← Сира

Сира · id 96964

وا محمداه إن شانئك هو الأبتر

سيد حسين العفاني

Полный текст (2 668 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فباتوا يستمعون له، حتى إذا طَلَع الفجر تفرَّقوا، فجَمَعهم الطريقُ، فقال بعضُهم لبعضٍ مثلَ ما قالوا أولَ مرة، ثم انصرفوا .. فلما كانت الليلةُ الثالثةُ أخذ كلُّ رجلٍ منهم مجلسَه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طَلَع الفجرُ تفرَّقوا، فجَمَعهم الطريقُ، فقالوا: لا نَبْرَحُ حتى نتعاهَدَ ألاَّ نعود، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرَّقوا. فلما أصبح الأخنسُ بن شَريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني -يا أبا حنظلة- عن رأيك فيما سمعتَ من محمد؟ فقال: يا أبا ثعلبة، واللهِ لقد سمعتُ أشياءَ أعرفُها وأعرفُ ما يُرادُ بها، فقال الأخنس: وأنا والذي حَلفتَ به، ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه بيتَه، فقال: يا أبا الحكم، ما رأيُك فيما سمعتَ من محمدٍ؟ فقال: ماذا سمعتُ؟! تنازَعْنا نحن وبنو عبد منافٍ الشرفَ، أطعموا فأطعمنا، وحَمَلوا فحَمَلْنا، وأعطَوْا فأعطيْنا، حتى إذا تجاثَيْنا على الرُّكَب -وكُنَّا كفرسَيْ رِهان- قالوا: مِنَّا نبيٌّ يأتيه الوحي من السماء .. متى نُدرِكُ هذه؟ واللهِ لا نسمعُ به أبدَّاَ ولا نصدِّقه .. فقام عنه الأخنس بن شَريق" (١). فيا له من قزمٍ أحمقَ، مَكَّن الهوى والعنادَ من قلبه، والجحودَ والكفرَ والحسدَ والبَغْيَ مِن صَدره، والمخالفةَ من جوارحه، فصار يتقلَّبُ في ظلماتٍ بعضُها فوقَ بعض، فمُدْخلُه ظُلمة، ومُخْرَجُه ظُلمة، وقولُه ظُلْمة، وعملُه ظلمة، وقَصْدُه ظلمة، وهو متخبِّطٌ في ظلماتِ طبعِه وشِرْكه وهواه، وقلبُه مُظلم، ووجهُه مُظلم .. أشرَقَ له نورُ النبوة، فكان بمنزلة إشراقِ الشمس على بصائرِ الخُفَّاش ..

стр. 212

بصائرُ أعشاها النهارُ بضَوئِه … ولاءمَها قِطعٌ من الليل مظلِمُ أصَمَّه اللهُ وأبْكَمَه وأعماه، فهو ميِّت الدارَين، فاقدُ السَّعَادتيْن، قد رضِي بخِزي الدنيا وعذابِ الآخرة، باع التجارةَ الرابحة بالصفقةِ الخاسرة، قلبُه عن نبي الله ﷺ مصدود، وسبيلُ الوصول إلى جنةِ ربِّه وقُربُه منه مسدود، هو وليُّ الشيطان، وعدوُّ الرحمن، وأبو الكفرِ والفسوقِ والعِصيان. * ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾: ° عن سعيدِ بن جُبير قال: "قلت لابن عباس: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤ - ٣٥]، قال: قاله رسول الله ﷺ لأبي جهل، ثم أنزله الله " (١). * قال تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ [القيامة: ٣١ - ٣٥]. ° قال الطبري: " يقول تعالى ذِكرُه: لَم يُصدِّقْ بكتابِ الله، ولم يُصَلِّ له صلاة، ولكنه كَذَّب بكتابِ الله، وتولَّى فأدبَرَ عن طاعةِ الله". ° قال قتادة: "قوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾: لا صَدَّقَ بكتابِ الله، ولا صلَّى لله، ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ كذَّب بكتاب الله، وتولَّى عن طاعة الله".

стр. 213

﴿ثمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾. ° قال قتادة: "أي: يتبختر .. وهو أبو جهل ابن هشام، كانت مشيته". ° وقال مجاهد: "كان يتبختر". ° وقال أيضًا: " ﴿يَتَمَطَّى﴾ أبو جهل". ° وقال ابن زيد: "هذا في أبي جهل متبخترًا" (١). • وقد نهى النبي ﷺ عن هذه المِشية، فقال: "إذا مَشَتْ أمَّتي المُطَيْطاء، وخَدمها أبناءُ الملوكِ -أبناءُ فارسَ والروم-، سُلِّط شِرارُها على خيارها" (٢). كان أبو جهلٍ عمرُو بنُ هشام يجيءُ أحيانًا إلى رسول الله ﷺ يَسمعُ منه القرآنَ، ثم يذهبُ عنه، فلا يؤمنُ ولا يُطيع، ولا يتأدبُ ولا يخشى؛ ويؤذِي رسولَ الله بالقول، ويَصُدُّ عن سبيل الله .. ثم يذهبُ مُختالاً بما يفعل، فخورًا بما ارتكب من الشر، كأنما فَعَل شيئًا يُذْكَر .. والتعبيرُ القرآني يتهكَّمُ به، ويَسخرُ منه، ويُثير السُّخرية كذلك، وهو يُصوِّرُ حركةَ اختياله بأنه ﴿يَتَمَطَّى﴾، يَمُطُّ في ظهره، ويتعاجَبُ تعاجُبًا ثقيلاً كريهًا!. وكم من أبي جهلٍ في تاريخ الدعوة إلى الله، يَسمعُ ويُعرض، ويتفنَّنُ في الصَّدِّ عن سبيل الله والأذى للدعاة، ويمكرُ مَكْرَ السَّيِّء، ويتولَّى وهو

стр. 214

فخورٌ بما أوقع من الشرِّ والسوء، وبما أفسد في الأرض، وبما صَدَّ عن سبيل الله، وبما مَكَر لدين الله وعقيدته وكاد!!. والقرآنُ يواجهُ هذه الخُيلاءَ الشريرةَ بالتهديد والوعيد: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾. ° قال الطبري: "هذا وعيدٌ من الله على وعيدٍ لأبي جهل". ° وقال قتادة: "وعيدٌ على وعيد كما تسمعون .. زعم أن هذا أُنزل في عدو الله أبي جهل: ذُكر لنا أن نبي الله أَخَذ بمجامع ثوبه، فقال: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾، فقال عدُّو الله أبو جهل: أيوُعِدُني محمد، واللهِ ما تَستطيعُ لي أنت ولا ربك شيئًا، واللهِ لأنا أعزُّ مَن مَشَى بين جَبَلَيْها" (١). • وعن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ قال: "أخذ النبيُّ ﷺ بيده - يعني بيَدِ أبي جهل-، فقال: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾. فقال: يا محمدُ، ما تستطيعُ أنت وربُّك فيَّ شيئًا، إني لأعَزُّ مَن بيْن جَبَلَيْها، فلمَّا كان يومُ بدرٍ أشرف عليهم، فقال: لا يُعبَدُ اللهُ بعدَ هذا اليوم أبدًا، فضَرَب اللهُ عُنُقَه، وقَتَله شرَّ قِتْلَةٍ" (٢).

стр. 215

° وقال ابن زيد: "قال أبو جهل: إن محمدًا ليُوعِدُني، وأنا أعزُّ أهل مكة والبَطحاء". وكم من أبي جهل في تاريخ الدعوات يعتزُّ بعشيرته وبقوَّته وبسُلطانه، ويَحسبها شيئًا؟ ويَنْسَى اللهَ وأَخْذَه، حتى يأخذَه أهونَ من بعوضةٍ، وأحقرَ من ذُبابة .. إنما هو الأجلُ الموعود، لا يَستقدمُ لحظةً ولا يَستأخِر. ° يا عدوُّ الله، تتمطَّى ومِلءَ بطنِك الخُرء!!، أولّك نُطفةٌ مَذِرة، وآخِرُك جِيفةٌ قَذِرة، وأنت بين هذا وذاك تحمِلُ العَذِرة .. جَدُّك البعيد ترابٌ ذليل، وأبوك القريب ماءٌ مَهين، وأنت خَرجْتَ من مجرى البول مرتين .. أنفٌ يسيلُ وأُذْنٌ كلُّها سَهَكٌ … والعينُ مُرمِصَةٌ والثَّغْرُ ملعوبُ يا ابنَ الترابِ ومأكولَ الترابِ غدًا … قصِّرْ فإنك مأكولٌ ومشروبُ بئس أبي جهل طغى وعتا، ونَسِيَ الجبَّارَ الأعلى .. نَسِيَ المبدأ والمنتهى .. نسى المقابر والبِلى. * ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]: تَبرُزُ صورةُ عدوِّ الله أبي جهل الطاغي الذي طغى وفَجَر، وبَغَى وتكبَّر، وأبطره الغنى، وهي صورةُ اللئيم الصغيرِ النفسِ الحقير، الهابط الذي يُؤتَى المالَ فتسيطر نفسُه به، حتى ما يُطيق نفسَه! ويروحُ يَشعرُ أن المالَ هو القيمةُ العليا في الحياة .. القيمة التي تَهُونُ أمامَها جميعُ القيم وجميعُ الأقدار: أقدارُ الناس، وأقدارُ المعاني، وأقدارُ الحقائق .. وتنطلقُ في كِيانه نفخةٌ فاجرة.

стр. 216

• عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو جهل: "هل يعَفِّر محمد وجهَه بين أظهركم؟! فقيل: نعم، فقال: واللاتِ والعُزَّى لئِن رأيتُه يفعل ذلك لأطأنَّ على رَقبتِه، ولأعُفِّرَنَّ وجهَه في التراب، قال: فأتى رسولَ الله ﷺ وهو يُصلِّيَ -زعم ليطأَ على رقبته -، قال: فما فجأهم منه إلاَّ وهو يَنْكصُ على عَقبْيه ويتَّقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولاً وأجنحةً. فقال رسول الله ﷺ : "لو دَنَا لاخْتَطَفَتْه الملائكةُ عُضْوًا عُضْوًا" .. قال: فأنزل الله -لا ندري (١) في حديث أبي هريرة أو شيءٍ بَلَغه -: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٢) (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ٦ - ١٩] " (٣). ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ يعني: أبا جهل.

стр. 217

° زاد عُبيد الله في حديثه قال: "وأَمَره بما أمره به". ° وزاد عبد الأعلى: " ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، يعني: قومه". • وعن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباس ﵁ قال: " كان رسولُ الله ﷺ يُصلِّي، فجاءه أبو جهل فنهاه أن يُصلِّي، فأنزل اللهُ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ إلى قوله: ﴿كاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ هو فقال: لقد عَلِم أني أكثرُ هذا الوادِي ناديًا .. فغضب النبيُّ ﷺ فتكلَّمَ بشيءٍ -قال داود: ولم أحفَظْه- فأنزل اللهُ (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾، فقال ابن عباس: فواللهِ لو فعل لأخذته الملائكةُ من مكانه" (١). • وعن داودَ بنِ أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "كان رسول الله ﷺ يُصلي عند المَقام، فمرَّ به أبو جهل بن هشام، فقال: يا محمدُ، ألم أنْهَكَ عن هذا؟ -وتوعَّده-، فأغلَظ له رسولُ الله ﷺ وانتهره، فقال: يا محمد، بأيِّ شيءٍ تُهدِّدُني؟ أما واللهِ إني لأكثرُ هذا الوادي ناديًا، فأنزل الله ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾، قال ابن عباس: لو دعا ناديه، أخذته زبانية العذاب من ساعته" (٢).

стр. 218

° ولفظ الترمذي: "كان النبي- ﷺ يُصلِّي، فجاء أبو جهل، فقال: ألمْ أنْهَكَ عن هذا؟! ألم أَنْهَك عن هذا؟! فانصرف النبي- ﷺ -فزَبَره (١)، فقال أبو جهل: إنك لَتعلمُ ما بها نادٍ أكثرُ منِّي!! فأنزل الله ﵎: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾، قال ابن عباس: لو دعا ناديَه لأخذته زبانيةُ الله". ° قال ابن جرير الطبري: "يُعَجِّبُ جَل ثناؤه نبيَّه والمؤمنين من جهل أبي جهل، وجَرَاءَتهِ على ربِّه، في نهيه محمَّدًا عن الصلاة لربِّه، وهو مَعَ أياديه عندَه مكذّبٌ بَه". ° قال قتادة: "وكان يُقال: لِكُلِّ أمةٍ فرعون، وفرعونُ هذه الأمَّة أبو جهل" (٢). صورةٌ مستنكَرة لطاغٍ لئيم، أرأيتَ هذا الأمرَ الشنيعَ العجيبَ؟! ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾؟! أرأيت حين تُضَمُّ شناعة إلى شناعة؟ وتُضَاف بشاعةٌ إلى بشاعة؟ أرأيتَ إن كان هذا الذي يُصلي ويتعرَّضُ له مَن ينهاه عن صلاته .. إنْ كان على الهُدى أوْ أمر بالتقوى؟ ثم ينهاه مَن ينهاه، مع أنه على الهدى، آمِرٌ بالتقوى؟. ° قال الطبري: "أرأيت ﴿إِن كَانَ﴾ محمدٌ ﴿عَلَى الْهُدَى﴾، يعني: على استقامةٍ وسَدادٍ في صلاته لربه!! ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾: أوْ أَمر محمدٌ هذا الذي ينهى عن الصلاة باتقاء الله وخوف عقابه.

стр. 219

﴿أَرَأَيْتَ إِن كذبَ وَتَوَلَّى﴾: أرأيت إن كَذَّب أبو جهل بالحق الذي بَعَث به محمدًا ﴿وَتَوَلَّى﴾، وأدبر عنه فلم يصدق به" (١)!!. وهكذا يُضيفُ اللئيمُ أبو جهل إلى الفِعلةَ الستنكَرة فِعْلَةً أخرى أشدَّ نُكرًا. ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللهَ يَرَى﴾: ألم يعلم أبو جهل إذْ ينْهَى محمدًا عن عبادة ربه والصلاة له، بأن الله يراه، فيخافَ سطوتَه وعقابَه؟!!. ﴿كَلاَّ﴾: ليس كما يقول: "إنه يَطأُ عُنُقَ محمد"، لا يَقدرُ على ذلك، ولا يَصلُ إليه .. ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾: لئن لم ينته أبو جهل عن محمدٍ ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾: لنأخذنَّ بمقدَّم رأسه، فلنُضِيمنَّه، ولنُذِلَّنَه .. يُقال منه: سَفَعتُ بيده، إذا أخذتُ بيده، وقيل: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾، المعنى: لنُسوِّدَنَّ وجهَه، فاكْتُفِيَ بذِكرِ الناصية من الوجه كلِّه، إذْ كانت الناصيةُ في مُقدَّم الوجه. وقيل: معنى ذلك: لنأخُذَنَّ بناصيتِه إلى النار، كما قال: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. والسَّفْعُ: القبضُ الشديد بجَذْبٍ، والناصية: مقدَّم شعرِ الرأس، وفيه إذلالٌ؛ لأنهم كانوا لا يَقبِضون على شعرِ رأسِ أحدٍ إلاَّ لِضَرْبِه أوْ جَرِّه، وأكَّد ذلك السَّفْعَ بالباء المزيدة الداخلة على المفعول لتأكيد اللصوق. يا سبحان الله، أعلى مكانٍ يرفعُه الطاغيةُ المتكبِّر مُقدَّمُ الرأس المتشامخ، إنها ناصيةٌ تستحقُّ السَّفعَ والصَّرْعَ ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾، لكأنَّ الكذبَ والخِطْءَ باديانِ من ناصيتِه، فكانت الناصيةُ جديرةً بالسَّفْع. والمعنى لصاحبها.

стр. 220

﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾: فلْيَدْعُ أبو جهل أهل مَجلسه وأنصارَهِ من عشيرته وقومه. والنادي (١): هو المجلس .. قال ابن عباس: "فليدع ناصِرَه". ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ (٢): قال قتادة ومجاهد: "الملائكة"، والمراد ملائكة العذاب. ° "وهذه الآية معجزةٌ خاصةٌ من معجزات القرآن، فإنه تحدَّى أبا جهل بهذا، وقد سمع أبو جهل القرآنَ وسَمِعه أنصارُه، فلم يُقدِمْ أحدٌ منهم على السَّطْوِ على الرسول ﷺ ، مع أن الكلامَ يُلهِبُ حَمِيَّته" (٣). ﴿كَلاَّ لا تطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾: يقول تعالى ذِكرُه: "ليس الأمرُ كما يقول أبو جهل، إذ يَنهى محمدًا

стр. 221

- ﷺ عن عبادة ربِّه والصلاةِ له .. ﴿لا تُطِعْهُ﴾، يقول جل ثناؤه لنبيِّه محمد ﷺ : لا تطعْ أبا جهل فيما أَمَرك به من ترك الصلاة لربِّك، واسجد لربِّك واقترب منه بالتحبُّب إليه بطاعته، فإنَّ أبا جهلٍ لن يَقْدِرَ على ضَرك، ونحن نمنعُك منه" (١). ° وكان أبو جهل يقولُ ساخرًا: "اللهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك، فأمطِرْ علينا حجارةً من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم"!! فنزلت الآية: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .. ﴾ [الأنفال: ٣٣ - ٣٤] (٢). ° وقال أبو جهل -لعنه الله -كما قال تعالى مخبرًا عنه وعن أضرابه: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤١ - ٤٢] (٣). ° قال السيوطي في "الدر المنثور" (١١/ ١٧٠): "أخرج ابنُ مَرْدُويه عن ابن عباس: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١]، قال: كان عدوَّ الَنبي ﷺ أبو جهل، وعدوّ موسى قارون، وكان قارون ابن عم موسى".

стр. 222

* أبو جهل الصادُّ عن سبيل الله، المُحرِّضُ على قتال النبي ﷺ ببدر: * قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال: ٤٧]. قَبْلَ بدرٍ، لَمَّا نجا أبو سفيان بِعِيرِ قريش، ولما ترك بدرًا بيسار، نزلت قريشٌ بالجُحْفة. ° يقول ابن إسحاق: "ولما رأى أبو سفيان أنْ قد أحرز عِيرَه، أرسل إلى قريش: إنكم إنما خرجتُم لتمنعوا عِيرَكم ورجالَكم وأموالَكم، فقد نجَّاها الله، فارجِعوا، فقال أبو جهل بنُ هشام: واللهِ لا نرجعُ حتى نَرِدَ بدرًا -وكان بدر موسمًا من مواسم العرب، يجتمع لهم به سُوقٌ كل عام-، فنُقيمَ عليه ثَلاثًا، فنَنحرَ الجَزور، ونُطعِمَ الطعام، ونَسقيَ الخمرَ، وتَعزِفَ علينا القِيان، وتَسمعَ بنا العرب وبمسيرنا وجَمْعنا، فلا يزالون يَهابوننا أبدًا، فامضوا". ° وروى الإِمامُ أحمد عن عبد الله بن ثَعلبة: "أن أبا جهل قال حين التقى القوم: اللهم، أقطعُنا للرحم، وأتانا بما لا نعرف، فأحْنِهِ (١) الغداة .. فكان هو المستفتح" (٢). * قال تعالى: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ

стр. 223

﴿لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩]. ° قال الآمديّ عن مطرِّفٍ في قوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَفْتِحوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾، قال: قال أبو جهل: "اللهم أعِنْ أعزَّ الفِئتين، وأكرمَ القبيلتين، وأكثرَ الفريقين، فنزلت: ﴿إِن تَسْتَفْتِحوا﴾ الآية". ° وقال الطبراني: عن رفاعة بن رافع قال: "لما رأى إبليسُ ما فَعَل الملائكة بالمشركين يومَ بدر، أشْفَقَ أن يُخْلَصَ إليه، فتَشبَّثَ به الحارث بن هشام وهو يظنُّ أنه سُراقة بنُ مالك، فوكز في صَدرِ الحارث، ثم خرج هاربًا حتى ألقى نفسه في البحر، ورفع يديه فقال: اللهم إني أسألك نَظِرَتَك إياي .. وخاف أن يَخْفصَ القَتل إليه، وأقبل أبو جهل، فقال: يا معشرَ الناس، لا يَهولَنَّكم خِذلان سراقةَ بنِ مالك، فإنه كان على ميعادٍ من محمد، ولا يُهولَنَكم قَتل شَيبة وعُتبةَ والوليد، فإن عَجِلوا فواللاتِ والعزى، لا نرجع حتى نفرِّقَهم في الجبال، فلا أَلْفَينَّ رجلاً منكم رجِلاً، ولكن خذوهم أخذًا، حتى تُعَرِّفوهم سوءَ صنيعِهم من مفارقتهم إياكم، ورغبتهم عن اللات والعزى، ثم قال أبو جهل متمثلاً: ما تَنقِمُ الحَربُ الشَّموسُ منِّي باذلَ عامَينِ حديثَ سنِّ لِمِثلِ هذا ولدَتْني أمِّي" * مقتل فرعون هذه الأمة أبي جهل -لعنه الله -: ° عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: "إني لفي الصفِّ يومَ بدر إذِ

стр. 224

التفتُّ، فإذا عن يميني وعن يساري فَتَيانِ حديثا السِّنِّ، فكأني لم اَمَنْ بمكانِهما، إذ قال لي أحدُهما -سرًّا من صاحبه-: يا عمِّ، أرني أبا جهل. فقلت: يا ابن أخي، وما تصنعُ به؟ قال: عاهَدتُ الله -إن رأيتُه- أن أقتلَه، أو أموتَ دونه .. وقال لي الآخرُ -سرًّا من صاحبه- مثله. قال: فما سرَّني أني بين رُجلين مكانهما، فأشرفُ لهما إليه، فشدَّا عليه مثل الصَّقْرين، حتى ضرباه، وهما ابنا عفراء" (١). ° وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: "بينا أنا واقفٌ في الصفِّ يومَ بدرٍ، فنظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بغلامَيْن من الأنصار حديثةٍ أسنانُهما، تمنيْتُ أن أكون بين أضلعَ منهما، فغَمَزني أحدُهما، فقال: يا عمِّ، هل تعرفُ أبا جهل؟ قلت: نعم، وما حاجتُك إليه يا ابن أخي؟ قال: أُخبِرتُ أنه يَسُبُّ رسولَ الله ﷺ ، والذي نفسي بيده لئن رأيتُه لا يفارقُ سَوادي سَوادَه حتى يموتَ الأعجَلُ منَّا .. فتعجَّبت لذلك، فغَمَزني الآخر فقال لي مِثلَها، فلم أَنْشَبْ أن نظرتُ إلى أبي جهل يَجُولُ في الناس، فقلت: ألَا إن هذا صاحبُكما الذي سألتُماني، فابتدراه بسيفَيهما، فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسولِ الله ﷺ فأخبراه. قال: "أيُّكما قَتَله؟ " قال كلُّ واحد منهما: أنا قتلته. فقال: "هل مَسَحْتما سَيْفَيكما؟ ". قالا: لا. فنظر في السَّيفيْن، فقال: "كلاهما قتله، سَلَبُه لمعاذِ بن عمرِو بن الجموح" .. وكانا معاذ بن عفراء ومعاذَ بن عمرو بن الجموح" (٢).

стр. 225

وقضى النبي ﷺ بالسَّلَب للسابق إلى إثخانِه منهما، وهو معاذُ بن عمرو، وإن كانا اشتركا جميعًا في قتله. ° وعن معاذِ بن عمرو ﵁ قال: "جعلتُ أبا جهل يومَ بدرٍ من شأني، فلما أمكنني حَمَلتُ عليه، فضربته، فقطعتُ قَدَمه بنِصفِ ساقه، وضربني ابنُه عكرمةُ بن أبي جهل على عاتِقي، فَطَرح يدي، وبقيَتْ مُعلَّقَةً بجِلدةٍ بجنبي، وأجهَضَني عنها القتالُ، فقاتلت عامةَ يومي وإني لأسحبَها خَلفي، فلما آذَتْني، وضعتُ قدمي عليها، ثم تمطَّأْتُ عليها حتى طرحتُها" (١). ° قال الذهبي في "السير" (١/ ٢٥١): "هذه واللهِ الشجاعة، لا كآخَرَ مِن خدْشٍ بسهم ينقطعُ قلبه، وتخورُ قواه". ° قال: "ومرَّ بأبي جهل مُعوِّذُ بنُ عفراء، فضربه حتى أثبته، وتركه وبه رَمَق. ثم قاتل معوِّذ حتى قُتِل وقُتل أخوه عوف من قبله، وهما ابنا الحارث بن رفاعة الزُّرَقي. ثم مرَّ ابنُ مسعود ﵁ بأبي جهل، فوبَّخه، وبه رَمَقٌ، ثم احتزَّ رأسه" (٢). • وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدر: "مَن ينظرُ ما صنع أبو جهل؟ "، فانطلق ابن مسعود ﵁، فوَجده قد ضَرَبه ابنا عفراء،

стр. 226

حتى بَرَد، فقال: أأنت أبا جهل؟ -قال ابن عُليَّة: قال سليمان: هكذا قالها أنس. قال: أأنت أبا جهل (١)؟ - قال: وهل فوق رجل قتلتموه -أو قال: قتله قومه-! قال: وقال أبو مِجْلَز (٢): قال أبو جهل: فلو غَيْرَ أكَّارٍ قتلني" (٣). ° وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه أتى أبا جهل وبه رَمق يوم بدر، فقال أبو جهل: "هل أعمَدَ من رجلٍ قتلتموه" (٤). وعَمَد بمعنى: هلك. • وعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "مَن ينظرُ ما صنع أبو جهل؟! "، فانطلق ابن مسعود، فوجده قد ضَرَبه ابنا عفراءَ حتى بَرَد، قال: أنت أبو جهل؟ قال: فأخذ بلحيته قال: وهل فوق رجلٍ قتلتموه؟ أوْ رجلٍ قَتَله قومُه؟ " (٥). • وفي حديث ابن عباس ﵁ عند ابن إسحاق والحاكم: "قال ابنُ مسعود: فوجدتُه بآخِرِ رمق، فوضعت رِجلي على عُنقه، فقلتُ: أخزاك

стр. 227

الله يا عدوَّ الله، قال: وبِمَ أخزاني؟ هل أعمدَ من رجلٍ قتلتموه؟ ". قال: "وزعم رجالٌ من بني مخزوم أنه قال له: لقد ارتقيتَ يا رُوَيْعِيَّ الغنم مرتقًى صعبًا". قال: "ثم احتززتُ رأسه، فجئتُ به رسول الله ﷺ فقلتُ: هذا رأسُ عدوِّ الله أبي جهل، فقال: "والله الذي لا إله إلا هو؟ " .. فحلف له. ° وفي زيادة المغازي: "فحلف له، فأخذ رسول الله ﷺ بيده ثم انطلق حتى أتاه، فقام عنده، فقال: "الحمد لله الذي أعزَّ الإسلام وأهله" (ثلاث مرات) ". ° قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٧/ ٣٤٥) للجمع بين الروايات التي ظاهرها الاختلاف: "حاصله أن كلاًّ من ابنَيْ عفراءَ سأل عبدَ الرحمن ابنَ عوفٍ، فدَّلهما عليه، فشدَّا عليه فضرباه حتى قتلاه". وفي آخِرِ حديث مُسدَّد: "وهما معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء، وأن النبي- ﷺ في سيفيهما، وقال: "كلاكما قتله"، وأنه قضى بسَلَبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح". انتهى. و"عفراء" والدرو معاذٍ، واسم أبيه "الحارث"، وأما ابن عمرو بن الجموح فليس اسم أمه "عفراء"، وإنما أظلق عليه تغليبًا. وُيحتمل أن تكونَ أمُّ معوِّذ -أيضًا- تسمَّى "عفراء"، أو أنه كان لمعوِّذ أخ يسمَّى "معاذا" باسم الذي شَرَكه في قتل أبي جهل، ظنه الراوي أخاه. ° قال معاذُ بن عمرو بن الجموح: "سمعتهم يقولون وأبو جهل في مثل الجَرْحة: "أبو جهل الحَكَمُ لا يُخلَصُ إليه"، فجعلتُه مِن شأني،

стр. 228

فعَمَدتُ نحوه، فلما أمكنني حَمَلتُ عليه، فضربته ضَربة أطنَّت قدمَه، وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطَرَح يدي- قال: ثم عاش معاذٌ إلى زمنِ عثمان … قال: ومرَّ بأبي جهل معوِّذُ بنُ عفراءَ، فضَرَبه حتى أثبَتَه وبه رَمَقٌ، ثم قاتل معوِّذٌ حتى قُتِل، فمر عبدُ الله بن مسعود بأبي جهل فوجده بآخر رمق". فهذا الذي رواه ابن إسحاق يَجمعُ بين الأحاديث، لكنه يخالفُ ما في "الصحيح" من حديثِ عبد الرحمنِ بنِ عوفٍ أنه رأى معاذًا ومعوِّذًا شَدَّا عليه جميعاً حتى طرحاه. ° وابن إسحاق يقول: إن ابنَ عفراءَ هو معوِّذ -والذي في "الصحيح": "معاذ"- وهما أخوان، فيحتمل أن يكون معاذ بن عفراء شدَّ عليه مع معاذِ بنِ عمرو، كما في "الصحيح"، وضربه بعد ذلك مُعَوِّذٌ حتى أثبتَه ثم حَزَّ رأسَه ابن مسعود، فتجمع الأقوال كلها، وإطلاقُ كونِهما قتلاه يخالف في الظاهرِ حديثَ ابنِ مسعود أنه وَجَده وبه رَمَق، وهو محمولٌ على أنهما بلغا به بضربهما إياه بسَيفيهما منزلةَ المقتول حتى لم يَبْقَ به إلاَّ مثل حركةِ المذبوح، وفي تلك الحالة لَقِيه ابن مسعود فضرب عنقه .. والله أعلم". ° ولله درُّ حسان بن ثابت ﵁، وهو يقول: فغادَرْنا أبا جهلٍ صريعًا … وعُتْبَةُ قد تَرَكْنا بالجيوبِ (١)

стр. 229

° وما أجملَ ما قال الشاعر: وهَوى أبو جهلٍ ونوفلُ وارعَوَى … بعدَ اللَّجاجِ الفاحِشُ المتوقِّحُ (١) لما رأى المغازي المظفَّرُ رأسَهُ … أهوى يُكبِّر ساجدًا ويُسبِّحُ في جِلده مِن رِجْزِ ربِّك آية … عَجَبٌ تُفَسِّرُ للَّبيب وتَشرحَ (٢) تلك السُّطورُ السُّودُ ضمَّ كتابُها … أبهى وأجملَ ما يَرَى المُتَصَفِّحُ إن لم يُغَيَّبْ في جهنمَ بعدها … فلِمَن سواه في جهنم يُضْرَحُ؟! (٣) ° وللهِ درُّ القائل في مصرع أبي جهل -فرعونِ هذه الأمة-: بسيفك فيما اخترتَ من عاجلِ القتلِ … سُقِيتَ زُعاف الموت فاشربْ أبا جهلِ هو السيفُ لولا الجُبنُ لم يَمْضِ حدُّه … ولم يَرْضَ في جِدِّ الكريهةِ بالهزل شَهِدتَ الوغى تَبغي على الضعفِ راحةً … لنفسك من حِقد مذيبٍ ومن غِلًّ أفرعونُ إنْ تجهلْ فلن تجهلِ الوغى … فراعَينها من ذي شبابٍ ومِن كَهْلٍ أصابك فيها ما أصابَك من أذى … وفاتكَ مانال الرُّوَيْعِيَّ (٤) من فضلِ رماكَ معاذٌ قبلَه ومُعوِّذٌ … وجاءك مَشبوبًا حَمِيتُهُ تغلي سقى السيفَ عفوًا من دمٍ لك طيِّعٌ … فَمِن مرتقًى صعبٍ إلى مُسْتَقًى سهلِ دَعِ الهزلَ يا ابنَ الحَنْظَلِيَّة إِنه … هو الجِدُّ كلُّ الجِدِّ لو كنتَ ذا عقلِ

стр. 230

هي اللاتُ والعُزَّى أضَّلتْكَ هذِه … وزادتك هذِي من ضلالٍ ومِن خَبَلِ مضى جارُك المأفون (١) خَزيانَ وانقَضَتْ … حِبالُك فانظر هل ترى الآنَ من حَبْلِ؟ لقد كنتَ ترجو أن تَرى الهَبَل الذي … رَضِيتَ به ربًّا يفوزُ ويَستعلِي أصبتَ ابنَ مسعود سناءً ورِفعةً … وباء عدوُّ الله بالخِزي والذلِّ فخُذْ سيفَه ثم ارفع الصوتَ شاكرًا … فما بعدَ ما أعطاك ربُّك من سُؤْلِ * أبو جهل الأثيم ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾: * قال الله ﵎: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٤]. ° قال ابن زيد في هذه الآية: "الأثيم هو أبو جهل" (٢). • وعن ابن عباس- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أنَّ قطرةً من الزَّقُّوم قَطَرت في دارِ الدنيا، لأفسَدَت على أهل الدنيا معايشَهم، فكيف بمن تكونُ طعامَهُ؟ " (٣). * قال تعالى: ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ

стр. 231

(٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٥ - ٤٩]. ° قال ابن جرير الطبري: "يقول تعالى ذِكرُه: يُقال لهذا الأثيم الشقيِّ: ذُقْ هذا العذابَ الذي تُعَذَّبُ به اليوم، ﴿إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيز﴾ في قومك ﴿الْكَرِيم﴾ عليهم. وذُكر أن هذه الآياتِ نَزَلت في أبي جهل بن هشام. ° عن قتادة: ﴿ثُمَّ صبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾: "نزلت في عدوِّ الله أبي جهل، لَقِيَ النبيَّ ﷺ ، فأخذه، فهزَّه، ثم قال: "أوْلَى لك يا أبا جهل فأولى، ثم أولى لك فأولى، ذُقْ إنك أنت العزيز الكريم". وذلك أنه قال: "أيُوعِدُني محمدٌ؟! واللهِ لأنا أعزُّ من مَشَى بين جَبَلَيْها" .. وفيه نزلت: ﴿وَلا تطِعْ مِنْهمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإِنسان: ٢٤]، وفيه نزلت: ﴿كَلاَّ لا تُطِعْة وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] ". ° وقال قتادة: "نَزَلت في أبي جهلٍ وأصحابه الذين قَتَل اللهُ ﵎ يومَ بدر: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلّوا قَوْمَهمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إِبراهيم: ٢٨] ". ° وعن قتادة قال: "نزلت في أبي جهل: ﴿خُذُوة فَاعْتِلُوهُ﴾ ". ° قال قتادة: "قال أبو جهل: ما بيْن جَبَلَيْها رجلٌ أعزُّ ولا أكرمُ منِّي .. فقال الله : ﴿ذقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيز الْكَرِيمُ﴾ ". ° ابن زيد في قوله تعالى: ﴿خذُوهُ فَاعْتِلُوة إِلَن سَوَاءِ الْجَحِيم﴾: "هذا لأبي جهل". فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: وهو يُهان بالعذاب الذي ذكرَه الله، ويُذَلُّ

стр. 232

بالعَتْل إلى سواء الجحيم: ﴿إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾؟ لو أمكن قيل: إن قوله: ﴿إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ غير وصفٍ مِن قائل ذلك له بالعزَّةِ والكرم، ولكنه تقريعٌ منه له بما كان يَصِف به نفسَه في الدنيا، وتوبيخٌ له بذلك على وجهِ الحكاية؛ لأنه كان في الدنيا يقول: أنا العزيز الكريم. فقيل له في الآخرة، إذ عُذِّب بما عُذِّب به في النار: ذق هذا الهوانَ اليومَ، فإنك كنتَ تزعمُ أنك أنت العزيزُ الكريم، وإنك أنت الذليل المَهين، فأينَ الذي كنتَ تقولُ وتدَّعِي مِن العِزِّ والكرم؟!، هَلاَّ تمتنع من العذاب بعزَّتك؟! " (١). وذهب أبو جهل إلى أمِّه الهاوية جزاءَ ما عَتَى واستكبر واستهزء بسيِّد البشرية .. ذهب إلى سَقَر جزاءَ ما مكر .. تُشيِّعه لعناتُ اللاعنين إلى يوم الدين جزاءَ ما فعل بسيِّد المرسلين ﷺ . * * * * الوليد بن المغيرة المخزومي شيخ أهل الكفر: ° عن ابن عباس ضى: "أن الوليد بن المغيرة جاء رسول الله ﷺ ، فقرأ عليه القرانَ، فكأنما رَقَّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عمِّ، إن قومَك يريدون أن يَجمعوا لك مالاً. قال: لِمَ؟ قال: ليعطوكَه، فإنك أتيتَ محمدًا لتعرضَ ما قِبلَهَ .. قال: قد عَلِمَتْ قريشٌ أني من أكثرِها مالاً. قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومَك أنك منكِرٌ له. قال: وماذا أقولُ؟ فواللهِ ما منكم رجلٌ أعوفُ بالْأشعار مني، ولا أعلم برَجَزه ولا بقصيده مني، ولا بأشعارِ الجن، اللهِ ما يُشبه الذي يقول شيئًا من هذا، وواللهِ إن لقوله الذي يقوله

стр. 233

لحلاوة، وإنَّ عليه لطلاوة، وإنه لَمُثمِرٌ أعلاه، مُغدِقٌ أسفلُه، وإنه لَيعلو ولا يُعلَى، وإنه ليحطِمُ ما تحتَه. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: قِفْ عني حتى أُفكِّر فيه، فلما فكَّر قال: إنْ هذا إلا سِحْرٌ يُؤثر يأثِرُه عن غيره، فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١١ - ١٣] " (١). ° عن ابن عباس ﵁ قال: "دخل الوليدُ بُن المغيرة على أبي بكر بن أبي قحافة ﵁، يسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش، فقال: يا عَجَبًا لا يقول ابن أبي كَبْشة (٢)، فوالله ما هو بشِعرٍ، ولا بسِحرٍ، ولا بهَذْيٍ من المجنون، وإنَّ قولَه لَمِن كلام الله، فلما سمع بذلك النَّفرُ من قريش ائتمروا، وقالوا: واللهِ لئِنْ صبأ الوليد، لتَصبأَنَّ قريش. فلما سَمع بذلك أبو جهل قال: أنا والله أكْفيكم شأنه، فانطلق حتى دخل عليه بيته، فقال للوليد: ألم تَرَ قومَك قد جمعوا لك الصدقة؟ قال: ألستُ أكثرَهم مالاً وولدًا؟ فقال له أبو جهل: يتحدَّثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قحافة لتُصيب من طعامه .. قال الوليد: قد تَحَدَّث بهذا عشيرتي؟! فلَا يْمُ جابر بن قَصيٍّ، لا أقربُ أبا بكر، ولا عُمرَ ولا ابن أبي كبشة، وما قولُه إلا سِحرٌ يؤثَر. فأنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ هو إلى قوله: ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ ".

стр. 234

° وعن ابن عباس ﵁ قال: "أنزل الله في الوليد بن المغيرة المخزوميِّ قولَه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١]، وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْاَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ " إلى آخرها [الحجر: ٩٢] ". له وعن مجاهد قال: "نزلت في الوليد بن المغيرة -وكذلك الخَلْقِ كلهم-، خلقتُه وحدَه، ليس معه مالٌ ولا وَلَد". وهو قول قتادة، وابن زيد، والضحاك. ° ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدودًا﴾: قال مجاهد وسعيد بن جبير: "كان مالُه ألفَ دينار". ° وقال سفيان: "بلغني أنه أربعةُ آلاف دينار". ° وعن عمر ﵁ في قوله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدودًا﴾ قال: "غَلَّةُ شهرٍ بشهر". ° قال ابن جرير الطبري: "هو الكثير، الممدودُ عددُه أو مساحته". ° ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾، قال مجاهد: "كان بنوه عشرةً" (١). ° ﴿وَمَهَّدتُّ لَه تَمْهِيدًا﴾، قال ابن جرير: "وبَسَطتُ له في العيش بَسْطًا". ° قال سفيان: "بُسِط له". ° وعن مجاهد: قوله: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ قال: "من المال والولد".

стр. 235

﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾، يقول تعالى ذكره: ثم يأملُ ويرجو أن أزيده من المال والولد، على ما أعطيته .. ﴿كَلاَّ﴾: يقول: ليس ذلك كما يأمَلُ ويرجو، مِن أن أزيدَه مالاً وولدًا وتمهيدًا في الدنيا. ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنا عَنِيدًا﴾: إن هذا الذي خلقتُه وحيدًا كان لآياتنا؛ -وهي حُجَجُ اللهِ على خلقه من الكتب والرسل- معاندًا. ° قال ابن عباس ﵁: "لآيتنا جحودًا". ° وقال مجاهد: "معاندًا للحق مجانبًا". ° وقال قتادة: "كفورًا بآيات الله، جَحُودًا بها". ° وقال سفيان: "مُشَاقًّا". ﴿سَاُرْهِقُهُ صَعُواً﴾ يقول تعالى ذكره: سأُكلِّفه مشقةً من العذاب لا راحةَ له فيها. ° قال مجاهد: "مشقةً من العذاب". ° وعن قتادة: "عذابًا لا راحةَ فيه". ° قال الطبري: "إن هذا الذي خلقتُه وحيدًا، فكَّر فيما أنزله اللهُ على عبده محمد ﷺ من القرآن، وقدَّر ما يقول فيه، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾: فلُعِن كيف قدَّر، ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ يقول: ثم لعِن كيف قدَّر القولَ فيه، ﴿ثُمَّ نَظَر﴾ يقول: ثم تَرَوَّى في ذلك، ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾: ثم قَبَض ما بين عينيه، ﴿وَبسَرَ﴾، يقول: كَلَح وكَرُه وجهه. ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾: ثم ولَّى عن الإيمان بما أنزل الله من كتابه والتصديق به، والاستكبار عن الإِقرار بالحق، ﴿فَقَالَ إِن هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ

стр. 236

يُؤْثَرُ﴾ يقول تعالى ذكره: فقال: إن هذا الذي يتلوه محمدٌ، إلاَّ سحرٌ يَأْثِرهُ عن غيره. ° قال أبو رَزين: "يأخذُه عن غيره". ﴿سَاُصْلِيهِ سَقَرَ﴾: سأورده بابًا من أبواب جهنم. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾: لا تُبقِي مَن فيها حيًّا، ولا تَذَرُ مَن فيها ميتًا، ولكنها تحرقُهم كلَّما جُدَّد خَلْقُهم. ° قال مجاهد: "لا تُميت ولا تُحْيي". ﴿لَوَّاحَةٌ للْبَشَرِ﴾: يعني جلَّ ثناؤه: مُغيّرَةً لبَشْرَة أهلها. ° قال ابن عباس: "تَحْرِق بَشْرة الإِنسان" (١). ° قال قتادة: "حَراَّقةً للجلد". كان الوليدُ شيخَ أهلِ الكفر وأشدَّ الناسِ عداوة لرسول الله ﷺ ، وقد رُويت عنه مواقفُ كثيرةٌ في الكيد لرسول الله ﷺ وإنذارِ أصحابه، والوقوفِ في وجهِ الدعوة، والصَّدِّ عن سبيل الله. ° قال القاسمي: "اتفق المفسِّرون أن هذه الآيات نزلت في الوليدِ بن المغيرةِ المخزومي، أحدِ رؤساء قريش -لعنه الله-" (٢). ° قال محمد الطاهر بن عاشور: "كان الوليدُ بنُ المغيرة، يُلقَّبُ في قريش بـ "الوحيد"، لِتوحُّدِه وتفرُّده باجتماع مزايا له، لم تجتمعْ لغيره من طَبَقته؛ وهي كثرةُ الولد، وسَعَةُ المال، ومَجدِه، ومجدِ أبيه مِن قبلِه، وكان

стр. 237

مرجعَ قريشٍ في أمورهم؛ لأنه كان أسن من أبي جَميل وأبي سفيان، فلما اشتُهر بلقب " الوحيد"، كان هذا الكلام إيماءً إلى الوليد بن المغيرة المشتهر به، وجاء هذا الوصفُ بعد فعل: "خَلقتُ"، ليُصرف هذا الوصفُ عما كان مراداً به؛ أي أوجدتُه وحيدًا عن المال والبنين والبَسْطة، فيُغيَّر عن غرض المدح والثناء الذي كانوا يخصُّونه به إلى غرضِ الافتقار إلى الله؛ الذي هو حالُ كل مخلوق. ° عن ابن عباس: "كان مالُ الوليد بين مكةَ والطائفِ من الإبل، والغنم، والعبيد، والجواري، والجِنان، وكانت غَلَّةُ مالِهِ ألفَ دينارٍ في السَّنة". ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا﴾؛ تيسيرَ أموره، ونفاذَ كلمته في قومه؛ بحيث لا يَعسر عليه مَطْلَبٌ، ولا يستعصي عليه أمرٌ". ° ثم قال الشيخ الطاهر بن عاشور: "الصَّعود: العقبةُ الشديدةُ التصعُّد الشاقةُ على الماشي؛ وهي " فَعول"، مبالغةً من "صَعِد"، فإن العقبة صَعْدة، فإذا كانت عقبةٌ أشدُّ تصعُّدًا من العقبات المعتادة قيل لها: صَعُود. وقوله: ﴿سَاُرْهِقُهُ صَغودًا﴾، تمثيلٌ لضدِّ الحالة المُجمَّلةِ في قوله: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا﴾، أي: سينقلبُ حالُه من حال راحةٍ وتنعُّم إلى حالةٍ سُوأى في الدنيا، ثم إلى العذاب الأليم في الآخرة، وكلُّ ذلك إرهاقٌ له" (١). ° قال البِقاعي في "نظم الدرر": "أكملتُ له من سعادة الدنيا ما أوجب التفردَ في زمانه من أهل بيته وفخِذه؛ بحيث كان يسمَّى: "الوحيد،

стр. 238

وريحانة قريش"، فلم يَرْعَ هذه النعمة العظيمة، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كلاَّ﴾، لم يُزَدْ بعد ذلك شيئًا؛ بل لم يزل في نقصان حتى هلك، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥]، ليرتدع عن هذا الطمع، وليزدجرَ وليرتجع، فإنه حُمقٌ محض، وزخرفٌ بحت، وغُرور صِرف. ﴿إِنَّه كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾، أي: بالغَ العنادِ على وجهٍ لا يُعَدُّ عنادُه لغيرها؛ بسب مزيد قبحِه عنادًا. والعناد، كما قال المَلَوي: مِن كِبْرٍ في النفس، أو يُبْسٍ في الطبع، أو شراسةٍ في الخُلق، أو خَبَلٍ في العقل، وقد جُمع ذلك كلُّه لإبليس. لما كان العناد غِلظةً في الطبع، أو شكاسةً في الخُلق، يُوجِبُ النكدَ والمشقَّةَ، جُعل جزاؤه من جِنسه، فقال: ﴿سَأرْهِقة صَعُودًا﴾، أي: أُلحِقُه بعُنفٍ وغِلظةٍ وقهو، إلحاقًا يَغشاه ويُحيطُ به، وعيدًا لا خُلْفَ فيه. ﴿صَعُودًا﴾، أي: شيئًا من الدواهي والأنكار؛ كأنه عَقَبة. ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿نْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾، حادَ عن وجه الأفكار إلى أقفائِها، سكت ألفًا، ونطق خلفًا، فكان شبيهاً من بعض الوجوه بما قاله بعضهم: لَوْ قِيلَ كَمْ خَمْسٌ وَخَمْسٌ لَاغْتَدَى … يَوْمًا وَلَيْلَتَهُ يَعُدُّ وَيَحْسِبُ وَيَقُولُ مُعْضِلَةٌ عَجِيبٌ أمرُهَا … ولَئِنْ عَجِبْتُ لَها لأمْرِى أَعْجَبُ حَتَّى إِذَا خَدَرَتْ يَدَاهُ وغُوِّرتْ … عَيناهُ مِمَّا قَدْ يَخُطُّ وَيَكْتُبُ أَوْفَى عَلَى شَرَفٍ وَقَالَ أَلا انْظُرُوا … وَيَكَادُ مِنْ فَرَع يُجَنُّ ويُسْلَبُ خَمْسٌ وَخَمْسٌ سِتَةٌ أوْ سَبْعَةٌ … قَوْلَانِ قَالَهُمَا الْخِليلُ وَثَعْلَبُ

стр. 239

* قال قالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾، أي: الدَّرَكَة النارية؛ التي تَفعل في الأدمغةِ من شدَّةِ حموِّها ما يَجِلُّ عن الوصف، فأدخله إياها، وأُلْوِحُه في شدائد حرِّها، وأُذيب دماغَه بها، وأُسيل ذِهنَه وكل عصارته بشديدِ حرِّها .. جزاءً على تفكيره هذا، الذي قدَّره، وتخيَّله وصَوَّره بإرادته في طبقاتِ دماغه؛ ليحرقَ أكبادَ أولياءِ الله وأصفيائه" (١). ° " ﴿سَاُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾: التصعيدُ في الطريق: هو أشق السَّير وأشدُّه، فإذا كان دَفعًا من غير إرادةٍ من المُصعَد كان أكثَرَ مشقةً وأعظمَ إرهاقًا، وهو في الوقت ذاتِه تعبير عن الحقيقة؛ فالذي ينحرفُ عن طريقِ الإيمان السهل الميسَّرِ الوُرودِ، يَندبُّ في طريقٍ وعرٍ شاقٍّ مبتوت، ويقطعُ الحياةَ في قلق وشدةٍ وكُربةٍ وضِيق، كأنما يصَّعَد في السماء، أو يصَّعَّد في وعْرٍ صلد، لا رِيَّ فيه ولا زاد، ولا راحةَ ولا أملَ في نهاية الطريق!. ثم يرسمُ تلك الصورةَ المُبدعةَ المثيرةَ للسخرية، والرجلُ يُكِدُّ ذِهنَه، ويَعصِرُ أعصابَه، ويَقبضُ جَبينه، وتَكْلَحُ ملامحُه وقَسَماتُه، كل ذلك لِيجدَ عيبًا يَعيبُ به هذا القرآن، وليجدَ قولاً يقولُه فيه، جِدَّ مُصطَنَع، متكلَّف يُوحي بالسخرية منه والاستهزاء، وبعد هذا المَخاض كلِّه؛ وهذا الحزَق كله، لا يُفتحُ عليه بشيء، إنما يُدبِرُ عن النور، ويستكبرُ عن الحق. إنها لَمَحاتٌ تدعُ صاحبَها سخريةَ الساخرين أبدَ الدهر، وتُثبِتُ صورتَه الرزيَّةَ في صُلْب الوجود، تتملاَّها الأجيالُ بعد الأجيال. فإذا انتهى عَرضُ هذه اللمحات، عَقَّب عليها بالوعيد المفزع:

стр. 240

﴿سَأصْلِيهِ سَقَرَ﴾ .. وزاد هذا الوعيدَ تهويلاً بتجهيل سقر، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾، إنها شيءٌ أعظمُ وأهولُ من الإدراك، ثم عَقَّب على التجهيل بشيءٍ من صفاتها أشدَّ هولاً: ﴿لا تبْقِي وَلا تَذَرُ﴾، فهي تَكنِس كنسًا، وتَبلعُ بلعَاً، وتمحو محوًا، فلا يقفُ لها شيء، ولا يقفُ وراءَها شيء، ولا يبقَى وراءَها شيء، ولا يفضلُ منها شيء" (١). هذا دين رفيع، لا يُعْرِضُ عنه إلاَّ مطموس، ولا يَعيبُه إلاَّ منكوس. * وقال تعالى: ﴿وَقَالوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقرْآنُ عَلَى رَجُلٍ منَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمِ﴾ [الزخرف: ٣١]. ° قال ابن عباس: "يعني بالعظيم: الوليد بن المغيرة القرشي، وحبيب ابن عمرو بن عمير الثقفي .. وبالقريتيْن: مكة والطائف". ° وقال قتادة: "الرجل: الوليد بن المغيرة قال: لو كان ما يقول محمدٌ حقًّا، أُنزل عليَّ هذا أو على ابن مسعود الثقفي" (٢). ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾. ° يقول -جَلَّ وعَزَّ-: أهؤلاء القائلون يا محمدُ، يَقسِمون رحمةَ ربِّك بين خَلْقه، فيجعلون كرامتَه لمن شاؤوا، وفَضْلَه عند مَن أرادوا، أم اللهُ الذي يَقسِمُ ذلك، فيُعطِيه مَن أحبَّ، ويَحرمُه من شاء؟. قال: ﴿ونَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا﴾ يقول : بل نحن نقسمُ رَحمتَنا وكرامتَنا بين مَن شِئنا من خَلْقِنا، فنجعلُ مَن

стр. 241

شِئنا رسولاً، ومَنْ أردْنا صِدِّيقًا". ونتَّخذ من أردنا خليلاً، كما قَسَمْنا بينهم معيشتَهم التي يعيشون بها في حياتهم الدنيا من الأرزاق والأقوات، فجعلنا بعضَهم فيها أرفعَ من بعض درجةً بأنْ جَعَلنا هذا غنيًّا وهذا فقيرًا، وهذا مَلِكًا وهذا مملوكًا؛ ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضا سُخْرِيًّا﴾، يعني بذلك العبيدَ والخَدَم سَخَّرهم لهم. ° قال قتادة: " ﴿وَرَحْمَتُ رَبّكَ خَيْرٌ ممَّا يَجْمَعونَ﴾، يعني: الجنة" (١). * قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٤] ". ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْث يَجْعَل رِسَالَتَهُ﴾، وقد جَعَلها حيث عَلِم، واختار لها أكرمَ خَلقِه وأخلَصَهم، وجعل الرسلَ هم ذلك الرَّهْطَ الكريمَ، حتى انتهت إلى محمدٍ خيرِ خلقِ الله وخاتمِ النبيين .. تتباهى بك العصورُ وتسمو … بِك عَلياءٌ دونها علياءُ أنت مصباحُ كلِّ فضلٍ فما … يَصدُرُ إلاَّ عن ضوئك الأضواءُ ﴿سَيُصيِبُ الَّذِينَ أَجْرَموا صَغَارٌ عِندَ الله وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكرُونَ﴾، والصَّغار هو: أشدُّ الذُّلِّ، يُقابِلُ الاستعلاءَ عند الأتباع، والاستكبارَ عن الحق، والتطاولَ إلى مقامِ رسل الله! والعذابُ الشديد يُقابل الكرَ الشديد، فالعِداء للرسل، والأذى للمؤمنين، وصَدَق الله إذ يقول:

стр. 242

﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. والرِّجس هو: النَّجَس الذي لا خيرَ فيه، وهو الشيطان، كما قال ابن عباس: لواءُ ضلالٍ قاد إبليسُ أهلَه … فخاسَ بهم إنَّ الخبيث إلى غَدْرِ ومن معاني الرجس: العذاب، ومن معانيه كذلك: الارتكاس، وكلاهما يُلَوِّن هذا العذابَ بمشهدِ الذي يرتكسُ في العذاب ويعودُ إليه ولا يفارقه. * أبو لهب، وامرأته حمَّالة الحطب، وابنه: أفمَن رَغِب عن الله كمن رَغِب إلى الله؟! لا يستويانِ ولا يلتقيان .. هل يستوي من رسولُ الله قائِدُه … دَوْمًا وآخرُ هاديه أبو لَهَبِ؟! وأينْ مَن كانتِ الزهراءُ اسْوَتَها … مِمَّنْ تَقَفَّتْ خُطَا حَمَّالةِ الحَطَبِ؟! وأبو لهب هذا الذي أفرد الله ذِكرَه من كفارِ قريش، هو أحدُ أعمامِ رسول الله ﷺ ، واسمُه "عبد العزى بن عبد المطلب"، وكنيته "أبو عتبة"، وإنما سُمِّي أبا لهب؛ شراق وجهه، ولتلهُّب وَجنتيه، وكأنَّ كنيَته من جنسِ عمله ومآلِهِ إلى ذاتِ اللَّهب، فوافقت حالُه كنيتَه، فحَسُن ذِكرُه بها، وامرأتُه "أم جميل"، واسمها "أروى بنت حرب بن أميَّة"، وهي أختُ أبي سفيان. ولقد كان أبو لهب كثيرًا الأذية لرسول الله ﷺ والبغضِ له، والازدراءِ به، والتنقُّصِ له ولدينه. وانظر إلى نموذجٍ من نماذج كيدِ أبي لهبٍ لدعوةِ الرسول ﷺ ، التي

стр. 243

عاداها من اليوم الأول للدعوة. • روى الإِمام أحمد، عن ربيعةَ بن عبَّادٍ من بني الدِّيل -وكان جاهليًّا، فأسلم- قال: "رأيتُ النبي ﷺ في الجاهلية، في سُوقِ ذي المجاز وهو يقول: "يا أيها، الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا"، والناس مجتمِعون عليه، ووراءَه رجلٌ وضيءُ الوجهِ أحولُ ذو غَدِيرَتَينِ، يقول: إنه صابئٌ كاذب، يتبعُه حيث ذهب، فسألتُ عنه، فقالوا: هذا عمُّه أبو لهب" (١). • وروى محمد بن إسحاق عن ربيعةَ بن عباد الدِّيلي قال: "إني لَمَع أبي غلامٌ شاب، أنظرُ إلى رسول الله ﷺ يتبعُ القبائل، ووراءَه رجلٌ أحولُ وَضِيء ذو جُمَّةٍ، يقفُ رسولُ الله ﷺ على القبيلة فيقول: "يا بني فلان، إني رسولُ الله إليكم، آمرُكم أن تَعبُدوا الله، لا تُشركوا به شيئًا، وأن تُصدِّتوني وتمنعوني، حتى أُنفِذَ عن الله ما بعثني به"، وإذا فرغ من مقالته قال الآخَرُ مِنْ خلفه: يا بَنِي فلان، هذا يريدُ منكم أن تَسلُخوا اللاتَ والعزَّى، وحُلفاءَكم من الجنِّ من بني مالك بن أقيس، إلى ما جاء به من البدعةِ والضلالة، فلا تسمعوا له وتتبعوه. فقلت لأبي: من هذا؟ قال: عمه أبو لهب" (٢). * قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد: ١ - ٥].

стр. 244

• روى البخاري عن ابن عباس- ﵁ أن النبي ﷺ خرج إلى البطحاء، فصعد الجبل، فنادى: "يا صباحاه"، فاجتمعت إليه قريش، فقال: "أرأيتمُ إن حدَّثتُكم أن العدوَّ مُصبِّحُكم أو مُمسيكم، أكنتم تصدقوني؟ " قالوا: نعم، قال: "فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد"، فقال أبو لهب: ألهذا جمعتَنا؟ تبًّا لك، فأنزل الله: ﴿وتَبَّتْ يَدَا أبِي لَهَبٍ وَتَبّ﴾ " (١). • وفي رواية: "فقام ينفضُ يديه، وهو يقول: تبًّا لك سائرَ اليوم، ألهذا جمعتَنا؟ فأنزل الله: ﴿وتَبَتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبّ﴾ " (٢). • وعن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابن عباس- ﵁ قال: لَمَّا نزلت: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صعد النبي ﷺ على الصَّفا، فجعل يُنادِي: "يا بني عَدِيٍّ" -لبطون قريش-، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يَخرجَ أرسل رسولاً لينظرَ ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريشٌ، فقال: "أرأيتكم لو أخبرتُكم أنَّ خيلاً بالوادي تريدُ أَنْ تُغيرَ عليكم، أكنتم مُصَدِّقيَّ؟ " قالوا: نعم، ما جَرَّبْنا عليك إلاَّ صِدْقًا. قال: "إني نذيرٌ لكم بين يديْ عذابٍ شديد"، فقال أبو لهب: تبًّا لك سائرَ اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ١ - ٢] " (٣).

стр. 245

من أول يومٍ ينفردُ هذا الكافرُ بالكيدِ للرسول ﷺ وتتبُّع خَطْوِه، والردِّ على مقالته، فأفرد اللهُ ذِكرَه، وشَهَره بكنيته دون بقيةِ صناديد الكفر من قريش. ولما قال للرسول ﷺ : "تبًّا لك"، وقام ينفض يديه، فتنزل السورة تردُّ على هذه الحربِ المعلَنةِ من أبي لهب وامرأته، وتَولَّى اللهُ سبحانه عن رسولِ الله ﷺ أمرَ المعركة. قال: "تبًّا لك"، فكان الجزاء: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبّ﴾، دعاء بدعاء، ولفظٌ بلفظ. نَفَض يديه، فجاء ذِكرُ اليدين: ﴿تَبَّتْ يَدَا﴾، واحدةً بواحدة، يداك أَوْكَتَا، وفُوك نَفَخ -أبا لهب-. سائرَ اليوم، سائرَ الدهر، وأنت بعدُ في دار الدنيا ﴿وَتَبّ﴾. ° " ولم يُقيِّضِ اللهُ له ولا لامرأته أن يُؤمِنا، ولا لواحدٍ منهما، لا ظاهرًا ولا باطنًا، ولا سرًّا ولا مُعلَنًا؛ فكان هذا مِن أقوى الأدلةِ الباهرةِ على النبوَّة الظاهرة" (١). ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبّ﴾، تبابٌ وهلاكٌ وبَوارٌ وقَطع، في آيةٍ

стр. 246

قصيرةٍ واحدة، تَصدر الدعوةُ وتتحقق، وتنتهي المعركةُ، ويُسدل السِّتار!. ولما أجمع بنو هاشم بقيادةِ أبي طالبٍ على حماية النبي ﷺ ولو لم يكونوا على دِينه، لدافع العصبيةِ القَبَلية، خَرَج أبو لهبٍ على إخوته، وحالَفَ عليهم قريشًا، وكان معهم في الصحيفة التي كتبوها بمقاطعةِ بني هاشم وتجويعهم؛ كي يُسلِموا لهم محمدًا ﷺ ، وكان قد خَطَب بنتي الرسول- ﷺ "رقية وأمَّ كلثوم"، لولديه قبل بعثة النبي- ﷺ ، فلما كانت البعثةُ أمرهما بتطليقهما، حتى يُثقِلَ كاهلَ محمدٍ ﷺ بهما. ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾. ° قال ابن عباس- ﵁: ﴿وَمَا كَسَبَ﴾، "يعني: ولدَه" .. وروي عن عائشة ومجاهد وعطاء والحسن وابن سيرين مثله. لما دعا رسولُ الله ﷺ قومَه إلى الإِيمان، قال أبو لهب: إنْ كان ما يقول ابن أخي حقًّا، فإني أفتدي نفسي يومَ القيامة من العذاب بمالي وولدي، قال الله لنبيه محمد طنهه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]. ° قال القاسمي: "قال الشهاب: والذي صحَّحه أهلُ الأثر أن أولادَه -لعنه الله - ثلاثة: مُعتِّب، وعُتبة، وهما أسلما، وعُتيبة -مصغَّرًا- وهذا هو الذي دعا عليه النبي- ﷺ لما جاهر بإيذائه وعداوته، ورَدَّ ابنته وطلَّقها، وقال صلوات الله عليه وسلامه: "اللهم سَلِّط عليه كلبًا من كللابك"، وفيه يقول حسان ﵁: مَنْ يرجِعُ الْعَامَ إِلَى أَهْلِهِ … فَمَا اَكِيلُ السَّبْعِ بالرَّاجع" (١)

стр. 247

° قال ابن كثير: "روى ابن عساكر في ترجمة "عُتيبة بن أبي لهب" من طريق محمد بن إسحاق عن هبَّار بن الأسود قال: كان أبو لهب وابنُه عُتيبة قد تجهَّزا إلى الشام، فتجهزتُ معهما، فقال ابنُه عُتيبة: واللهِ لأنطلقُ إلى محمدٍ ولأوذينَّه في ربِّه -سبحانه- فانطلق حتى أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا محمد، هو يكفرُ بالذي دنا فتدلَّى، فكان قابَ قوسين أو أدنى. فقال النبي ﷺ : "اللهم، أبعث إليه كلبًا من كلابك"، ثم انصرف عنه فرجع إلى أبيه، فقال: يا بُني، ما قلتَ له؟ فذكر ما قال له، قال: فما قال لك؟ قال: قال: "اللهم سلِّطْ عليه كلبًا من كلابك". قال: يا بني، واللهِ ما اَمَنُ عليك دعاءه" (١). ° وفي رواية عروة بن الزبير: "أن عُتيبة بنَ أبي لهب، وكان تحته بنتُ رسول الله- ﷺ أراد الخروجَ إلى الشام، فقال: لآتِينَّ محمدًا فلأوذينَّه، فأتاه فقال: يا محمدُ، هو كافر بالنجم إذا هوى، وبالذي دنا فتدلَّى، ثم تَفَل في وجهِ رسول الله ﷺ -ورَدَّ عليه ابنتَه وطلَّقها، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم سلِّطْ عليه كلبًا من كلابك"، وكان أبو طالب حاضرًا، فوجم لها وقال: ما كان أغناك يا ابن أخي عن هذه الدعوة، فرجع عُتيبةُ إلى أبيه فأخبره" (٢). فسرنا حتي نزلنا الشِّراة (٣)، وهي مأسدة (٤)، فنزلنا إلى صومعةِ

стр. 248

واهب، فقال: يا معشرَ العرب، ما أنزلكم هذه البلادَ، فإنها تسرحُ الأُسْدُ فيها كما تسرحُ الغنم، فقال لنا أبو لهب: إنكم قد عرفتم كبَرَ سنِّي وحَقِّي، وإن هذا الرجل قد دعا على ابني دعوة، واللهِ ما آمنُها عليه، فأجمِعوا متاعَكم إلى هذه الصومعة، وافرِشوا لابني عليها، ثم افرِشوا حولها، ففعلنا، فجاء الأسد فشمَّ وجوهَنا، فلما لم يَجِدْ ما يريدُ، تَقبَّضَ فوثب، فإذا هو فوق المتاع، فشمَّ وجهه، ثم هَزَمه هَزْمةً (١)، ففضخ (٢) رأسه، فقال أبو لهب: قد عرفتُ أنه لا ينفلتُ عن دعوة محمد". فانظر أخي يرحمك الله، لما تَفَل في وجه رسول الله ﷺ أتى الأسدُ، فشمَّ وجهَه، وفضخ رأسه، لم يأكلْه من يديه أو رجليه، وإنما وجه بوجهٍ. بَصْقٌ في وجهِ نبيٍّ، وفَضْحٌ في رأسِ شقيٍّ، ومعذرةٌ لرسول الله ﷺ . أَلَمْ تَرَ أن السَّيفَ يَنقُصُ قَدْرُه … إذا قيل: إنَّ السَّيفَ أمضى من العصا؟! فابن أبي لهب لا يناسبه إلا كلب (٣). ° قال حسان بن ثابت ﵁ في قصة الأسد مع أبي واسمع عُتَيْبَة بن أبي لهب: سائِلْ بني الأَشْعَرِ إنْ جئتَهُم … ما كان أنباءُ أبي وَاسِع (٤)

стр. 249

لَا وَسَّعَ اللهُ له قَبْرَهُ … بَلْ ضَيَّقَ اللهُ على القَاطِع رِحْمَ نَبِيٍّ جَدُّهُ جَدُّهُ … يَدْعو إلى نُورِ هُدًى سَاطِع أَسْبَلَ بالحِجْرِ لتَكْذِيبهِ … دُونَ قُرَيْشٍ نَهْزَهُ القَاع فاسْتَوْجَبَ الدَّعْوَةَ منْهُ فَقَدْ … بَيَّنَ للناظِرِ والسَّامِع إِن سَلَّطَ اللهُ بهِ كَلْبَهُ … يمشي الهُوينى مِشيةَ الخادع فالتهمَ الرأسَ بِيَافُوخِهِ … والحَلقَ مِنه فَغْرَةَ الجَائِع أَسْلَمْتُمُوه وهو يَدْعُوكُمُ … بالنَّسَبِ الأدْنَى وبالجَامِع واللَّيْثُ يَعْلُوهُ بأنْيَابِه … مُنْعَفِرًا وَسْطَ الدَّم النَّاقِع لا يَرْفَعُ الرحْمَنُ مَصْرُوعَكُم … ولا يُوهِنُ قُوَّةَ الصَّارِع مَنْ يَرجعُ العامَ إلى أهلِه … فما أكِيلُ السَّبعْ بالرَّاجِع قد كانَ فيه لَكُمْ عِبْسَرةٌ … للسيَّدَّ المَتْبُوع والتَّابِع من عادَ فاللَّيْثُ لَهُ عَائِدٌ … أَعْظِمْ بِه من خَبَرٍ شَائِع (١) * ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾: ° قال أبو رافع مولى رسول الله ﷺ : "رَمَاه الله بالعَدَسة فَقَتلته، فلقد تركه ابناه بعدَ موته ثلاثًا، ما دفناه حتى أنتَنَ، وكانت قريشٌ تَتَّقي هذه العدسة كما تتقي الطاعون، حتى قال لهم رجل من قريش: ويحكما، ألَا تستحِيانِ! إن أباكما قد أنتَنَ في بيته لا تدفِنانه؟ فقالا: إنا نخشى عَدْوَةَ هذه القَرْحة، فقال: انطلِقا فأنا أعينُكما عليه، فواللهِ ما غَسلوه إلاَّ قَذْفًا بالماء

стр. 250

عليه من بعيدٍ ما يَدنون منه، ثم احتملوه إلى أعلى مكة، فأسندوه إلى جدارٍ، ثم رجموا عليه بالحجارة". ° عن أمِّ المؤمنين عائشة ﷺ أنها كانت لا تمرُّ على مكانِ أبي لهب هذا، إلاَّ تستَّرت بثوبها حتى تجوز. * ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾: * مَن للأحولِ غيرُ أمِّ قبيح، أمِّ جميل العوراء: ° قال ابنُ العربي: "العوراءُ أم قبيح، وكانت عوراءَ، مَن لها غيرُ أبي النار، أبي لهب؟! حَقَّق الله نَسَبه، لقد صَرَفهم اللهُ على أن يقولوا: "أبو النور، وأبو الضياء" -الذي هو المشترِك بين المحبوب والمكروه-، وأجرى على ألسنتهم أن يُضيفوه إلى لهب، الذي هو مخصوصٌ بالمكروه والمذموم -وهو النار-، ثم حَقَّق ذلك بأن يجعلها مَقَرَّه". ° قال ابنُ كثير عن أمِّ جميل: "كانت عَونًا لزوجها على كُفرِه وجُحودِه وعناده، فلهذا تكونُ يومَ القيامة عونًا عليه في عذابه في نار جهنم، ولهذا قال: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾، يعني: تحملُ الحطبَ فتُلقي على زوجِه، ليزدادَ على ما هو فيه، وهي مهيأةٌ لذلك، مستعدَّةٌ له" (١) .. والجزاء من جنس العمل. ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾: عن مجاهد وعكرمة، والحسن، والقتادة، والثوري، والسُّدِّي: "كانت تمشي بالنميمة".
следующие страницы →