← Сира

Сира · id 96964

وا محمداه إن شانئك هو الأبتر

سيد حسين العفاني

Полный текст (2 668 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

أفهمتَ -وما إخالُك تَفهمُ- يا حَبْرَ النصارى .. ويا رأس الفاتيكان .. يا عارَ البشرية .. ويا صورةَ الحِقدِ الصليبيِّ في أنتنِ شَكل .. وأوقَح عبارةٍ .. وأرذَلِ هيئةٍ .. وأقبح لسان؟! .. إبليسيٌّ فاق إبليس .. تَعجَّبَ إبليسُ مِن كُفره ووقاحتِه وإجرامِه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١]. * إِنهم لا يعتذرون!: عندما أساء البابا "بنديكت السادس عشر" مؤخَّرًا للعالم الإسلاميِّ أجمعَ بإهانتِه لرسولِ الله ﷺ طالَبه الجميعُ بالاعتذار، حتى بعضُ وسائل الإعلامِ الغربية التي لم يُعرَف عنها التعاطفُ مع الإسلام طالَبته بالاعتذار. ° لقد كتبت صحيفة "نيويورك تايمز" في افتتاحية عدد يوم السبت (١٦ من سبتمبر ٢٠٠٦ م) مطالبةً البابا باعتذارٍ وَصَفَتْه بأنه يجبُ أن يكونَ "عميقًا ومقنعًا"، وعَقَّبت قائلةً في نفسِ الافتتاحية: "إن العالَمَ يستمعُ باهتمامٍ لكلمات أيِّ بابا .. وإنه من الخطيرِ والمؤلم أن يَنشُرَ أحدٌ ما الأَلَمَ سواءٌ عامدًا أو غيرَ مكترثٍ .. إن البابا بحاجةٍ إلى أن يُقدِّم اعتذارًا عميقًا ومقنعًا ليبيِّنَ أن الكلماتِ يُمكنُ أيضًا أن تَشفي الجراح" .. فهل اعتذر البابا؟. ° نقلت قناة (BCC) عَبرَ موقعِها الإلكترونيِّ البيانَ الذي أصدره البابا "بنديكت السادس عشر"، والذي يقولُ فيه -بالحرف الواحد-: "إن البابا المقدَّس "آسِفٌ جدًّا" أن بعضَ فقراتِ خطابِه قد بَدَت وكأنها تهاجمُ مشاعرَ المسلمين"، وأعقَبَ قائلاً: "إنه يحترمُ الإسلام، ويأملُ أن يتفهَّم المسلمون المعنى الحقيقيَّ لكلماته".

стр. 1752

لم يَعتذِرِ البابا، وإنما اتَّهَمَنا نحن بقِلَّةِ الفَهم، بل ويطالبُنا أن نَقبَلَ ما قال، وذَكَر أنه يَحترمَ الإسلام، ولكنه في المقابل لم يذكرْ نبيَّ الإسلام، أو يَعتذرْ عما قاله في حقِّه ﷺ ، بل تعمَّد تجاهُلَ إهانتِه للنبي بكلماتِه الجارحةِ على مَسمعٍ من العالم أجمعَ، فأين هو الاعتذار؟!. إن البابا يقول إنه "آسف جدًّا" أن عباراته بَدَت وكأنها هجومية، ولكنه لم يَعتذرْ عن هذه العبارات، أو يَشرحْ لنا كيف يمكنُ ألاَّ تكون هجوميةً .. هو فقط "آسف جدًّا" لِمَا حَدَث .. فأين الاعتذار؟! ومَن قال: إننا -في هذا المقام- نهتمُّ لمشاعره، أو نُعِيرُها أدنى اهتمام؟ إن البابا يستخدم حِيَلَ الإعلام المعروفة في التهرُّب من مواجهةِ النفس، أو مواجهةِ مَن أساء إليهم بطُرقٍ إعلاميةٍ ملتويةٍ وعباراتٍ فَضفاضةٍ، ولا يَليقُ برجل دينٍ في مكانتِه وقدْرِه لمن يَعتنِقون دينَه أن يفعلَ ذلك، إنْ كان قد أخطأَ في وصفِ نبيِّ الأمة الإسلامية بأنه لا يأتِ إلاَّ بالشرِّ، فلماذا لم يَعتذِرْ عن ذلك بوضوح؟ إنه يعالج الإهانةَ الأولى التي جَرحت كرامةَ كلِّ مسلمٍ بإهانةٍ ثانيةٍ تَفترضُ في كلِّ المسلمين الغباءَ أيضًا!. إنَّ هذا الأمرَ متكرِّرٌ في المواقفِ الغربيةِ تُجاهَ العالَم الإسلامي، فبعد أزمةِ الرسوم المسيئة عن نبيِّ الإسلام، ومطالَبةِ الجميعِ لرئيس الوزراء الدانمركي بالاعتذارِ باسم الحكومة الدانمركية على الإصرار على تصعيد الأزمة، حاوَرَ رئيسُ تحرير صحيفة "الأهرام ويكلي Al Ahram weekly" المصرية التي تَصدرُ باللغة الإنجليزية رئيسَ الوزراء الدانمركي، وحثَّه على الاعتذارِ لإنهاء الأزمة، فما كان من رئيسِ الوزراء إلا أن رد قائلاً: "يُسعدني

стр. 1753

أن أقدم هذا التصريحَ بشكل مكتوبٍ إلى قُرائكم، ولكنك تدرك بلا شكٍّ أنه لا الحكومةُ ولا شعبُ الدانمرك يمكنُ اعتبارُهم مسؤولين عما تمَّ نشرُه" (١). * وعاب عليه بنو جِلدته: أنكرت أكثرُ الصحفِ الأوربيَّة كلامَ البابا، وانتقدوه وعابوا عليه: ° "ففي هولندا رأت صحيفة "دي فولكسكرانت" أن ما فَعله البابا ليس سوى نوعٍ من الاستفزاز لمشاعرِ المسلمين، ولا يمكنه سوى أن يَلومَ نفَسه وحدَها بشكلٍ أساسي". ° وكَتَبت صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية تقول: "إنَّ هذا البابا البالغَ من العمر ٧٨ عامًا يرتكبُ هفواتٍ متتاليةً منذ تعيينه، وستُشكَّلُ لدينا في نهايةِ المطاف قناعة بأنها ليست عَرَضِيَّةً، بل تكشفُ عن فِكرِه الدَّفين". ° بل إن رئيسَ وكالةِ الأنباءِ الكاثوليكية: "رنج إيفل" نفسَه قد انتقد البابا بحدَّةٍ معارِضًا تصريحاتِه، ومتنصِّلاً عنها قائلاً: "إن البابا أراد هنا ارتداءَ ثوبِ البروفيسور، واعتقد أنه يستطيعُ أن يتجرَّد من منصبِ البابا ولو لمدةِ نصفِ ساعة .. وهذا لم يكن سِوى سذاجةٍ سياسية". ° بينما وَجَّهت صحيفة "لاريبوبليكا" التي تصدر في روما انتقاداتٍ حادةً للبابا الحالي بسببِ خطئِه في تصريحاتِه التي أَجْبَرَتْه على التراجع ليكونَ أولَ بابا في التاريخ يحاولُ التراجعَ بهذا الشكل عن شيءٍ قاله، مؤكدةً أن ردَّ الفعل السريعَ والواضحَ للفاتيكان وتراجعَه لتفادِي تداعياتِ

стр. 1754

الأزمةِ سببُه أيضًا الانتقاداتُ الحادةُ التي تلقَّاها من الفاتيكان نفسِه بعد أنِ انتَهت الكنيسةُ الكاثوليكيةُ إلى أن "بنديكت" قد اقتَرَف هنا خطأً واضحًا لا يُمكن إنكارُه". ° وقال المؤرِّخ المديني الفرنسي "أودون فاليت" لوكالة الأنباء الفرنسية بأن البابا الحالي أكثرُ قربًا للولاياتِ المتحدة من البابا السابق الذي عارَضَ غزوَ العراق وأفغانستان، حيث إنه لم يَقُمْ منذ تولِّيه بأيِّ إدانةٍ للسياسةِ الخارجيةِ الأمريكية. ° وقال "فاليت": "لا شك أنه يوجدُ بُعْدٌ سياسيٌّ في تصريحاتِ البابا، حتى وإن تخفَّت وراءَ فكرٍ لاهوتيٍّ واضحٍ" (١). * إِيه يا بنديكت بابا الفاتيكان: سيجيئُكَ صوتُ أبي بكرٍ ويَصيحُ بخالد قمْ واقطعْ رأسَ الشيطانْ فمحمَّدُ باقٍ ما بَقيت دنيا الرحمن وسيعلو صوتُ اللهِ ولو كرهوا في كُلِّ زمانٍ ومكانْ

стр. 1755

مقالاتٌ في الدِّفاع عن الإسلام والردِّ على بابا الفاتيكان * "لا لاعتذارِ البابا": ° قال عُلوي بن عبد القادر السَّقَّاف: "لم تكنْ مصادفةً أن يُعلنَ رئيسُ دولةِ الصليب أن الحربَ في العراق حربٌ صليبية، ثم يُهانُ المصحفُ في سُجونه في العراق وجوانتنامو، ثم يُساءُ إلى الإسلام ونبيِّ الإسلام في رسومٍ كاريكاتيرية في أكثرَ من صحيفةٍ غربية، ثم يُتَّهمُ الإسلام بالفاشية، وأخيرًا يُساءُ إلى نبيِّ الإسلام -عليه أفضلُ الصلاة والسلام- على لسانِ أكبرِ زعيمٍ للنصارى -بابا الفاتيكان-، لم يكن ذلك كلُّه مصادفةً ولا مستغرَبًا عنهم، ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨]، ولم يكن مُستغربًا أن يَغضبَ المسلمون لنبيِّهم ﷺ ، بل هذا هو الواجب عليهم، لكنَّ المستغرَبَ هو هذه الضَّجةُ الإعلاميةُ التي انخَدع بها الكثيرون وصاروا يُطالبونه بالاعتذار، ممَّا كان سببًا في إعلاءِ شأنه، ولو أنهم تَركوه لحقارته لما عَبَأَ به أحد، فما كان منه إلاَّ أنِ اتَهمهم مرةً بالغباء وأنهم لم يَفقَهوا قَولَه! ومرةً بأسفِهِ على الألم الذي سبَّبته تعليقاتُه، وها نحن -المسلمين- صباحَ مساءَ نذُمُّهم ونَذُمُّ دينَهم المحرَّفَ، ونَصِمُهم بالضلال يوميًّا في صلاتنا وخارجَها، ولم يُلقوا لنا بالاً، ولم يطلبوا منا أن نعتذر، ولو أن أكبرَ علماءٍ المسلمين قال: "إنَّ النصارى كفار، وإنَّ دينَهم محرَّف، وليس هو الدين الذي أتى به عيسى ﵊"، أَتُراهم سيأبهون به ويطالبونه بالاعتذار؟! أجزمُ أن عقلاءَهم أعقل من عقلانِّيينا الذين طاروا في العجَّة -كما تقول العامة-، ولن يطالبوه بالاعتذار؛ لأنَّ ذلك يُعلِي من شأنه، ثُمَّ ماذا لو قال لنا البابا: "أنا على استعداد أن أعتذر عن إساءتي لكم، لكن

стр. 1756

بشرطِ أن تعتذروا أنتم أيضًا عن إساءتكم لنا بوَصمِنا بالكفر والضلال في كتابكم وعلى ألسِنةِ علمائكم"؟! .. أكنَّا فاعلين؟!. ومرةً أخرى أقول: إنَّ غَضبَ المسلمين أمرٌ واجبٌ عليهم، وغيرُ مستغرَبٍ، لكنَّ المستغربَ أن يطالِبَ بذلك مَن يستنكرون اليومَ عليه، وغدًا يجلسون معه على طاولةِ الحِوارِ لتقريبِ الأديان، هؤلاء هم الذين جَرَّؤُوه!. - جرَّأه الذين لا يُكفِّرونهم، ويزعمون أنهمِ أهلُ كتابٍ مؤمنون، واللهُ كَفَّرهم مِن فوق سبع سماوات: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾. - جَرَّأه مَن عدَّ النصارى إخوانًا لنا في الإنسانية، في حين يَتَّهمُ باباهم نبيَّنا -عليه أفضل الصلاة والسلام- باللاإنسانية. - جرأَة مَن أبلى بلاءً سيئًا في رَفعِ المقاطعةِ عن دولةِ الدانمرك التي سَبَقَتْه في الإساءة إلى النبي ﷺ ، وليس ببعيدٍ أن يأتيَ مَن يَقبلُ اعتذارَه الأخيرَ كما قَبِل البعضُ اعتذارَ الصحيفةِ الآثمةِ صاحبةِ الكاريكاتير. - جرَّأه الذين ما زالوا يَدْعُون إلى التسامحِ والتعايُشِ والحِوارِ مع الآخَرِ، والآخرُ هذا يَشتُمُهم ويَشتُمُ نبيَّهم ﷺ . هذا وغيرُه هو الذي جرَّأ هذا الكافرَ وأمثالَه على الإساءةِ للإسلام ونبيِّ الإسلام ﷺ . وإنَّ مِن المزالِقِ الخطيرةِ التي وَقع فيها بعضُ الذين طالَبوا البابا بالاعتذار ونُشرت في وسائل الإعلام: قبولَ بَعضِهم اعتذارَه الممجوجَ، ونسي هؤلاء -وربَّما جَهِلوا- أنه لو اعتذر بأصرح عبارةٍ ممكنٍ أن يعتذرَ منها مخطيءٌ، لما قُبل اعتذارُه؛ لأنَّ هذا حقُّ للنبي ﷺ -ليس لأحدٍ غيره-،

стр. 1757

أرأيتَ لو أنَّ رجلاً شَتَم جارَك، ثم جاء ليعتذرَ إليك، هل من حقِّك أن تقبلَ عُذرَه؟ أم تقول له: هذا جاري دونَك، فاعتذرْ منه؟ فحقُّ رسولِ الله ﷺ أجلُّ وأعظم. ومِن هذه المزالق دعوى بعضِهم أن الجهادَ في الإسلام للدفاع عن النفس، لِيدفعَ تهمةَ انتشارِ الإسلام بالسيف، ونَسِي أن التاريخَ الإسلاميَّ مَلِيءٌ بالفتوحات الإسلامية. فهؤلاء وأولئك هم الذين جرَّؤه، وسيُجَرِّؤن غيرَه على الإساءةِ للإسلام ونبيِّ الإسلام. ° ولهؤلاء أقول: إنْ كان الدفاعُ عن النبي ﷺ يتطلَّبُ منكم كلَّ ذلك، فلا حاجة إليه، واللهُ حافظٌ دينَه وكافٍ نبيَّه ﷺ ، ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ ". اهـ. * "لا تطالبِوا البابا بالاعتذار": ° قال د. محمد بن إبراهيم السعيدي، رئيس قسم الدراسات الإسلامية بكليَّة المعلِّمين بمكةَ: "ضَجَّ العالَمُ الإسلاميُّ -كما ينبغي له- جَرَّاءَ افتراءاتِ البابا من حينِ تَلقَّتها عنه وسائلُ الإعلام، ووقَف المفكِّرون الإسلاميون -كما ينبغي لهم أن يَقفِوا- حيالَ مِثل هذه الافتراءات، وأدَّت الحكوماتُ الإسلاميةُ بعضَ ما ينبغي عليها في مِثل هذه المواقف. إلاَّ أننا وجدنا أبرزَ ما طُولبِ به رأسُ الكنيسة الكاثوليكية من أكثرِ القياداتِ الفكريةِ في العالَم الإسلامي وأكبرِها: أن يَعتذرَ عمَّا بَدَرَ منه، ولكنَّ أحدًا لم يقل: كيف يريدُ من البابا أن يعتذر؟.

стр. 1758

هل يكفي أن يأسفَ على إساءتِه لمشاعرِ المسلمين؟. إن كان كذلك، فلا يُسمَّى هذا اعتذارًا، لا لغةً ولا اصطلاحًا، بدليل أن المسلمين لم يَقبَلوا مِثلَ هذه الصيغةِ من دولةِ الدانمرك. أم عليه أن يُقِرَّ بخطئه، ويُصرِّح بأن ما قاله، أو نَقَله في حقِّ النبي ﷺ غيرُ صحيح؟. إنْ كان هذا هو المراد، فقد كلَّفناه ما لا يستطيعُ عوامُّ النصارى أن يقوموا به، فكيف برئيسِ كُهَّانِ العالم؟. وكيف نُطالِبُه بهذا الاعتذار، ونحن نعلمُ أن دينَ النصارى لا يتمُ إلاَّ مع الإيمانِ بما هو أعظمُ مما قاله البابا، وهو أن محمدًا ﷺ كاذبٌ، وحاشاه ذلك -فداه أبي وأمي-. كما أن مطالَبته بالاعتذارِ تعني أننا على استعدادٍ أن نَعتذرَ إذا قلنا في دينِ النصارى بمِثل ما قاله البابا في الإسلام!. ولْنَتصورْ أن يطالِبَ النصارى أئمةَ الحَرَمِ المكيِّ بالاعتذار إذا قرؤوا سورةَ الفاتحة في صلاتِهم التي تُنقَلُ عَبرَ وسائل الإعلام إلى جميع أنحاء العالم. لِنتصورْ أن يطالِبَنا النصارى بحَذفِ الآياتِ المسيئةِ للديانةِ النصرانيةِ من القرآن الكريم الذي تُوزَّعُّ طبعاتُه وترجماتُه من المملكةِ العربيةِ السعودية إلى جميع أنحاء العالم، ومِن بينها بالطبع دولُ النصارى، أو على الأقل أن نحذفَ تلك الآياتِ من الطبعاتِ التي تُوزع في أوروبا .. هل نتصور ذلك؟!.

стр. 1759

* أليس في القرآن الكريم تَسفيهٌ وتكذيبٌ لِمَا عليه جميعُ النصارى في العالَم من الإيمانِ بألوهية عيسى -عليه وعلى نبينا أفضلُ الصلاة والسلام-؟ قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٢ - ٧٣]. * وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٠]. * وقال تعالى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧]. إلى غير ذلك من الآيات والأحاديثِ التي تتحدثُ عن عقيدة النصارى بوصفِها عقيدةً مفتراةً، ووَصْفِ أهلِها بالكفر، وتوعُّدِهم بالنار، فهل بوُسعِنا أن نستجيب لأيِّ مُطالَبةٍ لنا بالاعتذار حين نقولُ هذا القولَ الذي لا نَرى لِمَن يخالفُه حظًّا من الإسلام؟!. إنني -وكلَّ مسلمٍ غَيُورٍ محبٍّ لله ورسوله- نفرحُ بهذه الانتفاضةِ الإسلاميةِ التي تَجتاحُ العالَمَ الإسلاميَّ كلَّما أسيءَ إلى الإسلام ونبيِّه الكريم، وتتجاوبُ معها الحكوماتُ بشكل إيجابيٍّ -ولله الحمد والمِنَّة-،

стр. 1760

ولكنني أدعو إلى تجنُبِ التورُّط بالمطالبة بالاعتذارِ لأمرين: أحدهما: أن هذا لا يمكنُ أن يكونَ، وإذا أردتَ أن تُطاعَ فاطلُبْ ما يُستطاع، وإذا أردتَ أن يذهبَ جَهدُكَ عبثًا، فاطلب ما لا يُستطاع. الأمر الآخر: أن المطالبةَ بالاعتذار حُفرةٌ خَطِرةٌ، نأملُ من مفكِّرينا تجنُّبها؛ لأنها تؤدِّي حتمًا إلى تسويغ مطالبتِهم إيانا بمثلِ ذلك إذا قلنا عن النصارى: "إنهم مشركون، وإن ما يؤمنون به هو ديانةٌ محرفةٌ أنتجها لهم "بولس" الذي يتربَّعُ البابا على كرسيه، ونحن نعتقد أنه -أي: بولس- كذابٌ أَشِر!! ". والمعلومُ أن الدعوةَ إلى الإسلام بين النصارى لا يمكنُ أن تتمَّ إلاَّ بمناقشةِ تلك الأمورِ التي يُعِدُّها النصارى من مسلَّماتهم، ونُعِدُّها نحن من مكذوباتهم. هل يَسُرُّ أحدًا من هؤلاء الذين يُطالبون البابا بالاعتذار أن تقومَ حكوماتُ الدُّولِ النصرانية بمَنع المسلمين في مساجدهم من قِراءةِ الفاتحة وسورةِ الإخلاص، بحُجَّةِ أنها تسيءُ إلى مشاعِرِ المسيحيين؟!. وأكثرُ ما ساءني وآلَمَني في هذه الحَملةِ ضد البابا: وقوعُ عددٍ من علماءِ المسلمين في مأزقٍ خطيرٍ، حين أصدروا بيانًا ذَكروا فيه أن الجهادَ في الإسلام إنما شُرع للدفاع عن النفس!!. وهذا إنْ دل على شيءٍ فإنما يدل على نجاح هذه الحَمْلة، ولكنْ لصالح البابا وأعداءِ الإسلام الذين اضْطَرُّوا علماءَ المسلمين إلى الوقوفِ موقفًا انهزاميًّا أدَّى بهم إلى الافتراءِ على الإسلامِ بأعظمَ مِن فِريةِ البابا عليه،

стр. 1761

وذلك بإنكارِهم مشروعيةَ "جهادِ الطلب"، الأمرُ الذي يَلزمُ منه القولُ بأن جميعَ الفتوحاتِ الإسلاميةِ كانت حروبًا غيرَ شرعية، واستعمارًا إِمبراطوريًّا لا علاقةَ له بالإسلام؛ لأنَّه لم يكنْ بحالٍ من الأحوال -دفاعًا عن النفس، وهذا القولُ هو عينُ قولِ البابا، بل هو قولٌ أخطرُ مِن قول البابا بصفةِ أن قائلَه مجموعةٌ من علماء المسلمين. وأخيرًا أدعو مفكِّرينا إلى أن يكونوا موجِّهين لمِثلِ هذه الانتفاضات الشَّعبية، ومؤثِّرين فيها، لا أن يكونوا -كما عليه كثيرٌ منهم الآن- متأثِّرين ومُنساقين، وينحصرُ دورُهم في الإعلانِ عن هذه المشاعِرِ دون توجيهها" (١). * "وإِذا لم يَعتَذِرِ البابا .. فكان ماذا؟ ": ° قال د. لطف الله بن ملا عبد العظيم خوجه: "سؤالٌ مشروع .. لَمَّا صَدَر عن البابا اتهامُ المسلمين والإسلام بأنه "شريرٌ، وغيرُ إنساني، وغيرُ عقلاني"، طالَبه جَمعٌ كبيرٌ من الشخصياتِ والمنظماتِ الإسلامية بالاعتذار العَلَنيِّ الصريحِ، وأَلَحُّوا في ذلك جدًّا، وأكَّدوا، وأصرُّوا، ولم يَقبَلوا تصريحَه الثاني ولا الثالثَ، الذي تضمَّن أسفًا على سُوءِ فَهمِ كلامه؛ إذ لم يكنْ سوى أسفٍ وليس اعتذارًا. وتفاعَلَ كثيرٌ من المسلمين غَيرةً على دينهم مع هذه المطالبة، وقد كانت حالةً تجسَّدت فيها المعاني الإيمانيةُ والغَيرةُ والاعتزازُ بالانتماء إلى الإسلام.

стр. 1762

غيرَ أنه وَسَطَ هذه المَوجةِ من الغضب لم يسألْ أحدٌ: ما المقصودُ والغايةُ من اعتذارِ البابا؟. وإذا لم يعتذر -كما هو الحال- فكان ماذا؟. هل سيتضرَّرُ الإسلام والمسلمون من ذلك؟. وإذا اعتذر هل سيكون ذلك خيرًا للإسلام والمسلمين؟. ° الأحداث: في محاضرةٍ له في جامعة "جنيسبرج" بولاية "بفاريا" الألمانية، في ١٢/ ١١/ ٢٠٠٦ م، والتي كانت بعنوان: "العقل والإيمان"، أورد البابا حوارًا جَرى بين الإمبراطور "مانويل الثاني" (١٣٥٠ - ١٤٢٥) ومثقَّف فارسيٍّ قال فيه: "أرني شيئًا جديدًا جاء به محمد، فلن تجِدَ إلاَّ ما هو شريرٌ ولا إنساني، مِثلَ أمرِه بنَشرِ الدين -الذي كان يُبَشِّرُ به- بحدِّ السيف". ° وفي المحاضرة أكَّد البابا على: - رسوخ العنفِ في بِنيةِ الدينِ الإسلاميِّ، من خلال إفادته بأن آيةَ البقرة: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، إنما نَزلت في بدايةِ الدعوة، حين لم يكن لمحمدٍ ﷺ قوة ولا مَنَعةٌ. - أن الإسلامَ يخلُو من العقل، واستَدلَّ عليه بأن مشيئةَ الربِّ في العقيدة الإسلامية وإرادتَه ليست مرتبطةً بمقولاتنا، ولا حتى بالعقل، وأنَّ ابنَ حزمٍ ذهب في تفسيره إلى حدِّ القولِ بأن اللهَ ليس لزامًا عليه أن يتمسَّكَ حتى بكلمته، ولا شيءَ يلزمُه أن يُطلِعَنا على الحقيقة. وحينما عَرَّج على المسيحية سَبَغها بكل ما جَرَّد الإسلامَ منه: بالسماحة والعقلانية، واستَدلَّ عليه بأولِ نصٍّ في الكتاب المقدس، في

стр. 1763

"سِفْر التكوين": "في البَدءِ كانت الكلمة"، فالربُّ يتحاورُ بالكلمة، والكلمةُ هي عقلٌ وكلمةٌ في نفس الوقت. في نهاية كلمتِه دعا إلى المحاورةِ بين الحضاراتِ بالعقل والإيمان وبالكلمة؛ ليكونَ موافقًا لطبيعةِ الربِّ. ويُلاحَظ في كلمته هذا: محاولةُ الاستئثارِ المسيحيِّ بالربِّ والعقل والتسامح معًا، وتجريدِ الإسلام منها، فالمسيحيةُ هي التي تعملُ وِفقَ إرادة وطبيعةِ الرب، ووفقَ العقل، والإسلامُ يعملُ مُعارِضًا لطبيعةِ وإرادةِ الربِّ والعقل؛ لكونِه يتَّخذُ العنفَ والسيفَ طريقًا للإقناع، ولأنه يُلَصِقُ بالربِّ الاستعلاءَ المطلَقَ، والمشيئةَ المطلَقةَ، التي لا تتغيَّرُ ولا تتبدلُ، ولا ترتبطُ بمقولاتِنا ولا العقل .. ؟!!. ° إثرَ هذه المحاضرةِ انطلقت ردودُ الفعل -المعتادة!! - من المسلمين، تمثَّلت في التعبيراتِ التالية: - غضبٌ إسلاميٌّ عبَّرت عنه: دولٌ، ومنظَّمات، وشخصياتٌ، ومظاهَراتٌ جماهيرية. - استنكارُ جهاتٍ إسلاميةٍ ونصرانيةٍ شرقيةٍ -خصوصًا- من هذا التصريح. - مطالبةٌ بالاعتذارِ العَلَنيِّ الصريح، وطَلبُ توضيحِ موقف البابا من الإسلام. - أن التصريح كان في سِياقِ تبريرِ الحَمْلاتِ الصليبيةِ الأخيرة على بلادِ الإسلام.

стр. 1764

- الردُّ على الادعاءِ البابَويِّ حولَ العنفِ واللاعقلانيةِ المنسوبةِ إلى الإسلام، وذلك من طريق: ا- نفي "جهادِ الطلب" وقَصْرِه على "جهادِ الدفع" (١). ٢ - رَسم عقلانيةِ الإسلام من خلالِ موقفِ الأشعريةِ في رَفضِ إيمانِ المُقلِّد، وإيجابِ النظر، وموقفِ العتزلةِ في إيجابِ الأصلح على الله تعالى (٢). ٣ - بيانِ تسامحِ الإسلام مع الديانات بعدَ الفتح الإسلامي. ٤ - فضحِ السلوكِ المسيحيِّ في العالم؛ احتلالاً، ونهبًا، وتقتيلاً، واضطهادًا. وقد كان الصوتُ الأعلى هو صوتُ المطالِب بالاعتذار، الحاثِّ على غَضْبَةٍ إسلاميةٍ كبرى، ومحاولةِ دفع التهمةِ عن الإسلامِ والمسلمين، والذين قاموا بالردِّ بالمِثل -أي ببيانِ فضائحِ الاعتقادِ والسلوكِ النصرانيِّ في العالم- كانوا قليلين، وليست لهم من الشهرةِ كالتي للذِين اكتَفَوا بطَلَبِ الاعتذار، دونَ نقدٍ للمسيحية عقيدةً أو تاريخًا!!. ° الاعتذار؟: نعودُ إلى السؤال المشروع، فنقول: يُطلَبُ الاعتذارُ في العادةِ من المخطيء بقصد الحدِّ من الآثارِ السلبيةِ التي تَنجُمُ عن الخطأ مِن ردِّ فِعلٍ غيرِ ملائم، يُضِرُّ بالجانبين: المخطئ والمخطئ عليه.

стр. 1765

فالاعتذارُ يَنزعُ فَتيلَ أزمةٍ تكادُ أن تقعَ بسببِ ذلك الخطأ. والأزمةُ ورَدُّ الفعل يقعُ من شعورِ المخطئِ عليه بالإهانةِ التي لَحِقت به، فيسعى في ردِّ الاعتبار وإزالةِ التشويه، وذلك بتقريرِ المخطىِء بخطئه، أو بطريقٍ آخَرَ هو الردُّ بالمِثل، فإنْ لم يَنْجَحْ لَجَأَ إلى التصادم ورَدِّ الاعتبار بالقوة، ومِن هنا تتدخَّلُ أطرافٌ أخرى لِمَنع مثل هذا التصادم. وفي حالةِ تصريح البابا، فإنه تسَّببَ في الطعنِ في الإسلام والمسلمين، وتشويهِ الصورة، وفَتْح بابٍ -مفتوح أصلاً- للتصادمِ بين الإسلام والمسيحية، أو المسلمين والمسيحيين. وهنا نفهمُ لِمَ تصدَّتْ كلُّ هذه القوى الإسلامية للرد؟ إنهم يقصدون: رَدَّ الاعتبار، وإزالةَ التشويهِ الذي لَحِقَ بالإسلام والمسلمين، ومَنْعَ التصادمِ بين الحضارةِ الإسلاميةِ والمسيحية، ولأجلها طالبوا بالاعتذار، فكان الاعتذارُ وسيلتَهم الوحيدة -تقريبًا- في تحصيلِ هذه المقاصد. لكنْ ألَمْ يكن ثَمَّةَ وسيلةٌ أخرى لتحصيل هذه المقاصد؟!. وبصورةٍ أخرى: هل كانت وسيلةُ الاعتذار هي الوسيلةُ المثلى، التي لا تَحمِلُ معها اْيَّةَ آثارٍ سلبية؟. في هذا التساؤل إثارةٌ لمسألةِ سلبيةِ الاعتذار، أو لِنَقل المُحتوى الآخَرِ للاعتذار غيرَ ما ذُكر، فإن للاعتذار وجهًا آخَرَ غيرَ تلك التي ذُكِرَتْ في المقاصد، أُغفِلت، فلم يذكرْها إلاَّ القليل، وهي: - أن على الطرفَينِ ألاَّ يبادرَا بأيِّ فعل فيه نقدٌ وطعنٌ تُجاهَ الآخر، وهكذا يستطيعُ كلُّ طَرَفٍ أن يُحاجَّ الآخَرَ، إن هو بادَرَ بنَقدٍ أو طعن، بأنه

стр. 1766

خَرَج عن القاعدةِ والأصل، وعليه أن يَعتذر. وفي حالةِ تصريح البابا، فإن مطالَبَته بالاعتذارِ يحتوي ضِمنًا التعهُّدَ بعدمِ الطعنِ والنقدِ في المسيحية، فلا يَنتقدُ المسلمون النصرانية، ولا يتكلمون في بطلانها، وتحريفِ كتابها، ومصادمتِها للمعقول. مع أن هذا النقدَ أمرٌ من صميم دينِ الإسلام، وصميمٍ الواجباتِ على المسلمين، لبيانِ الحق، والدعوةِ إليه، ودَحضِ الباطل المُبين، وعليه دَرَجَ العلماءُ حينما ألَّفوا في بطلانِ النصرانية، كابنِ حزمٍ، وابنِ تيمية، وابنِ القيم، ومِن المعاصرين: رحمت الله الهندي، وأبو زهرة. فهذا هو الأساسُ الذي بُنيت عليه فِكرةُ الاعتذار، سكوتُ كلِّ طرفٍ عن الآخر، من مبدأِ التساوي، وبه يمكنُ للمسيحيين أن يكفُّوا، وأن يطالِبوا المسلمين بالمِثل، لكنْ إذا كان نهجُ الإسلام هو الردَّ ونقضَ النصرانية، واتهامَها بمخالفةِ المعقولِ والمنقول، فإن ذلك يُضعِفُ موقفَ المطالبين بالاعتذار، فهل كان هؤلاء مُدرِكين لمثلِ هذه النتيجة؟ أم أنهم مُستعدُّون للكفِّ عن نَقدِ النصرانية؟. إن كانوا غيرَ مُدرِكين، فعليهم أن يُدركوا. وإن كانوا مُدرِكين، وهم مستعدُّون للكفِّ وعدمِ الخوض في بطلانِ النصرانية، فتلك هي الداهية!!. ويُسأل عن سببها: هل هو إيمانٌ بفِكرةِ "وحدةِ الأديان"، أم شعورٌ بالضعف؟. أما وحدةُ الأديان، فنُبِّرؤُهم منها، ونُعيذهم، لكنا ذكَّرنا بها؛ لأن موقفَهم يَنسجمُ تمامًا مع فكرةِ "وحدة الأديان"، التي تقومُ على اعتبارِ صحَّةِ

стр. 1767

جميع الأديان، وتساويها، ومِن ثَمَّ فلا وجهَ لِنَقدٍ أو طعنٍ يُوجَّه تُجاهَ إحداها. لكنه شعورٌ بالضعف -يبدُو- يَحملُ على السكوتِ أمامَ عدوٍّ نصرانيٍّ كبير، يَحملُ معه كلَّ أدواتِ التدمير، ويَتحكَّمُ في مصيرِ ملايينِ المسلمين، محاولةً للإبقاءِ على المسلمين، نظرًا إلى عدمِ تكافؤِ القُوى، وهذا هدفٌ نبيلٌ لا شك، غيرَ أن المتابعةَ للأحداثِ تدلُّ على أن هذه الطريقةَ غيرُ نافعةٍ في تحصيل الهدف، بل ضارَّةٌ، فإنَّ على أهل الحقِّ بيانَ الحق، وإنْ عُذِروا حينًا، فلا يعذَرون كلَّ حينٍ في السكوت على الباطل. ومُداراةُ المسيحيين ومحاباتُهم- طلبًا للسلامة وكفِّ شرورهم-، بهذه الطريقة لم تنجح، بل زادت شرَّهم، فمنذ عقودٍ وبعضُ المسلمين في محاولةٍ لِمَدِّ جُسورِ التواصُل والتقارُبِ والحوارِ والتعايُشِ .. إلخ .. ولو بالسكوت عن نقدِ المسيحية، ودعوةِ المسيحيين للإسلام، لكنْ لم يَظهرْ في الأفقِ المسيحيِّ سوى العُدوانِ الصريحِ، فهم الذين احتلُّوا: أفغانستان، والعراق، والشيشان، ودمَّروا البوسنة، وكوسوفا، ولبنان، وهم الداعِمون لإسرائيل، وقد عَبَّروا عن صليبيتهم في كلمة الرئيس الأمريكي "جورج بوش الابن" الأخيرة: "إنها حربٌ صليبية"، وموقفُهم من الرسومات المسيئةِ للنبيِّ واضح، فدولٌ أوربيةٌ كثيرةٌ حَذَتْ حَذوَ الدنمارك، آخِرُها النرويج قبلَ أيام، أعادت نَشرَ الصور، ثم هذا البابا يخرج بمِثل هذه التصريحات، مع أن "الفاتيكان" هي الراعيةُ للحوار بين الحضارات!. فكلُّ ما بَذَله هؤلاء المسلمون من الحوار، والتقارب، والتعايش، والذي حَمَلهم على السكوتِ عن نَقدِ النصرانية، لم يُفِدْ بشيءٍ، بل زاد مِن

стр. 1768

هَجمتهم ضدَّ الإسلام، وصَدَق ربُّنا إذ يقول: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]. فهذا موقفٌ خاطئٌ مِن هذه المنظَّماتِ والشخصياتِ المطالِبة بالاعتذار، خطأً واقعًا، -كما تقدم-، وخطأً شرعًا، فإنَّ الشرعَ يأمرُ بقَولةِ الحق، والصَّدع بها، لا عَقْدِ تحالفاتٍ لغضِّ النظرِ عن فسادِ المعتقَدات، والسكوتِ عن بيان الحق، مهما كانت الدعاوى، مِن ضَعفٍ أو عَجْزٍ، فإنه إذا نظرنا في تاريخِ الدعوة، فإن الدينَ كان ضعيفًا، ثم ما زال يَقْوَى بالدعوةِ والبلاغ؛ ببيانِ محاسِنِ الإسلام، ومساوئِ ما سواه -ومن ذلك النصرانية-، وعلى هذا دَرَجَ القرآن. فإذا ما اتُّخذ مبدأُ السكوت بداعي الضعف، فمتى يُهدَى الناسُ إلى الإسلام، ومتى يَنتشر ويَقْوَى، وقد عُلم أن قُوَّته إنما تتحصَّلُ بالدعوةِ والبلاغ، التي تَزيدُ من أتباعِه المتمسِّكين به؟!. إن الموقفَ الصحيحَ في الردِّ على البابا -وكلِّ تصريحٍ من هذا النوع هو: الردُّ بالمِثل، وفي التاريخِ والدينِ النصرانيِّ من النقاطِ السوداءِ الكبيرةِ ما لا تُعجِزُ ناقدًا -حتى لو كان عاميًّا- ببيانِ فسادِ المُعتقَد النصرانيِّ، ومعارضتِه للعقل وللرحمة، وتأييد ذلك بالتاريخ المسيحي. "فالتثليثُ" و"الصَّلبُ"، و"الفِداءُ"، و"العَشاءُ الرباني"، عقائدُ مسيحيةٌ معارِضةٌ للعقل، كانت سببًا في رِدَّة طائفةٍ من النصارى، ورفضها للمسيحية. وتاريخُ الحروب الصليبية شاهدٌ على دَمَويةِ وعنفِ وإرهابِ

стр. 1769

المسيحيين، منذ أيام الحاكم الروماني "قسطنطين"، و"نيرون"، واضطهاد الكاثوليك -حِزب البابا- للأرثوذكس في مصرَ وغيرها، والآريوسيين .. وما حَدَث في حقِّهم من مجازِرَ أمرٌ لا يخفى. - كما أن محاكمَ التفتيش في أسبانيا -والتي قُتل فيها مئاتُ الآلافِ من المسلمين على الهُويَّةِ الإسلاميةِ، تَركت نَدبةً سوداءَ في تاريخِ أوربا المسيحية. - ومِثلُها ما حَدَث من تطهير عِرقيٍّ في البوسنة، وتحديدًا في "سربرنتشا"، تحتَ سَمع وبصرِ -بل وعَون- "النيتو"، و"الأمم المتحدة"، و"دول أوربا"، و"أمريكا"، سُفك الدمُ الحرامُ لما يَزيدُ عن ثمانيةِ آلافِ مسلم، قُتلوا بدمٍ بارد، ودُفنوا في مقابر جماعية، هذا عَدَا إجرام أمريكا الصليبية في أفغانستان، والعراق، حيث قُتل مئات الآلاف. فبعدَ كلِّ هذا، ألاَّ يستحي البابا من اتهامِ المسلمين بالعنفِ واللاعقلانية؟!. وألم يَجِدِ الذين غَضِبوا من تصريحِه حلاًّ لرد الاعتبار سوى المطالبةِ بالاعتذار؟!. إن صفحةَ المسيحيين سوداءُ مُخزيةٌ مليئةٌ بالإجرام، كان يكفي هؤلاءِ المُخلِصين أن يُسلِّطوا الضوءَ على إحداها، بدلَ المطالبةِ بالاعتذار، الاعتذارُ يُعطيه قيمة، ويُرسَّخُ مفهومَ التساوي والسكوتِ عن بيانِ الحق فيهم، وهذه هي الداهية. كان عليهم بعدَه التعريجُ على محاسِنِ الإسلام، وصنائعِه المباركةِ في

стр. 1770

العالم وتاريخِه أجمعَ، حتى شَهِد بعَدلِه وبِرِّهِ وإحسانِه وقِسطِه المنصفون من أتباع الديانات، من كاثوليك، وأرثوذكس. إنها لفرصةٌ تاريخيةٌ لإحياءِ الدعوةِ إلى الإسلام من جديد في العالَم كلِّه، وفضَحِ الدينِ المسيحيِّ في عقيدته وتاريخِه كان من الواجب استغلالُها؛ بنشرِ المؤلَّفات الميسَّرة للذكر والفهم، بكافةِ اللغات، وبالبرامج والمحاضرات والندوات الفضائية المكثَّفة، على نِطاقٍ شاملٍ وواسع؛ لتكونَ تصريحاتُ البابا أداةَ وصولِها إلى الأسماع في الأصقاع. لكنْ وبدلاً من ذلك، اتَّجه الحلُّ إلى المطالَبة بالاعتذار، واستَنفدَ هؤلاء المُخلِصون جَهدَهم ورأيَهم وكلِمَتَهم فيه، مع تمنُّعٍ وتمتُّعٍ نصرانيٍّ بهذا الإلحاح، ثم لم يَخرجوا من البابا بشيءٍ يُذكر، ففي كلِّ مرةٍ يخرجُ فيها، يُربِّتُ على أكتافِ الغاضبين، يُهدِّئُ من رَوعهم، ويقولُ لهم كمُعلِّم: "هذه الحقيقة، فاسمعوها، ولو غضبتم .. فنحن نعمل على ترشيدكم وترقيتِكم إلى ما هو أسمى"!!. هذا هو معنى أَسَفِه من سُوءِ فَهم المسلمين كلامَه، وعدم اعتذاره. لدينا خللٌ في التعاطِي مع المخالِفين، بين مَن لا يَرى إلاَّ السيفَ معهم حلاًّ وحيدًا، وبين مَن لا يَرى سوى التقاربِ والكفِّ حتى عن بيانِ الحق فيهم، تحت ذرائعَ شتى. لكن أين مَن يقولُ لهم: نحن لا نتعدَّى عليكم، لكنَّ دينَكم باطل .. نحن لا نَظلِمُكم، لكنكم ضالُّون .. نحن نحبُّ لكم الخيرَ، فتعالَوا إلى الإسلام .. أنتم في شقاءٍ، فتعالَوا إلى الراحةِ والنعيم .. أنتم في ضِيقٍ

стр. 1771

وظُلمة .. فتعالَوا إلى السَّعَةِ والنور؟! وصَدَق الله تعالى إذا يقول: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]. اهـ. * وقفاتٌ مع اقتباساتِ بنديكت: ° قال مهران ماهر عثمان نوري: "الحمد لله رب العالمين، والصلاةُ والسلام على خيرِ المرسَلين وخاتمِ النبيين، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمعين، أمَّا بعد: فإن أُمةَ الإسلام لم تَنْسَ الجريمةَ النكراءَ التي وَقعت فيها الدنمارك، حتى فُوجئت بإساءةٍ ألمانيةٍ جديدةٍ لنبيِّنا ﷺ ولدينِ الإسلام. فقد قام أكبرُ رَمزٍ ديني كاثوليكيٍّ -وهو البابا الكاثوليكي "بنديكت السادس عشر"- بإلقاءِ محاضرةٍ يومَ الثلاثاء التاسعَ عَشَرَ من شعبان ١٤٢٧ بعنوان "العقل والإيمان" .. حيث لا عَقلَ ولا إيمان!. ° لا عَقلَ لما يلي: ١ - يعتقدون أنَّ الإلهَ يمكنُه أن يُولَدَ كما يولَدُ البشر من فَرْج المرأة!. ٢ - يقولون: "إن الأصغرَ يحوي الأكبر"، فعندهم أن رَحِمَ مريمَ -وهي ناسوت- احتوى على عيسى ﵇ وهو لاهوت-. ٣ - يعتقدون أن أعداءَ عيسى ﵇: صَلَبوه وأبُوه لم يفعلْ شيئًا. ٤ - عندهم أن عيسى صُلب حتى يُخلَّصَ اللهُ الناسَ من الخطيئة. باللهِ عليكم لو أن لوالدٍ ولدَيْنِ أذنَبَ أحدُهما فعاقب الأبُ الآخرَ، ما تقولون في هذا الوالد!!. ٥ - لو سلَّمنا بأنَّ عيسى ﵇ صُلب -ولا نُسلَّم- لكان الأجدرُ أنْ

стр. 1772

يُمتَهَنَ الصليب -رمزُ صَلبِ إلههم- لا أنْ يُكرَمَ ويُوضَعَ على الصدور. ٦ - يعقلون أن إلهًا يطارَد ويُصلَبُ ولا يَقدِرُ على دَفع السوء عن نفسه. ° وأمَّا لا إيمان، لأنه كافرٌ بعيسى ﵇، فنحن نعتقدُ أن مَن كَفَرَ برسولٍ واحدٍ، فقد كَفَر بكل المرسلين. جاء في هذه المحاضرة اقتباساتٌ اقتبسها من حوالي بين إمبراطورٍ بيزنطيٍّ وزعيمٍ فارسيٍّ في القرنِ الرابعَ عَشَرَ عندما حاصر المسلمون القسطنطينية، وأقِفُ مع اقتباسين: الأول: قول البيزنطي للفارسي: "أرِني الجديدَ الذي جاء به محمد، سوف لن تَجِدَ إلاَّ الشرَّ واللاإنسانية". الثاني: فكرةُ الجهاد تخالفُ إرادةَ الله. وكلُّ من اقتبس كلامًا وسلَّم به، فله حكمُ قائلِه. ولي حيالَ هذا الكلام وقفاتٌ، وسؤالٌ، وتنبيهٌ. أما الوقفات: ١ - أما الجديدُ الذي أقرَّ البابا أنَّه لا يُوجدُ فيما جاء به محمدٌ ﷺ ، فهذا يدل على جهلٍ مُطبَقٍ بسيرةِ هذا النبيِّ العظيم، وأُذَكِّرُه بجديدٍ واحدٍ فقط .. لقد بُعث النبي ﷺ في قومٍ كانت الحروبُ تَنشَبُ بينهم لأتفهِ الأسباب، كان القريبُ يقتلُ قريبَه على مَورِدِ الشاة، فلما بُحث النبي ﷺ اسمع إلى الجديدِ يا أيها البابا- لَمَّا بُعث كان حالُهم كما قال أنس بنُ مَالِك": قدم عبد الرحمن ابن عوفٍ، فآخَى النبي ﷺ بينهُ وبين سعدِ بن الربيع الأنصاري، وعند الأنصاري امرأتَان، فعَرَضَ عليه أن يُنَاصِفَهُ أهلَه ومالَه، فقال: بَاركَ اللهُ

стр. 1773

لك في أهلِكَ ومَالِكَ، دُلُّونِي على السُّوق". إلى هذا الحدِّ آتت الأخُوَّةُ الإيمانيةُ التي غَرَس بِذرَتَها نبيُّنا ﷺ في نفوسهم ثمارَها. ٢ - وأما الشر، فأي شرٍّ يُنسب إلى النبيِّ ﷺ ؟ أيُّ شرٍّ يُنسَبُ إلى نبي ضَمِنَ اللهُ له إجابةَ دعوةٍ، وكان بالإمكان أن يَخُصَّ بها نفسه، أو يدعو بها للمؤمنين ويُشركَ نفسه معهم .. ولكنه رسولُ الله، الرحمةُ المهداة .. عيسى ﵇ تعجَّل دعوته، وجميعُ الأنبياء تعجَّلوها، إلاَّ رسولَنا ﷺ ، تأمَّل ماذا قال .. قال: "لكل نَبيٍّ دَعْوَةُّ مُستَجَابَةٌ فتَعَجَّلَ كل نَبيٍّ دَعْوَتَهُ، وإني اخْتَبَأتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأمَتِي يَوْمَ القَيامَة، فهيَ نَائِلةٌ -إنْ شاء اللهُ- مَنْ مَاتَ مِنْ أمَّتِي لا يُشْرِكُ بالله شيئًا" (١). وإذا رَحِمْتَ فأنتَ أمٌّ أَو أبٌ … هذانِ في الدنيا هُما الرُّحَماءُ ٣ - وأمَّا قوله: "واللاإنسانية"، فأكتفي بإيرادِ حديثٍ واحدٍ لا علاقةَ له بالإنسانية! ولكنه يَدحضُ فِريةَ اللإنسانية هذه!!: عَن نافع عن عبد الله بن عمر ﵁ أن رسولَ الله ﷺ قال: "عُذِّبتِ امْرَأَةٌ في هرَّةٍ سَجَنتهَا حَتى مَاتَتْ، فَدَخَلتْ فيهَا النَّارَ، لا هي أطعَمَتْها وسَقتْهَا إذ حَبَسَتْها، ولا هِي تَرَكتهَا تأكُلُ مِنْ خَشَاش الأرْضِ". هذا في هِرَّةٍ .. فما بالُك بمَن يدخلون في إطار "الإنسانية"!!. لقد أخبَرَ النبي ﷺ أن مَن قَتل كافرًا معاهَدًا، فلا يمكنُ أن يَدخلَ الجنَّة، أمَا عَلِم المسكينُ المقتبِسُ بهذا الكلام.

стр. 1774

٤ - وأمَّا اقتباسُه الثاني الذي أقره "فكرة الجهاد تخالِفُ إرادة الله" .. فأقول: نعم يا "بيندكت"، ما فَعَله الصِّربُ في البوسنة يوافقُ إرداةَ الله؟ اغتصابُ الروس لأخواتنا في الشيشان يوافقُ إرادةَ الله؟ غزوُ أمريكا للعراق وجرائمُها في "أبي غريب" يوافق إرادة الله؟ قتلُهم للمدنيِّين في أفغانستان يوافق إرادة الله؟ أمَّا أن ندافعَ عن أنفسِنا، وندحرَ عدوَّنا فهذا أمرٌ يخالفُ إرادةَ الله، ثم تُحدِّثُنا عن العقل يا .. يا بابا. سؤال أطرحُه على "الحَبْر الأعظم"!! أوَ مَا قرأتَ ما قاله "رودي بارد"، الذي ينتمي إلى طائفتِك وبلدك، فهو ألمانيٌّ كاثوليكي، يقول: "كان من بين مُمثِّلي حركةِ التنوير مَن رأوا في النبيِّ العربي أدلَّةَ الله، ومُشرِّعًا حكيمًا، ورسولاً للفضيلة، وناطقًا بكلمةِ الدين" ["الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية" (ص ١٥)]. هذا قولُ عُقلائكم في بلادِكم من طائفتكم في عدوِّكم. ° وأختمُ بعزاءٍ فيه تسليةٌ لمحبِّي رسول الله ﷺ : كلمةٌ مشرقةٌ تُكتبُ بماءِ العَين على جِدارِ القلبِ، سطَّرها التاريخ للإمام السَّعدي، قال ﵀: "قال تعالى: ﴿إِنا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾: بك وبما جئت به، وهذا وَعدٌ من اللهِ لرسوله أنْ لا يضرَّه المستهزئون، وأن يَكفيَه اللهُ إياهم بما شاء من أنواع العقوبة، وقد فعل تعالى، فإنه ما تظاهَرَ أحدٌ بالاستهزاءِ برسولِ الله ﷺ وبما جاء به، إلاَّ أهلكه الله وقَتَله شر قِتلة" (١). * ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.

стр. 1775

﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ ° الحمدُ لله، والصلاة والسلامُ على رسول الله محمد، وعلى آله وصحابته ومن والاه، أما بعد: فإن كتابَ الله -تعالى- فيه خَبَرُ ما قبلنا، ونَبَأُ ما بَعدَنا، هو الجِدُّ ليس بالهَزْل، مَن أنزله مِن نفسِه هذه المَنزلةَ نَفَعه اللهُ بما فيه، وسَعِد به في الدنيا والآخرة، وعَرَف صديقَه من عدوِّه، وتمكَّن من إفسادِ مُخطَّطات" الأعداءِ بمجردِ متابعتِه، حتى ولو لم يَعلمْ بهذه المخطَّطات، وقد أظهر اللهُ -تعالى- في كتابِه كثيرًا مما يريدُه بنا أعداؤُنا من أهلِ الكتاب، حتى لقد بَدَتِ البغضاءُ من أفواههم، لكنْ رغمَ كثرةِ هذه الظاهرة؛ فما تُخفي صدورهم أكبر. * قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨]. ثم يُعقِّبُ القرآنُ على تلك الحقيقةِ الثابتةِ في عَداوةِ أهلِ الكتاب للمسلمين: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨]. فتبيَّن أن الذين يَتبيَّنُ لهم عداوةُ الكفارِ للمسلمين هم الذين يَعقلِون، وأنَّ مَن غابت عنهم هذه الحقيقةُ فهم من ناقِصِي العقل. ° يقول ابنُ كثير -رحمه الله تعالى-: "قال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨]، أي: قد لاح على صَفَحاتِ وجوههم، وفَلَتاتِ ألسنتِهم من العداوة، مع ما هم مُشتمِلون عليه في صدورِهم من البغضاء للإسلام وأهله، ما لا يخفى مِثلُه على لبيبٍ

стр. 1776

عاقل؛ لهذا قال: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨] (١). ° وقال القرطبي: "قوله تعالى: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾، إخبارٌ وإعلامٌ بأنهم يُبطِنون من البغضاءِ أكثرَ ممَّا يُظهِرون بأفواههم". وقد ظَهرت في هذه الأيام مِن بعضِ المسلمين اتجاهاتٌ تحاولُ تبرئةَ الكفارِ أعداءِ الله ورسولهِ من كل هذه الأمور التي أثبتها القرآنُ لهم، فزَعَموا أن هذه الأحكامَ كانت في أولِ الأمرِ حين كانت العلاقةُ بين الإسلام وبين مخالِفيه متوتِّرةً، ولكنْ بعدَ استقرارِ الأوضاع عادت العلاقاتُ بين المسلمين وبين مخالفيهم من أهل الكتاب إلى مَجراها الطبيعيِّ من حيثُ التعاونِ من خلال التعدُّدية التي هم عليها، فكانت هذه الاختلافاتُ مَدعاةً للتعاون والتكامُل، وليس التناحرَ والتطاحن. فها هم يَقفِزون على كلِّ النصوصِ الشرعيةِ وكلِّ حقائقِ التاريخ، في سبيل ترويجِ هذه الفِرية، لكن اللهَ -تعالى- يأبى إلا أن يكشفَ خَطَلَهم وخَلَلَهم من خلالِ الوقائعِ التي لا يُماري في دلالتها إلاَّ الذين لا يَعقلِون. * فقال -تعالى-: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣]. فالله -تعالى- يُري الناسَ مِن الدلالاتِ والعلاماتِ التي يتبيَّنُ بها أن ما أخبَرَ به -سبحانه- حقٌّ وصدقٌ لا يَتخلَّف؛ لأنَّه كلامُ مَنْ هو بكل شيءٍ عليم.

стр. 1777

° قال ابنُ كثير -رحمه الله تعالى-: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾، أي: سنُظهِرُ لهم دلالاتِنا وحُجَجَنا على كونِ القرآن حقًّا منزَّلاً من عند الله على رسولِه ﷺ بدلائلَ خارجيةٍ ﴿فِي الآفَاقِ﴾ من الفتوحاتِ وظهورِ الإسلام على الأقاليم وسائر الأديان" (١). ° وقد تواتر من العلاماتِ والدلالاتِ على مَدارِ التاريخ ما يُبيِّنُ أنَّ ما أخبَرَ اللهُ -تعالى- به في هذه القضيةِ هو الحق؛ فهناك الحمْلاتُ الصليبيةُ التي استمرَّت قرنَين من الزمان، حاول فيها أهلُ الكتاب النَّيلَ من الإسلام؛ لكنها -بفضل الله- اندَحَرت بعد طُولِ مواجهات، ثم جاءت فترةُ الاحتلالِ العسكريَّ تحت مسمَّى "الاستعمار"، والتي ظَلَّت ما يَقرُبُ من قرنَينِ من الزمان، ولم تتوقفْ في تلك الفترة الحَمْلاتُ التنصيريةُ على المسلمين، حتى إن جَهْدَهم في تنصيرِ المسلمين وإخراجِهم من دينِهم أكبرُ من جَهدِهم في دعوةِ الوثنيين إلى دينهم، ومع دخولِ التقنيات الحديثةِ في وسائل الاتصالِ لم تنقطعْ حَملاتُهم من خلالِ الطعنِ في الإسلام وفي رسولِ الله ﷺ فها هي القنواتُ التنصيريةُ الموجَّهةُ إلى المُستمع المسلم، ثم ها هي عملياتُ الغزوِ والاحتلالِ لبلادِ المسلمين، التي لم يَخْجَلْ مَن يقومُ بها بتسميتها باسمِها الصريح وهو "الحرب الصليبية" -وإن كان هناك مِن بنِي جِلْدَتِنا مَن يحاولُ أن يُخرجَ تلك الألفاظَ عن ظاهرها-، ثم ها هي الحملاتُ الإعلاميةُ للقَدحِ في رسولِ الله ﷺ وما خَبَرُ الصورِ القبيحةِ التي رسمتها الصحيفةُ الدانماركيةُ لرسولِ الله ﷺ خيرِ الورى، ثم تَبِعَتْها فيه كثيرٌ من صُحف

стр. 1778

النصارى في سباقٍ محموم، حتى وَصَل الأمرُ أن يَخرُجَ زعيمُ النصارى وكبيرُهم ورأسُ المشركين وعابدي الأوثانِ ليُعلِنَ ويُصرِّحَ بالقَدحِ في الإسلام وفي رسول الله ﷺ . والمسلمون في مشارِقِ الأرض ومغارِبها يؤمنون برسولِ الله ﷺ وأن ما جاء به هو الحقُّ، وأن هذه الأقوالَ الفاسدةَ التي يتقيَّؤُها كبيرُ النصارى -ومَن هم على شاكلته- لن تؤَثِّرَ في يقينهم وإيمانهم، وهم لا يحتاجون بعدُ حتى إلى جوابٍ عن تلك الشبهات. والإسلام لم يَنتشرْ بين الناس بحدِّ السيف -كما يُروِّجُ لذلك مَن يُروِّجُ له-، وإنما انتَشر بين الناس لمَا حواه من الحقِّ الذي لا تَملِكُ معه النفوسُ السوية والقلوبُ السليمةُ إلاَّ التسليمَ والإذعانَ والقبولَ به عن رضًا واختيار، وإلاَّ فلْيقلْ لنا هؤلاء: كيف آمَن أبو بكر ﵁ وغيرُه من سادات المسلمين؟ بل لِيَقُلْ لنا هؤلاء: كيف آمنَ النجاشي مَلِكُ الحبشةِ في زمنِ البعثة، قَبلَ أن يُفرَضَ الجهادُ وهو في بُقعةٍ بعيدةٍ من الأرض لا تنالُه فيها جيوشُ المسلمين ولا سيوفُهم؟ بل كيف آمَنَ عبدُ الله بنُ سلام الحَبرُ اليهوديُّ مع مَقْدَمِ رسولِ الله ﷺ إلى المدينةِ بمجردِ رؤيتهِ ومعرفتهِ بالعلاماتِ التي دَلَّ عليها كتابُهم، وغيرُ هؤلاء من كبارِ القومِ الذين دَفَعهم ما في الإسلام من براهينَ قطعيةٍ على صِدقِ الرسول ﷺ وعلى صوابِ ما جاء به إلى الإيمانِ به والدعوةِ إليه، وليكونوا من جُنوده الأوفياء؟. إن الإسلامَ لم تكن منه حربٌ واحدةٌ من أجل استعبادِ الناسِ وسَرِقَةِ خيراتهم واحتلالِ بلادهم، وإنما كان الجهادُ فيه من أجلِ إعلاءِ كلمةِ الله

стр. 1779

تعالى ولإخراجِ الناسِ من ظُلمةِ الجهالةِ إلى نورِ الحقِّ واليقين، وقد تَجشَّم المسلمون في سبيلِ هدايةِ الناسِ وإخراجِهم من الظلماتِ إلى النورِ الكثيرَ من الصِّعاب؛ فما أحسَنَ أثَرَهم على الناس، وأقبَحَ أثرَ الناس عليهم!. إن جيوشَ المسلمين -التي كانت تَخرجُ في سبيل الله- كانت تخرجُ لإخراج العِبادِ من عِبادةِ العبادِ إلى عِبادة ربِّ العباد، ومن جَورِ الأنظمةِ القائمةِ إلى عَدلِ الإسلام؛ فلم تؤمنْ بلدةٌ أو مَحِلَّةَ وكانت من المسلمين إلاَّ كان لها ما للمسلمين، وعليها ما على المسلمين دون أدنى فرقٍ، بل كان المسلمون يولُّون على أهلِ الأرض المفتوحة أمراءَهم الذين كانوا عليهم قبلَ دخولِ الإسلام، فلم يكن جهادُ المسلمين لاستعبادِ الناسِ، أو العلوِّ بالباطل عليهم، أو سرقةِ خيَراتِ بلادهم. ° أخرج البخاري في "صحيحه" أن مَيْمُونَ بن سِيَاه سأل أنس بن مالكٍ قال: "يا أبا حمزةَ، ما يُحرِّمُ دم العبدِ ومالَه؟ فقال: من شَهِد أن لا إله إلاَّ اللهُ، واستقبَلَ قِبلتَنَا، وصلَّى صلاتَنَا، وأكلَ ذَبِيحتَنَا فهو المسلمُ، له ما للمُسلم، وعليهِ ما على المُسلم". لِيَقُلْ لنا كبيرُ النصارى -ومَن سار على طريقه-: أيُّ معركةٍ قام بها أتباعُه من أجل إقامةِ حقٍّ أو دفع باطل؟ ولْيَقُلْ لنا: ما المُسوِّغُ الذي استباحت فيه النصرانيةُ قَتلَ مئاتِ الآلاف من اليابانيين بالأسلحةِ التي يَسْعَون لحرمانِ مُخالِفيهم منها؟ وما المُسوِّغُ الذي استباحت به النصرانيةُ قَتلَ الهنودِ الحُمْرِ أصحابِ البلادِ الأصليين والاستيلاء على بلادِهم وديارِهم وأراضيهم وسَلْخِهم كما تُسلَخُ الشاةُ وهم أحياء؟ بل ما المُسوِّغُ الذي استَباحت به النصرانيةُ طَرْدَ شعبِ فِلسطينَ من أرضِه وإعطاءَ دُورهم

стр. 1780

وبلادِهم لليهود ومعاونتَهم بكلِّ سبيلٍ على التمكُّنِ من الأرضِ المسروقة، حتى يَندُرَ أن يمرَّ يومٌ لا يَقتلُ اليهودُ فيه فلسطينيًّا أو جماعةً من الفلسطينين؟ بل ما المُسوِّغُ الذي استباحت به النصرانيةُ الهجومَ على البلاد الأفريقيةِ واختطافَ أهلِها منها وجَلْبَهم إلى بلادِ النصارى وبَيْعَهم في أسواق النِّخاسة كما تُباعُ الماشيةُ ليكونوا لهم عبيدًا؟. والإسلامُ كان وما زال دعوةً إلى الخيرِ والبُعدِ عن الشر. ° يقول الرسول ﷺ فيما يتكلَّمُ به عن الله تعالى-: "والشرُّ ليس إليك"، فأقوالُ ربنا وأفعالُه وما شَرَعه للناس ليس فيه شرٌّ، بل فيه الخيرُ كل الخير، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون. لكن لِيَقلْ لنا كبيرُ النصارى المُشرِكُ عابِدُ الأوثان: هل هناك شرٌّ أكثرُ مِن عقيدةٍ تزعمُ أن اللهَ -تعالى عما يقولون- قَتَل ابنَه ليُخلِّصَ الناسَ من الخطيئة؟ فأيُّ رحمةٍ أو خيرٍ فيمن يَقتُلُ ابنَه ليُخلِّصَ غيرَه من الخطايا والذنوب والآثام؟ وإذا كان إلهُهم عندهم على كل شيءٍ قديرًا؛ فما الذي أحوَجَه إلى التضحيةِ بابنه لتكفير الخطايا؟ أَلَا يَستطيعُ ربُّهمِ وإلهُهم أن يُكفِّرَ خطاياهم بغيرِ هذا الطريقِ الدَّمَويِّ الذي يدلُّ على أن دين هؤلاء قائمٌ على سَفكِ الدماءِ بالذرائع الكاذبة، وهو ما يُثبِتُه الواقعُ في تعامُلِهم مع مخالفيهم حتى مِن بني مِلَّتِهم؟. لكننا نعودُ ونقول: ما الذي جَرَّأ هذا المُشرِكَ الضالَّ عابدَ الأوثانِ على إظهارِ الطعنِ في دين الإسلام ورسولِ ربِّ العالمين؟. قد لا يكونُ مستغربًا أن يَكفُرَ أهلُ الكتابِ بالإسلام رَغمَ ما في كُتبهم من البِشارةِ برسولِ الله ﷺ ، قد لا يكونُ مستغربًا أن لا يُحبَّ أهلُ الكتابِ

стр. 1781

رسولَ الله ﷺ .. قد لا يكون مستغربًا أنْ يَكرَهَ أهلُ الكتابِ دينَ الإسلام، وأن يَحقِدوا على رسول الله ﷺ الذي أبان شِرْكَهم وضلالَهم وانغماسَهم في ظُلماتِ الجهل، والذي أخرج بالحق الأبلج -الذي جاء به مِن ربه- كثيرًا من النصارى من ديانتِهم الباطلةِ إلى دينِ الحق، والذي أزال مُلْكَهم عن كثيرٍ من البِلدان والمَمَالِكِ التي تَسلَّطوا عليها ظُلمًا وقَهْرًا، والذي ما زال حتى الآن -رغمَ ضَعفِ أتباعه- يُخرج كثيرًا من نوابغ العلماءِ منهم ومِن غيرِهم بالحق الذي احتَواه -يُخرِجُهم مِن كفرِهم وضلالِهم إلى توحيدِ اللهِ ونَفيِ الشريكِ والصاحبةِ والولدِ، الذي تُثبتُه ديانةُ النصارى. لكن لماذا تجرَّأ كبيرُ المشركين في العالَم ورأسُ عابدي الأوثان على إظهارِ ما بداخلهم من الحقدِ والغَيظِ والكُرهِ للاسلام، وكانوا من قبلُ يُخفُون كثيرًا منه؟. إنَّ ما حَدَث لم يكن زَلَّةَ لِسانِ أو سُوءَ فهم، وإنما هو عن عَمدٍ وإصرار، والذي نراه اليومَ ما هو إلاَّ جُزءً من حَربٍ يَشُنُّها النصارى في العالَم على الإسلام، يُشاركُ فيها السياسيون والفنانون والإعلاميون والقساوسةُ والرهبان. ولسنا في حاجةٍ إلى التذكير بأن أهلَ العهدِ إذا كان لهم عهد عند المسلمين فإن عَهدهم يُنتقضُ بإظهارِ الطعنِ في دين الإسلام، ولسنا في حاجةٍ إلى الرد على سخافاتِ هذا الجاهل الكبير؛ فإن كلماتِه أحقرُ من أن يتكلَّفَ المسلمُ الردَّ عليها، بل هو من أوائل مَن يَعلمُ كَذِبَها وبُطلانَها. فهل أظهَرَ كبيرُ المشركين في العالَم هذا الطعن؛ لأنه رأى أن حُكَّامَ المسلمين لا يَشْغَلُهم غيرُ الحِفاظِ على كراسيِّهم، وأنهم حريصون بكل سبيلٍ

стр. 1782

على التقرُّبِ من كبيرِ رُعاةِ البقر، وإظهارِ المودَّةِ له، وعدم إغضابه -ولو على حساب دينِهم وأوطانِهم وشعوبِهم-؟ هل أظهَرَ ذلك لأنه رأى مِن كثير مِن علماء الدين التهالُكَ على حُطامِ الدنيا ومتابعة -السياسيين في بلادِهم وتسويغَ كل تَصرُّفاتهم؟ وهل أظهَرَ ذلك؛ لأنه رأى ضَعْفَ الشعوبِ وعَدَمَ قدرتِها على الاستمرارِ في عمل يُهدِّد النصارى أو يُضيِّقُ عليهم؟ فهذه المقاطعاتُ الشعبيةُ لا تَلبثُ أن يَخْمَدَ لَهيبُها بالالتفافِ عليها من قِبَل بعضِ الناسِ، حتى تُصبحَ المقاطعاتُ غيرَ ذاتِ جدوى. وهل أظهر ذلك لأنهم عَلِموا أن القوةَ الماديةَ التي تَحسِمُ كثيرًا من نتائج الحروب صاروا هم صُنَّاعَها والمالكين لتقنِيَتِها، وأن المسلمين ليس عندهم من وسائِلها إلا ما يشترونه من دُولِ الكفر، وأن الأسلحةَ التي تشتريها دولُ المسلمين ليست للدفاع عن العقيدة، وإنما للدفاع عن كراسيِّ الحكم المهزوزةِ في كثيرٍ من البلدان؟. إذا كان السببُ هو أحدَ هذه الأسبابِ المتقدمةِ أو كلَّها مجتمعةً، أو غيرَ ذلك من الأسباب، فإننا -بمجموع الأمة- مدعوُّون بكل قوةٍ إلى الثبات على دينِنا والمحافظةِ عليه والرد على الطاعنين فيه، وتأديبِهمُ التأديبَ اللائقَ المُوجعَ الذي يَعلمون به أن الطعنَ في الإسلام ليس مجردَ نزهةٍ فكرية. إن طَلَبَ الاعتذارِ ممن يَسُبُّ دينَنا ورسولَنا ﷺ في ظِل ضَعْفِنا وتخاذلِنا عن نُصرةِ دينِنا، لا يَعدُو أن يكونَ مُجردَ استعطافٍ لهم، وهل يكفي في هذا اعتذارٌ حتى لو فعلوه؟ إن مَن لا يَملِكُ القدرةَ على العقاب، فكيف يَعتذرُ له اللئامُ عن خطيئاتهم؟.

стр. 1783

فهل يَعي المسلمون الدرسَ، وَيعرِفون حقيقةَ أعدائهم، أم لا يزالُ كثيرٌ منهم يَسبحُ في أوهامِ حواراتِ الأديانِ والتحالفِ من أجل مقاومةِ اللادينية؟. نريدُ اليومَ مشروعًا عَمَليًّا قابلاً للتنفيذِ والبقاءِ والتأثير، وليس مجردَ هَبَّةٍ أو غَضْبَةٍ بحَسَبِ الظروفِ والأحوال، ولا مَندوحةَ عن الوصولِ إلى ذلك المشروع، فهل نتداعى جميعًا من أجل أن يرى هذا المشروعُ النورَ، وأن ننصرَ ديننَا وكتابَنا فنعملَ به ونحكِّمَ شريعتَنا في الدقيقِ والجليل، ونؤدِّبَ كل مَن تُسوِّلُ له نفسُه الضالَّةُ المنحرفةُ عن سبيل الهدى أن يقتربَ من حياض الإسلام؟ ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] (١). * انتشارُ النصرانية بالسَّيف: ° قال الأستاذ الدكتور "جعفر شيخ إدريس" في مقاله بمجلة "البيان" عدد (٢٣٠): "نقل البابا عن الإمبراطور البيزنطيِّ كلمتَه الفاجرةَ التي قال فيها لمن زَعَم أنه مُحاوِرُه: "دُلَّني على شيءِ جاء به محمدٌ كان جديدًا ولن تجدَ إلا أشياءَ شريرةً وغيرَ إنسانية، مثلَ أمرِه بأن تُنشرَ العقيد التي جاء بها بالسيف، إن اللهَ لا تَسُرُّه الدماءُ ولا تَسُرُّه التصرفاتُ غيرُ العقلية". فقلت سبحان الله! رَمَتْني بدائها وانسلَّت، وهل عَهِدَ الناسُ أهلَ دين هم أبعدُ عن العقلانية وأكثرُ ولوغًا في الدماء وفي ظُلم العِباد من المنتسبين إلى ما يُسمُّونه بالمسيحية؟!. رَدَدْتُ على السخافات التي جاءت في محاضرة البابا كما ردَّ عليها

стр. 1784

كثيرون غيري من المسلمين وغيرِ المسلمين (١)، وبينَّا أن الحروبَ التي خاضها المسلمون كانت حروبًا ضدَّ الظلم، الظلم بكلِّ أنواعه، ظُلم المعتدين على المسلمين، وظلم الصادِّين الناسَ عن الدين، وظُلم الناقِضين لعهودٍ أبرموها مع المسلمين، ولم تكن أبدًا لإدخالِ الإيمانِ كُرهًا في قلبِ أحدٍ من العالمين. وبينَّا أنهم لم يحاولوا ذلك؛ لأنهم عَلِموا مِن دينهم أن الإيمانَ مسألةٌ قلبية، وأنه لا مخلوقَ له سلطان على قلوب العباد. لكننا في هذا المقال نودُّ أن نقولَ للبابا: إنه كان يَجدُرُ به أن يتكلمَ عن العنف الذي استَعمله قومُه الغربيون على مرِّ الزمانِ لإكراه الناس على قبولِ دينهم وثقافتهم، ولا نريدُ أن نفعلَ كما فَعَل هو حين استَشهد على افترائه بشهادةِ رجلٍ من بني دِينه عدوٍّ حاقدٍ مغلوب، لن نستشهدَ على زَعمنا بشهادةِ رجالٍ مسلمين، وإنما سنُشهِد عليه شهداءَ من غيرِ المسلمين، فنقول: أولاً: هذه هي المؤرِّخة الشهيرة (Karen Armstrobg كيرن آرمسترونج) تكتُبُ ردًّا على محاضرة البابا تبين فيها: ١ - إن زَعمَ رجالِ الفاتيكان بان غَرضَ البابا هو "أن يُنمِّي اتجاهَ احترامٍ وحوارٍ نحوَ الأديان والثقافات الأخرى، ومن البديهي نحوَ الإسلام" ليس أمرًا واضحًا في كلماتِه .. وتُشبِّهُه في هذا برجل دينٍ مِثلِه في القرنِ الثاني عَشَرَ وَجَّه رسالةً إلى المسلمين بدأها بقوله: "إنني أريدُ أن أُواصلَكم بالكلماتِ لا بالسلاح، وبالعقل لا بالعنف، بالحبِّ لا بالبغض".

стр. 1785

لكنه جَعل عنوانَ رسالتِه "مُلخَّص لهرطقة العرب الشيطانية كلها"، وتحدَّث فيها عن "قسوة الإسلام الحيوانية"، وزَعم أن محمدًا وطَّد أمرَه بالسيف: "هل كان محمدٌ نبيًّا حقًّا"؟ تساءل ثم أجاب: "سأكونُ أسوأَ من حمارٍ إذا وافقتُ، أسوأَ من الأنعام إذا أقررتُ". ٢ - تُنكِر المؤرخةُ أن يكونَ الإسلامُ قد انتَشر بالسيف، وهي صاحبةُ كتابٍ بالإنجليزية عنوانه "موجز لتاريخ الإسلام" AShort History of Islam. ٣ - وتُذكِّر البابا "بأن بعضَ الصليبيين الأوائل بدؤوا رِحلتَهم إلى الأرضِ المقدَّسةِ بذَبحِ كل الجماعاتِ اليهوديةِ الساكنةِ على ضِفافِ نهر "الراين"، وأنهم أنهَوا حَربَهم الصليبيةَ في عام ١٠٩٩ بعد أن ذَبحوا ثلاثين ألفَ مسلمٍ ويهوديٍّ في القدس". ثانيًا: كَتب رئيسُ حركة الإسلام الإسرائيلية "يوري أفنيري" الذي وَصف نفسه بأنه يهوديٌّ مُلحِد- ردًّا علميًّا على البابا، ذكر فيه مِن بين ما ذَكَر المسائلَ التالية: ١ - أن الحوارَ المزعومَ أمرٌ مشكوكٌ فيه، وأن الإمبراطورَ لم يَذكرْ لنا اسمَ الرجلِ الذي حاوره. ٢ - أن الإمبراطور "عمانيويل الثاني" الذي تولَّى الحُكمَ في عام ١٣٩١ كان على رأسِ إمبراطوريةٍ تُحتضرُ؛ إذ لم يَبْقَ لها من محافظاتِها إلاَّ القليل، وكان هذا القليلُ واقعًا تحتَ تهديد الأتراك. ٣ - في يوم ٢٩ من شهر مايو عام ١٤٥٣ وبعد عِدَّةِ سنينَ من موتِ هذا الإمبراطور سَقطت عاصمتُه "القسطنطينية" (إسطنبول) في يدِ الأتراك.

стр. 1786

٤ - إبَّان حُكمِه تجوَّل هذا الإمبراطور في أوروبا محاولاً أن يُقنعَ الأوروبيين بمساعدتِه ضدَّ الأتراك، وأن يبدؤوا حربًا صليبيةً جديدةً، واعدًا إياهم بأنه سيُوحِّدُ الكنيسة، وأن هذه الرسالةَ كُتبت في هذا الوقتِ لأسباب سياسية. ٥ - محاضرةُ البابا "بنديكت السادس عشر" كانت أيضًا خدمةً للإمبراطور الجديد "جورج بوش" الذي يسعى لتوحيد العالَم النصرانيِّ ضدَّ محورِ الشرِّ الذي هو في غالبه مسلم، وضدَّ مجيء الأتراكِ إلى أوروبا. ٦ - إن قضيةَ معاملةِ المسلمين لأهل الأديان الأخرى يجبُ أن يُحكمَ عليها بسؤالٍ بسيط: ماذا فَعلوا بهم عندما كانت لهم القدرةُ على إكراهِهم على الإسلام؟ إنهم لم يَفعلوا شيئًا من هذا، لقد حَكم المسلمون اليونانَ لعدَّةِ قرون؛ فهل صار اليونانيون مسلمين؟ لقد تبوَّأ اليونانُ النصارى مناصبَ كبيرةً في الإدارةِ التركية، لقد عاش البلغاريون والصِّربُ والرومانيون والهنغاريون وغيرُهم من الأمم الأوربية تحتَ الحُكم التركيِّ في وقتٍ أو آخَرَ، لكنَّ أحدًا لم يُكرِهْهم على الدخولِ في الإسلام، فظلوا على دينِهم النصراني. ٧ - في عام ١٠٩٩ تَغلَّب الصليبيون على القدسِ، وذَبحوا سُكَّانها من المسلمين والنصارى -في ذلك الوقت-، وبعد ٤٠٠ عام من الحكمِ الإسلاميِّ كان النصارى ما زالوا أغلبيةً في القطر. ٨ - ليس هناك من دليلٍ ألبتةَ على فرضِ الإسلام على اليهود، وكما هو معروفٌ؛ فإن اليهودَ تمتَّعوا تحتَ الحكمِ الإسلاميِّ في أسبانيا بازدهارٍ

стр. 1787

ليس له مثيل إلاَّ في ما يُقارِبُ هذه الأيام، كانوا كُتَّابًا وشعراءَ ووزراءَ وعُلماءَ، لقد كان ذاك هو عهدَهم الذهبي؛ فكيف يُمكنُ لهذا أن يَحدُثَ إذا كان النبيُّ ﷺ قد أَمَر بنشر الإسلام بالسيف؟!. ٩ - عندما استولى الكاثوليكُ على أسبانيا مرةً أخرى، فإنهم أنشؤوا عهدًا من الرعُبِ الديني؛ إذ إنهم خيَّروا المسلمين واليهود بين أن يتنصَّروا وبين أن يُذبَحوا أو يغادروا البلاد .. أين ذهب اليهودُ الذين فَضلوا البقاءَ على دينهم؟ هاجروا إلى العالَم الإسلامي، وانتشروا فيه من دولةِ "المغرب" في الغرب إلى "العراق" في الشرق، إلى "بلغاريا" (التي كانت تابعةً لتركيا) في الشمال، إلى "السودان" في الجنوب. ١٠ - إن كل يهوديٍّ مُخلِصٍ يَعرفُ تاريخَ قومِه لا يَملِكُ إلاَّ أن يشعرَ بالعِرفانِ العميقِ للإسلام الذي حَمَى اليهودَ لمدةِ خمسين جيلاً، بينما كان العالَمُ المسيحيُّ يُعذِّبُهم ويُحاولُ إكراهَهم بالسيف على التخلِّي عن دينهم. ثالثًا: إن استعمالَ النصارى للعُنفِ في فرضِ ثقافتِهم على غيرهم لم يَنْتَهِ بنهايةِ القرونِ الوسطى، وإنما هو أمرٌ مستمرٌّ إلى يومنا هذا، استمع إلى "هنتنجتون" وهو يقول في كتابه الشهير "صراع الحضارات" وفي صراحةٍ عجيبة: "لم يَتغلَّب الغربُ على العالَم بتفوُّقٍ في أفكارِه، أو قِيَمِه، أو دينهِ -الذي لم تَعتنقْه إلاَّ قلَّةٌ من أبناء الحضارات الأخرى-، وإنما غَلب بتفوُّقه في العُنفِ المنظَّم، إن الغربيين كثيرًا ما يَنْسَون هذه الحقيقة، لكن غيرَ الغربيين لا يَنسونَها أبداً". رابعًا: إن غَزْوَ الغربِ للعالم باستعمال ذلك العنف المنظَّم كان أمرًا

стр. 1788

تواطَأَ عليه كلُّ الناس في الغرب إلاَّ ما نَدُر؛ فها هو الأستاذ "إدوارد سعيد" يُحدثنا في كتابه "الاستعمار الثقافي" Cultural Imperiasm أنه كان أمرًا تواطَأَ عليه السياسيون والمفكِّرون والفلاسفةُ والشعراءُ وكُتَّابُ القَصَصِ الشهيرةِ من أمثال "ديكنز" وغيرهم. ° أقول: ونحن كثيرًا ما نَنسى أمرًا يؤيِّدُ كلام "إدوارد سعيد" هذا: إن الحركةَ الإمبريالية الاحتلاليةَ للعالم كانت بقراراتٍ ديمقراطيةٍ في كل البلاد الأوروبية، وإن حركةَ استجلابِ الأفارقةِ من بلادِهم واسترقاقِهم كانت أيضًا بقراراتٍ ديمقراطية -بينما لم يكن تحريرُهم بقرارٍ ديمقراطي كما يحدثنا "فريد زكريا" في كتابه عن مستقبل الحرية- مما يعني أن غالبيةَ ممثِّلي الأمةِ -بمَن فيهم المتدينون- كانوا مؤيِّدين لها. خامسًا: وهذا "كيفن فيلبس" يُصدِرُ كتابًا جديدًا يُسميه "أمريكا الثيوقراطية" يَذكرُ فيه حقائقَ مذهلةً عن العلاقةِ القويةِ بين الدينِ وسياسةِ أمريكا الخارجيةِ، بل والتأثيرِ الكبيرِ للدين على سياسةِ أوروبا طوالَ القرون. ° من هذه الحقائق: ١ - أن الاستعمارَ الأوروبي للعالَم -ولا سيما العالَمَ الإسلاميَّ- كانت له دوافعُ أو مُسوِّغاتٌ دينية، بل كانت هنالك روابطُ قويةٌ بين التوسُّعِ الإمبراطوري وبين الدُّعاةِ الدينيين .. انظر إلى المبشرين الذي صارت أسماؤهم رموزًا للاستعمار: "ديفيد لفنجستون" المستكشف، الجنرال "غردون" الذي ذُبح في الخرطوم، والجنرال "هنري هيفلوك" (ص ٢٥٥).

стр. 1789

٢ - ينقلُ الكاتبُ عن المؤرِّخ "آرثر ماروك" قوله: "إن كبارَ رجالِ الكنيسةِ أقدموا بحماسٍ على "الحرب المقدسة"، وقوله -نقلاً عن قسيس كاتدرائية "سنت جايلز" بأدنبرة-: "إن الكنيسةَ قد صارت إلى حدٍّ مؤسفٍ أداةً في يدِ الدولة، وإنه في كثير من المنابرِ الكَنَسية كان الواعظُ قد تقمَّص مهمةَ الرقيبِ العسكري المكلَّف بالتجنيد، وإن العَلَمَ البريطانيَّ ارتفع على كلِّ أماكن العبادةِ في طولِ البلاد وعَرضَها" (ص ٢٥٥). ٣ - أما الدوافعُ الدينيةُ لبوش وجماعتِه في سياستهم الخارجية -بل والداخلية-، فأمرٌ لا شك فيه -كما يُبيِّنُ الكاتب-، فهو يقول: إنه ثَبَت عن بوش قوله: "أعتقدُ أن اللهَ يتكلمُ بوساطتي، ولولا ذلك لما استطعتُ أن أؤدِّي مهمتي". وينقلُ عن "قوم دي لاي" قوله: "إن اللهَ يستعملُني دائمًا وفي كلِّ مكانٍ للدفاع عن نظرةِ الكتاب المقدسِ العالمية في كلِّ ما أفعلُ وحيثما كنت، إنه هو الذي يُدرِّبني". ٤ - قُبيلَ الهجوم الأمريكيِّ على العراق في عام ٢٠٠٣ كَتبت مجلة "نيوزويك" مقالاً عن رِحلة "بوش" من العَرْبدة إلى التدين، ذَكَرَتْ فيه أن الرئيسَ ينغمسُ كلَّ صباح في قراءةِ مواعظَ تبشيريةٍ للواعظ الأسكتلندي المتجول "أوزولد شيمبرز" الذي كان قد قَضى أيامَه الأخيرة في وعظِ الجنودِ الأستراليين والنيوزيلنديين الذين كانوا قد حُشدوا في مصر في عام ١٩١٧ تمهيدًا لغزو فلسطين والاستيلاء على القدس في يوم عيد الميلاد. ٥ - بعد عامٍ من استيلاءٍ الجيشِ الأمريكيِّ على بغداد كانت هناك ثلاثون منظمةً تبشيريةً، كما وَجدت جريدة "لوس أنجلوس تايمز" في

стр. 1790

استطلاع لها أَخبَرَها فيه المديرُ الإداري لرابطة المبشِّرين القومية: "أن العراقَ سيكونُ المركزَ الذي تنتشرُ منه رسالةُ المسيح عيسى إلى إيرانَ وليبيا وكلِّ مكانٍ في الشرق الأوسط". ° وقال مسؤولٌ في منظمةٍ أخرى: "إن الأحوال في العراق: حربٌ من أجل الأرواح". ولهذا فإنه في غُضونِ سنتين انطلقت سبعُ منظَّماتٍ تبشيريةٍ في بغداد وحدها. ° أقول: إن ما يحدثُ في العراق هو ديدنُ الحركةِ الإمبريالية منذ بداياتها، إن قوَّاتِها تكونُ دائمًا هي الحاميةَ للمنظماتِ التبشيريةِ، حَدَث هذا في السودان حينَ انتشرت المنظَّماتُ التبشيرية في الجنوبِ، وكان من نتائج ذلك ما كان، وهي تنتشرُ الآن في "دارفور". ° وأقول: إذا لم يكن كلُّ هذا نشرًا للمسيحية بالسيف؛ فلستُ أدري ما معنى النشرِ بالسيف؟ لقد كنا نُقللُ من أهميةِ الدافع المدينيِّ في السياسة الخارجية الغربية، وأعتقدُ أن الأمرَ -كما يظهر- إنما هو مطامعُ اقتصاديةٌ ونزواتٌ سياسية، لكنَّ عزاءَنا أنه هكذا كان يَظنُّ كثيرٌ من علماءِ السياسة ومُنظِّروها من الغربيين أنفسِهم كما يقول صاحب هذا الكتاب، حتى كان غُلُوُّ "بوش" هو الذي نبَّههم إلى أن الأمرَ ليس كما كانوا يظنون، وأنه إذا كان "بوش" قد غلا في الأمر، فإنه ليس أولَ مَن بدأه، وإنما هو شيءٌ دَرَجَتْ عليه السياسةُ الغربيةُ، ولا سيَّما فيما يتعلقُ بالعالم الإسلامي. فماذا بعد أنِ انتبهنا وعَرَفنا الحقيقة؟ " (١) اهـ.
следующие страницы →