← Сира

Сира · id 96964

وا محمداه إن شانئك هو الأبتر

سيد حسين العفاني

Полный текст (2 668 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وبعد صراع طويل مع الكفر والشِّرك والإلحاد استقرَّ الإيمانُ بالله في هذه الأرض، ودانت له البشريةُ بعد كلِّ ما وقف في طريقه من عَقَبات الشِّرك والوثنيَّة. وإذا كانت هناك فتراتٌ عاد فيها الإلحادُ أو الشركُ إلى الظهور في بعضِ بقاع الأرض، فإن الإيمانَ بالله ظلَّ هو المسيطرَ بصفةٍ عامة، فضلاً على أن فتراتِ الإِلحادِ والوثنيةِ والكفر بمحمدٍ رسول الله خاتم النبيين ﷺ إلى زوالٍ مؤكَّد؛ لأنها غيرُ صالحةٍ للبقاء، والبشريةُ تهتدي في كل يوم إلى أدلةٍ جديدة إلى صِدقِ رسالة محمدٍ ﷺ الخاتمة، ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] .. ويَهرعُ الناسُ في كلِّ مكان من أرجاء البسيطة .. إلى الدخول في الإسلام .. ولا يمرُّ يومٌ إلاَّ ويسلمُ العشراتُ بل والمئات .. فقد كَتب اللهُ على أعدائه وأعداءِ رسوله ﷺ الذّلَةَ والهزيمة، وكتب لنفسه ولرسوله الغَلَبةَ والتمكين .. والمؤمنُ يتعاملُ مع وعد الله على أنه الحقيقةُ الواقعة، فإذا كان الواقعُ الصغيرُ في جِيلٍ محدود، أو في رُقعةٍ محدودة يخالفُ تلك الحقيقةَ، فهذا الواقعُ هو الباطلُ الزائل، الذي يُوجَد في الأرض لحكمةٍ خاصة، لعلَّها استِجاشةُ الإيمانِ وإهاجتُه لتحقيق وعدِ الله في وقته المرسوم. وعَبْرَ التاريخ .. وعَبْرَ تاريخ الإسلام هل استطاعت الحروبُ التي شَنَّها أعداؤه هل استطاع القتلُ والتشريدُ والتنكيلُ وأنواعُ النكايات، واغتصابُ النساء، وبَقْرُ بطونِ المسلمات، وذَبحُ الأجنَّة .. هل استطاع أن يقتلعَ جذورَ الإيمان بالله ورسوله من قلوب المسلمين؟! حين ينظرُ الإنسانُ

стр. 177

إلى هذا الواقع في المدى المتطاوِلِ يجدُ مِصداقَ قولِ الله، يجده في الواقع ذاتِه بدون حاجةٍ إلى الانتظارِ الطويل!!. لا يخالجُ المؤمنَ شكٌّ في أن وَعْدَ الله هو الحقيقة الكائنة التي لا بدَّ أن تظهرَ في الوجود، وأنَّ الذين يُحادُّون اللهَ ورسولَه هم الأذلون، وأنَّ اللهَ ورسولَه همِ الغالبون، وأن هذا هو الكائنُ والذي لا بدَّ أن يكون، ولْتَكُنِ الظواهر غير هذا ما تكون. * قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢ - ٣٣]. * وقال تعالي: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨]. ° قال الإمام ابن جرير الطبري: "يريد هؤلاء القائلون لمحمدٍ ﷺ : "هذا ساحرٌ مبين"، يريدون ليُبطِلوا الحقَّ الذي بَعث اللهُ به محمدًا ﷺ بأفواههم، يعني: بقولهم: "إنه ساحر، وما جاء به سحر"، ﴿وَاللهُ مُتِمُ نُورِهِ﴾، والله مُعلِن الحقَّ، ومُظهِر دينَه، وناصرٌ محمدًا ﷺ على مَن عاداه، فذلك إتمام نوره، وغنِي بالنور في هذا الموضع "الإسلام"، وكان ابن زيد يقول: عُنِي به القرآن" (١). ° وقال العلاَّمة ابن كثير: "يريد هؤلاء الكفار من المشركين، وأهل الكتاب ﴿أَن يُطْفِئُوا نورَ اللهِ﴾ أي: الذي بُعث به رسول الله ﷺ من الهدى

стр. 178

ودينِ الحق بمجرد افترائهم، فمَثَلهم كمَن يريد أن يُطفيء نورَ الشمس أو القمر بنفخة، وهذا لا سبيلَ إليه؛ فكذلك ما أُرسِل به رسولُ الله ﷺ لا بد أن يتمَّ ويظهر، ولهذا قال تعالى مقابلاً لهم فيما أرادوه ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ .. ﴿لِيظْهِرَة عَلَى الدِّينِ كلِّهِ﴾، أي: على سائر الأديان" (١). ° قال ابن كثير: "يحاولون أن يردُّوا الحق بالباطل، ومَثَلُهم في ذلك كمَثَل مَن يُريد أن يُطفيء شعاعَ الشمس بفِيه، وكما أن هذا مستحيل، فذلك مستحيل" (٢). كم صدُّوا عن سبيله صدًّا، ومَن ذا يُدافعُ السيل إذا هَدَر؟ واعترضوه بالألسِنة ردًّا، ولَعَمْرِي مَن يَردّ على الله القَدَر؟ وتخاطروا له بسُفهائهم كما تخاطرت الفحول بأذنابِ (٣) البقر، وفتحوا عليه من الحوادث كلَّ شِدْقٍ فيه مِن كلّ داهيةٍ ناب، فما كان إلاَّ نورُ الشمسِ لا يزالُ الجاهل يَطمعُ في سَرابه، ثم لا يضعُ منه قَطرةً في سِقائه، وُيلقي الصبيُّ غِطَاءَه ليخفيه بحجابه، ثم لا يزالُ النور ينبسِطُ على غِطائه. ° كم أبرقوا وأرعَدوا حتى سأل بهم وبصاحبهم السيَّل، وأثاروا من الباطل في بيضاءَ ليلُها كنهارها (٤) ليجعلوا نهارَها كالليل، فما كان لهمِ إلاَّ كما قال الله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ الآية [الأنبياء: ١٨].

стр. 179

* المصباح الذي أناره محمدٌ ﷺ تأَلَّب عليه مليون "أبي جهل" و "أبي لهب" ليطفؤوه: إن هذا المصباحَ السماويَّ تأَلَّب عليه مليونُ "أبي جهل" و"أبي لهب"، مليونُ "حُيَيِّ بن أخطب"، مليونُ "كعب بن الأشرف"، مليون "فرناندوا" و"إيزابيلا"، مليون "أتاتورك"، ولكن هيهات هيهات .. كذلك الحقُّ يعلو في مَصَاعِدِه … حتى ينالَ الذُّرَى أو يَبْلُغَ الشَّعَفَا (١) شتَّانَ ما بين صَرح ثابت رُفِعتْ … منه القِبابُ وصَرْح واهنٍ خُسِفَا لتنصِتِ الأرضُ، ولتَسْمَع ممالكُها … ماذا يقول لها الرعْدُ الذي قَصَفا شرائعُ الخيرِ يُلقيها مُحبَّبَة … شيخُ النبيِّين يَبغي البر واللَّطفَا * ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]: ° قال العلامة ابن كثير: "قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٥] أيْ: بلِّغ ما أُنزل إليك من ربِّك، ولا تلتفت إلى المشركين الذين يريدون أن يصدُّوك عن آياتِ اللهِ، ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]، ولا تَخَفْهم، فإن الله كافيك إياهم، وحافظُك منهم، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧]. وروى الحافظ أبو بكر البزار عن يزيدَ بنِ درهم قال: "سمعتُ أنساً يقول في هذه الآية: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الحجر: ٩٥ - ٩٦]، قال: مَرَّ رسولُ الله ﷺ ، فغَمَزه بعضُهم، فجاء

стр. 180

جبريل ﵇، فغمزهم، فوقع في أجسادهم كهيئة الطعنة فماتوا". وقال محمدُ بن إسحاق: "كان عظماءُ المستهزئين -كما رُوي عن عروةَ ابنِ الزبير- خمسةَ نَفَر، وكانوا ذَوِي أسنانٍ وشَرَف في قومهم مِن بني أسد ابنِ عبدِ العزَّى بنِ قُصَيٍّ، الأسود بن أبي زمعةَ: كان رسول الله ﷺ فيما بلغني قد دعا عليه لِمَا كان يبلغُه من أذاه واستهزائهِ، فقال: "اللهم أعْم بَصَره، وأثكِله ولدَه"، ومِن بني زهرة: الأسود بن عبد يغوثَ بنِ وهبِ بنِ عبدِ منافِ بن زهرة، ومِن بني مخزوم: الوليدُ بنُ المغيرة بن عبد الله بن عمرو ابن مخزوم، ومِن بني سهم بن عمر بن هصيص بن كعب بن لؤي: العاص ابن وائل بن هشام بن سعيد بن سعد، ومن خزاعة الحارث بن الطُّلاطِلة بن عمرو بن الحارث بن عمر بن مَلْكان .. فلما تمادَوا في الشر، وأكثروا برسول الله ﷺ الاستهزاءَ أنزل الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ إلى قوله: ﴿ .. فَسَوْفَ يَعْلَمونَ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٦] ". ° قال ابنُ إسحاق: "وعن عروة بن الزبير أو غيره من العلماء أن جبريلَ ﵇ أتى رسولَ الله ﷺ وهو يطوفُ بالبيت، فقام، وقام رسول الله ﷺ إلى جَنبه، فمرَّ به الأسودُ بنُ عبدِ يغوث، فأشار إلى بطنه، فاستسقى بطنه، فمات منه، ومَرَّ به الوليد بن المغيرة، فأشار إلى أثرِ جِراح بأسفل كعبِ رِجله -وكان أصابَه قبل ذلك بسنتين وهو يجرُّ إزاره -، وذلك أنه مرَّ برجل من خزاعة يَريشُ نَبْلاً له، فتعلَّق سهم مِن نَبْله بإزاره، فخَدَش رجلَه ذلك الخدشُ وليس بشيء، فانتقض به فقتله، ومَرَّ به العاصُ بنُ وائل فأشار

стр. 181

إلى أخمُصِ قدمه، فخرج على حمارٍ له يريدُ الطائف، فرَبَض على شبرقة، فدخلت في أخمُصِ قدمه فقتلته، ومرَّ به الحارث بن الطّلاطِلة، فأشار إلى رأسه فامتخطَ قيحًا فقتله". ° ورَوى محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال: "كان رأسَهم الوليدُ ابنُ المغيرة وهو الذي جَمَعهم". وهكذا روي عن سعيد بن جبير وعكرمة نحو سياق محمد بن إسحاق به عن يزيد عن عروة بطوله، إلاَّ أن سعيدًا يقول: الحارث بن غَيْطلة، وعكرمة يقول الحارث بن قيس .. قال الزهري: وصَدَقا، هو الحارث بن قيس، وأمه غيطلة، وكذا رُوي عن مجاهد ومِقسم وقتادة وغير واحد: أنهم كانوا خمسة، وقال الشعبيّ: كانوا سبعة، والمشهور الأول" (١). ° وقال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي: " ﴿إِنَّا كفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ﴾ وقد فعل، فما تظاهر أحدٌ بالاستهزاء برسول الله ﷺ وبما جاء به إلا أهلكه اللهُ وقتَلَه شرَّ قِتْلة" (٢). ° وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد كان المسلمون إذا حاصَروا أهلَ حصنٍ واستعصى عليهم، ثم سَمعوهم يقعون في النبي ﷺ ويسبُّونه، يستبشرون بقرب الفتح، ثم ما هو إلاَّ وقتٌ يسير، ويأتي اللهُ بالفتح من عندِه انتقاماً لرسوله ﷺ (٣).

стр. 182

* أعداء رسول الله ﷺ شياطينٌ مجرمون: * قال تعالى -ومَن أصدق من الله قِيلاً-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٣]، والشيطنةُ هي التمرّد والغِواية والتمحّص للشر، تلحقُ الأنسَ كما تلحقُ الجنَّ، وكما أن الذي يتمرَّد من الجنِّ ويتمحَّض للشرِّ والغواية يُسمَّى "شيطانًا"؛ فكذلك الذي يتمرَّد من الأنس ويتمحَّض للشر والغواية. ° قال ابن كثير: "يقول تعالى: وكما جَعَلْنا لك يا محمدُ أعداءَ يخالفونَك ويعادونك وُيعاندونك جَعَلْنا لكلِّ نبيٍّ من قَبْلِك أيضًا أعداءَ، فلا يَحزنك ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام: ٣٤] .. وقال وَرقةَ بن نوفل لرسول الله ﷺ : "إنه لم يأتِ أحدٌ بِمثل ما جئتَ به إلاَّ عودِي .. " .. وقوله: ﴿شَيَاطينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ﴾، أي: لهم أعداء من شياطين الإنس والجن، و"الشيطان" كلُّ منَ خَرَج عن نظيره بالشرِّ، ولا يعادِي الرسلَ إلاَّ الشياطين مِن هؤلاء وهؤلاء -قَبَّحهم الله ولعنهم-. * وقال تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، أي: يُلقي بعضُهم إلى بعضٍ القولَ المُزَيَّنَ المزخرف، وهو المُزَوَّقُ الذي يغْترُّ سامعُه من الجَهَلة بأمره. ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾، أي: وذلك كلُّه بقَدَر الله وقضائه وإرادته

стр. 183

ومشيئته أن يكونَ لكلِّ نبيٍّ عدوٌّ من هؤلاء .. ﴿فَذَرْهُمْ﴾، أي: فدعهم .. ﴿وَمَما يَفْتَرُونَ﴾، أي: يكذبون .. أي: دعْ أذاهم، وتوكَّلْ على اللَّه في عداوتِهِم، فإنَّ الله كافيك وناصرُك عليهم. * وقال تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ﴾، أي: ولتميلَ إليه .. قال ابن عباس: ﴿أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾، أي: قلوبُهم وعقولُهم وأسماعُهم .. وقال السُّدِّيُّ: قلوبُ الكافرين. ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾، أي: يحبوه ويريدوه، وإنما يستجيبُ لذلك مَن لا يؤمن بالآخرة. وقوله: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا هَما هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾، قال عليُّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: وليكتسِبوا ما هم مكتسبون" (١). ° وقال ابن القيم: "ذكر سبحانه أنهم يستعينون على مخالفةِ أمرِ الأنبياء بما يُزخرفه بعضُهم لبعضٍ من القول، فيغترُّ به الأغمارُ وضُعفاء العقول، فذكر السببَ الفاعلَ والقابلَ، ثم ذَكر سبحانه انفعالَ هذه النفوسِ الجاهلةِ به، بصَغْوها ومَيلِها إليه، ورضاها به لِمَا كُسِي من الزخرفِ الذي يَغرُّ السامعَ، فلما أصغَتْ إليه ورَضِيَتْه اقترفت ما تدعو إليه من الباطل قوْلاً وعملاً، فتأمل هذه الآياتِ وما تحتها من هذا المعنى العظيم القَدْرِ، الذي فيه بيان أصولِ الباطل، والتنبيهُ على مواقع الحذرِ منها، وعدم الاغترار بها، وإذا تأمَّلت مقالاتِ أهل الباطل، رأيتَهم قد كَسَوها من العبارات وتخيَّروا لها من الألفاظ الرائقة، ما يُسرعُ إلى قبوله كلّ مَن ليس له بصيرةٌ نافذة .. وأكثر الخلق كذلك، حتى إنَّ الفجار ليُسمُّون أعظمَ أنواع الفجورِ بأسماءَ لا

стр. 184

ينبو عنها السمعُ" (١). ° وقال ﵀: "سَمَّاه "زخرفًا"، وهو باطل؛ لأن صاحبَه يُزخرفُه ويُزيَنه ما استطاع، ويُلقيه إلى سَمْع المغرور، فيغترُّ به" (٢). ° وقال ﵏: "قد أخبر سبحانه بمقصودهم من الإيحاء المذكور، وهو أربعةُ أمور: غرورُ مَن يوحون إليه، وإصغاءُ أفئدتهم إليه، ومحبتهم لذلك، وانفعالُهم عنده بالاقتراف، وإن كان ذلك تعليلاً لجعله سبحانه لكلِّ نبي عدوًّا، فيكون هذا الحُكم من جُملة الغايات، والحِكَم المطلوبة بهذا الجعل، وهي غايةٌ وحكمةٌ مقصودة لغيرها؛ لأنها مُفضيةٌ إلى أمور هي محبوبة مطلوبة للرب سبحانه، وفواتُها يستلزمُ فواتَ ما هو أحب إليه من حُصولها، فاللام لامُ التعليل والحكمة" (٣). ° وقال: "الزُّخْرُف: هو الكلامُ المُزَيَّن، كما يزيَّنُ الشيءُ بالزخرف -وهو الذهب -، وهو الغرور؛ لأنه يَغُرُّ المستمعَ، والشبهاتُ العارضةُ للوحي هي كلامُ زخرفٍ، يَغُرُّ المستمع، فانظر إلى إصغاءِ المستجيبين لهؤلاء ورضاهم بذلك واقترافِهم المترتِّب عليه، فتأمَّلْ" (٤). ° وما أكثَرَ شياطينَ الإنس .. الذين يَصُدُّون عن دعوة الرسول ﷺ !! يَصدُقُ فيهم قولُ القائل: وإذا رأى إبليسُ طَلعَةَ وجهِه … حَيَّا وقال: فَديْتُ مَن لا يُفلِحُ

стр. 185

° أو قول القائل: وكنت امرأً من جُندِ إبليس فارتقى … بي الدَّهْرُ حتى صار إبليسُ من جندي فلو مات قبلي كنت أُحسِنُ بَعْدهُ … طرائقَ فِسْقٍ ليس يُحْسِنُها بعدي وهؤلاء الشياطينُ في قبضةِ الله ، لا يفعلون شيئًا من هذا كلِّه، ولا يَقدرون على شيءٍ من عداوةِ الأنبياء بقُدرةٍ ذاتيَّةٍ فيهم .. لا يَقدِرون على شيءٍ من ذلك إلاَّ بالقَدْرِ الذي يشاؤه الله، فإرادتُهم مقيدة بمشيئة الله، وقدرتُهم محدودةٌ بقَدَر الله، ومَردُّ الأمرِ كلِّه إلى الله، فانظر إلى هوانِ الشياطين من الإنس والجن، وهوانِ كيدِهم وأذاهم، هذا الكيدُ على ضخامته وتجمُّع قوى الشرِّ العالمية كلِّها عليه هو مقيَّدٌ مغلول، والمؤمنُ الذي يعلمُ أن ربَّه هو الذي يُقَدِّر، وهو الذي يأذَن، خليق أن يستهينَ بأعدائه من الشياطين؛ مهما تبلغ قوتهم الظاهرة وسلطانُهم المُدَّعى. ﴿فَذَرْهُمْ وَمَما يَفْتَرُونَ﴾، فالله من ورائهم، قادر على أخذهم، مُدَّخَرٌ لهم جزاؤهم. * وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ [الفرقان: ٣١]. ° قال ابن كثير: "وكفى بربك هاديًا ونصيرًا: أي لمن اتبع رسولَه وآمَنَ بكتابه وصَدَّقه واتَّبعه، فإن الله هاديه وناصرُه في الدنيا والآخرة، وإنما قال: ﴿هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾؛ لأن المشركين كانوا يصدُّون الناسَ عن اتِّباع القرآن لئلاَّ يهتديَ أحدٌ به ولِتغلبَ طريقتُهم طريقةَ القرآن". ويكفي أن القرآنَ نَعَتهم بهذا النعتِ القبيح "المجرمين" وهم فاسدون

стр. 186

مفسِدون لا يعيشون إلاَّ على الإفساد، كالخنافس تختنقُ برائحةِ الأزهار العَبِقة، ولا تحيا إلاَّ على الرَّوَث، ولا تستطيعُ الحياةَ إلاَّ في المقاذر، وبعضُ الديدانِ يموتُ في الماءِ الطاهرِ الجاري، ولا يستطيعُ الحياةَ إلاَّ في المستنقع الآسن، وكذلك المجرمون. ومَن كان اللهُ هاديَه وناصرَه فمَنْ عليه؟! لا يَضيرُه تكالبُ كلّ المجرمين والشياطين، فمكر أولئك هو يبور .. مَن وَجَد اللهَ فماذا فقد؟!. * وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٦١]: ° قال ابن كثير ﵀: "يقول تعالى: "ومِن المنافقين قومٌ يؤذُون رسولَ الله ﷺ بالكلام فيه، ويقولون: "هو أُذُن"، أي: مَن قال له شيئاً صَدَّقه فينا، ومَن حدَّثه صَدَّقه، فإذا جئناه وحَلَفنا له صدَّقنا. رُوي معناه عن ابن عباس ومجاهد وقتادة .. قال الله تعالى: ﴿قلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾، أي: هو أُذُنُ خير يَعرِفُ الصادقَ من الكاذب، ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: ويُصدّق المؤمنين، ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾، أي: وهو حجَّة على الكافرين؟ ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ الله لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ " (١). * من يُحادِّ اللهَ ورسولَه له الخِزيُ العظيم: قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللهَ وَرَسولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا

стр. 187

فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٦٣]: ° قال ابن كثير: "أي: ألم يتحقَّقُوا ويَعْلموا أنه مَن حادَّ اللهَ -أي شاقَّه وحارَبَه وخالفه، وكان في حدٍّ والله ورسوله في حدٍّ- (فَأنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فيهَا﴾، أيْ: مهانًا مُعَذبًا!! و ﴿ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾، أي: وهذا هو الذلُّ العظيمُ والشقاءُ الكبير" (١). ° وقال ابن القيم: "جَعَلهم بهذا محادِّين، ومعلوم قطعًا أنَّ مَن أظهر مَسَبَّةَ اللهِ ورسوله، والطعنَ في دينه أعظمُ محادةً له ولرسوله، وإذا ثبت أنه محادٌّ فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة:٢٠]، و"الأذلُّ" أبلغُ منَ "الذليل"، ولا يكونُ أذلَّ حتى يخافَ على نفسه ومالِه؛ لأن مَن كان دمُه ومالُه معصومًا لا يُستباحُ فليس بأذلَّ؛ يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاس﴾ [آل عمران: ١١٢]، فبيَّن سبحانه أنهم أينما ثُقِفوا فعليهم الذِّلةُ إلاَّ مع العهد، فعُلِم أنَّ مَن له عهد وحَبل يأمنُ به على نفسه وماله لا ذِلَّةَ عليه، وإنْ كانت عليه المسكنةُ؛ فإنَّ المسكنة قد تكون مع عدم الذلَّة، كما دلَّت عليه الآية، وهذا ظاهرٌ، فإن الأذلَّ ليس له قوةٌ يَمتنعُ بها ممَّن أراده بسُوء، فإذا كان من المسلمين عَهدٌ يجبُ عليهم به نَصرُه ومنعُه فليس بأذَلَّ، فثَبَت أن المحادَّ لله ورسوله لا يكونُ له عهدٌ يعصمه" (٢). * ﴿قُل أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾: * قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَاَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ

стр. 188

وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]. • عن عبد الله بن عمر- ﵁ قال: "قال رجل في غزوة "تبوك" في مجلس يومًا: ما رأيتُ مثلَ قُرَّائنا هؤلاء لا أرغبَ بطونًا ولا أكذبَ ألسِنةً ولا أجبنَ عند اللقاء، فقال رجلٌ في المجلس: كذبتَ، ولكنك مُنافق، لأُخبِرَنَّ رسولَ الله ﷺ فبَلَغ ذلك- النبيَّ ﷺ ونزل القرآن، قال عبدُ الله، فأنا رأيتُه متعلِّقًا بحَقَب (١) ناقةِ رسول الله تَنَكبهُ الحجارةُ وهو يقول: يا رسول الله، إنما كنا نخوضُ ونلعب، ورسول الله ﷺ يقول: ﴿أَبالله وَآيَاته وَرَسُوله كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾ " (٢). مقالةٌ فاجرةٌ كافرة خاطئةٌ منحرفةٌ ضالةٌ يَكفُرُ صاحبهُا. * الذين يؤذون رسول الله ملعونون في الدنيا والآخرة: * قال تعالى: ﴿إِنَّ الَذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالَاخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧]. في ظل التمجيد الإلهي لنبيِّه وصلاتِه عليه هو وملائكته ومَن في الأرض، يبدو إيذاءُ الناسِ لله وللنبي ﷺ بشعًا شنيعًا ملعونًا قبيحًا.

стр. 189

وَيزيدُه بشاعةً وشناعة أنه إيذاء من عبيده ومخاليقه، وهم لا يبلغُون أن يؤذوا الله، إنما هذا التعبيرُ يُصوِّرُ الحساسيةَ بإيذاءِ رسوله، وكأنما هو إيذاءٌ لذاته جل وعلا، فما أفظعَ! وما أبشعَ! وما أشنع!. ° قال ابن القيم: "وليس أذاه سبحانه من جِنسِ الأذى الحاصل للمخلوقين، كما أن سُخطَه وغَضبَه وكراهتَه ليست من جنس ما للمخلوقين" (١). ﴿لَعَنَهُمُ﴾: "واللعن هو الطردُ من رحمةِ الله سبحانه، والعربُ يقولون: "لَعنتُ الكلبَ"، أي: طردته. وكذلك: "لعنتُ الذئب"، ويُقال للذئب: "اللَّعين". والذين يؤذون رسول الله ﷺ ملعونون في الدنيا والآخرة، أي: مطرودون من رحمة الله فيهما، أمَّا الطردُ من رحمة الله في الدنيا، فإنه طرد من دائرة الإيمان الذي هو قرار وأمن في القلوب، وراحة من عذابِ الشكِّ واليأس والحَيرة، والطردُ في الدنيا حرمانُ النفس من المعرفة الذكيةِ في القلوب، وهي معرفةُ الله، ومعرفةُ النفس مَبْدَءً ومعادًا، ثم إنهم في الآخرة لا يُعاقَبون بالطرد من الرحمة فحسب، وإنما يَجدون عذابًا يُهينهم ويَستذلُّهم، قد أعدَّه اللهُ بجلالِه لهم، غضبًا عليهم، واستنكارًا لموقفهم، ونَلحظُ هنا أنهم في الدنيا يُعاقَبون عقوبةً سلبيةً، وهي الطردُ من الرحمةِ فحسب، وفي الآخرة يُعاقَبون عقوبتيْن، عقوبة سلبية، وهي الطرد من الرحمة، وهذه عقوبة قاسيةٌ حين ينظرون إلى الذين فُتحِت لهم أبوابُ الرحمة وهَنئِوا برضوانه سبحانه، ثم هناك عقوبةٌ أُخرى، وهي العذابُ

стр. 190

المُذِلُّ الذي أعدَّه اللهُ لهم" (١). * الجزاء من جنس العمل: جَحَدوا رحمة الله للعالين، وآذَوه ﷺ ، فطردهم الله من رحمته: * قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. أرسله الله رحمةً للعالمين، مَن آمن به، ومَن لم يؤمنْ به، والبشرية كلُّها قد تأثَّرت بالمنهج الذي جاء به -سابقًا لها- طائعةً أو كارهةً، شاعرةً أو غيرَ شاعرة؛ وما تزالُ ظِلالُ هذه الرحمةِ وارفةً، لمن يريدُ أن يستظلَّ بها، ويستروحَ فيها نسائمَ السماء الرخيَّة، في هجير الأرض الُمحرِق .. إن البشرية اليومَ لفي أشدِّ الحاجة إلى حسَّ هذه الرحمةِ ونداها، وهي قلقةٌ حائرة، شاردةٌ في متاهات المادية، وجحيم الحروب، وجفافِ الأرواح والقلوبِ. • قال رسول الله ﷺ : "إنما أنا رحمةٌ مهداةٌ" (٢). آية نَفسٍ حانيةٍ نفسُ رسول الله ﷺ !، كانت الرحمة مُهجتَه .. تنتشر الرحمة لديه ﷺ حتى يغطَّي دفؤها كلَّ مقرورٍ، وحتى تشملَ الأحياءَ جميعًا من إنسانِ وحيوان .. ويدورُ قلبُه الكبير مع دواعي الرحمة حيث تدور، والرحمةُ عنده ليست نافلةً من نوافل البِر، بل واجبًا من واجبات الرشد،

стр. 191

وتَبِعةً من تَبِعات الحياة .. فالكلمةُ الطيبة رحمة، والنظرةُ العاطفةُ رحمة، والصَّفح الجميل رحمة، وعيادو المريض رحمة، بل وتشميتُ العاطسِ رحمة .. وسنفرد لرحمته الحانية فصلاً خاصًّا في كتابنا المقبل .. ونكتفي هنا بأروع نماذج الرحمة تُجاهَ حِفْنةٍ من النمل: • عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قَرَصتْ نملةٌ نَبيًّا من الأنبياء، فأمَرَ بقرية النَّمل فأُحرقتْ، فأوحى اللهُ تعالى إليه: أنْ قَرَصَتْكَ نملةٌ أَحْرَقت أُمًّةً من الأمَم تُسبِّح؟! " (١). انظروا كيف تتألَّقُ إنسانية محمدٍ ﷺ ورحمته، وكيف تسمو وتُشرق!! انظروا، إن الذي يؤاخذُه الله في هذه القصَّة ويعاتُبه على تخلِّيه عن الرحمة تُجاهَ حفنةٍ من النمل، ليس فردًا عاديًّا .. بل هو نبيٌّ من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. إن الصورة على بساطتها تتضمَّن أروعَ نماذج الرحمةِ على الإطلاق، وتكشفُ عن رحمةِ محمدٍ ﷺ العَذْبة .. كما لا يُكشف شيء مثلها. حفنةٌ من النمل، لا يدرك الناسُ لها -ولا لآلافٍ مثلِها قَدْرًا -أيَّ قَدْرَ، ترتفعُ في عين "محمد" ﷺ إلى الحدِّ الذي يتصوَّر لها عنده قداسةٌ وحرمة!. وتُقَدَّس حقوقها إلى الحدِّ الذي يواخَذ عنده نبيٌّ من الأنبياء؛ لأنه اعتدى عليها .. !! بل إنه حينَ يأمر بقتل حشرةٍ سامَّةٍ تفترسُ الناس بلَدْغِها .. يجعل المَهارةَ في قتلِها مرادفةً للرحمة بها .. انظروا: • قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَتَل وَزَغَةً في أَوَلِ ضرْبَةٍ، كُتِب له مئَةُ

стр. 192

حَسَنَة، ومَن قَتَلها في الضَّرْبَة الثَّانية، فلهُ كذا وكذا حسنَة، وِإنْ قتلها في الضرْبة الثالثة، فله كذا وكذا حَسَنة" (١). إن الوَزَغة حشرة سامةٌ كالأفعى، والخلاصُ من شرِّها ضروري .. ولكن حتى هنا لا يَنسَى "محمد" ﷺ فينشيءُ مِن مثوبةِ الله سبحانه جائزةً لمن يُجهِزُ على تلك الحشراتِ القاتلة، دونَ أن يُسبّب لها ألَمًا -أيَّ ألم-!! أجلْ، جائزةٌ لمن يُصيبُ الهدفَ دون أن يُبعثَ منه أنين .. !! .. ذلك أنَّ الرفقَ والرحمةَ عند محمد ﷺ هو جوهرُ الحياة وزينتُها. • قال ﷺ : "ما كان الرِّفْقُ في شيءٍ إلاَّ زَانَه، ولا نُزع من شيءٍ إلاَّ شانه" (٢). هذه وَمْضةٌ من وَمَضاتِ رحمةِ محمدٍ رسول الله ﷺ .. رحمتُه بالناس .. ورحمتُه بالأحياء جميعًا .. رحمةُ الرحمةِ المهداة الذي أرسله الله رحمةً للعالمين. • قال ﷺ : "الراحمون يرحَمُهم الرحمنُ ﵎ .. ارحَموا مَنْ في الأرضِ يرحَمْكم مَن في السماء" (٣). • وقال ﷺ : "بينما كلبٌ يُطيف بركيَّة (٤) كادَ يقتله العطشُ، إذْ رأته

стр. 193

بَغِيٌّ من بغايا بني إسرائيل فنَزَعت مُوقها (١)، فاستقتْ لهُ به، فغُفِر لها" (٢). • وقال رسول الله ﷺ : "دخلت امرأةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ رَبَطتها؛ فلمْ تُطعِمها، ولم تَدَعْها تأكلُ مِنْ خَشاشِ الأرض؛ حتى ماتت" (٣). فمن وَسِعت رحمتُه الأحياءَ وجَحده أبعدُ الناس عن الرحمة، حُقَّ لهم أن يُطردوا مِن رحمةِ الله في الدنيا والآخرة جزاءً وفاقًا. * ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾: * قال تعالى: ﴿إنَّ شَانِئَكَ هوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]. ° قال ابن جرير الطبري: "إن مُبغِضَك -يا محمد- وعدوَّك هو الأبتر .. يعني بالأبتر: الأقل الأذلَّ المنقطعَ دابرُه الذي لا عَقِبَ له". ° عن ابن عباس ﵁ قال: "قَدِم كعبُ بنُ الأشرف مكةَ، فقالت له قريشٌ: أنت سيدُهم، ألا ترى هذا الصنبور المُنبترَ من قومه يزعمُ أنه خيرٌ منَّا، ونحن أهلُ الحَجيج وأهلُ السِّدانة وأهلُ السِّقاية!! فقال: أنتم خيرٌ منه .. قال: فنزلت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هوَ الأَبْتَرُ﴾ " (٤). ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾: يَردُّ اللهُ الكيدَ على كائديه، ويؤكِّدُ اللهُ سبحانه أن الأبترَ ليس هو محمدًا ﷺ ، إنما هم شانؤوه وكارهوه. ولقد صَدَق فيهم وعيدُ الله، فقد انقطع ذِكرُهم وانطوى، بينما امتد

стр. 194

ذِكرُ محمد وعلا، ونحن نشهدُ اليومَ مِصداقَ هذا القولِ الكريم، في صورةٍ باهرة، واسعةِ المدى كما لم يَشهَدْه سامِعوه الأوَّلون. إن الإيمانَ والحق والخيرَ الذي جاء به محمدٌ ﷺ من عند ربِّه لا يمكن أن يكونَ أبتر، فهو ممتدُّ الفروع عميقُ الجذور، وإنما الكفرُ والباطلُ والشر هو الأبتر مهما ترعرع وزَهَا وتَجبَّر. إن مقاييسَ الله غيرُ مقاييس البشر، ولكنَّ البشرَ ينخدعون ويغترُّون فيَحْسَبون مقاييَسهم هي التي تقرر حقائقَ الأمور! وأمامَنا هذا المَثَلُ الناطق الخالد. فأين الذين كانوا يقولون عن محمدٍ ﷺ قولتهم اللئيمة، وينالون بها من قلوبِ الرعاع أتباع كلّ ناعق، ويَحسبون أنهم قد قضَوا على محمد ﷺ وقطعوا عليه الطريق، أين هم؟ وأين ذِكراهم؟ وأين آثارُهم؟ إلى جوارِ الكوثر من كلِّ شيء، ذلك الذي أوتيه مَن كانوا يقولون عنه: الأبتر؟!. إنَّ الدعوةَ إلى الله والحقِّ والخيرِ لا يمكنُ أن تكونَ بتراءَ، ولا يمكن أن يكونَ صاحبُها أبتر، وكيف وهي موصولةٌ بالله الحيِّ الباقي الأزَليِّ الخالد؟ إنما يُبترُ الكفرُ والباطلُ والشرُّ ويُبتَرُ أهلُه، مهما بدا في لحظةٍ من اللحظات أنه طويلُ الأجل ممتدُّ الجذور. وصدق الله العظيم .. وكَذَب الكائدون الماكرون. * لطيفة وإِعجاز: سبحانَ مَلِكِ الملوك!! سبحان مَن كلامُه القرآنُ -وكلامُ المُلوك ملوكُ الكلام-!.

стр. 195

انظر إلى بعضِ أسرار البيان وإعجازِ القرآن في سورة "الكوثر"، كلُّها تدورُ على أن شانِئَ النبيِّ هو الأبترُ تصدِّق ذلك سِيرته: ° "إنَّ هذه السورةَ عَشْر كلماتٍ في الكتابة، إشارةً إلى أن تمامَ بَتْرِ شانئه يكونُ مع تمام السَّنةِ العاشرةِ من الهجرة، وكذا كان، لم تَمْضِ السَّنةُ الحاديةَ عشْرةَ من الهجرة وفي جزيرةِ العرب إلاَّ مَن يَرى أشرفَ أحواله بَذْلَ نفسِه ومالِه في حُبِّه، وإذا أضْفنا إليها الضميرين المستترْينِ كانت اثنَتْي عشْرة، وفي السَّنة الثانيةَ عشْرةَ من النبوَّة بايعه ﷺ الأنصارُ على مُنابذةٍ الكفار، وإذا أُضيف إلى العشرةِ الضمائِرِ البارزةِ الخمسةُ كانت خَمْس عشرة، فتكون إشارةً إلى أنه ﷺ عند تمام السَّنةِ الخامسةَ عشْرةَ من نبوَّته يَبسُطُ يَدَه العاليةَ لبترِ أعدائِه، وكذا كان في وقعة "بدر" الرفيعة القَدْر، ففي ضمائرِ الاستتارِ كانت "البيعةُ" وهي مستترة، وفي الضمائرِ البارزة كانت "بدر" وهي مشتهرة، وإذا أضيف إلى ذلك الضميرانِ المستترانِ كانت سَبْعَ عشرة، وفي السَّنة السابعةَ عشْرةَ، من نبوَّته كانت غزوةُ "بدر الموعد"، وفَّى فيها النبي ﷺ بالوعد في الإِتيان إلى بدرٍ للقاءِ قريش للقتال ومقارعةِ الأبطال، فآذَنَهم اللهُ فلم يأتوا، وإنما اعتُبر ما بعد الهجرة من أحوال النبوة عندما عُدَّت الكلمات الخطيَّة العشر لكونها أقوى أحوالِ النبوة -كما أن الكلماتِ الخطيةَ أقوى من الضمائر وإنِ اشترك الكلُّ في اسم الكلمات-، فلذلك أُخذ تمام البتر للشانئ، وهو ما كان في السنة الحاديةَ عشْرةَ من هلاك أهل الرِّدة وثباتِ العرب في صفة الإسلام .. ولما ضُمَّت الضمائرُ البارزة الخمسة -التي هي أقربُ من المستترة إلى الكلماتِ الخطية وأضعفُ من الكلمات الخطية - اعتُبر من أولِ السورةِ لمناسبةِ ما كان من ضعف الحال فيما

стр. 196

كان قبل الهجرة، فوازى ذلك السنةَ الثانيةَ من الهجرة التي كانت فيها غزوة "بدرٍ الكبرى"، وهي وإن كانت من العِظَمِ أمر بالغ جدًّا، لكنها كانت على وجهٍ مخالف للقياس، فإنَّ حالَ الصحابة ﵃ كان فيها في غاية الضَّعف، ولكونها أولَ ما وقع فيه النصر من الغزوات لم تكن نفوس المخالفين مُذعِنةً؛ لأن ما بعدها يكون مِثْلَها، فإذا ضُمَّ إلى ذلك الضميران المستتران -وهما أضعف من البارز- انطبق العددُ على سَنةِ غزوةِ "بدر الوعد" في سنه أربع، وهي -وإن كانت قويةً لكونِ قريش ضَعفوا عن اللقاء - لكنْ كان حاَلُها أضعفَ من "بدر" التي وقع فيها القتالُ وأستر، وكونُ كلماتِها الخطيةِ والاصطلاحيةِ التي هي أبعاضُ الكلماتِ الخطية سبْعَ عشْرةَ مؤذِنٌ بأن الأمرَ في ﴿فَصَلِّ﴾ مُصوَّبٌ بالذات وبالقصدِ الأول إلى الصلواتِ الخمس التي هي سَبْعَ عشْرةَ ركعة، وأن مَن ثابر عليها كان مُصليًا خارجًا من عُهدةِ الأمر، فإذا قُصِدَتْ في السَّفَرَ بما اقتضته صِفة التربية بالإحسان نَقَصت بقَدْرِ عِدَّةِ الضمائرِ سوى الذي وفى الأمر بها؟ لأن الأمرَ الناشئَ عن مَظهرِ العَظمة لا يليق فيه التخفيف بنفس كلمةِ الأمر، وإذا أضفنا إليها كلماتِ البسملة الأربعَ كان لها أسرار كبرى من جهةٍ أخرى، وذلك أن الكلماتِ الخطيَّةَ تكون أربعَ عشْرةَ إشارةً إلى أن ابتداءَ البَتْرِ للأضداد يكونُ بالقوَّة القريبة من الفِعل بالتهيئ له في السَّنةِ الرابعةَ عشْرةَ من النبوة، وذلك عامَ الهجرة، فإذا أضفنا إليها الضمائرَ البارزة التي هي أقربُ إلى الكلمات الخطية -وهي خَمْسة- كانت تِسْعَ عشرة، وفي السنةِ التاسعةَ عشْرةَ من النبوة -وهي السادسة من الهجرة- كان الفتحُ المُبين على الشانِئين الذي أنزل الله فيه سورة "الفتح"، فإذا أضفنا إليها الضميرين المستترين كانت إحدى وعشرين

стр. 197

وهي سَنة ثمانِ من الهجرة سَنَة الفتح الأكبر الذي عمَّ العِلمُ فيه بأن الشانئَ هو الأبتر، وإذا اعتَبَرْتَ خروفَها المتلفَّظَ بها كانت أربعةَ وأربعين حَرْفًا، فإذا ناظَرْتها بالسِّنين مِن أولِ حينِ النبوة كان آخِرها سنةَ إحدى وثلاثين من الهجرة، وهي سنة البتر الأعظم لشانئِهِ الأكبر الذي مَزَّق كتابه، وكان مالِكًا لبلاد اليمن، وهو قَدْرٌ كبيرٌ من بلاد العرب، وكذا لغيرهم مما قارَبَ بلاده، وكانت قريشٌ تجعلُه مِن عدادهم، وهو كسرى ملك الفرس، ففيها كان انقراضُ فلكِهم بقتل آخِرِ ملوكِهم "يزدَجِرْد"، كما أنك إذا اعتبرت كلماتِها الخطيةَ مع الضمائر البارزة التي هي كلماتٌ اصطلاحية -دون ما استُتر- فإنَّ وجوبَ استتارِه مَنع من عَدِّهِ كانت تسْعَ عشْرةَ كلمة، فإذا اعَتَبْرت بها ما بعد الهجرة وازَتْ وقتَ موتِ "قيصَر" طاغية الروم في سنةِ تِسْعَ عشْرَة من الهجرة أهلكه الله، وقد تجهَّز إلى قتال العرب بالإسكندرية بنفسه، وأمر ألاَّ يتخلَّف عنه أحدٌ من الروم فكَسَر الله بموته شوكةَ الروم، واستأسدت العربُ عند ذلك، فكانت الأحرُفُ مشيرة إلى بتر الشانئ من الفرس، والكلماتُ مشيرةً إلى بتر الشانئ من الروم، والفرس أولى بإشارةِ الأحرف لأنهم ليسوا بذَوِي عِلم، والروم بالكلمات لأنهم أهلُ علم، والكلماتُ أقربُ إلى العلم، وإذا اعتَبَرْت أحرفَ البسملة اللفظيةَ كانت ثمانيةَ عَشَر حرفًا، فإذا جعلتها سِنين من أول النبوة كان آخرُها سنةَ خمس من الهجرة، وفيها كانت غزوة "الأحزاب"، قال النبي ﷺ بعد إنصرافهم منها-: "الآن نغزوهم، لا يغزونا"، فهو أولُ أخذِ الشانئِ في الانبتار، وإذا اعتبرتَ الأحرفَ بحسبِ الرسم كانت تسعةَ عشَرَ آخرُها سنةَ ستٍّ، هي عُمرةُ الحديبية سنةَ الفتح السّبَبي، وهو الصّلحُ الذي نزلت فيه سورةُ "الفتح" وسماه الله فتحًا، وقال

стр. 198

النبي ﷺ : "إنه أعظمُ الفتح"، فكان سببُ الفتح الأعظم بخُلطةِ الكفارِ لأهل الإسلام بالصُّلح، فأسرعوا إلى الإسلام بالدخول فيه لِمَا رَأَوا من محاسنِ الدين وإعجازِ القرآن، فكانوا يومَ الفتح عَشَرةَ الَافٍ -بعد أن كانوا قبلَ ذلك بسنتين يومَ الحديبية ألفًا وأرَبَعمئة-، والله الموفق. هذا يسيرٌ من أسرارِ هذه السورة، وقد عُلم منه من إعجازِها ما يشرحُ الخواطر ويُبهج النواظر؛ لأنه يفوقُ حُسنًا على الرياض النواضر، وعُلم أيضًا جنونُ الخبيثِ المَسخرةِ مُسيلِمةَ الكذاب -عليه اللعنةُ والتباب، وله سوء المنقلب والمآب-، حيث قال في معارضتها: "إنا أعطيناك الجماهر، فَصلِّ لربك وهاجر، إنا كفيناك المُكابر أو المُجاهر"؛ لأنه كلامٌ -مع أنه قصيرُ المدى-، رَكيكُ اللُّحمة والسدى، غريقُ الساحة والفنا في الهلك والفنا، ليس فيه غَنى، بل كلُّه نَصَبٌ وعنا، هَلْهَل النسج، رثُّ القوى، مُنفصمُ العُرى، مخلخَلُ الأرجا، فاسدُ المعنى والبنا، سافلُ الألفاظ، مر الجنا" (١) اهـ. فسبحان من علا كلامه على كل كلام. * معجزة متجدِّدة: ° مهما غاصَ العلماءُ في بحارِ النورِ الزواخر، واستخرَجوا منها روائعَ اللآليء وبدائعَ الجواهر، ونثروها أو نَظَموها عقودًا في جِيد الزمان، أو جَعلوها تِيجانًا في مَفرِقَ الأيام للإحاطة بقَدْرِ هذه المعجزة المتجدِّدة لنبيِّنا، فلن يبلغوا من ذلك المنتهى: "إن هذه الأرض، بأركانها الأربعة، وقارَّاتها الخمس، وملياراتِها السِّتة، وفي دَوْرات أيَّامها السَّبعة، لَتَشْهَدُ بأن

стр. 199

اسم النبي محمد ﷺ يتردَّدُ على مدارِ ساعاتِ اليوم، بل دقائقِ الساعة، بل ثوانيِ الدقيقة، بل أجزاءِ أجزاءِ الثانية .. يترَدَّدُ اسمُ محمد ﷺ كلَّ لحظةٍ تحتَ كلّ سماء، فما مِن نَسَمةٍ مسلمةٍ في أرجاء العالم المملوء بالمسلمين، إلاَّ وهي تنطقُ اسمَ النبي ﷺ مقرونًا باسم الله الأعلى، في كلِّ صلاةٍ مفروضة أو مسنونة، وتُردِّدُها في كلِّ أذانٍ وإقامةٍ، وفي الثناءِ والدعاء، والذِّكر والشكر .. فتبقى الأرضُ كلُّها تَلْهَجُ باسم النبي ﷺ ، من كلِّ أصحابِ اللغات واللهجات، ومن كلّ ذَوِي الجِنسيَّات والعِرْقيَّات، ومِن كلِّ الأعمارِ في كلِّ الأقطار، مَقرونًا باسم الله، ليصدُقَ قولُ الله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٣] .. فهو الذي تمَّ معناه وصورتُه … ثم اصطفاه خليلاً بارئُ النَّسَم * أَعْلى وأغلى مَثَلٍ للحقِّ رسولُ الله ﷺ باقٍ ما بَقِيَتْ دُنيا الرحمن: * قال الله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧]. مثلٌ للحقِّ والباطل يضربُه الله: إن الماء لَينزلُ من السماء فتَسيلُ به الأودِية، وهو يَلُمُّ في طريقه غثاءً، فيطفو على وجهه في صورةِ الزَّبد حتى ليَحجُبَ الزَّبدُ الماءَ في بعض الأحيان .. هذا الزَّبد نافشٌ رابٍ منتفخ -ولكنه بَعدُ غثاءٌ-، والماء منْ تحته ساربٌ ساكنٌ هادئ .. ولكنه هو الماءُ الذي يحملُ الخير والحياة .. كذلك يقعُ في المعادن التي تُذابُ لتصاغَ منها حِليةٌ كالذهب

стр. 200

والفضَّة، أو آنيةٌ، أو آلةٌ نافعةٌ للحياة، فإنَّ الخَبَثَ يطفو وقد يَحجُبَ المعدِنَ الأصيل، ولكنه بَعْدُ خَبَثٌ يَذهبُ ويبقى العدن في نقاء. ذلك مَثَلُ الحق والباطل في هذه الحياة، فالباطلُ يطفو ويعلو ويَنتفخُ ويبدو رابيًا طافيًا، ولكنه بَعْد زبدٌ أوْ خَبَث، ما يَلبثُ أن يذهبَ جُفاء مطروحًا لا حقيقةَ له ولا تماسُك فيه .. والحق يظل هادئًا ساكنًا، وربما يَحسبه بعضهم قد انزوى، أو غار، أو ضاع، أو مات، ولكنه هو الباقي في الأرض كالماءِ المحيي والمعدِن الصريح. * وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٦]. إن الكلمةَ الطيِّبة -كلمةَ الحق- كالشجرة الطيبة .. ثابتةٌ سامقةٌ مثمرة .. ثابتةٌ لا تزعزغها الأعاصير، ولا تعصِفُ بها رياحُ الباطل، ولا تقوى عليها مَعاولُ الطغيان، سامقةٌ متعالية، تطِلّ على الشرِّ والظُّلم والطغيان مِن عَلٍ وإنْ خُيِّل إلى البعض أحيانًا أن الشر يَزْحَمها في الفضاء، مثمرةٌ لا ينقطعُ ثمرُها؛ لأن بُذورَها تَنبتُ في النفوس المتكاثرة آنًا بعد آن. وإنَّ الكلمةَ الخبيثةَ -كلمةَ الباطل- كالشجرة الخبيثة، قد تَهيجُ وتتعالى وتتشابك، ويخيَّلُ إلى بعضِ الناس أنها أضخمُ من الشجرة الطيبة وأقوى، ولكنها تظلُّ نافشةً هشَّةً، وتظل جذورها في التربة قريبةً حتى لكأنها على وجهِ الأرض .. وما هي إلاَّ فترةٌ ثم تُجتَثُّ من فوقِ الأرض، فلا قرار لها

стр. 201

ولا بقاء. والخيرُ الأصيل لا يموتُ ولا يَذوِي، مهما زَحَمه الشرُّ وأَخَذ عليه الطريق .. والشرُّ كذلك لا يعيشُ، بل يتهالكُ ويتهشَّم، مهما تضخَّم واستطال. إنَّ الخيرَ بخير! وإنَّ الشرَّ بِشَر. * ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ﴾ ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ﴾: كلامُ الملوك ملوكُ الكلام، فقد تكفَّل اللهُ بنصرِ نبيِّه .. فقد نصَرَه الله .. هكذا أتت بصيغة الماضي .. قبل هذا الوجود .. وقبل خَلقِ السماوات والأرض بخمسين ألفَ سَنةٍ حين قدَّر الله مقاديرَ الخلائق .. بل قبل ذلك .. فالقرآن من كلام الله، وكلامُ الله صفة لله .. انتهت القصة والأيامُ كفيلةٌ بإبرازِ ذلك .. يَبقى ذِكرُه، ويتولَّى الله نُصرتَه، ويذهبُ شانؤوه إلى مزابلِ التاريخ. ﴿حَسْبُكَ اللهُ﴾، يَكفيك من كلِّ ما أهمَّك، يَحفظُك في الأزمات، وَيرعاك في المُلِمَّات، ويَحميك في المُدْلَهمَّات. ﴿حَسْبُكَ الله﴾، فهو ناصرُك على كلِّ عدو، ومُظهِرك على كلِّ خَصم، ومؤيِّدك في كلِّ أمر، يُعطيك إذا سألت، ويغفرُ لك إذا استغفرت، وَيزيدُك إذا شكرت، ويَذكُرُك إذا ذَكرت، وينصرك إذا حاربت، ويوفِّقك إذا حَكمت. ﴿حَسْبُكَ اللهُ﴾، يَمنحُك العِزَّ بلا عشيرة، والغِنَى بلا مال، والحفظَ بلا حَرَس، فأنت المُظَفَّر؛ لأنَّ الله حَسْبُك! وأنت المُوفَّق لأنَّ الله حَسْبُك،

стр. 202

فلا تَخَفْ من عينِ حاسد، ولا مِن كيد كائد، ولا مِن مَكْرِ ماكر، ولا مِن خُبثِ كافر، ولا من حِيلةِ فاجر؛ لأن الله حسبُك. ﴿حَسْبُكَ اللهُ﴾، مِن صولةِ الباطل، ودعايةِ الشِّرك، وجَلَبَةِ الخصوم، ووعيدِ اليهود، وخُبْثِ النصارى وكفرِهم، وتَربُّص المنافقين، وشماتةِ الحاسدين. ﴿حسْبُكَ اللهُ﴾ .. إذا أعرَضَ القريب، وشَمِت العدو .. إذا أتت المصائب، وتوالَتِ الخطوب، وحفَّتِ النكبات. ﴿حَسْبُكَ اللهُ﴾ .. إذا أبطأ النصرُ، وتأخرَّ الفتح، واشتدَّ الكرب، وادْلَهمَّ الخَطْب .. أنت مَحفوظٌ لأنك بعين الله، وأنت محروسٌ لأنك خليلُه، وأنت في رعياته لأنك رسولُه، وأنت في حِمايته لأنك عبدُه المُجتبَى، ونبيُّه المصطفى ﷺ ولأنك الجوهرة اليتمية التي ما جاد بِمثلها الزمان -مِن قَبَلك ولا من بعدِك- إلى أن يَرِثَ اللهُ الأرضَ ومن عليها. ° قال ابن عباس ﵁ ولله درُّه -: "واللهِ ما خَلَق الله وما ذَرَأ وما بَرَأ نَفْسًا أكرمَ عليه من محمدٍ ﷺ .. وما أقسَمَ اللهُ بحياةِ أحدٍ غيره". * قال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] .. فهو الذي تَمَّ معناهُ وصورتُهُ … ثُم اصطفاه خليلاً بارئُ النَّسَمِ * * *

стр. 203

عُذْرًا رسول الله (١) "فِي الذب عَنْ رسُولِ الله ﷺ -ورَدْعِ البقَرِ الدَنِمَاركِيِّ الحلُوب": إِلَى قَيْءِ الحَضَارَةِ، بَلْ سَقْطِ السَّفَالَةِ، وأَدْعِيَاءِ التَقَدُّم، ولُصُوصِ التَمَدُّنِ، أُولَئِكَ الّذِينَ سَفِهُوا، وَأوْحَلُوا، فَعَابُوا أَطْهَرَ الخَلْقِ، وأَشْرَفَ الرسل، فَعَلا وسَفِلُوا، وطَهُرَ ودَنِسُوا، وخَلُدَ وذَهبوا إِلَى مَزَابِل التَّارِيخ. إِلَيْهِمْ وإلَى أَذَنَابِهِمْ، أُولئِكَ الذين أَعْمَاهُمْ بَرِيقُ الغَرْبِ الخَادعُ، فَرَاحُوا يَتَهَافتونَ عَلَيْهِ تَهافُتَ الفَرَاشِ عَلى النَّارِ، بَلْ رَاحُوا يَتدافعون عليْهِ تَدَافُعَ الحُمُرِ عَلَى المُسْتَنْقَع الآسِنِ، إليهمْ -وليْتهُمْ يعقلُون- .. حِمَمٌ تَثُورُ وأَنْفُسٌ تَتَفَطرُ … وأَزِيزُ أَفْئِدَة تَكَادُ تَبَخَّرُ ومَدَامِعٌ بِدُمُوعِهَا ثَمِلَ (٢) الثَّرَى … وتَدَفقَتْ بِدِمَائِهِنَّ الأبْحُرُ تَرْنُو إِلَيْكَ شَوَاخِصًا مَشْدُوهَةً (٣) … قَرْحَى فمَا تَغُفُو ولَا هِيَ تبصِرُ وجَوانِحٌ كَالنارِ تَحْطِمُ نَفْسَهَا … وتَكَادُ مِنْ غَيْظ بِهَا تَتَنَاثَرُ وجِبَالُ غَيْمٍ تَسْتَحِيلُ مجامِرًا … وتَكَادُ تَقْذِفُ بِالجِمَارِ وتهْمُرُ (٤) واليَمُّ مَوَّارُ الجَوَانِحِ هَائِجٌ … يَنْهَى جُمُوعَ العَالَمِينَ وينذِرُ يَسْتَأذِنُ الجَبَّارَ يُغْرِقُ جَمْعَهُمْ … فَلَطَالَمَا نَقَضُوا العُهُودَ وأَخْفَرُوا وِإخَالُ هَذِي الشمْسَ تَسالُ رَبَّهَا … أَنْ تَحْرِقَ الكَوْنَ الأَثِيمَ وتَصْهَرُ!

стр. 204

وتَخِرُّ تَحْتَ العَرْشِ تَرْجُو رحْمةً: … إِنْ أَمْهَلَ البَاغِينَ ألاَّ تُسْفِرُ والأرْضُ مِنْ حَنَقٍ تَمُورُ زَلازِلاً … وتَوَدُّ لَوْ تَئِدُ العُصَاةَ وتَقْبُرُ حَتَّى النَّسِيمُ العَذْبُ يُعْلِنُ ثَوْرَةً … ويَثُورُ إِعْصَارًا يُبِيدُ .. يُدَمِّرُ ضَجَّ الوُجُودُ بِنَا وثَارَ جَمَادُهُ … أَنْ يُسْتَضَامَ بِهِ النَّبِيُّ الأنْوَرُ * * * أَعِصَابَةَ "البَقَرِ الحَلُوبِ" رُوَيْدَكُمْ … فَسَوَائِمُ (١) الأبْقَارِ منكُمْ أحْضرُ (٢)! مَا كُنْتُ أَهْوَى أَنْ أَسُومَ قَطِيعَكُمْ … بِنِصَالِ قَافِيَةٍ تَفُلُّ (٣) و"تَنْحَرُ" مَا كنتُ أهْوَى لَا لِرِفعَةِ قَدْرِكِمْ … فَلأَنْتُمُ أَدْنَى لَدَيَّ وأحْقَر لكِنْ لأسْمُوَ فَوْقَ وَهْدَةِ وَحلِكُمْ … حَيْثُ الجِنَانُ ومِسْكُهُنَّ الأذْفَرُ لكِنَّكُمْ تَأبَوْنِ غَيْرَ قَصِيدَة … تبدِي سُعَارَ "جُنُونِكُمْ" وتُحذِّرُ وكذلك الأبْقَارُ يُعْضِلُها (٤) الحِجا (٥) … ويسُوسُهَا السَّوْطُ الرفيعَ ويزْجرُ! فَلتُفْسَحُوا لِي ضيِّقَاتِ صُدُورِكُمْ … أَجْلُوا غِشاوَةَ قَلبِهَا واطَهِّرُ * * * أَيْنَ الحَضَارَةُ يَا رَجِيعَ (٦) حَضَارَةٍ … رَعْنَاءَ مِنْ وَحْلِ البَذَاءَةِ تَسْكَرُ!

стр. 205

أمِنَ الحَضَارَةِ أنْ أسُبَّ جَهَالَةً … مَنْ لَسْتُ أَدْرِي سَمْتَهُ بَلْ أَسْبُرُ (١) أتَرَوْنَ خَيْرَ الخَلقِ صَبًّا وَالِهًا … فَمُنَاهُ مِنْ خَلفِ النِّسَاءِ تَقَصَّرُ؟! أوَمَا خَبَرْتُمْ كَمْ تَزَوَّجَ ثيبا (٢)؟! … والزَّهْرُ بَعْدَ قِطَافِهِ مَا يَسْحَرُ! ما رَامَ أَبكَارًا هُنَالِكَ خُرَّدًا (٣) … يَنْدَى لَهُن الحُسْنُ بَلْ يَتَخَدَّرُ بَلْ للأرَامِلِ كَيْ يَصُونَ عَفَافَهَا … فَتَقَر حَاضِنَةٌ وَيَحْلُمُ قُصَّرُ وَيَلُمُّ شَعْثَ قَبَائِلٍ حَوْلَ الهُدَى … فَيَضُمُّ أقْطَارًا (٤) لها ويُصَاهِرُ وَلِحِكْمَة لَسْنَا نَرَاحُ (٥) طُيُوبَهَ … ولَئِنْ تَفَانَى فِي سَنَاها النَّاظِرُ هُوَ إِنما بالوَحْي عَاشَ حَيَاتَه … بالوَحْى ما يبدِي وُيخْفِي الخَاطِرُ مَا إِنْ يُجَاوِزُ امْرَهُ وسَبيلَهُ … لله إِذ يَرْسُو وإِذْ هُوَ يبحِرُ أُحُثَالَةَ الشُّذاذِ أنْتُم مَن هَجَى … مِنَّا الرسولَ وراحَ فيه يُغَامِرُ؟! أتَرَوْنَ تَعْدَادَ الحَلائِلِ (٦) سُبَّةً … وجَريمةً نَكْرَاءَ مَا إِنْ تُغْفَرُ؟! فَقَطيعُكُم أبَدًا يُدِنْدِنُ حَوْلَها … ويَحُومُ حَول رَبِيعِها وَيُخَوِّرُ (٧) لَكِن تَعْدَادَ الخَلائِلِ رِفْعَةً … عَليَاءَ مَا يَرْقَى لها مُتَأخِّرُ!!

стр. 206

أمَّا مُضَاجَعَةُ الرِّجَالِ فَمتعَةٌ … وحضارَةٌ تَسْبِي القُلُوبَ وتَأسِرُ!! بَلْ إِنَّ تَعْدَادَ المَحَارِم فِيكُمُ … شَرَفٌ ومَجْدُ حضارة تَتَفَاخَرُ!! فَلِمَجْدِكُمْ مَجْدُ "الحَمِيرِ" بِحيَنّا … تَلهُو بقَارِعَةِ الطريقِ وتَفْجُرُ وإذا الحَيَاءُ تَجَاهَلَتْكَ طُيُوبُه … فعجائِبُ الأقذارِ فيكَ تَكَاثَرُ!! وَلَكُمْ يَسُودُ المُترَفين زَنِيمُهُم (١) … ويُطاوِلُ الأشرافَ قَزْمٌ عاهِرُ!! "أبْقَار" أورُبَّا أما بِرُؤُوسِكُمْ … مِثْقَالُ ذَرٍّ مِنْ نُهًى تَتَفَكَّرُ؟! فَزَعَمْتُمُ المَعْصُومَ أَسَّسَ أُمَّةً … بِبَوَاتِرٍ تُحْنِي الرؤوُس وتقْهَرُ!! أوَمَا دَرَيْتُمْ كَيْفَ رَدَّ جِبَالَهَا؟! … فَعَسَى يَفِي وَلَدٌ ويُسْلِمُ كَافِرُ أتَرَوْنَ لَوْ قَهَرَ الجُسُومَ بِسَيْفِهِ … كَانَتْ تَهِيمُ بِهِ القُلُوبُ وتَنْصُرُ أفَهَلْ دَرَيْتُمْ أُمَّةً بِسُيُوفِهَا … تَزْكُو وتَرْشُفُ مِنْ جناهَا الأعْصُرُ؟! فَلتَسْألوا عَنْهَا بُغَاةَ "رُعَاتِكُمْ" … هَلْ قَرَّ فِي أرْضِ الفراتِ مَجَامِرُ؟! بَلْ كيْفَ تَكْثُرُ والمَعَامِعُ جَمَّةٌ … وقَدِ ارْتَخَتْ يَدهُا وفُلَّ البَاتِرُ؟! أَمْ هَلْ خَبَرْتُمْ أمَّةً بِحِرَابِهَا … لَمَّا تَزَلْ فِي كُلِّ صِقع تُزْهرُ؟! ولْتَنْظُرُوا لَمَّا يَزَلْ ببلَادكُمْ … يَنْمُو لَنَا الدَّوح الوَرِيفُ ويثمِرُ! ولْتَسْأَلُوا عَنَّا "الهُنُودَ" وَسَلمَهِمْ … لِمَلائِكٍ يِهُدى الشَّرِيعَةِ تَاجَرُوا! لَمَّا تَزَلْ أمَمُ العِدَا إِذْ أَسْلَمَتْ … تَزْدَانُ -مِن نَسبٍ إِلَيه- وتَفْخَرُ وِإذَا الجَوَارِحُ (٢) لَمُ تُرَوِّضْهَا النُّهى … بَالَتْ مَدَامِعُهَا وغَاطَ (٣) المِشْفَرُ!

стр. 207

عُذْرًا رَسُولَ الله دُونَ خِطَابِكُمْ … تَعْنُوا فَلاسِفَةُ البَيَانِ وتَعْقُرُ (١) مَا زِلْتُ دُونَ حَدِيثكُمْ مُتَحيِّرًا … لَهْفَانَ أُقْدِمُ تَارةً وأُأَخَرُ!!! مَا زِلْتُ خَلفَ اللَّفْظِ أَلهَثُ جَاهِدًا … ومَشَاعِرِي بِمَشَاعِرِي تَتَعَثَّرُ!! كيْفَ الحَدِيثُ وذِي شمَائِلُ ثَرَة … وعَبِيرُ جَنَّاب يَفُوحُ وعَنْبَرُ؟! ونَدًى لِطِيبِ رُضابِه ثَمِل النَّدَى … واشْتَاقَ وَرْدٌ واسْتَهَامَ صُنُوبَرُ! وإخَالُ أشجارَ الوُجُودِ وَقْد ذَوَتْ (٢) … فَإِذَا ذُكِرْتَ خِيَالَها تَخْضَوْضَرُ بَلْ سَبَحَ الضَخْرُ الجَمَادُ بِكَفكُمْ … بَكَتِ الجِمالُ .. هَفَا إِليكَ المِنْبَرُ مَاذَا أقولُ أنا وتِلكَ سمَاتُكُم … بَيْضَاءَ تَعْشَى مِن سَنَاها الأسْطُرُ؟! فَليَكْفِنِي شَرَفًا أُنَافِحُ (٣) عَنكُمُ … فَلَذَاكَ عِزُّ الدَّهْرِ بَلْ هُوَ اكبَرُ * * * أيْ أمَّةَ الإِسلام أَخْيَرَ أُمَّةٍ … ثُورُوا لِعْرضِ نَبِيكُّمْ وَلْتَثأرُوا ثُورُوا ولَكِنْ ثَوْرَةً فَوْقَ النُّهَى … تُوْدي فَما يُجْدِي الهُتَافُ الثَّائِرُ؟ فَلتَطرُدُوهُمْ واقْطَعُوا أذْنَابَهُم … قَطَعًا تَذِلُّ له الرُّؤُوسُ وتَصْغُرُ بل قاطِعُوهم هم عَبِيدُ دَرَاهِمٍ … وجِراحُ عَبْدِ المال ما تَتَخَثَّرُ (٤) وأَرُوا العَوالِمَ مِن مَحَاسِنِ دِينِكُمْ … ما لَيْسَ يُنْكِرُهُ الكَفُورُ الأَكْفَرُ وَلْتَقْتَفُوا أَثَرَ النَّبِيِّ فطَالَما … سَكَنَ الشَّرِيدُ لهُ وحَنَّ النَّافِرُ

стр. 208

ما زالَ سُؤْالٌ في الجَوَانِحِ ثَاِرٌ … يَذْوِي به القَلبُ الكَلِيمُ ويَزْفُرُ أيثُورُ كَلبٌ (١) إِذْ يُسَبُّ رَسُولُنا … "والرُّكنُ" مَنْزُوعُ اللِّسَانِ وخَائِرُ؟! أنَّى لَهُ ثَأرُ المُحِبِّ وقَلبُهُ … يَعْمَى لآثارِ الرَّسُولِ ويَهْجُرُ ما زلتُ أَسألُ والعيونُ سَواجِمٌ (٢) … دارَ المآذِنِ: أينَ مِصْرُ .. الأزْهَرُ؟ (٣) * * * نبدأُ في ذِكرِ أعداءِ رسول الله ﷺ وشانئيه عبرَ التاريخ .. وفي ذِكرِ مصيرِهم ومآلِهم أعظمُ العِبَر لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد .. نَرى كيف ذهبوا إلى مزابل التاريخ تُشيِّعُهم لَعَناتُ اللاعنين جزاءَ تبجُّحِهم وتطاوُلِهم على سيِّد السادات، أزكى وأغلى وأعلى وأحلى البشر رسولِ ﷺ .. وإنْ نعلمُ لبعضهم خاتمة تُذكر فيها العِبرة فموعدنا يومَ القيامة .. اللهُ الموعد .. وهو الذابُّ عن نبيه، ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٤٨ - ٤٩]. * وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩].

стр. 209

* وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: ٦٦]. * أبو جهل -لعنه الله-، فرعونُ هذه الأُمَّة وأكبرُ أعداءِ النبي ﷺ -: عدوُّ الله أبو جهل، أكبر مُجرمي قريش، وأكبرُ أعداءِ النبي ﷺ ، ناصَبَه العِداءَ حتى آخِرِ رَمَقٍ من حياته، ملأ الأرضَ كُفرًا، وعاث في الأرض فسادًا، هو فرعونُ هذه الأُمَّة .. ومِن أكابِرِ شياطينِ الإنس -لعنه الله-. مِن أجل الرئاسة وحسدًا للنبي- ﷺ ، جَحَد نبوَّة خليل الرحمن محمدٍ! ﷺ ، وهو العليمُ بصِدقِ رسولِ ﷺ . • عن المغيرةِ بنِ شُعبة ﵁ قال: "إنَّ أولَ يومٍ عَرفتُ فيه رسولَ الله ﷺ كنت أنا وأبو جهل بنُ هشام في بعضِ أزِقَّةِ مكة، إذْ لَقيَنَا رسولُ الله ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ لأبي جهل: "يا أبا الحكم! هَلُمَّ إلى الله وإلى رسوله، إني أدعوك إلى الله"، فقال أبو جهل: يا محمد، هل أنت مُنتهٍ عن سَبِّ آلهتِنا؟ هل تريدُ إلاَّ أن تشهدَ أنْ قد بَلَّغْتَ؟ فواللهِ لو أني أعلمُ أنَّ ما تقولُ حقًّا ما تَبِعتك!. فانصرف رسولُ الله ﷺ ، وأقبل عَلَيَّ، فقال: واللهِ إني لأعلمُ ما يقول حقٌّ، ولكن بَنِي قُصَيٍّ قالوا: فينا الحِجابة، فقلنا: نعم، قالوا: فينا النَّدْوة، قلنا: نعم، قالوا: فينا اللواءُ، قلنا: نعم، قالوا: فينا السِّقاية، قلنا: نعم. ثم أطعَموا وأطعمنا، حتى إذا تحاكَّتِ الرّكَبُ قالوا: مِنَّا نَبِىٌّ! فلا واللهِ لا أفعل" (١).

стр. 210

° قال المِسْورُ بنُ مَخْرمة -وهو ابنُ أختِ أبي جهل- لأبي جهل: "يا خالي، هل كنتم تتَّهِمون مُحَمَّدًا بالكذِب قبلَ أن يقولَ ما قال؟ فقال: يا ابنَ أختي، واللهِ لقد كان محمدٌ فينا وهو شابٌّ يُدعَى "الأمين"، فما جرَّبنا عليه كَذِبًا قطُّ. قال: يا خال، فما لكم لا تتَّبعونه؟! قال: يا ابن أختي، تنازَعْنا نحن وبنو هاشم الشرفَ، فأطعَموا وأطعَمْنا، وسَقَوا وسَقَيْنا، وأجارُوا وأَجَرْنا، حتى إذا تجاثَيْنا على الرُّكَب -وكنَّا كفَرَسَيْ رهانٍ- قالوا: "مِنَّا نبيٌّ"، فمتى نُدرِك مثلَ هذه؟ ". ° وقال الأخنسُ بنُ شَريق يومَ بدرٍ لأبي جهل: "يا أبا الحكم، أخبِرْني عن محمدٍ، أصادِقٌ هو أمْ كاذبٌ، فإنه ليس ها هنا من قريش أحدٌ غيري وغيرُك يسمعُ كلامنا؟ فقال أبو جهل: وَيحك! واللهِ إن محمَّدًا لصادق، وما كَذَب محمدٌ قط، ولكنْ إذا ذهبتْ بنو قُصَيٍّ باللواءِ والحِجابةِ والسِّقايةِ والنُّبوَّة، فماذا يكون لسائِر قريش؟ " (١). ° وروى البيهقي بسنده عن ابن إسحاقَ: حَدثَني الزُّهريُّ قال: حُدِّثتُ أنَّ أبا جهل وأبا سفيان والأخنسَ بنَ شَريق خَرَجوا ليلةً ليسمعوا من رسول الله ﷺ وهو يُصلِّي بالليل في بيته، فأخذ كلُّ رجل منهم مجلسًا ليستمع منه، وكلٌّ لا يعلمُ بمكانِ صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا أصبحوا وطَلَعَ الفجر تفرَّقوا، فجمعهم الطريقُ فتلاوَموا، وقال بعضُهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعضُ سفهائِكم لأوقعتم في نفسِه شيئًا. ثم انصرفوا .. حتى إذا كانت الليلةُ الثانيةُ عاد كلُّ رجل منهم إلى مجلسِه،

стр. 211

فباتوا يستمعون له، حتى إذا طَلَع الفجر تفرَّقوا، فجَمَعهم الطريقُ، فقال بعضُهم لبعضٍ مثلَ ما قالوا أولَ مرة، ثم انصرفوا .. فلما كانت الليلةُ الثالثةُ أخذ كلُّ رجلٍ منهم مجلسَه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طَلَع الفجرُ تفرَّقوا، فجَمَعهم الطريقُ، فقالوا: لا نَبْرَحُ حتى نتعاهَدَ ألاَّ نعود، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرَّقوا. فلما أصبح الأخنسُ بن شَريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني -يا أبا حنظلة- عن رأيك فيما سمعتَ من محمد؟ فقال: يا أبا ثعلبة، واللهِ لقد سمعتُ أشياءَ أعرفُها وأعرفُ ما يُرادُ بها، فقال الأخنس: وأنا والذي حَلفتَ به، ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه بيتَه، فقال: يا أبا الحكم، ما رأيُك فيما سمعتَ من محمدٍ؟ فقال: ماذا سمعتُ؟! تنازَعْنا نحن وبنو عبد منافٍ الشرفَ، أطعموا فأطعمنا، وحَمَلوا فحَمَلْنا، وأعطَوْا فأعطيْنا، حتى إذا تجاثَيْنا على الرُّكَب -وكُنَّا كفرسَيْ رِهان- قالوا: مِنَّا نبيٌّ يأتيه الوحي من السماء .. متى نُدرِكُ هذه؟ واللهِ لا نسمعُ به أبدَّاَ ولا نصدِّقه .. فقام عنه الأخنس بن شَريق" (١). فيا له من قزمٍ أحمقَ، مَكَّن الهوى والعنادَ من قلبه، والجحودَ والكفرَ والحسدَ والبَغْيَ مِن صَدره، والمخالفةَ من جوارحه، فصار يتقلَّبُ في ظلماتٍ بعضُها فوقَ بعض، فمُدْخلُه ظُلمة، ومُخْرَجُه ظُلمة، وقولُه ظُلْمة، وعملُه ظلمة، وقَصْدُه ظلمة، وهو متخبِّطٌ في ظلماتِ طبعِه وشِرْكه وهواه، وقلبُه مُظلم، ووجهُه مُظلم .. أشرَقَ له نورُ النبوة، فكان بمنزلة إشراقِ الشمس على بصائرِ الخُفَّاش ..

стр. 212

بصائرُ أعشاها النهارُ بضَوئِه … ولاءمَها قِطعٌ من الليل مظلِمُ أصَمَّه اللهُ وأبْكَمَه وأعماه، فهو ميِّت الدارَين، فاقدُ السَّعَادتيْن، قد رضِي بخِزي الدنيا وعذابِ الآخرة، باع التجارةَ الرابحة بالصفقةِ الخاسرة، قلبُه عن نبي الله ﷺ مصدود، وسبيلُ الوصول إلى جنةِ ربِّه وقُربُه منه مسدود، هو وليُّ الشيطان، وعدوُّ الرحمن، وأبو الكفرِ والفسوقِ والعِصيان. * ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾: ° عن سعيدِ بن جُبير قال: "قلت لابن عباس: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤ - ٣٥]، قال: قاله رسول الله ﷺ لأبي جهل، ثم أنزله الله " (١). * قال تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ [القيامة: ٣١ - ٣٥]. ° قال الطبري: " يقول تعالى ذِكرُه: لَم يُصدِّقْ بكتابِ الله، ولم يُصَلِّ له صلاة، ولكنه كَذَّب بكتابِ الله، وتولَّى فأدبَرَ عن طاعةِ الله". ° قال قتادة: "قوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾: لا صَدَّقَ بكتابِ الله، ولا صلَّى لله، ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ كذَّب بكتاب الله، وتولَّى عن طاعة الله".

стр. 213

﴿ثمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾. ° قال قتادة: "أي: يتبختر .. وهو أبو جهل ابن هشام، كانت مشيته". ° وقال مجاهد: "كان يتبختر". ° وقال أيضًا: " ﴿يَتَمَطَّى﴾ أبو جهل". ° وقال ابن زيد: "هذا في أبي جهل متبخترًا" (١). • وقد نهى النبي ﷺ عن هذه المِشية، فقال: "إذا مَشَتْ أمَّتي المُطَيْطاء، وخَدمها أبناءُ الملوكِ -أبناءُ فارسَ والروم-، سُلِّط شِرارُها على خيارها" (٢). كان أبو جهلٍ عمرُو بنُ هشام يجيءُ أحيانًا إلى رسول الله ﷺ يَسمعُ منه القرآنَ، ثم يذهبُ عنه، فلا يؤمنُ ولا يُطيع، ولا يتأدبُ ولا يخشى؛ ويؤذِي رسولَ الله بالقول، ويَصُدُّ عن سبيل الله .. ثم يذهبُ مُختالاً بما يفعل، فخورًا بما ارتكب من الشر، كأنما فَعَل شيئًا يُذْكَر .. والتعبيرُ القرآني يتهكَّمُ به، ويَسخرُ منه، ويُثير السُّخرية كذلك، وهو يُصوِّرُ حركةَ اختياله بأنه ﴿يَتَمَطَّى﴾، يَمُطُّ في ظهره، ويتعاجَبُ تعاجُبًا ثقيلاً كريهًا!. وكم من أبي جهلٍ في تاريخ الدعوة إلى الله، يَسمعُ ويُعرض، ويتفنَّنُ في الصَّدِّ عن سبيل الله والأذى للدعاة، ويمكرُ مَكْرَ السَّيِّء، ويتولَّى وهو

стр. 214

فخورٌ بما أوقع من الشرِّ والسوء، وبما أفسد في الأرض، وبما صَدَّ عن سبيل الله، وبما مَكَر لدين الله وعقيدته وكاد!!. والقرآنُ يواجهُ هذه الخُيلاءَ الشريرةَ بالتهديد والوعيد: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾. ° قال الطبري: "هذا وعيدٌ من الله على وعيدٍ لأبي جهل". ° وقال قتادة: "وعيدٌ على وعيد كما تسمعون .. زعم أن هذا أُنزل في عدو الله أبي جهل: ذُكر لنا أن نبي الله أَخَذ بمجامع ثوبه، فقال: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾، فقال عدُّو الله أبو جهل: أيوُعِدُني محمد، واللهِ ما تَستطيعُ لي أنت ولا ربك شيئًا، واللهِ لأنا أعزُّ مَن مَشَى بين جَبَلَيْها" (١). • وعن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ قال: "أخذ النبيُّ ﷺ بيده - يعني بيَدِ أبي جهل-، فقال: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾. فقال: يا محمدُ، ما تستطيعُ أنت وربُّك فيَّ شيئًا، إني لأعَزُّ مَن بيْن جَبَلَيْها، فلمَّا كان يومُ بدرٍ أشرف عليهم، فقال: لا يُعبَدُ اللهُ بعدَ هذا اليوم أبدًا، فضَرَب اللهُ عُنُقَه، وقَتَله شرَّ قِتْلَةٍ" (٢).

стр. 215

° وقال ابن زيد: "قال أبو جهل: إن محمدًا ليُوعِدُني، وأنا أعزُّ أهل مكة والبَطحاء". وكم من أبي جهل في تاريخ الدعوات يعتزُّ بعشيرته وبقوَّته وبسُلطانه، ويَحسبها شيئًا؟ ويَنْسَى اللهَ وأَخْذَه، حتى يأخذَه أهونَ من بعوضةٍ، وأحقرَ من ذُبابة .. إنما هو الأجلُ الموعود، لا يَستقدمُ لحظةً ولا يَستأخِر. ° يا عدوُّ الله، تتمطَّى ومِلءَ بطنِك الخُرء!!، أولّك نُطفةٌ مَذِرة، وآخِرُك جِيفةٌ قَذِرة، وأنت بين هذا وذاك تحمِلُ العَذِرة .. جَدُّك البعيد ترابٌ ذليل، وأبوك القريب ماءٌ مَهين، وأنت خَرجْتَ من مجرى البول مرتين .. أنفٌ يسيلُ وأُذْنٌ كلُّها سَهَكٌ … والعينُ مُرمِصَةٌ والثَّغْرُ ملعوبُ يا ابنَ الترابِ ومأكولَ الترابِ غدًا … قصِّرْ فإنك مأكولٌ ومشروبُ بئس أبي جهل طغى وعتا، ونَسِيَ الجبَّارَ الأعلى .. نَسِيَ المبدأ والمنتهى .. نسى المقابر والبِلى. * ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]: تَبرُزُ صورةُ عدوِّ الله أبي جهل الطاغي الذي طغى وفَجَر، وبَغَى وتكبَّر، وأبطره الغنى، وهي صورةُ اللئيم الصغيرِ النفسِ الحقير، الهابط الذي يُؤتَى المالَ فتسيطر نفسُه به، حتى ما يُطيق نفسَه! ويروحُ يَشعرُ أن المالَ هو القيمةُ العليا في الحياة .. القيمة التي تَهُونُ أمامَها جميعُ القيم وجميعُ الأقدار: أقدارُ الناس، وأقدارُ المعاني، وأقدارُ الحقائق .. وتنطلقُ في كِيانه نفخةٌ فاجرة.
следующие страницы →