بين الثقافتين إن لم يكن مقدِّمة عمليَّةً لتأجيج حربِ حضارات.
البيان: ما رأيك ببعض المواقع على الإنترنت وتدَّعي الانتسابَ للإسلام، تضعُ استفتاءً عن سبِّ الرسول ﷺ ، وهل هو مقبولٌ بدعوى حرية الرأي أم لا؟!.
- إن قضيةَ تعظيم الرسول الكريم ﷺ عمومًا لا سيَّما مقابل أيِّ إساءةٍ أو إرادةِ انتقاص، فإنه ينبغي أن لا تَحمِلَ في ثناياها أيَّ ضعف، بل ينبغي أن تكون كلُّ المؤشِّراتِ في سياقٍ واحدٍ وهو التعظيم، وإني أرى أنه من الخطأ أصلاً التقليلُ من شأنها لتُجعل محلَّ نقاش، بل ينبغي أن يكون مستقرًّا أنها لا دَخلَ لها إطلاقًا بمبدأِ حريةِ الرأي، بل كان ينبغي أن يكونَ التساؤلُ حاملاً في طيَّاتِه النكيرَ الكبيرَ، وليس هذا الأسلوبَ الذي يُوهِمُ أنه من الممكن أن تكونَ هذه القضيةُ قابلةً للنقاش.
البيان: كلمتُكم تُجاهَ رجالِ الأعمال الكبار الذين قاطعوا المنتجات الدانماركيَّة؟
- من الأمور القطعية التي لا مِريةَ فيها أن حُبَّ النبي ﷺ أعظمُ من حبِّ الولد والوالد والمالِ بل والنفس؛ وعليه فإنَّنا نَفديه بآبائنا وأمهاتِنا، وكلُّ شيءٍ يَرخصُ فِدى رسول الله ﷺ ، وإنَّ كلَّ مَن ضَحَّى بشيءٍ إكرامًا لرسول الله فإني أقول له: عَوَّضك اللهُ خيرًا، بل قد عوَّضك؛ لأن مجردَ حُبِّك للنبي ﷺ هو أخيرُ وأفضلُ من الدنيا وما فيها. وأقول للجميع: إن مَن تَرَك شيئًا لله عَوَّضه اللهُ خيرًا في الدنيا والآخرة، وإنه لَجميلٌ جدًّا أن نرى أن الكل يُعبِّرُ عن حُبِّه لرسوْلِ الله ﷺ ؛ كلٌّ بحَسَبه، وكلٌّ بطريقته،
стр. 1647
وإنه ما دامت النوايا خالصةً فإنه لا يَضيعُ شيء عند الله، ويكفي مَن يَفدِي رسولَ الله ﷺ أنْ يَطمَحَ إلى نَيل شفاعته يوم القيامة وصُحبتهِ في جناتِ النعيم .. اللَّهم آمين.
البيان: سمِعنا أنَّ الدانماركيين بيَّتوا نيَّةَ إحراقِ المصاحفِ في أكبرِ ساحةٍ في "كوبنهاجن"، نرجو منك التوضيحَ لملابسات هذا الحدث؟.
- الحمد والمِنَةُ لله وحده أنه لم يَحصُلْ شيءٌ من ذلك أبدًا، والقضيُة قد بدأت بالظهورِ بعد إحراقِ العَلم الدانمركي أولَ مرةٍ في فلسطين، والعَلَمُ عندهم له قدسيةٌ مما مكَّننا أن نحتجَّ عليهم ألاَّ يُنكِروا علينا انزعاجَنا من إهانةِ مقدَّساتنا كما حَصَل لهم عند إحراقِ عَلَمهم.
المهمُّ أنه بُعَيْدَ ذلك انتشرت رسالةٌ قصيرةٌ عَبْرَ الجوال، وكان انتشارُها سريعَا جدًّا -كعادةِ الفتن- ولم يُعرف مصدرُها الأصلي، وطبعًا لم تتجرَّأ أيُّ جهةِ على تبنِّيها، وكان فيها دعوةُ الشباب الدانمركي للتجمُّع في الساحةِ العامةِ يوم السبت في ٤/ ٢/ ٢٠٠٦ وذلك لإحراق المصحفِ الشريف -عياذبًا بالله- ولكن وبعدَ إبلاغنا الجهاتِ الأمنيةَ وتحذيرِنا لهم من كونِ هذا العمل سيُحدثُ رِدَّةَ فِعل أعظمَ مما أحدثته الرسوماتُ، فإنهم وَعدوا بملاحقةِ الأمرِ ومَنْع حدوثه، ونحن بدورِنا نَصَحْنا بعدم تناقُل تلك الرسالةِ حتى لا تَشيع بل تُخبت، ونَعملُ على وأدها، وفي هذا اليوم الموعود احتشد عددٌ كبير من المسلمين -لا سيَّما الشباب- مع وجودٍ مكثَّفٍ للشرطة، بل مع وجود بعضِ الدانمراكيين المتعاطفين أو الخائفين من عواقبِ هذا الفعل، وقد حصَلت هناك مواجهاتٌ ولَغَطٌ أعقبه توقيفُ البعض، وتحوِّلت الحشودُ من ساحةٍ لأخرى، ولكن باءت كلُّ المحاولاتِ بإحراقِ المصحف بالفشل
стр. 1648
الذريع؛ فالحمدُ لله على ذلك؛ عِلمًا أن شعارَ المسلمين يومَها كان "لا يمكن أن يُحرَقَ المصحفُ وفِينا عِرقٌ يَنبض"، وطبعَا كلُّنا يعلمُ أن الحكومةَ ليس من مصلحتها الإذنُ بمثِل هذا الأمرِ حتى لا تُدخِلَ نفسها في أزمةٍ أكبر.
البيان: هل صحيح أن الجريدة التي رسمت صورًا مسيئةً لرسول الله ﷺ رَفضت قبل سنتين أن ترسمَ صورًا للمسيح عيسى بن مريم؟ وإذا كان ذلك صحيحًا أفلا ترى أن في ذلك تناقضًا صارخًا في دعاوى الحرية؟.
- نعم! لقد صرَّح غيرُ واحدٍ من المطلعين بل المتخصِّصين أن الجريدة في عام ٢٠٠٣ عُرضت عليها رسوماتٌ للمسيح ﵇ تحكي قيامتَه -عندهم-، إلا أنهم بادَروا برفضها، وعَلَّلوا ذلك أنه سيُغضِبون القُرَّاء، ولن يَروقَ لهم مشاهدةُ تلك الرسومات، وقد تُثيرُ احتجاجاتٍ هم بغِنًي عنها، وقد أورَدَتْ هذا الخبرَ جريدةٌ محليةٌ دانمركية إلى جانب المواقع العالمية.
وقد شاع خبرُ أن الصحيفةَ ستَنشرُ هذه الصورَ ورسوماتٍ عن اليهود يوم الأحد القادم، ولعل ذلك مَرَدُّه إلى مقابلةٍ أجرتها (CNN) مع المحرِّرٍ الثقافي الذي نَشَر الرسومات المسيئة لنبينا ﷺ ، وقد رَفع أثناءَ المقابلةِ رَسْم قُنبلةٍ عليها نجمة الصهاينة؛ إلاَّ أنه بُعَيْدَ المقابلةِ وعلى موقع جريدتِهم ظَهَر اعتذارٌ واضحٌ وصريحٌ على لسان هذا الشخص امتثالاً لأمرِ رئيس التحرير يقول: لا يمكن أن ننشر شيئًا عن المسيح أو الهولوكوست، والأعجبُ من ذلك كله -وهو آخِرُ خبر- أن المخطئَ -رَغمَ اعتذاره- قد أُعطِيَ في إجازة مفتوحة، فتأمل مدى حريةِ الرأي والتعبير، وكيف أنها تُطَبِّقُ في مجالٍ وتُمنع في آخَر، ألَا ينبغي بعد ذلك كلِّه أخذ إجراءاتٍ صارمةٍ لمنع مثل هذه الترهات تحت هذه الشعارات الزائفة؟.
стр. 1649
البيان: هل الشعب الدانماركي يَجهلُ حقيقةَ المصطفى ﵊؟ وبماذا تُوصي المسلمين لتبيين حقيقة رسول الله ﷺ للشعب الدانماركي؟.
- إنَّ ما جَرى ويجري وما واكب ذلك من مواقفَ يدلُّ بوضوح ٍعلى جَهل القومِ بشخصيةِ نبيِّنا الكريم ﷺ ، ولكن ليس هذا هو السبب الوحيد، بل الخلفيةُ الفكريةُ والثقافيةُ التي أَقصت الدينَ عن كلِّ مناحي الحياةِ وأضعَفت في النفوسِ معانيَ الاحترام والقَداسة، كل ذلك لَعِب دَورًا كبيرًا في الجُرأةِ على نَشرِ تلك الرسومات، يدلُّ عليه موافقةٌ أكثريةٌ (حسب إحصائهم) وعدمُ مبالاة الباقين؛ لأن القضيةَ لا تعنيهم، وكأن شيئًا لم يكن؛ لذا فإنه -ولا سيَّما بعد تكرارِ نشر تلك الرسومات في أغلب البلاد الأوروبية- فإنه لا بد من السعي على جهتين:
الأولى: جهةٌ دعوية تُعنَى بتوصيل رسالةِ الإسلام وسماحتِه لهؤلاء عَبْرَ كل الوسائل المتاحة، بل ابتكارِ كل ما من شأنه أن يوصِّل هذا الصوتَ المبارك، وهنا أنصحُ بالتنسيقِ الكامل بين العلماء الربانيين وبين المثقَّفين المأمونين الذين يعون الغرب تمامًا، وكيف يمكن مخاطبتُه.
الثانية: الجهةُ القانونيَّة؛ وذلك بالعمل لاستصدارِ قانونِ دانمركي، بل أوروبي إن لم أقل عالَميًّا، يُحرِّمُ نَشرَ مثل تلك الأمورِ، بل يُعاقِبُ ويُجرِّم مرتكبيها؛ لأنه إن غابت القداسةُ لمِ يَعُد ثَّمَ وازعٌ يردع، ولم يَبْقَ إلاَّ الجانبُ القانوني؛ لأنه يُحترَمُ في الغرب ويردعُ كثيرًا لخوفهم من عواقب المخالفة؛ فإنْ تَحقَّقَ فهو خيرٌ عظيم؛ لأنه يَجلبُ مصلحةً ويدفع مفسدة.
стр. 1650
البيان: السؤال الأخير: سمعنا أنَّ رئيس تحرير إحدى الجرائد المتورَّطة قدَّم اعتذارًا شفهيًّا للجالية المسلمة بالدانمارك، وأنَّ الدانمارك نفسَها قدَّمت اعتذارًا للمسلمين، برأيكم هل هذا صحيح؟ وهل آتى هذا الاعتذارُ أُكُلَه، وخصوصًا أنَّ الاستهزاءَ عاد مرةً أخرى في يوم ٢٢ و ٢٣ من الشهر الجاري؟
- أخي الكريمَّ، أحب أن أَشهدَ شهادةً للتاريخ أُسأل عنها أمام الله أنه حتى هذه اللحظة ١١/ ١/ ١٤٢٧ هـ لم يَصدُرْ أيُّ اعتذارٍ من جانبِ الدنماركيين على الصعيدين الرسمي أو الإعلامي من قِبَل الجريدة، عما نُشر من إساءةِ لنبينا محمد ﷺ .
أما من جهةِ الجريدة، فإنها إبَّانَ ظهورِ الضجَّةِ العارمة، ولا سيَّما المقاطعة التي نُودي بها في بلادِ الحرمين، فإنَّ الجريدةَ وجَّهت خطابًا -باللغة العربية- على صفحتها في الإنترنت، عنونته بـ (إلى مواطني المملكة العربية السعودية المحترمين)، وقد تضمن هذا المقالُ أغاليطَ كثيرةً، كنت قد رددتُ عليها بمقالٍ هو على صفحتنا www.islamudni.net عنونته (ردود موثَّقة على مزاعمَ ملفَّقة)، وغايةُ ما في خطابهم الأسفُ لمشاعرِ الحزنِ التي لَحِقَتْ بالمسلمين جَرَّاءَ نشرِ تلك الرسومات، وليس فيه أيُّ اعتذارٍ عنها أو عن نشرها، وكان ذلك محاولةً ماكرةً من الجريدة بعد ضغوطٍ كثيرةٍ عليها من داخل الدانمارك (سياسيًّا واقتصاديًّا) بتحميلها مسؤوليةَ ما يجري على الدانمارك، فأرادت بذلك تخفيف الحَملة ظنًّا منها أنها بذلك ستُنهي المشكلة، ولا ينقضي عَجَبُنا هنا من هذا الإصرارِ على معاملةِ المسلمين وكأنهم غيرُ عقلاء لا يفهمون ما بين السطور!.
ولَمَّا لم تَجِدْ أن رسالتَها هذه قد أفادت، ومع تزايُدِ الضغوطاتِ
стр. 1651
المتراميةِ الأطرافِ عَمَدت الجريدةُ إلى حِيلةٍ عجيبة سَبَقت خروجَ رئيسِ تحريرها على التلفاز الدانماركي بلحظاتٍ وهو يتبجَّحُ قائلاً: "إن الرسوماتِ لا تخالفُ القانونَ، وإنه لن يعتذر عن نشرها"، ولكن بعد لحظاتٍ تَفَاجَأَ المراقبون بمقالهم باللغتين العربية والدانماركية وعلى موقعهم بعنوان صريح وواضح "صحيفة اليولاند بوستين تعتذر عن الإساءة للمسلمين"، وقُدِّم لمقالٍ أرسله رئيسُ التحرير لوكالة الأنباء الأردنية بجملةٍ ليست فيه أصلاً "تعتذر صحيفة اليولاند بوستين، وبما لا يَدع مجالاً للشك على أنها أهانت العديدَ من المسلمين من خلال رسومات للنبي محمد".
ولكنَّ الرِّيبة من هذا الكلام كان سيدَ الموقف؛ لأنه في ثنايا المقال ليس هناك اعتذارٌ واضح، بل تلاعُبٌ مُرِّر معه التدليلُ على قانونيةِ نشرِ تلك الرسومات، ولكنِ انجلت الأمورُ بعدَ أربعين دقيقةً تمامًا عندما سَحبوا هذا المقالَ ووَضعوا الكلامَ الأصلي بعنوانٍ مُغايِر تمامًا "حضرات المواطنين العرب"، وليس فيه تلك الجُمَلُ المصرِّحةُ بالاعتذار، وقد حصل ذلك كلُّه يومَ الإثنين ليلاً في ٣٠/ ١/ ٢٠٠٦، وكأنها مخادعةٌ إعلاميةٌ من أجل تمريرِ الخبرِ ليهدأَ العالَمُ الإسلاميُّ، وللأسف تلقَّفت بعضُ القنوات هذا الاعتذارَ المزعوم، وقامت بدَورٍ مشبوهٍ في إقناع المشاهد أن الاعتذارَ قد حَصَل، وأن الله قد كفى المؤمنين القتال.
ولَمَّا لم يُجْدِ ذلك نفعًا غيَّروا عنوان المقال فقط "حضرات المواطنين المسلمين"!.
وهكذا أصبح مقالُ رئيسِ التحرير وكأنه نصٌّ من كتابِهم المقدَّس، له عدة شروحات وتفسيرات! كيف وقد طالَعَنا رئيسُ التحرير مرارًا عَبْرَ التلفاز
стр. 1652
وعلى صفحات جريدته بما يتعارضُ مع مزاعم الاعتذار؟! كان من آخرِها مقالٌ يوم ٩/ ١١/ ١٤٢٧ هـ حاول فيه إقناعَ الرأي العام عن مدى إيجابيته ومدى استعدادِه لحوارِ المسلمين كي تنتهيَ الأزمةَ، وقد ضَمَّن رسالته هذه ثلاثة شروط:
الأول: قد يَعتذرُ، ولكن عن الإساءة الناتجة عن نشرِ الرسومات، وليس عن الرسومات نفسِها ولا عن نشرها.
الثاني: مطالبتُه المسلمين بتوقيع على إقرار (الديمقراطية الدانمركية) والتي أخبرنا مرارًا أنها تُبيحُ له فَعْلَته هذه، وأن عَمَله على ضوئها قانونيٌّ تمامًا، وكأنه يُريدُ منَّا ما قاله الله: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾ [النساء: ٢٧].
الثالث: وهو الأدهى -وقد صَرَّح بعد سُويعةٍ من هذا المقال-: أنه لا يستطيعُ أن يَعِدَ المسلمين بعدم تكرارِ إهانتِهم مرةً أخرى!!.
فتأمل -بارك الله فيك-! أيُعقل بعدَ ذلك كلِّه أن يقال: إنهم قد اعتذروا؟؟!.
أمَّا مِن الجهة الرسميةِ، فهناك إصرارٌ على أنهم لا يُمكنُهم الاعتذارُ عن عمل الصحيفة ولا حتى التنديدِ بعملها، والذي التبس على الناسِ ما قاله رئيسُ الوزراء: إنه يُرحِّبُ باعتذارِ الجريدة (الذي بينَّا حاله سابقًا)، بينما في صبيحةِ تلك الليلة المخادعةِ عَنونت الصُّحُفُ نقلاً عن رئيس الوزراء: "لن نعتذر"، فهل يُعقل قبولُ اعتذارٍ خجولٍ وغيرِ واضحٍ ولا ثابتٍ ولو لساعات، بل حتى لم يُنشر على صحيفتِهم اليومية، بل نشروه على موقِعهم
стр. 1653
لغايةِ غيرِ مخفية؟! (١).
* الردُّ الباردُ الميِّتُ الصدمة من شيخٍ كبير على هذا التطاول الدانماركي:
نَشرت جريدة "الأسبوع" القاهرية في عددها (٤٦١) في ٢٣ من ذي الحجة ١٤٢٦ هـ ٢٣ من يناير ٢٠٠٦ م مقالاً تحت عنوان "عفوًا مولانا الإِمام: رسول الله ﷺ ليس مجردَ شخصٍ ميِّت" في الصفحة الثالثة عشرة، قالت فيه صاحبة المقال "زينب عبد اللاه": "قبل أن نَشْرعَ في كتابةِ هذه السطور، نؤكِّدُ أن القلم توقَّف لساعاتٍ طويلةٍ دونَ أن نعرفَ من أين وبأيِّ كلماتٍ نبدأ؟! وماذا نقول أو نكتب .. مزيجٌ من مشاعِرِ الصدمةِ والإحباطِ والحزنِ والحَيرةِ عَجَزت أمامَه كلُّ الكلمات عن التعبير.
هذه المشاعرُ شارَكَنا فيها كل مَن تَحدَّثنا معه من علماءِ الأزهر بعد أن اطَلَّعْنا على الكلماتِ التي أدلى بها فضيلةُ الإمامِ الأكبرِ شيخُ الأزهر وإمامُ المسلمين أثناءَ مقابلته التي التقى فيها مع سفير الدانمارك بالقاهرة صباح الأربعاء بمشيخةِ الأزهر .. لم نُصدِّق أنفسَنا، ولم نصدِّق حتى الأوراقَ التي صَدرت عن مكتب شيخ الأزهر والإدارة المركزية للعلاقات العامة والإعلام به، والتي تحوي هذه الكلمات التي صَدَمَتْنا أكثرَ من الإساءاتِ الدانماركية أو غيرِها من إساءاتٍ موجَّهةٍ للإسلام والمسلمين ونبيِّهم الكريم ﷺ ، لأن هذه الكلماتِ صَدَرت عن فضيلةِ الإِمام الأكبر، وعَجَزت عن الدفاع عن الرسول، واكتَفَت بوصفِهِ مَيْتًا انتهى أجَلُه، ولا يستطيعُ الدفاعَ عن نفسه، وأنه ليس من الحكمةِ أن يُسيئَ العقلاءُ لمن لا يستطيعون الدفاعَ عن
стр. 1654
أنفُسهم!!.
وقد لا يُصدَّقُ الكثيرُون أن تصدرَ هذه الكلماتُ عن شيخِ الأزهر وإمامِ المسلمين الذي وَجَب عليه الدفاعُ عن الإسلام والمسلمين بصفةٍ عامة، فما بالُنا بما يُوجَّه إلى رسولِنا الكريم ﷺ من إساءاتٍ، ولذلك نُفضِّل أن نستعرضَ هذه الكلماتِ كما وَرَدت بنصِّها في الأوراقِ الرسميةِ الصادرة عن مكتبِ شيخ الأزهر.
* البيان الصدمة:
فقد أَكَدَ شيخُ الأزهر -وفْقَ ما جاء بالبيان الصادر عَقبَ لقائِه بسفير الدانمارك- أنَّ مصر تربطُها علاقةٌ طيبةٌ بدولةِ الدانمارك، موضِّحًا أن الدراسةَ بالأزهر الشريف تقومُ على السماحةِ وعلى الإخاءِ الإنساني، وأن شريعةَ الإسلامِ تَعتبرُ الناسَ جميعًا إخوةً في الإنسانية!! ويضيفُ البيانُ: "ثم تطرَّق فضيلتُه في حديثه إلى ما نُشر بإحدى الجرائدِ الدانماركية التي أساءت إلى نبيِّ الإسلام محمدِ ﷺ ، مُشيرًا إلى أنَّ الإساءةَ إلى الأمواتِ بصفةٍ عامَّةٍ تتنافى مع المبادئ الإنسانيةِ الكريمةِ، سواءً أكانت هذه الإساءةُ إلى الأمواتِ من الأنبياء أو المُصْلِحين أو غيرهم الذين فارقوا الحياةَ الدنيا (!!) فالأممُ العاقلةُ الرشيدةُ تحترمُ الذين انتهت آجالُهم وماتوا، وهذا ما تقتضيه العقولُ الإنسانيةُ السليمةُ، وفي الوقتِ نفسه نحن نُقدسُ الحريةَ .. ولكنْ الحريَّةُ في حدودِ ما أباحته القوانينُ والشرائع .. كما نوجِّهُ رسالةً إلى العالَم أجمع بأن نتركَ الإساءةَ إلى الأمواتِ الذين لا يستطيعون الدفاعَ عن أنفسِهم، كما أن شريعةَ الإسلامِ تحترمُ جميعَ الأنبياءِ من سيدنا إبراهيم وحتى سيدنا محمد ﷺ انتهى كلام فضيلة الإِمام وردُّه على الإساءات التي تم توجيهُها للرسول
стр. 1655
الكريم ﷺ في بيانه وكلماتِه للسفير الدانماركي.
فهل يُعقل أَنْ يَذكُرَ إمامُ المسلمين -أو حتى أيُّ فردٍ مسلم عادي- الرسولَ ﷺ بأنه ميِّتٌ لا يستطيعُ الدفاعَ عن نفسه؟! وإن كان الرسولُ ﷺ قد مات، فهل مات المسلمون جميعًا ولم يَعُد محمدٌ ﷺ يَجِدُ مَن يقولُ كلمةَ حق يتصدَّى بها لمن يُسيئُ إليه؟!! كيف طاوعك لسانُك -فضيلةَ الإمام - كي تختزلَ كلَّ المعاني التي يُمثِّلُها رسولُ الله المصطفى خاتمُ الأنبياء ﷺ في قلوبِ ملايين المسلمين في كلِّ بِقاع الارضِ لِتضعَه في صَفٍّ واحدٍ مع زُمرةِ الأموات -وفيهم المفسدون والمصلحون، وبينهم الشخصياتُ العامة والتاريخية التي يُباح نَقدُها ونَقدُ تصرُّفاتها حتى بعدَ موتها بمئات السنين-؟!!.
وهل يُعقل أن نختزلَ مكانةَ الأنبياءِ في نفوسِ أتباعِهم لهذه الصورة؟! وهل افتَقَدْنا القُدرةَ والجُرأةَ حتى عن مجردِ ذِكرِ ما يُمثله الرسولُ ﷺ من مكانةٍ لدى المسلمين ووصف ما تُسبِّبُه الإساءةُ إليه من إيذاءٍ وجرحٍ لمشاعرهم؟! " هـ.
شيَّخ الشيخَ بياضُ الشَّعْرِ … وهو للأطفالِ مثل السُّخرِ
هل يُعقل أن ندافعَ عن الرسولِ ﷺ ونتحدَّثَ عنه بمنطقِ "الضرب في الميَّت حرام"؟!.
° يقول الدكتور "محمد مختار المهدي" - أستاذ الدراسات الإسلامية، وإمام الجمعيات الشرعية بمصر-: "إن هذا الأسلوبَ في الحديثِ عن الرسول ﷺ غيرُ مُوفَّقٍ؛ لأنه يَضَعُ الرسول ﷺ موضعَ اتهامٍ، ويَعتمدُ على أنه لا يجبُ اتهامُ من لا يَستطيعُ الدفاعَ عن نفسه لأنه مات وانتهى أجَلُه ..
стр. 1656
حاشا لله.
° وقال الدكتور "العجمي الدمنهوري" - رئيس قسم الحديث بكلية أصول الدين، ورئيس جبهة علماء الأزهر-: "كم كنتُ أودُّ أن تختلفَ لغةُ هذا البيانِ عن هذا الأسلوبِ الضعيف.
ويتساءل: ما فائدةُ هذه الأمَّة إنْ لم تدافعْ عن نبيِّها ورسولها ﷺ ؟! وكيف نتحدَّثُ عنه ونساويه بأي شخصٍ ميت؟! ".
إن النبي ﷺ لا يمكن وَضعُه في صفٍ واحدٍ مع أيّ من الأموات، وإنَّ اقتصارَ الدفاع عن الرسول ﷺ لمجردِ أنه ميت فقط يُمثل إهانةً لشخصه الكريم، كما أن الموتَ ليس معيارًا للدفاع عن كل مَن ماتوا فمنهم المفسدون ومُجرمو الحروب الذين يَخضعون للنقد والتقييم في كل زمانٍ ومكان .. إنَّ القرآنَ الكريمَ نفسَه قد ذَكَر بعضَ الطُّغَاةِ ممن انتهت آجالُهم وماتوا -مثلَ فرعونَ وهامانَ وقارونَ وقوم عادٍ وثمود-، الذين قال الله فيهم: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَة .. ﴾، فهل يعقل أن نضعَ رسولَ الله ﷺ في صفٍّ واحدٍ مع هؤلاء لكونهم موتى؟!.
إنَّ محمدًا ﷺ يَعيش بقِيَمِهِ وتعاليمِه وأحاديثه وآدابِه في نفوسِ ما يَزيدُ على مليار مسلم .. وإن الإساءةَ إليه هي إساءةٌ لكلِّ المسلمين.
• ولقد قال رسول الله ﷺ : "الأنبياءُ أحياء في قبورهم يُصَلُّون" (١).
стр. 1657
* وكم ذا بمصر من المُبْكيات!!!:
لم يكد يمر شهرٌ على هذا البيانِ الصدمة حتى فاجأتنا جريدةُ "النبأ" بعنوانٍ كبير بالصفحة الأولى في عددها (٨٦١) الصادر في ٥ مارس ٢٠٠٦ م الموافق ٥ من صفر ١٤٢٧ هـ "الشيخ عبد الصبور عضو مجمع البحوث الإسلامية: الشذوذُ حلال، وزنا المحارِم حريةٌ شخصية"!!.
° ثم في الصفحة الثالثة يُطالعُنا مقال "عبد المؤمن قدر" وحواره مع الشيخ "الدكتور عبد الصبور الكاشف" أحد أعضاء مجمع البحوث الإسلامية -وكان كبير أخصائي الترجمة بالمجمع، وحاليًا على درجةِ وكيل وزارة بالأزهر الشريف، حاصل على ليسانس لغات وترجمة من جامعة الأزهر، واستكمل دراسته في الأدب الإنجليزي من جامعة "كاليفورنيا"، وتَدرَّج في المناصب إلى أن أصبح حاليًا عضوًا بمجمع البحوث الإسلامية-، وجاء في قوله: "إنَّ الإنسانَ جاء إلى الدنيا، وَيعيشُ فيها مجبورًا في صورةِ مختار، فإذا قَتل إنسان إنسانًا آخَرَ فلا يجبُ أن يعاقَب، لأنه مجبورٌ على ذلك".
° ويقول: "هناك مسلمون لا يُصلُّون ولا يصومون، ولكنْ أفعالُهم مقبولةٌ عند الله، وهم أولياءُ، وعلى درجةٍ كبيرة من العبادة".
ويعتقدُ الدكتور "الكاشف" أن التشريعاتِ تختلفُ من العامة إلى الخاصة، وضَرَب المثالَ بنفسه أنه لا يُصلِّي، ومع ذلك على درجةٍ كبيرةٍ من الدين، وله صَلاتُه الخاصةُ التي تختلفُ عن العوامِّ (!!) وتزدادُ درجةُ الحديثِ مع الشيخ "عبد الصبور الكاشف" -عضو مجمع البحوثِ بالأزهر الشريف- سُخونةً، حين يُطلِقُ فضيلتهُ عددًا من الفتاوى الغريبة، لعلَّ
стр. 1658
أبرزَها أن السارقَ والزانيَ والشاذَّ جنسيًّا لم يرتكبوا شيئًا مُحَرَّمًا على اعتبارِ أن السرقةَ والزنا والشذوذَ ليست حرامًا، وإنما هي أفعالٌ لا إراديَّة، وطالب الشيخُ الكاشفُ الحكومةَ أن تُخصِّصَ أماكنَ للزناةِ والشواذِّ يمارِسون فيها ما يشاؤُون، ولا نحاسبُهم على ما يفعلون؛ لأن اللهَ يعلمُ كل شيءِ ويتركُهم.
° ثم فجَّر هذا المرتدُّ مفاجأةً أكبَرَ من سابقتها بإعلانِ استعدادِه لاستقبالِ أيِّ شابٍّ يُريدُ أن يزني بفتاةٍ في منزلِهِ، معتبرًا ذلك ليس زنًا، لأنه لم يُجبِرْها على ذلك، بل وانسَحب ذلك العرضُ الغريبُ أيضًا على زنا المحارم، وأفتى بأنه لا يَمنع الزنا مع الأمِّ أو الأختِ أو الحماة!! وزاد على ذلك بأنَّ نِكاحَ المحارِم جائزٌ شرعًا طالَما أنه لا إجبارَ على أحدٍ، مشيرًا إلى أن هناك كثيرًا من أولياءِ الله الصالحين شواذُّ جنسيًّا!!.
° ثم زاد المرتدُّ كفرًا فوقَ كُفره، فقال: "إن فرعونَ موسى مات شهيدًا ودخل الجنَّة؛ لأنه آمن قَبْلَ غَرَقه".
° أمَّا في واقعةِ قوم لوطٍ، فما أصابهم لم يكن بسبب اللِّواطِ، وإنما لأنهم حاولوا ممارستَه مع الملائكة، وأن سيِّدنا لوطًا ﵇ لم يرفضِ اللواطَ، بل رَفَض الطريقةَ فقط "حاشاه".
° ويرى عضو مجلس البحوث الإسلامية (المرتد): أن كلَّ أُمةٍ لا بد أن يكون فيها نبيٌّ، والمولى يقول: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، وبالتالي -حسب رؤية الشيخ الكاشف- فإن "بوش" نبيٌّ، وشارون نبي؛ لأنهما مُكلَّفان، ويَعملان بأمر الله، وكذلك الحالُ بالنسبةِ لفيفي عبده لأنها مُكَلَّفة بشيء معيَّن مِن قِبَل الله، مشيرًا إلى أن
стр. 1659
هناك شفاعةً لأُناسٍ معيَّنين، ولا يجبُ علينا أن نُكَفِّرَهم (!!).
° وحَوْلَ واقعة "الإسراء والمعراج" يقول الشيخ "الكاشف": "إن الرسولَ لم يَصْعَدْ إلى السماء، وإنه لم يخرج من بيته يومها، وشاهَدَ كلَّ شيءٍ من مكانه، وكل كلامه ﷺ مُؤَوّل، و"البُرَاقُ" نفسُه ليس حقيقةً، بل خيالاً" (١).
انتهى كلام المرتد المأفون الكذاب الأشِر، قاتله الله وأخزاهُ في الدنيا قبل الآخرة .. لقد تفوَّه بالكفرِ الذي لم يَقُلْ به أحد، وتطاوَلَ وتجرَّأ، ونَسَب إلى الأنبياء -زُورًا وبهتانًا- ما لا يقبلُه أيُّ مسلم.
* قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠].
* الغرب الصليبي كان وما يزال عدوُّه الإِسلامَ حتى يَلجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخياط:
موقفُ الغرب دائمًا وأبدًا من الإسلام تُلخصه كلماتُ الزعيمِ السياسي البريطاني المعروف، حيث قال: "لن تستطيعَ أوروبا أن تسيطرَ على دولِ الشرق، بل لن تستطيعَ أن تعيشَ في مأمنٍ ما بَقِي هذا القرآنُ حَيًّا يُتلى" (٢).
° أو كما قال "جاردنر": "إن القوةَ التي تكمُنُ في الإسلامِ هي التي تُخيفُ الغربَ" (٣).
стр. 1660
الرَّدُّ على الكذابِ الأشِر بابا الفاتكيان بنديكت السادس عشر
أو السيوفُ البواتر في نحر بابا الفاتيكان الكافر
стр. 1661
* عدُّو الرسول ﷺ : البابا النازي .. "بُوم روما" بنديكت السادس عشر يَنفُثُ سُمَّه:
البابا الالمانيُّ النازيُّ "بنديكت أو بنديكتوس السادس عشر" الجالسُ على كُرسيِّ البابويَّةِ في الفاتيكان، هذا القِزمُ القَمِيءُ والزعيمُ الرُّوحي لأكثرَ مِن مليارٍ وثمانيةَ عَشَرَ مليون من الدَّجَاجلة "كاثوليك العالم"، يَنفُثُ سُمَّه علانيةً، وتبدو البغضاءُ بأبشعِ صُورِها مِن فِيهِ، وما يُخفي صَدرُه أكبرُ.
* وهو أكبر عدوٍّ للمسلمين في عصرِنا الحالي:
ففي أول قُدَّاسٍ أشرَفَ عليه -بعد انتخابه في أواخرِ إبريل من عام ٢٠٠٦ م-، لم يَذكر المسلمينَ بكلمةٍ واحدة، في الوقت الذي دَخل في غَزَلٍ صريحٍ -وربما فاضح-، لِمَا أسماهم "الإخوة الأعزَّاء" ويَقصِدُ بهم اليهودَ الذين اخْتَصَّهم في ذلك القُّدَّاسِ بكلماتٍ كانت تَفيضُ مَوَدَّةً وإعزازًا!!.
° وبعد ذلك بأيام في مدينة "كولونيا الألمانية" كان التقريعُ والذمُّ من نصيب المسلمين، عندما التقى البابا "بوم روما" بوفدٍ من مُمثِّلي الجاليةِ المسلمةِ في أسقُفيَّةِ المدينة، التي كانت تحتضنُ معسكرَ الأيام الدوليةِ للشباب أواخرَ أغسطس، لِيُعرِبَ لهم عن بالغ انشغالِه بتفشِّي "الإرهاب"، بل إنه زادَ مِن دونِ أدنى مناسبةٍ مُقرِّعًا الوفدَ قائلاً: "يجبُ أن يَنزعَ المسلمون ما في قلوبهم من حِقدٍ، وأن يَعمَلوا على مواجهةِ كلِّ مظاهرِ التعصُّب، وما يمكنُ أن يصدرَ عنهم من عنف".
مِثلُ هذه إلنبرةِ التوبيخيَّةِ -التي كان لها بالطبع وقعٌ سيِّئٌّ في نفوسِ المسلمين- جَعَلَتْهم يُفيقون من غَيبوبتهم، ويَعرفون قَذارةَ وحقارةَ أكبرِ
стр. 1662
أعدائِهم وما يُخفي -بل ويُبدي- من عداوةٍ لهم.
° ثم تلا ذلك الموقفَ موقفٌ آخَرُ، وابتساماتٌ ومجاملاتٌ رقيقةٌ للكاتبة "أورينالا فالاتشي"، وهي مسيحيةٌ إيطالية تُقيمُ منذ فترةٍ طويلةٍ في الولايات المتحدة الأمريكية، وتُعرَفُ بمقالاتها الناريةِ التي تَنشرُها في العديدِ من الصحف الأمريكيةِ الشعبيَّة، التي تُؤلِّبُ فيها الأمريكيِّين على الإسلام والمسلمين، إذْ إن "فالاتشي" لا ترى فَرْقًا بين إسلامٍ متطرِّفٍ وآخَرَ معتدِلٍ، وكتاباتُها تدورُ دائمًا حول أن "الإسلام كلَّه متطرِّف، والتناقضَ بينه وبين المسيحية جوهريٌّ، ومِن ثَمَّ فلا شيءَ قابلٌ للنِّقاش".
قبل تولِّيه كرسيَّ البابوية، كان البابا "بنديكت السادس" كاردينالاً ألمانيا اسمُه "جوزيف راتسينجر"، وكان من أشدِّ المعارِضين لانضمامٍ تركيا -البلد الإسلامي-، إلى الاتحاد الأوربي.
ويَحملُ مَلَفُ البابا الإرهابَ بعينه، فقد وُلد "جوزيف راتسينجر" في قرية "تراونشتَين" التابعة لإقليم "بارفاريا" في ألمانيا، وعندما بَلَغ الرابعةَ عَشْرةَ من عُمره انضمَّ إلى جيشِ "شبيبة هتلر" وكان جيشًا غير نظاميٍّ، مخصَّصًا للشباب أيامَ الحكم النازيِّ.
وقد سَعى الفاتيكانُ مِرارًا إلى محاولاتٍ لِمَحْوِ تلك المرحلةِ من حياةِ البابا الجديد، ربَّما كان من أشهرِها تلك المحاولةُ- التي جَرَت على لسانِ مؤرخ الفاتيكان الشهير "جون ألين" الذي كَتَب بعدَ أسابيعَ من ترسيم "بنديكتوس" أنه: "كان عُضوًا بالفعل في جيش "شبيبة هتلر"، لكنه لم يكنْ متحمِّسًا للجيش، بل ورَفض أن يَحضُرَ اجتماعاتِه، وعَبَّر في مُقتَبَل عُمرِه
стр. 1663
عن معاداتِه للنازية".
ولقد خَدَم هذا البابا في جيشِ النازيِّ لسنواتٍ، بدايةً من سنة ١٩٤٣ م حين أُرسل في السادسةَ عَشْرةَ من عُمره -ضِمنَ مجموعةٍ من الجنود- إلى شمالِ مدينة "ميونخ" لحراسةِ مصنعٍ لمحرِّكاتِ الطائرات.
° إنَّ اختيارَ اسم "بنديكت" له دلالةٌ خطيرة، فهذا الاسمُ لأحدِ أسماءِ الباباوات السابقين الذين شاركوا في الحملاتِ الصليبية ضدَّ الإسلام، وهو اسمٌ لبابا آخرَ كان يقول: "إنه سيِّدُ أوربا"، وأعلن في أكثرَ من لقاءٍ أنه لا تراجُعَ عن عملياتِ التبشيرِ والتنصيرِ، ويستخدمُ كلَّ الوسائلِ لتحقيقِ ذلك.
° "وبنديكت" يريدُ استكمالَ مسيرةِ سَلَفِه "البابا يوحنا بولس الثاني" في محاربةِ الإسلام حَسْبَ تصريحاتِه الموثَّقة، واستكمالِ تنصيرِ العالَم الإسلامي، وإذا ما كانت عمليةُ اقتلاعِ الإسلام تمَت قديمًا في صَمْتٍ وخَفَاءٍ، فمنذ عام ١٩٨٢ م أصبحت تتمُّ في وَضَحِ النهار، وذلك بعدَ أن أعلنها البابا "يوحنا بولس الثاني" صراحةً مُطالبًا بضرورةِ إعادةِ تنصيرِ العالَم، حتى لا يَبقى على الصعيدِ العالميِّ سوى كاثوليكيةِ رُوما.
° قبل أيامٍ من تصريحاتِ "بنديكت" الأخيرة، كان "بوش" يَصِفُ الإسلاميين بأنهم "فاشيُّون"، وقال إبَّانَ الاعتداءاتِ الإسرائيليةِ على لُبنانَ بأنه يجبُ القضاءُ على الشُّموليةِ الإسلاميةِ، والانتهاءُ من أيِّ تعصُّبٍ دينيٍّ، وإقامةُ شَرقٍ أوسطَ جديد (١).
стр. 1664
* "بنديكت بوم الفاتيكان"، عدوُّ رسول الله ﷺ -:
في كلماتٍ مسمومةٍ حاقدة، تحمل كلَّ ضغينةٍ للإسلام، وتَعدَّت كل الحدود في الكفر وسُوءِ الأدب والوقاحةِ والبذاءةِ والحماقةِ، وَقَف البابا أمامَ حَشدٍ كبير من أساتذةٍ جامعييِّن وطُلاَّبٍ في جامعة "ريجنزبورج" جنوبَ ألمانيا وَسَطَ جُموعٍ حاشدةٍ تزيدُ على مِئتي ألفِ شخصٍ يوم الثلاثاء ١٢/ ٩/ ٢٠٠٦ م لِيُطلقَ حُممًا وبراكينَ، وليتجنَّى بكلِّ وقاحةٍ وجرأةٍ على سيِّد البشر ﷺ وعلى الإسلام، وكان عنوانها "الإيمان والعقلُ والجامعة .. ذكريات وانعكاسات".
° بدأ البابا المحاضرةَ باجترارٍ للذكرياتِ التي عايَشها أثناءَ مرحلةِ الدراسة والعَمَل بالجامعاتِ الألمانية -ومن بينها جامعة "ريجنزبورج"-، مشيرًا إلى أن هذه الجامعةَ كانت -وما زالت- فخورةً بكُلِّيّتَي اللاهوت التابعتين لها، لِمَا لهما من دَورٍ في تعميقِ مفهوم "الإيمان"، وكيف أن جميعَ مَن في الجامعة -مِن أساتذةٍ وطُلابٍ- كانوا يَلتَقون للحوارِ على اختلافِ التوجُّهاتِ والآراءَ.
وقال: "هذا التماسُكُ الداخليُّ للإِيمان داخلَ هذا الكَوْن لم يتأثَّرْ عندما قال أحدُ الزملاء بجامعتنا: "إنه مِن المُثيرِ للدهشة أن هناك كُلِّيتَينِ تنشغلانِ بأمرٍ غيرِ موجودٍ في الواقع، ألَا وهو الرب .. ".".
ثم انتقل للحديثِ عن العلاقةِ بين العقل والعنفِ في الديانةِ
стр. 1665
الإسلامية، والخلافِ في هذا الصددِ بين الديانتين الإسلاميةِ والمسيحية، واستَشهد بهذه المناسبةِ بكتابٍ يُفترض أنه للإِمبراطور البيزنطي "مانويل الثاني" (١٣٥٠ - ١٤٢٥)، وفي هذا الكتاب الذي يَحملُ عنوان "حوارات مع مسلم .. المناظرة السابعة"، وقدَّمه ونَشَره في الستينات عالمُ اللاهوت الألماني اللبنانيُّ الأصل "تيودور خوري" من جامعة "مونستر"، يَعرِضُ الإمبراطورُ الحوارَ الذي أجراه بين (١٣٩٤ و ١٤٠٢) على الأرجح مع عَلاَّمةٍ فارسيٍّ مسلمٍ مفترَض.
° وفي ما يلي ترجمةٌ عربيةٌ من "إسلام أون لاين نت" للنصِّ الكامل لحديثِ البابا خلالَ المحاضرة عن هذا المحور "العلاقة بين العقل والعنف في الإسلام والمسيحية"، نقلاً عن موقع الفاتيكان الإلكتروني باللغة الألمانية:
"تداعت هذه الذكرياتُ إلى ذِهني عندما قرأتُ منذ فترةٍ وجيزةٍ جُزءً من حوارٍ نَشَره البروفيسير "تيودور خوري" من جامعة "مونستر"، جرى بين الإمبراطور البيزنطيِّ العالِمِ "مانويل الثاني" ومُثفَّفٍ فارسيٍّ حولَ المسيحية والإسلام وحقيقةِ كلٍّ منهما خلالَ إقامتِه بالمعسكر الشتوي بالقرب من "أنقرة" عام ١٣٩١.
- يبدو أنَّ هذا الإمبراطورَ قد سَجَّل هذا الحوارَ إبَّانَ حِصارِ القسطنطينية بين عامَي (١٣٩٤ و ١٤٠٢)، يدلُّ على ذلك أن مناظرتَه كانت أكثرَ توسُّعًا من مناظرةِ مُحاوِرِه الفارسيِّ.
- الحوارُ تناوَلَ كلَّ ما يتعلَّقُ بشرح بُنيانِ العقيدةِ حسبَما وَرَد بالكتاب المقدس والقرآن، ورَكَّز الحوارُ -بصفةٍ خاصةٍ- على صورةِ "الرب" وصورة "الإنسان"، أو على العلاقةِ بين ما نُسمِّيه "الشرائع الثلاثة" أو "نظم الحياة
стр. 1666
الثلاثة"، ألاَّ وهي: العهد القديم، والعهد الجديد، والقرآن.
- في هذه المحاضرة لا أريدُ أن أُناقشَ هذه القضية، ولكنْ أريدُ التطرُّقَ لنقطةٍ واحدةٍ فقط -هامشيَّةٍ نسبيًّا، وشَغَلتْني في كلِّ هذا الحوار، وتتعلقُ بموضوع "الإيمان والعقل"-، وهذه النقطة تُمثِّلُ نقطةَ الانطلاقِ لتأمُّلاتي حولَ هذا الموضوع.
-ففي جولةِ الحوارِ السابعة -كما أوردها البروفيسير "خوري"- تناول الإمبراطورُ موضوعَ "الجهاد"-أي الحرب المقدسة- .. ومن المؤكد أن الإمبراطورَ كان على علمٍ بأن الآية (٢٥٦) من السورة الثانية بالقرآن "سورة البقرة" تقول: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ .. إنها من أوائل السور- كما يقول لنا العارفون-، وتعودُ للحِقبةِ التي لم يكن لمحمدٍ فيها سُلطةٌ ويَخضعُ لتهديدات .. ولكنَّ الإمبراطورَ من المؤكَّدِ أيضًا أنه كان على دِرايةٍ بما وَرَد في مرحلةٍ لاحقة في القرآنِ حولَ الحربِ المقدسة.
- وبدون أن يتوقفَ عن التفاصيل -مثل الفَرقِ في معاملة "الإسلام" للمؤمنين وأهل الكتاب والكفار-، طرح الإمبراطور على نحو مفاجئٍ على مُحاوِرِه السؤالَ المركزيَّ بالنسبة لنا عن العلاقةِ بين الدينِ والعنفِ بصورةٍ عامة، فقال: "أرني شيئًا جديدًا أتى به مُحمدٌ، فلن تَجِدَ إلاَّ ما هو شريرٌ ولا إنساني، مِثلَ أمرِه بنشرِ الدينِ الذي كان يُبشِّرُ به بحدّ السيف".
- الإمبراطورُ يُفسِّرُ بعد ذلك بالتفصيل لماذا يَعتبرُ نَشرَ الدينِ عن طريق العنف أمرًا منافيًا للعقل، فعنفٌ كهذا يتعارضُ مع طبيعةِ الله وطبيعةِ الروح، فالربُّ لا يُحِبُّ الدمَ، والعملُ بشكل غيرِ عقلانيٍّ مخالفٌ
стр. 1667
لطبيعة الله، والإيمانُ هو ثمرةُ الروح وليس الجسدَ؛ لذا مَن يُريدُ حَمْلَ أحدٍ على الإيمان، يجبُ أن يكونَ قادرًا على التحدُّثِ بشكل جيِّدِ والتفكيرِ بشكلٍ سليم، وليس على العُنفِ والتهديد .. لإقناع رُوحٍ عاقلةٍ لا نحتاجُ إلى ذِراعٍ أو سلاحٍ، ولا أيِّ وسيلةٍ يُمكنُ أن تُهدِّد أحدًا بالقتل.
- الجملةُ الفاصلةُ في هذه المُحاججة ضدَّ نشرِ الدينِ بالعنفِ هي: العملُ بشكل مُنافٍ للعقل مُنافٍ لطبيعة الرب .. وقد علَّق المُحرِّر "تيودور خوري" على هذه الجُملة بالقول: بالنسبةِ للإمبراطور -وهو بيزنطيُّ تَعلَّم من الفلسفة الإغريقية-، هذه المقولة واضحة .. في المقابل -بالنسبةِ للعقيدة الإسلامية-، الربُّ ليست مشيئتُه مطلقةً وإرادتُه ليست مرتبطةً بأيٍّ من مقولاتِنا ولا حتى بالعقل.
- ويَستشهد "تيودور خوري" في هذا الشأن بكتابٍ للعالِم الفرنسي المتخصِّصِ في الدراساتِ الإسلامية "روجيه أرنالديز" -تُوفي في إبريل الماضي- الذي قال: إن "ابن حزم" -الفقيه الذي عاش في القرنين العاشر والحادي عشر- ذَهَب في تفسيره إلى حدِّ القول: إن الله ليس لزامًا عليه أن يتمسَّك حتى بكلمته، ولا شيءَ يلزمُه على أن يُطلِعَنا على الحقيقة، ويمكنُ للإنسان -إذا رَغِبَ- أن يعبدَ الأوثان.
- مِن هذه النقطة يكونُ الطريقُ الفاصلُ بين فَهم طبيعةِ الله، وبين التحقيقِ المتعمِّقِ للدين الذي يتحدَّانا اليومَ، فهل مِن الفِكرِ اليوناني فقط أن نعتقدَ أنه أمرٌ منافٍ للعقلِ مخالفٌ طبيعةَ الله؟ أم أن هذا أمرٌ مفهومٌ من تلقائِه وبصورةٍ دائمة؟ أعتقدُ أنه -من هذه الوجهة- هناك تناغمٌ عميقٌ
стр. 1668
ملحوظٌ بين ما هو إغريقيٌّ وبين ما وَرَد في الكتابِ المقدَّس من تأسيسٍ للإيمان بالرب.
أولُ آيةٍ في "سِفر التكوين" -وهي أولُ آيةٍ في الكتاب المقدس ككلٍّ- استَخدمها "يوحنا" في بدايةِ إنجيله قائلاً: "في البدء كانت الكلمة"، هذه هي الكلمة التي كان الإمبراطور يحتاجُها: الرب يتحاورُ بالكلمة، والكلمةُ هي عقلٌ وكلمةٌ في نفس الوقت، العقلُ القابلُ للخلق ويمكن تناقلُه، شريطةَ أن يَظَل رشدًا.
يوحنا أهدانا بذلك الكلمةَ الخاتمةَ لمفهوم "الرب" في الكتاب المقدَّس، ففي البَدءِ كانت الكلمة -والكلمة هي الرب-، الالتقاءُ بين الرسالة التي نَقَلها الكتابُ المقدَّس وبين الفِكرِ الإغريقيِّ لم يكن وليدَ صدفةٍ، فرؤيا "بولس" المقدس الذي نَظر في وجهِ مقدونيًّا وسَمِعه يدعوه: "تعالَ وساعِدْنا"، هذه الرؤية يجبُ أن تفسَّرَ على أنها تكثيفٌ للتلاقي بين العقيدةِ التي يَشتمل عليها الكتابُ المقدسُ وبين السؤالِ اليوناني.
- اليومَ نعرفُ أن الترجمةَ اليونانيةَ للعهدِ القديم بالإسكندرية (المعروفة باسم السبتواجنتا) -أي الترجمة السبعينية-، لم تكن مجردَ ترجمةٍ للنصِّ العِبريِّ فقط، بل إنها خُطوةٌ هامةٌ في تاريخ الوحي الإلهيِّ، التي أدَّت إلى انتشارِ المسيحية.
- كان هناك تلاقٍ بين الإيمانِ والعقل، بين التنويرِ الحقيقيِّ والدين، "مانويل الثاني" كان يُمكنُه القولُ من خلالِ الإحساس بطبيعةِ الإيمان المسيحي، وفي الوقت نفسِه بطبيعةِ الفِكرِ اليونانيِّ الذي اختَلط بالعقيدة
стр. 1669
وامتَزَج بها: "مَن لا يتحاورُ بالكلمةِ فإنه يُعارِضُ طبيعةَ الرب".
- هنا يمكنُ ملاحظةُ أنه في نهاياتِ العصرِ الوسيطِ ظَهرت اتجاهاتٌ في التفسير الدينيِّ تَجاوزت التركيبةَ اليونانيةَ والمسيحية، فتميَّزت مواقفُ تقتربُ مما قاله ابنُ حزمٍ وتتأسسُ على صورةِ تعسُّفِ الربِّ الذي لا يَرتبطُ بحقيقةٍ أو بخيرٍ.
-الاستعلاءُ -الذي هو الطبيعةُ المخالفةُ للرب- نجاوزت المدى، لدرجة أنَّ رُشدَنا وفَهمَنا للحقيقةِ والخيرِ لم يَعُدِ المرآةَ الحقيقيةَ للرب، وتَظلُّ إمكانياتُها غيرُ المحدودةِ مخفيةً وغيرَ متاحةٍ لنا إلى الأبد، في مقابل ذلك تمسَّكَ الاعتقادُ الكَنَسي بحقيقةِ أنه يوجدُ بيننا وبين الربِّ وبين رُوحٍ الخَلقِ الأبديةِ وبين عَقلِنا تطابقٌ.
- وختامًا فرغمَ كل السرورِ الذي نَرى به الإمكانياتِ الجديدةَ التي أدخَلَها الإنسانُ، نرى أيضًا التهديداتِ التي تتنامى مِن هذه الإمكانيات، ويجبُ أن نسألَ أنفسَنا: كيف يمكنُ أن نسيطرَ عليها، ولن يمكنَنا ذلك إلاَّ إذا تلاقى العقلُ والإيمانُ بصورةٍ جديدة، ومِن خلال ذلك فقط يمكنُنا أن نكونَ مؤهَّلين لحوارٍ حقيقيٍّ بين الحضاراتِ والأديانِ الذي نحن في أمسِّ الحاجة إليه.
العقلُ الذي يكونُ فيه الجانبُ الربانيُّ أصمَّ -والدينُ ينتمي إلى الثقافاتِ الثانوية- هو عقل غيرُ صالحٍ لحوارِ الحضارات، وقد قال "مانويل الثاني": "إنه ليس من العقل ألاَّ يكونَ التحاورُ بالكلمة؛ لأن ذلك سيكونُ معارضًا لطبيعة الرب"، قال ذلك من خلال منظورِه لصورةِ الربَّ المسيحية، لمحاوِرِه الفارسي .. بهذه الكلماتِ وبهذا البُعدِ من العقل ندعو لحوارِ الحضاراتِ مع شركائِنا.
стр. 1670
* اتحاد العلماء يطالب باعتذار بابا الفاتيكان:
أصدَرَ الاتحاد العالميُّ لعلماءِ المسلمين بيانًا فنَّد فيه التصريحاتِ المسيئةَ التي أدلى بها بابا الفاتيكان "بنديكت السادس عشر" حولَ الإسلام والرسولِ ﷺ .
وطالَبَ الشيخ يوسفُ القرضاوي -رئيسُ الاتحاد- بابا الفاتيكان (يومَ الخميس ١٤/ ٩/ ٢٠٠٦) بالاعتذارِ عن هذه التصريحات.
° وفيما يلي نصُّ البيان:
فوجئتُ وفوجئ المسلمون في أقطارِ الأرض بتصريحاتِ البابا "بنديكتوس السادس عشر" خلالَ زيارتِه إلى ألمانيا، حولَ الإسلام وعلاقتِه بالعقل من ناحية، وعلاقتِه بالعُنفِ من ناحية أخرى.
وكنا ننتظر من أكبرِ رجل دين في العالَم المسيحيِّ: أن يتأنَّى ويتريَّثَ ويُراجعَ ويشاوِرَ، إذا تحدَّثَ عن دينٍ عظيمٍ كالإسلام، استمرَّ أكثرَ من أربعةَ عَشَرَ قرنًا، ويتبعُه نحوُ مليارٍ ونصفٍ من البشر، ويَمتلكُ الوثيقةَ الإلهيةَ التي تتضمن كلماتِ الله الأخيرةَ للبشرية "القرآن الكريم" الذي لم يَزَلْ يقرأ كما كُتب في عهد الخليفة الثالث عثمانَ بنِ عفانٍ ﵁، ولم يَزَل يُتلى كما كان يتلى في عهدِ النبوة، ويَحفظُه عشراتُ الألوف في أنحاءِ العالم.
ولكنَّ البابا -الذي قالوا: إنه كان يَشغل مَقعدًا لتدريس اللاهوت وتاريخ العقيدة في جامعة "راتيسبون" منذ ١٩٦٩ م- سارَعَ بنقدِ الإسلام- بل بمهاجمتِه- في عقيدته وشريعته، وبطريقةٍ لا يَليق أن تصدرَ من مِثلِه.
ففي وَسَطِ الجُموع الحاشِدةِ التي تَزيدُ على مِئتي ألفِ شخصٍ، تحدَّث
стр. 1671
البابا عن الإسلام دونَ أن يرجعَ إلى كتابه المقدَس "القرآن" وبيانِه من سُنَّةِ نبيِّه محمدٍ ﷺ ، واكتفى بذِكرِ حوارِ دارَ في القرن الرابع عَشَر بين إمبراطورٍ بيزنطيٍّ ومسلمٍ فارسيٍّ مثقَّفٍ، وكان مما قاله الإِمبراطور للرجل: "أرني ما الجديدُ الذي جاء به محمدٌ؟ لن تَجِدَ إلاَّ أشياءَ شريرةً وغيرَ إنسانيةٍ، مِثلَ أمرِه بنشرِ الدين -الذي كان يبشِّرُ به- بحدِّ السيف! ".
ولم يذكر البابا ما رَدَّ به الفارسيُّ المثقف على الإمبراطور.
ونسي البابا: أن محمدًا جاء بالكثيرِ الكثيرِ الذي لم تأتِ به المسيحيةُ ولا اليهودية قَبلَها، جاء بالمَزج بين الرُّوحيةِ والماديَّة، وبين الدنيا والآخرة، وبين نورِ العقل ونورِ الوحي، ووازَنَ بين الفردِ والمُجتمع، وبين الحقوقِ والواجبات، وقَرَّر بوضوح الإخاءَ بين الطبقاتِ داخلَ المجتمع، وبين المجتمعاتِ والشعوبِ بعضِها وبعض، وقال كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا .. ﴾ [الحجرات: ١٣].
* وشَرعً مقابلةَ السيئةِ بمِثلها، ونَدَب إلى العفوِ، ودعا إلى السلام، ولكنْ أَمَر بالإعدادِ للحرب: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
وأنصف المرأةَ وكرَّمها إنسانًا وأنثى وابنةً وزوجةً وأمًّا وعُضوةً في المجتمع.
* ونَسَخ كثيرًا من الأحكام التي كانت أغلالاً في اليهودية، كما قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
стр. 1672
* وأمَّا ما قاله الأمبراطورُ البيزنطيُّ مِن أن محمدًا لم يَجِئْ إلاَّ بالأشياء الشريرة وغيرِ الإِنسانية، مثلِ الأمرِ بنشرِ دينِه بحدِّ السيف! فهو قولٌ مبنيٌّ على الجهل المَحضِ، أو الكَذِبِ المحض، فلم يُوجدْ مَن حارَبَ الشرَّ، ودعا إلى الخير، وفَرَض كرامةَ الإنسان، واحتَرَم فِطرةَ الإنسان، مثلُ محمد ﷺ الذي أرسله الله ﴿رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.
* ودعوى أنه أَمَر بنشرِ دينهِ بحدِّ السيف أكذوبةٌ كبرى، فهذا ما أَمَر به قرآنُه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].
* والحقيقةُ أن الإسلامَ لم ينتصرْ بالسيف، بل انتَصَر على السيف الذي شُهر في وجهه من أول يوم، وظلَّ ثلاثةَ عَشَرَ عامًا يتحمَّلُ الأذى والفتنةَ في سبيل الله، حتى نَزل قولُه تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٣٩، ٤٠].
* إنما فَرَض الإسلامُ الجهادَ دفاعًا عن النفس، ومقاومةً للفتنة (١)، والفتنة أشدُّ من القتل، وأكبرُ من القتل، ولذا قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]، ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ
стр. 1673
عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠].
* والإسلامُ لا يَقبلُ إيمانَ مَن يدخلُ عن طريقِ الإكراه، كما قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ .. ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
° وأما قولُ البابا فيما جاء في الكتاب المقدس في "سِفر التثنية" من التوراة: "إن البلدَ التي يدخلُها موسى ومَن معه، عليهم أن يقتلوا جميعَ ذكررها بحدِّ السيف، أمَّا بلادُ أرضِ الميعاد، فالمطلوبُ دينًا ألاَّ يستبْقوا فيها نَسَمةً حِيَّةً".
يعني: الإبادةَ والاستئصالَ الذي نَفَّذه الأوربيون النصارى حينما دخلوا أمريكا مع الهنود الحمر، وحينما دخلوا استراليا مع أهلها الأصليين!.
كنَّا نربأُ بالبابا أن يستدلَّ بهذا الكلامٍ المبتورِ في سياقِ حديثهِ عن الإسلامِ ونبيِّ الإسلام.
° وما يمارسُه بعضُ المسلمين من العنف، فبعضُه مشروع -بإقرارِ الأديان والشرائع والقوانين والأخلاق- مِثلُ دفاع المقاومةِ الوطنيةِ ضدَّ الاحتلالِ في فلسطينَ أو في لُبنانَ أو في العراقِ أو في غيرِها، وتسميةُ هذا عُنفًا وإرهابًا: ظلمٌ بيِّن، وتحريفٌ للحقائق.
وبعضُ ذلك أنكرته جماهيرُ المسلمين في كل مكان، مثل أحداث ١١ سبتمبر، ومُعظمُ العنفِ غيرِ المشروع سببُه الأكبرُ المظالمُ التي تقعُ على المسلمين في كلِّ مكان، ويَسكتُ عنها رجالُ الدين في الغرب، وربما بارَكها بعضُهم!.
° وُيقرِّرُ البابا في لقائِه الجماهيري: "أن الله في العقيدةِ الإسلامية مُطلَقُ السموِّ، ومشيئتُه ليست مرتبطةً بأيِّ شيءِ من مقولاتنا، ولا حتى بالعقل! ".
стр. 1674
وأقام مقارنةً مع الفِكرِ المسيحيِّ المتشبع بالفلسفةِ الإغريقية، موضِّحًا أن "هذا الفكرَ يرفضُ عدمَ العمل بما ينسجمُ مع العقل، وكلِّ ما هو مخالفٌ للطبيعة الإلهية".
ولو كَلَّف الحبرُ الأعظمُ نفسه، أو كَلَّف أحدًا من أتباعِه بالرجوع -ولو قليلاً- إلى مَصدرِ الإسلام الأول "القرآن"، لَوجد فيه من عشراتِ الآياتِ -بل مِئاتها- ما يُمجِّدُ العقلَ، ويأمرُ بالنظر، ويَحضُّ على التفكير، ويرفضُ الظنَّ في مجالِ العقائد، كما يرفضُ اتباعَ الأهواءِ وتقليدَ الآباء والكبراء، حتى كتَب بعضُ كبارِ الكُتَابِ بحق: "التفكير فريضة إسلامية".
* وحسبنا قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ: ٤٦]، وقوله سبحانه ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥].
° ولو أحببنا أن نقارنَ بين الديانتين -الإسلام والنصرانية-، لوجدنا النصرانيةَ هي التي لا تُعِيرُ العقلَ التفاتًا في عقائدها، وتقولُ تعليماتها: "آمِنْ ثم اعلَمْ، اعتقِدْ وأنت أعمى، أغمِضْ عينيك ثم اتبَعْني".
في حينِ أن العِلمَ في الإسلام يَسبقُ الإيمان، والإيمانُ ثمرةٌ له، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٤]، وهكذا: ليعلموا، فيؤمنوا، فتخبت قلوبهم.
لقد ألَّف الشيخ محمدُ عبده كتابه "الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية" ليردَّ به على أحدِ نصارى الشرق الذي زَعَم أن النصرانيةَ تتسعُ للعلمِ والمَدَنيةِ بما لا يتَّسعُ له الإسلام، فكان ردُّ الشيخ العلميُّ الموثَّقُ بالمنطقِ
стр. 1675
والتاريخ وحقائقِ الدينِ والعلم: أن الأصول التي يقوم عليها الإسلامُ هي التي تُثمِرُ الحضارةَ والمَدَنية، من الإيمان بالعقل، والجمع بين الدنيا والآخرة .. إلخ، بخلافِ المسيحية التي تقومُ في أساسها على الخوارق، ولا تؤمنُ برعايةِ السنن التي أكدها القرآنُ، والتي يقولُ أحدُ فلاسفتها الدينيين "أوغستين": "أومنُ بهذا؛ لأنَّه مُحال، أو غير معقول"!.
ولو كان الإسلامُ يُنكِرُ العقلَ، أو يُهمِلُه، فكيف أقام المسلمون تلك الحضارةَ الشامخةَ التي جَمَعت بين العلم والإيمان، وبين الإبداع الماديِّ والسموِّ الرُّوحيِّ؟ والتي ظل العالَمُ يَستمدُّ منها أكثرَ من ثمانيةِ قرون، ومنها أوروبا التي اقتَبست منها المنهجَ التجريبيَّ الاستقرائيَّ، بَدَلَ المنهج القياسيِّ الأرِسطيِّ، كما شَهِد بذلك مؤرِّخو العلم من أمثالِ "غوستاف لوبون، وبيير بغولف، وجورج سارطون" وغيرهم.
° وقول البابا: "إن مشيئةَ الله في الإسلام مطلَقةٌ لا يَحُدُّها شيء"، صحيحٌ في الجُملة، ولكنْ أجمَعَ علماءُ الإسلام على أن مشيئةَ الله تعالى مرتبطةٌ بحكمتِه لا تنفصلُ عنها، فلا يشاءُ أمرًا مخالفًا للحكمة، فإنَّ من أسمائه الحسنى التي تكرَّرت في القرآن: "الحكيم"، فهو حكيمٌ فيما خَلق، وحكيمٌ فيما شَرعَ، لا يَخلُقُ شيئًا باطلاً، ولا يَشْرعَ شيئًا اعتباطًا.
• والله تعالى لا يفعلُ إلاَّ ما فيه الخيرُ والصلاحُ لخَلقِه، كما قال نبيُّ الإسلام ﷺ في مناجاته لربه: "الخيرُ بين يديك، والشر ليس إليك" (١).
ليست هذه هي المرةَ الأولى التي يقفُ البابا الحالي من الإسلام
стр. 1676
والمسلمين موقفًا سلبيًّا، يُظهِرُ فيه الإهمالَ أو التوجُّس، أو ما هو أكثر.
ففي أول قُدَّاسٍ أشرَفَ عليه بعد إنتخابه في أواخرِ إبريل ٢٠٠٥ م لم يَذكرِ المسلمين بكلمةٍ، على حينِ خَصَّ "الإخوةَ الأعزَّاءَ" -على حد قوله- من الشعبِ اليهوديِّ بكلماتٍ تَفيضُ مودةً وإعزازًا!!.
وفي مدينة "كولونيا" الألمانية -آخِرَ شهر أغسطس أثناءَ الأيام العالمية للشباب- التَقى بمُمثِّلين عن الجالية المسلمة في أسقفية المدينة، فأعرَبَ عن بالغ انشغالِه بتفشِّي الإرهاب، وأكد في هذا اللقاءِ ضرورةَ "نَزعِ المسلمين ما في قلوبهم من حقدٍ، ومواجهةِ كلِّ مظاهِرِ التعصب، وما يمكن أن يَصدُرَ منهم من عنف"!.
وهذه النبرةُ التوبيخيةُ كان لها وَقعٌ سيِّئٌ في نفوسِ المسلمين، لِمَا فيها من رؤيةٍ ضيقةٍ ومن تصوُّرٍ تبسيطيٍّ لمنابعِ الإرهاب وأسبابه.
كما أن استقبالَه للكاتبة الإيطالية المقيمة في الولايات المتحدة "أوريانا فالاتشي" والتي تكتبُ كتبًا ومقالاتٍ ناريةً تؤلِّبُ على الإسلام والمسلمين، والتي لا تَرى فرقًا بين إسلامٍ متطرِّفٍ وإسلامٍ معتدل، فالإسلامُ كلُّه متطرفٌ، والتناقضُ بين المسيحية والإسلام "جوهري".
كانت هذه مواقفُ تُعَدُّ سلبيةً بالنسبة للمسلمين، أما اليوم، فقد أصبح الأمرُ يتعلَّقُ بالإسلام ذاتِه، ونحن -المسلمين- نعتبرُ النصارى أقربَ مودةً للمسلمين، والنبيُّ محمدٌ ﷺ يقول: "أنا أولى الناسِ بعيسى بنِ مريمَ" (١).
ولمريمَ ﵍ سورةٌ في القرآن، ولأُسرةِ المسيح سورة في القرآن
стр. 1677
"سورة آل عمران"، وللمسيح وكتابه في القرآن مكانٌ معروف، ونحن لا نُريد أنْ نُصَعِّدَ الموقفَ، ولكن نريدُ تفسيرًا لِمَا يَحدُث، وما المقصود من هذا كلِّه؟! كما نطلُبُ مِن حَبرِ المسيحية أن يعتذرَ لأمةِ الإسلام عن الإساءةِ إلى دينها.
° هل يريدُ الحَبرُ أن نُغلِقَ أبوابَ الحوار، ونستعدَّ للصراعِ في حربٍ -أو حروبٍ- صليبيةٍ جديدة؟!.
° وقد بدأها "بوش" وأعلنها صريحةً باسم "اليمين المسيحي"، ونحن ندعو إلى السَّلْم؛ لأن دينَنا يأمرُنا بذلك، ولكننا إذا فُرضت علينا الحرب خُضناها كارهين، نتربَّصُ فيها إحدى الحُسنَيَين، كما قال قرآننا ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦].
• وكما قال نبيُّنا ﷺ : "لا تتمنوا لقاءَ العدو، وسَلُوا اللهَ العافية، ولكن إذا لَقِيتُموه فاثبُتوا، واعلَموا أن الجنةَ تحتَ ظِلالِ السيوف" متفق عليه.
فنحن ندعو إلى التسامح لا إلى التعصب، وإلى الرِّفق لا إلى العُنف، وإلى الحوارِ لا إلى الصدام، وإلى السلام لا إلى الحرب، ولكنَّا لا نقبلُ أن يهاجِمَ أحدٌ عقيدتَنا ولا شريعتَنا ولا قِيمَنَا، ولا أن يَمسَّ نبيَّنا محمدًا ﷺ بكلمةِ سَوء، وإلاَّ فقد أَذِن اللهُ لنا أن ندافعَ عن أنفسنا، فإن الله لا يحبُّ الظالمين.
رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين/ يوسف القرضاوي
٢١ شعبان ١٤٢٧ هـ-١٤/ ٩/ ٢٠٠٦ م
стр. 1678
* وقفاتٌ مع كلامِ القزم القمِيءِ .. بابا الفاتيكان:
° هذا الكافر "يَهرِفُ بما لا يعرف"، وكلامُه: "إن محمدًا لم يَجيءْ إلاَّ بالأشياءِ الشريرةِ وغيرِ الإنسانيةِ مثل الأمر بنشر دينِه بحدِّ السيف"، فهذا جهلٌ مَحضٌ وكَذِبٌ مَحْضٌ، ولم يُوجد مَن حارَبَ الشرَّ ودعا إلى الخيرِ مثل محمدٍ ﷺ الذي قال عنه ربُّه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فكيف يردِّدُ البابا مقولةَ إمبراطور بيزنطا: "أرِنيَ ما الَجديد الذي جاء به محمدٌ؟ لن تجد إلاَّ أشياءَ شريرةً وغيرَ إنسانيةٍ .. مثل أمره بنشر الدين الذي كان يُبشِّرُ به بحدِّ السيفِ".
° إن قتلى كلِّ غزواتِ الرسولِ ﷺ من الجانبيْن -أي: من المسلمين وغيرِهم- كانت ٣٨٦! ويَعلمُ هذا البابا الكذَّابُ الأشِرُ الذي يَصدُقُ فيه قولُ القائل: "رَمَتْني بدائها وانسلَّتْ" أنَّ الحروبَ الدينيةَ بين البروتستانت والكاثوليك أبادت ٤٠% من شعوبِ وسطِ أوربا، بما يُماثِلُ ١٠ ملايين في ذلك الوقت!.
ويذكر التاريخُ أن الكنيسةَ الكاثوليكيةَ الرومانيةَ قد اضطَهَدت البروتستانت، حتى بَلَغ من أُحرِق في فرنسا في مدينةٍ واحدةٍ في يوم واحد ٢٣٠ ألفًا، وفي إيطاليا سنة ١٥٦٠ م قُتِل ألوفُ الألوف، وقد أَصدر "لويس الخامس" سنة ١٥٢١ م أمرًا بطردِ البروتستانت مُستندًا إلى موافقةٍ من البابا.
وقَتل أحدُ الأمراء في عهدِ ابنِ الملك لويس ١٨٠٠٠ في أشهر قليلة.
أما عن اضطهادِ الكاثوليك للبروتستانت، فقد بلغ أَشُدَّه، فالولدُ لا يرثُ والِدَيْه، ولا يتعلَّمون، ولا يُعَيَّنون في مناصبِ الدولة، ويَدفعون
стр. 1679
الضرائبَ مضاعفةً، وتمَّ حَملُ كثيرٍ من رُهبانِهم وعلمائِهم بأمرِ الملكة "إليزابيث"، وتمَّ إغراقُهم في البحر.
° وطَردت فرنسا اليهودَ سَبعَ مراتٍ، وعددُ اليهود الذين أُخرِجوا من النِمسا وحدَها ٧١٠٠٠ أسرة، وقُتِل كثير منهم، ونُهبت أموالُهم، وفي إنجلترا أَصدر "إدوارد الأوَّل" أمرًا بنهبِ أموالِهم، ثم طردِهم، فأجلى ١٥ ألفًا في غاية الفقر.
° وارتكب الكاثوليك المذابحَ ضدَّ المسملين في أسبانيا عَقِبَ تسليمهم مدينةَ "غرناطة" لفيرناندو، وتم تشكيلُ محاكِم تفتيشٍ لإِبادةِ المسلمين على مَدَارِ قرونٍ طويلة، حتى إن المستشرقَ الفرنسيَّ "جاك ميرك" أشار إلى إبادةِ أكثرِ من ثلاثةِ ملايين مسلمٍ على يدِ المَلِكِ "فيليب الثاني" مَلِكِ أسبانيا، حتى إنهم كانوا يَحمِلون المسلمين بالسُّفنِ ويُلقُونهم في البحر أحياءً.
وقد قدَّم الكاردينال "سبسيزوس" النموذجَ الأبشعَ للتعصُّبِ الدينيِّ بتفنُّنه في تعذيبِ وإبادةِ المسلمين آنذاك.
° يقول "لورنتي" واصفًا الاضطهادَ الصليبيَّ الداميَ لمحاكم التفتيش: "ألقت محكمةُ التفتيش أكثرَ من (٣١٠٠٠) نَفْس في النار، و ٢٩٠٠٠٠ عقوبةٍ تلي الإعدام، ولا تَشملُ هذه الأرقامُ الذينَ أَوْدَتْ بحياتهم فُروعُ هذه المحكمة الأسبانية في "مكسيكو" و"ليما" بأمريكا الجنوبية، و"قرطاجة"، و"صقلية"، و"سردينيا"، و"أوران"، و"مالطا".
° وبابا الفاتيكان الكافرُ الخبيثُ يَعلمُ أكثَرَ من أتباعِه أنَّ كاثوليك أوربا -الهَمَجَ الرَّعاعَ قُساةَ القلوب- قَتلوا بمباركةِ بابا آخَرَ مِثلِه سبعين ألفًا من
стр. 1680
المسلمين في ساحاتِ الأقصى يومَ دخلوا ودنَّسوا ترابَه أيامَ الحَملةِ الصليبيةِ عليه يومَ الجمعة ١٦ يوليو ١٠٩٩ م.
° يقولُ "غوستاف لوبون" في كتابه الشهير "حضارة العرب": "كان أولُ ما بدأَ به "ريكاردوس" الإنجليزي أنه قَتَل من معسكرِ المسلمين ثلاثةَ آلافِ أسيرٍ سَلَّموا أنفسَهم إليه، بَعدَ أن قَطَعَ على نفسِه العهدَ بحَقنِ دمائهم".
° وماذا فعل "ريتشارد قلب الأسد" الكاثوليكي بثلاثةِ آلافٍ من المسلمين في "عكَّا" بعدَ أن أجرَوا معه مُفاوضاتٍ بحَقنِ دمائِهم، فغَدَر بهم إبليسُ الغرب الكاثوليكي، وذَبَحَهم عن بَكرةِ أبيهم.
° بل ماذا يقول "بابا الفاتيكان" الرحيم هو وطائفتُه الكاثوليك عن أكلٍ كاثوليكِ الغرب -رجالِ الحملةِ الصليبية- لجثثِ موتى المسلمين بعد شِّيها؟!.
° قول "رانسيمان" في كتابه عن الحروب الصليبية: "وكان الجيشُ في "مَعَرَّةِ النُّعمان" يُعاني الجوعَ بعد أن نَفِدَتِ المُؤَنُ التي استولى عليها من الجوار، ولم يكن له من سبيلٍ سوى أن يأكلَ لحومَ البشر".
يَشوُوُنَ جُثَثَ قتلاهم من الرجال والصِّبيان المسلمين ويأكلونها!!.
° وكتب المؤرِّخُ "راؤل دي كايين" المرافقُ للفرنج قائلاً: "في مدينة "المَعَرةَّ" كان رجالُنا يقومون بغَلْي شُبَّانِ الوثنيين -أي: المسلمين- في آزانات .. ويُوثِقُون الأطفالَ على الأسياخ ويأكلونهم مشويِّين".
° وانظر ما كتبه المؤرِّخُ الفرنسي "ميشو" راجع المجلد الأول من كتابه
стр. 1681
"تاريخ الحروب الصليبية" (ص ٣٥٧، ٥٧٧)، و"ببلوغرافيا الحروب الصليبية" صفحات (٤٨، ٧٦، ١٨٣، ٢٤٨)، كلُّها تدورُ حولَ أكل لحومِ المسلمين الموتى بعد شيِّها على يدِ جنودِ الفِرنجةِ الصليبيين في مدينةِ "المعَرَّة" عام ١٠٩٨ م (١).
ذئابُ البشرية وأبالسةُ ووحوشُ الكاثوليك يتكلَّمون عن الطُّهرِ وأيديهم مُلَطَّخةٌ بالدماء، ثم يأتون إلى أطهرِ وأعفِّ وأرحم مَن مَشَى على الأرض رسولِ الله ﷺ ويتكلَّمون -وبئس الكلامُ كلامُهم- أنه ما أتى إلاَّ بكلِّ شرٍّ للبشريةِ!!! ..
فِرعونُ لو قِيست عليه فِعالُكم … لغَدَا مسيحًا للهدايةِ يُنتَظَر
أمَّا أبو جهلٍ فيَخجلُ عندما … تُتلَى مخازِيكم على سَمعْ البشرْ
ايهِ يا بنديكت اللعين … سابٌّ للرسولِ ﷺ ولا سيفَ عُمرَ له!! ..
وغدًا إذا اعتدلت موازينُ الحياة تُقتَّلُون
إِن قيل للأشواك: بُعْدًا .. مَرْحَبًا بالياسمين
إن صار همسُ الحقِّ أقوى من ضجيجِ المبطِلين
وأزاح نورُ اللَّه كلَّ غِشاوةٍ فوقَ العيون
واستوطنت سُحُب الكآبةِ وجه بنديكت اللعينْ
* * *
وغداً إذا اعتَدَلت موازينُ الحياة تُقَتَّلُون
اِن عادَ يُمسِكُ بالحياة خليفةُ المتوضِّئين
стр. 1682
وتَضَرَّمت للغَيظ نارٌ في قلوبِ الكافِرِينْ
ثم اكْتَسَت بالذلُّ أوجُهُ مَن تنادوْا مُصبِحينْ
فحَصادُهم عَصفٌ .. هشيمٌ .. خيبةٌ .. كَدَرٌ وهُون
° إيهٍ يا بنديكت الفاجر، ما تقول فيما جاء في كتابك المقدَّس في سِفر "الثَنية" من التوراة "الإصحاح العشرون": "وإن لَمْ تُسالِمْك أيُّ قرية، بل حارَبَتْك فحاصِرْها، وإذا دَفَعها الربُّ إلهُك إلى يَدِك فاضربْ جميعَ ذُكورهم بحدِّ السيف، وأما النساءُ والأطفالُ والبهائمُ، وكلُّ ما في المدينة كلُّ غنيمتها فتغتنمُها لنفسك، وتأكلُ غنيمةَ أعدائِك التي أعطاك الربُّ إلهك .. أما بلادُ أرضِ الميعاد، فالمطلوبُ دينًا ألاَّ تَسْتَبْقوا فيها نَسَمَةً حيَّةً! " يعني الإبادةَ والاستئصالَ الذي نَفَّذه الأوربيون النصارى حينما دخلوا أمريكا مع الهنود الحُمْر، وحينما دَخلوا استراليا مع سُكَّانها الأصليين.
° إن عندكم من الفضائح ما تَضجُّ منه الأنوفُ يا بنديكت.
إن عدمَ استقبالِ رأسِ الكنيسة الأرثوذكسيةِ القبطية بمصر للبابا الكاثوليكي "يوحنا بولس" في مقر الكاتدرائية وقوله: "إنه يُمثِّل إيمانًا مختلِفًا لا يجوزُ السماحُ لصاحبه بدخولِ الكاتدرائية"! فقلوبكم شتَّى، وكفرُكم أنواعٌ متعدِّدة.
° يا لِفكرِكَ الأسودِ الفَجِّ يا "بنديكت"! يا لِوجهك القبيح وقولِك القبيح: "إن اللهَ في العقيدة الإسلامية مُطلَقُ السُّمُوِّ، ومشيئتُه ليست مرتبطةً بأيٍّ من مقولاتِنا ولا حتى بالعقل"!.
ثم يدعي أن الفِكرَ المسيحيَّ يرفضُ عدمَ العمل بما ينسجمُ مع العقل وكلِّ ما هو مخالفٌ للطبيعة الإلهيَّة.
стр. 1683
° ونقول لك: إنَّ المسيحيةَ هي التي لا تُعِيرُ العقلَ التفاتًا في عقائدِها، وتقول تعليماتُها: "آمِنْ ثم اعْلَمْ .. اعتقِدْ وأنت أعمى .. أغمِضْ عَينيك ثم اتبعني".
* وفي الإسلام العلم قبل القول والعمل: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٤] وهكذا: ليعلموا، فيؤمنوا، فتخبت قلوبهم.
* وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨].
والشرعُ يُخبرُ بمحاراتِ العقول، لا بمحالاتِ العقول (١).
فلتَخْسَإِ الحكماءُ عن ربٍّ … له الأفلاكُ تَسْجُدْ
ومشيئةُ اللهِ مرتبطةٌ بحكمتِه، فهو العليمُ الحكيم، الخيرُ بين يديه، والشرُّ ليس إليه.
° يا بنديكتُ الذميم، تظن أن تستَخِفَّ بعقولِ العالَم كلِّه الذي سَمعِ تصريحاتِك بجميع لغاتِه عَبْرَ وسائل الإعلامِ المختلفة حين تقول: إن الناس أخطؤوا في فَهم كلامك .. وأنت الذي اخترتَ ما تنقلُه من كلامِ الإمبراطور البيزنطيِّ .. وأنت الذي أخرجتَ هذا الكتابَ من قَبره في مكتبةِ الفاتيكان لتنقلَ منه أَسوأَ ما فيه؟!.
° بعضُ المدافعين عنكَ قالوا: إن الاقتباسَ الذي نَقَله من ذلك الكتاب
стр. 1684
"وُظِّف خَطَأً"، ولا أفهم هل وظَّفه خطأً المسلمون الذين غَضِبوا لدينهم ونبيِّهم؟ أم وظَّفه خطأً الذي نَقَله وأذاعه وفاخَرَ بالمحاضرة به على الناس، وصَفَّق له مستمعوه من الكافرين أمثاله؟! وصدق القائل:
لكل داءٍ دواءٌ يُستطَبُّ به … إلاَّ الحماقةَ أعيَتْ مَن يُداويها
° أمَّا نعيُه على الجهادِ وأنه لا يناسِبُ الربَّ، فما قولُه في أسفارِ العهد القديم، حيث تقعُ أحاديثُ الحرب في ٣٦ آيةً من ثمانيةِ أسفار، هي "التكوين، العدد، القضاء، صموئيل الأول، الملوك الثاني، حِزْقيال، التثنية، يوشع"؟ وما قوله فيما نُسِب للمسيح ﵇ وقولِه عن الحرب: "لا تظنُّوا أني جئتُ لأُرسيَ سلامًا على الأرض، ما جئِتُ لأُرسيَ سلامًا، بل سيفًا، فإني جئتُ لأجعل الإنسانَ على خلافٍ مع أبيه، والبنتَ مع أمِّها، والكَنَّةَ مع حماتها، وهكذا يصيرُ أعداءُ الإنسانِ أهلَ بيته".
* رأي الفاتيكان في الإِسلام:
مِن أهمِّ المقولات التي قِيلت بلا هوادةٍ في المؤتمر الفاتيكانيِّ الثاني: "لابدَّ من تنصير العالم"، والوثيقةُ الخاصةُ بالإسلام والمسلمين تمَّت صياغتُها بإدراجِ الإسلامِ ضمنَ الديانات الآسيويةِ الكُبرى، التي وُجدت بعيدًا عن المسيحية واليهودية، لاستبعادِ الإسلام عن رسالةِ التوحيد! وهذا التوجُّهٌ غيرُ الامين -حتى في صياغة النصِّ المليءِ بالمغالطات- يكشف عن تلك النوايا التي لم تَعُدْ خَفِيَّةً على أحدٍ، فالفاتيكان -رأسُ الكفر، وقلعةُ الأبالسة، وديارُ المجرمين- لا يعترفُ بالإسلام كديانةٍ سماويةٍ توحيديَّةٍ مُنَزَّلةٍ.
° وقد لَخَّصَ الأبُ "ميشيل لولنج" هذه الحقيقة قائلاً: "إن الكنيسةَ
стр. 1685
تعتبرُ المسيحَ خاتمَ الرسالة؛ لذلك فهي لا تعترفُ بنبيِّ الإسلام الذي أدانه المسيحيون بطريقةٍ سلبيةٍ تهجُّميَّةٍ وعُدوانية".
° وكان الأبُ "كاسبار" قد أوضح الموقفَ نفسَه أيامَ انعقادِ المؤتمر قائلاً: "إن هناك من بين رجالِ الدين الحاضِرين مَنْ يعتبرون أن الإسلامَ خطأٌ مُطلق لا بدَّ من رَفضِه؛ لأنَّه يُمثِّل خطرًا بالنسبة للكنيسة، ولابدَّ من محاربته" (١).
والحقُّ أبلجُ لو يبغون رؤيتَه … هيهاتَ يُبصِر مَن في ناظِريه عمى
وصَرخةُ الحقِّ تأباها مسامِعُهم … مَن يَسمَع الحقَّ منهم يَشتكي الصَّمَمَا
فهم لا يعترفون بالإسلام كديانةٍ .. نعم هم لا يرتقون إلى مُرتَقى الإسلام الجميل الوضيئ الذي أراده الله دينًا للبشرية، وتَمنَّى إبراهيمُ أن يُحشَرَ عليه: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ٨٣].
* وقال تعالى عن خليله إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨].
* وقال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة: ١٣٣].