← Сира

Сира · id 96964

وا محمداه إن شانئك هو الأبتر

سيد حسين العفاني

Полный текст (2 668 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

ظواهرها، وقَصَدوا أن يَفهمَ الجمهورُ منها الظواهرَ، وإنْ كانتِ الظواهرُ في نفسِ الأمر كَذِبًا وباطِلاً محْضًا ومخالَفةً للحق، فقَصَدوا إفهامَ الجمهورِ بالكَذِبِ والباطل للمصلحة". ° "ثم مِن هؤلاء مَن يقول: إنَّ النبيَّ كان يَعلمُ الحقَّ، ولكنه أظَهَر خلافَه للمصلحة. ومنهم من يقول: ما كان يعلمُ الحقَّ، كما يَعلمُه نُظَّارُ الفلاسفةِ وأمثالُهم، وهؤلاء يُفَضِّلون الفيلسوفَ الكاملَ على النبيِّ، ويفضِّلون الوليَّ الكاملَ الذي له هذا المَشهدُ على النبي، كما يُفضِّلُ ابنُ عربيٍّ الطائيُّ خاتَمَ الأولياء -في زعمه- على الأنبياء. وكما يُفضِّل الفارابيُّ ومُبشِّرُ بنُ فاتِك وغيرُهما الفيلسوفَ على النبي" (١) ﷺ . * الإِسلامُ هادٍ للعقل .. وشَرَفُ العقلِ سجودُه للوحي: "يحلو لكثيرٍ من الناسِ أن يتحدَّث عن موقفِ القرآنِ من العقل، ويَذكُرُ في بحثِه أو محاضرته أن القرآنَ هو كتابُ العقل، وأنه بأكملِه دعوةٌ صارخةٌ لتحريرِ العقل من عِقالِه، وأنه يدعونا -بعباراتٍ تختلفُ في أسلوبها وتتَّحدُ في معناها- إلى استعمالِ العقلِ ووَزْنِ كل شيءٍ بميزانه، وأنه يتركُ لنا الحريةَ في أن نعتقدَ ما يُرشِدُ إليه عقلُنا، وأن نتَبعَ السبيلَ الذي يُنيرُه مَنطقُنا، أو يَهدينا إليه تفكيرُنا.

стр. 1717

ويستدلُّون بالآيات الكريمة التالية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]. * وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. * وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. * وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. * وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَ نْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦ - ٧١]. * ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢١].

стр. 1718

* وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٩ - ٢٢]. هذه الآياتُ الكريمة -بل والقرآنُ في جُمْلتِه-، والأحاديثُ الشريفةُ في جُملتها، وتاريخُ الإسلام، إن كل ذلك يدلُّ -حسبما يَرَوْن- على أن الإسلامَ دينُ العقل. ويَرَون بذلك أنه يُحكِّمُ العقلَ في المسائل والمبادئِ والقواعد. ويَنتهي ذلك -لا مناصَ- بأن يكونَ العقلُ هو القائدَ وليس الدينَ، وذلك قلبٌ للأوضاع، وانحرافٌ عن الصراط المستقيم!!. * أما الصراطُ المستقيم فيما يتعلَّقُ بصِلَةِ الدينِ بالعقلِ فهو: ١ - أولاً: جاء الدينُ هاديًا للعقلِ في مسائلَ مُعَيَّنة، هي: أوَّلاً: ما وراءَ الطبيعة: أي العقائدُ الخاصَّةُ بالله سبحانه، وبرسولِه ﷺ ، وباليوم الآخِرِ، وبالغَيب الإلهيِّ -على وجه العموم-. وثانيًا: في مسائل الأخلاق: أي الخيرِ والفضيلة، وما ينبغي أن يكونَ عليه السلوكُ الإنسانيُّ ليكونَ الشخصُ صالحًا. وثالثًا: في مسائلِ التشريعِ الذي يَنتظمُ به المجتمعُ، وتَسعَدُ به الإنسانيةُ.

стр. 1719

وجاء الدينُ هاديًا للعقل في هذه المسائل بالذات؛ لأن العقلَ إذا بَحث فيها مستقلاًّ بنفسه، فإنه لا يَصِلُ فيها إلى نتيجةِ يتَّفقُ عليها الجميع. ومعنى ذلك: أنه لو تُرك الناسُ وعقولَهم في هذه المسائل، فإنهم يختلفون ويتفرَّقون فِرَقًا عديدة، ويتنازعون، ولا ينتهي الأمرُ بهم إلى الوِحدةِ والانسجام، ولا إلى الهدوءِ والطمأنينة. ٢ - وجاء القرآنُ: يَفهمُه العقلُ في المُحكَم فيه، ولا يُناقِضُ العقلَ في المتشابه منه، ذلك أن القرآن: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]. * وقد أراد الإِسلامُ مِن المسلم أن يستمسكَ بالمُحكماتِ استمساكًا تامًّا، وأن يعتصمَ بها اعتصامًا كاملاً: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]. وأن يُسلِّمَ الأمرَ لله في المتشابه، اللَّهم إلاَّ إذا فَتح اللهُ عليه بوساطةِ الإِلهامِ الإِلهيِّ عن شيءٍ من أسرارِ هذا المتشابِهِ الذي لا يُناقِضُ العقلَ، ولا يتعارضُ مع مبادئه. ٣ - وجاء القرآن حاسمًا لا يتردَّدُ ولا يُقِرُّ الترددَ، ولا يَتشكَّكُ ولا يُقِرُّ التشككَ، وكان الأمرُ كذلك لأنه جاء بالحق، الحق الذي لا يأتيه الباطلُ مِن بين يديه ولا مِن خَلفِه، الحقِّ المعصوم، لقد جاء بالحقِّ العاقل المعقول، الحقِّ المُتَّزِنِ الموزون، لقد جاء بالحقِّ الذي كلُّ ما عداه باطلٌ، ولقد تَركَّز الحقُّ في

стр. 1720

مسائل الدين بين دَفَّتَيْ هذا الكتابِ المُوحَى، وفيما أخبر به الرسولُ صلواتُ الله وسلامُه عليه، شرحًا له وتفسيرًا وإبانةً، وعلى مَن أسلم أن يتَّبعَ هذه المبادئَ أو هذا الحق اتباعًا لا تردُّدَ فيه ولا انحرافَ عنه. ٤ - وجاء القرآنُ لا يَستشيرُ الإنسانَ في شيءٍ، وتعالى الله عن أن يستشيرَ المخلوقَ، وتعالى الربُّ عن أن يستشيرَ المربوب، وتعالى العليمُ الحكيمُ عن أن يحتكمَ إلى البشر أو يُحكِّمهم فيما أنزله إليهم هدايةً وتربيةً. ° هذا هو موقفُ الدينِ من العقل، وهو موقفٌ يُقِرُّنا عليه كلُّ مَن له شعورٌ دينيٌّ سليم، وهو موقفٌ تُرشدُنا إليه الآياتُ السابقةُ نفسها، ونأخذُ منها -كمِثالٍ عام- قوله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]. في هذه الآيةِ الكريمة: يأمرُ اللهُ رسولَه ﷺ أن يُخبِرَ بأنَّ ما أتى به إنما هو الحقُّ، وإذا كان هو الحقَّ، فإنَّ كلَّ ما عداه باطل، وما مِن رَيبٍ في أنَّ كلَّ شخصٍ يُعمِلُ فِكرَه، ويُجِيلُ نَظَرَه ويتأمَّلُ في هذا الحق: فإنه لا مَحالةَ -إذا أخلَصَ- سينتهي بالاعترافِ والإقرارِ والإيمان. أما مَن أضرَبَ عن ذلك صَفْحًا، واتَّبع الآباءَ والأسلافَ -لمجردِ أنهم آباءٌ وأسلافٌ-، فإن مَثَلَه كمَثَلِ البهيمة التي تَسيرُ وراءَ أصحابِها لمجردِ أنهم يقودونها، وتتبعُهم لأنهم يَسيرون أمامها!. ومَن شاء مِن الناس أن يؤمنَ بهذا الحقِّ الذي ليس بعدَه إلاَّ الباطل،

стр. 1721

فلْيؤمنْ به ولْيَتْبَع الهُدى الهادي، ومَن شاء أن يكفرَ بالحق وَيتَّبعَ الباطلَ مُعرِضًا عن الحق، فله ذلك، ولكنْ لِيعلمْ أن اللهَ سبحانه أعدَّ لمن لم يَتَّبع الإيمانَ ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]. ° والقرآنُ دينُ العقل بهذه المعاني فهو: هادٍ للعقل، ومرشدٌ له، وقائدٌ. وهو مبادئُ يفهمُها العقلُ في سُهولةٍ ويُسْرٍ. وهو لا يُناقضُ العقلَ. وعلى العقل أن يَلجأَ إليه في كلِّ ما أتى به. ٥ - على أن القرآنَ في حقيقة الأمر نَزَل لِيقودَ الإنسانيةَ نحوَ الكمالِ الرُّوحيِّ، والإنسانُ إنسان بالجانبِ الروحيِّ منه، وكلما سَما الإنسانُ روحيًّا، كان أعلى في معنى الإنسانية. والمعنى الروحي، ووسيلةُ المعنى الروحي: لا سبيلَ إلى تحديدِهما من الإنسانِ نفسِه، وإنما تحديدُهما موكولٌ إلى الله سبحانه، ذلك أن السُّمُوَّ الروحيَّ قُربٌ من الله تعالى -وإذا لم يكن قُربًا من الله فليس بسُموٍّ رُوحيٍّ-، والقُربُ من الله -أو بتعبيرٍ أدقَّ: تقريبُ اللهِ للإنسان- إنما مرجعُه -هدفًا ووسيلةً- هو اللهُ نفسه. وكلُّ مَن حاول أن يتَّخذَ طريقًا آخر، فإنما يَجري وراءَ سراب. والغايةُ والوسيلة: حَدَّدَهما اللهُ في كتابه الكريم، إنه حدَّدهما بالأسلوبِ الإلهىِّ نفسه، أي أن التعبيرَ عنهما -التعبيرَ نفسَه- إنما كان من الله

стр. 1722

سبحانه، ومِن فضل اللهِ على المسلمين -وعلى اللغةِ العربيةِ- أنْ كانت وسيلةُ فَهم الإسلام هي التعبيرُ الإلهي- بما فيه من دِقَّةٍ كاملة، وجَمالٍ مُعجِز، وكمالٍ غيرِ منقوص-. وما دام الأمرُ كذلك، فليس للعقلِ إلاَّ التسليمُ والخشوعُ والخضوعُ، أو بتعبيرٍ أدقَّ: السجود. وهو ليس سُجودًا تعسُّفيًّا أو تحكُّميًّا، وإنما هو سجودٌ مصدرُه الإيمانُ اليقينيُّ بأن هذا من عندِ الله، وما دام من عندِ الله، فإنه لا يأتيه الباطلُ مِن بين يديه ولا مِن خَلفِه؛ لأنَّه تنزيلٌ من حكيمٍ حميد، ولأنَّه أُحكمت آياته، ثُمَّ فُصِّلت مِن لَدُنْ حكيمٍ خبير. من ذلك نتبيَّنُ أن الدينَ هادٍ للعقل، وأن العقلَ يجبُ أن يَخضعَ ويَسجُدَ للوحي الإلهيِّ. * ونعودُ من جديدٍ إلى المسألة التي بدأنا بها الحديث، نعودُ من جديدٍ إلى مسألةِ "القرآن والعقل"، سيقولون: ولكنَّ القرآنَ يُطالِبُ دائمًا بالتفكُّرِ والتدبر: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]. وينعي على المشركين التقليدَ، ويتهكَّمُ بهم في اتباعهم آباءَهم، فيتساءل: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]؟!.

стр. 1723

وكثيرًا ما نجدُ الآيات تُختم بـ ﴿أَفَلَا تَعقِلُون﴾، ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُون﴾، ﴿أَفَلَا تُبصِرُون﴾. وكل ذلك يدلُّ على أن القرآنَ يَدفعُ الناسَ إلى استعمالِ العقل. والواقعُ أن القرآنَ لا يَستشيرُ الإنسانَ في أيةِ قضيةٍ من القضايا التي جاء بها الوحيُ، ولا يَحتكمُ الوحيُ إلى الإنسانِ -باعتبارِه حَكَمًا- في أيِّ مبدإٍ من مبادئه، ولا يَطلبُ منه مشورةً في أيةِ قاعدةٍ من القواعدِ التي شَرَعها، بل هذه الأوهامُ لا تدورُ بخَلَدِ المتديِّن قطُّ. ذلك أن الوحيَ نَزَل على أنه رسالةُ السماءِ النهائيةُ إلى العالم، ونَزَل يُبلِّغُ أن هذه الرسالةَ صِدقٌ كلُّها، حقٌّ جميعُها، وليس فيها مبدأٌ مشكوكٌ فيه، ولا قضيةَ تحتملُ الصدقَ والكذب، وليس فيها جملةٌ زائدة، ولا كلمةٌ ليست في موضعها، ولا حرفٌ كان يَحسُنُ ألاَّ يوجد. كلاَّ، إنها الحقُّ الخالص، مَن اتبعها فقد اهتَدى، ومَن حادَ عنها فقد انحرف، ومَن ابتغى الهُدى في غيرها أضلَّه الله، ومَن تركها مِن جبَّارٍ قَصَمه الله؛ لأنَّها صراطُ اللهِ المستقيمُ، ونورُه اللألَاءُ. وكل ما ذَكره من التفكيرِ والنظرِ والتدبرِ، إنما أراد به "الاعتبار"، وأراد أن يقول: تفكَّروا لِتَرَوا أن ذلك هو الحقُّ، انظُروا لِتعلموا أن ذلك هو الخيرُ، أمَّا إذا رأيتم غيرَ ذلك، فإنما العَيبُ في بَصركم، أو في بَصيرتكم .. إذا رأيتم غيرَ ذلك، فإن الفسادَ في عقولكم وفي تفكيرِكم، وإذا رأيتم غيرَ ذلك، فاعلَموا أن فِطرتَكم فَسَدت لانحرافِكم، وأن قلوبَكم رانَ عليها الإثمُ فضَلَّت، وأن عقولَكم قد صَدِئت، فأصبحت لا تَرى الحقَّ حقًّا ولا

стр. 1724

الخيرَ خيرًا، وأصبحت مِن الضلال بحيث تَرى الخيرَ شرًّا والشرَّ خيرًا، وأصبح أصحابُها كالأنعام -بل هم أضلُّ سبيلاً-، كلُّ ذلك لانحرافِكم عن الصراطِ المستقيم. إنَّ اللهَ -في عظمتِه وجلالِه سبحانه- لا يُلقي برسالتِه لِيبحَثَها الإنسانُ ويُبديَ فيها رأيَه نفيًا أو إثباتًا، سَلْبًا أو إيجابًا .. كلاَّ، بل كلُّ من تَوهَّم ذلك فإنه لا يَقْدِرُ اللهَ حق قَدْرِه، وتعالى اللهُ عن ذلك علوًّا كبيرًا، وإنما ألقاها سبحانه لِتُتَّبَع، ولِتُتّبَعَ في خضوعٍ وسجود، ولِتُتّبَعَ دونَ حَرَجٍ يَحيكُ في الصدر، أو شَكٍّ يجولُ في النفس: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وكلُّ مَن وَجَد في نفسِه حَرَجًا من قضايا الدين، وكلُّ مَن لم يُسلِّمْ تسليمًا كاملاً مطلقًا تامًّا، كل مَن كان كذلك، فإنه يَحسُنُ به أن يَرجعَ إلى إيمانِه لِيُصحِّحَه، ولْيتُبْ إلى الله توبةً نصوحًا، وبابُ الله مفتوحٌ للتائبين آناءَ الليل وأطرافَ النهارِ -وفي كلِّ لحظة-. كان سَلفُنا الصالحُ يَنزِعون هذه النَّزعة -نزعةَ الخضوع المُطلَقِ لِمَا جاء به الرسولُ ﷺ ، لقد كانوا يَسجُدون للنص، يَسجدون له بجوارحِهم وقلوبِهم، وأرواحِهم وعقولِهم، لقد كانوا يُخضِعون عقولَهم للنص، ويَجعلونه القائدَ الحَكَمَ المُهيمِنَ .. وكانوا يَعرفون أن إدخالَ شخصيتِهم في النصِّ إنما هو انحرافٌ يَعظُمُ أو يَقِلُّ بحسب مَدى التدخُّلِ البشريِّ في النص، وكانوا يَعرفون أن الوحيَ إنما جاء هاديًا للعقل وقائدًا له في الأمور

стр. 1725

التي لا يتأتَّى للعقل أن يَلِجَ ميادينَها، أو يقتحمَ حِماها، أو يُدليَ فيها برأيٍ يتَّفقُ علي الناس، وهذه الميادينُ هي الدين، والدينُ ليس رأيًا بشريًّا، إنه تنزيلٌ من حكيمٍ حميدٍ، وكلُّ موقفٍ من الشخصيةِ البشريةِ تُجاهَ النصِّ سوى موقفِ السجودِ له: إنما هو موقفٌ لتبديلِ الدينِ مِن أن يكون إِلهيًا إلى أن يكونَ بشريًّا، ولو كان يستقيمُ الأمرُ على ذلك، لَمَا كان هناك مِن حاجةٍ إلى الدين. ° يَروي أبو داود والدَّارَقُطْنِيُّ عن سيِّدنا عليٍّ ﵁ قال: "لو كان الدينُ بالرأيِ، لكان أسفَلُ الخُفِّ أولى بالمسحِ من أعلاه، لقد رأيتُ رسولَ الله ﷺ يَمسحُ على ظاهِرِ خُفيهِ" .. "أثر صحيح". إن الدينَ ليس رأيًا، وليس بالرأي، وانظر إلى الحديث التالي، إنه مُعبِّرٌ أقوى ما يكونُ التعبير، دقيقٌ في مغزاه دِقةً بالغةً: • عن البَرَاءِ بن عازب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إذا أتيتَ مَضْجَعَك، فتوضَّأ وُضوءَكَ للصلاة، ثم اضطَجِعْ على شقِّكَ الأيمن، ثم قُلْ: "اللَّهم إني أسلمتُ نفسي إليك، ووجَّهتُ وجهي إليكَ، وفوَّضتُ أمري إليك، وألجأتُ ظَهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا مَلجأَ ولا مَنْجَا منك إلاَّ إليك، آمنتُ بكتابك الذي أنزلتَ، ونبيِّك الذي أرسلتَ"، فإن مِتَّ في ليلتِك، فأنت على الفِطرةَ، واجعَلهُنَّ آخِرَ ما تتكلَّمُ به". ° البراء ﵁: "فرَدَدْتُها على النبي ﷺ ، فلمَّا بلغتُ: "آمنتُ بكتابك الذي أنزلتَ" قلت: "ورسولك، قال: "لا .. ونبيِّك الذي أرسلت" (١).

стр. 1726

زاد البخاري والترمذي: "فإن مِتَّ في ليلتِكَ، مِتَّ على الفِطرة، وإنْ أصبحتَ أصبتَ خيرًا". إن الصحابيَّ الجليل البراء بن عازب ﵁ قال: "رسولك" بدلَ أن يقول: "نبيك"، وكلمة "رسول" تتضمَّنُ معنى النبوة، فهي إذن فيها المعنى وزيادة، ويحسب منطقِنا، وبحسب عَقلِنا تكونُ صالحةً .. ولكننا لا نَرى بعقلِنا ومنطقِنا إلاَّ الشكلَ والظاهرَ .. أمَّا بواطن الأمور، أمَّا أسرارُ الكلمات، أمَّا حِكمةُ الأوضاع المحدَّدة، أمَّا اكتِناُه خفايا التقديراتِ الإلهية، إنَّ كلَّ ذلك -إذا لَم يَكشِفِ اللهُ عنه، أو عن بعضِه-، فإننا لا نَصِلُ إليه بمنطقِ البشر، ولقد أخطأ البراء بنُ عازبٍ ﵁ في استبدالِ كلمةِ "رسول" بكلمةِ "نبي"، وأخطأنا معه حينما قَدَّرنا بعقولنا أن هذا البَدَلَ يصحُّ. * ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. * واكِتناهُ سرِّ هذا القَدَرِ اكتناهًا تامًّا لا يَصِلُ إليه الإنسانُ، بل لا تَصِلُ إليه الملائكة ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:٣١ - ٣٢]. إن العلمَ الصحيحَ الصادقَ في عالَمِ الهداية الإلهيةِ والتربيةِ الربانية، إنما هو مِن الله سبحانه، وكل ابتعادٍ عنه أو خروجٍ عليه أو تغييرٍ فيه، إنما هو ضلال. وما من شكٍّ في أن الإنسانَ منذ أن وُجد على ظَهرِ الأرض: يُحاولُ أن يَنزعَ نزعةً بشريةً بَحتةً، ويتصرَّفُ في الوحيِ الإلهيِّ نقصًا وزيادةً، وبَتْرًا

стр. 1727

وإضافةً، وتغييرًا وتبديلاً، ويُحاولُ أن يُقيمَ كلَّ ذلك على قواعدَ يزعمُها صحيحةً، فيقول مثلاً: - إنَّ الحكمةَ في تحريمِ شُربِ الخمر، إنما هي المفاسدُ التي تنشأُ من الشخصِ الشارب، فإذا ما انتَفَتْ تلك المفاسدُ، فلا مانعَ من شُربِ الخمر. - والتكاليفُ الدينية: إنما جاءت لإصلاحِ الضمير، فإذا كان الضميرُ صالحًا فلا لزومَ للتكاليف الدينية. - وأعمالُ العبادةِ إنما هدفُها القربُ من الله، فإذا حَصَل القربُ، فلا حاجةَ إليها .. إلخ. وهكذا يخرجُ الإنسانُ بأهوائه، ولا نقولُ: بعقله -لأنَّ كلَّ ذلك أهواءٌ يُصوِّرُها الشيطانُ مَنطقًا معقولاً -عن الدين، كما خرج إبليسُ قديمًا -بأهوائه التي تمثَّلت لذهنِه منطقًا- عن الدين. والإمامُ الغزَّاليُّ - رضى الله عنه - يُمثِّلُ لذلك بمثالٍ مُعبِّرٍ، فيَذكرُ قصةَ رجلٍ بَنى له أبوه قصرًا على رأسِ جبل، ووَضَع فيه شجرةً من حشيشٍ طيِّبِ الرائحة، وأكَّد الوصيةَ على ولدِه مرةً بعد أخرى، ألاَّ يُخلِيَ هذا القصرَ عن هذا الحشيشِ طوالَ عمره، وقال: "إياكَ أن تسكنَ هذا القصرَ ساعةً من ليلٍ أو نهار إلاَّ وهذا الحشيشُ فيه"، فزَرع الولدُ حولَ القصرِ أنواعًا من الرياحين؛ وطَلَب من البَرِّ والبحرِ أوتادًا من العُودِ والعنبر والمِسك، وجَمَع في قَصرِه جميعَ ذلك من شجراتٍ كثيرةٍ من الرياحين الطيبةِ الرائحة، فانغمرت رائحةُ الحشيش لَمَّا فاحت هذه الروائح، فقال: "لا شكَّ أن والدي ما أوصاني بحفظِ هذا الحشيشِ إلاَّ لطِيبِ رائحتِه، والآن قد استغنينا بهذه الرياحينِ عن رائحته، فلا فائدةَ فيه الآن، إلاَّ أن يُضيِّقَ على المكان" .. فرماه من القصر.

стр. 1728

فلمَّا خلا القصرُ من الحشيش، ظَهر من بعضِ ثقوبِ القَصر حيَّةٌ هائلةٌ، وضربته ضربةً أشرف بها على الهلاك، فتَنبَّه -حيثُ لَم ينفعْه التنبُّهُ- أن الحشيشَ كان من خاصيته دَفعُ هذه الحيةِ المُهلكة، وكان لأبيه بالوصيةِ بالحشيش غرضان: أحدهما: انتفاعُ الولدِ برائحته، وذلك قد أدركه الولدُ بعقله. والثانى: اندفاعُ الحيَّاتِ المُهلِكاتِ برائحته، وذلك مما قَصُرَتْ عن دَرَكِه بصيرةُ الولد، فاغتَرَّ الولدُ بما عنده من العلم، وظن أنه لا سِرَّ وراءَ معلومِه ومعقولِه كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم: ٣٠]. * وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣]. والمغرورُ من اغتُرَّ بعقله، فظنَّ أن ما هو مُنتَفٍ عن علمِه فهو مُنتَفٍ في نفسِه .. اهـ. وما من شكٍّ في أن آراءَ المِلَل وكلَّ ما فيها من الأوضاع ليس سبيلُها أن يُمتحَنَ بالآراءِ والرويَّةِ والعقولِ الإنسية؛ لأنَّها أرفعُ رُتبةً منها، إذ كانت مأخوذةً من وحيٍ إلهي؛ لأنَّ فيها أسرارًا إلهيةً تَضعُفُ عن إدراكِها العقولُ الإنسيةُ ولا تبلغُها. وأيضًا: فإن الإنسانَ إنما سبيلُه أن تُفيدَه المِللُ بالوحي ما شأنُه ألاَّ يُدرِكَه بعقلِه وما يَخورُ عقلُه عنه، وإلاَّ فلا معنى للوحي، ولا فائدةَ إذا كان إنما يفيدُ الإنسانَ ما كان يعلمُه، وما يمكنُ إذا تأمَّله أن يُدركَه بعقله، ولو كان كذلك لَوُكِلَ الناسُ إلى عقولهم، ولَمَا كانت بهم حاجةٌ إلى نبوَّةٍ ولا إلى

стр. 1729

وحيٍ، لكنْ لم يَفعل بهم ذلك، فلذلك يَنبغي أن يكونَ ما تُفيده المِللُ من العلوم: ما ليس في طاقةِ عقولِنا إدراكُه، ثم ليس هذا فقط، بل ما تَستنكرُه عقولُ بعضٍ منَّا، فإن ما تستنكرُه بعضُ العقولِ وتَستبشعُه بعضُ الأوهامِ قد لا يكونُ في واقعِ الأمرِ منكَرًا ولا بشعًا. فإن الإنسانَّ -وإن بَلَغ نهايةَ الكمالِ في الإنسانية-، فإنَّ منزلتَه عند ذوي العقولِ الإلهية- العقولِ التي استنارت بالوحي وسَمَتْ بالمبادئِ الإلهية- منزلةُ الصبيِّ والحَدَثِ والغَمْرِ (١) عند الإنسانِ الكامل. وكما أن كثيرًا من الصِّبيان والأغمار يستنكرون بعقولهم أشياءَ كثيرةً مما ليست في الحقيقةِ مُنكرةً ولا غيرَ ممكنة، ويقعُ لهؤلاء أنها غيرُ ممكنة؛ فكذلك مَنزلةُ مَن هو في نهايةِ كمالِ العقل الإنسيِّ عند العقولِ الإلهيةِ التي أفاض اللهُ عليها من نورِه وغَمَرها بإلهاماته، وكما أن الإنسانَ -مِن قَبل أن يتأدَّبِ ويَتحنَّكَ- يستنكرُ أشياءَ كثيرةً ويستبشعُها، ويُخيَّلُ إليه فيها أنها مُحالةٌ، فإذا تأدَّب بالعلوم واحتَنَك بالتجارِب زالت عنه تلك الظنونُ فيها، وانقَلبت الأشياءُ التي كانت عنده مُحالةً، فصارت هي الواجبةَ، وصار عنده ما كان يتعجَّبُ منه قديمًا في حدِّ ما يتعجَّبُ من ضدِّه. كذلك الإنسانُ الكاملُ الإنسانية، لا يُمتنع من أن يكونَ يَستنكرُ أشياءَ ويُخيَّلُ إليه أنها غيرُ ممكنة، مِن غيرِ أن تكونَ في الحقيقةِ كذلك. ° وَيشرحُ الشيخُ الجليل أبو سليمان المنطقي كلَّ ذلك، في دقةٍ دقيقة، وفي أسلوبٍ جميل فيقول: "إن الشريعةَ مأخوذةٌ عن الله بوَساطةِ

стр. 1730

السفيرِ بينه وبين الخَلقِ من طريقِ الوحي، وبابِ المناجاة، وشهادةِ الآيات، وظهورِ المعجزات، وفي أثنائها ما لا سبيلَ إلى البحثِ عنه والغَوصِ فيه، ولا بدَّ من التسليم المدعوِّ إليه والمُنَبَّهِ عليه، وهناك يَسقُط "لِمَ؟ " ويَبطُلُ: "كيف؟ " ويزول: "هلاَّ؟ " وتذهبُ: "لو" و"لَيت" في الريح!. ولو كان العقلُ يُكتفى به، لم يكن للوحيِ فائدةٌ ولا غَناء. على أن مَنازلَ الناسِ متفاوتةٌ في العقل، وأنصباءَهم مختلفةٌ فيه، فلو كنا نستغني عن الوحي بالعقل، كيف كنَّا نصنعُ؟ وليس العقلُ بأَسره لواحدٍ منا، فإنَّما هو لجميع الناس .. ولو استقلَّ إنسانٌ واحدٌ بعقلِه في جميع حالاته، في دينِه ودنياه، لاستقلَّ أيضًا بقُوَّته في جميع حاجاته، في دينِه ودنياه، ولكان وحدَه يَفِي بجميع الصناعاتِ والمعارفِ، وكان لا يَحتاجُ إلى أحدٍ من نوعِه وجِنسه، وهذا قولٌ مردود، ورأيٌ مخذول" (١). ° يقول الشيخ الجليل أبو سليمان المنطقي: "إن منازلَ الناس متفاوتةٌ في العقل، وأنصباءَهم مختلفة فيه"، معنى ذلك أن هذا الذي يَروقُ لشخصٍ عقليًّا، ربما لا يَروقُ لغيره عقليًّا، ويَجبُ من أجل ذلك ألاَّ يتدخَّلَ العقلُ في الدين، وإلاَّ لاختلف الناسُ باختلافِ عقولهم، وادَّعى كلٌّ أنَّ ما هو عليه إنما هو الحقُّ، وما عليه غيرهُ هو الباطل، ونَتَج عن ذلك اتَّباعُ كلٍّ أهواءه. * ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]. فتتفرَّقُ الأمة، وتخرجُ عن ما أحبَّه الله وأمر به. * ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣].

стр. 1731

وإذا تساءلت الآن: ما هو إذن موقفُ العقل من الدين، وموقفُ الدينٍ من العقل؟. فإننا نُجمِلُ الموضوعَ في النقاط الآتية: نَزل الدينُ هاديًا للعقل في جميع الأمور التي لو تُرك العقلُ وشأنَه فيها ضَلَّ السبيل، وعَجَز عن الوصولِ إلى الحقيقة .. وهذه الأمور هي: (أ) العقائد. (ب) المبادئ الأخلاقيةُ إجمالاً وتفصيلاً. (ج) التشريعُ في قواعِدِه العامة، وفي بعضِ تفصيلاته، وقواعِده العامة التي تتضمنُ الجزئياتِ على مرِّ الزمن، وعلى اختلافِ البيئات. أما الطبيعةُ والكون -من سمائه وأرضه، ومن جِبالِه وبحاره، ومن كواكبه وأقمارِه وشموسه-، أما المادة والطاقة، أما أعماقُ البحار وآفاق السماء .. إنَّ كلَّ ذلك قد تركه الله سبحانه للإنسانِ يدرسُه في مَصنعِه ومَعمَلهِ بآلاته وأدواته، وحَثَّه على أن يُجوِّلَ في ذلك ما استطاع إليه سبيلاً، حتى يكتشفَ سُنَنَ اللهِ الكونية، ونواميسَه الطبيعية، ويرى صُنعَ الله الذي أتقَنَ كلَّ شيءٍ. ولَم يَحجُرِ الدينُ على الإنسانِ في هذا المجال، اللهم إلا الواجبَ الذي ينبغي أن يكونَ شعارُه دائمًا، وهو أن يكون هدفُه من كلِّ ذلك الخير. والإسلام دينُ العقل بكلِّ هذه المعاني التي ذكرناها" (١).

стр. 1732

* السَّمْعُ الصحيح لا يَنفكُّ عن العقلِ الصريح .. والوحيُ هو الحُجَّةُ العُظمى: ° قال الإِمام ابن قيم الجوزية في "مختصر الصواعق المرسلة": "إن الحُجَجَ السَّمْعيَّةَ مطابِقةٌ للمعقول، والسمعَ الصحيحَ لا ينفكُّ عن العقل الصريح، بل هما أَخَوانِ وَصَل الله تعالى بينهما، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦)﴾ [الأحقاف: ٢٦]. فذَكَر ماَ يُنال به العلوم، وهي السمعُ والبصرُ والفؤادُ الذي هو مَحِلُّ العقل. * وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]. فأَخبروا أنهم خَرجوا عن مُوجِبِ السمع والعقل. * وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يونس: ٦٧]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الرعد: ٤ - ٤]. * وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. فدعاهم إلى استماعِه بأسماعِهم وتدبُّرِه بعقولهم. * ومثلُه قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]. * وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]. فجَمَع سبحانه بينَ السمعِ والعقلِ، وأقام بهما حُجَّته على عبادِه، فلا

стр. 1733

ينفكُّ أحدُهما عن صاحبِه أصلاً، فالكتابُ المُنزَّلُ والعقلُ المُدرِكُ حُجَّةُ الله على خَلقِه، وكتابُه هو الحُجَّةُ العُظمى، فهو الذي عَرَّفنَا ما لم يكن لعقولِنا سبيلٌ إلى استقلالِها بإدراكِه أبدًا. فليس لأحدٍ عنه مذهبٌ، ولا إلى غَيره مَفزَعٌ في مجهولٍ يَعلمُه ومُشكِلٍ يَستبينُه، فمَن ذهب عنه فإليه يَرجع، ومَن دَفَع حُكمَه فبه يُحاجُّ خَصمَه، إذ كان بالحقيقةِ هو المرشِدُ إلى الطرقِ العقليةِ والمعارفِ اليقنية، فمَن رَدَّ من مُدَّعي البحثِ والنظرِ حكومتَه، ودَفَع قضيتَه، فقد كابَرَ وعانَدَ، ولم يكن لأحدٍ سبيل إلى إفهامِه. وليس لأحدٍ أن يقول: إني غيرُ راضٍ بحُكمِه، بل بحُكم العقل، فإنه متى رَدَّ حُكمَه، فقد رَدَّ حُكمَ العقل الصريحِ، وعاند الكتابَ والعقلَ. والذين زعموا -مِن قاصِرِي العقل والسمع- أن العقلَ يجبُ تقديمُه على السمع عند معارضتِهما، إنما أُتُوا من جهلِهم بحُكم العقل ومقتضى السمع، فظنوا ما ليس بمعقولٍ معقولاً، وهو في الحقيقةِ شبهاتٌ توهِمُ أنه عقلٌ صريح -وليست كذلك-، أو مِن جَهلِهم بالسمع: إمَّا نسبتُهم إلى الرسولِ ما لم يَقُلْه. أو نِسبتُهم إليه ما لم يُرِدْه بقوله. وإمَّا لعدمِ تفريقِهم بينَ ما لا يُدرَكُ بالعقول وبين ما تُدرَكُ استحالتُه بالعقول. فهذه أربعةُ أمورٍ أَوجبت لهم ظنَّ التعارضِ بين السمعِ والعقل، واللهُ سبحانه حاجَّ عبادَه على ألسُنِ رُسُلِه فيما أراد تقريرَهم به وإلزامَهم إياه

стр. 1734

"بأقربِ الطُّرقِ إلى العقل وأسهلِها تناولاً وأقلِّها تكلفًا وأعظمِها غَناءً ونَفعًا، فحُججُه سبحانه العقليةُ التي في كتابه جَمعت بين كونِها عقليةً سمعيةً ظاهرةً واضحةً قليلةَ المقدِّمات" (١). * ذِكرُ الحُجَجِ العقليَّةِ التي تضمَّنها القرآنُ الكريم والأمثلةِ عليها: * المثال الأول: مِثلُ قوله تعالى فيما حاجَّ به عبادَه من إقامةِ التوحيد وبطلانِ الشِّركِ وقَطْع أسبابِه وحَسْمِ موادِّة كلِّها: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣]. * المثال الثاني: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]. * المثال الثالث: قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩١]. * المثال الرابع: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١]. * المثال الخامس: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ

стр. 1735

عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾ [الأحقاف: ٤]، فطالَبَهم بالدليل العقلي والسمعي. * المثال السادس: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦]. فاحتَجَّ على تفرُّدهِ بالإلهية بتفرُّده بالخلق، وعلى بطلانِ إلهيَّةِ ما سواه بعَجزِهم عن الخلق، وعلى أنه واحدٌ بأنه قهَّار، والقهرُ التامُّ يستلزمُ الوِحدةَ، فإن الشَّرِكةَ تُنافي تمامَ القَهْرِ. * المثال السابع: وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣ - ٧٤]. * المثال الثامن: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣]. * المثال التاسع: قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨]. وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣]. وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾

стр. 1736

[الطور: ٣٣ - ٣٤]. ثم أسجَلَ عليهم إسجالاً عامًّا في كل زمانٍ ومكانٍ بعجزهم عن ذلك ولو تظاهَرَ عليه الثَّقِلانِ، فقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. * المثال العاشر: قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٨ - ٧٠]. * المثال الحادي عضر: قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾ [يونس: ١٦ - ١٦]. * المثال الثاني عشر: قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦]. * المثال الثالث عشر: قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩]. * المثال الرابعِ عشر: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ

стр. 1737

إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٥١ - ٥٢]. * المثال الخامس عشر: قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٤٠]. * المثال السادس عشر: قوله تعالى ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٧]. * المثال السابع عشر: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾ [الزخرف: ١٧ - ١٨]. * المثال الثامن عشر: قوله تعالى عن خليله إبراهيم: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٠ - ٨٢]. * المثال التاسع عشر: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي

стр. 1738

وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. * المثال العشرون: قوله تعالى ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٣ - ١٤]. * المثال الحادي والعشرون: قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٦]. * المثال الثاني والعشرون: قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢٠ - ٢١]. * وبعدُ: يا حَبْرَ النصارى وبابا الفاتيكان: ما تقولُ في هذه الأمثلة .. أما زالتَ مصرًّا على قولك في أن الإسلام يُنافي العقلَ؟! أم أن هذه الأمثلةَ والحججَ العقليةَ الناصِعةَ تحتاجُ إلى مجلَّداتٍ لشرحها وبيانِ عِظَم وجَمالِ ما فيها؟!. * هل يصحُّ لذِي عقلٍ نسبتُكم القبائحَ إِلى الأنبياءِ والمرسلين: ووقفةٌ أخرى -أيها القِزمُ الذميم-، هل يَصحُّ في العقول -إن كانت لكم عقول- نسبتُكم القبائحَ إلى الأنبياء والمرسلين وإيمانُكم بما في العهدِ الجديد والقديم من هذه الرذائل والقبائح التي تَشين؟! وأنتم تُصدِّقون التوراةَ المُغَيَّرةَ المحرَّفةَ الموجودةَ اليوم، بالإضافةِ إلى ما في الإنجيل المُحَرَّف.

стр. 1739

° فأنتم تؤمنون بهذه القبائح الموجودةِ في العهد القديم "التوراة"، ومنها: - أن نبي الله "هارون" صَنَع عِجْلاً، وعَبَده مع بني إسرائيل .. [إصحاح (٣٢) عدد (١) من سفر الخروج]. - أن "إبراهيم" خليلَ الرحمن ﷺ قدَّم امرأتَه سارةَ إلى فرعون حتى ينالَ الخيرَ بسببها .. [إصحاح (١٢) عدد (١٤) من سفر التكوين]. - ومِن ذلك أن "لوطا" ﵇ شَرِبَ خمرًا حتى سَكِر، ثم قام على ابنتَيه فزَنَى بهما الواحدةِ بعدَ الأخرى .. [سفر التكوين، إصحاح (١٩) عدد (٣٠)]. ومعاذَ الله أن يفعلَ نبيُّ الله لوطٌ ﷺ ذلك. - وأن "يعقوب" ﵊ سَرَق مواشيَ من حميِّه، وخَرَج بأهله خِلْسةً دونَ أن يُعْلِمَه .. [سفر التكوين، إصحاح (٣١) عدد (١٧)]. - وأن "راوبين" زنى بزوجةِ أبيه يعقوب، وأن يعقوبَ ﵇ عَلِم بهذا الفعل القبيح وسَكَت .. [سفر التكوين، إصحاح (٣٥) عدد (٣٢)]. - وأن "داود" ﵇ زنى بزوجةِ رجلٍ من قُوَّادِ جيشه، ثم دّبَّر حِيلةً لقتل الرجل، فقُتِل، وبعدئذٍ أَخذ داودُ الزوجة، وضَمَّها إلى نسائِه، فولدَت له سليمان .. [سفر صموئيل الثاني- إصحاح (١١) عدد (١)]. - وأن "سليمان" ارتدَّ في آخِرِ عُمره، وعَبَد الأصنام، وبَنى لها المعابدَ .. [سفر الملوك الأول، إصحاح (١١) عدد (٥)] (١).

стр. 1740

* وهذي مخازيكم في إِنجيلكم المحرَّفِ التي لا يُقِرُّ بها من له أدنى مُسْكةٍ من عقل: ° وَرَد في إنجيل "متى" أن عيسى من نَسل سليمانَ بنِ داود، وأنَّ جَدَّهم "فارض" الذي هو من نَسل الزنى مِن يهوذا بن يعقوب .. [إصحاح متى الأول، عدد (١٠)]. ° وفي إنجيل [يوحنا] إصحاح (٢) عدد (٤) أن يسوع أهان أُمَّه في وَسطِ جَمْعٍ من الناس. ° وأن يسوعَ شَهِد بأن جميعَ الأنبياء الذين قاموا في بني إسرائيل هم سُرَّاقٌ ولصوص .. [إنجيل يوحنا، إصحاح (١٠) عدد (٨)] (١). * بابا الفاتيكان -واللهِ- ليس لك عقلٌ، وإِلاَّ فأجبني أنت وقومُك: أعُبَّادَ المسيح لنا سؤالٌ … نُريدُ جوابَه مِمَّن وَعَاهُ! إذا ماتَ الإلهُ بِصُنع قومٍ … أماتوهُ، فما هذا الإلهُ؟ وهل أرضاهُ ما نالوه منه؟ … فبُشراهم إذا نالُوا رضاهُ! وإِنْ سَخِط الذي فعلوهُ فيه … فقُوَّتُهم إذًا أوهتْ قُواهُ! وهَلْ بقي الوجودُ بلا إله … سميعٍ يَستجيبُ لِمَنْ دعاهُ؟ وَهَلْ خلت الطَّبَاقُ السَّبْعُ لَمَّا … ثوى تحت التراب، وقد علاهُ؟ وَهَلْ خَلَت العوالمُ مِن إِلَهٍ … يُدبرُها وقد سُمِرت يداهُ؟ وكيف تَخَلَّت الأملاكُ عنه … بنَصرِهمُ، وقد سَمعوا بُكاهُ؟ وكيف أطاقتِ الخَشَباتُ حَمْلَ … الإلهِ الحقِّ شُدَّ عَلَى قفاهُ؟

стр. 1741

وكيف دنا الحديدُ إليه حتَّى … يُخالِطَه، ويَلحَقَه أذاه؟ وكيف تمكَّنتْ أيْدي عِدَاهُ … وطالتْ حيث قد صَفَعوا قفاهُ؟ وَهَلْ عاد المسيحُ إلى حياةٍ … أم المُحِيي له ربُّ سِوَاهُ؟ ويا عجبًا لقَبْر ضَمَّ رَبًّا … وأعجبُ منه بطنٌ قد حواهُ! أقامَ هناك تِسْعًا من شهورٍ … لدى الظُّلَماتِ من حَيْضٍ غِذاهُ! وشَقَّ الفَرجَ مولودًا صغيرًا … ضعيفاً، فاتِحًا للثَّدْيِ فاهُ! ويأكلُ ثم يشربُ، ثم يأتي … بلازمِ ذاك، هلْ هذا إلهُ؟ تعالى اللهُ عن إِفْك النَّصارَى … سيُسأل كلُّهمْ عمَّا افتراهُ! أعُبَّادَ الصَّليبِ لَأيَّ مَعْنىً … يُعظَّمُ أوْ يُقَبَّحُ مَن رماهُ؟ وَهَلْ تقضي العقولُ بغيرِ كسرٍ … وإحراقٍ له، ولِمَنْ بَغاهُ؟ إذا رَكِب الإلهُ عليه كُرْهًا … وقدْ شُدَّت لتسميرٍ يداهُ! فذاكَ المركَبُ الملعونُ حَقًّا … فدُسْهُ، لا تبُسْه إذ تراهُ يُهانُ عليه ربُّ الخَلْق طُرًّا … وتعبُدْه!! فإنك مِن عداهُ! فإِن عَظَّمْته مِن أجَلِ أن قدْ … حوى ربَّ العباد، وقد عَلاهُ! وقد فُقِد الصليبُ فإِن رأينا … له شكلاً تذكَّرْنا سناهُ! فهَلاَّ للقبور سجدت طرًّا … لِضَمَّ القبرِ ربَّك في حشاه؟ فيا عبد المسيح أفِقْ فهذاه … بدايتُه، وهذا مُنْتهاهُ (١)

стр. 1742

* ووقفة أخيرة لنردّ على بابا الفاتيكان باطله: ردًّا على مزاعمك وكذبك وتطاولك على الإسلام، وادعائك أنه يُصادم العقل نقول: ١ - "إن هناك أمورًا هي مصلحةٌ للإنسان، لا يستطيعُ الإنسانُ إدراكَها بمجرَّد عقلِه، لأنها غيرُ داخلةٍ في مجالِ العقل ودائرته، "فمن أين للعقل معرفةُ الله تعالى بأسمائه وصفاته .. ؟ ومن أين له معرفةُ تفاصيل شرعِهِ ودينه الذي شَرَعه لعباده؟ ومن أين له معرفةُ تفاصيل محبته، ورضاه وسخطه، وكراهيته؟ ومن أين له معرفةُ تفاصيلِ ثوابِه وعقابه، وما أَعَدَّ لأوليائه، وما أَعَدَّ لأعدائه، ومقاديرِ الثواب والعقاب، وكيفيتهما، ودرجاتهما؟ ومن أين له معرفةُ الغيب الذي لم يُظْهِرِ اللهُ عليه أحدًا من خلقه إلاَّ من ارتضاه من رُسُلِه .. إلى غير ذلك مما جاءت به الرسل، وبلَّغته عن الله، وليس في العقل طريقٌ إلى معرفته؟! " (١). ٢ - "إن الذي يُدرك العقلُ حُسنَه أو قُبحَه يُدْرِكُه على سبيل الإجمال، ولا يستطيع أن يُدرك تفاصيلَ ما جاء به الشرع، وإن أُدرِكتِ التفاصيل فهو إدراكٌ لبعض الجُزئِيَّات، وليس إدراكًا كُلِّيًا شاملاً: "فالعقل يُدرك حُسنَ العدل، وأمَّا كون هذا الفِعْل المُعَّين عَدْلاً أَوْ ظلْمًا، فهذا مما يَعجِزُ العقلُ عن إدراكه في كلِّ فِعْلٍ وعقد" (٢). ٣ - "أن العقول قد تحارُ في الفِعل الواحد، فقد يكونُ الفِعْل مشتملاً

стр. 1743

على مصلحةٍ ومفسدة، ولا تعلمُ العقولُ: مفسدتُه أرجحُ أو مصلحته؟ فيتوقف العقل في ذلك، فتأتي الشرائعُ ببيان ذلك، وتأمرُ براجح المصلحة، وتَنهى عن راجح المفسدة، وكذلك الفعلُ يكونُ مصلحةً لشخصٍ، مفسدةً لغيره، والعقلُ لا يدرك ذلك، وتأتي الشرائعُ ببيانه، فتأمرُ به مَن هو مصلحةٌ له، وتَنهى عنه من حيثُ هو مفسدةٌ في حقِّه، وكذلك الفعلُ يكونُ مفسدةً في الظاهر، وفي ضمنه مصلحةٌ عظيمة لا يَهتدي إليها العقلُ، فتجيءُ الشرائعُ ببيانِ ما في ضِمنهِ من المصلحةِ والمفسدةِ الراجحة" (١). ° وفي هذا يقولُ ابنُ تيمية: "الأنبياء جاؤوا بما تَعجِزُ العقولُ عن معرفته، ولم يجيؤوا بما تعلمُ العقولُ بُطلانَه، فهُم يُخبرون بمُحاراتِ العقول، لا بمحالات العقوِل" (٢). ٤ - ما يتوصَّلُ إليه العقلُ -وإنْ كان صحيحًا-، فإنه ليس إلا فَرْضيَّات، قد تَجرِفُها الآراءُ المتناقضةُ، والمذاهبُ المُلحِدة. ولو استطاعت البقاءَ فإنها -في غَيبةِ الوحي- ستكون تخميناتٍ شتَّى، يلتبسُ فيها الحقُّ بالباطل (٣). ٥ - "البراهمةُ -وهم طائفةٌ من المجوس- زعموا أن إرسالَ الرُّسلِ عَبَثٌ، لا يليقُ بالحكيم؛ لإغناءِ العقل عن الرسل، لأن ما جاءت به الرسلُ، إن كان موافقًا للعقل حَسَنًا عنده، فهو يفعلُه -وإن لم يأتِ به-، وإن كان

стр. 1744

مخالفًا قبيحًا، فإن احتاج إليه فعله، وإلاَّ تَرَكه" (١). ويكفي للردِّ على البراهمةِ أن نُوجِّهَ الأنظارَ إلى ما قادتهم إليه عقولُهم التي زعموا أنهم يستغنون بها عن الوحي، ونذكرُ ما سَبق ذكرُه من قولِ زعيم من زعمائهم في القرن العشرين -وهو المهاتما غاندي- يقول مُفاخرًا: "عندما أرى البقرةَ لا أجدُني أرى حيوانًا؛ لأني أعبدُ البقرة، وسأُدافعُ عن عبادتها أمام العالم أجمع". ° ولقد قاده عقلُه إلى تفضيل أُمِّه البقرةِ على أُمِّه التي ولدته: "وأمي البقرة تفضلُ أُمِّي الحقيقيةَ مِن عِدَّةِ وُجوهٍ: فالأمُّ الحقيقةُ تُرضِعُنا مُدَّة عامٍ أوْ عاميْن، وتَتطلَّبُ منَّا خَدَماتٍ طولَ العُمرِ نظيرَ هذا، ولكنَّ أمنَّا البقرةَ تمنحُنا اللبنَ دائمًا، ولا تطلبُ منَّا شيئًا مقابلَ ذلك سوى الطعام العادي" (٢). ° يقول الدكتور عمر سليمان الأشقر: "وقد قَرأتُ منذ مُدَّةٍ في مجلة "العربي" التي تصدُر في الكويت عن معبدٍ فَخمٍ مَكْسُوٍّ بالرُّخامِ الأبيضِ تُرسَلُ إليه الهدايا والألطافُ من شتَّى أنحاءِ الهند، بَقِيَ أن تعلَمَ أن الآلهةَ التي تُقدَّم لها القرابينُ وتُرسَلُ لها النذورُ في ذلك المعبَدِ الفخم إنما هي الفئران!!! هذه بعضُ الترَّهاتُ التي هَدَتهم إليها عقولُهم التي زعموا أنَّ فيها غُنيةً عن الوحي الإلهيِّ" (٣). ٦ - ألَا يَعلمُ البابا أن فِعلَ العقلِ (تعقلون- يعقلون) وَرَد ذِكرُه في

стр. 1745

القرآن ٤٩ مرَّة، وفِعلُ "التفكُّر" وَرَد ذِكرُه في القرآن ١٧ مرَّة، ولفظُ "الألباب" -أي العقول- وَرَد ذِكرُه في القرآنِ ١٦ مرَّةً. ٧ - القرآنُ يُخاطِبُ العقولَ المتخصِّصة بحقائقَ عِلميةٍ لم تُعرف إلاَّ بعدَ نزولِ القرآن بأكثرَ مِن ألفِ عامٍ، جَعلت "موريس بوكاي" أستاذَ الجراحة الفرنسيَّ الشهيرَ يَخِرَّ ساجدًا أمامَ عَظَمةِ القرآن ويُشهِرُ إسلامه، ويؤلِّفُ كتابَه الشهير "القرآن والتوراة والإنجيل والعلم"، وهو مترجَمٌ بعدَّةِ لغات، وجَعلت "كث ألمور الكندي" وهو من أشهرِ علماءِ الأَجِنَّةَ يَخِرُّ ساجدًا ويَدخلُ الإسلام، ويُقدِّمُ برنامجًا في التلفزيون الكندي عن عِلِم الأَجِنة في القرآن والسُّنة يؤكِّدُ فيه أن ما جاء في القرآن مِن وصفٍ لمراحل الجنين تتطابقُ مع ما اكتُشف حديثًا من حقائقَ في علمِ الأجِنَّة، ودراسةُ دستورِ القرآن العالمي جعلت الدكتور "مراد هوفمان" المتحدِّثَ الإعلاميَّ لمُنظَّمةِ حِلفِ شمال الأطلنطي يقولُ أمامَ أعضاءِ المنظَّمةِ: "إن الإسلام طَوْقُ النجاةِ للحضارةِ العالميةِ المهدَّدة"، ويُشهِرُ إسلامَه بعد أن دَرَس الإسلام فوجد فيه دستورًا عالميًّا يُحقِّقُّ العدلَ والتوازنَ بين الإِنسانِ ونفسِه، وبين الإنسانِ وأخيه الإنسان، وبين الإنسانِ والكونِ مِن حولهِ .. والكثير والكثير. ٨ - يزعمُ كثيرٌ من الناسِ أنَّ الوحيَ يُلْغي العقلَ ويَطمِسُ نُورَه، ويُورِّثُه البلادةَ والخُمولَ، وهذا زَعمٌ كاذبٌ، ليس له من الصحَّة نصيبٌ، فالوحيُ الإلهيُّ وجَّه العقولَ إلى النظرِ في الكَون والتدبُّرِ فيه، وحَثَّ الإنسان على استعمارِ هذه الأرضِ واستثمارِها، وفي مجالِ العلوم المنزَّلةِ من الله وظيفةُ العقل أنَ ينظر فيها؛ ليستوثِقَ من صحة نسبتها إلى الله تعالى، فإِنْ تَبيَّن له

стр. 1746

صِحَّةُ ذلك فعليه أن يَستوعبَ وحيُ اللهِ إليه، ويستخدمَ العقلَ الذي وَهَبه اللهُ إيَّاه في فهم وتدبُّرِ الوحي. والوحيُ مع العقل كنُورِ الشمسِ أو الضوءِ مع العين، فإذا حُجِب الوحيُ عن العقلِ لم يَنتفع الإنسانُ بعَقلِه، كما أن المُبْصِرَ لا ينتفعُ بعَينه إذا عاش في ظُلمةٍ، فإذا أشرَقَت الشمس، وانتَشر ضوؤُها انتَفع بناظِرَيْه، وكذلك أصحابُ العقول إذا أشرقَ الوحيُ على عُقولِهم وقلوبِهم أبصرت واهتَدت ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] (١) أ. هـ. ٩ - يقول الدكتور عبد الحليم محمود في كتابه "الإسلام والعقل" عن "خلفاء إبليس": "وإنَّ مِن أحدثِ اختراعاتِ إبليسَ في هذا الزمنِ الحاضرِ إنما هو المذهبُ المسمَّى بالوجودية: وهو مذهبٌ يدعو كلَّ إنسانٍ لأن يُحقِّقَ وجودَه حسبما يَرى وتبعًا لما يريد، غيرَ متقيِّدٍ بعُرفٍ، ولا عاداتٍ، ولا تقاليدَ، ولا دِينٍ، ولا أوضاع أيًّا كانت، وهو إذن يَهدِمُ نفسَه بنفسِه، لأِنه لا يقومُ على أُسسٍ ثابتةٍ، ولا ينتهي إلى مبادئَ حقيقيةٍ، وأحسنُ تشَبيهٍ للوجودي هو ما قاله أحدُ كِبارِ الكتاب الغربيين: "إن الوجوديَّ مَثَلُه كَمَثل الكلب الذي يَجري دائرًا حولَ نفسِه ليُمسِكَ بذَنَبِه، فلا هو يُدرِكُ ذَنَبَه ولا هو يقفُ عن الجَريِ، وهي لُعبةٌ يلعبُها الكلاب، حينما يجدون الفراغَ فيَلهَون بما لا نتيجةَ له". على أن هذا المذهبَ الوجوديَّ قديمٌ، إذ إنه المذهبُ السوفسطائيُّ

стр. 1747

اليوناني، وهو مذهبٌ يَظهرُ دائمًا في عصور الانحلال، وفي البيئاتِ المُنحلَّة، ولا وجودَ له في عصورِ الجِدِّ، ولا في البيئاتِ الجادة، ذلك أن المجتمعاتِ الناهضةَ الجادةَ، لا تُبيحُ لأفرادِها أن يَتشبَّهوا بالكلاب -حينما تلهُو الكلاب- في الجَري وراءَ أذنابِها ليُمسِكوا بها. فالوجوديةُ إذن اختراعُ إبليس، لإخراج طائفةٍ من البشرِ عن نطاقِ السجود لله، إلى نطاقِ السجود للأهواء. ° خلفاءُ إبليس ثانيًا هم: طائفةُ الفلاسفةِ العقليين الإلهيين. ذلك أن الفلسفةَ العقليةَ -مهما حاولَ المتفلسفون تزييفَ أهدافِها وتزيينَ غاياتها-: ليست إلاَّ محاولةَ تحكيم العقل فيما أتى به الوحيُ. وهي -من غيرِ ما رَيبٍ- تريدُ أن تَخترعَ عقليًّا ما فَرغَ منه الوحيُ في قضاياه ومبادئه، إنها تريدُ ابتداعَ دينٍ عقليٍّ بجوارِ الدينِ الإلهي، وهذا الدينُ العقليُّ يختلفُ من فيسلوفٍ إلى آخر، وهو مِن أجل ذلك: يختلفُ في هذه القضيةِ أو تلك مع الدين الإلهيِّ. فإذا كانت البيئةُ متشبِّعةً بالدين الإلهيِّ، يَغمُرُ قلبَها الإيمانُ، وتَغمُرُ وِجدانَها الهداية، حاوَلَ المتفلسفون -في طريقةٍ إبليسية- أن يُوفِّقوا بين الدينِ والفلسفة. ومعنى هذا: أنهم يَجعلون موقفَ اخترعاتِهم العقليةِ بالنسبة للدين، موقفَ الندِّ للند، فيحاوِلون التوفيق، فيُخطِئُهم التوفيق فيما يأتون وما يَدَعُون، ذلك أنهم -قلوبُهم وأفئدتُهم- هواءٌ. وإذا كان الاتفاقُ بينهم لم يَتمَّ، فإن التوفيقَ بين أهوائِهم وظنونِهم،

стр. 1748

وشكوكِهم وأوهامِهم، وبين الوحيِ والعِصمة، واليقينِ والهداية، إنما هو عملٌ لا يَسيرُ في رِكابه إلاَّ أتباعُ إبليس. والفلاسفةُ إذن لم يَسجدوا لله. ° أما الطائفةُ الثالثة التي لم تَسجد لله إلاَّ شكلاً، فإنها طائفةُ المعتزلة من علماءِ الكلام، إنهم لم يَسجدوا لله سجودَ خضوع وإذعان، ومذهبُهم قائمٌ على تحكيمِ العقلِ في الدين، ووَصَل بهم الأمرُ إلى أنهم يُوجِبون على اللهِ بعضَ الأعمالِ، ، ويُحرِّمون عليه إتيانَ بعضِها ، فوضعوا أنفسَهم بعَمَلهم هذا موضعَ المشرِّعين لله سبحانه، يُلزمونه سَلْبًا، ويلزمونه إيجابًا، وزَّين لهم الشيطانُ أعمالَهم، وصَدَق فيهم قولُ الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨]. ثم إنَّهم خاضوا فيما نَصَح الدينُ بعَدَمِ الخَوضِ فيه، كالذات الإلهية، والصفات، وكالقَدَر، وكان لابدَّ -وقد اتبعوا أهواءَهم- أن يختلفوا ويتفرَّقوا وتذهبَ بهم الأهواءُ كلَّ مذهب، فكانوا فِرَقًا وأحزابًا شتَى، لا تكادُ تدخل تحتَ حَصر. وكل مَن نَهَج النَّهجَ العقليِّ في الدين، في العصرِ الحاضر، إنما هو تابعٌ من أتباعِ المعتزلة، ولا مَناصَ من الإقرارِ بأن مدرسةَ الشيخ محمد عبده، إنما هي مدرسةٌ اعتزالية في مبادئِها وأصولها، وهي مدرسةٌ اعتزالية في غاياتِها وأهدافِها، ذلك أنها تضعُ قضايا الدين في ميزانِ عقلِها، فتَنفي

стр. 1749

وتُثبت حسبما تقتضيه الأهواءُ والنزعات. والمدرسةُ العقليةُ في الدين -أيًّا كانت، وفي أيِّ مكانٍ وُجدت، وفي أي زمانٍ نشأت- لم تَسجدْ لله سجودَ خضوعٍ واذعان، وإنما سَجدت للعقل، وعَبَدت العقلَ، فتفرَّقت إلى ما لا يكادُ يُحصى من الفِرَق، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] ". وسبيلُ المؤمنين إنما هو السجودُ لله وحده، وذلك أيضًا سبيلُ الراسخين في العلم، إذ الراسخون في العلم هم دائمًا مؤمنون ساجدون لأمرِ الله، وإليهمِ تُشيرُ الآية الكريمة ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]. ومن البديهيِّ أن المؤمنَ الحقيقيَّ هو وإبليسُ على طَرَفَي نقيضٍ، وَيرسُمُ اللهُ صورةَ المؤمن، فيُبيِّنُ تعارضَها مع كلِّ الصورِ الإبليسيةِ على تفرُّقها واختلافِها، ويُبيِّنُ جزاءَ المؤمنين عنده فيقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧] " (١) اهـ.

стр. 1750

١٠ - رَحِم اللهُ الشافعي القائل: "ما جَهِل الناسُ ولا اختلفوا إلاَّ لتَرْكِهِم لسانَ العرب ومَيلِهم إلى لسان أرسطو". اختلف فلاسفةُ اليونان "انكسيمندر" عن "طاليس"، واختَلف "هرقليط" عنهما، ووَصَل الامرُ إلى أرسطو الذي اخترع المنطقَ ليعصمَ الذهنَ عن الانحراف والضلال، فلاحَظَ عليه تلاميذُه وأبناءُ مدرستِه ومناصِروه أخطاءً لا حَصرَ لها، إنهم مع ما لهم من باعٍ واسعٍ في عِلمِ الفلسفة، كانوا أعجَزَ من أن يُمكنهم الدفاعُ عن المعلِّم الأول. وعَجَزت آلةُ عِصمةِ الذهن عن عِصمةِ ذهنِ مخترِعها، وعن عصمةِ ذهنِ أتباعه، ولكنَّ المعترِضين على أرسطو لم يُقِر أحدٌ من كِبارِ الفلاسفة لهم بالصواب المُطلَق، وإنما كانت آراؤهم هي الأخرى مَثارَ جَدَلٍ واعتراضٍ وتجريحٍ ونقضٍ، وجاء الكِنْدي، والفارابي، وابن سينا، كلما جاءت أُمَّةٌ لعنت أختها. وكَشَف الزمنُ عن أن عالَمَ الغَيبِ إنما هو حِجْرٌ محجور بالنسبة للعقلِ البشري، فلن يتأَتَّى -بوضعِه البشريِّ- أن يَطَأَ حِماه، ولا أنْ يَلِجَ بابه، وتَقدَّس عالَمُ الغَيبِ عن أن يُمسِكَ بمفتاحِه، أو يَكشِفَ عن مساتيره إلاَّ مَن أَذِنَ له اللهُ من نبيٍّ مُكرَّمٍ، أو من رسولٍ مأذون. ° وللَّه درُّ الشافعيِّ إذ يقول: "رأيي في علماءِ الكلام أن يُضرَبوا بالجريدِ والنَّعال، وأن يُطوَّفَ بهم في العشائرِ والأمصار، ويُقال: هذا جزاءُ مَن تَرَك الكتابَ والسُّنَةَ وأقبَلَ على عِلم الكلام". وما أحلى سجودَ العقلِ لله خالقه!.

стр. 1751

أفهمتَ -وما إخالُك تَفهمُ- يا حَبْرَ النصارى .. ويا رأس الفاتيكان .. يا عارَ البشرية .. ويا صورةَ الحِقدِ الصليبيِّ في أنتنِ شَكل .. وأوقَح عبارةٍ .. وأرذَلِ هيئةٍ .. وأقبح لسان؟! .. إبليسيٌّ فاق إبليس .. تَعجَّبَ إبليسُ مِن كُفره ووقاحتِه وإجرامِه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١]. * إِنهم لا يعتذرون!: عندما أساء البابا "بنديكت السادس عشر" مؤخَّرًا للعالم الإسلاميِّ أجمعَ بإهانتِه لرسولِ الله ﷺ طالَبه الجميعُ بالاعتذار، حتى بعضُ وسائل الإعلامِ الغربية التي لم يُعرَف عنها التعاطفُ مع الإسلام طالَبته بالاعتذار. ° لقد كتبت صحيفة "نيويورك تايمز" في افتتاحية عدد يوم السبت (١٦ من سبتمبر ٢٠٠٦ م) مطالبةً البابا باعتذارٍ وَصَفَتْه بأنه يجبُ أن يكونَ "عميقًا ومقنعًا"، وعَقَّبت قائلةً في نفسِ الافتتاحية: "إن العالَمَ يستمعُ باهتمامٍ لكلمات أيِّ بابا .. وإنه من الخطيرِ والمؤلم أن يَنشُرَ أحدٌ ما الأَلَمَ سواءٌ عامدًا أو غيرَ مكترثٍ .. إن البابا بحاجةٍ إلى أن يُقدِّم اعتذارًا عميقًا ومقنعًا ليبيِّنَ أن الكلماتِ يُمكنُ أيضًا أن تَشفي الجراح" .. فهل اعتذر البابا؟. ° نقلت قناة (BCC) عَبرَ موقعِها الإلكترونيِّ البيانَ الذي أصدره البابا "بنديكت السادس عشر"، والذي يقولُ فيه -بالحرف الواحد-: "إن البابا المقدَّس "آسِفٌ جدًّا" أن بعضَ فقراتِ خطابِه قد بَدَت وكأنها تهاجمُ مشاعرَ المسلمين"، وأعقَبَ قائلاً: "إنه يحترمُ الإسلام، ويأملُ أن يتفهَّم المسلمون المعنى الحقيقيَّ لكلماته".

стр. 1752

لم يَعتذِرِ البابا، وإنما اتَّهَمَنا نحن بقِلَّةِ الفَهم، بل ويطالبُنا أن نَقبَلَ ما قال، وذَكَر أنه يَحترمَ الإسلام، ولكنه في المقابل لم يذكرْ نبيَّ الإسلام، أو يَعتذرْ عما قاله في حقِّه ﷺ ، بل تعمَّد تجاهُلَ إهانتِه للنبي بكلماتِه الجارحةِ على مَسمعٍ من العالم أجمعَ، فأين هو الاعتذار؟!. إن البابا يقول إنه "آسف جدًّا" أن عباراته بَدَت وكأنها هجومية، ولكنه لم يَعتذرْ عن هذه العبارات، أو يَشرحْ لنا كيف يمكنُ ألاَّ تكون هجوميةً .. هو فقط "آسف جدًّا" لِمَا حَدَث .. فأين الاعتذار؟! ومَن قال: إننا -في هذا المقام- نهتمُّ لمشاعره، أو نُعِيرُها أدنى اهتمام؟ إن البابا يستخدم حِيَلَ الإعلام المعروفة في التهرُّب من مواجهةِ النفس، أو مواجهةِ مَن أساء إليهم بطُرقٍ إعلاميةٍ ملتويةٍ وعباراتٍ فَضفاضةٍ، ولا يَليقُ برجل دينٍ في مكانتِه وقدْرِه لمن يَعتنِقون دينَه أن يفعلَ ذلك، إنْ كان قد أخطأَ في وصفِ نبيِّ الأمة الإسلامية بأنه لا يأتِ إلاَّ بالشرِّ، فلماذا لم يَعتذِرْ عن ذلك بوضوح؟ إنه يعالج الإهانةَ الأولى التي جَرحت كرامةَ كلِّ مسلمٍ بإهانةٍ ثانيةٍ تَفترضُ في كلِّ المسلمين الغباءَ أيضًا!. إنَّ هذا الأمرَ متكرِّرٌ في المواقفِ الغربيةِ تُجاهَ العالَم الإسلامي، فبعد أزمةِ الرسوم المسيئة عن نبيِّ الإسلام، ومطالَبةِ الجميعِ لرئيس الوزراء الدانمركي بالاعتذارِ باسم الحكومة الدانمركية على الإصرار على تصعيد الأزمة، حاوَرَ رئيسُ تحرير صحيفة "الأهرام ويكلي Al Ahram weekly" المصرية التي تَصدرُ باللغة الإنجليزية رئيسَ الوزراء الدانمركي، وحثَّه على الاعتذارِ لإنهاء الأزمة، فما كان من رئيسِ الوزراء إلا أن رد قائلاً: "يُسعدني

стр. 1753

أن أقدم هذا التصريحَ بشكل مكتوبٍ إلى قُرائكم، ولكنك تدرك بلا شكٍّ أنه لا الحكومةُ ولا شعبُ الدانمرك يمكنُ اعتبارُهم مسؤولين عما تمَّ نشرُه" (١). * وعاب عليه بنو جِلدته: أنكرت أكثرُ الصحفِ الأوربيَّة كلامَ البابا، وانتقدوه وعابوا عليه: ° "ففي هولندا رأت صحيفة "دي فولكسكرانت" أن ما فَعله البابا ليس سوى نوعٍ من الاستفزاز لمشاعرِ المسلمين، ولا يمكنه سوى أن يَلومَ نفَسه وحدَها بشكلٍ أساسي". ° وكَتَبت صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية تقول: "إنَّ هذا البابا البالغَ من العمر ٧٨ عامًا يرتكبُ هفواتٍ متتاليةً منذ تعيينه، وستُشكَّلُ لدينا في نهايةِ المطاف قناعة بأنها ليست عَرَضِيَّةً، بل تكشفُ عن فِكرِه الدَّفين". ° بل إن رئيسَ وكالةِ الأنباءِ الكاثوليكية: "رنج إيفل" نفسَه قد انتقد البابا بحدَّةٍ معارِضًا تصريحاتِه، ومتنصِّلاً عنها قائلاً: "إن البابا أراد هنا ارتداءَ ثوبِ البروفيسور، واعتقد أنه يستطيعُ أن يتجرَّد من منصبِ البابا ولو لمدةِ نصفِ ساعة .. وهذا لم يكن سِوى سذاجةٍ سياسية". ° بينما وَجَّهت صحيفة "لاريبوبليكا" التي تصدر في روما انتقاداتٍ حادةً للبابا الحالي بسببِ خطئِه في تصريحاتِه التي أَجْبَرَتْه على التراجع ليكونَ أولَ بابا في التاريخ يحاولُ التراجعَ بهذا الشكل عن شيءٍ قاله، مؤكدةً أن ردَّ الفعل السريعَ والواضحَ للفاتيكان وتراجعَه لتفادِي تداعياتِ

стр. 1754

الأزمةِ سببُه أيضًا الانتقاداتُ الحادةُ التي تلقَّاها من الفاتيكان نفسِه بعد أنِ انتَهت الكنيسةُ الكاثوليكيةُ إلى أن "بنديكت" قد اقتَرَف هنا خطأً واضحًا لا يُمكن إنكارُه". ° وقال المؤرِّخ المديني الفرنسي "أودون فاليت" لوكالة الأنباء الفرنسية بأن البابا الحالي أكثرُ قربًا للولاياتِ المتحدة من البابا السابق الذي عارَضَ غزوَ العراق وأفغانستان، حيث إنه لم يَقُمْ منذ تولِّيه بأيِّ إدانةٍ للسياسةِ الخارجيةِ الأمريكية. ° وقال "فاليت": "لا شك أنه يوجدُ بُعْدٌ سياسيٌّ في تصريحاتِ البابا، حتى وإن تخفَّت وراءَ فكرٍ لاهوتيٍّ واضحٍ" (١). * إِيه يا بنديكت بابا الفاتيكان: سيجيئُكَ صوتُ أبي بكرٍ ويَصيحُ بخالد قمْ واقطعْ رأسَ الشيطانْ فمحمَّدُ باقٍ ما بَقيت دنيا الرحمن وسيعلو صوتُ اللهِ ولو كرهوا في كُلِّ زمانٍ ومكانْ

стр. 1755

مقالاتٌ في الدِّفاع عن الإسلام والردِّ على بابا الفاتيكان * "لا لاعتذارِ البابا": ° قال عُلوي بن عبد القادر السَّقَّاف: "لم تكنْ مصادفةً أن يُعلنَ رئيسُ دولةِ الصليب أن الحربَ في العراق حربٌ صليبية، ثم يُهانُ المصحفُ في سُجونه في العراق وجوانتنامو، ثم يُساءُ إلى الإسلام ونبيِّ الإسلام في رسومٍ كاريكاتيرية في أكثرَ من صحيفةٍ غربية، ثم يُتَّهمُ الإسلام بالفاشية، وأخيرًا يُساءُ إلى نبيِّ الإسلام -عليه أفضلُ الصلاة والسلام- على لسانِ أكبرِ زعيمٍ للنصارى -بابا الفاتيكان-، لم يكن ذلك كلُّه مصادفةً ولا مستغرَبًا عنهم، ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨]، ولم يكن مُستغربًا أن يَغضبَ المسلمون لنبيِّهم ﷺ ، بل هذا هو الواجب عليهم، لكنَّ المستغرَبَ هو هذه الضَّجةُ الإعلاميةُ التي انخَدع بها الكثيرون وصاروا يُطالبونه بالاعتذار، ممَّا كان سببًا في إعلاءِ شأنه، ولو أنهم تَركوه لحقارته لما عَبَأَ به أحد، فما كان منه إلاَّ أنِ اتَهمهم مرةً بالغباء وأنهم لم يَفقَهوا قَولَه! ومرةً بأسفِهِ على الألم الذي سبَّبته تعليقاتُه، وها نحن -المسلمين- صباحَ مساءَ نذُمُّهم ونَذُمُّ دينَهم المحرَّفَ، ونَصِمُهم بالضلال يوميًّا في صلاتنا وخارجَها، ولم يُلقوا لنا بالاً، ولم يطلبوا منا أن نعتذر، ولو أن أكبرَ علماءٍ المسلمين قال: "إنَّ النصارى كفار، وإنَّ دينَهم محرَّف، وليس هو الدين الذي أتى به عيسى ﵊"، أَتُراهم سيأبهون به ويطالبونه بالاعتذار؟! أجزمُ أن عقلاءَهم أعقل من عقلانِّيينا الذين طاروا في العجَّة -كما تقول العامة-، ولن يطالبوه بالاعتذار؛ لأنَّ ذلك يُعلِي من شأنه، ثُمَّ ماذا لو قال لنا البابا: "أنا على استعداد أن أعتذر عن إساءتي لكم، لكن
следующие страницы →