادرةِ باعتناقِ الإسلام، بأنه تأثر مِن رؤيتِها مجروحةً بسببِ قَسوتِه وتَسرُّعِه، فأحبَّ أن يُكفِّرَ عن سيئته هذه، فأظهر إعجابَه بالقرآن، ورَضِي الإسلام دينًا (١).
يتصفَّحُ الناقدُ هذا الكتابَ فيتمثلُ صاحبَه إذ أَخذ يُدافعُ عن اليهود كأنه يهوديُّ المنبَت، وإذا كتب للدفاع عن النصارى فكأنه هو نصرانيٌّ صميم .. وإذا ذَكَر حوادثَ الوثنيين من العرب، وما أصاب النبيَّ من أذاهم وكيدِهم طَرِبَ طَربه ممن دبَّر تلك الحكايةَ، وأمعن في إيصالها إلى الرسول ﷺ .
وقد اشتُهر مستر "مرجليوث" بقُدرتِه البليغةِ وعلمه الواسع باللغة العربية، وأنا لا أريدُ أن أذكرَ هنا رأيي في هذا المستشرق الشهيرِ اكتفاءً بحادثةٍ وقعت لنا في جامعة "أكسفورد"، ذلك أنني كنتُ مدعوًّا معه في بعض المنازل، فلمَّا كنَّا على المادة، سألني بعضُ الحاضرين: هل سَبَق لي أكلُ لَحم الجَزُور، فأجبته أنني لا أذكرُ ذلك، وربما اتفق لي هذا وأنا صغير، فلمَّا سمع الأستاذ "مرجليوث" هذا الكلام قال: كيف ذلك، وعلى كلِّ مسلم فَرضٌ أن يأكلَ لَحمَ الجِمالِ ولو مرةً واحدةً في حياته؛ لأنه من قواعدِ الإسلام، عند ذلك أجبتُه -وأنا دَهِشٌ مما قال-: يا سيدي، إنَني أَعرِفُ أن قواعدَ الإسلام خمس، أمَّا هذا السادسُ، فلا أعرفُه، بَيْدَ أني أستميحُ الأستاذَ عَفوًا أن يذكرَ لي مأخذَ هذا الحُكم! فقال: إنه وَرَد في "صحيح البخاري" أنه قد جاء أحدُ اليهود إلى رسول الله ﷺ ، وقال له: "إني جئت
стр. 1443
أشهدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله وأنك رسول الله، فأجلَسَه الرسولُ ﷺ وأَمَر له بلَحم جَزورٍ"، ومِن هنا استنبط مِستر "مرجليوث" أنه يَجب على كلِّ مسلم أن يأكلَ لَحم الجَزور وأنَّ هذا من العوائدِ الإسلامية التي يَنهدم الدين بانهدامها، فلمَّا فَرَغ قلت له: إنْ صَح وجود هذا الحديثِ في "البخاريِّ" فالذي يَفهمُه المسلم الذي يَفقَه اللغةَ العربيةَ منه أحدَ أمرين:
فإمَّا أن يكون الرسول ﷺ أراد يُقدِّم لذلك اليهوديِّ شيئًا من الطعام؛ لأنه ضَيفُه في بيته.
وإمَّا أنه أراد أن يَمتحنَ إيمانَ اليهوديِّ بإطعامه شيئًا ممَّا حَرَّمه اللهُ على بني إسرائيلَ في التوارة من أجزاءِ اللحم.
ثم تَلَوث الأدلةَ المفيدةَ لذلك، فبُهت الأستاذ، ولكنْ لم تَجْسَر قُوَّةُ المكابَرة وشِدُّة العنادِ التي فطر عليها الأوربيون -ولا سيَّما المستشرقون منهم- على أن تحوله عن رأيه، وبمثل كلام هذا الأستاذِ يَقتدي واضِعوا الكتبِ التاريخيةِ القانونية، وعن مِثلِه يَنقل أمثالُ مستر "سكوت" آدابَ الإسلام ودقائقَ أسراره.
° يقول "بفانموللر" المستشرقُ الألماني: "ويَرى "مرجليوث" في محمدٍ دَجَّالاً ماكرًا معدومَ الضمير، وسياسيًّا يَخدعُ الآخَرين بشعوذاته، وبذلك يَسُدُّ "مرجليوث" على نفسِه الطريقَ لفَهم أخلاقِ محمدٍ وتطوُّره" (١).
فيا لَه من إسفافٍ وتطاولٍ وافتراءٍ وكذبٍ على سيِّد البشر ﷺ !.
وتَتَبَّعَ "مرجليوث" بشَغَفٍ ظاهرة الوحي لدى محمدٍ ﷺ ، ويقارنُها بأقوالِ المذهبِ الرُّوحيِّ الحديث وبالمذهبِ المورموني (Mormonism) (٢) .
стр. 1444
* ماير (Meyer) (١٨٥٥ - ١٩٣٠) :
" إدوارد ماير"، مستشرق ألماني، وقد صدر كتابه عن "أصل المورمون وتاريخهم مع نظرةٍ حول بدايات الإسلام والمسيحية" في "هاله" بألمانيا عام ١٩١٢ م، وقد قام "ماير" باستخلاصِ أوجُهِ الشبَّهِ بين ظهورِ محمدٍ ومؤسِّسِ طائفةِ المورمون "جوزيف سميث"
° والمورمون طائفةٌ مسيحية، أسَّسها في الولاياتِ المتَحدة عام ١٨٣٠ "جوزيف سميث" (١٨٠٥ - ١٨٤٤)، وادَّعي أنه يُوحَى إليه، وقد أسَّس المورمون عام ١٨٤٨ مدينةَ "المورمون" انتظارًا لعودة المسيح، والسؤالُ الآن هو: أيُّ أوجُهِ شَبَهٍ يريد أن يستخلصَها "ماير" من مقارنتِه بين بَعثةِ محمدٍ ﷺ ومؤسسِ هذه البدعةِ الجديدةِ "جوزيف سميث"؟ إنَّ هذا ضربٌ من العَبَث، واستهانةٌ بعقليةِ القارئ الذي لا تَخفي عليه أهدافُ هذا العَبَثِ الذي ليس له مبرِّرٌ ديني أو أخلاقي (١).
وَيرى الدَّجَّالُ "ماير" أن "سِدْرةَ المنتهى" مكان معيَّن لدى "مكة" ضاعت مَعالمُه بَعدَ ذلك -متفِقًا في ذلك مع "اشبرنجر"-، وهذا فَهمٌ أَبْلَهُ ليس له ما يُبرره إلاَّ محاولةُ فَهم الإسلام بأنه مقطوعُ الصِّلة بالسماء!.
* ليوني كيتاني (١٨٥٩ - ١٩٢٦):
° الأمير "ليوني كيتاني"، مستشرقٌ إيطالي، قال عن النبي ﷺ فيما يقوله "بفانموللر": "كيف تَحوَّل الداعيةُ المتحمِّسُ للهِ تحوُّلاً سريعًا، بمجردِ
стр. 1445
أنِ استقرت أقدامُه في المدينة، إلى سيدٍ دُنيويٍّ وسياسيٍّ عبقريٍّ، دونَ أن يَحدُثَ في باطنِه تصدُّعٌ واعٍ وحقيقي؟! والأمرُ الهامُ أن محمدًا أيضًا في شتَّى تنظيماتِه وأعمالِه التي تَجرحُ شعورَنا الأخلاقي جُرحًا بالغًا لم يَفقدِ الوعيَ بأنه أداةُ إلهِهِ، هذا الإلُه الذي هو نَفسُه لديه نِقاطُ ضعفٍ إنسانيٍّ إلى حدٍّ ما.
° يقول الدكتور حمدي زقزوق معلِّقًا:"الإسلام دينٌ ودنيا، وسياسةٌ وأخلاق، عقيدةٌ وشريعة، وهذا أمرٌ لا يُريدُ المستشرقون أن يَفهموه، ثم ما هي تلك الأعمالُ التي صَدرت من محمدٍ ﷺ ، وتَجرحُ الشعورَ الأخلاقي لدى الأوربيين جُرحًا بالغًا؟!! وما هي نِقاطُ الضعفِ الإنسانيِّ التي يُريدُ أن يَنسِبَها "كيتاني" إلى الله ؟!!!! هذا كلامٌ غريبٌ لا سَندَ له على الإطلاق من عقائد الإسلام وتشريعاته، فالإسلام جاء لِيُتَمِّمَ الله به مكارمَ الأخلاق، وتنزيهُ الله في الإسلام عن صفاتِ المخلوقين، ومخالفتُه للحوادثِ من الأمورِ المشهورة التي لا تَحتاج إلى مزيدِ بيان".
* هنري لامنس، الراهبُ اليسوعي المورِّخُ الكذاب (١٨٦٢ - ١٩٣٧):
يُعدُّ "هنري لامنس" من أشدِّ المستشرقين تعصُّبًا على الفِكرِ العربيِّ الإسلاميِّ، وقد بالَغ في التعصُّبِ على الإسلام، حتى أعلَن المنصِفون شَكَّهم في أمانتِه العلمية، وقالوا: "إنه لا يَنسَى عواطفَه فيما يكتبُ عن النبيِّ والإسلام، وإنه كان داعيةً ولم يكن عالِمًا"، وقد عُرف بتهكُّمِه على النصوص العربية، كما وُصف بإرهاقه للنصوص وتحميلِها أكثرَ مما تحتمل، فإذا وَجد في الإسلام موضعًا للفضل ذَهب بنسبتِه إلى مَصدَرٍ
стр. 1446
غيرِ إسلامي.
ولد عام ١٨٦٢ في "بلجيكا"، واتَّخذ "لبنان" موطِنًا، ودَرَس في "الكلية اليسوعية" ببيروت، واشتَغل بالتدريس فيها من ١٨٨٦، وتَخصَّص في "تاريخ الشرق الأدنى وحضارة أهله"، وأتقن اللغةَ العربيةَ، وعُيِّن ١٩٠٧ أستاذًا في "مَعهدِ الدراساتِ الشرقيَّةِ" في الكليَّةِ اليسوعية ببيروت، وتُوفِّي في مايو ١٩٣٧، ووصف بالراهب المؤرِّخ، وأخذ عن "جولد زهير" و"نولدكه" و"كيناني" و"ولهوزن"، وله كتابٌ عن حياةِ محمدٍ، لم تُوافِقْ دوائرُ الفاتيكان على نَشره، خَشيةَ أن يؤدي ما فيه مِن طعن وتهجُّم إلى احتجاج الأُمم الإسلامية، وله كتابُ "فاطمة وبنات محمد"، وكتابه عن الثلاثة: " أبو بكر وعمر وأبو عبيدة"، و"مغزى الرَّبط بينهم هو ادعاؤه بأنهم تآمروا على الخلافةِ بعدَ وفاةِ النبي دون عليٍّ "!! ويقول "فييت": "إن كتابه عن فاطمة وبناتِ محمد يَسُودُه التعصبُ والاتجاهُ العَدائي".
وقد تَحيَّز "لامنس" للأمويين، ووقف جانبًا كبيرًا من جهودِه العِلميةِ لدرسِ تاريخِهم السياسي وخلافِهم مع العباسيين، ومَصدرُ إعجابِه ببني أمية أن دولتَهم كانت في تقديره -لا دينية-، ولأنهم أقاموا مُلكَهم في الشام، وتأثَّروا بالمدنيةِ القديمةِ التي أقامت في رُبوعه.
يتَّهمُ "الأب لامنس" في جميع مؤلَّفاته رُواةَ السِّيرةِ بأنهم مخترِعون، ولكنه لا يُحجِمُ عن الاعتمادِ على روايةٍ من رواياتهم إذا استطاع أن يَلمَحَ فيها مَطعنًا على الإسلام.
وهو إن تكلَّم عن "السيدة عائشة" لم يَجِدْ من مفرداتِ الفرنسية إلاَّ
стр. 1447
كلمة " Favorite" ليَصِفَ بها زوجةَ النبي ﷺ ، وأقربُ ترجمةٍ لها بالعربية "مَحْظية".
ويَذكرُ هذا المجرمُ أن "رُقيَّة" ابنةَ النبي ﵂ كانت جميلةَ، وأن عثمان ابنَ عفان ﵁ إنما اعتَنق الإسلام ليتزوجها.
وقد سَجَّل عليه تَعَصُّبه زملاءُ له من أعلام الاستشراق، في مقدمتهم: "بيكرودسو، وجور فروا، وبمومبين، وماسيه".
° وقال "فييت" في نَعيِ "لامنس" بجلسة ١٠ مايو ١٩٣٧: "إنه من الصَّعب أن نَقبلَ كتابَ "فاطمة وبنات محمد" في ثقةٍ ودونَ تحفُّظٍ، فإنَّ التعصُّبَ والاتجاهَ العُدوانيَّ يَسُودانِهِ إلى حدٍّ كبير".
وهكذا ترى أن "الأب لامنس" كان من أشدِّ المتعصبين على الإسلام، وكان المستشرقون يَعرِفون في "لامنس" هذا العَيبَ الكبيرَ ويأخذونه به.
وادَّعي هذا الكاذبُ أن أبا بكر وعمرَ وأبا عبيدةَ ﵃ اجتَمعت كَلِمتهم في أواخِرِ عهدِ النبي ﷺ أن يَحتكِروا الحُكمَ بعد وفاتِه ويتداولوه واحدًا بعد واحد، وأن اثنتينِ من أزواج النبي ﷺ هما عائشة وحَفصةُ ﵄ مَهَّدَتا لهم السبيل، وأن هذه المؤامرةَ قد نَجحت إلى حدٍّ بعيد، وقد رَدَّ عليه الأستاذُ "عبد الحميد العبادي" فأفحمه، وممَّن رَدَّ على "لامنس" فأجاد الأستاذُ "كرد علي".
وقد ذَكَر أن عالِمَ قريش خالد بن يزيد تلميذُ راهبٍ، ولم يَقُلْ كلمةً واحدةً في أَثَرِ هذا الراهبِ عليه.
وادَّعي أن شيخَ الإسلام ابنَ تيميَّةَ هو صاحبُ "المَذهب الارتجاعي"،
стр. 1448
وأن عَمَلَه مُختَلٌّ، وأنه كان لا يَفتُرُ عن مُقاتَلَةِ البِدع، وقضْي حياتَه وهو يَسُوقُ أبناءَ أمَّتِه في سبيل التعصُّب.
° وادَّعي هذا الدجَّالُ بأن الفقهَ الإسلاميَّ قد تأثر بالفقهِ اليوناني، ووصف "صلاحِ الدين الأيوبي" بـ "الطَمَّاع"، ووصف الحروبِ الصليبيةِ بـ "البسالة"، وصوَّر ملوكَ الصليبيين على الغاية من النجدة والعقل، وقال: "إن تَرْكَ صلاح الدين للأسرى الصليبيين يومَ فتح بيتِ المقدس أحياءً، ولم يُعمِل السيف فيهم مِثلَما فَعلوا هم يومَ أَخذوا القُدس قال: إن هذا العملَ كان عن "عَجزٍ وخوف" واعتذر عن فَعْلَةِ الصليبيين في بيتِ المقدس بأنَّ هذه المدينة عُوملت بما تقضي به الأخلاقُ الحربيةُ في ذلك العهد.
° وقال: "إن دَورَ الأكرادِ الأيوبيين كان قليلَ البهاء".
ولا يعترف "لامنس" الدجَّال بأنه قامت للعدل سُوقٌ في ديارِ الشام منذ فتحها العرب.
° وقال "كُرد علي": "إن "لامنس" ألَّف تاريخًا مختصرًا للشام، لم يَذكرْ فيه للإسلام ولا للعربِ مَحْمَدةً من ثلاثةَ عَشَرَ قرنًا ونصفِ قرن، ووَصَف العربي بأنه ليس شجاعًا، وأنه على استعدادٍ للنَّهبِ، كما تَمدَّح الصليبيين -وهم بشهادة المؤرخين من أهل الخُبثِ والفجور-، وادَّعي أن الصليبيين عاملوا الأهالي في الحروب الصليبية معاملةً حسنةً، وفي تقديرِ الباحثين أن "لامنس" أضعَفَ مِن شأنِ أكثرِ مؤرِّخي العرب -أمثال الطبري والبلاذري وابنِ سعد والأصفهاني وابن الأثير وابن خلدون وأبي الفداء-، ووثَّق بعضَ القُصَّاصِ الوُضَّاع، وقد ذَكر "إميل درمنجم" -وهو من كُتَّاب
стр. 1449
الغرب- "الأبَ لامنس" باللوم، وقال: "إن كُتبَه قد شَوَّهت محاسنَها بما بدا في تضاعيفها من كراهيةِ الإسلام ورسولهِ، وإنه استَعمل إلى التاريخ طُرقًا بالغ فيها بالنقد".
° وقال "كرد علي": "إن "لامنس" نَشَر أخطاءَه وأكاذيبَه في "دائرة المعارف الإسلامية"، ومِن عَمَلِه تحريفُ آيات القرآن، وحَذْفُ ما لا يروقُه من كُتب المسلمين، وخَلْطُ الآياتِ القرآنيةِ بأبياتٍ من الشِّعر، وبجَعل الأحاديثِ النبوية من كلامِ بعضهم، ومن ذلك اقتطاعُ جُملةٍ واحدةٍ من نصٍّ طويل، وإيرادُ الخرافاتِ المنقولةِ من كُتب الوضَّاعين والقصَّاصين، مُدَّعيًّا أنها منقولةٌ من كُتب الثقات الأثبات.
وادَّعي هذا الدجَّالُ الراهبُ أن رسولَ الله ﷺ كان رجلاً غير أمين!!! قليلَ الشجاعة أكولٌ ونَؤُومٌ .. قال هذا في كتابه "هل كان محمدًا مخلصًا صادقًا"، ويعتقد "لامنس" أنه يتحتم الإجابة بالنفي على هذا السؤال (١).
ووصفه بأنه أسلَمَ نفسَه للتمتع بلذات العيش، وأنه مصروع، وادَّعي أن النبي لم يكن له ولد يُسمَّى "القاسم"، وأن فاطمة ﵍ تزوَّجت في سنٍّ متقدِّمةٍ، وأنها لم تكن حَسَنةَ الصورة.
ولقد أبدى هذا الراهبُ إعجابًا كبيرًا في مقالٍ له "نظرة في حاضر الإسلام" نَشَره في "المشرق" سنة ١٩٣٠ لَمَّا بَلَغ إليه الأمرُ مِن أن التعليمَ القرآنيَّ في تأخر مستمر ومُطَّرِدٍ في البلاد الإسلامية المستقلَّة، وأن تطوُّرَ التعليم الرسمي في المعاهِدِ العاليةِ والثانوية يتحرَّرُ شيئًا فشيئًا من تأثيرِ الدين
стр. 1450
حتى يُصبحَ "لا دينيًّا" محضًا، وأن دعاةَ التطُّورِ قد مَدُّوا أصابَعهم داخلَ "الجامع الأزهر"، و"الزيتونة"، وأشار إلى أن ذلك سيؤدِّي إلى اضطرابِ الشبيبةِ الإسلامية في مبادئِها وعقائدِها، وأن ذلك سيؤدِّي إلى صَدمةٍ قويةٍ يُعانيها الإسلام.
* القَسُّ اليَسوعي لويس شيخو، الصليبيُّ المتعصِّب، ورسالتُه "خرافات القرآن":
يُعَدُّ "لويس شيخو" من أقسى المستشرقين على الإسلام والفكرِ الإسلامي وفي مجلة "المشرق" التي أصدرها منذُ رُبع قرنٍ حَمْلاتٌ متَّصلةٌ وإثارةٌ مستمرةٌ للشبهات، وفي مجالِ دراساتِه الأدبية لا يَنسى خصومتَه وتعصُّبه، ففي عشرات المجالات والأبحاث يتناولُ الإسلام والفكرَ الإسلاميَّ على نحو لا يُشرِّفُ العالِمَ أو الباحث، ومِن أبرز آثارِه رسالةٌ أسماها "خرافات القرآن"، ترجَمَها "زويمر" عام ١٩١٤، وانتفع بها دعاةُ التبشير في مصرَ والبلادِ العربيةِ في الطعنِ على الإسلام ونَشَرَها في مجلةِ "العالم الإسلامي".
و"لويس شيخو" قَسٌّ يسوعيٌّ وُلد بـ "ماردين"، وتَعلَّم بمدرسةِ الآباءِ اليسوعيين في "غزير" بلبنان، وانتَظم في سِلكِ الرهبانية اليسوعية، وَتنقَّل في بلادِ أوربا والشرق، وقد عُهد إليه بتعليم الآدابِ العربيةِ في جامعة "القديس يوسف"، وأنشأ مجلة "المشرق" (١٨٩٨)، وتُوفي في بيروت (١٩٢٧ م)، وله مؤلَّفات متعدِّدةٌ أهمُّها "شعراءُ النصرانية"، وقد وُجِّه إليه النَّقدُ من زملائه المستشرقين لتعصُّبه، ومما ذكره "إميل درمنجم" عنه قوله:
стр. 1451
"وشيخو مِثلُ لامنس، لم يَألُ جهدًا في إثباتِ دعواه أن العربَ -قبلَ الإسلام وبَعدَه- لا شأنَ لهم في المدنية، وإذا كان هناك حضارة، فإن أصحابَها هم نصارى العرب".
هذا القزمُ الذي كَتب مُعظمَ مقالاتِ مجلَّته مُدةَ خمسٍ وعشرينَ سنةً؛ كلُّها سمومٌ تَقْطُرُ حِقدًا على نبي الله ﷺ وعلى كتابِ الله "القرآن"، ولو لم يكنْ له إلاَّ كتابُه المسمَّي بـ "خرافات القرآن"، لكفي به عداوةً للنبي ﷺ الذي نزل عليه القرآن.
* اللورد كرومر وهجومُه على الإِسلام في كتابه "مصر الحديثة":
يُعَدُّ "إفيلنجُ بارنج كرومر" من كِبارِ دُعاةِ التغريب والاستعماريين في العالم الإسلامي، وواحدًا من الذين وَضعوا مُخطَّطَ السياسة التي جَرى عليها الاستعمارُ -ولا يزال-، في محاولةِ القضاء على مقوماتِ العالَم الإسلامي -والأمةُ العربية جزءٌ منه-، والإيمانِ بأن هذا العملَ الفكريَّ هو أهمُّ الأعمالِ القادرةِ على دَعم نفوذِ الاستعمار وتركيزِ قُوى الغربِ في قلبِ المنطقة، وتُمثلُ كتاباته في تقاريره -وفي كتابه "مصر الحديثة"- خُطَّةَ عَمل كاملةٍ، وأيدلوجيا شاملةً للقضاء على مقوِّمات الفكرِ العربي الإسلامي، وتمزيقِ وِحدةِ العالَم الإسلاميّ، ومقاومةِ القِيَم والمفاهيم العربيةِ والإسلامية.
ولقد أمضى "لورد كرومر" في مصرَ ما لا يَقلُّ عن رُبع قرنٍ قابضًا على زِمام السُّلطات (١٨٨٢ - ١٩٠٦)، وأُتيح له مِن قَبلُ أن يمضِيَ وقتًا في الهند، دَرَس في خلالها مناهجَ الاستعمارِ البريطاني هنالك، وقد عَمِلَ أولَ
стр. 1452
أمرِه في مصرَ مندوبًا في "صندوق الدين المصري" ١٨٧٧، ثم ما لَبِث أن عُين بعدَ الاحتلالِ البريطاني مباشرةً -مندوبًا ساميًا، ومعتمَدًا لبريطانيا، وُيهِمُّنا في هذه الدراسة أن نتناولَ آثارَه في مجالِ الفكرِ العربي الإسلامي، ومخطَّطَه الذي سار عليه مِن بَعدِه كل دعاةِ التغريبِ، والذي اتخذته منظَّماتُ التبشيرِ ومعاهدُ الإرساليات وكل مَنِ اشتَرَك في مُخططِ العمل (دستورًا) من أجل تأكيدِ النفوذِ الأجنبيِّ عن طريق الفكر.
° وقد تبلورت حَمْلاتُ "كرومر" في نقاطٍ هامةٍ قليلة:
١ - إثارةُ الشبهاتِ حولَ الإسلام، وذلك بالادعاء بأنه دينٌ مُنافٍ للمدنية، ولم يكن صالحا إلاَّ للبيئةِ والزمانِ اللذَينِ وُجد فيهما.
٢ - أن المسلمين لا يُمكنُهم أن يَرْقَوْا في سُلَّم الحضارةِ والتمدُّنِ إلاَّ بعدَ أن يَتركوا دينَهم وَينبِذوا القرآنَ وأوامرَه ظِهريًّا؛ لأنه يأمرُهم بالخُمولِ والتعصُّب، ويبحث فيهم رُوحَ البُغضِ لمن يُخالفُهم والشِّقاقِ وحُبِّ الانتقام، وأن المانعَ الأعظمَ والعَقبةَ الكؤودَ في سبيل رُقِيِّ الأمةِ هو:"القرآن والإسلام".
٣ - أن الإسلام يُناقضُ مدنيةَ هذا العصرِ من حيثُ المرأةُ والرقيقُ، وأن الإسلامَ يجعلُ المرأةَ في مركز مُنحَطٍّ.
٤ - الطعنُ في شريعةِ الإسلام وسياستِه ومعاملاته.
٥ - أن الشابِّ المصريَّ المسلمَ أثناءَ ممارستِه التعليمَ الأوربي يَفقدُ إسلامَه، أو أَفضلَ قِسمٍ منه، ويَقطعُ حَبْلَ المَرساةِ الذي يَربطُه بمرفإِ إيمانه، وأن الشُّبَّانَ الذين يَتلقُّونَ عُلومَهم في أوربا يَفقِدون صِلَتَهم الثقافيةَ
стр. 1453
١
стр. 1454
تُعطَي لهم"، وقال: "إن هؤلاء هم حُلفاءُ الأوربيِّ المُصلح ومساعِدوه، وسوف يَجِدُ محبُّو الوطنية المصريةِ أحسَنَ أمل في ترقِّي أتباع الشيخ "محمد عبده"، للحصول على مصرَ مستقلةٍ بالتدريج".
وهذه النصوصُ المنقولةُ من كلماتِ "كرومر" تُمثل جُمَّاعَ ما دعا إليه المبشِّرون والمستشرقون دُعاةُ التغريبِ والشُّعوبيون -وما يزالون يَدْعُون إليه حتى الآن-، وهي مجموعةٌ من الأكاذيبِ المنبعثةِ من التعصُّبِ واستخدام سلاح الشُّبهاتِ للقضاءِ على مقوِّمات الأُمةِ وقِيَم فِكرها، بعد أن تأكَّدَ الاستعمارُ والنفوذُ الأجنبيُّ مِن أن هذه المقوِّماتِ هي مَصدرُ القُوَّةِ في العالَم الإسلاميِّ لمقاومةِ كل ضَغطٍ أجنبي.
وقد استَهدفت هذه الحَملةُ أساسًا قَتْلَ رُوح المقاومةِ والحَمْلةِ على الاستعمار، وخَلْقَ رُوح تدعو إلى تَقَبُّلِه والرضا به والاستسلام له، على أساسِ أنه أمرٌ لا يُمكنُ مقاومتُه، ومِن المصلحة الانتفاعُ بالمستعمِرِين وقَبولُ فِكرِهم وحضارتِهم، وتَقَبُّلُ الحريةِ والاستقلالِ على مراحل، وهذا التيارُ الذي دُعي فيما بعدُ بـ"تيار التعقيل" أو "الالتقاء مع الإنجليز في منتصف الطريق"، وقد ارتَفع هذا الصوتُ في السنواتِ الأخيرة لكرومر، وحاوَلَ خَلْقَ فَلسفةٍ قوامُها تقبلُ الاستعمارِ وصداقتُه وعدمُ معارضته، وذلك بتصويرِ الاحتلالِ على أنه حقيقةٌ واقعة، وكانت حُجَّةُ دعاةِ هذه الحركةِ -التي تُعَدُّ خُطواتُ التغريبِ والشُّعوبيةِ القائمة الآنَ في العالم الإسلامي امتدادًا لها-، كانت حُجَّةُ هذه الحركةِ في "الاعتدال" أو "التعقيل"على أساسِ فَهم سلبي قِوامُه أن التخلُّص من الاحتلالِ يَحتاجُ إلى قوة ليست
стр. 1455
موجودةً لدى المصريين، وأن الدعوةَ إلى مقاومةِ الاستعمارِ هو إنفاقٌ للوقتِ فيما لا طائلَ تحتَه، وما دام الإنجليزُ هم الذين يُمسِكون زِمامَ الأمورِ وحدَهم، فلا سبيلَ إلى الإصلاح إلاَّ بمُصادقتِهم .. ذَكَره كرومر، وأعاد إلى الذاكرةِ ما وَجَّهه إلى المستشار الإنجليزي عام ١٩٠٥ عندما هاجَمَ الشريعةَ الإسلامية، وقد جاء في ذلك قولُه إلى كرومر: "هل عَنَيتَ بما قُلتَ في تقريرِك الأخيرِ عن الحُكم بالشريعة الإسلامية -التي وُضعت منذُ أكثرَ مِن ألفِ سَنةٍ- الدينَ الإسلاميَ نفسَه الذي هو عبارة عن القرآنِ الكريم والسُّنةِ النبويةِ؟ أم عَنيتَ بذلك الفقهَ الإسلاميَّ الذي وَضَعه الفقهاء؟! ".
وقد رَدَّ كرمر في مَكر ولؤم، فقال: "إنه إنما قَصَد الفقهَ، ولم يَقصِدِ الدينَ الإسلاميَ نفسَه".
° وكان كرومر في تقريره ١٩٠٦ قد هاجَمَ الإسلامَ والفِكرَ العربي الإسلامي في ثلاثةِ مواضع:
١ - إباحة الاسترقاق.
٢ - المرأة.
٣ - اجتماع الأصول المدنية والقانونية في الإسلام.
وقد رَدَّ عليه كثيرون، في مقدمتهم "فريد وجدي"، و"مصطفي الغلاييني"، والدكتور "شبلي شميل".
وإن لم يكن "كرومر" عدوًّا لله ورسوله ﷺ ، فليس على ظهرِ الأرض لرسول الله ﷺ عدوٌّ.
стр. 1456
* جبرائيل هانوتو يأمرُ الأوربيين بقَطع الصِّلَةِ بين المسلمين والإِسلام، ويدَّعي أن الإِسلامَ يدعو أتباعه إِلى الكسل:
نَشَر "هانوتو" -أحدُ وزراءِ خارجيةِ فرنسا- في "الجورنال" الفرنسية ١٩١٠ بعضَ مقالاتٍ هاجَمَ فيها الإسلامَ والثقافةَ العربيةَ الإسلامية، وقد تَرجم هذه المقالاتِ "محمد مسعود" في "المؤيد" (٢ - ١٥) إبريل ١٩٠٠، وقد نَشر الشيخ "محمد عبده" على الإثرِ مقالاتٍ ردَّ فيها على اتهاماتِ "هانوتو"، كما نشر "فريد وجدي" فصلاً مطوَّلاً.
وقد حَمَلت كلماتُ "هانوتو" عباراتٍ غايةً في العُنف والتعصُّب، ومن ذلك قوله: "الإسلام دين بشري يُثقِلُ معتقديهِ دائمًا، ويغريهم بالكسل أو التسكُّع والتبرء من شرِّ الفسوق، وإن السياسةَ التي تجبُ على أوربا المستعمِرة في الشرق أن تجتذبَها مع المسلمين: هي تلقيحُ أفكارِهم بجانبٍ من الأخلاق الأوربية، وقَطعُ الصِّلةِ بينهم وبين كعبةِ الإسلام".
وأشار إلى كلمات "كيمون" وردَّدها، وقال: "إن "كيمون" دعا إلى نَسفِ الكعبة، ونَقل قبرِ محمدٍ إلى مُتحفِ اللوفر".
وهاجَمَ "هانوتو" أصولَ الإسلام، ودعا قومَه إلى قِتالِ المسلمين والقضاءِ عليهم.
° وقال الشيخ "محمد عبده" في الرد عليه: "لو لم يَعترَّضْ "مسيو هانوتو" إلى الطعنِ في أصل من أصول الإسلام، ما حَرَّكتُ قلمي لذِكرِ اسمِه، وكان حظي من النظرِ في مقالِه هو العظةُ والاعتبار .. يرى الناظرُ في كلام "مسيو هانوتو" لأولِ وَهلةٍ أنه مُقلِّدٌ في التاريخ كما هو مقلِّدٌ في
стр. 1457
العقائد، وأنه جَمَع خليطًا من الصور، وحَشَرها في ذِهنه، ثم هو سَلَّط قَلَمَه يَنثُرُها كما يشاءُ القَدَرُ لِيُدهِشَ بها مَن لا يَعرفُ الإسلام من الفرنساويين".
° وقال: "يجبُ على الباحثِ في الإسلام أن يَطلُبَه في كِتابه، كما يجبُ عليه أن يَطلُبَ آثارَه، والإسلامُ إسلامٌ، والمسلمون مسلمون، لا أُنكِرُ أن الزمانَ تَجَهَّمَ للمسلمين، كما كان قد تَنكَّر لغيرهم وابتلاهم بمن فَسَد من المتصوِّفة من عِدَّةِ قرون، فبَثُّوا فيهم أوهامًا لا نِسبةَ بينها وبين أصولِ دِينهم، فلَصِقَتْ بأذهانهم لا على أنها عقائدُ، ولكنها وساوس، قد تَملِكُ الجاهلَ وتُربِكُ العاقل، إذا لم يَغلِبْها بعوامل الدينِ الصحيح، فنَشَأ الكسلُ بين المسلمين بفُشُوِّ الجهل بأصولِ دينهم، أمَّا لو رَجَع المسلمون إلى الحقيقةِ مِن دينهم، لأَدوا فرضَهم، واستنبتوا أرضَهم، واستعزُّوا من الثروة، واعتَمدوا في نجاحٍ أعمالهم على مَعونةِ القَدَر، وأيقنوا في صَولتِهم عِلمًا أنْ ليس منَ الموتِ مفرٌّ، ثم سأل صائلُهم على مكانِ العِزة منها، ونال ما يَنالُ القَوِيُّ من الضعيف.
أما لو رَجَع المسلمون إلى كِتابهم، واستَرجعوا باتباعه ما فَقَدوه من آدابهم، لَسَمَتْ نُفوسُهم من العَيب، وطلبوا من أسباب السعادة ما هداهم اللهُ إليه في تنزيله وعلى لِسانِ نبيِّه، واستَجمعت لهم القوة، ودَبَّت فيهم الروحُ قوةً، وكان ما يلقاه "هانوتو وكيمون" من دينٍ صحيح شرًّا عليهما مما يَخْشوه من دين شوهته أيديهما.
ويرى "كيمون" أن يُخلَي وجهُ الأرضِ من الإسلام والمسلمين، ويستحسنُ رأيَ "هانوتو"، لولا ما يَقفُ في طريقِ ذلك من كثرةِ عددِ المسلمين .. وبئسما اختارَا لسياسةِ بلادهما أن يُظهِرا ضِغْنَهما وُيعلِنا رأيهما
стр. 1458
وضَعْفَ حُلْمِهما.
أمَا فلْيَعلما -ولْيَعلمْ كلُّ مَن يَخدعُ نفسَه بمِثل حُلمِهما- أن الإسلامَ إنْ طالت به غَيبة فله أَوْبَة، وإن صَدَّعَتْه النوائبُ فله نَوْبة.
وقد يقول عنه المُنصِفون اليومَ من الإنكليز -مثل "إسحاق طيار"، وهو قَسٌّ شهير ورئيسُ كنيسة-: " إنه يَمتدُّ في إفريقيا، ومعه تَسيرُ الفضائلُ حيث سار، فالكرمُ والعفافُ والنجدةُ من آثارِه، والشجاعةُ والإقدامُ من أنصاره، ثم هو لا يَزالُ ينتشرُ في الصِّين وغيرِه من أطرافِ آسيا، وستُرشِدُه الحوادثُ إلى طريقِ الرجوع إلى إظهاره، وتَنثني به المُلِمَّاتُ إلى ما كان عليه لأولِ نشأتِه، وتُدرِكُ عند ذلك الأممُ منه خيرَ ما ترجُو إن شاء الله" .. ".
* نشيدُ الجنود الإيطاليين عند غَزْو "ليبيا":
صليبيُّون حتى النخاع .. وعَداءٌ متأصِّل للإسلام، "كان جُنْدِيُّهم يُنادِي بأعلي صوته، حين كان يَلبَسُ بَدلةَ الحرب قادمًا لاستعمارِ بلادِ الإسلام:
أُمَّاه …
أَتِمِّي صَلَاتَكِ .. لا تَبكي ..
بل اضحَكي وتأمَّلي ..
أنا ذاهبٌ إلى طرابلس ..
فرحًا مسرورًا ..
سأبذُلُ دَمي في سبيل سَحقِ الأمَّةِ الملعونة ..
سأحاربُ الديانةَ الإسلامية ..
стр. 1459
سأقاتلُ بكل قوَّتي لِمَحْوِ القرآن (١).
* غلادستون:
° قال "غلادستون" -رئيس وزراء بريطانيا سابقًا-: "ما دام هذا القرآنُ موجودًا في أيدي المسلمين، فلن تستطيعَ أوربا السيطرةَ على الشرق، ولا أن تكونَ هي نفسُها في أمانٍ" (٢).
* وليم جيفورد بالكراف:
° قال المبشِّرُ "وليم جيفورد بالكراف": "متى توارَى القرآنُ ومدينة "مكة" عن بلاد العرب، يمكنُنا حينئذٍ أن نرى العربي يتدرج في طريقِ الحضارة الغربية بعيدًا عن محمدٍ وكتابه" (٣).
* تاكلي:
° قال المبشر "تاكلي": "يجبُ أن نستخدمَ القرآنَ -وهو أمضى سلاح في الإسلام- ضِدَّ الإسلام نفسِه حتى نقضيَ عليه تمامًا، يجبُ أن نُبين للمسلمين أن الصحيحَ في القرآنِ ليس جديدًا، وأن الجديدَ فيه ليس صحيحا" (٤).
* غاردنر:
° يقول "غاردنر": "إن الحروبَ الصليبيَّةَ لم تكن لإنقاذِ القُدسِ، إنها
стр. 1460
كانت لتدميرِ الإسلام" (١).
* مورو بيرجر:
° يقول "موروبيجر" في كتابه "العالم العربي": "لقد ثبت تاريخيًّا أن قوَّة العربِ تعني قوةَ الإسلام، فليُدَمِّروا العربَ لِيدمِّروا بتدميرهم الإسلام" (٢).
* اليونسكو:
وضع الغربُ الصليبي الكُتُبَ التي تَطعَنُ في الإسلام، وتُشككُ في مبادئِه، وتَغمِزُ نبيه ﷺ .. وشاركت في هذا المنظَّماتُ الدولية.
من هذه الكتب "موسوعة تاريخ الجنس البشري وتقدُّمه الثقافي والعلمي" الذي أصدرته "منظمة العلوم والثقافة" (اليونسكو) للأمم المتحدة فقد جاء في الفصل العاشر من المجلد الثالث ما يلي:
١ - الإسلامُ ترتيب مُلَفَّقٌ من اليهودية والمسيحية والوثنية العربية.
٢ - القرآنُ كتاب ليس فيه بلاغة.
٣ - الأحاديثُ النبويةُ وُضِعت من قِبَل بعضِ الناس بعدَ الرسول ﷺ بفترةٍ طويلةٍ، ونُسِبت إلى الرسول ﷺ .
٤ - وَضَع الفقهاءُ المسلمون الفِقهَ الإسلاميَّ مُستنِدِين إلى القانونِ الروماني والقانونِ الفارسي والتوراةِ وقوانين الكنيسة.
٥ - لا قيمةَ للمرأة في المجتمع الإسلامي.
стр. 1461
٦ - أرهَقَ الإسلامُ أهلَ الذِّمَّة بالجزية والخَرَاج (١).
هكذا يكتبون بهذا الحِقد وهذه الحقارةِ والكذبِ في أعلي هيئةٍ ثقافيةٍ تابعةِ للأمم المتحدة دون حياءٍ، إنه حِقدُهم الأسود (٢).
* اليهود عند دخولهم "القدس" عام ١٩٦٧:
عندما دخلت قوَّاتُ إسرائيل القدسَ عام ١٩٦٧ م تجمهر الجنودُ حولَ "حائط المبكَي"، وأخذوا يَهتفون مع "موشى ديان": "هذا يومٌ بيوم خيبر .. يا لَثاراتِ خيبر".
وتابعوا هتافَهم: حُطُّوا المشمش عالتفَّاح، دين محمد ولَّى وراح …
وهتفوا أيضًا: محمد مات .. خَلَّف بنات ..
° كلُّ ذلك دعا الشاعر "محمد الفيتوري" إلى تنظيم قصيدتهِ في رسول الله ﷺ قائلاً:
يا سيدي ..
عليك أفضلُ الصلاةِ والسلام.
مِن أُمَّة مضاعَةٍ
تَقذِفُها حضارةُ الخرابِ والظلام ..
يا سيِّدي ..
منذُ رَدَمنا البحر بالسُّدود
стр. 1462
وانتصبَتْ ما بيننا الحدود
متنا ..
وداستْ فوقنا ماشيةُ اليهود (١).
* تيودو نولدكه [١٨٣٦ - ١٩٣٠ م]:
° تكلَّم المستشرقُ الألماني "تيودر نولدكه" في كتابه "من تاريخ القرآن" عن: "لغة القرآن المتراخية والركيكة .. وتكراراتِه التي لا تنتهي، والتي يَستحي الرسولُ من استخدام الكلماتِ نفسِها فيها، والبراهينِ التي تُعوِزُها الدِّقةُ والوضوح، والتي لا تُقنعُ إلاَّ المؤمنين من البداية بالعاقبة النهائية .. والقصصِ التي لا تُقدِّم إلاَّ قليلاً من التنوُّعُ، والتي كثيرًا ما تَجعلُ آياتِ الوحيِ أقربَ إلى المَلَل والسآمة .. فأسلوبُ القرآن فيه عيوبٌ كثيرة، عيوبٌ غيرُ موجودة في القصائِدِ العربيةِ القديمةِ ولا في أخبارِ العرب .. وأفكارُه ضَحْلَةٌ وساذَجة وبدائية"!!! (٢).
* إِيجانس جولد تسيهر (١٨٥٠ - ١٩٢١):
مستشرقٌ يهوديٌ من أصلٍ مَجَريٍّ، عَمِل أستاذًا في جامعة "بودابست" .. يُعَدُّ من كبارِ أئمَةِ الدراسات الإسلامية في أوروبا، كَتَب العديدَ من البحوثِ عن الإسلام باللغاتِ الألمانية والإنجليزية والفرنسية وغيرها، وقد شَكَّك في الأحاديثِ النبوية، واعتبرها في جُملتِها تَعكسُ
стр. 1463
تطوُّرَ الإسلام الديني والتاريخي والاجتماعيَّ في القرنَيْنِ الأولِ والثاني، وقد تلقَّف كثيرٌ من المستشرقين مِن بعده هذا الزَّعْمَ، وبَنَوا عليه الكثيرَ من النتائج.
ومن مؤلَّفاته: "العقيدة والشريعة في الإسلام"، و"دراسات إسلامية" في جزأين، وكان يهوديًّا متعصبًا متحامِلاً على الإسلام.
° قال عنه الشيخ "محمد الغزالي" في كتابه "دفاع عن العقيدة والشريعة ضدَّ مطاعِنِ المستشرقين": "إنه من أعمدةِ المستشرقين ودُهاتِهم، ولا شكَّ أنه قرأ كثيرًا من الأصولِ والمصنَّفاتِ الإسلامية، ولكنه منذ قرأ وكَتَب، لم يَحمِلْ بين جَنبَيْهِ إلاَّ فؤادًا مُترَعًا بتكذيبِ الإسلام، فهو يَدُسُّ إصبَعَه في كل شيءٍ، لِيتَّخذَ من أيِّ شيءٍ دليلاً على أنَّ محمَّدًا كاذب، وقرآنَه مُفتَعَلٌ، وسُنّتَه مختلَقةٌ، والإسلامَ كلَّه منذ جاء -وإلى أن بلغنا- "مجموعة مفتريات" .. ".
° وقال عنه الدكتور "محمد البهي" في كتابه "الفكر الإسلامي الحديث وصِلته بالاستعمار الغربي": "عُرِف بِعَدائه للإسلام، وبخطورةِ كتاباتِه عنه، ومِن مُحرري "دائرةِ المعارف الإسلامية"، وكَتب عن القرآنِ والحديث، ومن كُتبه "تاريخ مذاهب التفسير الإسلامي" .. ".
هذا المستشرقُ أشاد به أساتذة ومُفكرون مسلمون كبار، مثل الدكتور "عبد الرحمن بدوي"، والدكتور " أبو العلا عفيفي" رَغمَ ما في كتاباته من تشكيكٍ في أصولِ الإسلام، والدَّأبِ في إثباتِ أنَّ رسولَ الإسلام ﷺ لم يأتِ بجديد، ولكنه سَرَق كلَّ شيءٍ من اليهود والمسيحيين؛ ولأنه كان ذا
стр. 1464
منزلةٍ كبيرةٍ بين المستشرقين وصاحبَ مدرسةٍ في الاستشراق، فقد أثر في كثير من الدارِسين للإسلام الألمانِ وغيرِ الألمان، ومازال تأثيرُه مستمرًّا إلى اليوم، ولا تزالُ كُتبُه المليئةُ بالسموم تُعتبر من أهم مراجع طَلَبةِ الدراساتِ الإسلاميةِ في جامعات أوربا .. بل والجامعات العربية! (١).
* جوزيف فان إِس، العدوُّ اللَّدود للنبي ﷺ -:
أما المستشرق "جوزيف فان إس" الذي يَعملُ أستاذَ كرسيٍّ في "معهدِ الاستشراق بجامعة تيبنجن" في ألمانيا، فيقول الدكتور "ثابت عيد": "إنه قابَلَه ليناقشَه في موضوع "الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم" فوجده يَشُنُّ هُجومًا عنيفًا على لُغة القرآن، ويُدافعُ عن "مسيلِمة الكذاب"، ويُوجِّهُ الشتائمَ إلى المؤرخين المسلمين لأنهم أطلقوا عليه اسم "الكذاب" .. ".
° وحينَ قال له "ثابت عيد": "إن محاولةَ "مسيلِمة الكذاب" تقليدَ القرآن مُضحِكة، ولُغتَه في غايةِ الركاكة"، زأر في وجهه غاضبًا وقال: "هذه أقاويلكم أنتم -المسلمون- وهي كاذبة".
وما كاد هذا المستشرقُ يَسمعُ عن مشروع الباحث العراقي الدكتور "عبد الأمير الأعسم" لِجَمع كل ما كتبه ابنُ الراوَندي وكل ما كُتب عنه، حتى سارع بتشجيعِه ومساعدته، بل إنه ساهَم ببحثٍ خاصٍّ في هذا المشروع بعنوان "الفارابي وابن الراوَندي" .. ويتهكَّمُ "جوزيف فان إس" على الله -سبحانه وتعالي-، ويسخرُ من المسلمين في كتابه عن
стр. 1465
الإسلام ويقول فيه: "إن اللهَ يتكلَّمُ اللغةَ العربيةَ ولا يخطئ في النحو! " ..
أستغفر الله.
° ويقول ثابت عيد: "إن "جوزيف فان إس" شديدُ التحامل على الإسلام عندما يكون في قلعته في جامعة "تيبنجن"، ولكن عندما تضطرُّه الظروفُ للسفر إلى دولةِ إسلامية فإنه يَلبَسُ قِناعًا آخَرَ، فلا يتحدَّثُ عن الإسلام إلاَّ بالمدح، ومنذ سنواتٍ جاء إلى القاهرة لإلقاءِ محاضرةٍ في الجامعة الأمريكية، فتحدَّث عن الجامعات في بلاد الإسلام، وامتَدَح الإسلام، ولما عاد إلى ألمانيا استمر يواصلُ السَّبَّ واللعنَ في الإسلام".
° ويقول ثابت عيد: "إن عداء "جوزيف فان إس" للإسلام أشدُّ من عداء سَلمان رُشدي صاحب رواية "آيات شيطانية" التي تضمنت اتهاماتٍ مُقذِعةً للإسلام وللرسول ﷺ وزوجاته وبناته" (١).
كذلك "اهتمَّ "فان إس" بما جاء في "سِيرة ابن هشام" عن النضْرِ بنِ الحارث الذي سَبَق مسيلِمةَ الكذابَ في محاولةِ تقليدِ القرآن، وقال عنه ابن هشام: " .. وكان النضرُ بنُ الحارث من شياطينِ قريش، وممن كانوا يُؤذُون رسولَ الله ﷺ ، ويَنصِبون له العَداوة، وكان قد قدم "الحِيرةَ"، وتعلَّم بها أحاديثَ ملوك الفرس، وأحاديثَ رُستم واسفنديار، فكان إذا جَلس رسولُ الله ﷺ مجلسًا فذكر فيه اللهَ، وحَذَّر قومَه ما أصاب مَن قبلهم من الأمم مِن نقمة الله، خَلَفَه في مجلسه، ثم قال: أنا واللهِ -يا معشر قريش- أحسنُ حديثًا منه، فهلمَّ إلي، فأنا أحدثكم أحسنَ من حديثه، ثم يُحدثهم
стр. 1466
عن ملوك فارس ورستم واسفنديار، ثم يقول: بماذا محمدٌ أحسنُ حديثًا منِّي؟ ".
° وقال ابنُ هشام عن النضرِ بن الحارث: "وهو الذي قال -فيما بلغني-: سأنزِلُ مثلَ ما أنزل الله! " (١).
لماذا يَهيمُ وَيعجَبُ "فان إس" كل هذا الإعجاب بابن الراوَندي أكبرِ شخصيتهٍ مُلحِدةٍ في تاريخ الإسلام؟!.
ابنُ الراوندي الذي "وضع لليهود كتاب "البصيرة" ردًّا على الإسلام مقابلَ أربَعمِئةِ درهم أخَذَها من يهود "سامرا"، فلمَّا أخَذَ المالَ أراد نَقضَ ما في كتابه هذا، حتى أعطوه مئةَ درهم أخرى، وله كتابُ "الزمرد" يُبرهِنُ فيه على إبطالِ النبوَّات، وكتاب "الفرند" في الطعن على رسول الله ﷺ ، وكتاب "التاج" في الردِّ على الموحدين، وكتاب "عبث الحكمة" وكتاب "الدامغ" في الردِّ على القرآن، وكتب "فضيحة المعتزلة" .. وتصدَّى له فلاسفةُ المعتزلة من أمثالِ أبي الحسن الخياط، وأبي علي الجُبائي، والقاضي عبد الجبار.
° وقال ابنُ الراوَندي: "إن الرسول ﷺ أتى بما كان منافرًا للعقولِ مثل الصلاة، وغُسل الجنابة، ورَمْي الحجارة، والطوافِ حولَ بيتِ لا يَسمعُ ولا يُبصِر، والعَدْوِ بين حَجَرَينِ لا يَنفعانِ ولا يَضُران، وهذا كله لا يَقتضيه عقل، فما الفرقُ بين "الصفا والمروة" إلاَّ كالفَرقِ بين "أبي قبيس وحِرَى" (جبلان في مكة) وما الطواف بالبيت إلا كالطوافِ على غيره من البيوت".
стр. 1467
° ويقول: "إن الملائكةَ الذين أنزلهم الله يوم "بدر" لنُصرةِ النبي ﷺ -بزعمكم-، كانوا مغلولي الشَّوكة، قليلي البَطْشة على كثرةِ عَددهم واجتماع أيديهم وأيدِي المسلمين، فلم يَقدِروا على أن يَقتُلوا زيادةً على سبعين رجلاً .. أين كانت الملائكةُ يومَ "أُحُد" لَمَّا توارَى النبي ﷺ ما بين القتلى فَزَعًا، وما بالُه ما ينصروه في ذلك المقام؟ ".
° ويقول عن القرآن: "إنا نجدُ في كلام أكثَمَ الصيفي شيئًا أحسَنَ من ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] ".
وما قاله ابنُ الراوَندي كثير .. ولا أُريدُ أن أنقُلَ كل ما قاله وذكره الدكتور "ثابت عيد" في بحثه، أُريدُ فقط أن أُدلِّلَ على أن صناعةَ العَداءِ للإسلام كانت من خارج الإسلام، وكانت أيضًا من الطابور الخامس الذي كان محسوبًا على المسلمين وأساء إلى الإسلام، وأعطي للمستشرقين وأعداءِ الإسلام في الخارج ما يُحارِبون به الإسلام.
وهدفي من ذلك أن أُحذِّرَ المسلمين لكي ينتبِهوا إلى كلِّ كلمةٍ تُقال على لسانِ مسلم أو غير مسلم، ولا يستبعدوا أن يكون في صفوفِ المسلمين خائنٌ لربِّه ودينه" (١).
* المستشرق جاك فاردينبورج وزوجته:
ويذكر "ثابت عيد" المستشرقَ اليهوديَّ الهولنديَّ "جاك فاردينبورج"، وهذا المستشرق أستاذُ كرسي الأديان بجامعة "لوزان" بسويسرا، وله كتاب بعنوان "الإسلام في مِرآة الغرب"، وزوجتُه أيضًا يهودية متعصِّبة، حَصَلَت
стр. 1468
على الدكتوراة في الأدب العربي في جامعة "أكسفورد" تحت إشراف أستاذ مصري هو الدكتور "مصطفي بدوي"، وعندما سألها "ثابت عيد": لماذا اختارت الأدبَ الإسلامي قالت له: لكي أتحاشى المواقفَ الصعبةَ عندما أذهبُ إلى الدولِ الإسلامية .. مع أنها هي التي قالت: "إن محمدًا سَرَق منا الصيامَ في يوم عاشوراء وإنه كَتَب القرآن بنفسه" (١).
* أوجست فيشر:
المستشرق الألماني "أوجست فيشر"، له مقالٌ بعنوان "في مسألة ترجمات القرآن"، وقد أثبت فيه أنه ليس هناك كتابٌ عربي له هذا القَدْرُ الهائلُ من الترجمات مِثلُ القرآن، وتزدادُ هذه الترجماتُ من سَنَةٍ إلى أخرى، ولكنْ لم تتمَّ ترجمةُ معاني القرآن إلى اللغات الأخرى ترجمةً دقيقةً وصادقةً، لصعوبة نَقل هذه المعاني إلى لغاتٍ أخرى، وعدم وجودِ المؤهَّلين لهذا العمل، و"فيشر" ينتقدُ جَميعَ المُترجِمِين الألمان لمعاني القرآن الكريم لأسبابٍ كثيرة؛ مِن بينها عدمُ إلمام معظمِهم بقواعدِ النحوِ العربي وبالأساليبِ والتعبيراتِ اللغويةِ العربية، ولأن غايتَهم هي البحثُ في القرآن عن عناصرَ مسيحيةٍ ويهوديةٍ، وتجاهُلُهم لحقيقةِ أن هذا القرآنَ عربي.
° ويضربُ "فيشر" مثلاً على الأخطاءِ التي وقع فيها المستشرقون الألمان الذين ترجَموا معاني القرآن فيقول: "إنهم لم يَفهموا معنى أربع آياتٍ من الآياتِ الخمسِ المكوِّنة لسورة "المسد"، فقد أخطؤوا في ترجمة معاني
стр. 1469
أربع آيات، والآيةُ الوحيدةُ التي نَجَحوا في ترجمتها كانت الآية الثالثة ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ ".
ومع ذلك فقد لاحظ الدكتور "ثابت عيد" أن "فيشر" نفسَه وقع في خطأٍ فاحشٍ مِثلَ كلِّ المستشرقين، إذِ اعتَبَر القرآنَ من تأليفِ محمدٍ ﷺ ، ونظر إليه على أنه نصٌّ أدبيٌّ لا يختلفُ كثيرًا عن النصوص الأدبية في الشِّعر والنثر العربي، وبالتالي اعتقد أن يُمكنُ إخضاعُه للتحليل اللغوي والتاريخي والتعامل معه كما يتمُّ التعاملُ مع أيِّ نصٍّ آخَرَ في التراثِ العربي، وعلى ذلك قال: إن القرآن يَعيبه انعدامُ النظام في تركيبِ وترتيبِ الآيات، وإنَّ السورَ الطويلةَ تتكوَّنُ من آياتٍ غيرِ متجانسةٍ، ونَزَلت في أوقاتٍ متبايِنةٍ ومتباعِدة، وهذا يجعلُ مهمةَ المترجِمِين أكثرَ صعوبةً!! " (١).
* المستشرق الألماني رودي بارت:
له ترجمةٌ لمعاني القرآن تَحظَي باحترامٍ كبير في معاهِدِ الاستشراق، في أوربا، ويعتبرونها أفضلَ ترجمةٍ ألمانيةٍ لمعاني القرآن، وقد ظهرت هذه الترجمةُ في مجلَّدين؛ أولهما يتضمَّن ترجمةَ النصِّ القرآني صدر عام ١٩٦٦ .. والثاني: يتضمنُ تعليقاتٍ وفهارسَ، وصدر عام ١٩٧١، ولكن "رودي بارت" عاد في عام ١٩٧٤ ونَشَر مقالاً بعنوان "البحوث القرآنية" أشار فيه إلى أنه كرَّس الجُزءَ الأكبَرَ من حياتِه العلميةِ في دراسةِ القرآنِ وترجمةِ معانيه إلى اللغةِ الألمانية، وأنه قرأ ترجمةَ "ريتشارد بيل" الإنجليزية لمعاني القرآن التي ظهرت سنة ١٩٣٧، وعلى ترجمة "بلاشير" الفرنسية
стр. 1470
التي نشرت عام ١٩٤٩، واطَّلع اطلاعًا وافيًا على "تفسير الطبري" في أجزائِهِ الثلاثين المطبوع في القاهرة عام ١٩٠٣، في عشرةِ مجلَّدات، وعلى "تفسير الزمخشري" في أربعةِ مجلدات الصادر في القاهرة عام ١٩٥٣، وكذلك رَجَع في بعضِ المواضع إلى "تفسير البيضاوي"، في مجلَّدين طبعة "ليبزج" سنة ١٨٤٦، وأنه في منتهي الحِرص والحذرِ وهو يرجعُ إلى هذه الكتب، على عكسِ المترجِمين الآخَرِين الذين نَقَلوا بعضَ التفسيرات الغامضة، وأنه كان على وعي بضرورةِ ترجمةِ النصِّ بمعناه الذي أَخبَرَ به محمد ﷺ ، كما أنه حَرِص على تفسيرِ القرآن بالاستعانةِ بالقرآن ذاتِه، ومع ذلك فإنه يعترفُ بأنه وَقَع في بعضِ الأخطاء في ترجمتِه لمعاني القرآن.
° ويُعلِّق "ثابت عيد" على ذلك بأن "رودي بارت" عبقري، ولكن ماذا تنفعُنا عبقريته إذا كان لا يؤمنُ أصلاً بصحَّةِ ما يُترجِمُه، وإذا كان همُّه الأكبرُ إثبات أن محمدًا ﷺ سَرَق هذا وذاك من النصاري واليهود، وإذا كان يتعاملُ مع القرآن كما يتعاملُ مع أيِّ نصٍّ أدبى، وقد ظَهَر ما يُخفيه في ضميره دون أن يَدري حين قال: "إن السورة الثانية "البقرة" تتحدَّثُ في الآيات من ٦٧ حتى ٧٣ عن ذبح بقرة، ويبدو أن الآيات من ٦٧ حتى ٧١ مطابقة تمامًا لِمَا ورد في التوراة".
ولا يَملِك الإنسانُ إلاَّ أن يتفقَ مع ما توصَّل إليه "ثابت عيد" من أن ترجمةَ معاني القرآن إلى اللغاتِ الأجنبية يستحيلُ على غيرِ المسلمين أن يقوموا بها بدقَّة .. ولقد أخطأ "رودي بارت" في ترجمة "النبي الأمي"،
стр. 1471
ولأن المستشرقين يَدَّعون أن الرسول ﷺ هو مؤلِّفُ القرآن، فهم يَرَون أنه لابدَّ أن يكونَ مُتقنًا للقراءة والكتابة، ولذلك جاءت قريحةُ "رودي بارت" بترجمةِ كلمة "الأمي" إلى كلمة "الوثني" أو "الكافر"، وهكذا يُحرِّفون الكَلِمَ في مواضِعه، كذلك فعل "رودي بارت" بلفظ "الجهاد" الذي يُعرفه الجُرجانيُّ في كتابه "التعريفات"، فيقول: "الجهاد هو الدعاءُ إلى الدين الحق"، إلاَّ أن الأوربيين ما زالوا مُصممين على أن الجهادَ يَعني "الحربَ المقدَّسةَ ضدَّ غيرِ المسلمين"، وحتى "رودي بارت" -الذي يُعتبر أكثَرَ المترجمين دِقَّةً- ترجَمَ لفظَ "الجهاد" إلى لفظ "الحرب" .. وهكذا، فإن الترجمةَ التي تُعتبرُ أفضلَ ترجمةٍ لمعاني القرآن تتضمَّنُ طَعنًا في الإسلام، وتُشكِّكُ في قواعِدِه وأصوله (١).
* الفيلسوف الفرنسي بونودي كونديلاك:
° قال الفيلسوف الفرنسي "بونودي كونديلاك" في كتابه "التاريخ الحديث" عن نزولِ القرآن على الرسول ﷺ : "لقد كَوَّن مشروعَه بمحض الصدفة، وسانَدَه بفضل جُرأةِ احتياله، واستطاع أن يُتِمَّه لأنَّ الظروفَ ساعَدَتْه على ذلك، فقد كان مصابًا بالصَّرَع، وذاتَ يوم فاجأَته زوجتُه "كاديج" في إحدى النَّوبات، وتَخيَّلت أنه في حالةِ وَجْدٍ .. واستَغلَّ محمدٌ سذاجتَها، وأكَّد لها أنه يَرى الرؤيا، وأن اللهَ يُحدثه خلالَها عن طريقِ الملاك "جيريل"، وقامت "كاديج" بنَقل ذلك إلى نساءٍ أُخرَيَاتٍ مُعلِنةً أن زوْجَها نبيٌّ، وانتَشَر الخَبَرُ، وتراكمت النبوءاتُ مع تراكُم الكلام وتزايُدِه، فقامت
стр. 1472
الجماهيرُ باتباع ذلك الرجل المهمِّ الذي أقنعهم بسَخَاءِ خياله، وقد صَدَر هذا العامَ "عام ١٧٦٧" (١).
* الأب لويس موريري:
° وقبل ذلك قال الأب "لويس موريري" في "القاموس التاريخي الكبير" سنة ١٦٧٤: "محمدٌ نبيٌّ مزيف، عربيُّ المَوطن، ولد عام ٥٧١، فقد والدَيهِ وهو طفل، وقام عمُّه أبو طالب بتربيته، ودَفَعَه الفقرُ إلى أن يَخدُمَ عند أحدِ التجار العرب، وعند وفاةِ هذا التاجر قام بإمتاع أرملتِه "كاديج" لدرجةِ أنه تزوَجها، وأصبح وريثَها الوحيد، فاستخدم أموالَها في خِدمةِ طموحاته .. وبعد ذلك شارك كلّ مِن "باتيراس" -وهو هرطقي يعقوبي-، والأب "سرجيوس" -وهو واهب نسطوري-، وعاونه بعضُ اليهود على تجميع قرآنه، وبذلك أصبح دينُه مكونا جزئيًّا من اليهودية، وجُزءً آخَرَ من أحلام هَرطقيةٍ واستسهالاتٍ جِنسيةٍ لطبيعةٍ منحرفة .. وقامت جماعةٌ من اللصوص الذين لا يَعرِفون اللهَ ولا الدين باعتناقِ هذه الديانة" (٢).
* دومنيك بودييه الفرنسي:
° قال عالِمُ الإنسانياتِ الفرنسي "دومنيك بودييه" في سنة ١٦٣٢ في كتابه "التاريخ العام للأتراك": "إن المعجزات من علاماتِ الأنبياء .. وبما أن محمدًا لم يكن بُوسعِه أن يُقدِّمَ للناس ما يؤكِّدُ معجزاتهِ، فقد استعان بالخُدعَ والخرافةِ لِيسوقَ أفكارَ شَعبِهِ الفظِّ الجاهل، ويَفرِضَها على كلِّ العرب، وفي
стр. 1473
محاولةٍ منه لاستتبابِ المَشْرَع بمعجزاتٍ جديدة كان يجمعُ الشعبَ في المَيدانِ العام ليكونَ شاهدًا على أن رُوحَ الله يَنزلُ عليه، وبينما هو منساقٌ في اختراع الأقاصيصِ الجديدة، كانت هناك حَمامة مدرَّبةٌ تطيرُ من مكانٍ، ما قُربَ مَنكِبَيهِ، وتَلتقطُ الحَبَّ الذي كان يَضعُه لها في فتحةِ أُذنه، مُوهِمًا العربَ بذلك أنها كانت تُملِي عليه إرادةَ الله وكلماتِ شريعته".
هل يُمكنُ أن يُصدقَ إنسانٌ عاقلٌ مِثلَ هذه الخرافات؟! ولكن ما حَدَثَ أن كثيرًا من الأوربيين صَدَّقوها ضِمنَ الحَملةِ على الإسلام وكتابِه ونبيِّه .. وفي كتاب الدكتورة "زينب عبد العزيز" مئاتٌ من النصوص والإشاراتِ إلى كُتبٍ ومراجعَ من هذا النوع منذ القرنِ السادس الميلادي حتى اليوم .. وحتى "اللورد كرومر" في كتابه "مصر الحديثة" سنة ١٩٠٨ قال: "إنَّ القرآنَ هو المسؤول عن تأخُّر مصرَ في مِضمارِ الحضارةِ الحديثة" .. وذلك ما اتَّبعه المستشرقُ الفرنسيُّ الشهورُ "جاك بيرك" في ترجمتِه للقرآن التي صَدَرت عام ١٩٩٠ م.
* جان بيرك:
والحقيقةُ أن ما جاء في دراسة الدكتورة "زينب عبد العزيز" لترجمة "جاك بيرك" لمعاني القرآن إلى الفرنسية يُعتبر مفاجأةً للعرب وللمسلمين؛ لأن "جاك بيرك" معروفٌ عند الباحثين العربِ والمسلمين بأنه مُنصِفٌ للعرب وللمسلمين، حتى إنه حَصَل على عُضوية مَجْمَع اللغةِ العربية في مصر، وهذه الترجمةُ استغرقت ما يَزيدُ على عَشْرِ سنواتٍ -على حدِّ قوله-، وهو يقول: "إنه أقدَمَ على ترجمةِ معاني القرآن لأنه لاحَظَ أن كثيرًا من
стр. 1474
الناس والمفكرين يَنبِذُون الآنَ الصورةَ الماديةَ للحياة المعاصِرة، ويَرفُضون المجتمعَ الاستهلاكي، هذَا المجتمعُ المادي المحض، ويُفضلون مدينةَ الإسلام الروحيةِ على المدينة المعاصِرة، ويُنادون بالعَودةِ إليها، فكأنه أراد بهذه الترجمةِ الحدَّ من هذه المَوجةِ الآخِذةِ في الانتشارِ في الانجذاب إلى الإسلام.
° وتُلخصُ الدكتورة "زينب عبد العزيز" المَحاوِرَ الأساسيةَ التي تَناوَلَها في المقدمة، ومنها:
- التشكيك في نزولِ وترتيبِ وتجميع القرآن.
- تأثر القرآنِ بالشعر الجاهلي، وبالفكرِ اليوناني القديم.
- تأثُّرُ القرآن بمزاميرِ داود.
- احتواءُ القرآنِ على أساطيرَ ترى التاريخَ سلسلة من الكوارث.
- فظاظةُ صورةِ "الله" كما هي واردةٌ في القرآن.
- غموضُ التعبيرِ في الأحكام مما سَمَح للمفسِّرين بحريَّةِ التصرُّف، وكانت النتيجة أن كل مَذهبٍ غير مقبولٍ من المذاهب الأخرى.
- تناقضُ الشريعةِ التي جاء بها القرآن، ممَا أدَّى إلى ظهورِ الجماعاتِ الإسلامية، وإلي القول بعدم فَصل الدين عن السياسة.
- ضرب العِلمانية الحديثة.
- إثارةُ قضيةِ "خلق القرآن" التي تحوَّلت إلى فتنةٍ بين المسلمين.
- تحريفُ القرآن للأساطير.
- اتهامُ المفسِّرين بإلغاءِ بعضِ الآياتِ أو تحريفِ معناها.
- وجودُ تشابهٍ بين مفهوم "اللَّه" في القرآن ومفهوم "الله" في الفِكرِ اليوناني، وخاصة "بارمنيدس"، وتأثرُ القرآن بأصداءِ القانون المدنيِّ وتقنينِ
стр. 1475
الكنيسةِ السورية، والأخذُ من الميراثِ الجاهليِّ وميراثِ اليونانيين بعد أنْ فَرَضَ على كل منهما تعديلاتٍ استعلائيةً صارمة.
- إن مشكلةَ الإسلام اليوم "الانفصالُ بين العقيدة ومسيرةِ العالم الفعلية، بل مسيرة العالم الإسلامي نفسه"، فالإسلامُ يَلجأ إلى الأصول، ولا يَنقُلُها إلى الحاضر، و"الذكي" الحقيقي هو الذي يُحوِّلُ الذكرى إلى مستقبل، وهي عمليةٌ خَلافة تُدمجُ العَصريةَ بالأصالةِ لمواجهةِ التجديدات التي يَجبُ على كلِّ نظام في العالَم الحالي أن يَقترحَ الحلولَ الممكنةَ لها، فالثورةُ التكنولوجية والعلمية تتعدَّى مراحلَ لم تَصِلْ إليها مِن قبلُ، وانعكاساتُ هذه الثورةِ على التصرفاتِ الفرديةِ والجماعية، والتوحُّدِ المتزايدِ للكُرة الأرضية والتحدياتِ الناتجة عنه، بالإضافة إلى متطلَّباتِ جماهيرِ العالَم الثالث في مجال الحريَّات، وحقوق الإنسان، والرفاهية.
"جاك بيرك" ترجم سورة "الإسراء"، فجعلها "المسيرة الليلية"، وأضاف إلى هذا العنوان عنوانًا آخَرَ هو "أو أبناء إسرائيل"، وهذا -طبعًا- غيرُ واردٍ في المصاحف، وترجَمَ اسم سورة "غافر" إلى "المؤمن أو المتسامح"، وسورة "النصر" ترجَمَها إلى "النجدة المنتصرة"، ولم يَستخدْم كلمة "النصر" الفرنسيةَ أبدًا رغم أنها تكرَّرت في القرآنِ ما يَقرُبُ من مئةِ مرة، وكأنه يأبى كتابةَ "النصر للإسلام" أو كتابة "أن الإسلام انتصر"، وسورة "الفتح" ترجَمَها بما معناه "أنَّ كلَّ شيءٍ ينفتح"، وسورة "الروم" ترجَمها باسم "روما" عاصمة إيطاليا!، وسورة "الملك" ترجمها بكلمةٍ تعني "المِلكية"، عِلمًا بأن كلمة "المُلك" بمعنى "ملكوت الله" موجودةٌ في اللغةِ