ولأن المستشرقين يَدَّعون أن الرسول ﷺ هو مؤلِّفُ القرآن، فهم يَرَون أنه لابدَّ أن يكونَ مُتقنًا للقراءة والكتابة، ولذلك جاءت قريحةُ "رودي بارت" بترجمةِ كلمة "الأمي" إلى كلمة "الوثني" أو "الكافر"، وهكذا يُحرِّفون الكَلِمَ في مواضِعه، كذلك فعل "رودي بارت" بلفظ "الجهاد" الذي يُعرفه الجُرجانيُّ في كتابه "التعريفات"، فيقول: "الجهاد هو الدعاءُ إلى الدين الحق"، إلاَّ أن الأوربيين ما زالوا مُصممين على أن الجهادَ يَعني "الحربَ المقدَّسةَ ضدَّ غيرِ المسلمين"، وحتى "رودي بارت" -الذي يُعتبر أكثَرَ المترجمين دِقَّةً- ترجَمَ لفظَ "الجهاد" إلى لفظ "الحرب" .. وهكذا، فإن الترجمةَ التي تُعتبرُ أفضلَ ترجمةٍ لمعاني القرآن تتضمَّنُ طَعنًا في الإسلام، وتُشكِّكُ في قواعِدِه وأصوله (١).
* الفيلسوف الفرنسي بونودي كونديلاك:
° قال الفيلسوف الفرنسي "بونودي كونديلاك" في كتابه "التاريخ الحديث" عن نزولِ القرآن على الرسول ﷺ : "لقد كَوَّن مشروعَه بمحض الصدفة، وسانَدَه بفضل جُرأةِ احتياله، واستطاع أن يُتِمَّه لأنَّ الظروفَ ساعَدَتْه على ذلك، فقد كان مصابًا بالصَّرَع، وذاتَ يوم فاجأَته زوجتُه "كاديج" في إحدى النَّوبات، وتَخيَّلت أنه في حالةِ وَجْدٍ .. واستَغلَّ محمدٌ سذاجتَها، وأكَّد لها أنه يَرى الرؤيا، وأن اللهَ يُحدثه خلالَها عن طريقِ الملاك "جيريل"، وقامت "كاديج" بنَقل ذلك إلى نساءٍ أُخرَيَاتٍ مُعلِنةً أن زوْجَها نبيٌّ، وانتَشَر الخَبَرُ، وتراكمت النبوءاتُ مع تراكُم الكلام وتزايُدِه، فقامت
стр. 1472
الجماهيرُ باتباع ذلك الرجل المهمِّ الذي أقنعهم بسَخَاءِ خياله، وقد صَدَر هذا العامَ "عام ١٧٦٧" (١).
* الأب لويس موريري:
° وقبل ذلك قال الأب "لويس موريري" في "القاموس التاريخي الكبير" سنة ١٦٧٤: "محمدٌ نبيٌّ مزيف، عربيُّ المَوطن، ولد عام ٥٧١، فقد والدَيهِ وهو طفل، وقام عمُّه أبو طالب بتربيته، ودَفَعَه الفقرُ إلى أن يَخدُمَ عند أحدِ التجار العرب، وعند وفاةِ هذا التاجر قام بإمتاع أرملتِه "كاديج" لدرجةِ أنه تزوَجها، وأصبح وريثَها الوحيد، فاستخدم أموالَها في خِدمةِ طموحاته .. وبعد ذلك شارك كلّ مِن "باتيراس" -وهو هرطقي يعقوبي-، والأب "سرجيوس" -وهو واهب نسطوري-، وعاونه بعضُ اليهود على تجميع قرآنه، وبذلك أصبح دينُه مكونا جزئيًّا من اليهودية، وجُزءً آخَرَ من أحلام هَرطقيةٍ واستسهالاتٍ جِنسيةٍ لطبيعةٍ منحرفة .. وقامت جماعةٌ من اللصوص الذين لا يَعرِفون اللهَ ولا الدين باعتناقِ هذه الديانة" (٢).
* دومنيك بودييه الفرنسي:
° قال عالِمُ الإنسانياتِ الفرنسي "دومنيك بودييه" في سنة ١٦٣٢ في كتابه "التاريخ العام للأتراك": "إن المعجزات من علاماتِ الأنبياء .. وبما أن محمدًا لم يكن بُوسعِه أن يُقدِّمَ للناس ما يؤكِّدُ معجزاتهِ، فقد استعان بالخُدعَ والخرافةِ لِيسوقَ أفكارَ شَعبِهِ الفظِّ الجاهل، ويَفرِضَها على كلِّ العرب، وفي
стр. 1473
محاولةٍ منه لاستتبابِ المَشْرَع بمعجزاتٍ جديدة كان يجمعُ الشعبَ في المَيدانِ العام ليكونَ شاهدًا على أن رُوحَ الله يَنزلُ عليه، وبينما هو منساقٌ في اختراع الأقاصيصِ الجديدة، كانت هناك حَمامة مدرَّبةٌ تطيرُ من مكانٍ، ما قُربَ مَنكِبَيهِ، وتَلتقطُ الحَبَّ الذي كان يَضعُه لها في فتحةِ أُذنه، مُوهِمًا العربَ بذلك أنها كانت تُملِي عليه إرادةَ الله وكلماتِ شريعته".
هل يُمكنُ أن يُصدقَ إنسانٌ عاقلٌ مِثلَ هذه الخرافات؟! ولكن ما حَدَثَ أن كثيرًا من الأوربيين صَدَّقوها ضِمنَ الحَملةِ على الإسلام وكتابِه ونبيِّه .. وفي كتاب الدكتورة "زينب عبد العزيز" مئاتٌ من النصوص والإشاراتِ إلى كُتبٍ ومراجعَ من هذا النوع منذ القرنِ السادس الميلادي حتى اليوم .. وحتى "اللورد كرومر" في كتابه "مصر الحديثة" سنة ١٩٠٨ قال: "إنَّ القرآنَ هو المسؤول عن تأخُّر مصرَ في مِضمارِ الحضارةِ الحديثة" .. وذلك ما اتَّبعه المستشرقُ الفرنسيُّ الشهورُ "جاك بيرك" في ترجمتِه للقرآن التي صَدَرت عام ١٩٩٠ م.
* جان بيرك:
والحقيقةُ أن ما جاء في دراسة الدكتورة "زينب عبد العزيز" لترجمة "جاك بيرك" لمعاني القرآن إلى الفرنسية يُعتبر مفاجأةً للعرب وللمسلمين؛ لأن "جاك بيرك" معروفٌ عند الباحثين العربِ والمسلمين بأنه مُنصِفٌ للعرب وللمسلمين، حتى إنه حَصَل على عُضوية مَجْمَع اللغةِ العربية في مصر، وهذه الترجمةُ استغرقت ما يَزيدُ على عَشْرِ سنواتٍ -على حدِّ قوله-، وهو يقول: "إنه أقدَمَ على ترجمةِ معاني القرآن لأنه لاحَظَ أن كثيرًا من
стр. 1474
الناس والمفكرين يَنبِذُون الآنَ الصورةَ الماديةَ للحياة المعاصِرة، ويَرفُضون المجتمعَ الاستهلاكي، هذَا المجتمعُ المادي المحض، ويُفضلون مدينةَ الإسلام الروحيةِ على المدينة المعاصِرة، ويُنادون بالعَودةِ إليها، فكأنه أراد بهذه الترجمةِ الحدَّ من هذه المَوجةِ الآخِذةِ في الانتشارِ في الانجذاب إلى الإسلام.
° وتُلخصُ الدكتورة "زينب عبد العزيز" المَحاوِرَ الأساسيةَ التي تَناوَلَها في المقدمة، ومنها:
- التشكيك في نزولِ وترتيبِ وتجميع القرآن.
- تأثر القرآنِ بالشعر الجاهلي، وبالفكرِ اليوناني القديم.
- تأثُّرُ القرآن بمزاميرِ داود.
- احتواءُ القرآنِ على أساطيرَ ترى التاريخَ سلسلة من الكوارث.
- فظاظةُ صورةِ "الله" كما هي واردةٌ في القرآن.
- غموضُ التعبيرِ في الأحكام مما سَمَح للمفسِّرين بحريَّةِ التصرُّف، وكانت النتيجة أن كل مَذهبٍ غير مقبولٍ من المذاهب الأخرى.
- تناقضُ الشريعةِ التي جاء بها القرآن، ممَا أدَّى إلى ظهورِ الجماعاتِ الإسلامية، وإلي القول بعدم فَصل الدين عن السياسة.
- ضرب العِلمانية الحديثة.
- إثارةُ قضيةِ "خلق القرآن" التي تحوَّلت إلى فتنةٍ بين المسلمين.
- تحريفُ القرآن للأساطير.
- اتهامُ المفسِّرين بإلغاءِ بعضِ الآياتِ أو تحريفِ معناها.
- وجودُ تشابهٍ بين مفهوم "اللَّه" في القرآن ومفهوم "الله" في الفِكرِ اليوناني، وخاصة "بارمنيدس"، وتأثرُ القرآن بأصداءِ القانون المدنيِّ وتقنينِ
стр. 1475
الكنيسةِ السورية، والأخذُ من الميراثِ الجاهليِّ وميراثِ اليونانيين بعد أنْ فَرَضَ على كل منهما تعديلاتٍ استعلائيةً صارمة.
- إن مشكلةَ الإسلام اليوم "الانفصالُ بين العقيدة ومسيرةِ العالم الفعلية، بل مسيرة العالم الإسلامي نفسه"، فالإسلامُ يَلجأ إلى الأصول، ولا يَنقُلُها إلى الحاضر، و"الذكي" الحقيقي هو الذي يُحوِّلُ الذكرى إلى مستقبل، وهي عمليةٌ خَلافة تُدمجُ العَصريةَ بالأصالةِ لمواجهةِ التجديدات التي يَجبُ على كلِّ نظام في العالَم الحالي أن يَقترحَ الحلولَ الممكنةَ لها، فالثورةُ التكنولوجية والعلمية تتعدَّى مراحلَ لم تَصِلْ إليها مِن قبلُ، وانعكاساتُ هذه الثورةِ على التصرفاتِ الفرديةِ والجماعية، والتوحُّدِ المتزايدِ للكُرة الأرضية والتحدياتِ الناتجة عنه، بالإضافة إلى متطلَّباتِ جماهيرِ العالَم الثالث في مجال الحريَّات، وحقوق الإنسان، والرفاهية.
"جاك بيرك" ترجم سورة "الإسراء"، فجعلها "المسيرة الليلية"، وأضاف إلى هذا العنوان عنوانًا آخَرَ هو "أو أبناء إسرائيل"، وهذا -طبعًا- غيرُ واردٍ في المصاحف، وترجَمَ اسم سورة "غافر" إلى "المؤمن أو المتسامح"، وسورة "النصر" ترجَمَها إلى "النجدة المنتصرة"، ولم يَستخدْم كلمة "النصر" الفرنسيةَ أبدًا رغم أنها تكرَّرت في القرآنِ ما يَقرُبُ من مئةِ مرة، وكأنه يأبى كتابةَ "النصر للإسلام" أو كتابة "أن الإسلام انتصر"، وسورة "الفتح" ترجَمَها بما معناه "أنَّ كلَّ شيءٍ ينفتح"، وسورة "الروم" ترجَمها باسم "روما" عاصمة إيطاليا!، وسورة "الملك" ترجمها بكلمةٍ تعني "المِلكية"، عِلمًا بأن كلمة "المُلك" بمعنى "ملكوت الله" موجودةٌ في اللغةِ
стр. 1476
الفرنسية، ومستخدَمةٌ في "العهد القديم" و" العهد الجديد" في الإنجليل، وسورة "التكاثر" ترجَمَها إلى ما معناه "التنافسُ عن طريق العدد".
° تقول الدكتورة "زينب عبد العزيز": "إنه لا يمكنُ أن تكونَ هذه الأخطاءُ صَدَرت عن المستشرق الكبير "جاك بيرك" بدون قصدٍ، فهذا مستبعَدٌ لمن كان في مِثل مكانته العلمية، والتفسيرُ الوحيدُ لذلك أنه تمَّ بسُوءِ قَصدٍ، بدليل أنه أصر على ترجمةِ كلمة "الرسول" ومعناها في القرآن "النبي" ﷺ ، فلم يستخدم كلمة "النبي" ليُبعِدَ عن ذِهنِ القارئِ معنى "النبوَّة"، واستَخدم كلمةً معناها "المرسَل" أو"المِرسال"، ولم يستخدم كلمة "مسجد" -ولها مقابلٌ بالفرنسية معروف-، واستخدم كلمةً تعني "جُزءً من الكنيسة حول المذبح" تتمُّ فيه المراسِمُ الطقسية، وقد تعني "مكانًا مقدَّسًا" بصفةٍ عامة، كما استخدم كلمةً أخرى مشتقةً من اللاتينية معناها "كنيسة صغيرة تستخدمها جماعة معينة"، وبهذه المعاني ترجم "المسجد الحرام"، وترجَمَ "إسراء الرسول إلى المسجد الأقصي" بأنه "إسراء في لحظةٍ من الليل إلى النهائي"، لكيلا يربطَ القدسَ بالإسلام!.
و"جاك بيرك" يعرفُ اللغةَ العربيةَ جيدًا، بل هو ضليعٌ في اللغة العربية، ويعرفُ معنى كلِّ كلمةٍ بمنتهي الدقة، فكيف يُترجمُ كلمةَ "الألباب" إلى كلمة "النخاع" في الفرنسية، وهو يعلمُ أن وَقْعَها في الترجمةِ يثيرُ السخريةَ لدى القارئ الفرنسي، ومع أن كلمة "الألباب" وردت في القرآن ستَّ عَشْرةَ مرةً، إلاَّ أنه لم يُترجِمْها بمعناها المقصودِ أو المنطقيِّ والذي يعني "ذوي العقول" أو"ذوي الأفهامَ"، وكيف يُترجُم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾، فلا يقول: إن "الميعاد" هو "وعدُ الله أو وعيده"، ولكن يترجمُها
стр. 1477
بكلمة "راندفو"؛ وحذف من سورة "آل عمران" في الآية قوله تعالى:
﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، فلم يذكر هذه العبارة، وتوقف عند منتصف الآية الرابعة عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾.
أما أسلوبه في وصف الله، فقد ترجم ما ورد منه في القرآن بكلماتٍ معناها أن القرآن يشير بروعةٍ مرعبةٍ إلى الذعر الذي سيصيبكم أمام الحاكم (ويقصد الله)، وها هي ذي القشعريرة تسري في أبدانكم عند مجرد ذكر اسمه، وتناول مضمون الآية ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، إلى ما معناه: "أن الله يمحو ويبدل ويؤكد النبواءات وفقًا لهواه"، ويترجم: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ بما يفهم منه أن القرآن هو المقصود، وأن القرآن له أجل، وينسب هذا المعنى -زورًا- إلى أبي بكر الصديق ﵁، ويضع في الهامش أن مصدره في ذلك "الطبري" في المجلد ١٣ صفحة ١١١ السطر ١٤، وهو متأكد أن هذا التزوير لن يكتشفه أحدٌ، ولن يرجع أحدٌ إلى المرجع الأصلي للتأكد منه" (١).
* جورج بوش الجد وكتابه "محمد مؤسس الدين الإسلامي، ومؤسس إمبراطورية المسلمين":
"جورج بوش" (١٧٩٦ - ١٨٥٩)، هو علم من أعلام الاستشراق الأنجلو ساكسون، درس في "كلية اللاهوت" ببرنستون، وعُيِّن راعيًا لإحدي الكنائس في "إنديانا بولس"، وعين أستاذًا للغة العبرية والآداب الشرقية في جامعة "نيويورك"، وقد ذكر الباحث والناقد "منير العكش" في
стр. 1478
كتابه "حق التضحية بالآخر" أمريكا والإبادة الجماعية - بيروت ٢٠٠٢، حيث ذَكَر في صفحة (٩٦) أن مؤلِّف الكتاب هو الجدُّ الأكبرُ لأسرة "آل بوش" التي ينحدرُ منها رئيسًا الولايات المتحدة "بوش" الأب والابن.
وكتابَ جورج بوش "محمد مؤسِّسُ الدين الإسلامي ومؤسِّسُ إمبراطورية المسلمين" (١) مشحونٌ بالافتراءات على خاتم النبيِّين ﷺ ، ويدلُّ على خُبثِ طويَّهِ جورج بوش لسيِّد البشرية، ويُعرِّفُنا بالفِكرِ الصليبيِّ الأسود الذي يَسُودُ رأسَ الرئيسِ الحالي وقلبَه كما ساد قلبَ جِدِّه الأكبر.
وجورج بوش القِزمُ يَصِفُ سيدَ البشريةِ ﷺ بـ "الدَّعيِّ".
* يقول بوش: "لقد وَضَع محمدٌ أساسَ إمبراطوريةٍ استطاعت في ظَرفِ ثمانين سنةً فقط أن تَبسُطَ سلطانَها على ممالكَ وبلادٍ أكثرَ وأوسعَ مما استطاعته روما في ثمانِمئةِ سَنَة، وتزدادُ دهشتُنا أكثَرَ وأكثَرَ إذا ترَكْنا هذا النجاحَ السياسيِّ، وتحدَّثنا عن صعودِ دِينه وانتشارِه السريع واستمرارِه ورسوخِه الدائم .. والحقيقةُ أنَّ ما حَقَّقه نبيُّ الإسلام والإسلامُ لا يمكنُ تفسيرُه إلاَّ بأنَّ اللهَ كان يخصُّهما برعايةٍ خاصةٍ، فالنجاحُ الذي حقَّقه محمدٌ لا يتناسبُ مع إمكاناتِه، ولا يمكنُ تفسيرُه بحساباتِ بشريةٍ معقولة.
لا مناص إذن من القولِ أنه كان يَعملُ في ظلِّ حمايةِ الله ورعايته، لا تفسيرَ غيرُ هذا التفسير لهذه الإنجازاتِ ذات النتائج الباهرة، ولا شك أنه يجبُ علينا أن تنظرَ للدين المحمديِّ في أيامنا هذه بوصفِه شاهدًا قائمًا
стр. 1479
ينطوي على حِكمةٍ غامضةٍ للَّه سبحانه لا ندري مغزاها .. حكمةٌ لا تفهمُها عقولُ البشر أو على الأقلِّ لا تفهمُها عقولُ البشرِ حتى يتحقَّق الغرضُ منها" (١).
* ويقول: "إن اللهَ أراد للإسلام أن ينتصرَ على يد هذا النبيِّ المحارِب ليؤدِّبَ الكنائسَ المسيحيةَ "أي الكنائس الشرقية" التي ضَلَّت السبيلَ إلى حين، وإنَّ مَن أسلموا سيَتركون إسلامَهم مَرَّةً أخرى ليعودوا إلى حِضنِ كنيسةٍ أخرى سليمةِ العقيدة .. وربَّما كان هذا عند عودةِ المسيح في الألفيَّة".
* ويقول جورج بوش في "الملحق الأول" لكتابه (ص ٢٠٨): "وإذا كان ما يُذكَرُ بشأنِ ظهورِ الإسلام وتقدُّمِه وسلطانِه غيرَ كاف، وإذا كانت الأسبابُ البشريةُ التي عادةً ما يَجري اقتباسُها لشرحِ النجاح المُذهِلِ للادِّعاء الإسلامي "المحمدي" لا تزالُ تبدو لنا غيرَ كافية، وإذا كانت أعظمُ ثورةٍ على الإطلاق واجَهَت الكنيسةَ المسيحيةَ تبدو مُعْضِلةً لا حَلَّ لها، فَلم نتردَّدُ في أنْ نعزوَ هذا مباشرةً إلى إرادةِ الله ومشيئتِه، وبذا نجدُ الحلَّ الذي يُفسِّرُ كل هذه الأسرار.
لماذا نحن توَّاقين للهرب من الاعترافِ بالتدخُّل الإلهيِّ في قيامِ هذه الهرطقة التي هي رأسُ الهرطقات؟ إن صحَّ تفسيرُنا لنبوءتَي دانيال ويوحنا، فإنَّ الخِداعَ المحمديَّ "الإسلام" كما هو حقيقةٌ تشهدُ بصحَّةِ النبوءة".
стр. 1480
* يزعمُ جورج بوش الدجَّالُ أن محمدًا ﷺ هو إِنسانُ الخطيَّة التي تنبَّأت به الكتب المسيحية:
عند المسيحيين نبوءة عمَّا يُسَمَّى "إنسان الخطيَّة" أو "الخطيئة"، يَظهرُ ويَستعلي قبلَ المجيءِ الثاني للمسيح، فقد وَرَدَ في "رسالة بولس الثانية إلى أهل تسالونيكي" (في اليونان) عن "إنسان الخطية" أن المسيحيين من أهلِ هذه البلاد اعتقدوا أنَّ المجيءَ الثاني للمسيح قد حَلَّ أوانه، فقال لهم بولس: "إنه -أي المسيح- مجيئه الثاني لم يأت إنْ لم يأتِ الارتدادُ أوَّلاً، ويَستعلِنُ إنسانُ الخطيَّة (أي: يَجهر بدعوته) ابن الهلاك، المقاوم والمرتفع على كلِّ مَن يُدعى إلهًا أو معبودًا حتى إنه يجلسُ في هيكلِ الله كإلهٍ، مظهرًا أنه إلهٌ".
ويُذكِّر بولس أهلَ تسالونيكي (في اليونان) أنه سَبَق أن قال لهم هذه النبوءة، وأنَّ أوانها لم يأتِ بعدُ لأنه "سيُستعلَنُ في وقته"، "لم يأتِ الوقتُ حتى يُستعلنَ الأثيمُ الذي الرَّبُّ يُبيده بنفخة فمه ويُبطِلُه بظهورِ مجيئهِ" .. "السفر الثاني من رسالة بولس إلى أهل تسالونيكي".
والمؤلف جورج بوش وطائفةٌ من المسيحيين يعتبرون محمدًا ﷺ هو "إنسان الخطيئة" المشارُ إليه في النبوءةِ السابقة، ويَعتبرون "الارتداد" الذي يَسبقُ المجيءَ الثاني للمسيح هو "انتشارُ الإسلام"، وَيعتبرون جلوسَ إنسانِ الخطيَّة في هيكل الله، هو فتح المسلمين للشامِ وللقُدسِ خاصةً حيث الهيكل.
لذا وجدنا المؤلِّفَ "جورج بوش" في مقدمة كتابه "الصفحة ٢١ من النصِّ الإنجليزي والصفحة المقابلة لها في النص العربي" يؤكّد على أنَّ
стр. 1481
المقصودَ بإنسان الخطيَّة هو محمدٌ ﷺ ، والمؤلِّفُ وطائفتُه الدينيةُ يتوقَّعون عند بدايةِ كلِّ ألفيَّةِ مجيءَ المسيحِ ثانيةً وعودةَ المسلمين إلى المسيحيةِ ثانيةً وارتدادَهم عن الإسلام.
° ثم نتتبعُ المؤلفَ مع أقواله من بدايةِ الكتاب، لترى سُمَّه يقطرُ في كتابته وكَذِبَه وخُبثَه وتطاوُلَه عن سيِّد ولد آدمَ ﷺ .
° يقول "جورج بوش" (ص ٥): "فكلُّ ما يمكنُ أن نتوقَّعه الآنَ هو تناولُ تاريخ هذا الدَّعيِّ" .. يعني: رسولَ الله ﷺ .
° وقال في (ص ٥): "فالمؤلِّفُ بَذَل قُصارَى جَهده في استخلاصِ صورةٍ عادلةٍ من خلالِ المصادرِ المُتاحةِ له لشخصيةِ مؤسِّسِ الإسلام" .. يعني رسول الله ﷺ .. فلا ينظر "جورج بوش" إلى الإسلام كأنه دين.
* الإِسلام عند جورج بوش "هرطقة" (١):
° يقول في (ص ١٧): "إنَّ كثيرين من الكُتَّابِ المتميِّزين الذين دَرَسوا -بعُمقٍ- أصولَ هذا الدين، وعبقريتَه وتاريخَه، فينظرون إليه بوصفه هرطقة مسيحيَّةً أوْ نتاجًا لهرطقاتٍ قال بها بعض المسيحيِّين، أكثر من وصفهم له بأنه خُرافةٌ وثنية".
° وقال أيضًا في نفس الصفحة: "ومِن هنا فقد كان قَدَرُ هذا الدين أن يرتبطَ بكلِّ العقائدِ الفاسدةِ التي أفسَدَتِ الإنجيل، وبقَدْر ما نَفضحُ هذه النُّبُوَّة ونْكشفُها، أوْ بَقْدرِ ما نكشفِ الادِّعاءَ الحاليَّ الموجودَ على ظهر الأرض، كلَّما عَجَّلنا بسقوطِ الخداع، وكلَّما عجَّلنا بتأثيلِ الحق، وكلما زاد اهتمامُنا -بعمقٍ- بهذه المناطقِ التي طالت فيها سيادةُ هذا الدين".
стр. 1482
° وقال في (ص ١٩): "لذا، فإن عَرْضًا موجَزًا لحالةِ المسيحية وقتَ ظهورِ محمدٍ -خاصةً في المنطقة التي شَهِدت ظهورَ دعواه-، ربَّما تُلفِتُ انتباهَ القارئِ في هذه المقدمة، هذا سيَظهرُ بوضوء أكثَرَ لماذا حَكَم اللهُ بأن ينقضَّ التضليلُ الإسلاميُّ على كنيسةِ المسيح، وبدون فَهم أحوالِ الكنيسةِ وقتَ ظهورِ الإسلام لاستحالَ الحكمُ الصحيحُ تمامًا على الإسلام".
° وقال في (ص ٢٣، ٢٤) عن فساد رجال الدين المسيحيين عند ظهور محمدٍ ﷺ : "هذا الفسادُ المُحزنُ في عقائدِ رجالِ الدين وأخلاقِهم، أعقَبَه -كما هو متوقَّعٌ- فسادٌ عامٌّ بين الجمهور، ورغمَ أننا لا يمكنُ أن نفترضَ أن اللهَ قد تَرك نفسه تمامًا وليس من شاهدٍ عليه في هذه الحِقبةِ المُظلِمة، فقد كان هناك عددٌ من المؤمنين الصادِقين قد تضاءلوا حتى أصبحوا أشبَهَ ما يكونون بمجردِ بقايا، وبدا أنَّ الرِّدةَ عن الدين الصحيح قد انتَشرت انتشارًا واسعًا، وبدا أن هذا الأمرَ في حاجةٍ إلى حُكم يأتي من السماء بالنظرِ لهذه الحال البائسة التي وَصلت إليها المسيحيةُ في الفترةِ التي سَبقت ظهورَ محمدٍ، فإننا نكونُ مهيَّئين لقبولِ حُكمِ الله بالسماح لهذا البلاءِ الكئيبِ بالظهور (يقصد الإسلام) أثناءَ هذه الأزمةِ التي ألَمَّتْ بالعالم".
° يقول "بريدو": "أخيرًا فَقَدَ اللهُ صَبْرَه، فقد طالت مُعاناتُه، فبَعث العربَ والمسلمين "السرسريَّة" ليكونوا أداةَ سَخطةٍ ليعاقبَهم لهذا، فانتهز المسلمون فرصةَ ضَعفِهم والتهائِهم بالمَجَامع الكَنَسيةِ التي سَبَّبت انقسامَهم، فاجتاحوهم، وألحَقوا بهم تدميرًا مرعبًا، واستولَوا على كلِّ الولاياتِ الشرقيةِ للإمبراطورية الرومانية، وثبَّتوا حُكمَهم الطاغيَ في هذه الولايات، وحَوَّلوا كنائسَهم في كلِّ مكانٍ إلى مساجد، وحَوَّلوا طقوسَ عباداتِهم إلى
стр. 1483
خرافةٍ بشعةٍ كريهة، وفرضوا عليهم الادِّعاءَ المحمديَّ البغيضَ بدلاً من هذا الدين المقدَّسِ (الإلهي) الذي شوَّهوه.
وبذا أطلق اللهُ على هذه الكنائسِ عقابًا لها لضعفها أسوأَ الأعداء، فأهانوها ودمَّروها واحتقروها، لقد اجتاحوها اجتياحًا مرعبًا، وأوصلوها إلى هذه الحال المنحطَّة البائسة، ومِن يومِها وهذه الكنائسُ تَرزَحُ وتئنُّ متوجِّعةَ تحت هذا الطغيان.
لقد رأى اللهُ بحِكمته الكليَّة أنْ يَظَلُّوا حتى يومِنا هذا يئنُّون تحت الاضطهادِ المحمَّديِّ، لا لشيءٍ إلاَّ ليكونوا عِبرةً للمسيحيين الآخَرين، فلا يَضعُفوا ولا ينقسموا ولا ينفصلُ بعضُهم عن بعضِهم الآخر".
* ويقول في (ص ٣٢): "محمدٌ الذي وُلد بمكةَ في سنة ٥٦٩، أصبح بعد ذلك مشرِّعًا لبلادِ العرب، ومؤسِّسًا للدين الإسلامي -أو الدين المحمديِّ-، فشرَّف نفسه -وشرَّفه أتباعُه- بالقول بأنه نبيُّ الله ورسولُه".
* جورج بوش يدَّعي أن رسولَ الله ﷺ كان يَعلَمُ القراءةَ والكتابة:
° يقول في (ص ٣٨ - ٣٩): "حقيقةً إنَّ أتباعَ محمدِ رغبةً منهم في المبالغة في مواهب نبيِّهم، وعَزْوها إلى قوًى خارقة، ورغبةً منهم في إضفاءِ مزيدٍ من الإعجاز على القرآن (الكَريم)، فإنهم يؤكِّدون عمومًا على أن محمدًا كان يَجهلُ القراءةَ والكتابةَ تمامًا، حقيقةً إنَّ هذا الادعاءَ أكَّده محمدٌ نفْسُه، فهو يقول: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، وفي السورةِ السابقة أيضًا آية ١٥٨ الأعراف نقرأ: ﴿ .. فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ
стр. 1484
وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨].
لكنْ آخِرُ ما نتوقَّعُه من القرآن -وهو ادِّعاءٌ بكلِّ ما في الكلمة من معنًى- أن يكونَ صادقًا دالاًّ على الحقيقة، فهناك أدلَّةٌ كثيرةٌ من هذا الوحي الزائفِ نفسِه تدلُّنا على أن الكتابةَ كانت شائعةً بين العرب في تلك الأيام، فالوصيةُ التالية التي وردت في القرآن (الكريم) تؤكِّدُ ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ .. ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
نحن نعلمُ أيضًا أنَّ عليًّا بنَ أبي طالب -وهو ابنُ عم محمدٍ الذي تربَّى مع محمد- أصبح بعد ذلك أحدَ الذين كَتبوا له (المقصود أحدُ كُتَّابِ الوحي)، وقد اختار منهم محمدٌ عددًا لعملِ نُسَخٍ من القرآن (الكريم) مرتبةً على حَسَبِ تعاقُبِ نزولها .. كيف يُعقل إذَنْ أن أبا طالبٍ عَلَّم ابنَه الكتابةَ ولم يُعلِّم ابنَ أخيه؟.
وأكثرُ من هذا، فقد كانت مكةُ ملتقَى حركةٍ تجارية، ولابد أن التجَّارَ كانوا يُحِسُّون -كلَّ ساعةٍ- بحاجتهم إلى تسجيلِ صَفقاتهم ومعاملاتِهم المالية، ونعلمُ أن محمدًا ظلَّ لعدَّةِ سنواتٍ يعملُ في التجارة قبلَ أن يبدأ دعوتَه إلى الدينِ الجديدِ، فمِن غيرِ المحتمَل ألاَّ يكونَ عارفًا باستخدامِ الحروف".
* ويقول (ص ٤٢): "لكنَّنا لا ندري كيف ساعد آخَرون محمدًا في تدبيج القرآن؟ إننا لا نستطيعُ أنْ نَحُلَّ هذه المشكلة، أو بتعبيرٍ آخَرَ لا نستطيعُ أن نَصِلَ فيها إلى نتيجةٍ مُرضِية".
стр. 1485
° ويقول في (ص ٤٥): "وممَّا يُؤسَفُ له كثيرًا أن سياسةَ الدَّعيِّ، وما ألَمَّ بعصرِه من خرابٍ هي كلُّ المصادر المتاحة لنا .. ".
° ويقول في (ص ٤٦ - ٤٧): "كان من الطبيعيِّ أن تُؤَدِّي به ظروفُ تنسُّكِه إلى ترسيخِ هذه المعاني بشكل أعمقَ في عقلِه ونفسِه، ومِن المفترَضِ أنه -بهذه الطريقة- بدأ مُهمَّته، لكنه -وقد وَجَد نفسَه قد حَقَّق نجاحًا فاق ما كان يتوقَّعُه، وزادت شعبيتُه وقُوَّتُه -طغى أخيرًا حُبُّه لنفسه على أمانته، وفاق طموحُه إخلاصَه وتقواه، وراحت خُطَطُه تتَّسعُ وتزدادُ كلَّما حَقَّق نجاحًا .. لقد بدأ مشروعَه بدافعِ التقوى، فأصبح في خاتمةِ المَطافِ مدَّعيًا عنيدًا، وحاكمًا (إمبراطورًا) بلا مبادئَ، منغمسًا في الملذَّات".
وهذه فِريةٌ من الدجَّال الكذاب "جورج بوش"، فما عَلِمَ العالَمُ أزهَدَ من رسول الله ﷺ ، ولا أرحَمَ منه .. كيف وقد قال الله عنه: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: ١٠٧].
° وقال في (ص ٤٧): "راح يتظاهر بأنَّ المَلَكَ يأتيه تِباعًا، كما راح يُظهِرُ بين الحينِ والحين سُوَرًا من القرآن باعتبارِها وحيًا إِلهيًّا، ولم يكن هذا كلُّه إلاَّ متضاربًا مع فِكرةِ كونِه مجرَّد متعصِّبٍ مخادع، وتغطيةً على عَدمِ قُدرتهِ على الإتيانِ بالمعجزات -التي هي الشاهدُ الكبيرُ الدالُّ على الرسولِ المبعوثِ من الله-، وكان لابد أن يكونَ هذا كافيًا لإبعادِ الرغبةِ في الخداعِ عن عقلِه ونفسِه.
ويُقال ما هو أكثرُ من هذا، فإن ظروفًا كثيرةً قد تكونُ زامَنَت جهودَه، فساعدت على ترسيخِ هذا الادِّعاءِ الكبير".
° ويقول في (ص ٤٩ - ٥٠): "وبرغم كلِّ شيءِ، فليس من المستبعَدِ
стр. 1486
أن الحكمةَ اللانهائية (المقصود إرادةُ الله سبحانه) قد قَضَت بهذا، أي بضرورةِ أن تَجثُمَ هذه الظُلْمةُ غيرُ المفهومة على دوافع الدَّعي (المقصود محمد ﷺ ) كي يتحقَّق هذا التدبيرُ الخاصُّ في ظهورِ هذا الضلالِ الكبير ورسوخِ قمَّةٍ في عالمَنا.
ففي غيابِ أسبابٍ بشريةٍ كافيةٍ لتفسيرِ هذه الظاهرة، لا بد أن نعترفَ بأن الله أراد هذا، أو بتعبيرٍ آخَرَ لا بد أن نعترفَ بأن الله تدخَّلَ ليَتمَّ هذا الأمرُ (انتشار الإسلام)، فالعقلُ والوحيُ -كلاهما- يُعلِّمانِنا أن نعترفَ بيَدِ الله سبحانه تُحرِّكُ الأحداثَ لعِقابِ المذنِبين، بصرفِ النظرِ عن القائمين على هذه الأحداث الذين لم يتحرَّكوا إلاَّ بأمرِ الله، والذين كانوا بمثابةِ يدِهِ الفاعِلة، وبصرفِ النظرِ عن الدوافعِ التي حرَّكتهم.
يقول الربُّ: "أهناك شرٌّ في المدينة وأكونُ أنا لستُ فاعلَه؟! " والشرُّ في هذه الآية (العبارة) يعني المعاناةَ وليس الخطيئة.
لا يمكنُنا أن نشكَّ في حقيقةِ أن ظهورَ الدينِ المحمديِّ (الإسلام) نَتَجَ عنه بلاءٌ بكنائسِ الشرقِ المرتدَّة (عن الدين المسيحي الصحيح)، لقد كان سَوطًا مرعبًا هَوَى عليها، بل وهَوَى على أجزاءٍ أخرى من المملكةِ المسيحية (المقصود العالم المسيحي)، فإذا لم نستبعدْ إرادةَ اللهِ وتدخله -على وِفقِ إرادته في شؤون خَلقِه-، لم يُجانِبْنا الصواب، فالبشرُ وُكلاءُ عنه سبحانه وَكالة معنويةً في تحقيقِ إرادته في تأديبِ العصاة (المقصود بالعصاة هنا الكنائس الشرقية على نحوٍ خاص كما يفيد السياق).
إن حياة محمدٍ وأفعالَه ودعوتَه إلى دينِ القرآن ليست سوى حَلْقةٍ في سلسلةِ الثورات السياسية، إلاَّ أنها في حَجمها وأهميَّتِها لا تَقِلُّ عن الثورات
стр. 1487
العظمى التي شهِدها التاريخ، فالثوراتُ يَظهرُ فيها بوضوح العقوقُ وعدمُ التقوى، لدرجةِ أنها تَستبعدُ كلَّ فكرةٍ عن قضاءِ الله وقَدَرِه، أو بتعبير آخَرَ تستبعدُ ما قَضى اللهُ به.
وعلى هذا، فإننا إذا اعترفنا بتدخُّل إلهيٍّ خاصٍّ في هذا النجاحِ المدهشِ الذي حقَّقته جيوشُ المسلمين (العرب أو السرسريَّة) بعد موتِ محمدٍ، فلابد أن نعترفَ أيضًا أن هذا النجاحَ يَرجعُ إلى أن هذا الدينَ هو الذي وَحَّد العربَ وجَعَلهم تحتَ قيادةِ "رأسٍ" واحدةٍ أو "زعيمٍ" واحد، وأن هذا الدينَ هو الذي ألهمهم مِثلَ هذه السلسلةِ من الفتوحاتِ السريعةِ الباهرة.
لقد راح النبيُّ الدَّعيُّ يُنضجُ خُطَطَه، ويتدبَّرُها لفترةٍ طويلةٍ قبلَ أن يَضَعَها موضعَ التنفيذ بالتدريج وبحذرٍ شديد".
* ويقول في (ص ٥٢): "وفي القرآن ما يُفيدُ أن النبيَّ محمدًا ودينَه الزائفَ يَجِدُهما أهلُ الكتاب عندهم -في كتبهم المقدَّسة في العهد القديم-: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١) وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧)﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٧].
° ويقول في (ص ٥٤): "بعد أن نَجَح محمدٌ في إقناع زوجِه خديجة، واصَلَ حياةَ العُزلةِ والتقشُّفِ ليكتسبَ شهرةً في مجالِ التقوى والورع، وقبل ذلك ضمَّ خادِمَه زيدًا بنَ حارثة إلى قائمةِ المهتدين، وكافأه
стр. 1488
على ذلك بأن أعتقه، وأصبحَ من القواعِدِ المقرَّرةِ بعد ذلك أن يُصبحَ العبدُ إذا ما اعتَنق الإسلام حرًّا.
وكان عليُّ بنُ أبي طالب -ابنُ عمِّ الرسول- هو ثالثُ من أسلم، لكنه اعتَبر نفسَه أولَ المسلمين؛ لأن هذا الشابَّ المندفعَ اعتَبر مَن سَبَقاه إلى الإسلام (خديجة وزيد بن حارثة) قَلِيلِي الشأن (١)، وكان رابعُ مَن تحوَّل للإسلام -وهو الأكثر أهميةً- هو أبو بكر- وهو رجلٌ قويٌّ من أهل مكة-، دخل في الإسلامِ على يديه عددٌ من ذَوي المكانةِ والنفوذِ، ونعني بهم: عثمانَ والزبيرَ وسعدًا وعبدَ الرحمن وأبا عُبيدة، الذين أصبحوا فيما بعدُ القادةَ الرئيسيين في جيوشِه والأدواتِ الأساسيةَ التي استخدمها في ترسيخ ادِّعائِه (المقصود دينه) وإمبراطوريتِه (المقصود دولته).
لقد مضى أربعُ سنواتٍ قضاها في جَهدٍ جَهيدٍ ليضُمَّ إلى دينه هؤلاء التِّسعة، وكان بعضهم من رجالِ مكة المهمِّين، هؤلاء هم كلُّ المؤمنين به قبلَ أن يَجهَرَ بدعوته، لقد بَلَغ من العُمرِ الآنَ أربعةً وأربعين عامًا.
ويلاحَظُ أن هناك تزامنًا غريبًا يدعو للدهشة بين فترةِ اعتكافِ محمدٍ في "غار حراء" لتدبيرِ أمرِ نَشرِ دينه الدَّعيِّ (المفبرَك)، وفترةِ ادِّعاءِ "بونيفاس" بابا روما بمساندةٍ من الطاغية "فوكاس" لقبَ "الباب العالمي" أو "الراعي الكنسي لكلِّ أمورِ العالم"، أو بعبارةِ أخرى "اليونيفيرسال بوستر" زاعمًا إشرافَه الروحيَّ على كنيسةِ المسيح، وظَلَّ أخلافُه يدَّعُون هذا لأنفسهم.
стр. 1489
يقول بريدو: "ومنذ ذلك الوقت عَمِل الاثنان (باب روما ومحمد) على أن يكوِّنَ كلٌّ منهما لنفسِه إمبراطوريةً من الادعاء، وعَمِل أتباعُهما منذ ذاك الوقت، متَّخِذين الوسائلَ نفسَها المتمثِّلةَ في النار والسيف، لنَشرِ دعوتِهم بين البشر، حتى بَدَتِ الحركةُ المعاديةُ للمسيح في ذاك الوقت تَطَأُ بقَدَمِها على العالَم المسيحيَّ في وقتٍ واحدٍ أحدَ فَرْعَي الحركةِ في الشرق، والفرع الآخر في الغرب .. لقد داسا كنيسةَ المسيح، فعانت منهما كثيرًا في العصور التالية".
إنَّ اتفاقَ التواريخ (تاريخ اعتكاف محمدٍ في غار حراء، وتاريخ دعوة بابا روما -بونيفاس- إشرافه العالمي على كنيسة المسيح) أمرٌ يستحقُّ الالتفات، فكِلَا الحدثين جَرَيَا في السنواتِ الستِّ أو الثمانِ الأولى من القرن السابع للميلاد، لكننا لا نملكُ بُرهانًا يُقنِعُنا باعتبارِ محمدٍ يستحقُّ أن نُطلقَ عليه لقب: عدو المسيح، أو المناهض له .. ".
° ويقول (ص ٥٨ - ٥٩) عن عقيدةِ التوحيد وعن سورة "الإخلاص": "وهي تتكوَّنُ من جُملةٍ واحدة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وتتردُّد هذه العقيدةُ تِباعًا في سور القرآن وآياته، والمؤلفُ (يقصد واضع القرآن) لا يَهدِفُ بهذا التكرارِ مجردَ خطأِ تعدُّدِ الآلهة والوثنية اللتين كانتا شائقين آنَئذٍ بين أُممِ الشرق، وإنما هو يُوجِّهُ أيضًا ضربةً قاضيةً للعقيدةِ المسيحيةِ القائلةِ بأن المسيحَ هو ابنُ الله "الابن الوحيد لله".
إنَّ محمدًا مَثَلُه في ذلك مَثَلُ آخَرِينَ في عصورٍ أخرى، لم يستطعْ أن
стр. 1490
يَتصوَّرَ عقيدةَ المسيحيين في نسبةِ المسيح إلى الله، أو بتعبير آخَرَ لم يستطعْ أن يَفهمَ بنوَّةَ المسيح لله أو تحدُّرَه منه، مع أن هذه الفكرةَ لا تؤثِّرُ بشكلٍ مباشرٍ في حقيقةٍ أن اللهَ ﷻ واحدٌ، أو بتعبيرٍ آخَرَ: مع أن هذه الفكرةَ لا تؤثِّرُ مباشرةً، وفيما يرى محمدٌ أن أكبرَ السخافاتِ هو التأكيدُ على أن المسيحَ هو ابنُ الله، أو أنه مُساوٍ للآب (الله) في النِّديَّةِ والأزليَّة، وعلى هذا فإعلاناتُ العهدِ الجديد (الأناجيل وملاحقها) فيما يتعلقُ بشخصِ المسيح وطبيعتِه، هاجَمَها واضعُ القرآنِ بلا هوادةٍ؛ لأنه لم يكن لديه الصِّدقُ والموضوعيةُ أو القُدرةُ على فَهم الفَرقِ بين عقيدةِ الثالوث الأقدس (كون الآب والابن والروح القدس إلهًا واحدًا) وعقيدةِ التثليث التي تعني وجودَ ثلاثةِ آلهةٍ منفصِلين (أي الفرق بين عقيدة الترينيتي وعقيدة التريثزم).
* وقال في (ص ٦١): لقد قَدَّم محمد -لفترةٍ- حقيقةَ أن كتابَيِ العهدِ القديم (التوراة وملاحقها) والعهد الجديد (الأناجيل وملاحقها) كانت في الأصل وحيًا من الله، إلاَّ أنها حُرِّفت -ويا للخجل- بعد ذلك، وأن النُّسَخَ الموجودةَ الآنَ غيرُ جديرةٍ بالتصديق أبدًا، وبالتالي فهو قلَّما يَقتبسُ منهما في القرآن".
° ويقول في (ص ٦٢ - ٦٣) عن نزولِ القرآن مُنَجَّمًا: "وكانت هذه الطريقةُ التدريجيةُ في نزولِ الوحي، بالتأكيد، ضربةً شديدة، فنحن نقرأ في القرآن، سورة (الفرقان): ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢].
فلو أنَّ القرآنَ ظَهَر جُملةً واحدةً لأدَّى التمعُّنُ في محتوياته ومقارنةِ سوره وآياتِه بعضِها ببعضِها الآخَر إلى اكتشافِ عدم اتِّساقِه، ولربَّما صَعُب
стр. 1491
عليه (أي على محمد ﷺ ) أن يَجِدَ إجابةً لِمَا يواجهُه من أسئلةٍ بهذا الشأنِ، ولاستحال عليه أن يكون مقنعًا.
لكن بتظاهُره أنه يتلقَّى الوحيَ مفرَّقًا (كلُّ جزءٍ منفصلٌ عن الآخَر) في أزمنةٍ مختلِفةٍ على وِفقِ ما تُمليه الضرورةُ أو على وِفقِ ما يَطلبُ أتباعُه، فإنه بذلك يكونُ قد أوجَدَ لنفسِه طريقًا لإسكاتِ كلِّ الاعتراضاتِ، ولتخليصِ نفسِه مِن كلِّ الصِّعاب، فلا شيءَ يَمنعُ تعديلَ ما نَزل من وحيِ اليوم -أو حتى نسخه (إبطاله) - غدًا.
وبهذا الطريق مضى ثلاثٌ وعشرون سنةً قبل أن تكتملَ سلسلةُ الوحي، رَغمَ أن النبيَّ أَخبَرَ صاحبتَ أنه تعزَّى برؤيةِ القرآن كاملاً مجلَّدًا بالحريرِ ومُحلًّى بذهبِ الجنةِ وجواهرها، مرَّةً كلَّ عام، إلاَّ أنه رآه مرَّتين (المقصود في الرؤيا) في آخِرِ عامٍ من حياته.
وقد كان جزءٌ من هذا الوحي الزائف في مكة، أما الباقي ففي المدينة المنوَّرة.
ويقال: إن الطريقةَ الخاصةَ بتدوين الوحي كانت كالتالي: عندما تنزلُ سورةٌ على النبيِّ، يَشْرَعُ في إذاعتِها لصالح العالم، فيُمليها أولاً على سكرتيره (المقصود كاتب الوحي)، وبعدها يُسلِّمُ الورقةَ المكتوبةَ لأصحابه، ليقرؤوا ما فيها ويُكرِّروه، حتى يرسَخَ تمامًا في ذاكرتهم، ومِن ثَمَّ يُعيدون الورقةَ للنبيِّ الذي يَحفظُها بعنايةٍ في صندوقٍ (خزانة) يُسمِّيها "خزانة الوحى" .. ".
* ويقول في (ص ٧٥ - ٧٦): "إن علاماتِ الادعاءِ أصبحتِ الآنَ أكثَرَ
стр. 1492
وضوحًا في صفحاتِ وحيهِ على شكلٍ مُتوالٍ، ففي هذه الصفحاتِ حَدَّد أهدافًا خاصةً ذاتَ طابعٍ شرير، ولم يكتفِ بمجردِ الدعوةِ علنًا في الاجتماعاتِ العامةِ، بل راح يدعو لدينِه في تلك الأفكارِ الرئيسية التي تتضمَّنُها تحذيراتُه، وهو يُحذَّرُ الناسَ من مَخاطِرِ الكفرِ، ويَحُثُّهم بلغتِه البليغةِ الفصيحةِ على تجنُّبِ اللعنة بالإيمانِ به رسولاً من الله، وبالإضافةِ هذه البواعثِ القويةِ التي تَجعلُ المَرءَ يتحسَّبُ لِمَا سيواجهُه في الآخرة، فقد أسرف أيضًا في التهديدِ بعقوباتٍ مُرعبةٍ في هذه الحياةِ الدنيا إذا لم يُصغُوا لِمَا يقول.
* ولتحقيقِ هذا الغرضِ بَسَط أمامَهم المصائبَ التي حَلَّت بأممٍ قَبْلَهم رفضوا طاعةَ الأنبياء الذين أُرسلوا إليهم: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾ [الأنعام: ١٠ - ١١].
° وفي السورة نفسها نقرأ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٢ - ٤٥].
لقد اقتبس حالاتِ أهل العالَمِ الذين لم يَسمعوا المواعظِ نُوح .. ".
° في (ص ٨٠ - ٨١) يدَّعي هذا الكذَّابُ أنَّ الإسلامَ انتشر بحدِّ
стр. 1493
السيف: "وفي الفترةِ اللاحقة -عندما كان في المدينة على رأس جيشٍ- كان لديه طريقٌ مختصرٌ آخرُ لَحِلِّ كلِّ المشاكلِ الناجمةِ عن هذا المصدر (عدم الإتيان بالمعجزات)، ذلك أن عقيدتَه ساعَتَها كانت هي أن اللهَ سبحانه أرسل موسى وعيسى مزوِّدًا إيَّاهما بقوةِ صُنع المعجزات، ومع هذا فإن الناسَ لم يؤمنوا، لذا فإن اللهَ أرسله (أي محمدًا ﷺ ) بوصفه نبيًّا من نوعٍ آخَرَ، نبيٍّ مكلَّفِ بفَرضِ العقيدة الصحيحة بقوةِ السيف، وبالتالي فقد أصبح السيفُ هو الأداةُ الحقيقةُ لفرضِ رسالته، ولقد لاحظ المورِّخ -عن حقّ- أن "محمدًا حاملاً سيفًا في إحدى يديه، والقرآن في اليد الأخرى أقام عَرشَه على أطلالِ المسيحية وأطلالِ روما" (١).
لكنَّ بعضَ أتباع النبيِّ الأكثرِ سذاجةً عَزَوْا إليه عِدَّةَ معجزاتٍ -كشَقِّ القمر، وتقدُّم الأشجارِ لِلُقياهُ، ونَبعِ الماءِ من بينِ أصابعِه، وتحيَّةِ الأحجارِ له، وحَنينِ الجِذع إليه، وشكوى الجَمَل له، وإخبارِ كَتِفِ الضأنِ له أنه مسمومٌ، وغير ذلك-، لكن محمدًا نفسَه لم يؤكِّد هذه المعجزات، كما أن الكُتَّابَ المسلمين الموثوقَ بهم لم يُوردوها.
* والمعجزةُ الوحيدةُ التي أكَّدها هو نفسُه وأكَّدها أنصارُه الأذكياءُ هو القرآن الكريم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ [البقرة: ٢٣].
° وفي الفصل السابع يدَّعي "جورج بوش" أن النبي ﷺ تظاهَرَ بقيامه
стр. 1494
برحلةٍ ليليةٍ إلى السماء السابعة (المقصود: المعراج) ودوافعُه لاختلاقِ هذه القصةِ المبالغ فيها -حَسْبَما قال الكذَّاب "جورج بوش"-، إذ يقول في (ص ٨٩): "آثَرَ اللهُ محمدًا في السَّنةِ الثانيةَ عَشْرةَ لبعثتِه المزيَّفة برحلةٍ ليلةٍ -فيما يقول هو- من مكةَ (المكرمة) إلى القُدس، ومِن القُدس إلى السماءِ السابعة بصُحبة جبريل، ونجدُ إشارةً لهذا في مَطْلَعِ سورة "الإسراء" من القرآن الكريم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] الآية الأولى من سورة الإسراء، بالإضافة إلى هذه الحكايةِ التافهةِ المبالَغ فيها التي لم تَردْ في القرآن، وإنما تَنقُلُها الرواياتُ (يقصد المعراجِ)، ربما ابتَدَعها المُدَّعي كي يُحقِّقَ لنفسِه شُهرةً بوصفه قدِّيسًا، وربما ليرفع نفسَه فوقَ مَقامِ موسى كليم الله فوقَ الجَبَلِ المقدس .. وعلى أيَّةِ حالٍ، فإن المسلمين يؤمنون بقصةِ عُروج النبيِّ إلى السماء إيمانًا يقينيًّا".
° ويقول أيضًا عن "رحلة الإسراء والمعراج" (ص ٩١ - ٩٢): " .. لندخلْ في حقيقةِ هذه القصةِ الصِّبيانيةِ، نشعرُ على الفور أن خيالَ النبيِّ يُعاني من خَلَلٍ .. والسُّخْفُ البائسُ الذي يَظهرُ في التلفيقِ الذي قدَّمه لنا النبيُّ".
° ويقول (ص ٩٦ - ٩٨): "تلك هي التصوُّراتُ أو الخيالاتُ الصبيانيةُ للنبي، تلك هي القصةُ المَلحميَّةُ الغَبيَّةُ التي خَدَع بها السُّذَّجَ من أتباعه بما فيها من وصفٍ حيٍّ، وعلى أيَّةِ حالٍ، فإن هذه القصةَ بما فيها من سُخفٍ أدَّت إلى تخلِّي عددٍ من أتباعه عنه، وبدا أنَّ دعوتَه قد اقتَربت من نهايتها، وأخيرًا جاء دَورُ أبي بكرٍ ذي النفوذِ الأكبرِ بين صحابةِ النبيِّ، إذ صَدَّق ما
стр. 1495
قاله النبيُّ مُلقِيًا الملامةَ على مَن لم يُصدِّقوه، وبذا خَلَّص زعيمَه (يقصد النبي ﷺ ) من هذه الورطةِ التَّعِسة، لقد أعلَنَ بجسارةٍ تصديقَه للنبيِّ قائلاً: "إنه إن كان قد قال ذلك فقد صَدَق".
إن هذا الحَدَثَ الملائمَ لم يُجدِّدْ -فحسب- الإيمانَ بالنبيِّ، وإنما زادَه لدرجةٍ جَعَلَتْه متأكِّدًا من قُدرتِه على وَضعِ أيِّ حكايةٍ يريدُ أن يُصدِّقَها أتباعُه سريعي التصديق، وهكذا وجدنا أن هذه الحكايةَ الرديئةَ عديمةَ المعنى -التي هَدَّدت في البداية بدفنِ كلِّ ادعاءاته في مهدها- قد عَمِلت في الحقيقةِ على زيادةِ نجاحاتِه لمواكبتها لبعضِ الظروف، وهكذا حَمَل أبو بكر لقبَ التشريف والكرامة، ألا وهو "الصدِّيق".
ونَعلمُ مِن "سيل" الإنجليزي الذي شَرَح القرآن أنه لَا يزالُ هناك خلافٌ -على نحوٍ ما- بين العلماءِ المسلمين حولَ ما إذا كان العروجُ بالنبيِّ إلى السماوات كان بالجسدِ أم بالروح (أي أنه رؤيا منامية)، فبعضُهم يَرى أنه مجردُ رؤيا أو حُلمٍ، معتمِّدِين على روايةِ معاوية (بن أبي سفيان)، ويرى آخرون أنه أُسرِي به ببدنه إلى القدس، أما العروجُ للسماء فكان بالروح.
لكنَّ الرأيَ السائدَ أن الإسراءَ والمعراج كانا بالجسد، ويَرُدُّ القائلون بهذا على المعترِضين بأن الله على كلِّ شيءٍ قدير، وليس من المُحتَمَل أن يكون هدفُ محمدٍ مجردَ إدهاشِ أتباعه، فالمراقِبُ اليَقِظُ لخصائصِ الإسلام المميِّزةِ له لن يَفشَلَ في اكتشافِ ما لا يُحصى من أوجُهِ الشبه بين هذا النظام (الإسلامي) والدينِ اليهوديِّ الذي أَوحى به الله، ويبدو أن المدَّعي (يقصد المصطفى ﵊ يَقصِدُ التشُّبهَ بموسى ﷺ على قَدْرِ ما يُمكنُه، وَيقصِدُ أن يُدخِلَ في دينِه أكبرَ قَدْرٍ من التفاصيل الموجودةِ في
стр. 1496
اليهوديةِ دون أن يُدمِّرَ البساطةَ التي اتَّسم بها دينُه".
° وقال في (ص ١٠٠): "إنَّ المدَّعي كان توَّاقًا جِدًّا لأن يُؤمنَ الناسُ إيمانًا راسخًا بعجائبه التي يَرويها".
° وقال (ص ١١٢): " ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ … ﴾ [التوبة: ١١١].
هذه الروحُ الدمويةُ العُدوانيةُ غيرُ المتسامحةِ سنجدُها تُميِّزُ معظمَ سُوَرِ القرآن التي نَزلت في المدينة، إذ يمكنُ في أحيانٍ كثيرةٍ أن نحكمَ -من خلالِ الروحِ السائدةِ في السورة والمزاج العامِّ فيها- ما إذا كانت قد نَزلت في المدينةِ أم في مكة دونَ الخوضِ في تاريخ نزولها".
° ويقول في "الفصل العاشر" (ص ١٢٠): "لقد كان تغييرُ القِبلةِ -حقيقةً- مَصْدَرَ إزعاجٍ لكثيرين من أتباعِه، إذ كان يعني بالنسبة لهم تقلُّبًا في عقائدِ النبيِّ، فتخلَّوا عنه، لكنَّ تناميَ كراهيتِه لليهود جَعَله يؤكِّدُ هذا التغييرَ في اتجاهِ القبلةِ من القُدس إلى الكعبة".
° ويقول في "الفصل الحادي عشر" (١٢٦) عن سَيرِ النبي ﷺ إلى غزوة "أُحد": "إنه قرَّر في البداية أن ينتظرَهم حتى يَصِلُوا إلى المدينة المنوَّرة وَيصُدَّ هجومَهم داخلَها، ولكنَّ حماسَ رجالِه الذي أشْعَلَه نصرُهم السابقُ في "بدر" لم يكن له حدودٌ، وطالبوا بالخروج لمواجهةِ الأعداء، فوافقهم النبيُّ، ولم يكن حكيمًا في هذا، بل لقد وَعَدهم بالنصر الأكيدِ دون حَذَرٍ مندفعًا برُوحِ الثقة التي تلبَّسَتْه، لقد كانت القُوى النبويَّةُ للرسولِ محمدٍ على
стр. 1497
مَحَكِّ أحداثِ هذا اليوم، لقد كان محمدٌ متمتعًا بدرجةٍ كبيرةٍ بمواهبِ الجنرال (القائد العسكري) ".
° يَكذِبُ على النبيِّ ﷺ وأنه وَعَد أصحابَه بالنصر قبلَ "أُحُد"، ثم يكذبُ على الصحابة وعلى التاريخ فيما يقولُه عن أحداثِ ما بعد المعركة (ص ١٢): "لقد راح أتباعُه يُهمهِمون حولَ النتيجةِ المشؤومةِ للمعركة، وحولَ ما إذا كان النبيُّ قد خَدَعهم، وأن إرادةَ اللهِ لم تَنكشفْ له (لم تُوحَ إليه)، فقد تنبَّأ تنبُّؤَ الواثِقِ بالنصرِ، بينما النتيجةُ كانت هي الهزيمة".
° ثم قال (ص ١٢٩ - ١٣٠): "ولكي يُخمِدَ محمدٌ هَمهمةَ هؤلاء الذين اجتاحهم الحزنُ لفَقدِ رِفاقهم وأقارِبهم، ذَكَر لهم أن لكلِّ أجلٍ كتابًا، وأن الذين قُتلوا في المعركة ما كانوا لِينجُوا من الموتِ المقدَّر عليهم لو أنهم مَكَثوا في بيوتهم، وهم الآن قد ماتُوا شهداءُ، وتلك مِيزَةٌ عظيمة لأنهم سُينعَّمون بدخول الفردوس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)﴾ [آل عمران: ١٥٦ - ١٥٧].
بهذه المرواغةِ تَملَّص من الوعد الذي سَبَق أنْ وَعَد به أصحابَه بالنصر، وغَطَّى على خِزيِ هزيمتِه".
° وفي الفصل الثاني عشر (ص ١٣٥) يقول: "لقد أدَّى عنادُ اليهود إلى تحوُّلِ اتجاهِ محمدٍ إلى كراهيةٍ شديدة، وظَلَّ إلى آخِرِ لحظةٍ في حياته
стр. 1498
يَحُثُّ على اضطهادِ هؤلاءِ البائسين اضطهادًا لم يَضطهِدْه المسلمون لأيِّ شَعبِ آخَر".
° ويقول في (ص ١٣٦): "إنَّ القلبَ يأسَى أن يجد النبيَّ رسولَ الله يَنتقلُ من مَشهدٍ دمويٍّ إلى مشهدِ دمويٍّ آخر، ومن مذبحةٍ إلى أخرى، جاعلاً دعاوى الدين عَباءةَ يُغطِّي بها طموحاتِه التي لا حدَّ لها ومباهجَه الحسِّيَّة التافهة .. إن المرءَ المتأمِّلَ هنا يُدرِكُ المعنى العميقَ لطهارةِ دينِ يسوع المسيح وجنوحِه للمسالمة، فهذا المعنى يزدادُ تألقًا إذا ما قارناه ببريقِ الانتصارات (الحربية) التي حقَّقها النبيُّ المغازي، تلك الانتصاراتُ التي تَفتقدُ الهدفَ الديني.
إن الشخصَ الذي يَشعُرُ بقوةِ المبادئِ المسيحيةِ لن يرتاحَ -أو يَعْجَبَ- بهذه المعاركِ الضاريةِ التي انتصر فيها مؤسِّسُ الإسلام وأمثالُه من الغزاة بحصارِهم الناجحِ، ولا بالمُدن التي نَهَبوها أو أخضعوها، وإن فاق المسلمون غيرَهم في هذا".
° ويقول في (ص ١٤٠) ساخِرًا مستهزئًا عن سَمِّ اليهودية للنبي ﷺ : "وإنْ كان لنا أن نؤيِّدَ الذين يتحدَّثون عن معجزاتِ محمدٍ، فإنَّ الكَتِفَ أخبَرَتْه أنها مسمومة، ولا شكَّ أن هذه المعلومةَ وَصَلَتْه متأخِّرًا، لقد راحت بذورُ المَوت تنخَرُ فيه منذ هذا الوقت".
° وقال في "الفصل الثالث عشر" (ص ١٤٣) عن إسلامِ أبي سفيان والعباسِ قبلَ "فتح مكة": "في هذه الظروفِ لم يكن أمامَ أبي سفيان -العدوِّ اللدودِ لمحمدٍ ودينه- والعباسِ- عمِّ النبي- إلاَّ أن يُسلِّموا مفاتيحَ مكةَ للفاتح، وكان هذا موقفًا مَهينًا لأهل مكة، ولم يتوقفِ الأمرُ عند هذا الحدِّ، بل إنهما
стр. 1499
اعتَرفا بالدعاوى النبويةِ لسيدهما الجديد، وأقرَّا أنه رسول الله ويمكننا أن نفترضَ هنا أن إسلامَهما كان بالإكراه تحت وطأةِ سيفِ عمر (بن الخطاب) المرفوع -وكان عمرُ شديدَ الوطأة-، لقد أسلما إذن إنقاذًا لحياتهما، ورغمَ أن محمدًا كان فاتحًا (غازيًا) ودَعِيًّا، إلاَّ أنه -في المعتاد- لم يكن قاسيًا، لقد كان غضبُه موجَّهًا ضدَّ صالحِ بلدِه (مكة) أكثَرَ منه ضدَّ أهلها".
° وفي "الفصل الخامس عشر" (ص ١٥٦) يقول: "وهكذا انتهت مهمةُ محمدٍ على ظَهرِ الأرض، هكذا انتهت مهمةُ واحدٍ من أبرزِ الرجال وأكثرِهم جدارةً بالالتفاتِ على الإطلاق، هكذا انتَهت المهمةُ الدنيويةُ لأكثرِ المدَّعين نجاحًا وتصميمًا، لقد استطاع بطموحِه الواسع أن يُوجِّهَ المواهبَ الوطنيةَ، فتطوَّرت بداياتُه المتواضعةُ إلى ذُروةِ القوة بين العرب، وكان قد بدأ قبلَ أن يموتَ ثورةً من أعظم الثوْرات التي عَرَفها تاريخُ البشرية، لقد وَضَع أساسَ إمبراطوريةِ استطاعت في ظرفِ ثمانين سنةً فقط أن تَبسُطَ سلطانَها على ممالكَ وبلادٍ أكثَرَ وأوسعَ مما استطاعته روما في ثمانِمئة سَنة.
وَتزدادُ دهشتُنا أكثَرَ وأكثَرَ إذا تركنا نجاحَه السياسيَّ، وتحدَّثْنا عن صعودِ دينِه، وانتشارِه السريع، واستمراره، ورسوخه الدائم، والحقيقةُ أن ما حقَّقه نبيُّ الإسلام والإسلامُ لا يمكنُ تفسيره إلاَّ بأن اللهَ كان يَخُصُّهما برعايةٍ خاصة، فالنجاحُ الذي حقَّقه محمدٌ لا يتناسبُ مع إمكاناته، ولا يمكنُ تفسيرُه بحساباتٍ بشريةٍ معقولة".
° ويقول في (ص ١٥٨ - ١٥٩): "ويَمتدحُ الكُتَّابُ المسلمون شخصيةَ
стр. 1500
نبيِّهم بغير حدود، بل إنَّ مِن بينِهم مَن ابتَدعوا حكاياتٍ توصَفُ بالغباء، مؤدَّاها أن مَلَكانِ (بفتح الميم والسلام) أخذاه وهو في طفولته، وشقَّا بَدَنَه بسكينٍ، واستَخرجا قَلْبَه، وضَغَطَا عليه، وعَصَراه حتى استخرجا منه الفسادَ الأصلي (أو المتأصِّلَ في الإنسان)، فتساقَطَ على هيئةِ قِطراتٍ سوداءَ نَتِنَةٍ، ثم أعادوا قلبَه إلى موضعِه طاهرًا نقيًّا، أمَّا الجُرحُ الناتجُ عن شَقِّ الصدر (النص: البدن) فقد التَأَمَ بشكلٍ إعجازيٍّ، لذا فإنَّ أخلاقَه ظَلَّت فوقَ مستوى الجِنسِ البشريِّ، لكننا نجدُ هنا أن تاريخَ حياتِه وصفحاتِ القرآنِ تُمكنِّنُا من النظر إلى هذه الأمورِ التي نَسبوها إليه مِن خلال إنجازاتِه الشخصية، مما يجعلُنا نتشكَّكُ فيها ولابد، لقد مَجَّده أتباعُه لتقواه وصدقِه وعدالتِه وتواضعِه وصِدقِه وإنكارِه لذاته، إنهم لا يُساوِرُهم أدنى شكَّ في أنه نموذجٌ كاملٌ للإيمان والصدق، إنهم يتحدَّثون عن إحسانِه، ويُركِّزون عليه بشكلٍ خاص، فهم يقولون: إنه كان محسِنًا بشكلٍ واضحٍ لا يمكنُ إغفالُه، فقلَّما كان يَحتفظُ في بيته بمالٍ أكثَرَ مما يكفي لإعاشةِ أسرته، بل إنه كان يُؤثِرُ على نفسِه، فيُقدِّمُ للفقراءِ ما يَحتاجُ هو إليه، ربما كان الأمرُ كذلك، لكن عندما نكوِّنُ رأيًا حولَ هذه الصفات الخُلُقية التي تحلَّى بها لا يمكنُ أن نَنسى أنه كانت له غاياتٌ خاصةٌ يريدُ تحقيقَها، لذا فمن المُحالِ أن نَفصِلَ بين دوافعِه لعمل الخيراتِ الصادرةِ عن قلبٍ نبيل، ودوافعِه لعملِ الخيراتِ لتحقيقِ مصالحَ سياسية، ليس مِن غيرِ المعتادِ أن يُصاحِبَ الرغبةَ الشديدةَ في الحكم عواطفُ أو رغباتٌ أخرى أحيانًا ما تكون متناقضةً تناقضًا شديدًا وغيرَ متَّسِقةٍ بأيةِ حالٍ من الأحوال، ومع هذا نجدُها متَّسقةً يَخضعُ بعضُها لبعضِها الآخر بحكم الضرورة، فالطموحُ -أحيانًا- يُسيطرُ على نَزعةِ
стр. 1501
حُبِّ المال أو الجشع، وحُبُّ المسرَّات لا يَحكمُ كليهما (الطموحُ والجشع) كما نلاحظُ في حالاتٍ كثيرة، فالإنسانُ قد يَهدِفُ لأن يكون عادلاً كريمًا، وأن يتصرفَ بوصفِه قِدِّيسًا عندما لا يكونُ لديه باعثٌ سِوى تقمُّصِ شخصيةِ نبيٍّ وسُلطانٍ مَلِكٍ، فإنْ كان محمدٌ حقيقةً قد تحلَّى بفضائلِ نبيٍّ، فلا شك أنه كان يضعُ عينيه على ما يَحُوزُه النبيُّ من مكافأةٍ أو جزاء، لكن لا ينبغي أن نقسوَ في حكمنا -دون مُبرِّرٍ- على صفاتِه الخُلقية، إننا نظنُّ أنه من غيرِ المُحتَمل ألاَّ تكونَ تصرُّفاتُه طيبةً وطبيعيةً ومتفتحةً ونبيلةً جذابةً وربما عظيمةً متسمةً بالشهامة وسَعَةِ الأفق، ونحن نظنُّ أن الكُتَّابَ المسيحيين ظلموا الرجل (يقصد محمدًا ﷺ ) نظرًا لمقتهم له، لكن طالمَا نحن نبغي الحقيقةَ التاريخيةَ فيما يتعلَّقُ بالإسلام ومؤسسِه، فإننا نجدُ أنه من الواضح أنه إذا كان يَمتلكُ في طبيعتِه صفاتٍ جديرةً بالثناء، فيجبُ أن يتوقفوا عند التعرُّفِ عليه في مِراحل تطورِ حياته، لأن صفاتِه السيئةَ تواكبُ نجاحاته، ومَيلُه لانتهاكِ القانون زاد كلَّما امتدَّ به العمرُ".
° وقال في (ص ١٦١): عن النبي ﷺ : "ربما كان مستواه (الحضاريُّ) عظيمًا بين القبائل البدوية، ولكنه ما كان ليكونَ أكثرَ من إنسانٍ عاديٍّ لو عاش في المحيط الأوربيِّ المتحضِّر .. كان منَ الممكنِ أن يَغرقَ مؤسِّسُ الإسلام وإمبراطوريتُه في بحرِ النسيان مع ملايينَ مجهولينَ من بني جِنسه كما تمتصُّ الرمالُ قطراتِ المطر في صحارى بلاده".
° وقال أيضًا في نفس الصفحة: "إن تاريخَ محمدٍ كلَّه يُظهِرُ أن التعصُّبَ والطموحَ والشهوةَ كانت هي الدوافعَ التي تحرِّكُه، كما كانت هي العواطفُ والانفعالاتُ المتأجِّجةُ في صدره، ويبدو أن التعصبَ قد راح
стр. 1502
يخبو تدريجيًّا بزيادةِ قوةِ العاطفتين الأخرَيَينِ (الطموح والشهوة)، ومع أنه كان متحمِّسًا بطبعه، إلاَّ أنه أصبح -بحكم الظروف السياسية- مُرائيًا، وكلَّما زادت مُيولُه ونزعاتُه انحرافًا، لم يتورَّعْ عن إشباعِها على حسابِ الحقِّ والعدلِ والصداقةِ والروح الإنساني، حقيقةً إنه يجبُ علينا عند تقويمِ سلوكه في جوانبه الأكثرِ بغضًا أن نضعَ في اعتبارنا جَهلَ مَن كان يعيشُ بينهم وإجحافَهم وجاهليتَهم وطبيعةَ شرائعهم، فالشعبُ الوثنيُّ البربريُّ لا يمكنُ حُكمُه على وفقِ المقاييسِ المسيحية أو القواعدِ المسيحيَّة".
° ويقول في (ص ١٦٢ - ١٦٦): "حقيقةً إننا يجبُ أن نفكِّرَ في أخلاقِ هؤلاء الناس (المقصود العرب والمسلمين) -مع استثناءاتٍ قليلة- بسُخطٍ عليهم وعلى أيِّ نبيٍّ دعِيٍّ، وفي الوقت نفسِه نعترفُ بأن هذا النبيَّ طهَّر شرائعَ قومِه الأخلاقية، مع أنه عَمِل على استمرارِ ممارسةِ أسوأِ ما كان لديهم من أفكار، هنا -في الحقيقة- نُوقعُ أثقلَ اللوم على محمدٍ، إنه لم يُراعِ القواعدَ الأخلاقيةَ التي قال بها هو نفسُه، والتي فَرَضها على الآخَرين بأوامرَ صارمةٍ مرعبة، ليس مِن عُذر نقدِّمه لمحمدٍ في هذا، لقد أساء استعمالَ حقوقِ النبوَّة التي ادَّعاها ليسترَ إسرافَه في حياته الشخصية، فتَحتَ سِتارِ الوحيِ أعفى نفسَه من شرائعَ أتى بها دينُه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ
стр. 1503
عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)﴾ [الأحزاب: ٥٠].
هذه المِيزةُ المبالَغُ فيها التي تمتَّعَ بها النبيُّ ربما تناقضت مع ما هو مسموحٌ لأتباعه أو ما هو مسموحٌ به لسائر المسلمين: ﴿ .. فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً .. ﴾ [النساء: ٣].
ويمنعُنا الحياءُ من الدخولِ في تفاصيلِ هذا الجانبِ من حياةِ محمدٍ وشخصيته (يقصد الجانب المتعلق بالزواج ومِلْكِ اليمين)، لكن القارئَ يستطيعُ مِن خلال ما ذكرناه آنفًا أن يُدركَ كيف استغلَّ النبي نبوَّته بوصفِها أداةً لإشباع الرغبات الحسية، ومِن الأمثلة الصارخةِ ما حَدَث مِن اتصالِه بالجاريةِ المصرية مارية (القبطية)، لقد وصل خَبَرُ هذا الحُبِّ المحظور (الاتصال بمِلْكِ اليمين) لِمَسْمَعِ إحدى زوجاته الشرعيات، بل لقد رأت بعينيها ما حدث (أي هذا الاتصال الجنسي)، فوَّبخته توبيخًا مريرًا، فوَعَدها مُقسِمًا -ليهدِّيها- ألاَّ يعودَ لهذا، لكن طبيعتَه غَلبت عليه بعد ذلك بوقتٍ غيرِ بعيد، فلجأ إلى الوحي ليغطيَ هذا الخِزيَ، فكان لا بد من نصٍّ قرآني يُحِلُّه من قَسَمِه الآنِفِ ذِكرُه، وتلك صفحة سوداء لوَّثت القرآنَ ومؤلِّفَه (يقصد محمدًا ﷺ ): ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [التحريم: ١ - ٢].
هنا نجدُ الأمرَ يتناقض مع ما يَفرضُه نبيُّ الحقِّ على أتباعه، فنحن نقرأ في القرآن ما فرضه عليهم في الآيات التالية: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا
стр. 1504
تَفْعَلُونَ (٩١) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ .. ﴾ [النحل: ٩١، ٩٢].
وفي السورة نفسها: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ٩٤].
هذه مجردُ أمثلةٍ من الطبيعة العامةِ القرآن، إن الجزءَ الأكبرَ منه -إلى حدٍّ كبير- قد صِيغ لتحقيقِ أغراضٍ خاصةٍ ليكونَ ذريعةً قلَّما تَفشلُ إذا تَعذَّرَت الذرائعُ الأخرى، فجبريلُ يَنزلُ بوحيٍ جديد -دائمًا- مطابقٍ للغرض (١) المطلوبِ تحقيقُه، إنْ شَرعَ النبيُّ في مشروعٍ جديد، وإن واجَهَ اعتراضاتٍ جديدةً، وإن كانت هناك صعوباتٌ يجبُ حَلُّها أو تجاوُزُها، وإنْ نَشَبَ نزاعٌ بين أتباعه .. لذا فإننا نجدُ -كنتيجةٍ حتميةِ لهذا- اختلافاتٍ وتناقضاتٍ في هذا الكتاب (يقصد القرآن الكريم) يصعبُ إنكارها، ومفسِّرو القرآن والمسلمون عامةً يعرفون هذه الحقيقةَ، لكنهم يُبرِّرون ذلك بقولهم: إذا ناقَضَ الوحيُ اللاحقُ الوحيَ السابقَ، فإن الوحيَ اللاحقَ نَسَخ -أو ألغى- الوحيَ السابقَ، وهناك أكثرُ من مئةِ وخمسين آيةً ينطبقُ عليها هذا (حكم الناسخ والمنسوِخ)، بل إنَّ الدَّعِيَّ نفسَه (يقصد محمدًا ﷺ ) يؤكِّدُ هذا، ففي القرآن: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ
стр. 1505
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ [البقرة: ١٠٦].
* ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١].
وإذا وُوجِهَ المسلمون المعاصرون بهذا -كما حدث أثناءَ نِقاش "هنري مارتين" معهم -أجابوا: هذا الاعتراضُ تافهٌ لا جدوى منه؛ لأن الله سبحانه يُراعي دائمًا ما هو لازمٌ لعبيده، ولا شك أن الآياتِ المنسوخةً نَزلت في وقتٍ اختَلفت أحوالُه عن أحوالِ لاحقةٍ كان لها مقتضياتٌ أخرى، فاللَّهُ واهبُ الشريعةٍ الإلهية لابدَّ أن ننظرَ إليه بوصفِه معالجًا رُوحيًّا لعبيده تمامًا، كما يصفُ الطبيبُ لمريضه المناسبَ لعلَّته".
إنَّ التلميذَ هنا (يقصد المسلم القائل بهذا) جديرٌ بأستاذه (المقصود نبيُّه محمد ﷺ ) لأنهما متَّفقان على أن مبادئَ الأخلاقِ الكبرى ليست خالدةً دائمةً غيرَ قابلةٍ للتغيير مرتبطةً بالعلاقةٍ الدائمةٍ بين الخالق وخَلْقه، وإنما هي مجردُ قواعدَ أو أحكامٍ اضطراريةٍ قابِلةٍ للتخفيف والتعديل أو حتى التغيير على وِفقِ ما تُملِيه الظروف، وبالنظرِ إلى هذه الوسيلةٍ الهزيلةٍ (التافهة) لإبطالِ أو لنسخِ بعضِ الواجبات التي فَرضها الله سبحانه، لاستخدامها -أي هذه الوسيلةٍ التافهةٍ أو الهزيلة- لصالحِ الضَّعفِ البشريِّ وتقلُّبِ الأهواء، فإن المرءَ يَدهَشُ أن يَعمَى أتباعُه (المسلمون) عن هذا التضليلِ والخداع، ليس هناك ما هو أقوى من هذه الحُجَّة، وليس هناك ما هو أسخفُ من هذا في أيِّ دِينٍ، ومع هذا فالمسلمون مؤمنون به، إنه دليلٌ على سذاجتهم وسُرعةِ تصديقِهم، إنه استخفافٌ بعقولهم".
стр. 1506
° ويقول جورج بوش المفتري عن دخول الناس في الإسلام أفواجًا (ص ١٩٤ - ١٩٥): "نودُّ الإشارةً إلى أن الآلافَ قَبِلوا الحياة "بسلامٍ" أو باطمئنانِ، وقَبِلوا "الدينَ الدَّعِيَّ" الذي أدخله الغُزاةُ أثناءَ تقدُّمِ جُيوشهم المنتصرة، هذا ما تعنيه الكلمات "وبالسلام (أو بالاطمئنان) حطَّم الكثيرين"، أي أنه أفسدهم بالشروط التي فَرضها عليهم لإتاحةٍ السلام (الاطمئنان) لهم، وهذه الشروطُ سيئةُ السمعةٍ تتمثَّلُ في: "الموت أو دفعِ الجزية أو الالتزام بالقرآنِ أو بعبارةٍ أخرى اعتناقِ الإسلام"، وإذا نجت الأمَمُ التابعةُ من حدِّ السيف، دمَّرتهم العقائدُ الخرافيةُ المشوَّهةُ التي اعتنقوها.
وتَمضي نبوءةُ دانيال قائلةً: "لكنه سوف يُدمَّرُ دونَ يدٍ تدمِّرُه" (أو على حد صياغة الترجمة العربية المأخوذ بها لهذا السفر: وبلا يد ينكسر)، وهذا يعني أنه سينكسر بغيرِ يدٍ بشريةٍ تَكسِرُه وبغيرِ سُلطةٍ بشريةٍ، إنه سَينكسر (سيُهزم) بطريقةٍ مختلفةٍ عن الطريقةٍ التي تنكسرُ (تنهزم) بها القُوى الأخرى، ستنتهي هذه الهيمنةُ الروحيَّةُ للإسلام عندما يَتصدَّع الحَجَرُ (دون أيدٍ تُصدِّعه) في مواجهةٍ التمثال (أو الصنم) فتتحول كلُّ قوى الطغيان (الاستبداد والحكم المطلق desptism) والضلالِ إلى هباء، وكثيرون من شارِحي نبوءةٍ دانيال مقتنعون أن الخداعَ المُحمَّديَّ (يقصد الإسلام) سيبدأ انكسارُه، دون يدٍ تكسِرُه في الوقت الذي تُدمَّر فيه البهيمة الرومانية المتمثِّلةُ في كنفدراليةٍ مناهضةٍ للمسيحية، وفي الحِقبةٍ التي تبدأُ فيها الألفيةُ (المقصود بالألفية الألف سنة التي يحكم فيها المسيحُ العالَمَ فيملأه خيرًا وعدلاً على وِفقِ الاعتقادِ المسيحي، وفكرةٍ عودةٍ المسيح تترددُ أيضًا في الفكرِ الإسلامي لكن بأبعادٍ أخرى)، في هذه الفترةٍ سيبدأ التبشيرُ بالإنجيل بنجاحٍ في العالَم
стр. 1507
كلِّه، وسينضمُّ كلُّ الأغيار (وهو تعبيرٌ يهوديٌّ يعني غيرَ اليهود، لكن بوش هنا يستخدُمه ليعني غيرَ المسيحيين) إلى حظيرةٍ الكنيسة المسيحية، خلالَ هذه الفترة سيتركُ المسلمون دينَهم ليدَخلوا في العقيدةٍ الحقَّة (المسيحية)، وعندما يتحولُ المسلمون جميعًا إلى المسيحية، ستنكسرُ -بلا شك- مملكةُ القَرنِ الصغيرِ الشرقية (دولة الإسلام على حد تفسيره للعبارات الرمزية لنبوءة دانيال)، مِن الواضح أن انكسارَها عندئذٍ يكونُ بلا يدٍ (بلا يد تنكسر) لأنها ساعتَها لا تكونُ قد انكسرت بحدِّ السيف على يدِ غازٍ من بني البشر، وإنما بتأييدٍ من الروح القُدُس الذي يُميل قلوبَ الناس ليعلنوا خطأهم وليؤمنوا بعقيدةٍ نبيِّ الله الحق.
وهكذا رأينا أن القرنَ الصغيرَ لهذا الخروف (التيس) الرمزيِّ يُشيرُ إلى نجاح ادِّعاءِ محمدٍ، وإن كان هذا النجاحُ عَرَضيًّا -أي سيزول، وقد تم المرادُ (أي وصل هذا النجاحُ لنهايته وحان وقت إزاحته)، وعلى هذا فنتيجةُ كلِّ هذا الاستقصاء يجبُ أن تكون هي أن القَرنَ الصغيرَ كما وصُف في "سِفرِ دانيال"، يَرمِزُ إلى مملكةٍ الإسلام (أو دولة الإسلام) ".
° ويقول في (ص ١٩٢ - ١٩٣): "استأصل أتباعُ محمدٍ المبشِّرين بالإنحيل، وحَوَّلوا إلى الإسلام خَلقًا كثيرًا بحدِّ السيف، وفرضوا دينَهم على الشعوب التي امتدَّ إليها حُكمُهم الدنيويُّ، وكلمةُ السياسة هنا (في الترجمة العربية المتداوَلة للسِّفر تُوجَدُ كلمة "حِذاقة" بدلاً من كلمة سياسة)، ربما أمكن فَهمُها بمعنَى الدهاءِ الخالي من المبادئ، أو الدَّهاء الذي لا يَضعُ صاحبُه القيمَ والمبادئ في اعتباره، أو العملُ بذكاءٍ لكن دون وَضعِ اعتبارٍ للأخلاق أي بمعنى وَضعِ الخُططِ بنعومةٍ أفعوانية، ووضعها موضعَ التنفيذ
стр. 1508
بجرأةٍ وتهوُّرٍ كامِلَينِ، بصرفِ النظر عن الطبيعةٍ الأخلاقيةٍ للوسائل المستخدمة، وبهذه الطريقة كَلَّل النجاحُ قوى الإسلام، لقد ازدهرت -بشكلٍ غريبٍ فنونُهم الوضيعةُ وحِرَفُهم وخياناتُهم التي هي طبيعةٌ من طباعهم، لا أحدَ يُجارِي محمدًا وأتباعَه في طباعهم المميَّزة هذه، يقول "جيبون - gibbon": " في مجال ممارسة سياسةٍ الحكم، اضطُر محمد لأبطالِ حِدَّةِ التعصب إذعانًا منه -إلى حدٍّ ما- لمشاعِرِ أتباعه وما حاق بهم من ضرر، كما اضطُر حتى لاستخدام رذائلِ البشريةٍ كأداةٍ لتحقيقِ الخلاصِ لهم (أو لتحقيق النجاة لها)، وكان استخدامُ الاحتيالِ والخداع والقسوةٍ والظلمِ من العواملِ المساعدة في نشرِ العقيدة (أي الإسلام) " .. ويقول "جيبون" أيضًا: "ولدعم العقيدةِ (أو الحق) لم يكن محمدٌ يَعتبرُ فنونَ الخداعِ وتلفيقِ القصصِ جُرمًا كبيرًا، وقد يبدأُ بالوسائل القذِرة، إذا لم يَرْضَ بالنهاية العادلة".
° ويقول في (ص ١٨٩): "وعلى هذا فمحمدٌ بوصفه مُلفِّقًا للقرآن (هكذا يدَّعي بوش صاحب هذا التلفيق المغرض) أكَّد دعواه بتميُّزه النبويِّ في فهم "الجُمل الغامضة" أو الظلمة (المترجم: سبق القول أن هذه العبارت التي تشير إلى تأويل الأحاديث منسوبةٌ في القرآن الكريم إلى يوسفَ ﷺ )، ذلك لأنه (أي محمد) أَعلن في القرآن -ذلك الوحيِ المُدَّعى- أن هدفَه هو إحياءُ تراثٍ دينيٍّ قديمٍ عن الله والدين (١)، بل وأعلن أنه يفكُّ مغاليقَ الحياةِ بعد الموت وأسرارَ الغيب (ادعاء من بوش، وإلا فالله سبحانه علام الغيوب/ المترجم) ".
стр. 1509
° وقال في (ص ١٨٨): "إنَّ من الحقائقِ التي يتجنَّبُ المسلمون الإعلانَ عنها أن نبيَّهم (مؤسِّسَ دينِهم) كان يستخدمُ السيفَ كأداةٍ أساسيةٍ لإدخالِ الناس في الإسلام، وقد شاركه المؤمنون برسالتهِ في كل العصور -غالبًا- في هذه الروح القاسية، على أيةٍ حال، فإن البعض يَرى أن الترجمةَ الصحيحة هي "ذو الوجه الصارم أو الثابت"، ويعنون بذلك الوقاحةَ والبرودَ اللذَينِ يتميَّزُ بهما الكذابُ ذو الوجهِ المكشوف (قليل الحياء) والمتَّسمُ بالصفاقة، وهي صفاتٌ اتَّصف بها محمدٌ وخلفاؤه، فدينُهم -حقًّا- خداعٌ وادِّعاء لا لَبْسَ فيهما، تَسبَّب في لوم البشرِ لسذاجتِهم وسُرعةٍ تصديقِهم".
° ويقول هذا الدجَّالُ الكذَّابُ الأشِرُ عن زوجاتِ النبي ﷺ في "الفصل السادس عشر" قال عن عائشة أم المؤمنين ﵂ (ص ١٦٦): "وقد أُشيع ما يُفيدُ عدمَ إخلاصِ عائشة، ولم تَزُل هذه الوصمةُ عن عائشة تمامًا حتى أيامنا هذه، وعلى أيَّةٍ حال فإن النبيَّ نفسَه لم يُصَدِّق ما نُسِب إليها (١) ".
° وقال عن أمِّ المؤمنين زينب بنت جحش (ص ١٦٩ - ١٧٠): "وزينبُ زوجةٌ أخرى للنبيِّ، وكانت متزوِّجةً من "زيد"، وقد أنعم اللهُ عليها -فيما يقول القرآن- بأنها كانت مِن بين أوَّلِ مَن أسلم، وحكايةُ زواج النبي بها حكايةٌ جديرةٌ بأنْ تُرْوَى، لقد ذهب محمدٌ يومًا إلى منزل زيدٍ لأمر، ولم يجِد زيدًا، وتَصادَف أنْ وقعت عيناه على "زينب" الجميلة، فافتُتن الرسولُ بمفاتنها (٢) من أولِ نظرةٍ، فلم يتمالَكْ نفسَه، فرفع صوتَه ذاكرًا أنْ "سبحان
стр. 1510
الله مقلِّبِ القلوبِ كيفما شاء"، ومِن وقتها توتَّر حُبُّها لزيد، وأدَّى هذا إلى كثير من الإرباكات، لقد راح زيدٌ يُوازِن بين حُبِّه لزوجتهِ ورغبتِه في الإبقاء عليها من ناحية، وإحساسِه بالالتزام والإخلاصِ لسيدِه (أي: محمدٍ ﷺ ) الذي أعتقه، بل وتبنَّاه أي اعتبره ابنًا له ووريثًا، ووثَّق هذا بطقوسٍ دينيةٍ علنيَّةٍ عند الحَجَرِ الأسود في رُكنِ الكعبة، وقرَّر زيدٌ بعد تفكيرٍ متأنٍّ أن يُطلِّقَ زينب ليتزوَّجها المنعِم عليه، أو بتعبيرٍ آخر صاحبُ الفضل عليه، الذي كان يعرف -بشكل شخصي- هدفَه، وفي الوقت نفسه راح النبي يعلن أنه لم يعد يريد الزواج منها ويقول لزيد: "أَمْسِك عليك زوجَك"، وكان محمدٌ واعيًا بالخزي الذي سينتج عن هذا والذي يُثيرُ انتقادَ الناسِ لاتخاده زوجةً هي بمثابةٍ ابنتِه، فخَدَع الناسَ بانصرافِه عن هذا، وكَبَح عاطفتَه، ولكنه وَجد أنَّ شَغَفه بها أصبح شديدًا لا يُقهر، فتخلَّص من المشكلة بآياتٍ قرآنيةٍ أراحته وأزالت كلَّ الموانع الشرعيةٍ القائمةٍ أمامَ ارتباطِه بها بزوجةٍ زيد ابنهِ بالتبني: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ [الأحزاب: ٣٧].
° ويقول هذا الأفَّاكُ عن النبيِّ الكريم ﷺ (ص ١٧٨ - ١٧٩): "وعلى أيةِ حالٍ، فإننا لا نشكُّ في أن كُتُبَنا المقدَّسةَ قد تنبَّأت بهذا الدَّعيِّ الكبيرِ ودينِه، لكن بمعنًى آخَرَ يختلفُ عما ذكره محمدٌ وأتباعه، فلم تكن كُتبُنا المقدسةُ لِتُغفِلَ التنبؤَ بهذا الدينِ الذي أتى به محمدٌ وهذه الأمبراطوريةٍ التي