← Сира

Сира · id 96964

وا محمداه إن شانئك هو الأبتر

سيد حسين العفاني

Полный текст (2 668 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

"تاريخ الحروب الصليبية" (ص ٣٥٧، ٥٧٧)، و"ببلوغرافيا الحروب الصليبية" صفحات (٤٨، ٧٦، ١٨٣، ٢٤٨)، كلُّها تدورُ حولَ أكل لحومِ المسلمين الموتى بعد شيِّها على يدِ جنودِ الفِرنجةِ الصليبيين في مدينةِ "المعَرَّة" عام ١٠٩٨ م (١). ذئابُ البشرية وأبالسةُ ووحوشُ الكاثوليك يتكلَّمون عن الطُّهرِ وأيديهم مُلَطَّخةٌ بالدماء، ثم يأتون إلى أطهرِ وأعفِّ وأرحم مَن مَشَى على الأرض رسولِ الله ﷺ ويتكلَّمون -وبئس الكلامُ كلامُهم- أنه ما أتى إلاَّ بكلِّ شرٍّ للبشريةِ!!! .. فِرعونُ لو قِيست عليه فِعالُكم … لغَدَا مسيحًا للهدايةِ يُنتَظَر أمَّا أبو جهلٍ فيَخجلُ عندما … تُتلَى مخازِيكم على سَمعْ البشرْ ايهِ يا بنديكت اللعين … سابٌّ للرسولِ ﷺ ولا سيفَ عُمرَ له!! .. وغدًا إذا اعتدلت موازينُ الحياة تُقتَّلُون إِن قيل للأشواك: بُعْدًا .. مَرْحَبًا بالياسمين إن صار همسُ الحقِّ أقوى من ضجيجِ المبطِلين وأزاح نورُ اللَّه كلَّ غِشاوةٍ فوقَ العيون واستوطنت سُحُب الكآبةِ وجه بنديكت اللعينْ * * * وغداً إذا اعتَدَلت موازينُ الحياة تُقَتَّلُون اِن عادَ يُمسِكُ بالحياة خليفةُ المتوضِّئين

стр. 1682

وتَضَرَّمت للغَيظ نارٌ في قلوبِ الكافِرِينْ ثم اكْتَسَت بالذلُّ أوجُهُ مَن تنادوْا مُصبِحينْ فحَصادُهم عَصفٌ .. هشيمٌ .. خيبةٌ .. كَدَرٌ وهُون ° إيهٍ يا بنديكت الفاجر، ما تقول فيما جاء في كتابك المقدَّس في سِفر "الثَنية" من التوراة "الإصحاح العشرون": "وإن لَمْ تُسالِمْك أيُّ قرية، بل حارَبَتْك فحاصِرْها، وإذا دَفَعها الربُّ إلهُك إلى يَدِك فاضربْ جميعَ ذُكورهم بحدِّ السيف، وأما النساءُ والأطفالُ والبهائمُ، وكلُّ ما في المدينة كلُّ غنيمتها فتغتنمُها لنفسك، وتأكلُ غنيمةَ أعدائِك التي أعطاك الربُّ إلهك .. أما بلادُ أرضِ الميعاد، فالمطلوبُ دينًا ألاَّ تَسْتَبْقوا فيها نَسَمَةً حيَّةً! " يعني الإبادةَ والاستئصالَ الذي نَفَّذه الأوربيون النصارى حينما دخلوا أمريكا مع الهنود الحُمْر، وحينما دَخلوا استراليا مع سُكَّانها الأصليين. ° إن عندكم من الفضائح ما تَضجُّ منه الأنوفُ يا بنديكت. إن عدمَ استقبالِ رأسِ الكنيسة الأرثوذكسيةِ القبطية بمصر للبابا الكاثوليكي "يوحنا بولس" في مقر الكاتدرائية وقوله: "إنه يُمثِّل إيمانًا مختلِفًا لا يجوزُ السماحُ لصاحبه بدخولِ الكاتدرائية"! فقلوبكم شتَّى، وكفرُكم أنواعٌ متعدِّدة. ° يا لِفكرِكَ الأسودِ الفَجِّ يا "بنديكت"! يا لِوجهك القبيح وقولِك القبيح: "إن اللهَ في العقيدة الإسلامية مُطلَقُ السُّمُوِّ، ومشيئتُه ليست مرتبطةً بأيٍّ من مقولاتِنا ولا حتى بالعقل"!. ثم يدعي أن الفِكرَ المسيحيَّ يرفضُ عدمَ العمل بما ينسجمُ مع العقل وكلِّ ما هو مخالفٌ للطبيعة الإلهيَّة.

стр. 1683

° ونقول لك: إنَّ المسيحيةَ هي التي لا تُعِيرُ العقلَ التفاتًا في عقائدِها، وتقول تعليماتُها: "آمِنْ ثم اعْلَمْ .. اعتقِدْ وأنت أعمى .. أغمِضْ عَينيك ثم اتبعني". * وفي الإسلام العلم قبل القول والعمل: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٤] وهكذا: ليعلموا، فيؤمنوا، فتخبت قلوبهم. * وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]. والشرعُ يُخبرُ بمحاراتِ العقول، لا بمحالاتِ العقول (١). فلتَخْسَإِ الحكماءُ عن ربٍّ … له الأفلاكُ تَسْجُدْ ومشيئةُ اللهِ مرتبطةٌ بحكمتِه، فهو العليمُ الحكيم، الخيرُ بين يديه، والشرُّ ليس إليه. ° يا بنديكتُ الذميم، تظن أن تستَخِفَّ بعقولِ العالَم كلِّه الذي سَمعِ تصريحاتِك بجميع لغاتِه عَبْرَ وسائل الإعلامِ المختلفة حين تقول: إن الناس أخطؤوا في فَهم كلامك .. وأنت الذي اخترتَ ما تنقلُه من كلامِ الإمبراطور البيزنطيِّ .. وأنت الذي أخرجتَ هذا الكتابَ من قَبره في مكتبةِ الفاتيكان لتنقلَ منه أَسوأَ ما فيه؟!. ° بعضُ المدافعين عنكَ قالوا: إن الاقتباسَ الذي نَقَله من ذلك الكتاب

стр. 1684

"وُظِّف خَطَأً"، ولا أفهم هل وظَّفه خطأً المسلمون الذين غَضِبوا لدينهم ونبيِّهم؟ أم وظَّفه خطأً الذي نَقَله وأذاعه وفاخَرَ بالمحاضرة به على الناس، وصَفَّق له مستمعوه من الكافرين أمثاله؟! وصدق القائل: لكل داءٍ دواءٌ يُستطَبُّ به … إلاَّ الحماقةَ أعيَتْ مَن يُداويها ° أمَّا نعيُه على الجهادِ وأنه لا يناسِبُ الربَّ، فما قولُه في أسفارِ العهد القديم، حيث تقعُ أحاديثُ الحرب في ٣٦ آيةً من ثمانيةِ أسفار، هي "التكوين، العدد، القضاء، صموئيل الأول، الملوك الثاني، حِزْقيال، التثنية، يوشع"؟ وما قوله فيما نُسِب للمسيح ﵇ وقولِه عن الحرب: "لا تظنُّوا أني جئتُ لأُرسيَ سلامًا على الأرض، ما جئِتُ لأُرسيَ سلامًا، بل سيفًا، فإني جئتُ لأجعل الإنسانَ على خلافٍ مع أبيه، والبنتَ مع أمِّها، والكَنَّةَ مع حماتها، وهكذا يصيرُ أعداءُ الإنسانِ أهلَ بيته". * رأي الفاتيكان في الإِسلام: مِن أهمِّ المقولات التي قِيلت بلا هوادةٍ في المؤتمر الفاتيكانيِّ الثاني: "لابدَّ من تنصير العالم"، والوثيقةُ الخاصةُ بالإسلام والمسلمين تمَّت صياغتُها بإدراجِ الإسلامِ ضمنَ الديانات الآسيويةِ الكُبرى، التي وُجدت بعيدًا عن المسيحية واليهودية، لاستبعادِ الإسلام عن رسالةِ التوحيد! وهذا التوجُّهٌ غيرُ الامين -حتى في صياغة النصِّ المليءِ بالمغالطات- يكشف عن تلك النوايا التي لم تَعُدْ خَفِيَّةً على أحدٍ، فالفاتيكان -رأسُ الكفر، وقلعةُ الأبالسة، وديارُ المجرمين- لا يعترفُ بالإسلام كديانةٍ سماويةٍ توحيديَّةٍ مُنَزَّلةٍ. ° وقد لَخَّصَ الأبُ "ميشيل لولنج" هذه الحقيقة قائلاً: "إن الكنيسةَ

стр. 1685

تعتبرُ المسيحَ خاتمَ الرسالة؛ لذلك فهي لا تعترفُ بنبيِّ الإسلام الذي أدانه المسيحيون بطريقةٍ سلبيةٍ تهجُّميَّةٍ وعُدوانية". ° وكان الأبُ "كاسبار" قد أوضح الموقفَ نفسَه أيامَ انعقادِ المؤتمر قائلاً: "إن هناك من بين رجالِ الدين الحاضِرين مَنْ يعتبرون أن الإسلامَ خطأٌ مُطلق لا بدَّ من رَفضِه؛ لأنَّه يُمثِّل خطرًا بالنسبة للكنيسة، ولابدَّ من محاربته" (١). والحقُّ أبلجُ لو يبغون رؤيتَه … هيهاتَ يُبصِر مَن في ناظِريه عمى وصَرخةُ الحقِّ تأباها مسامِعُهم … مَن يَسمَع الحقَّ منهم يَشتكي الصَّمَمَا فهم لا يعترفون بالإسلام كديانةٍ .. نعم هم لا يرتقون إلى مُرتَقى الإسلام الجميل الوضيئ الذي أراده الله دينًا للبشرية، وتَمنَّى إبراهيمُ أن يُحشَرَ عليه: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ٨٣]. * وقال تعالى عن خليله إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨]. * وقال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة: ١٣٣].

стр. 1686

* وقبلَ أن نُنهِيَ الكلامَ مع رأسِ الضلالة، نُهديه من ماضي صَلِيبيّي إِيطاليا هذه الفقرات: قبل الختام نذكر "لبنديكت" القائل: "إن محمدًا لم ياتِ إلاَّ بالأشياءِ الشِّرِّيرة وغير الإنسانية، ونَشَر الدين بِحَدِّ السيف" .. نذكر له صفحةً اجتمع فيها الشرُّ كلُّه وامتهانُ الآدمية لصليبيِّي إيطاليا أثناء غَزِوهم واحتلالهم لليبيا. ° لقد تَحدَّث عن جرائمِ الإيطاليين المجاهدُ الأميرُ "شكيب أرسلان" الذي عاصَرَ الأحداثَ وشارَك فيها، وكانت له علاقةٌ حميمةٌ بقائدِ المجاهِدين الليبيين الشهيد "عمر المختار" ﵀، الذي قَبض عليه الإيطاليون وحَكموا عليه بالإعدام، وقبلَ أن يُنفَّذَ فيه الحكمُ راودوه أن يَخنَعَ ويَخضعَ في مقابِل العفوِ عنه، فأبى وقال: "لئن كَسَر مدفعُكم سيفي، فلن يَكسِرَ باطلُكم حقِّي، وإن عفوتم عني فسأعودُ إلى قتالِكم من جديد" .. وفي كتاب "حاضر العالم الإسلامي" شواهدُ كثيرة (١). * عَددُ الذين شَنَقهم الإيطاليون من طرابلس وبَرْقة: لقد قُدِّر عددُ الذين شَنَقتهم القواتُ الإيطاليةُ الصليبيةُ من أهل "طرابلس وبَرْقة" بعشرين ألفَ نَسَمة، وكان من بين الذين عُلِّقوا على أعوادِ المشانق عددٌ كبيرٌ من النساءِ المسلمات اللواتي جُرِّدْنَ من ثيابِهن، وأبقَوهُنَّ مُجرَّداتٍ عدةَ أيام، وكانوا يَسلُكون ستينَ شخصًا -أو سبعين- في سِلسلةٍ واحدةٍ، وَيحبِسونهم على هذه الصورة حتى يموتوا، وقُذف في البحر مرةً

стр. 1687

عِدَّةُ جُثثٍ إلى ساحل "السَّلُّوم" مربوطًا بعضُها ببعض. * طَردُ الليبيين من أرضِهم المُخصِبة لإِسكانِ الإِيطاليين مكانهم (١): لقد كانت أراضي الجبل الأخضرِ من "بَرْقة" أجودَ أراضي طرابلس، ففيها العيونُ والمياهُ الجارية، والغابات الملتفَّة، والمروجُ المَريعة، فتوجَّهت أنظارُ الطلْيان إليها، وأرغموا أهلَها على هجرِها بطريقةٍ في غايةِ الوحشيةِ والقسوة. لقد جَمع الطليانُ من سكانِ المنطقة ثمانين ألفَ نسمةٍ -رجالاً ونساءً وأطفالاً-، وساقُوهم إلى صحراء "سِرْت" في الأراضي الواقعةِ بين "بَرْقة وطرابلس" على مسافةِ عَشَرةِ أيام من أوطانهم الأصلية، وأنزلوهم في معاطِشَ ومجادِبَ لا يُمكنُ أن يعيشَ فيها بَشَرٌ ولا بقر، فمات قِسمٌ كبيرٌ منهم جوعًا وعطشًا، وماتت مواشيهم بأَسْرِها مِن فَقدِ الكلأِ والماء، فارتفعِ صُراخُ هؤلاء الأهالي، وراجعوا الحكومةَ الإيطاليةَ، وشَكَوا إليها موت ذراريِّهم وموتَ مواشيهم، فما زادها ذلك إلاَّ قسوةً ومَضاءً على عزيمتها، وزادت الطينَ بِلَّةً، فأخذت منهم الرجالَ الذين بلغوا حتى سنِّ الأربعين، وأدخلتهم في الجُندية، ثم عَمَدت إلى الأحداثِ من فوقِ أربع سنواتٍ وحتى سنِّ الثانيةَ عَشْرةَ سنةً، فأخذتهم قَهرًا من أحضانِ أمهاتهم، ودفعتهم إلى إيطاليا لأجلِ تربيتِهم وتَنشئتهم في النصرانية!. على الرغم من الاحتجاجاتِ الكثيرةِ من أهالي البلاد المُهجَّرين، لم تَستجب الحكومةُ الإيطالية لإرجاع الأهالي إلى أراضيهم وديارهم، بل

стр. 1688

انتَخبت من بقاياهم أربعةَ آلافٍ، وأرجعتهم إلى الجبلِ الأخضرِ يَحرُثون ويزرعون -كعامِلين وليسوا مالكين- عند المستعمِرِين الإيطاليين. * استباحُة القرى والمُدُنِ بوحشيةٍ منقطعةِ النظير (١): لقد قام الإيطاليون الصليبيون في سنة ١٩٣١ م باحتلالِ واحةِ "الكَفْرة"، فاستباحوا قُراها ثلاثةَ أيام، فقتلوا مَن صادفوه من الأهالي، ثم انتشروا في القُرى والبساتين، ونَهبوا كلَّ ما وَقع تحت أيديهم، ولم يَرحموا الشيوخَ ولا الأطفالَ ولا النساء، وصادفوا الشيخَ "مختار الفذامسي" -وهو شيخٌ فانٍ بالغٌ ثلاثًا وتسعين سنةً، ومن جِلَّة علماءِ السنوسية-، فحمَلوه مُقيَّدًا بالحِبال على جملٍ، ونَفَوه من "الكَفْرة"؛ فمات في الطريق، ثم اغتصبوا النساءَ في أعراضِهن، وقتلوا منهن كثيرًا ممن دافَعن عن أعراضِهِنَّ، وكان نحوٌ من (٢٠٠) مئتي امرأةٍ من نساء الأشراف قد فَرَرْنَ إلى الصحراء قبل وصولِ الجيش الإيطالي، فأرسلوا قوةً في إثرِهِنَّ حتى قَبَضوا عليهن، وسحَبوهن إلى "الكَفْرة" حيث خلا بهن ضباطُ جيش الطليان واغتَصبوهن، ولما احتَجَّ بعضُ الشيوخِ على هَتكِ أعراضِ السيدات، أَمَر القائدُ الصليبيُّ بقتلهم. * الطليان يُدنِّسون المُصحفَ، ويَعمَلون على تنصيرِ المسلمين (٢): لقد استباح الإيطاليون الصليبيون الزاويةَ السنوسيةَ المسماة بـ "التاج"، وأراقوا فيها الخُمور، وداسُوا المصاحفَ الشريفةَ بأقدامهم، ولقد أَجْلَوْا

стр. 1689

ثمانيةَ عَشَرَ ألفًا من عَرَبِ الجَبَل الأخضرِ عن أوطانهم، وأماتوهم جوعًا، وأخذوا أطفالَهم قهرًا إلى إيطاليا لتنصيرهم، وقد قاموا بفظائعَ تقشعرُّ لها الأبدان وتَشيبُ لهولها الوِلدان، إذ حملوا الشيخ "سعد" شيخَ قبيلةِ "الفوائد" وخمسةَ عَشَرَ شيخاً من رِفاقه بالطيارات وقذفوهم من الجوِّ على مشهدٍ من أهلهم، حتى إذا وَصل أحدُهم إلى الأرض وتَقطَّع إرَبًا صَفَّق الطليان طَرَبًا ونادوا العرب قائلين: "ليأتِ محمدٌ -هذا نبيكُّم البدويُّ الذي أمركم بالجهاد- ويُنقِذْكم من أيدينا"!!. * شهاداتُ المرافِقين للجيشِ الإِيطالي على فظائعهم (١): ١ - شهادة "فرانز ماكولا" الإنجليزي: "أَبيتُ البقاءَ مع جيشٍ لا همَّ له إلاَّ ارتكابُ جرائمِ القتل، وإنَّ ما رأيتُه من المذابح وتركِ النساءِ المريضاتِ العربياتِ وأولادِهن يُعالِجُون سَكَراتِ الموت على قارعةِ الطريق: جَعَلني أكتبُ للجنرال "كانيفا" كتابًا شديدَ اللهجة، قلتُ له: إني أرفضُ البقاءَ مع جيشٍ لا أَعُدُّه جيشًا، بل عصابةً من قُطَّاع الطُّرُقِ والقَتَلة". ٢ - شهادة الكاتب الألماني "فون غوتبرغ": "إنه لم يَفعل جيشٌ بِعَدُوِّه من أنواع الغَدرِ والخيانةِ ما فعله الطليانُ في "طرابلس"، فقد كان الجنرال "كانيفا" يستهينُ بكلِّ قانونٍ حربيٍّ، ويأمرُ بقتل جميع الأسرى -سواءٌ أقبُض عليهم في الحرب أو في بيوتهم-، وفي "سيراكوز" الآن كثير من الأسرى الذين لم يؤسَرْ واحدٌ منهم في الحرب،

стр. 1690

وأكثرُهم من الجنودِ الذين تُركوا في مستشفى طرابلس، وقد قَبض الطليانُ على ألوفٍ من أهل طرابلس في بيوتهم، ونَفَوهم -بدونِ أدنى مُسوِّغٍ- إلى جُزرٍ إيطاليةٍ، حيث مات أكثرُهم من سُوءِ المعاملة. ٣ - شهادة النمساوي "هرمان رنول": "قد قَتل الطليانُ في غيرِ ميدان الحرب كلَّ عربيٍّ زاد عمرُة على ١٤ سنةً، ومنهم مَن اكتَفُوا بنَفيه، وأحرق الطليانُ في ٢٦ أكتوبر سنة ١٩١١ خلف بنك روما، بعد أن ذبحوا أكثرَ سكانه بينهم الشيوخ والأطفال". وقال أيضًا: "رجوتُ طبيبَينِ عسكريَّينِ من أطباءِ المستشفى أن يَنقِلوا بعضَ المرضى والمصابين المطروحِين على الأرض تحتَ حرارةِ الشمس، فلم يفعلَا، فلجأتُ إلى راهبٍ من كبارِ جمعيةِ "الصليبِ الأحمر" هو الأب "يوسف بافيلاكو"، وعرضتُ عليه الأمر، وأخبرتُ شابًّا فرنسيًّا أيضًا، لكنَّ الأب "بافيلاكو" حَوَّل نَظَرَه عنِّي، ونَصَح الشابَّ بأنْ لا يُزعجَ نفسَه بشأنِ عربيٍّ في سكرات الموت، وقال: "دَعْه يموت". ورأيتُ على مسافةٍ قريبةٍ جنديًّا إِيطاليًّا يرفسُ جُثَّةَ عربيٍّ برِجلِه .. وصباحَ اليوم التالي، وجدتُ الجرحى والمرضى الذين رَجوتُ الراهبَ من أجلِهم قد ماتوا، وقد رأى ذلك معي "فون غوتبرغ" الألماني، وبكى من تأثُّره". ٤ - شهادة المسيو "كوسيرا" مراسِل جريدة "أكسينسور" الباريسية: "لا يَخطر ببالِ أحدٍ ما رأينا بأعيُننِا من مشاهدِ القتل العام، وفي أكوامِ جُثثِ الشيوخِ والنساءِ والأطفال، يتصاعدُ منها الدخانُ تحت ملابِسهم

стр. 1691

الصوفيةِ كالبُخور يُحرقُ أمامَ مَذبَحٍ من مذابح النصرِ الباهر، ومررتُ بمئةِ جثةٍ بجانبِ حائطٍ قُضي عليهم بأشكالٍ مختلفة، وما فررتُ من هذا المنظر حتى تَمثَّلَتْ أمامَ عيني عائلةٌ عربية قُتلت عن آخِرِها وهي تستعدُّ للطعام، ورأيتُ طفلةً صغيرةً أَدخلت رأسَها في صندوقٍ حتى لا ترى ما يَحِلُّ بها وبأهلِها .. إن الإيطاليين فَقَدوا عقولَهم وإنسانيتَهم من كلَّ وجه". ٥ - قال المستر "إليس إشميد برتلت" مراسِل شركة "روتر" في رسالةٍ بَعث بها من "مالطة" يَصِفُ فيها ما شاهَده بعينه هو والمستر "كرانت" مراسل "الديلي ميرور" والمستر "انيس" مراسل "المورننغ بوست"، وقد سُجِّلت هذه الرسالةُ في دائرةٍ رسميةٍ إنكيلزيةٍ تحت توقيعهم: "صادَفْنا بمجردِ خروجِنا من المدينة جماعةً -بين رجالٍ وأولادٍ لا يَقِلُّ عددُهم عن السبعين- قُتلوا بدون محاكمة، وكنَّا نُشاهدُ في طريقِنا بعدَ كلِّ بضع خُطواتٍ جُثثَ القتلى في كلِّ مكان، قُتل بعضُهم برؤوسِ الحراب، والبعضُ ضربًا، وآخرون جُرحوا وماتوا على إثرِ جراحِهم .. وأبصَرْنا على مسافةٍ قريبةٍ خمسين رجلاً ووَلدًا هَلَكوا بالرصاصِ والسيوف، وشاهدنا رؤوسًا مهشَّمةً .. ومن المشاهِدِ التي رأيناها: أ- شيخٌ عربيٌّ عاجزٌ، بينما هو جالسٌ بقُربِ مدرسةِ الزراعة، إذ اتخذته طائفةٌ من الجُندِ الإيطالي هدفًا لرصاصِ بنادقهم فمات. ب- سَمِعنا فجأةً صوتَ عِيارٍ ناريٍّ، فعَلِمنا أنه أُطلق على رجلٍ خرج من منزله، فسَقط والدمُ يتدفَّقُ منه، وخَرَجت زوجتُه وبيدها إناءٌ فيه ماء .. لعلها تريدُ أن تَسقِيَه أو تَغسِلَ جِراحه .. فلما رأتنا نَكَصَتْ على أعقابها

стр. 1692

خوفًا منا. جـ- التقينا في أحدِ الشوارع بثُلَّةٍ من الجنود، أمسكوا ثلاثةً من العرب وصَفُّوهم عند حائط، وأخذوا يتلهَّون بإطلاق النار عليهم. ٦ - قال المستر"بنيت يورلي" مراسل "الدِّيَلي تليغراف": "قَتل الطليان في ٧ نوفمبر أربعةَ آلافِ شخص -بينهم ٤٠٠ امرأةٍ-، ورأيتُ رجلاً مُقْعَدًا قَتَله الجنودُ قريبًا من قنصلية النسما". ٧ - قال مراسل "فرانكفورتو نسايتونغ": "لقد رأيتُ بعينيَّ فظائعَ هائلةً لم تَسمعْ أُذُنُ إنسانٍ بمثلها، ولقد بَلَغ إلى الآن عددُ المذبوحين من الأهالي سبعةَ آلافٍ من رجالٍ ونساءٍ وأولاد، إذ أُبيح للجنود قتلُ كلِّ مَن يصادفونه". هذا ولقد أُلِّفت كتبٌ في جرائم الإيطاليين الصليبيين في ليبيا، وأهمُّ هذه الكتب كتاب "الفظائع السُّود الحُمْر"، وكتاب "فظائع الطليان في طرابلس الغرب". ° ومما جاء في الكتاب الأخير أن الطليانَ يُهينون الدينَ الإسلاميَّ، ويتعرَّضون للمسلمين في مساجدهم، ويُدخِلون جنودَهم سُكارى في الجوامع ليهزؤوا بعبادةِ المسلمين، ويُجبِرون المسلمَ -ولو كان في وَسَطِ الصلاة- أن يقومَ بأداء التحيةِ للضابط الإيطالي أو المأمورِ الإيطالي أيًّا كان. ° ولقد أَصدرت الحكومةُ الإيطاليةُ في لواءِ بنغازي أمرًا بسدِّ جميع الكتاتيبِ التي تُعلمُ الاطفالَ أمورَ دينهم وتُحفِّظُهم قرآنهم الكريم. ° وفاجأَ "الفاشيستُ" رجلاً يدعى الشيخ "يونس بن مصطفى

стр. 1693

البرعصي" وهو معتكِفٌ في غارٍ بزواية "الفايدية" بالجَبَل الأخضرِ، فسَدُّوه عليه، وأحرقوه مع عائلتِه المؤلَّفةِ من تِسعةِ أشخاص. ° جَمَع الجنرالُ "غارسياني" جميع مشايِخ السنوسية ومتوالِّيَ أوقافِها وأئمةَ المساجد والمؤذِّنين والفقهاءَ والسَّدَنة، وسجنهم كلَّهم في مركزِ "بنينه" وهو بناءٌ قديمٌ لا سَقفَ له، ذاقوا فيه أمر العذاب جُوعًا وعطشًا وعذابًا، ثم نُقلوا إلى سجون إيطاليا، وبعد أن مَكَثوا فيها مدةً أُعيدوا إلى "بنينه" حيث أُفنُوا بالجوع وغيره، ولا ذنبَ لهؤلاء سوى أنهم يُعلِّمون أبناءَ المسلمين كتابَ الله وسُنَّةَ رسولِه الكريم ﷺ (١). * ووقفةٌ أخرى .. لبوم الفاتيكان وسليل النازية: اقرأ -أيها النازيُّ الكذَّابُ الأشِرُ- ما قاله "جوستاف لوبون" في كتابه "حضارة العرب" عن محاكِم التفتيش في أسبانيا وهمجيَّةِ الكاثوليك: "وكان تعميدُ العربِ كُرْهًا فاتحةَ ذلك الدَّوْر، ثم صارت محاكمُ التفتيش تأمرُ بحَرقِ الكثيرين، ولم تَتِمَ عمليةُ "التطهير بالنار" إلاَّ بالتدريج لتعذُرِ حَرقِ الملايين من العربِ دَفعةً واحدة، ونَصَح كاردينال "طليطلة" التَّقيُّ (!!!) بقَطع رؤوسِ جَميع مَن لم يتنصَّرْ من العرب رجالاً ونساءً وشيوخًا ووالدانًا .. وقَرَّرت أسبانيا تهجيرَ العرب عن أسبانيا، فقُتِل أكثرُ مُهاجري العرب في الطريق، فأبدَى ذلك الراهبُ "بيلدا" ارتياحَه لقتل ثلاثةِ أرباع أولئك المهاجرين في أثناءِ هِجرتهم، وهو الذي قَتَل مئةَ ألفِ مهاجرٍ قافلةٍ

стр. 1694

واحدة كانت مؤلَّفةً من مئةٍ وأربعين ألفَ مهاجر مسلم (١٤٠.٠٠٠)، حينما كانت مُتَّجِهةً إلى أفريقيا، وخَسِرت أسبانيا بذلك مليونَ مسلمٍ من رعاياها في بضعةِ أشهر، ويُقدِّرُ كثير من العلماء -ومنهم "سيديو"- عددَ المسلمين الذي خَسِرتهم أسبانيا منذ أن فَتح "فرديناندُ" "غرناطة" حتى إجلائهم الأخيرِ بثلاثة ملايين، ولا نَعُدُّ ملحمةَ "سان بارتلمي" إزاء تلك المذابح سوى حادثٍ تافهٍ لا يُؤبَهُ له، ولا يَسَعُنا سوى الاعترافِ بأننا لم نَجِدْ بين وحوشِ الفاتِحِين مَن يُؤاخَذُ على اقترافِه مظالِمَ قَتل كتلك التي اقتُرِفت ضدَّ المسلمين. وممَّا يُرثَى له أنْ حُرِمَت أسبانيا عمدًا هؤلاء الملايينَ الثلاثةَ الذين كانت لهم إمامة السُّكَّانِ الثقافية والصناعية" (١) اهـ. ° يحاول الثعلبُ الماكرُ "بنديكت" التنصُّلَ من كلامِه، أو يُبدِي أنه يتراجعُ عمَّا قال -وهو كاذبٌ-، أو يقولُ: إن كلامَه فُهِم فهمًا خاطئًا، فهو العاقلُ الوحيدُ وكل الناسِ ليس لها عقولٌ تفهمُ بها .. فَلِم يتراجعُ "ظلُّ اللهِ في الأرض"، وصاحب "العِصمة المطلَقة"، وهذا لم يَحْدُثْ في تاريخ الكنيسة والفاتيكان؟!. ° قال "البابا شنودة" بابا الأرثوذكس إجابةً على سؤال: "هل البابا -أي: بنديكت- معصومٌ من الخطأ، وبالتالي لا يمكُنه الاعتذار؟ ": "اعتقادُنا نحن أنه ليس معصومًا من الخطأ، أي أنه يُمكن أن يُخطئَ، ولكنَّ الكاثوليك يعتقدون خلافَ ذلك، فلقد قالوا: ليس هناك داعٍ للحديث عن حياتِه

стр. 1695

الخاصة، وهو معصومٌ من الخطأ في التعليم الكَنَسيِّ، أي: في كلِّ ما يُقال من فوقِ مِنبرِ الكاتدرائية؛ لأن هذا التعليمَ يكونُ قد وافَقَ عليه مَجمَعُ الهيئاتِ الكَنَسيَّةِ، ويُصبحُ البابا مُعبِّرًا عن هذا التعليمِ، لكنَّ الكاثوليك عمومًا لا يستطيعون القولَ: إن البابا قد أخطأ". - معنى هذا أن القدِّيسيَّة التي يَتمتَعُ بها "بابا الفاتيكان" تُعَدُّ عاصِمَةً له من الخطأ!!. - "هذا عند الكاثوليك ولكن ليس لدى الأرثوذكس". - "ليس هناك غيرُ مفهومٍ واحدٍ ممَّا أورده، فالعبارةُ صريحةٌ، تتحدَّثُ عن أنَّ كل ما جاء به محمد ﷺ كان شرًّا وغيرَ إنساني!! ". - "طبعًا هذا غيرُ مقبولٍ أن يُردَّ على لسان البابا، وكان يتعيَّنُ عليه أن يَحسَبَ حسابًا لردود الفعل في العالَم الإسلامي". ° ما رؤيتُكم حولَ ما أورده "بنديكت" من أنَّ الإسلامَ تمَّ نَشرُه بالسيف -أي: بالعُنف والقوة-، وأن النبيَّ محمدًا ﷺ قد أَمَر بذلك؟. - لا .. لم يأمُر بذلك، والدليلُ يُمكن أن نَجدَه في القرآن، على أنَّ الإسلام لم يَتِمَّ نَشرُه بالعنف .. يقول القرآن: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، ويقول: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، ويقول: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]، فدائمًا نَشرُ الدينِ يكونُ عن طريقِ الإقناع؛ لأنَّه أمرٌ يتعلَّقُ بالفكرِ والقلب .. أمَّا هل يَسلُكُ المسلمون هكذا على طولِ

стр. 1696

الخط؟ فهذه مسألةٌ أخرى (١) " (٢) اهـ. ° يا بنديكت اللئيم .. إن حُكمَك في تطاوُلك على سيد البشر ﷺ القتلُ، ولا شيءَ غيرَه بإجماعِ العلماء. * بابا روما: لا عَتْبَ عليك، فأنت بكتابك اقتَدَيت: ° قال أبو إسلام أحمد عبد الله: "بابا روما، أدعو اللهَ كثيرًا -بدايةً- أن يَشفِيَك، وأن يَرُدَّ عليك وَعْيَك، وأن يُثَبِّتَ لك عَقْلَك، فإنَّ الذي في مكانتك محسوبةٌ عليه أنفاسه .. وإنْ أخطأَ كلُّ الناس، ففضيحةٌ كبرى أن تُخطئَ أنت .. وإنْ زَلَّ كلُّ الناس، فزَلَّتُك خطيئةٌ لا تُغتفر .. وإن جَهِل الناسُ بعضَ العلم والتاريخ، فجَهلُك جهالةً تُوسِمُ تاريخَ البابَويةِ بالتخلُّفِ والانحطاط، لذلك أتلمَّسُ لك العُذرَ، لكنَّني -عفوًا- لا أُحسِنُ بك الظنَّ أبدًا، فقد شاء اللهُ لك أنْ تأتيَ من بيئةٍ غيرِ سَوِيَّةٍ، ووظيفةِ غيرِ كريمةٍ في عُرفِ الإنسانية، وهي رئاسةُ محاكِم التفتيشِ تحتَ اسم "تثبيت الإيمان"! لتحتلَّ مرةً واحدةً مكانةَ أكبرِ رجل دينٍ مسيحيٍّ في العالَم، ولعلَّه قَدَرُ الله فيك أن تتعثَّرَ القُرعةُ التي اختاروك بها، لِتُعيدَ لشعوبِ العالَم ذاكرتَها، بعد أن استُغفِلت لفترةٍ ليست بالقصيرة، ظانَّةً أن "الكاثوليكية الجديدة" تناسَت أحقادَها ودَمَوِيَّتها القديمة، وتلك مشيئةٌ عظيمةٌ من ربِّ العِزَّةِ ، أن يَفضَحَ بك تاريخَك خصوصًا، وتاريخَ الكاثوليكية عمومًا، إذ

стр. 1697

إن ملايين -بل ومليارات- الإنسانية لا يَعرِفون الكثيرَ عن الماضي الأسودِ لكنيسةِ حّبْرِكمِ المُبجَّل، ولا عِلمَ لهم بالإجرامِ الذي تأسَّست على قواعدِه عقيدتُكم، ويَجهلون تمامًا بشاعةَ ماضيكم المليءِ بالخياناتِ والمؤامراتِ والقتل والحَرقِ والسَّحْل والسَّحقِ والهَتْكِ والفَتْكِ وكلِّ ما تَقشعرُّ له الأبدان. ° عفوًا نيافةَ الحَبرْ المُبجَّل، أرجوك ألاَّ تبتئسَ كثيرًا مما أقول، وإن كان حقِّي الشرعيُّ الذي تَنصُّ عليه عقيدتُك أنْ أقولَ فيك وأن أَصِفَكَ بالسُّوء الذي وَصَفْتَ به خاتَمَ الأنبياءِ والمرسلين وأكرَمَ خَلْقِ الله أجمعين، لكنني -عفوًا- مضطرٌّ لأن أكونَ عفيفًا في قولي لك بحسبِ وصيةِ الرسولِ الذي أسأتَ أنت إليه، ألاَّ أكون سبَّابًا، ولا فحَّاشًا. ° عفوًا نيافةَ الحَبْرِ المُبجَّل، إنني مضطرٌّ للتعامل معك وِفقَ منهجٍ عقليٍّ مُيَسَّر يتناسبُ مع السَّقطةِ البَشِعةِ التي أَوقعت نفسَك فيها، بسبب افتقادِك أولاً للكياسة التي يجبُ أن يتحلَّى بها أصحابُ المراكزِ الوظيفية المرموقة، وبسبب افتقارِك لأدبياتِ الخطابِ "الدبلوماسي" الذي يَجبُ أن تتدربَ عليه طويلاً، وإلاَّ فسوف يكونُ عمرُك قصيرًا للغاية على عَرشِ مملكتِك الفاتيكانية، ثم أخيرًا بسبب جَهلِك الفاضحِ بتاريخِ الأم، وكان جَهلُ حَبْرِكُمُ المُبجَّل مُرَكَّبًا؛ لأنَّ الأُمَّةَ التي أنت جَهِلْتَها أكبرُ من أن يَجهَلَ سِيرتَها واحدٌ من صغارِ كَهَنَتِكم. ° ولأنَّ المَقامَ ليس عن تاريخ أمةِ الإسلام، وهو أيضًا ليس عن تاريخ أُممِ وطوائفِ عَبَدَةِ الصليب، إنما عن مفهومِ السُّوء حسبما تُقرِّرُه عقيدَتَيِ

стр. 1698

المسيحية والإِسلام، رُجوعًا إلى وَصْفِكَ غيرِ المهذبِ وغيرِ الكريمِ وغيرِ اللائق بكم، على مستويين: - المستوى الشخصي: بصفتك قد تجاوَزتَ الثمانين من عُمرك، ولديك من الرُّشدِ ما كان ينبغي أن تَعرِفَ به أقدارَ الناس، وما كان مهمًّا أن تسموَ بعقلِك في التمييزِ بين رجالِ الله الموحِّدين، وغيرِهم من رجالِ الشيطانِ المشركين. - أما على المستوى العَقَدي: فإنني أَعذِرُك كثيرًا فيما قلتَ من السُّوء في حقِّ خيرِ خلقِ الله ﷺ ، إذ قَدَّر اللهُ لي أن أطلعَ على نَبع المسيحيةِ الذي به تسترشدون في أقوالِكم وأفعالِكم ووصاياكم وأنشِطَتِكم، وأعرفُ -كما تعرفُ أنتَ وكلُّ إنسان عاقل- أنَّ المعانيَ الأخلاقيةَ لا يختلفُ عليها اثنانِ من البشر -مثل الخطأِ والخطيئةِ والذَّنبِ والمعصيةِ والفُحشِ والزنا والدعارةِ والقتل والكذبِ والجهل وسوءِ الأخلاق وسوءِ الأدب-، فكل تلك المعاني مشتركةٌ في دلالاتها بين جميع البشرِ -مهما اختلفت عقائدُهم أو ألوانُهم أو جِنسياتُهم-. ومِن هنا أبدأُ التجوُّلَ بصُحبةِ حَبْرِكُمُ المُبجَّل في أصولِ نيافتكم العَقَدية، دونَ عصبيةٍ، أو غَضَبٍ، أو حَيدةٍ، لنُحدِّدَ سويًا ويَشهدَ علينا الملايينُ الذين سيقرؤون هذه الرسالةَ المهذَّبةَ منِّيَ -أنا المسلم الذي أتبعُ أخلاقَ محمدٍ ﷺ "، إلى شَخصِكم المُبجَّلِ الذي اتَّهم محمدًا ﷺ بأنه "لَم يأتِ إلاَّ بكل سِّيئٍ، وتعرفُ أن القرآنَ هو أغلى وأسمى ما أتى به ﷺ ، فسَبَبْتَ قرآنَنا قصدًا مع سَبقِ الإصرار، أو عَفْوًا وجهالةً وسوءَ فَهمٍ،

стр. 1699

وحسُبك -همًّا وغمًّا لتاريخ كنيسةِ حَبْرِكم- أنك أشرتَ فيما أَسميته تدليسًا "بالاعتذارِ للمسلمين" أن ذلك النصَّ البذيءَ الذي نَطَقَتْ به نيافتُكم، قد نَقَلْتَه في كلمتك عن أجدادِك الأوائل في العصورِ الوسطى، لِتُجدِّدَ معهم العهدَ والوعدَ، شهادةً على موقفِكم الحاقدِ المتعصِّبِ من خيرِ بشرٍ وُلِد على الأرض، أنك مِثلُهم، وأنهم كانوا مِن قَبل مِثلَك نيافةَ الحَبْرِ المبجَّل، أتعشَّمُ كثيرًا أن تتحمَّلني، وتَقبَلَ مني أن أُذكِّرَك فقط على ملأٍ من البشرية؛ لأنَّ الملايينَ منهم يَجهلُ السرَّ الذي دَفَع نيافتَكم لهذا السُّوءِ من القول في حق خيرِ نبيٍّ لخيرِ أُمةٍ أُخرجت للناس، وهو ذلك الكتابُ الموصوفُ خطأً بالقَدَاسة، وهو لا يتجاوزُ "الفولكلور الشعبيَّ" بحسب تعبيرِ الآباء الدومينيكان، فقد رَجعتُ إليه، ووجدث أن سِبابَك وشَتْمَك لنبيِّ الرحمة والسلام، هو اقتداءٌ بما وَرَد زُورًا وبهتانًا على لسان "يسوع" وهو يُوزِّعُ أذاه على مَن يعرفُ ومَن لا يَعرف، معاهدًا اللهَ الواحدَ الأحدَ الفردَ الصمدَ، أن ألتزمَ بنصوصِ كتابِك فيما أنقُل، دون نقصٍ، أو زيادةٍ، أو تعديل، لنعرفَ جميعًا ما السَّيِّئُ، ومَن المُسيء، ومَن المُساءُ إليه، مسترشِدًا في ذلك معِ نيافتِكم بقول رسولِكم "بولس" في "سِفر الأمثال": "جَاوِبِ الْجَاهِلَ حَسَب حَمَاقَتِهِ لِئَلاَّ يَكُونَ حَكِيمًا في عَيْنَيْ نَفْسِهِ". ° أولاً: حقيقة كتاب نيافتكم المقدس: جاء في الدراسةِ القيمةِ المسمَّاةِ "مدخل إلى الكتاب المقدس"، والتي نَقَلَتْها الرهبانيةُ اليسوعيةُ من الترجمة المسكونية الفرنسية للكتاب المقدس "إصدار الرهبانية اليسوعية"، بيروت، دار المشرق، ١٩٨٥ م: "إن أسفارَ

стр. 1700

الكتابِ المقدَّس هي عَمَلُ مؤلِّفِينَ ومُحرِّرِينَ، ظَلَّ عددٌ كبيرٌ منهم جهولاً، لكنهم -على كلِّ حال- لم يكونوا مُنفرِدين؛ لأنَّ الشعبَ كان يُسانِدُهم". ° ويقولُ الآباءُ اليسوعيون في مقدِّمة الكتاب المقدس: "فما مِن عالمٍ كاثوليكيٍّ في عصرنا يعتقدُ أن موسى ذاتَه قد كَتَب كلَّ البانتاتيك "الأسفار الخمسة" منذ قِصَّةِ الخَلْقِ إلى قصةِ موته" (ص ٤). ° وتقولُ دائرة المعارف الأمريكية [AMERICANA ENCYLOPAEDIA] طبعة ١٩٥٩ الجزء الثالث: "لَم يَصِلْنا أيُّ نسخةٍ بخطِّ المؤلِّفِ الأصليِّ لكُتُبِ العهدِ القديم، أمَّا النصوصُ التي بين أيدينا، فقد نَقَلَتْها إلينا أجيالٌ عديدةٌ منَ الكَتَبَةِ والنُسَّاخ، ولدينا شواهدُ وفيرةٌ تُبيِّنُ أن الكَتَبَةَ قد غَيَّروا -بقصدٍ أو دونِ قصدٍ منهم- في الوثائق والأسفار التي كان عَمَلُهم الرئيسيُّ هو كتابتُها ونقلُها، وقد حَدَث التغييرُ دون قصدٍ حين أخطؤوا في قراءةِ بعضِ الكلمات .. كذلك حين كانوا يَنْسَخون الكلمةَ أو السطرَ مرَّتين، وأحيانًا يَنْسَون كتابةَ كلماتٍ -بل فقرات بأكملها-، وأمَّا تغييرهم في النصِّ الأصلي عن قَصدِ، فقد مارسوه مع فِقراتٍ كاملةٍ حين كانوا يتصوَّرون أنها كُتبت خطأً في الصورة التي بين أيديهم، كما كانوا يَحذِفون بعضَ الكلماتِ أو الفقرات، أو يُضيفون على النصِّ الأصليِّ فقراتٍ توضيحيةً". ° وتقول الترجمةُ الفرنسية المسكونية تحت عنوان "فساد النص": "لا شكَّ أن هناك عددًا من النصوصِ المشوَّهة التي تفصلُ النصَّ المسوري الأول عن النصِّ الأصلي، فعلى سبيل المثال: تَقفزُ عَينُ الناسخُ من كلمةٍ إلى كلمةٍ

стр. 1701

تُشبِهُها، وتَرُدُّ بعدَ بضعةِ أسطرٍ مُهمَلَةٍ كل ما يَفصِلُ بينهما .. والجديرُ بالذِّكر أن بعضَ النُّسَّاخ الأتقياءِ أقدموا بإدخالِ تصحيحاتٍ لاهوتيةٍ على تحسينِ بعضِ التعابيرِ التي كانت تبدو لهم معرصةً لتفسيرٍ عقائديٍّ خَطِرٍ" "كتب الشريعة الخمسة": منشورات دار المشرق- بيروت. وهكذا يتَّضُح للعالَم كلِّه أن الحَبْرَ الأعظمَ إنما يعتنقُ كتابًا هو يَعلمُ وتلامذتُه أنه ليس مقدَّسًا وليس وحيًا، وليس من كلام موسى-﵇، وليس من كلامِ عيسى ﵇، ورَغمَ ذلك يُدلِّسُ على الدنيا كلِّها أنَّ كتابه مُقدَّسٌ، ومَن يفعل ذلك لا بأسَ أن يُسِيءَ إلى النبي محمدٍ ﷺ ، بل وإلى ربِّه جلَّ وعَلا. ° ثانيًا: أخلاقُ المسيحية بحسب نُصوصها المقدسة: ثم أَسْبِرُ بصُحبتِك غَوْرَ ذلك الكتابِ الذي فَرَضْتَ نيافتُكم -والذين مِن قَبْلِكم- على ملايينِ البشر الإيمانَ به باعتبارِه "مقدَّسًا"، وأنت عليمٌ بأنه غيرُ مقدَّس -كما أشار علماءُ نيافتكم سابقًا-، وأبدأُ استشهاداتي إليك بما قاله "بولس"، عمادُ عقيدتكم، في رسالتِه الأولى إلى "كورنثوس" (٦: ١٠) "بأن الشتَّامون لا يَرِثون ملكوتَ الله" .. بينما أنت شَتمتَ محمدًا ﷺ وكلَّ أتباعِه وقرآنَه الذي أُنزل عليه، فهل أنت ممن سيَرِثون الملكوتَ؟ أم أن مَثواك جهنمُ وبئس المصير [إذا مِتَّ على هذا الضلالِ الكبير]؟. * وأنتقل بنيافتكم إِلى صُلبِ معتَقَدِكم، وسَبَبِ شَتْمِكم، وأصلِ اقتدائِكم، لِنقفَ مباشرةً على مستوى أخلاقِ نيافتكم: ° الرب يأمرُ بسرقةِ المصريين: "قال الربُّ لموسى: تكلَّم في مسامع الشعبِ أن يَطلُبَ كلُّ رجلٍ من

стр. 1702

صاحبه وكلُّ امرأةٍ من صاحبتها أمتعةَ فِضَّةٍ وأمتعةَ ذهبٍ، وأعطى الربُّ نِعمةً للشعبِ في عيون المصريين"، و"فَعَل بنو إسرائيل -بحسب قول موسى-، طَلَبوا من المصريين أمتعةً من فضةٍ وأمتعةً من ذهبٍ وثيابًا، وأعطى الربُّ نعمةً للشعب في عيونِ المصريين حتى أعاروهم، فسلبوا المصريين" "الخروج" (١٢: ٣٥، ٣٦). ° الرب يأمرُ بشرب الخمر: "لا تكنْ في ما بعدُ شَرَّابَ ماءٍ، بل استَعمِلْ خمرًا قليلاً من أجل مَعِدَتِك وأسقامِك الكثيرة" "تيموثاوس" (٥: ٢٣). ° الرب يأمرُ بالزنا: ° أولُ ما كلَّم الربُ هوشع قال الربُّ لهوشع: اذهبْ خُذْ لنفسِك امرأةَ زِنًى، وأولادَ زِنًى؛ لأنَّ الأرضَ قد زَنَت زنًا تاركةً الرب، فذهب وأَخَذ جومر بنت دبلايم، فحَبَلت وولدَت له ابنًا" "هوشع" (١: ٢). ° الرب يأمر بالقُبلات بين الرجال والنساء: "سلِّموا على تريفينا وتريفوسا وبرسيس المحبوبة وروفس وأمه أمي وهرماس بتروباس وهرميس، وعلى الإخوةِ الذين معهم، سَلِّموا على فيلولوغس وجوليا ونيريوس وأخته وأولمباس، سلِّموا بعضُكم على بعض بقبلةٍ مقدَّسةٍ". "كورنثوس" ٢ (١٢: ١٣). ° إله المحبة يشتم امرأةً كنعانيةً: "عندما جاءت امرأةُ كنعانيةٌ تسترحمُ يسوع بأن يَشفِيَ ابنتَها، ردَّ عليها قائلاً: لا يجوزُ أن يُؤخَذَ خُبزُ البنين وُيرمى للكلاب" "متى" (١٥: ٢٦).

стр. 1703

° وشَتَم الأنبياء ﵈: "يقول يسوع: أنا بابُ الخِراف، وجميعُ الذين جاؤوا قَبلي سارقون ولصوص". "يوحنا" (٧: ١٠). ° وشَتَم مُعلِّمي الشريعة: "قائلاً لهم: يا أولاد الأفاعي" "متى" (٣: ٧)، "أيها الجُهَّالُ العُميان" "متى" (١٧: ٢٣). ° ووَصَف تلميذَه الأولَ "بطرس" الذي هو خيرُ رسل الفاتيكان: بقوله: "يا شيطان" "متى" (١٦: ٢٣). ° وشَتَم آخَرين منهم: "بقوله: أيها الغبيَّانِ والبطيئا القلوب في الإيمان" "لوقا" (٢٤: ٢٥). ° بل شَتَم الذي استضافه ليتغذَّى عنده في بيته: "سأله فريسيُّ أن يتغذَّى عنده، فدخل يسوع واتكأ، وأما الفريسي فلمَّا رأى ذلك تعجَّب بأنه لَم يَغتسِلْ أولاً قَبلَ الغداء، فقال له الرب: أنتم الآن أيها الفريسيون تُنَقُّون خارجَ الكأس، وأما باطنُكم فمملوءٌ اختطافًا وخُبثًا يا أغبياء! ويل لكم أيها الفريسيون! … فأجاب واحدٌ من الناموسيين وقال له: يا مُعلِّم، حين تقول هذا تشتمُنا نحن أيضًا! فقال: وويلٌ لكم أنتم أيها الناموسيون! " "لوقا" (١١: ٣٢). ° وشَتَم هيرودس: "قولوا لهذا الثعلب" "لوقا" (١٣: ٣٢). ° وأساء يسوعُ الخطابَ مع أمِّه أمامَ الناس: "عندما قال لها في فَرَح قانا: ما لي ولك يا امرأة؟! " "يوحنا" (٢: ٤).

стр. 1704

° وأساءَ استخدامَ الألفاظ في خطابه مع الناس: "لا تُعطوا القدسَ للكلاب، ولا تطرحُوا دُرَرَكم قُدَّام الخنازير" "متى" (٧:٦). ° وطلب إحضار معارضيه لذبحهم بالسيف أمامه: "أما أعدائي الذين لم يُريدوا أن أَملِكَ عليهم، فأتُوا بهم إلى هنا، واذبحوهم قدامي" "لوقا" (١٩: ٢٧). ° ويلعن شجرةَ التين: شجرةٌ لا ذنبَ لها سِوى أنها لم تُثمِر؛ لانَّه لم يكن وقتُ الثمر: "وَإذ رأى من بعيدٍ شجرةَ تينٍ مورقَةَ، توجَّهَ إليها لعلَّهُ يجدُ فيها بعض الثَّمرِ. فلمَّا وصل إليها لم يجد فيها إلاَّ الورقَ؛ لأنَّه ليس أوانُ التينِ. فتكلَّم وقالَ لها: لا يأكلنَّ أحَدٌ ثمَرًا منكِ بَعْدُ إلى الأبَدِ" "مرقس" (١١: ١٢). ° ممارسةُ العنف تحديًا للسلطات: "صَعِدَ يسوع إلى أورُشَلِيمَ، فوجدَ في الهيْكَل باعةَ البقرِ والغنمِ والحمامِ، والصَّيَارفَةَ جَالسينَ إلى موائدهم، فجدلَ سوطًا من حبالٍ، وطردهُم من الهيكل، مع الغنم والبقَرِ، وبعثرَ نُقودَ الصَّيَارِفَةِ وقَلَبَ مناضِدَهُم" "يوحنا" (٢: ١٤). ° يقتل ألفي خنزير استجابةً للأرواح النجسة: "وكان هناك قَطيعٌ كبيرٌ من الخنازيرِ يَرْعَى عند الجبل، فتوسَّلتِ الأرواح النَّجِسَة إلى يسوعَ قائلةً: أرسِلْنا إلى الخنازيرِ لندخُلَ فيها! فأذنَ لها بذلك. فخرجتِ الأرواحُ النَّجِسَة ودخلت في الخنازيرِ، فاندفعَ قطِيعُ

стр. 1705

الخنازيرِ من على حافةِ الجبل إلى البُحيرةِ، فغَرِقَ فيها. وكان عدده نحو ألفينِ" "مرقس" (٥: ١١). ° يَشترط لطاعته أن يَكرَهَ الإنسانُ نفسَه وأباه وأمَّه وزوجتَه وأولادَه: فيقول: "إن جاءَ إليَّ أحدٌ، ولم يبغض أباهُ وأمَّهُ وزوجتَهُ وأولادَهُ وإخوتَهُ وأخواتِه، بل نفسَهُ أيضًا، فلا يُمكنه أن يكون تلميذًا لي" "لوقا" (١٤: ٢٦). ° يعلن أنه جاء ليُلِقَي سيفًا لا سلامًا: "لا تظنُّوا أنِّي جئتُ لألقي سلامًا على الأرضِ. ما جئتُ لألقي سلامًا، بل سيفًا. فإنِّي جئتُ لأجعل الإنسانَ على خلافٍ مع أبيه، والبنتَ مع أمِّهَا، والكَنَّةَ مع حماتها" "متى" (١٠: ٣٤). ° جاء ليلقي نارًا على الأرض: "جئتُ لألقي على الأرض نارًا، فلكم أودُّ أن تكون قد اشتعلت؟ " "لوقا" (١٢: ٤٩). ° يقتل الأطفال بذنب أمهاتهم: يقول في إيزابيلا التي ادعت النبوة: "فإني سأُلقيها على فراشٍ، وأَبتلي الزانين معها بمحنةٍ شديدة، وأولادُها أقتلُهم بالموت، فستعرفُ جميعُ الكنائس أنِّي أنا هو الفاحصُ الكُلَى والقلوبَ، وأجازي كلَّ واحدٍ منكم بحسبِ أعماله" "سفر الرؤيا" (٢: ٢١ - ٢٣). وهكَذا نيافةَ الحَبْرِ المبجَّل، نكونُ قد أَوقفنا العالَمَ كلَّه -الذي يَعلمُ والذي لا يَعلم-، أنك عندما آذيتَ المسلمين وقرآنَ المسلمين، ولَمَّا آذَيتَ

стр. 1706

نبيَّ المسلمين ﷺ ، إنما كنت مقتديًا حَذْوَ النَّعْل بالنعل، بما جاء في كتابك على لسانِ ربِّك، لذا لَم أَحْزَنْ منك على الإطلاق، وأدركتُ أنك رجلاً يسوعيًّا بحق، كشفتَ لنا بجِلاءٍ أن محمدًا ﷺ لم يكن هو المقصودَ بسُوءِ ما أتى به، إنما السوءُ كان فيما أتيتَ أنت به وأتى به كتابُك، ولولا تقديري لك، واحترامي لرغبتِك في استمرارِ جهالتِك بالإسلام ونبيِّ الإسلام، لكنتُ عَرضتُ عليك شيئًا مما أتى به محمد ﷺ ، لتعلمَ مساحةَ التباين بين ما كان عندك، وما هو عندنا، خاتمًا رسالتي إلى حَبرِكمُ المبجَّلِ بقول "بولس" في سفر "الأمثال" (٤: ٢٦): "لا تُجَاوبِ الجاهل حسب حماقَتِهِ، لِئَلاَّ تَعدلَهُ أنت". معاذَ الله -سعادةَ الحَبْرِ المبجَّل- أن أَعْدِلَكَ فيكونَ مقامُك هو مقامي، أو مقامي -والعياذُ بالله- يكون مقامك". أبو إِسلام أحمد عبد الله * من رَحمةِ النصرانية: دعوةُ أحدِ أبنائها لضربِ مكةَ بالقنبلة النووية: ° يقول المحرِّر الأمريكي "ريتش لوري": "إنني أقترحُ أن تُضرَبَ مكةُ بقنبلةٍ نووية، ويكونُ ذلك بمثابةِ إشارةٍ إلى المسلمين .. إنَّ "طِهرانَ وبغداد" هما الأقربُ لتلقِّي الضربةِ النووية الأولى .. يجبُ علينا أن نُحذِّر دمشقَ والقاهرةَ والجزائرَ وطرابلسَ والرياضَ من خطرِ الإبادة النووية إذا ما أظهروا أيةَ علامة اعتراض" (١). هؤَلاء الصليبيون هم أعداءُ البشر، هم الذين ينشرون أفكارَهم بإبادةِ الآخرين.

стр. 1707

° يقول "مايكل هولي إيغل" الأمريكي في حديثه عن قتل الهنود الحمر: "تاريخنا مكتوبٌ بالحبر الأبيض، إن أولَ ما يفعلُه المنتصرُ هو محوُ تاريِغ المهزومين، ويا الله ما أغزَرَ دموعَهم فوقَ دماءِ ضحاياهم! وما أسهَلَ أن يسرِقوا وُجودَهم من ضميرِ الأرض! هذه واحدةٌ من الإباداتِ الكثيرةِ التي واجهناها وسيواجهها الفلسطينيون .. إن جِلادَنا المقدَّس واحد" (١)!!. ° في عام (١٧٣٠ م) أصدر البرلمان الأمريكي لمن يسمُّون أنفسَهم "البروتستانت الأطهار" تشريعًا يُبيحُ عمليةَ الإبادةِ لمن تبقَّى من الهنود الحمر، فأصدرت قرارًا بتقديمِ مكافأةٍ مقدارها (٤٠) جنيهًا مقابل كلِّ فروةٍ مسلوخةٍ من رأسِ هنديٍّ أحمر، و (٤٠) جنيهًا مقابلَ أسرِ كلِّ واحدٍ منهم، فكان سَلخُ الرأسِ أوفرَ لهم. وبعدَ خمسةَ عشَرَ عامًا ارتفعت المكافأة إلى (١٠٠) جنيه، و (٥٠) جنيهًا مقابلَ فروةِ رأس امرأةٍ، أو فروة رأسِ طفلٍ. وفي عام (١٧٦٣ م) أمَرَ القائدُ الأمريكي "جفري أهرست" برَمْي بطانيَّاتٍ كانت تستخدَمُ في مصحَّاتِ علاج الجُدري إلى الهنود الحمر، بهدفِ نشرِ المرض بينهم، مما أدَّى إلى انتشارِ الوباءِ الذي نتج عنه موتُ الملايين من الهنود، ونتج عن ذلك شِبْهُ إفناءٍ للسكان الأصليين في القارة الأمريكية" (٢).

стр. 1708

° وقال الرئيس الأمريكي "وليام ماكيليني": "نحن لم نذهبْ إلى الفلبِّين بهدفِ احتلالها، لكنَّ المسألةَ أن السيدَ المسيحَ زارني في المنام، وطلب مني أن نتصرَّف كأمريكيِّين، ونذهبَ إلى الفلبِّين لكي نجعلَ شعبَها يتمتعُ بالحضارة" (١). * ثورةُ المَنْطِقِ في وَجْهِ البَابَا (٢): أين العدالةُ والهُدى والمَنْطقُ؟! … والقَسُّ جانٍ .. والمؤرِّخُّ أخرَقُ!! والرَّبُ ثالوثٌ -تعالى جَدُّهُ- … هو واحدٌ لكنَّهُ مُتَفَرِّقُ!! أينَ العدالةُ والهُدى والمَنْطقُ … والأمُّ تَحْمِل بالإلهِ وتَطلِقُ!! فهو الجنينُ تَحَشْرَجَتْ أودَاجُه … وهو الرضيعُ المُسْتَغِيثُ المُوْثَقُ!! وهو الغريبُ هنا يُطاردُهُ الظَّما … طَوْرًا فيُسقَى، أو يَجُوعُ فيُرْزَقُ!! وهو الطريدُ هنا .. المُعذَّب ها هنا … وهناك في عَرْضِ الصليبِ مُعَلَّقُ!! وهو الدَّفْينُ هنا ثلاثًا فاعْجَبُوا … من ذا الذي يُحيي بهن ويرزقُ؟!! أين العدالةُ والهُدى والمَنْطقُ؟! … والذَّنْبُ إرثٌ والمُخَلَّصُ يُشْنَقُ!! ورقابُهُمْ أسِرَتْ بزلَّةِ آدم .. … ما لي بوِزْرِ الأخَرِينَ أُطَوَّقُ؟!! واللهُ أوسعُ رحمة وعدالةً … من أنْ يُجَرِّمَهُم ولما يُخلِقُوا وأرى المُخَلِّصَ لَمْ يُخلِّص نَفْسَه … وهْو الضَّعيفُ المُسْتَباحُ المُرْهَقُ!! وصُكوكُ عفْرانِ الذنوبِ تِجَارةٌ … فالقَسُّ يَجْمَعُ والكنيسةُ تَعْتِقُ

стр. 1709

وتُقَدَّسُ الصُلبَانُ إجماعًا وقد … صُلِبَ الإلهُ بها فأينَ المَنْطِقُ؟! أين العدالةُ والهُدى والمَنْطقُ؟! … والقَسُّ يكْذِبُ والحقائقُ تُزْهَقُ فإذا اليهودُ القَاتِلونَ بِعُرْفهمْ … رَمزُ البَرَاءِ .. وقسُّهم يتملَّقُ كم هيَّجَ الأحقادَ في حَمَلاِتهِ … ولِكُلِّ جَيشٍ للقسَاوسِ فَيلقُ!! نيرانُ كُرهٍ في حُطامِ ملاحِمٍ .. … والموتُ يُرْعِدُ، والعَدَاوة تُبْرِقُ وَفَدوا إلى أرْضِي بِكلِّ سَريَّةٍ … فَبَكَتْ فلسطينُ وضجَّ المَشْرِقُ ومَحَاكمُ التَّفْتِيشِ يَشْهَدُ قَبْوُهَا … بِجَحِيمِها وسجونُها والخَنْدَقُ و"أبو غريبِ" فضائحٌ مشهودةٌ … وسجونُ "كوبا" أنَّةٌ تتحرَّقُ وَغدَت رُبا الأَفْغانِ قاعًا صفصفًا … وهنا العراقُ ضغائنٌ تتدفَّقُ عيسى رَسُولُ محبةٍ وتسامحٍ … والقِسُّ يَعْبَثُ في البلادِ ويَحْرِقُ!! عيسى لأخْلاقِ الوَفَاءِ مَنَارةٌ … والقَسُّ يَغْدُرُ بالعِبَادِ ويَسْرق!! عيسى يُقيمُ المَيْتَ من غَفَواتِهِ … والقَسُّ يَغْتَالُ الحَيَاةَ ويُزْهِقُ!! أين العدالةُ والهُدى والمَنْطقُ؟! … والفِكْرُ يُغْمَطُ .. والحِجَا مُسْتَغْلَقُ حاربتُمُ العِلمَ الحديثَ بِغِلظةٍ … ودماءُ غاليلو هُنالكَ تُهرَقُ!! وغللتُمُ العَقْلَ الصَّرِيحَ تَعَنُّتًا … فإذا رؤى الإلحادِ ظلُّ مُوْنِقُ ولِكلِّ إنجيلٍ لديكم وُجْهةٌ … والزَّيْفُ في أصْلِ الروايةِ يُوبِق والسِّفْرُ عندكمُ عُرى وثنيِّةٍ … عن بولسٍ .. وهو الدَّعيُّ المُلصَقُ وكتابُنا متواترٌ ونبيُّنا … خيرُ البريَّة .. والحديثُ مُوثَّقُ و"عَشاؤكم" فيهِ القساوسُ تحتسي … أمَّ الخبائثِ والجموعُ تُصَّفِّقُ

стр. 1710

وبشرعِكم: "لا للتعددِ" .. والزِّنَا … متيسِّرٌ .. والزوجُ ليستْ تَطلُقُ!! الزاهدونَ عن الزواج وقَسُّهم … يُثني على خُلُقِ الشذوذِ فيُغْدقُ أين العدالةُ والهُدى والمَنْطقُ؟! … وروايةُ التأريخِ لا تتملَّقُ لَمَّا حكمْنا الأرضَ أشرقَ دينُنا … نورًا .. وراياتُ الأمانِ تُحلِّقُ وتألقتْ شمسُ الحضَارةِ في الدُّنا … عدلاً وعلمًا وائتلافًا يعْبِقُ تلكَ القصورُ الشامخاتُ شواهدٌ … للدهرِ بالحَقِّ المُغيَّبِ تنْطقُ فاسألْ بلنْسية وقرْطُبة النَّدى … وصروحُها بالمُعْجزاتِ تَفَتَّقُ واسألْ سُهولَ القِبْطِ كيف تسربلتْ … أمنًا، وآياتُ العهودِ تُوثَّقُ حتى إذا دارَ الزمانُ لكُمْ غدتْ … أرضي بأصنافِ العَداوةِ تفْهَقُ فإذا بلادُ الشامِ نارٌ تصْطَلي … والقُدْسُ تُسْبى والخليلُ وجِلَّقُ وإذا بذورُ الكُرْهِ تربو نبتةً … للثائرينَ وفَجْرُهُمْ يَتَفلَّقُ فإذا فلولُك مُسْلِمٌ ومُسلِّمٌ … والهالكونُ كأنَّهُمْ لَمْ يُخلقوا أين العدالةُ والهُدى والمَنْطقُ؟! … والعقلُ يحجبُه الظلامُ المُطْبِقُ ما دينُكم يا أيُّها البابا سوى … إرهابِ رُهْبَانٍ .. وحُمْقٌ يُغْرِقُ فتكتْ بنا الفتيكانُ فَتكًا حينما … غابَ النُّهى دهرًا وطاشَ المنطقُ دعني أُخاطبُ كلَّ صاحبِ فِطْنةٍ … واللهُ يَهْدي من يشاءُ ويُعْتِقُ يا ابن النصارى آنَ أنْ تصحو فقدْ … جَارَتْ سياستُكم وضلَّ البِطرقُ * * *

стр. 1711

* دَرْءُ تعارُضِ العقل مع الوحي والنقل: ما عَظَّم العقلَ دينٌ ما عظَمه الإسلامُ، و"يكفيك من العقل أن يعرِّفك صدقَ الرسول ﷺ ومعاني كلامه، ثم يُخَلِّي بينك وبينه"، و"العقلُ سلطانٌ وَلَّى الرسولَ، ثم عَزَل نفسه" (١). والعقلُ كالدابةِ توصِّلك إلى بابِ المَلِك، ثم تدخل عليه بعدَ ذلك بالتسليم المطلق. والعقولُ لا تَسْتَقِلُّ بمفردها بمعرفةِ حقائقِ الإيمانِ وتفصيلِه أو الشرائعِ دونَ الرسل. * فعقلُ رسولِ الله ﷺ أكمل عقولِ أهل الأرضِ على الإطلاق، فلو وُزِن عقلُه بعقولهم لَرَجَحَها، وقد أَخبر اللهُ أنه قَبْل الوحي لم يكن يَدري الإيمانَ كما لم يكن يَدري الكتاب، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. * وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٦ - ٨]، وتفسير هذه الآية بالآية التي في آخر سورة الشورى [الشورى: ٥٢]. * وإذا كان أعقلُ الخَلقِ على الإطلاق، إنما حَصَل له الهدى بالوحي كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا

стр. 1712

يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠]. * فكيف يَحصلُ لسفهاءِ العقول وأخفَّاءِ الأحلام الاهتداءُ إلى حقائقِ الإيمان بمجرَّد عقولهم دونَ نصوصِ الوحيِ حتى اهتَدَوا بتلك الهدايةِ إلى المعارضة بين العقل ونصوصِ الأنبياء؟! ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٨٩ - ٩٠] (١). ° إن للعقل دَورًا لا يتعدَّاه، فهو كالميزان الحسَّاسِ، فهو أصلحُ شيءٍ في موضعه، تَزِنُ به ما دَقَّ من الأوزان، فإن استعملته في خارج طَورِه وما أعِدَّ له أفسَدْته، فلا يصلحُ أن تَزِنَ به جِبالَ الدنيا. ° ولا تعارُضَ بين العقل السليم والوحي الكريم، ولشيخ الإسلام ابن تيمية كتابٌ عظيمٌ مفخرةٌ للمسلمين هو "درء تعارض العقل والنقل"، فارجع إليه فإنه نفيسٌ نفيس يُكتب بماء الذهب. ° والذين يدَّعون معارضةَ العقلِ للنقلِ، وقدَّموا العقلَ على الوحي إنَّما يسيرون على طريقةِ الشيخ أبي مرَّة "إبليس"، فهو إمامُهم، وهذا ميراثٌ عنه .. فعلى عُقولِكُمُ العَفَاءُ لأنكم … عادَيتمُ المعقولَ والمنقولَا وطلبتمُ أَمْرًا مُحالاً وهو إدْ … راكُ الهدى لا تتبعون رسولَا وزعمتمُ أن العقولَ كفيلةٌ … بالحقِّ أين العقلُ كان كفيلَا؟!

стр. 1713

وهو الذي يَقضي فيَنقضُ حكمَه … عقلٌ، تروْن كليهما معقولَا! وتراه يجزم بالقضاء وبعد ذا … يَلقَى لديه باطِلاً معلولَا لا يَسْتَقلُّ العقلُ دونَ هداية … بالوحي تأصيلاً ولا تفصيلَا كالطَّرْف دون النورِ ليس بمُدْرِكَ … حتى تراهُ بُكرةً وأصيلَا وإذا الظَّلَامُ تلاطمت أمْواجُهُ … وطَمِعْتَ بالأبصارِ كنتَ مُحِيلَا وإذا النُّبُوَّة لم يَنَلكَ ضياؤُها … فالعقلُ لا يَهْديكَ قطُّ سبيلَا نور النُّبُوَّة مثل نورِالشمس للـ … عينِ البصيرةِ فاتَّخِذْهُ دليلاً طرقُ الهُدَى مسدودةٌ إلاَّ علَى … مَن أمَّ هذا الوحيَ والتنزيلَا فإذا عَدَلتَ عن الطريق تَعَمُّدًا … فاعلمْ بانك ما أردتَ وصولَا يا طالِبًا دَرَكَ الهُدَى بالعقلِ دو … نَ النقل لن تَلقَى لذاك دليلَا كم رَام قبلَك ذاكَ مِن مُتَلَدِّد (١) … حيرانَ عاشَ مَدَى الزَّمانِ جهولَا ما زالتِ الشبهاتُ تغزو قلبَه … حتى تَشَحَّطَ بينهنَّ قتيلَا فتراه بالكُلِّي والجُزئيِّ والـ … ـعرَضيِّ طولَ زمانِه مشغولَا (٢)

стр. 1714

فإذا أتاهُ الوحيُ لم يأذَنْ له … ويقومُ بين يديْ عِداهُ مثيلَا ويقولُ تلكَ أدِلَّة لفظيَّةٌ … معزولةٌ عن أنْ تكونَ دليلَا وإذا تَمُرُّ عليه قال لها اذهبي … نحو المُجَسِّم أوْ خُذِي التأويلَا وإذا أبَتْ إلا النزولَ عليه كـ … ـان لها القِرَى التحريف والتبديلَا فيحل بالأعداء ما تلقَّاهُ من … كيدٍ يكونُ لحقِّها تعطيلَا واضرب لهم مثلاً بُعميانٍ خَلَوْا … في ظلمةٍ لا يهتدُونَ سبيلَا فتصادموا بأكُفِّهِم وعِصِيِّهِمْ … ضربًا يُديرُ رَحَى القتالِ طويلَا حتى إذا مَلُّوا القتالَ رأيتَهم … مشجوجًا أو مفجوجًا أو مقتولَا وتسامَعَ العميانُ حتى أقبلوا … للصُّلح فازدادَ الصياحُ عويلَا ° ومِن رحمةِ الله تعالى أنه لم يتَركْ عبادةً للعقل فقط، "فالمعقولاتُ ليس لها ضابطٌ، ولا هي محصورةٌ في نوع معيَّن، فإنه ما مِن أُمةٍ من الأمم إلاَّ ولهم عَقليَّاتٌ يختصمون إليها ويختصُّون بها، فللفُرسِ عقليَّات، وللهند عقليَّات، وللمجوس عقليَّات، وللصابئةِ عقليَّات .. وكلُّ طائفةٍ من هذه الطوائفِ ليسوا متَّفِقِين على العقليات، بل بينهم فيها من الاختلافِ ما هو معروف عند المُعْتنينَ به، ونحن نُعفيكم من هذه المعقولات واضطرابها، ونحاكمُكم إلى المعقولات التي في هذه الأمة، فإنه ما من مدَّةٍ من المُدَد إلاَّ وقد ابتُدعت فيها بِدَعٌ يزعُم أربابُها أن العقلَ دَلَّ عليها" (١).

стр. 1715

° وانظر إلى المعقولاتِ عند اليابانيِّين والهنودِ وهم الذين بَرَعوا في الصناعاتِ ولم يُوجد لهم نظيرٌ يُكافِئُهم أو ينافسُهم فيها .. كيف هَدَتهم عقولُهم إلى عبادة "بوذا"!! وكيف هَدَت عقولُ الهند الهنودَ إلى عبادةِ البقرة حتى يقول غاندي: "عندما أرى البقرةَ، لا أجدُني أرى حيوانًا، لأني أعبدُ البقرة، وسأُدافعُ عن عبادتها أمامَ العالَم أجمع". ° ومضى عابدُ البقر يقول: "إنَّ ملايين الهنود يتَّجهون للبقرة بالعبادةِ والإجلالِ، وأنا أعُدُّ نفسي واحدًا من هؤلاء الملايين" (١). مَن أنتَ يا رِسْطُو وَمَن … أفلاطُ قَبْلَكَ يا مُبَلَّدْ؟! ومَنِ ابنُ سينا حين قَرَّر مـ … ـا هَدَيتَ له وأرشدْ؟! هل أنتم إلاَّ الفراش ُ … وقد رأى نارًا توهَّجْ؟! فلنا فأحرقَ نفسَه … ولو اهتدى رشدًا لأبعَدْ فلتخْسَأِ الحكماءُ عن … ربٍّ له الأفلاكُ تَسجُدْ ° وانظر كيف هَدَت عقولُ الجهميَّةِ والفلاسفةِ أن يَزعموا أن نصوصَ الأنبياءِ غيرُ مطابقةٍ للحقيقة، وإنما كَذَبها الأنبياءُ على العَوَام؛ لأنَّ مِن مَصلحةِ العوامِّ أن يُخاطَبُوا بما يوافِقُ عقولَهم، وقد وَضَع الفلاسفةُ قانونَهم على هذا الأصل، كالقانون الذي ذكره ابن سينا في رسالته "الأضحوية" (٢). ° يقول ابن تيمية: "وهؤلاء يقولون: الأنبياءُ قَصَدوا بهذه الألفاظ (٣)

стр. 1716

ظواهرها، وقَصَدوا أن يَفهمَ الجمهورُ منها الظواهرَ، وإنْ كانتِ الظواهرُ في نفسِ الأمر كَذِبًا وباطِلاً محْضًا ومخالَفةً للحق، فقَصَدوا إفهامَ الجمهورِ بالكَذِبِ والباطل للمصلحة". ° "ثم مِن هؤلاء مَن يقول: إنَّ النبيَّ كان يَعلمُ الحقَّ، ولكنه أظَهَر خلافَه للمصلحة. ومنهم من يقول: ما كان يعلمُ الحقَّ، كما يَعلمُه نُظَّارُ الفلاسفةِ وأمثالُهم، وهؤلاء يُفَضِّلون الفيلسوفَ الكاملَ على النبيِّ، ويفضِّلون الوليَّ الكاملَ الذي له هذا المَشهدُ على النبي، كما يُفضِّلُ ابنُ عربيٍّ الطائيُّ خاتَمَ الأولياء -في زعمه- على الأنبياء. وكما يُفضِّل الفارابيُّ ومُبشِّرُ بنُ فاتِك وغيرُهما الفيلسوفَ على النبي" (١) ﷺ . * الإِسلامُ هادٍ للعقل .. وشَرَفُ العقلِ سجودُه للوحي: "يحلو لكثيرٍ من الناسِ أن يتحدَّث عن موقفِ القرآنِ من العقل، ويَذكُرُ في بحثِه أو محاضرته أن القرآنَ هو كتابُ العقل، وأنه بأكملِه دعوةٌ صارخةٌ لتحريرِ العقل من عِقالِه، وأنه يدعونا -بعباراتٍ تختلفُ في أسلوبها وتتَّحدُ في معناها- إلى استعمالِ العقلِ ووَزْنِ كل شيءٍ بميزانه، وأنه يتركُ لنا الحريةَ في أن نعتقدَ ما يُرشِدُ إليه عقلُنا، وأن نتَبعَ السبيلَ الذي يُنيرُه مَنطقُنا، أو يَهدينا إليه تفكيرُنا.

стр. 1717

ويستدلُّون بالآيات الكريمة التالية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]. * وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. * وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. * وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. * وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَ نْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦ - ٧١]. * ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢١].

стр. 1718

* وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٩ - ٢٢]. هذه الآياتُ الكريمة -بل والقرآنُ في جُمْلتِه-، والأحاديثُ الشريفةُ في جُملتها، وتاريخُ الإسلام، إن كل ذلك يدلُّ -حسبما يَرَوْن- على أن الإسلامَ دينُ العقل. ويَرَون بذلك أنه يُحكِّمُ العقلَ في المسائل والمبادئِ والقواعد. ويَنتهي ذلك -لا مناصَ- بأن يكونَ العقلُ هو القائدَ وليس الدينَ، وذلك قلبٌ للأوضاع، وانحرافٌ عن الصراط المستقيم!!. * أما الصراطُ المستقيم فيما يتعلَّقُ بصِلَةِ الدينِ بالعقلِ فهو: ١ - أولاً: جاء الدينُ هاديًا للعقلِ في مسائلَ مُعَيَّنة، هي: أوَّلاً: ما وراءَ الطبيعة: أي العقائدُ الخاصَّةُ بالله سبحانه، وبرسولِه ﷺ ، وباليوم الآخِرِ، وبالغَيب الإلهيِّ -على وجه العموم-. وثانيًا: في مسائل الأخلاق: أي الخيرِ والفضيلة، وما ينبغي أن يكونَ عليه السلوكُ الإنسانيُّ ليكونَ الشخصُ صالحًا. وثالثًا: في مسائلِ التشريعِ الذي يَنتظمُ به المجتمعُ، وتَسعَدُ به الإنسانيةُ.

стр. 1719

وجاء الدينُ هاديًا للعقل في هذه المسائل بالذات؛ لأن العقلَ إذا بَحث فيها مستقلاًّ بنفسه، فإنه لا يَصِلُ فيها إلى نتيجةِ يتَّفقُ عليها الجميع. ومعنى ذلك: أنه لو تُرك الناسُ وعقولَهم في هذه المسائل، فإنهم يختلفون ويتفرَّقون فِرَقًا عديدة، ويتنازعون، ولا ينتهي الأمرُ بهم إلى الوِحدةِ والانسجام، ولا إلى الهدوءِ والطمأنينة. ٢ - وجاء القرآنُ: يَفهمُه العقلُ في المُحكَم فيه، ولا يُناقِضُ العقلَ في المتشابه منه، ذلك أن القرآن: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]. * وقد أراد الإِسلامُ مِن المسلم أن يستمسكَ بالمُحكماتِ استمساكًا تامًّا، وأن يعتصمَ بها اعتصامًا كاملاً: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]. وأن يُسلِّمَ الأمرَ لله في المتشابه، اللَّهم إلاَّ إذا فَتح اللهُ عليه بوساطةِ الإِلهامِ الإِلهيِّ عن شيءٍ من أسرارِ هذا المتشابِهِ الذي لا يُناقِضُ العقلَ، ولا يتعارضُ مع مبادئه. ٣ - وجاء القرآن حاسمًا لا يتردَّدُ ولا يُقِرُّ الترددَ، ولا يَتشكَّكُ ولا يُقِرُّ التشككَ، وكان الأمرُ كذلك لأنه جاء بالحق، الحق الذي لا يأتيه الباطلُ مِن بين يديه ولا مِن خَلفِه، الحقِّ المعصوم، لقد جاء بالحقِّ العاقل المعقول، الحقِّ المُتَّزِنِ الموزون، لقد جاء بالحقِّ الذي كلُّ ما عداه باطلٌ، ولقد تَركَّز الحقُّ في

стр. 1720

مسائل الدين بين دَفَّتَيْ هذا الكتابِ المُوحَى، وفيما أخبر به الرسولُ صلواتُ الله وسلامُه عليه، شرحًا له وتفسيرًا وإبانةً، وعلى مَن أسلم أن يتَّبعَ هذه المبادئَ أو هذا الحق اتباعًا لا تردُّدَ فيه ولا انحرافَ عنه. ٤ - وجاء القرآنُ لا يَستشيرُ الإنسانَ في شيءٍ، وتعالى الله عن أن يستشيرَ المخلوقَ، وتعالى الربُّ عن أن يستشيرَ المربوب، وتعالى العليمُ الحكيمُ عن أن يحتكمَ إلى البشر أو يُحكِّمهم فيما أنزله إليهم هدايةً وتربيةً. ° هذا هو موقفُ الدينِ من العقل، وهو موقفٌ يُقِرُّنا عليه كلُّ مَن له شعورٌ دينيٌّ سليم، وهو موقفٌ تُرشدُنا إليه الآياتُ السابقةُ نفسها، ونأخذُ منها -كمِثالٍ عام- قوله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]. في هذه الآيةِ الكريمة: يأمرُ اللهُ رسولَه ﷺ أن يُخبِرَ بأنَّ ما أتى به إنما هو الحقُّ، وإذا كان هو الحقَّ، فإنَّ كلَّ ما عداه باطل، وما مِن رَيبٍ في أنَّ كلَّ شخصٍ يُعمِلُ فِكرَه، ويُجِيلُ نَظَرَه ويتأمَّلُ في هذا الحق: فإنه لا مَحالةَ -إذا أخلَصَ- سينتهي بالاعترافِ والإقرارِ والإيمان. أما مَن أضرَبَ عن ذلك صَفْحًا، واتَّبع الآباءَ والأسلافَ -لمجردِ أنهم آباءٌ وأسلافٌ-، فإن مَثَلَه كمَثَلِ البهيمة التي تَسيرُ وراءَ أصحابِها لمجردِ أنهم يقودونها، وتتبعُهم لأنهم يَسيرون أمامها!. ومَن شاء مِن الناس أن يؤمنَ بهذا الحقِّ الذي ليس بعدَه إلاَّ الباطل،
следующие страницы →