← Сира

Сира · id 96964

وا محمداه إن شانئك هو الأبتر

سيد حسين العفاني

Полный текст (2 668 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

الشروطَ الطبيعيةَ والعقليةَ والروحيةَ قد توافرت في ذلك المسلم. القاعدة الثالثة: إذا حَدث سُوءُ تفاهم حولَ المبادئ التي يُدْعى المسلمُ إلى الاعتقاد بها، فيجبُ أن يُزالَ في الحال، ولو أفضى الأمرُ إلى ترك المناقشة. ° ثم أكد أسقفُ "لاهور" ضرورةَ استخدامِ الوسائل اللينة في التبشير، فكان مما رآه ما يلي: ١ - أن المبشَّر الذي يُعدُ نفسَه لمجادلةِ المسلمين في أمورِ الدين، يجبُ أن تتفوق فيه الصفاتُ الخُلقيةُ والاستقامةُ التامةُ على المزايا العقلية. ٢ - أن يكون صحيحَ المجاملة، وأن يَضَعَ الأملَ بالفوزِ على خَصمه نُصبَ عينيه. ثم أبدى استنكارَه لقسوةِ التعاليم القديمة، وأنها كانت تَرمي إلى التغلُّبِ على العدوّ، لا إلى اكتسابِ مودَّته. ° ثم قال: "ويظهرُ لي أن كثيرًا من إخواننا المبشَّرين يريدون أن يُبشَّروا الناس برَشقِهِم بالحجارة". ° وختم كلامه بقوله: "يجبُ على المبشِّرِ أن يتذَّرعَ بالصبرِ والسكينة، وأن يكونَ حاكمًا على عواطِفه إلى الغايةِ القصوى، وأن لا يُخاجَ نفسَه أقل ريبٍ في أنه هو الذي سيفوز". ° ثم انتهى المؤتمر، وختمه رئيسُه المبشر "زويمر" فقال: "إن انعقادَ هذا المؤتمرِ كان بالتقريبِ نتيجةً لأعمال "شبان التبشير المتطوعين"، أما البحثُ في أحوال العالم الإسلامي وتبشيرُه، فقد سبق الخوضُ فيه في مؤتمر

стр. 2067

"كلفلند"، وهذه الخريطةُ التي نراها أمامنا الآن موسومةً باسم "خريطة تنصير العالم الإِسلامي في هذا العصر" قد بَعثت الأملَ في قلوبِ ألوفٍ من الطلبة في مؤتمر "ناشفيل" الذي انعَقد في شهر فبراير (شباط) الماضي (أي: من سنة ١٩٠٦ م)، والتبشيرُ متوقفٌ على وجودِ زُمرةٍ من البشِّرين المتطوِّعين الذين يَقفِون حياتَهم ويُضحُّونها في هذا السبيل". ثم خَتم كلامَه راجيًا أن يكونَ لندائِه صدًى في الدارس والجامعات في أوربا وأمريكا. * * * ٢ - مؤتمر "إِدنبرج" التبشيري: في شهر أيلول (سبتمبر) من سنة (١٩١٠ م) انعقد مؤتمرُ "إدنبرج" التبشيري، وكان للمسائل الإسلامية حظٌّ كبيرٌ من مداولاتِ أعضائه، وقد تفرَّغت فيه لجنتانِ من أهمِّ لجانِه للبحث في أمرِ الإِسلام والمسلمين، وكيفيةِ القيامِ بمهامَّ التبشير بينهم. ° وقد نُشرت أعمال هذا المؤتمر في تِسع مجلدات، وتحدَّثت ثلاثُ مجلاتٍ تبشيريةٍ عن بعضِ ما جَرى فيه من بحوث، وهي: ١ - "مجلة الشرق المسيحي" التابعة لجمعية التبشير الشرقية الإلمانية. ٢ - "مجلة العالم الإِسلامي" التبشيرية الإِنكليزية. ٣ - "مجلة إرساليات التبشير البروتستانتية" التابعة لجمعية التبشير في "بال" بسويسرا.

стр. 2068

° وقد جاء في مجلة "العالم الإسلامي" الفرنسية التبشيرية لدى حديثِها عن هذا المؤتمر: "وأعمالُ مؤتمرِ إدنبرج لم تكن حِبْرًا على ورق، بدليل أن المؤتمرَ الاستعماريَّ الألمانيَّ الذي عُقد عَقِبَ مؤتمرِ إدنبرج التبشيري اهتمَّ بأمرِ إرسالياتِ التبشير الجرمانية، حتى خُيِّل إلى الناسِ أن هذا المؤتمرَ الاستعماريَّ السياسي تحوَّل إلى مؤتمو تبشيري ديني". ونشرت "مجلة الشرق المسيحي" التابعةُ لجمعية التبشير الشرقيةِ الألمانية مقالةً بقلم المبِشِّر الألماني "فون لبسيوس" تحتَ عنوان "دخول التبشير العام في طور جديد"، ذَكر فيها أهميةَ مؤتمرِ إدنبرج الذي أبان عن ارتقاءٍ في أعمال المبشرين، وقد حَضر في هذا المؤتمر مئتانِ وألفُ مندوبٍ، منهم بعض كبارِ السياسيين في دول عالمية كبرى. واقتبس صاحبُ هذه المقالة من مستندات مؤتمر "إدنبرج" أنَّ عددَ جيشِ المبشرين البروتستانت قد بَلَغ (٩٨٣٨٨) ثمانيةً وتسعين ألفًا وثلاثَمِئةٍ وثمانيةً وثمانين، تَعضُدُهم لِجان يبلغُ عددُ أعضائِها خمسةً ملايين ونصف المليون، يُضافُ إلى ذلك أعداد كثيرةٌ أخرى من رجالٍ ونساءٍ وطلابٍ وأساتذةٍ وأطباءَ وممرِّضاتٍ وغيرهم. وقد كان هذا كلُّه في سنة (١٩٠٢ م)، ومَن يقارنُ بينه وبين ما وصل إليه إحصاءُ العاملين في مهمات التبشير سنة (١٩١١ م) يلاحظُ ارتقاءً باهرًا؛ لأنَّ عددَ إرسالياتِ التبشيرِ العامةِ في هذه السنة قد بَلغ (٣٨٣٨)، وأما الإرسالياتُ التي هي في الدرجة الثانية، فقد بلغ عددُها (٣٤٧١٩)، وعددُ الأساتذةِ والتلاميذِ قد بلغ مليونًا ونصفَ المليون تقريبًا، ووصل عددُ الجامعاتِ والكلِّياتِ إلى ثمانيةٍ وثمانين، وصار لدى المبشرين خَمْسُمئةٍ

стр. 2069

واثنتانِ وعشرون مدرسةً دينيةً لتخريج المبشرين، هذا إلى جانبِ حشدٍ كبير من المدارس العليا والابتدائيةِ والمستشفياتِ والصيدليات، وُيشرِفُ على إرسالياتِ التبشيرِ نحوُ ألفِ جمعيةٍ ما بين جمعياتِ عموميةِ عاملة، وجمعياتٍ لإعانتها، وجمعياتٍ أخرى. ° وجاء في "مجلة العالم الإسلامي" الإنكليزيةِ التبشيريةِ التابعةِ لإرسالية البحرين ما يلي: "ومجلتُنا تَستحسنُ الاهتمامَ الشديدَ الذي أبداه مؤتمر "إدنبرج"، وستجتهدُ في متابعةِ البحثِ والمداولةِ في المسائل التي بَحث المؤتمرُ فيها". ° وقد نشرت هذه المجلةُ مقالةً بقلم المبشِّر المستر "تشارلس وطسون" تحت عنوان "العالم الإسلامي" قال فيها: "إن من الخطإِ الحُكمَ على مؤتمرِ "إدنبرج" بأنه لم يهتمَّ بالمسائل الإسلامية .. فقد كان المؤتمرُ مؤلَّفًا من ثماني لجان، اختُصت الأولى والرابعة منها بالتوسُّع في بحثِ المسألة الإسلامية، أما مهمةُ اللحنةِ الأولى، فهي أن تَبحثَ في المسائل الإسلامية من الوجهةِ الخارجية، وفي إيجادِ ميدانٍ عامٍّ مشتركٍ لأعمالِ المبشِّرين، واختيارِ خُطةِ الهجوم والغارة، وتقريرُ هذه اللجنة يتضمن إحصاءً متعلِّقًا بالمسلمين وعددِهم ومَبلغ ارتقائهم في كل قُطر؛ ثم تناولت اللجنةُ البحثَ في الأمورِ الاجتماعية الإسلامية التي تُمهدُ السبيلَ لتحويل المسلمين عن دينهم، فحَضَّت جمعياتُ التبشير على توسيع نطاقِ التعليم الذي يُشرِفُ عليه المبشرون، وحَصرت قراراتِها بجُملَتَينِ اثنتين: ° وقد جاء في الجملةِ الثانيةِ منهما ما يلي: "إن المسائلَ الإسلاميةَ في

стр. 2070

الشرق على الخصوصِ صار لها مكان هامٌّ في أعمالِ المبشرين، عَقِبَ الانقلاباتِ التي حَدثت في بلادِ الدولةِ العثمانيةِ وفارسَ، ولذلك أصبح من مقتضياتِ الظروفِ أن تقومَ إرسالياتُ التبشيرِ بعمل ينطبقُ على المسائل الإسلامية". ° وقالت اللجنةُ الثالثة في تقريرها: "اتفقت آراءُ سُفراءِ الدولِ الكبرى في عاصمةِ السلطنةِ العثمانيةِ على أن معاهدَ التعليمِ الثانويةِ التي أسَّسها الاروبيون كان لها تأثيرٌ في حل المسألة الشرقية، يَرْجحُ على تأثيرِ العمل المشتَرَكِ الذي قامت به دولُ أوربا كلها". وتداولت اللجنةُ الخامسةُ في كيفيةِ تعليم المبشرين وتربيتهم، وألَحَّتْ على ضرورةِ تعليم الذين يَقومون بالتبشيرِ في البلادِ الإسلامية دينَ الإسلام ولغةَ البلاد. ° وجاء في تقريرِ اللجنة الثامنة قولها: "الأمرُ الذي لا مِريةَ فيه أن المهمةَ الصعبةَ التي يقومُ بها المبشرون في البلادِ الإسلاميةِ لم تَظهَرْ في غايةِ الصعوبة إلاَّ لأنه يَعسُرُ على جميعةِ تبشير واحدةٍ أن تقومَ بها، ولكنَّ وِحدةَ العمل ستكونُ أحسنَ وأسرع حل لهذه المُعضِلةِ في إكمالِ مهمةِ التبشير". ° وتحدَّثت "مجلة إرساليات التبشير البروتستانتية" التابعةُ لجمعيةِ التبشير في مدينة" بال" بسويسرا عن مؤتمرِ "إدنبرج" في سلسلةِ مقالات، ومنها مقالةٌ بقلم المبشَّر "شلاثار"، وجاء فيها ما يلي: "ولما انتهت اللجنةُ السابعةُ من أعمالِها قال "اللورد بلفور" رئيس الشرف: "إن المبشرين هم ساعِدٌ لكلِّ الحكومات في أمورٍ هامة، ولولاهم لتعذَّر عليها أن تقاوِمَ كثيرًا

стр. 2071

من العقبات، وعلى هذا فنحن في حاجةٍ إلى لجنةٍ دائمةٍ يُناطُ بها التوسطُ والعملُ لِمَا فيه مصلحةُ المبشَّرين"، فأجيب "اللورد بلفور" إلى اقتراحه، وتألَّفت لجنةٌ مختلِطةٌ، ولجنةٌ لمواصلةِ العمل" (١). * نتائج مؤتمر "إِدنبرج": وعلى إثْرِ انتهاءِ أعمالِ مؤتمر "إدنبرج" تألفت لجنة لمواصلةِ الأعمالِ التي بدأ بها، وانبَثَق عن هذه اللجنة فروع كثيرة، بعضُها للإِحصائيات، وبعضُها للنشر والمطبوعات، وبعضُها للتربية والتعليم، وآخَر لحسم المشكلاتِ بين المبشّرين، وفرغ خاصٌّ لدراسةِ علاقاتِ المبشِّرين بالحكوماتِ (أي: الاستعمارية)، كما خُصِّص أحدُ الفروع لدراسةِ العقباتِ التي تَحولُ دونَ التبشير بين المسلمين. وفي شهرِ أيار (مايو) من سنة (١٩١١ م) اجتمعت لجنةُ مواصلةِ أعمالِ المؤتمر، وبَحثت في طرائقِ التربيةِ والتعليم التي يَنبغي للذين يقومون بمهمةِ التبشير بين المسلمين أن يتبِعوها، وقرَّرت أن تنتهزَ الفرصَ، وتنتفعَ بالظروف السانحة، وأن تنشر مجلةً مشتركةً تصدُر سنة (١٩١٢ م) مرةً في كلِّ ثلاثةِ أشهر. ° وتقول مجلة "العالم الإسلامي" الأنكليزية التبشيرية: "إنَّ أوَّل ما يُنفَّذُ من قراراتِ مؤتمر "إدنبرج" إنشاءُ مدرسةِ تبشير مشتركةٍ بين كل الفرق البروتستانتية، وتكونُ خاصةً بتعليمِ مبشِّري الأقطار الإسلامية، وهذه المدرسةُ يُحتفل بافتتحها في خريف سنة (١٩١١ م) وتَقبَلُ النساءَ والرجال،

стр. 2072

وتُعلَّمُ فيها اللغةُ العربية والعلومُ الإسلامية، وتاريخُ الأوضاع الإسلامية، والأمورُ الاجتماعيةُ التي اقتبسها المبشِّرون من بلاد الإسلام، وسيكونُ لهذه المدرسةِ مكتبةٌ تحتوي على أمهاتِ الكتبِ العربيةِ وغيرِ العربية المتعلِّقةِ بالإسلام. * * * ٣ - مؤتمر "لكنو" التبشيري: في مَطلَع سنة (١٩١١ م) انعَقَد في الهندِ مؤتمرُ "لكنو" التبشيري، وتداول المؤتمِرون أمورًا كثيرةً تتعلقُ بالعالَم الإسلامي، وكيفيةِ إحكامِ الخَناقِ عليه، وتفكيكِ أواصِرِ وِحدةِ المسلمين. ° فكان ممن تكلَّم فيه المبشر القسيسُ "سيمون"، فتحدث عن فكرةِ الجامعة الإسلامية التي تُهيمنُ على الشعوبِ المسلمةِ في مختلَفِ بلادِ الإسلام، ثم قال: "ولكنْ عبثًا يَبني هؤلاء آمالَهم على الجامعةِ الإسلامية؛ لأنَّ التربيةَ غيرَ الإسلامية قد انبَثَّت في دمائِهم بفضل مدارس التبشير". ° وتحدث في المؤتمر المبشِّرُ الأستاذ "مينهُف" فكان مما قاله: "ينبغي لإرسالياتِ التبشير أن تحتكَّ بالمسلمين، وتتسلَّحَ بالمعداتِ الكافيةِ لقتالهم، وأن لا تَخشَى ذلك كما كانت تفعلُ حتى الآن، وينبغي لهم أن لا تكونَ أعمالُهم لاهوتيةً فقط، بل يَنبغي أن يَطرُقوا أبوابَ الطبِّ والصناعةِ وكُل الأعمال التي يتفوقُ فيها الأوربيُّ على الشرقي". ° أما المبشِّرُ الأستاذ "استِورَدْ كْرَوْفورد"، فقد عَلَّق في المؤتمر المذكور

стр. 2073

أهميةً كبرى لدى تبشيرِ المسلمين على أسلوبِ التدرج والصبر، ثم قال: "إن المسلمين يقتبسون من حيثُ لا يَشعرون شَطْرًا من المدنيَّةِ المسيحية، وُيدخلونها في ارتقائِهم الاجتماعي، وما دامت الشعوبُ الإسلاميةُ تتدرجُّ إلى غاياتٍ ونزعاتٍ ذاتِ علاقةٍ بالإنجيل؛ فإن الاستعدادَ لاقتباسِ المسيحيةِ يتولَّدُ فيها من غير قصدٍ منها". وفي تقريرِ المبشِّر القسيس "ويلسون" ما يُفصحُ عن أن "ويلسون" هذا لا يشكُّ في أن التربيةَ الغربيةَ هي بمثابةِ قوةٍ تنحلُّ بها عُرى الروابطِ الإسلامية. ° وقال المبشِّرُ القسيسُ "جون تكل" في تقريره: "إن الوقوفَ على أسبابِ نمو الإسلام يُمهِّدُ للحصولِ على وسائل توقيفِ تياره". ثم أورد بعضَ مقترَحاتٍ تتعلقُ بالاحتياطاتِ التي يجدُرُ بالمبشرين اتخاذُها، وأهمها ضرورةُ زيادةِ القوى البشرية الاختصاصية. ° أما القراراتُ التي دَوَّنها هذا الموتمرُ التبشيري في مَحضر جَلْساتِه، فقد كان منها ما يلي: ١ - يُعقَدُ المؤتمرُ مرةً أخرى في القاهرة سنة (١٩١٦ م)، وإذا طرأت أمورٌ سياسية، أو أمورٌ أخرى تحولُ دون اجتماعِه في هذه المدينة، فيُعقَدُ في لندن. ٢ - مؤتمر "لكنو" يوافقُ مؤتمرَ إرسالياتِ التبشير الذي عُقد سنة (١٩١٠ م) على ضرورةِ حصرِ الجهودِ في القارَّةِ الإفريقية، دون أن تُمسَّ الجهودُ التي تُبذلُ في البلاد الأخرى.

стр. 2074

ولذلك فهو يَرى أنه يَجدُرُ بالجمعيات التبشيرية، أن تتكاتفَ وتتعاضدَ لكي تؤلِّفَ سلسلةً قويةً من إرساليات التبشير، تطوفُ كل إفريقية، وتؤسِّسُ مراكزَ قويةً في الأماكنِ التي هي موطنُ الخطر. ويجبُ أن يكونَ إخراجُ هذه الفكرةِ إلى حيِّز الفعل موضعَ بحثٍ أهمَّ وأوسعَ مما كان في السابق، سواءٌ من جهةِ تربيةِ المبشرين، أو من جهةِ حُسنِ اختيارهم، الأمرُ الذي يُحتِّمُ اتخاذَ التدابيرِ بلا تأخير لإتمام المشروعات التي بُوشر بها. ٣ - ويرى المؤتمرُ أنه من الضروري العاجل تأسيسُ مدرسةٍ في مصرَ خاصةٍ بالتبشير، تكونُ عامةً لكلِّ الفِرَق البروتستانتية، وُيشدِّدُ بلزوم التدقيقِ التامِّ في انتقاءِ المبشِّرين الأَكْفاء الممتازِين بصفاتِهم ومواهبِهم العقلية، وبلزوم تعليمِهم اللغةَ العربيةَ بوجهٍ خاص. * * * ٤ - مؤتمر القدس التبشيري: كان القسيسُ الدكتورُ "صمويل زويمر" رئيسَ إرسالية التبشير في البحرين منذ مَقْدَمِه إلى الشرقِ في أوائل القرنِ العشرين، إلاَّ أن نشاطَه التبشيريَّ الزائدَ وسَعْيَه لعقدِ مختلفِ المؤتمراتِ التبشيرية، جَعله يرتقي في المراتبِ بين المبشرين، حتى صار رئيسَ المبشرين في الشرق، وحتى صاروا يُلقِّبونه بـ "الرسول المختارِ إلى العالم الإسلامي"، أي: حاملُ رسالةِ تحويل المسلمين عن دينهم. فمن المؤتمراتِ التبشيرية التي دعا إليها هذا القسيسُ: مؤتمرُ "القدس"

стр. 2075

الذي تمَّ انعقادة برئاسته في نِيسان سنة (١٩٣٥ م) إبَّانَ الاحتلالِ البريطاني لفلسطين. وبعد أن شَرح أعضاء المؤتمر العقباتِ الكثيرةَ التي اعتَرضت سبيلَ المبشرين، والتي لم تَسمحْ لهم بأن يُخرِجوا المسلمين عن دينهم، ويدخلوهم في المسيحية، وبعدَ أن خَطَب كثيرٌ منهم خُطَبَهم اليائسة، قام "زويمر" رئيس المؤتمر، وألقى على المؤتمرين الخطبة التالية (١): "أيها الإخوانُ الأبطال، والزملاءُ الذين كَتب الله لهم الجهادَ في سبيل المسيحية، واستعمارها لبلادِ الإسلام، فأحاطتكم عنايةُ الرَّبِّ بالتوفيقِ الجليل المقدَّس، لقد أدَّيتمَ الرسالةَ التي نِيطت بكم أحسَنَ أداءٍ، ووفِّقتم لها أسمى توفيق، وإن كان ليخَيَّلُ إليَّ أنه -مع إتمامِكم العملَ على أكمل الوجوه-، لم يَفطِنْ بعضكم إلى الغايةِ الأساسية منه، إنني أُقِرُّكم على أنَّ الذين دَخلوا من المسلمين في حظيرةِ المسيحيةِ لم يَكونوا مسلمين حقيقيين، لقد كانوا كما قلتم أحدَ ثلاثة: - إما صغيرٌ لم يكنْ له من أهلِه مَن يُعرِّفه ما هو الإسلام. - أو رجل مستخفٌّ بالأديان لا يبغي غيرَ الحصولِ على قوْتِه، وقد اشتدَّ به الفقر، وعَزَّت عليه لُقمة العيش. - وآخَر يَبغي الوصولَ إلى غايةٍ من الغايات الشخصيَّة. ولكنَّ مهمةَ التبشيرِ التي نَدَبَتْكم دولُ المسيحيةِ للقيام بها في البلاد

стр. 2076

المحمَّدية، ليست هي إدخالَ المسلمين في المسيحية، فإنَّ في هذا هدايةً لهم وتكريمًا، وإنَّما مهمتكم أن تخرجوا المسلمَ من الإسلام، ليصبحَ مخلوقًا لا صِلةَ له بالله، وبالتالي فلا صِلةَ تَربِطه بالأخلاق التي تعتمدُ عليها الأممِ في حياتها، وبذلك تكونون أنتم بعَمَلكم هذا طليعةَ الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية، وهذا ما قمتم به خلالَ الأعوام المئةِ السالفةِ خيرَ قيام، وهذا ما أُهنِّؤُكم عليه، وتُهنِّؤُكم دول المسيحيةِ والمسيحيون جميعًا عليه كلَّ التهنئة. لقد قَبَضنا -أيها الإخوان- في هذه الحِقبةِ من الدهر مِن ثُلُثِ القَرنِ التاسعَ عَشَرَ إلى يومِنا هذا على جميع برامج التعليم في الممالكِ الإسلامية، ونَشَرنا في تلك الربوع مكامِنَ التبشير، والكنائسِ، والجمعياتِ، والمدارسِ المسيحيةِ الكثيرةِ التي تهيمن عليها الدولُ الأوربيةُ والأمريكية، والفضلُ إليكم وحدَكم أيها الزملاء. إنكم أعددتُم له بوسائِلِكم جميعَ العقولِ في الممالكِ الإسلامية إلى قبولِ السير في الطريقِ الذي مَهَّدتم له كل التمهيد. إنكم أعددتم شبابًا في ديار المسلمين لا يعرفُ الصِّلةَ بالله، ولا يريدُ أن يَعرِفَها، وأخرجتم المسلمَ من الإسلام، ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي جاء النشء الإسلاميُّ طبقًا لما أراده له الاستعمارُ، لا يَهتمُّ للعظائم، ويحبُّ الراحةَ والكسل، ولا يُصرِّفُ هَمَّه في دنياه إلاَّ في الشهوات، فإذا تَعلَّم فللشهوات، وإذا جَمَع المال فللشهوات، وإن تَبوأَ أسمى المراكزِ فللشهوات، ففي سبيل الشهوات يجودُ بكلّ شيء.

стр. 2077

إنَّ مهمتَكم تمت على أكملِ الوجوه، وانتهيتم إلى خيرِ النتائج، وباركَتْكم المسيحية، ورَضِي عنكم الاستعمار، فاستمِرُّوا في أداءِ رسالتِكم، فقد أصبحتم -بفضل جهادكم المبارِك- موضعَ بركاتِ الربِّ". وبهذه الكلماتِ انتهى خطابه، وما أحسَبُ هذا الخطابَ بحاجةٍ إلى أي تعليق عليه، ولكنَّني لستُ أدري ما هو هذا الربُّ الذي تُلتمسُ بركاته ثوابًا على تضليل الناس، وإخراجِهم من دينِهم وعقائدِهم بالله وبرسالاته، وغمسِهم بالشهواتِ والموبقات والرذائل؟!. * ويكفيني عن أي تعليق قولُ الله تعالى في سورة "الجاثية/ ٤٥ مصحف/ ٦٥ نزول): ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣]. وقد بلغ القسيسُ "زويمر" الخامسةَ والثمانينَ، ومات سنة (١٩٥٢ م) دون أن يَظفَرَ بما كان يصبو إليه، إلاَّ أنه قد لَقِي عند ربه جهنَمَ وبئسَ المصير، إذ كرَّس حياتَه لتضليلِ أهل الإيمان، وتحويلِهم عن صراطِ الله. * * * ٥ - مؤتمرات أخرى: وما يزال المبشِّرون يَعقِدون المؤتمراتِ لتطويرِ وتحسينِ وسائلِهم لتنصيرِ العالم الإسلامي. ° ومن هذه المؤتمراتِ مؤتمرْ كَنَسيٌّ عُقد في ولاية "كولارادو" بأمريكا في عام (١٩٧٧ م)؛ وموضوع هذا المؤتمر هو ما يلي: "العملُ على اكتشافِ

стр. 2078

وتحديدِ المسؤوليات المسيحيةِ في أمريكا الشمالية تُجاهَ تنصيرِ المسلمين". وهذا المؤتمرُ امتدادٌ لمؤتمراتٍ أخرى عُقدت لهذا الغرضِ في "لوزان" عام (١٩٧٤ م) بهدفِ تنصيرِ شعوبِ العالم. وتمَّ اختيارُ المرشَّحين لهذا المؤتمر من المبشِّرين المهتِّمين بتنصيرِ المسلمين. وكان الإحساسُ السائدُ بين المشارِكين في المؤتمر أنه يجمث تغيير طريقةِ العمل الرئيسة وفقًا لوضع العالَم الإسلاميِّ المعاصر؛ وأنه يجب قبولُ مبدإِ قُدرةِ الله وسيطرتِه وتحكُّمِه، لإزالة الشكِّ الذي لدى المسلمين الذي يَرى أن العالَم المسيحيَّ يُشجِّعُ بقوةٍ عمليةٍ توجيهَ العالَم الإسلاميِّ إلى العِلمانية. ووافق المشتركون في المؤتمر على أنَّ الموقفَ المتشدِّدَ تُجاهَ العالَم الإسلامي لن يُعينَ في عمليةِ تنصيرِ العالم الإسلامي، لذلك فهم يَعتقدون أنه يجبُ العملُ على إيجادِ جوٍّ وُدِّي بينهما. ° ومن مقررات هذا المؤتمر ما يلي: ١ - يجبُ بذلُ الاهتمام الكافي والتركيزُ بقوةٍ على زَرع جالياتٍ مسيحيةٍ في قلب العالم الإسلامي، وهم سيحاولون بدَورهم تطويرَ وإيجادَ وسائلَ منهجيةٍ جديدة أكثَرَ ملاءمةً عند تقديم الإنجيل للمسلمين. ويجب الاهتمامُ الشديدُ باستخدام الآياتِ القرآنيةِ ذات الصلةِ بهذه الموضوعات، وخاصةً في المراحل الأوليةِ لعمليةِ التنصير. ٢ - بناءُ وزَرعُ الكنائس التي تهتمُّ بالمتنصِّرين، والترتيباتِ الخاصة بهم، والشعائرِ الدينية. إلى غير ذلك من مقررات.

стр. 2079

مجالات أنشطة المبشرين ١ - التحدِّي المباشِرُ للإِسلام عن طريقِ المُناظرة لعلماء المسلمين: كان المجالُ الأولُ الذي بدأ به المبشرون (المنصرون) هو مجالُ التحدِّي المباشِر للاسلام، عن طريقِ المناظَرةِ لعلماء المسلمين. وقد بدأ هذا التحدِّي القَسُّ "فاندر" أحدُ مؤلفي كتاب "ميزان الحق" عمدةُ المبشرين والمستشرقين في مناظراتهم للمسلمين. وتصدَّى له في الهند الشيخ "رحمة الله الهندي" (الكيرانوي" (١٢٣٣ - ١٣٠٨ هـ) صاحب كتاب "إظهار الحق". قامت بينهما مناظرةٌ علنيةٌ في (١١ رجب سنة ١٢٧٥ هـ) الموافق لـ (١٠ نيسان ١٨٥٤ م) في مدينة "أكبر آباد آكره" إحدى مجالاتِ النشاطِ التبشيري في الهند، وقد حَضَرَ هذه المناظرةَ ولاةُ المديرية.، وموظَّفو الثكنةِ الإنكليزية من الإنكليز، وعددٌ كبيرٌ من أعيانِ البلد ووجهائه. وقد أَسفرت هذه المناظرةُ في يومها الأول عن اعترافِ القَسِّ "فاندر" بوقوع التحريفِ في ثمانيةِ مواضعَ من الأنجيل. وفي اليوم التالي تزايد عددُ الذين حَضروا المناظرة من الحُكَّام الإنجليز والمسيحيين والهنادك والسيخ، وظَهر ضَعف القَسّ "فاندر" في المناظرة وظَهر تعنُته. وفي اليوم الثالث لم يَعُدِ القَسُّ إلى مجلسِ المناظرة التي لم تَنْتَهِ، وكان

стр. 2080

كلَّما عَلم بوجود الشيخ ﵀ في مكانٍ غادره (١). ثم عَدَل المبشِّرون عن مِثل هذه المواجهةِ الصريحة، وانطلقوا في المجالاتِ الأخرى غيرِ المباشرة. ٢ - مجالُ الخِدماتِ الصحية: وكان ذلك بتأسيسِ المستشفيات والمستوصفاتِ التبشيرية، وتوجيهِ الأطباءِ المتنقِّلين، والمستوصفاتِ المتنقَّلة، وقد تحمَّلوا في ذلك مشقاتِ الدخولِ في أصعبِ الأماكنِ الإفريقية، وغيرها. وقد وَجَّهوا اهتماماتٍ كبرى لتنصيرِ المسلمين في مجالِ خِدماتِهم الطبية، في معظم بلدانِ العالم الإسلامي الكبرى والصغرى، واستثمروا مؤسساتِهم الطبيةَ استثمارًا اقتصاديًا واسعًا مع قيامهم بمهمَّاتِ التنصير. ٣ - مجال تأسيسِ الكنائسِ والأديرة والرهبنات: وذلك في كلِّ بلدٍ إسلامي يوجَدُ فيه نصارى، ولو لم يتجاوزوا عددَ أصابع اليدين، لتكونَ هذه المؤسساتُ الدينية بؤرةً للتنصير، ومسوِّغًا للادعاءاتِ المستقبليةِ بحقوقٍ تاريخيةٍ في بلاد المسلمين ٤ - مجال تأسيس المدارس: وذلك في المرحلةِ دون المرحلةِ الجامعية التي هي من اختصاصِ المستشرقين، وقد أسَّسوا في هذا المجالِ مدارسَ كثيرة في بلدانِ العالم

стр. 2081

الإسلامي، مِن دُورِ الحضانة حتى شهادةِ الدراسة الثانوية، وأتقنوا بناءَها ونظامها، واجتَذبوا إليها أعدادًا هائلةً من أبناءِ وبناتِ المسلمين، وكان من ثمراتِها إخراجُ أجيالٍ متنكرةٍ لدينها، ولأمتها، ولأوطانها، تابعةٍ للغرب، متشبثةٍ بذيولِ الحضارةِ الأوربية وبريقِ ألوانها، مع ما فيها مع انحلالٍ وفوضى خُلُقيةٍ وسلوكية، دون الأخذِ بعوامل النهضةِ الماديةِ الحقيقة. ومن الأمثلة على ذلك: ما تَكشِفُه الإحصائياتُ عن وجودِ قُرابةِ (١٤٠) مدرسةً طائفيةً وأجنبيةً في الأردن في السبعيات من القرن العشرين الميلادي البخاري، وعددُ الطُّلابِ والطالباتِ فيها يَزيدُ على ثلاثين ألفًا، معظمُهم من أبناءِ وبناتِ المسلمين، والمعلِّمون والمعلِّماتُ فيها معظمهم من غيرِ المسلمين. ٥ - مجال الخدمات الاجتماعية المختلفة: كدُورِ الأيتام، والعَجَزةِ، والأرامل، والمطلَّقاتِ، ونحو ذلك. ٦ - مجالُ العلاقات الاجتماعية: فمن ذلك الصِّلاتُ الوديِّةُ الشخصيةُ والصداقاتُ والزياراتُ العائلية، والعلاقاتُ الاجتماعيةُ والاقتصاديةُ والثقافيةُ المختلفةُ، واتخاذُ هذه الأمورِ وسيلةً لإفسادِ المسلمين والمسلمات. ٧ - استغلالُ الأزماتِ والكوارثِ الفرديةِ والاجتماعية: ويتجلى ذلك بتصيُّدِ اللقطاءِ والمشردين والمشرداتِ وأصحابِ الأزمات المختلفة من أبناءِ وبناتِ المسلمين، وكذلك الذين فَقدوا أهليهم في

стр. 2082

الحروب، والفتن، والمجاعات، والكوارثِ الطبيعية، والأزماتِ الأخرى، وإيوائهم لتنصيرهم. ومن أمثلة ذلك: الحملاتُ المكثفةُ التبشيريةُ لتنصيرِ أطفال المسلمين اللاجئين في الصومال، التي نَشرت الصحفُ عنها في عام (١٤٠٢ هـ). والحملاتُ التبشيريةُ لتنصيرِ أطفال لاجِئي الأفغانِ في باكستان، الذين فرَّ بهم أهلُوهم، خوفًا عليهم من التدميرِ الشيوعي الأحمر، وقد نُشر عنها في عام (١٤٠٣ هـ). وهذه الحملاتُ تأتي تحتَ قناع هيئةِ "الصليب الأحمر". وكذلك الحملاتُ التبشيريةُ لتنصيرِ أطفال من إندونيسيا، ليكونوا إذا كَبِرُوا مبشرين بالنصرانية بين ذَويهم، وقد أسمَوا هذا المشروعَ بمشروع "الأسر البديلة". وحَصَل ما هو أشنعُ من ذلك في أطفال المسلمين اللبنانيين، وذلك في الفِتن السياسية التي قامت بين الطوائفِ اللبنانيةِ المختلفة، في السبعينات، وأوائل الثمانيناتِ من القرنِ العشرين الجاري، إذْ كانوا يُلتقطون ليؤخذوا إلى معسكراتِ وملاجئ التنصير، أو إلى القتل. ونشرت الصحفُ أن بعضَ النصارى اللبنانيين باعُوا ألفين من أطفال المسلمين في لبنان إلى المؤسساتِ التنصريةِ في أوربا وأمريكا. ونَشرت الصحفُ أيضًا ما يُثبتُ أنَّ هناك منظماتٍ سريةً يُشرِفُ عليها قساوسة لشراءِ أطفالِ من أبناءِ المسلمين، بُغيةَ أخذِهم إلى معسكرات التنصير.

стр. 2083

٨ - تأسيسُ الإِذاعات: وهي الإذاعاتُ الخاصةُ بالدعوةِ إلى النصرانية، ونشرِ الإنجيل بصورةِ علنيةٍ ظاهرة، أو بصورةٍ خفيةٍ متوارية. ° ومن هذه الإذاعات: ١ - إذاعة "مونت كارلو". ٢ - إذاعة "صوت الغفران". ٣ - إذاعة "مركز النهضة". ٤ - إذاعة "قبرص" في نيقوسيا. ٥ - إذاعة "فيبا" بجمهورية السيشيل في المحيط الهندي. ٩ - توزيع المطبوعات والمنشورات الداعية إِلى النصرانية: وذلك ببثِّها بين صفوفِ المسلمين، مقروناً بالأساليب الودِّية، والوعد بتلبية المطالب. والمبشِّرون بالنصرانية يستغلُّون إمكاناتِهم الواسعةَ الماديةَ والعلميةَ والبَشَريةَ، لطبع ملايينِ الكتب، والرسائل، والمنشوراتِ، وتوزيعِها بين المسلمين. ومع ما لديهم من أموالٍ وفيرةٍ، تُحوَّلُ إليهم فوائد ودائع المسلمين في البنوك الغربية، الذين يوُدِعون أموالهم فيها، ولا يأخذون فوائدَها الربوية، وهم بذلك قد ساعَدوا أعداءَ الإسلام بأموالهم مرَّتين.

стр. 2084

١٠ - الإِغراءُ بين الجنسين: وذلك بتصيدِ الشباب عن طريقِ الفتيات الحسناوات المرضيات بصداقاتهن الخاصة، والآسراتِ للنفوس، والباذلاتِ أجسادَهنَّ ولو بطرقٍ محرَّمةٍ. ١١ - تأسيسُ الجمعياتِ والمنظماتِ والنوادي: ومن مجالاتِ أنشطةِ المبشِّرين بالنصرانية، الجمعياتُ والمنظماتُ والنوادي ذاتُ النشاطِ الاجتماعي أو الأدبي أو الثقافي، أو الفني أو الرياضي. ° ومن هذه المنظمات ما يلي: ١ - منظمة "نداء الرجاء" بمدينة "شتوتكارت" الألمانية. ٢ - منظمة "بعثة الصداقة" التي لها فروع في لبنان، وهولندا، وألمانيا، وفرنسا، وأمريكا. ٣ - منظمة "مركز الشبيبة النصراني" ومركزُها الرئيسي بألمانيا الغربية، ومؤسِّسُها "فالتر فاشرمان" الألماني الجنسية .. إلى غيرها من المنظمات. ١٢ - المساعدة على افتتاح أكبرِ عدد ممكنٍ من دور الخمور: وقد تمَّ ذلك في بلدانِ العالم الإسلامي، لنشرِ معاقرةِ الخمورِ بين المسلمين. وقد لاحَظَ المتتبِّعون في السودان أنَّ الكنيسةَ والمؤسَّساتِ التبشيريةَ وراءَ تعطيل أيِّ مشروع لتحريم الخمر، فعندما أعلَن مجلسُ منطقةِ أمِّ دِرمانَ تحريمَ بَيع الخمور، قامت الكنيسةُ بمعارضةِ ذلك، واضطَربت، ودَفعت

стр. 2085

الأموالَ الطائلةَ لتعطيل تنفيذ القرار. ١٣ - الاهتمامُ بالمجتمعاتِ الإِسلامية الناميةِ والنائية: تهتمُّ حركاتُ التنصيرِ بالمجتمعاتِ النائيةِ والنامية، والتي تكثُر فيها الأمية، وينتشرُ فيها الفقرُ والمرض، لاستغلالِ حاجاتهم والبؤسِ الذي يعانون منه، الأمرُ الذي قد يُسهِّلُ عليهم بَيعَ دينِهم لتحصيل الغذاءِ والدواءِ والكِساءِ، والعمل الذي يُحصِّلون عن طريقِه أرزاقَهم. ويَقْنَعُ المنصِّرون بمن يتنصَّرُ طمعًا بتأمينِ حاجاته، لا عن إيمان بالنصرانية، ولا عن اعتقادٍ بصحتها. ١٤ - استغلالُ أشرطة "الكاسيت": واستَخدمت حركاتُ التنصير -مع انتشارِ آلاتِ التسجيل على نطاقٍ واسع في العالم- طبعَ أشرطةِ "الكاسيت" وحَشْوَها بما يريدون بثَّه من أفكار، وتوزيعَها في مجالات أنشطتهم. ١٥ - تأسيس منظمات سِريةٍ تعمل في الخفاء: ومن أمثلةِ هذه المنظماتِ السريِّةِ ما أعلنته الصحفُ السودانيةُ في أواخِرِ السبعينات من أن سُلطاتِ الأمنِ السودانية اكتَشفت خليةً سريةً تعملُ في الخفاء لبث الدسائسِ والأفكارِ المعاديةِ للإسلام، والداعيةِ إلى النصرانية، وذلك إذْ داهمت هذه السلطاتُ وَكرَ خليةٍ من خلايا هذه المنظمة في "الخرطوم" العاصمة السودانية. وزعيمُ هذه الخليةِ طبيبٌ سويسري يعملُ في "الخرطوم"، وهي متابعة لمنظمةٍ دوليةٍ مركزُها في "بازل" بسويسرا، ولهذه المنظمةِ فروع في ألمانيا،

стр. 2086

والنمسا ولبنان. وحين تمَّت مداهمةُ هذا المركز عُثر على (٢٠٠) ألف كتابٍ من الكتب المعادية للدين الإسلامي، والمحرِّفةِ له، والمشوِّهةِ لصورتهِ الحقيقية، والداعيةِ إلى الردَّة عنه. وضُبطت فيه أيضًا كمياتٌ كبيرة من الأشرطة التي سُجِّلت فيها موضوعاتٌ وأحاديث مناوئةٌ للإسلام، وبعضُها يشتملُ على تلاواتٍ شبيهةٍ بالتلاوات القرآنيةِ -هي ليست قرآنًا- بل معاديةً ومناقضةً له، بُغيةَ تضليل عوام المنتمين إلى الإسلام في إفريقيةِ وغيرها، حيث الجهلُ بالإسلام منتشر. وذَكرت الصحفُ السودانيةُ آنئذٍ أن رئيسَ هذه المنظمةِ هو الألماني "فالتر فشرمان"، وأنه كان قد بَعث بخطابٍ إلى الطبيبِ السويسري مديرِ الخليةِ في "الخرطوم" يدعوه فيه إلى تكثيفِ النشاطِ للحدِّ من المدِّ الإسلامي. ١٦ - مجالُ المسابقات بأنواعها: ومِن هذه المسابقاتِ الإعلانُ عن مسابقاتٍ عن طريقِ المراسلة، ومضامينُ هذه المسابقاتِ تتطلبُ التعرفَ على موضوعاتٍ يُهِمُّ المبشِّرين التعريفُ بها. وتُرصَدُ لهذه المسابقات جوائزُ مادية وعَينية قيمة، بُغيةَ شد انتباهِ الناس إليها، وتحريكِ مطامع ذَوِي المطامع للمشاركةِ فيها. ١٧ - تأليف الكتب: وهي الكتبُ المعدة لتكونَ مراجعَ للبحوث الدينية، ومنها الكتبُ

стр. 2087

التالية: ١ - "ميزان الحق" مؤلَّف من ثلاثة أجزاء. ٢ - "تنوير الأفهام في مصادر الإسلام". ٣ - "الهداية" مؤلَّف من أربع أجزاء. ٤ - "مقالة في الإسلام". ٥ - "الباكورة الشهية في الروايات الدينية". ٦ - "دعوة الحق". ٧ - "أصول الإيمان". ٨ - "الصليب في الإنجيل والقرآن". ٩ - "دين المسيح لم ينسخ". ١٠ - "شخصية المسيح في الإنجيل والقرآن". ١٨ - مجال الفنادق العالمية الكبرى: وذلك باستغلال الفنادق العالمية الكبرى ذات الفروع في معظم عواصم العالم، ودسِّ ما يمكن عن طريقها من غزوٍ تبشيري صليبي، وسلوكٍ غربي يخدم مصالح الاستعمار الغربي، ويُحوِّل المسلمين عن مفاهيمهم الإسلامية، وأنواع سلوكهم الإسلامي. ١٩ - استخدام الأسواق المجُمعة "السوبر ماركت": يتمُّ ذلك باستغلالها لترويج ما يخدم أفكار الغزاة، ويُشجع على ممارسة أنواع سلوكهم وطرائق حياتهم.

стр. 2088

٢٠ - إِنشاءُ معاهدَ لإِعدادِ المنصِّرين المتخصِّصين بتنصيرِ المسلمين: مثل: "معهد صمويل زويمر" الذي أُنشئ في شمال "كاليفورنيا"، وقرروا إنشاءَ معهدٍ آخَرَ، ورصدوا له مليارَ دولار أمريكي. وهنالك مجالاتٌ كثيرة أخرى قائمة، أو يمكن أن تتفتَّقَ أذهانُ أعداء الإسلام لاستخدامها. * * * التآزُرُ بين المبشِّرين والمستعمرين ١ - تتابعت مخططاتُ المبشِّرين الهادفةُ إلى محوِ الإسلام من الوجود، وتمزيقِ وحدةِ المسلمين، واتَّسعت دوائرُ أعمالِهم وملاحقتِهم للإسلام في كل بلدٍ اتساعًا كبيرًا، ولكنهم لم يَظفَروا بكلِّ ما يُريدون تحقيقَه داخلَ المجتمعاتِ الإسلامية، عن طريقِ أعمالِهم ونشاطاتِهم الخاصةِ المنفصلةِ عن الحكوماتِ الاستعمارية، فلجؤوا إلى هذه الحكوماتِ يلتمسون منها العَونَ والتأييدَ المالي والسياسيَّ والعسكري. فرأت الدولُ الاستعماريةُ جيوشَ المبشرين كَنزًا ثمينًا لها، فقررت أن تُدعِّمها في أهدافِها التبشيرية، لتستخدمَها في الأهداف الاستعمارية. وقد كان المبشِّرون الذين يَفِدُون إلى البلاد الإسلامية، يأتون أولَ الأمر متستِّرين بأسماءٍ مختلفة، فإذا استقروا في البلاد أَخذوا يقُومون بالتبشيرِ على مقدارِ وُسعِهم، فإذا وَجدوا من الدولِ الإسلاميةِ مراقبةً لهم وتذمُّرًا من

стр. 2089

أعمالِهم وملاحقةً لتصرفاتهم لجؤوا إلى قناصلهم طالبين حمايتَهم، وكان المسؤولون في القنصلياتِ الأجنبيةِ يُدافعون عنهم ويَحمُونهم بوصفِهم من رعاياهم، وكلما ضَعُفت الدولُ الإسلاميةُ إمامَ نفوذِ الدولِ الأجنبيةِ زادت هذه الدولُ في دعم المبشِّرين داخلَ البلادِ الإسلامية، وفي حمايتهم وتأييدهم. ومن أمثلةِ ذلك: لمَا أراد الخديوي "إسماعيل باشا" أن يُغلِقَ مدارسَ البشرين البروتستانت في مصر؛ لأن هؤلاء كانوا يتدخلون في السياسة، وُيثيرون الاضطراباتِ في البلاد، وَيزيدون مشاكلَ الحكومة، تدخلت في الأمر قنصليتانِ تابعتانِ لأكبرِ دولتينِ يومئذٍ، فأيدتَا المبشرين، وحَمَلتا الحكومةَ المصريةَ على أن تتقيدَ بالخط الهمايوني (أي: بالدستور) الذي ينص على احترام الحريةِ الدينية، عِلمًا بأن احترامَ الحريةِ الدينيةِ لا يتعارضُ مع الأمرِ لإغلاقِ مدارسَ تبشيريةٍ أجنبية، تحاولُ أن تَعبَثَ بعقائدِ المسلمين وتُخرِجَهم عن دينهم، ولكن سياسةَ دعم المبشرين هي التي حَرضت الدولَ الأجنبيةَ على أن تتدخلَ لصالح التبشيرِ هذا التدخلَ السافر. ٢ - ويكشفُ سياسةَ التآزرِ بين المبشرينِ والمستعمرين ما جاء في الكتابِ المئوي للمبشرين اليسوعيين، بعد أن أَمْسَتْ سورية ولبنان تحتَ الانتداب الفرنسي، وهو قولهم: "أجل، لقد كنا نعتمدُ على مساعدةِ فرنسا الظافرة، والآن ها هي فرنسا هنا". ٣ - وفي المؤتمر الذي أقامة المبشرون على ظَهرِ الباخرة "غالف" في البحر الأحمر، صَرَّح حاكمُ إفريقية الشرقية: بأنه يجب على الحكومةِ وعلى

стр. 2090

المبشرين أن يَشتركوا في العمل ضدَّ الإسلام. ٤ - وفي سبيل مؤازرةِ المبشّرين للدول الاستعمارية المتربِّصة، أَخَذَ المبشرون يفتعِلُون داخلَ البلاد الإسلامية الأسبابَ التي تقودُ إلى الحرب؛ لأن الحربَ ستُضعِفُ الدولَ الإسلامية، ومِن خلال ذلك يجدُ المبشرين منافذَ واسعةً لهم، كي يَقوموا بمهمةِ التبشير بين المسلمين على ما يُحبُّون، ويحاولُ المستعمرون مِن جهتهم تحقيقَ أهدافِهم الاستعمارية، بينما يحاولُ المبشِّرون تحقيقَ أهدافِهم التبشيرية. وهذا ما أَعطى الحروبَ التي كانت تُشن ضدَّ العالم الإسلاميّ صفةً دينيةً صليبيةً، بما في ذلك الحروبُ التي شنتها الدولُ الأوربيةُ على الحكوماتِ الإسلاميةِ في القرنين التاسعَ عَشَرَ والعشرين. ° يقول المبشر"لورانس براون": "وكذلك شنت الدولُ الأوربيةُ في القرن التاسع عَشَرَ والقرن العشرين حروبًا عُدوانيةً على الحكوماتِ المسلمة، ثم انتَزعت منها أراضيَ ضمتها إلى سُلطانها هي، ولقد كانت النتائجُ في أحوالٍ كثيرةٍ غيرَ سارةٍ لبعضِ الشعوب التي استُعبدت، وخصوصًا من المسلمين، ولكن هذه الشعوبَ لم تَصِلْ بعدُ إلى درجةٍ تَشعُرُ فيها بأنها أصبحت أقلياتٍ مضطهدةً". ° ويقول "وليم كاش" في كتابٍ صغير له: "قبلَ هذه التطوراتِ التي طرأت على العالَم الإسلامي بعدَ الحربِ العالمية الأولى، كان المبشِّرون قد اتخذوا مراكزَ استراتيجيةً في العالَم الإسلامي، واستطاعوا في أثناءِ الثورات والحروبِ والاضطراباتِ أن يُتابعوا عَمَلَهم بهدوءٍ وثبات، ولقد

стр. 2091

كُتب هذا الكتاب الصغير ليدلَّ على هذه التطوراتِ التي حَدثت، وليبين للكنائسِ تلك الحاجةَ الملحة للتقدُّم بمشروعِها في يومِ الفرصةِ السانحة". وقبل أن يحتلَّ الاستعمار الإيطاليّ "إِرِتْرِيا" استَخدم الطليانُ المبشِّرَ الطلياني الأب "سابيتو" ليبتاعَ لهم "عَصَب" من الأريتريين، ففعل، وكان ذلك هو البدايةُ للاحتلال الاستعماري. وكذلك كانت للمبشرين أدوارٌ كثيرةٌ مماثلةٌ في التمهيد للاستعمار، كما كان للدول الاستعمارية أدوارٌ كثيرة في مساعدة المبشرين ومؤازرتهم وحمايتهم لهم، وخططُ العمل من الفريقين يكمِّلُ بعضها بعضًا. ٥ - ونجدُ الآنَ بعد استقلالِ البلادِ الإسلاميةِ من الاستعمارِ المباشر، نشاطًا كبيرًا للمبشرين في بلاد كثيرةٍ من بلاد المسلمين، وهذا النشاطُ تُدعِّمُه الدولُ الاستعمارية الكبرى، منه نشاط المبشِّرين في إفريقية، ونشاطُ المبشرين الكبير في إندونيسيا، إذ تتزايدُ فيها الإرسالياتُ التبشيريةُ تزايدًا كبيرًا. نشرف صحيفة "واشنطن بوست" في عددها الصادر في (٧/ ٩/ ١٩٧٣ م) تعليقًا بعنوان: "تعاظُمُ التنصير في إندونيسيا" أشارت فيه إلى ازديادِ عددِ الكنائسِ في أوساط إندونيسيا المسلمة .. وذكرت أن "جاوه" -وهي أكثر الجزرِ ازدحامًا بالسكان، إذ تبلغُ نسبة عددِ سكانها (٦٥%) من مجموع سكان إندونيسيا- أصبحت تربةً صالحةً لنشاطِ الإرسالياتِ التبشيرية، وقد تضاعَف عددُ كنائس البروتستانت والكاثوليك في "جاوه الوسطى والشرقية" إلى أربعةِ أضعافِ ما كان عليه .. ويبلغ عددُ أعضاء كنيسة "جاوه الشرقية" وحدها (٢١٠٠٠) واحدًا وعشرين ألف

стр. 2092

شخص .. ورغم ما يواجهُ رجالَ التبشير في بعضِ المناطقِ الإسلاميةِ من مقاومةٍ وإعراض، إلاَّ أنهم بالأغراءِ الماديِّ المسيحيِّ استطاعوا أن يتغلَّبوا على هذه المصاعب. ° وقالت الجريدة: "إنه توجدُ في إندونيسيا الآن جريدتانِ إحداهما للبروتستانت، والأخرى للكاثوليك". ° وقالت: "إن المسيحيين الذين تبلغُ نسبتُهم (٥%) من مجموع سكان البلاد يُسيطرون على بعض المرافق". وأعادت الصحيفةُ إلى الأذهانِ أن طلائعَ البعثاتِ التبشيريةِ دَخلت إندونيسيا في عام (١٥٠٠ م) مع البرتغاليين الذين استعمروا جُزر البهارات .. وقد استَمرت الحملاتُ التبشيريةُ وبعثاتُها تتوالى على البلاد في مختلفِ العهودِ التي مرت بها (١). ومع تزايُدِ النشاط التبشيري في إندونيسيا أَخذت الأموالُ تتدفقُ عليها من دولِ الغربِ ومن أمريكا بالذات، ومعظمُ هذه الأموالِ لخدمةِ أهدافِ المبشرين الراميةِ إلى تنصيرِ الشعبِ المسلم في إندونيسيا. ٦ - ومما يدل على أن التبشيرَ تمهيدٌ للاستعمار ومقدمة له، ما جاء في خطاب القسيس "زويمر" الذي ألقاه في مؤتمرِ القدس التبشيري، الذي سبق بيانه، إذ قال فيه للمؤتمرين: "وبذلك تكونون أنتم بعَملكم هذا طليعةَ الفتح

стр. 2093

الاستعماري في الممالك الإسلامية". ° ويقول المبشر "لورنس براون" -وهو أحدُ أقطابِ المبشرين في العالم-: " .. ولكنَّ الخَطرَ الحقيقيَّ كامن في نظام الإسلام، وفي قُوته على التوسع والإخضاع، وفي حيويتِه، إنه الجدارُ الوحيدُ في وجهِ الاستعمار الأوربي". ° وتقول مجلة "العالم الإسلامي" الإنكليزية: "إن شيئًا من الخوف يجبُ أن يُسيطرَ على العالَم الغربي، ولهذا الخوفِ أسبابٌ، منها: أن الإسلامَ منذُ أن ظَهر في مكةَ لم يَضعُف عدديًّا، بل هو دائمًا في ازديادٍ واتساع، ثم إن الإسلامَ ليس دينًا فحسب، بل إن من أركانِه الجهادَ، ولم يَتَّفِقْ قط أن شعبًا دخلَ في الإسلام ثم عاد نصرانيًّا". ٧ - ويكشفُ سياسةَ التآزرِ بين المبشرين والمستعمِرين ما جرى في المؤتمر الاستعماري الألماني. فقد نشرت "مجلة إرساليات التبشير البروتستانتية" التابعةُ لجميعة التبشير في مدينة "بال" بسويسرا مقالةً ذاتَ شأنٍ عن موقفِ إرساليات التبشير في المؤتمر الاستعماري الألماني، ومما يَزيدُ في أهميةِ هذه المقالة أنها مكتوبة بقلم المبشر "م. ك. اكسنفلد" صاحبِ التقرير عن الفرع المختص بالإسلام في المؤتمر الاستعماري المذكور، وهو أيضًا أمينُ سر جميعةِ التبشير في برلين. ° قال صاحب المقالة:، إنَّ المؤتمر الاستعماري امتاز بِمَزِيَّتين: الأولى: أنه بَحث في الشؤونِ الصناعيةِ والاقتصادية. الثانية: إجماعُه على وجوبِ ضمِّ المقاصِدِ السياسيةِ والاقتصاديةِ إلى

стр. 2094

الأعمالِ الأخلاقيةِ والدينيةِ في سياسةِ الاستعمارِ الألماني. واستَشهد بقول "شنكال" رئيسِ غرفةِ التجارةِ في "همبرغ": "إن نموَّ ثروةِ الاستعمار متوقفٌ على أهميةِ الرجال الذين يَذهبون إلى المستعمراتِ، وأهمُّ وسيلةٍ للحصول على هذه الأمنية إدخالُ الدينِ المسيحي في البلادِ المستعمَرة؛ لأن هذا هو الشرطُ الجوهري للحصول على الأمنيةِ المنشودة، حتى من الوِجهة الاقتصادية". ثم حَضَّ "اكسنفلد" على تقديرِ عمل المبشرين، وإحلالِه في مَحِله اللائق به، وعندما أَخذ المؤتمرُ الاستعماري يبحثُ في أعمالِ فرعِه الرابع الخاص بالمسألة الإسلامية، أفاض المبشرون المشتركون في المؤتمر، وتوسَّعوا في القول، حتى خُيِّل للجميع أن المؤتمرَ الاستعماري تحول إلى مؤتمر تبشيري. ° وجاء في قرارات المؤتمر الاستعماري المذكور ما يلي: "إن ارتقاءَ الإسلام يُهدَّدُ نموَّ مستعمراتنا بخطر عظيم، ولذلك فإن المؤتمرَ الاستعماري يَنصحُ الحكومةَ بزيادةِ الإشرافِ والمراقبةِ على أدوارِ هذه الحركة". والمؤتمرُ الاستعماري -مع اعترافِه بضرورة المحافظة على خُطَّةِ الحِيادِ تمامًا في الشؤون الدينية- يُشيرُ على الذين في أيديهم زِمامُ المستعمراتِ أن يقاوِموا كلَّ عمل من شأنِه توسيعُ نطاقِ الإسلام، وأن يُزيلوا العراقيلَ من طريقِ انتشارِ المسيحية، وأن يَنتفعوا من أعمالِ إرسالياتِ التبشيرِ التي تبث مبادئَ المدنية، خصوصًا بخدماتهم التهذيبية والطبية. ومِن رأيِ المؤتمر"أن الخطر الإسلامي يدعو إلى ضرورةِ الانتباهِ لاتخاذ التدابير -من غيرِ تسويفٍ- في كَل الأرجاء التي لم يَصِلْ إليها الإسلامُ بعد".

стр. 2095

° وجاء في خِطابٍ ألقاه الأستاذُ "باكر" أحدُ أعضاءِ المؤتمرِ الاستعماري الألماني: "إن السياسةَ التي يَنبغي الجريُ عليها في معاملةِ المسلمين، تُحِّتمُ علينا وَضْعَ خُطةٍ جديدةٍ في مَجرى سياسةِ حكومتنا .. والمبشِّرون هم الذين اختُصُّوا وحدَهم بالاهتمام بأمرِ الإسلام، والبحثِ في شؤونه في كلِّ مستعمراتنا الألمانية إلى هذه الأيام الأخيرة .. وأنا لا أرى أن تَظَلَّ الحالةُ على ما هي عليه، بل مِن رأيي أن تَنتقلَ أزمةُ السياسةِ الإسلامية منذُ الآن وبعد الآن إلى يدِ الحكومةِ في مستعمراتنا، ويجبُ على حكومتنا في هذه الخطة الجديدة التي أُشير إليها أن تَستعينَ بالوجهةِ الوطنيةِ لا بالوجهةِ الدينية، كيما تتوصَّل إلى مقاصدها". ° ثم قال: "وأنا أقترحُ على حكومتنا أن تضعَ خُطةً موطَّدةَ الأركان في الأمور الآتية: الأول: في الخطةِ العامةِ للنظام الإداري والديني. الثاني: في علاقةِ الشرع الإسلامي بالقوانين الأوربية. الثالث: في نظام التعليم". ° ثم خَتَم خطابه بقوله: "يجبُ علينا بالرغم من العنايةِ برعايةِ الإسلام أن نهتم بمقاومةِ انتشارِه في مستعمراتِنا على قَدْرِ الإمكان، وليس هنالك غير واسطةٍ واحدةٍ توصلنا إلى هذه الغاية، وهي إنشاءُ مراكزَ ثابتةِ الأركان، كما تفعلُ إرساليات التبشير". ٨ - ويكشفُ سياسةَ التآزر بين المبشِّرين والمستعمِرين ما قاله القَسُّ اليسوعي "مييز" في معرض حديثه عن سياسة فرنسا الدينية في الشرق: "إنَّ

стр. 2096

الحربَ الصليبةَ الهادئةَ التي بدأها مبشِّرونا في القرن السابعَ عَشَرَ، لا تزالُ مستمرة إلى أيَّامِنا هذه، ولقد احتَفظت فرنسا طويلاً بروح الحربِ الصليبيَّة، وبالحَنين إلى تلك الحروبِ حيَّةً في نفسها، وكان من غاياتِ الامتيازات الأجنبيةِ دائمًا أن تحتفظَ فرنسا بالدَّور الذي يلعبُه رُهبانها، وقد اعترِفَ لقناصِلنا وسُفرائنا بالحمايةِ للنصارى، وكثيرًا ما اختارت فرنسا قناصِلَها وسفراءَها من رجال الدين" (١). ٩ - ويكشفُ سياسةَ التآزر بين المبشِّرين والمستعمِرين الكتابُ الذي أصدرته لجنةُ التبشير الامريكي، والتي تهتمُّ بالاستفادةِ من الحروبِ في أعمال التبشير في عام (١٩٢٠ م). ° وقد جاء في مقدمة هذا الكتاب:"من أبرز الأمور المتعلِّقة بدخولِ الولاياتِ المتحدة في الحرب العالمية الأولى، أن الآراءَ والمبادئَ الَتي كانت تهدف إليها الإرساليات التبشيرية، قد تَبنَّتها الآن الأمَّةُ الأمريكية، ثم أعلتت أنها هي أهدافُها الأخلاقية، وغاياتُها من خوضِ تلك الحرب، إنَّ هذه المبادئَ التبشيريةَ قد سُميت الآن أسماء سياسيةً فقط" (٢). * * *

стр. 2097

الأموالُ التي تُجمع للتنصير مع إعدادِ المنصِّرين ووسائلِ التنصير (١) إِينا "نيويووك": ذَكرت مجلة أمريكيَّة أنَّ ما تَمَ جمعُه خلالَ العام الماضي من تبرُّعُاتٍ لأغراض كنسيَّةٍ من غربِ أوروبَّا وشمالِ أمريكا بلغ (١٥١) بليون دولار، وذلك لتمويل النشاطِ الكنسيِّ في إفريقية، ولدى المؤسساتِ التنصيرية (١٩٠٠) محطةِ إذاعةٍ وتليفزيون، ولديهم أربعةُ ملايين وعشرون ألفَ منصِّر متفرِّغ، وأربعمئة مجلَّة دوريةٍ مسيحية (١). (٢) وجاء في مقال كتبه: "د. كامل الدقس" (٢): "إن مجلسَ الكنائس العالمي رَصَد (١٣٠) بليون دولار أمريكي لتنصير قارَّةِ آسيا وأفريقية، وقد رَصدوا لجزيرةِ "جاوة" وحدها بليون دولار، لكي تكونَ مسيحيَّةً بحلول سنة (٢٠٠٠ م)، وقد جَمع "بيل جراهام" زعيمُ البروتستانتيين في أمريكا بليونَيْ دولارٍ أمريكي لتمويل مشروعاتِه التنصيرية في أفريقية وآسيا؛ ولدى الفاتيكان ميزانية ضخمةٌ للتنصير، قَدَّرها بعضُ الاقتصاديّين بأنَّها تجعل من العالم الثالثِ أغْنَى دول العالم" (٣). * * *

стр. 2098

* ولنختم أخيرًا بهذا الخبر: "بيت الساحر": ° قال الشيخ عمر سليمان الأشقر -حفظه الله-: "في حديقةٍ عامةٍ في مدينة "روما" في إيطاليا مبنى مسجدٍ يُشبِهُ مساجدَ المسلمين، كُتب عليه "بيت الساحر"، لم يُبْنَ لتُقامَ فيه الصلاة، ويرتفعَ من مِئذنته صوتُ المؤذِّنِ مناديًا إلى الصلاة والفلاح، ولكنه شُيِّد للصدِّ عن دينِ الله، وتشويه صورة الإسلام والمسلمين. تدخُلُ ذلك المبنى الذي دُعي بـ "بيت الساحر"، فلا تخطو خُطوةً إلاَّ قابلَكَ أمرٌ مُفزع مرعِبٌ مصنوعٌ بطريقةٍ سِحرية، وهكذا يرتبطُ اسمُ المسجدِ بالسِّحرِ والسحَرة، حتى تَنفِر نفوسُ الذين لا يَعرِفون حقيقةَ المسجدِ ورسالتِه من كل مسجد، فيُصَدُّ الناسُ عن الهداية والرشاد. ولم يَكتفِ مُشيِّدو هذا المبنى بِمَلْئِهِ بالحِيَل السحريةِ المرعبة، بل نَصَّبوا فوقَه صُوَرَ ثلاثةِ أشخاص صُنعوا ليتحركوا في دائرة، صورةَ امرأةِ عربية، يتبعُها عبدٌ، وخَلْفَهما عربي يُمسِكُ بسَوطٍ غليظٍ مُلاحقًا المرأةَ والعبدَ ليهويَ عليهم بسوطه. وفي البناء الذي سَمَّوه "بيت الساحر" مئذنةٌ، تُفتحُ فيها نافذة بين الفَينةِ والفَينة لِتَبرُزَ من خلالها صورةُ امرأةٍ عربيةٍ جميلة. إنها مَشاهِدُ يُرادُ لها أن تَغرِسَ في نفوسِ مُشاهِديها صُورًا مُشوهةً للمسلمين، فالغربيون الذين جَعلوا المرأةَ سِلعةً يُداسُ عفافُها باسم "الحرية والحضارة والرقي" يَسِمُون المسلمين بظُلم المرأة!!. والغربيون الذين لا يزالون بين الفَينةِ والفَينةِ يُقيمون أعراسًا حُمْرًا لكل مَن كان لونُه أسودَ، يَعيبوننا بأننا نَقهرُ ونسترق الجِنسَ الأسود!!.

стр. 2099

والمرأةُ في المِئذنةِ صورةٌ يُراد لها أن تُقرِّرَ في نفوس مِن يُشاهدونها أن المرأةَ تَعيشُ في الأغلال والقيود، فلا يؤذَنُ لها أن تَخرجَ إلى سَعَةِ الحياة. لقد حاولتُ أن أعترضَ لدى القائمين على ذلك المبنى، ونقلتُ تألمي لإحدى السفاراتِ الإسلاميةِ مطالبًا تدخلهم لإِيقافِ هذا الباطل، ولا أدري هل لا يزالُ "بيت الساحر" يقوم بدَوره في تشويهِ صورةِ الإسلام والمسلمين، أم أنه أوقِفَ وأزيل، فقد كانت رؤيتي له من عَشْرِ سنوات تقريبًا. لقد وصل الغربيون إلى مراحلَ متقدمةٍ في تشويهِ صورتِنا في عقولِ الذين لا يعرفوننا، وبخاصةٍ شبابِهم الذين يَخشَون عليهم من الإسلام. وقد اطَّلعت في الوقت الذي شاهدتُ فيه ما دَعَوه "ببيت الساحر" في مجلة "العربي" الكويتية في عددها (٣٦٤) مارس ١٩٨٩ على مقالٍ كتبه الأستاذ "عبد الرحمن حمادي" تحدَّث فيه عن تشويهِ صورةِ الإسلام في نفوسِ الناشئةِ عن طريقِ الأفلام التي تُبذل فيها الأموال والجهود الهائلة لتحقيقِ هذا المَقصِدِ الخبيث. وقد تحدَّث الأستاذُ "عبد الرحمن" عن ثلاثةِ أفلام من هذا النوع، الأول منها يسمى بـ "القط الطائر". ° يقول الأستاذ في حديثه عن هذا الفيلم: "أذكر أنني في بيروت بَقِيتُ أسبوعًا أحاول الدخولَ للصالة التي تَعرِضُ فيلم "القط الطائر"، وما نَجحث إلاَّ بالحصولِ على بطاقةٍ من السوق السوداء؛ ولقد ذُهلت حينما اكتَشفتُ أنني أمامَ أحدِ أسوإِ الأفلام عَدائيةً وتشويهًا لصورة العربي. الفيلمُ من إنتاج شركة "مترو غولدن ماير" الشهيرة، وهو موجه للأطفال والناشئة أساسًا، بَيْدَ أنه بتقنياتِه وطَرافةِ موضوعِه يجعل الكبارَ

стр. 2100

-قبلَ الصغار- يتسابقون لمشاهدته، ويتحدثُ عن قط صغير جميل يأتي من كوكبٍ بعيدٍ -كلُّ سُكَّانه من القِطط-، وهذا القِطُّ يَملِكُ قوةً خارقةً في السيطرة على الأشياء، وذلك بسِوارٍ مُعلَّق في عنقه. وَيسعى عالِم أمريكي للاستفادة من السوارِ بعدَ أن يُقيمَ علاقةَ صداقةٍ مع القط، وهدفُ العالِم الأمريكيِّ أن يَحلَّ مُشكلةَ المجاعاتِ في العالَم الثالث (لنلاحظ الصورة المشرقة للإنسان الغربي)، بَيْدَ أن عِصابةً خطيرةً تظهر فجأةً، وتحاولُ السيطرةَ على السِّوارِ لتسيطرَ به على العالَم، وهذه العصابةُ تَلبَسُ اللباسَ العربيَّ التقليدي، وتتسلَّحُ بالسيوف المعقوفة، ويتخاطبُ أفرادُها بأسماءٍ إسلاميةٍ عربية "أحمد- محمد- جعفر"، لكن "لابدَّ للشرِّ العربي أن يَنهزم" -كما يقول الفيلم-، وذلك من خلال تصدي العالِم الإمريكي للعصابة "المسلمة" وتدميرها. إنه فيلم لا يَذكر العربَ مباشرةً، ولكنْ من الواضح أنهم ما صَنعوه إلاَّ ليُشوهوا من خلاله صورةَ العرب، ولِيُقنعِوا أطفالَهم وناشِئَتَهم -قبلَ بالِغِيهم- أن الخطرَ في العالَم مصدرة العرب، وعلى الغربِ أن يَسعى لتدميرِ هؤلاء العربِ قبل أن يُدمروا العالَم". ° ويتحدثُ الكاتبُ عن الفيلم الثاني فيقول: "هو من إنتاج شركة "متروغولدن ماير" أيضًا، يتحدثُ عن رِحلةٍ عِلميةٍ لعلماءَ أمريكيين في منْطاد، ومعهم مساعِدة شقراءُ جميلة، وفي رِحلتهم يتعرض مِنطادُهم لعطل، فيَقَعون في أَسْرِ جماعةٍ من المتوحِّشين آكِلِي لحوم البشر في إفريقيا، بَيْدَ أنهم بعدَ سلسلةٍ من المغامرات يَنجحون في الهربِ بمنطادهم، وقد هَمَّ الأفارقةُ بطَهيهم وأكل لحومهم.

стр. 2101

ثم يَصِل بهم مِنطادُهم إلى صحراءَ شاسعةِ، ويُحلقُ فوقَ مدينةٍ إسلاميةٍ ترتفعُ فيها المآذن بكثرة، وحين يَرى سكانُها المنطادَ يظنونه شيطانًا سماويًّا، فيخِرُّون ساجِدِينَ برُعبٍ، ويَهرعُ المؤذنون للمآذِنِ يُكبرون ويبتهلون لله أن يَصُدَّ عنهم هذا الشيطان. وَيهبِطُ العلماءُ بمنطادِهم ليتزودوا بالمؤونة من هذه المدينةِ العربيةِ التي تَسْرَحُ فيها الجِمالُ، وَيعيشُ سكَانُها وَسَطَ القاذوراتِ والبهائم، والذين ما إن يطمئنوا إلى أنَّ هؤلاء الهابطين عليهم بَشَرٌ مِثلُهم، حتى يقودهم إلى أميرِهم في قَصْرِه الكبير. والأميرُ المسلمُ هذا محاط بالحريم ورجالِ الدينِ الإسلامي، ويقرأُ القرآن، ويرتكبُ الفواحش -هكذا يقول الفيلم-، وما إن تَقَعْ عيناهُ على المساعِدةِ الشقراءِ حتى يَسيلَ لُعابُه على لحيته، وُيقرر اغتصابَها وضَمها إلى حريمةِ (لنراجع الأفلام التي حللها الدكتور جاك شاهين، وكيف أنها تُصوِّر العربي شَبِقًا)، ثم تدورُ مغامرات يُجابِهُ فيها الأمريكيون سُكانَ المدينةِ المسلمةِ الذين كلما شَعُرواَ بالهزيمة سَجدوا مبتهِلين لله أن يَنصُرَهم، وفي النهاية ينجحُ العلماءُ في إنقاذِ مساعِدتهم الشقراء (بالطيران بها)، وقد أوشك الأميرُ المسلمُ أن يفترسَها. إنه فيلم مملوء حقدًا وعُدوانيةً على العرب، ولا يوفِّرُ وسيلةً في تشويهِ الإسلام والمسلمين، مُصوِّرًا إياهم بصورةٍ أسوأَ بكثير من صورةِ آكِلِي لحوم البشر المتوحشين، وخلافًا لِمَا عَهِدناه في هذا النوع من الأفلام، لا ينتهي الفيلمُ بتدميرِ المدينةِ العربيةِ المسلِمة، بل يتركُها في محاولةِ إقناع ناجحةٍ للمشاهِد بأن المسلمين والعرب خَطَر قائم مستمر، يجبُ أن تتكاتفَ الجهودُ

стр. 2102

لصدِّه وإنهائه. ° أما الفيلمُ الثالثُ فهو: "مغامرات في مصر" للثنائي "بود سبنسر" و"ترانسس هيل"، حيث مغامراتُهما الشيقةُ هذه المرةَ تدورُ على أرضِ "مِصر"، وتبدأُ بهبوطهما في "مطارِ القاهرة الدولي" بكل حداثتِه وحضاريَّتِه وسَعَتِه، ثم يَنتقلانِ لمدينة "القاهرة" التي هي عبارةٌ عن خِيَم وإبِل تسيرُ في شوارعَ صحراوية، وأناسٌ بعباءاتهم العربيةِ التقليديةِ يُحاربون بالسيوف المعقوفةِ ويَمْتَطُون الإبل، ويَهربون عند سماعِهم أصواتَ الطلَقات النارية من مسدس سبنسر وهيل!! ". ° ويقول الأستاذ "عبد الرحمن" في خاتمة مقاله: "وحتى أفلامُهم التي تظاهروا فيها بالحياديةِ، لم يَخرجوا فيها من أَسْرِ نظرتِهم العَدائيةِ للعرب، ومحاولاتِهم الدائبةِ لتشويههم، كما في فيلم "عملية ميونخ"، فقد عُرض الفيلمُ في جميع الأقطار العربية وفي "إسرائيل"، كفيلم تحدث بحيادية عن "عملية ميونخ" الشهيرة، لكن الحقيقةَ أن الهَمْسَ استمرَّ على العرب طوالَ مَشاهِدِ الفيلم بشكل غيرِ مباشر، قد لا ندركُه نحن العرب، لكن يدركُه المشاهِدُ الغربي الذي هيَّأته السينما الأمريكيةُ والغربيةُ بصورة سابقةٍ عن العرب، فقائدُ العمليةِ العربى مثلاً حينما يَفْشَلون بالتفاوُضِ معه أو جَعْلِه يَلِينُ، يُرسِلون له مُضيفةً شقراء وسَرعانَ ما يَلِينُ أمامَها، ويكادُ يستسلمُ لها وللمطالِبِ التي تنقُلُها .. وُيعلنُ الفيلمُ مرةً أخرى أن العربي لا يَستطيعُ مقاومةَ شَبَقِهِ تُجاه الأنثى، وهي الصورةُ التقليديةُ عن العربيِّ في السينما الغربيةِ والأمريكية" .. " (١).

стр. 2103

* دعاةُ السُّفور والتبرُّج والإِباحِية: أَنْكَى مكيدةٍ ضدَّ الحجاب -وهو من ثوابت هذا الدين الطاهر-، ونَزَعاتٌ شيطانيةٌ سافلةٌ، وتخانيثُ المدنيَّة الأوربيةِ الشاذَّة، ومدنِيَّة الدجَّالِ القبيحة، تُظهِر التبرج وكأنه أجملُ الأشياء يقودها شياطينُ الأنسِ من أقزام التغريب، وأبواقُ الإفرنج التي: تُرَمرم مِن فُتات الكُفرِ قوتًا … وتَلعَقُ من كؤوسهم الثُّمَالةْ تُقبِّل رَاحةَ الغَربي دَوماً … وتلثُمُ دونما خَجَلٍ نِعَالَهْ ° شياطينُ من شياطينِ الإنسِ خبيثةٌ تبتدعُ فكرةَ عَرضِ الآثام مكشوفةً في أجسامها .. شياطين تتألَّى أن تُفسِدَ الآدابَ الإنسانيةَ كلَّها بفسادِ خُلُقٍ واحد، هو حياءُ المرأة. ° كُلٌّ منهم جَزَّار يريدُ أن يسلُخَ المرأةَ مِن ثيابِها ليمضيَ بها بعدَ ذلك إلى المواخير. ° يريد هؤلاء الشياطينُ أن يُحَوِّلوا جماعةَ المسلمين إلى سائمةٍ تُسامُ، وقطيع مهزوزٍ اعتقادُه، غارقٍ في شهواته، مستغرِقٍ في ملذاته، مُتَبَلدٍ في إحساسِه، لا يعرفُ معروفًا ولا يُنكِر مُنكَرًا. ° يريدُ دعاة الفتنةِ هؤلاء أن يَزُجُّوا بنساءِ المسلمين إلى مدارج الفتنةِ وَيسعَوْن إلى إشاعةِ الفاحشةِ ونشرِها، وزلزلةِ نقاءِ الأعراضِ، وفتح أبواب الأطماع إلى اقتحامها بدَعَواتٍ آثمة، وشعارات مضَلِّلَة ترفعها عقولٌ صغيرة، وأفكارٌ مريضة لمُخَنَّثون وشواذ يَدْعون لإسقاط الحجاب وخلعه، ونشر التبرُّج والسفور، والعُرْي، والخلاعة، والاختلاط.

стр. 2104

° يريدون أن يُخرِجوا المرأة المسلمة من طُهْرِها وعِفَّتِها وحيائها لِتُصبح أُنْثَى مُتَرَجِّلة تنظرُ إلى الرجل نظرةَ الرجل إلى الأُنْثَى. ° كلماتٌ شيطانيَّة تَخْرُج كأنها فحيح الثعبان، وبعض هذه الكلمات هي أنيابُ الثعلب وصلاةُ الثعْلَب حين يتظاهَر بالتقوى أما الدجاجة. ° كَلِماتٌ خادعة تُقال للغافلات، هي أُخت الكلمة التي تُقالُ ساعةَ إنفاذِ الحكْم للمحكوم عليه بالشنق. ° نَشرت صحيفة "المصري اليوم" يوم الخميس ١٦ نوفمبر تحت باب "قضايا ساخنة" للمحرِّرة "فتحية الدخاخني" تصريحات لفاروق حسني وزيرُ الثقافة المصري .. وبدأت المحررة موضوعها كالتالي: "اعتبر فاروق حسني وزير الثقافة حجابَ المرأة تأخُّرًا وعودةً للوراء، وقال في تصريح خاص لـ "المصري اليوم": "النساء بِشَعْرِهِنَّ الجميل كالورود التي لا يجب تغطيتها وحجبها عن الناس". ° وقال: "الحجاب يعود بنا إلى الخلف وبسببه لن نتقدَّم، ومصر المحروسة يجبُ أن تَكُفَّ عن تقليدِ العَرَب -ربَّما على اعتبارِ أننا أحفادُ فراعنةٍ -، لأن مصر -التي تخلَّفت بلُبسِ الحجاب- كانت في وقتٍ من الأوقات قطعةً من أوروبا"!!. واسترسل الوزير في تصريحاتِه التي حَمَلت معانيَ أن الحجابَ هو حجابُ القلب، واللبس لا علاقةَ له بالتصرُّفاتِ، والبنات على الكورنيش مع الأولاد وهُنَّ بالحجاب، وأنَّ الجرائمَ ترتَكب اليومَ باسم الحجاب والنّقاب، وسنغافورة تقدَّمت وعمرُها مئة سنةٍ فقط، ونحن تخلَّفنا

стр. 2105

بسبب الحجاب (١). ° وقال:"الدينُ الآن أصبحَ مرتبطًا بالمظاهِرِ فقط، رغمَ أن العلاقةَ الإيمانيةَ بين العبدِ وربه لا ترتبطُ بالملابس .. أعتقدُ أن الأمرَ ليست له علاقة بالتقوى والورع، وإلا فما تفسيرُ مشاهدةِ مناظرِ الشبابِ والبناتِ على الكورنيش وعدد كبير منهن محجَّبات .. إن الجرائمَ اليوم تُرتَكَب باسم النقاب والحجاب" (٢). ° وقال: "العالَمُ يسيرُ للأمام، ونحن لن نتقدَّم طالما بَقِينا نُفكِّرُ في الخَلْف، ونذهبُ لِنستمعَ إلى فتاوَى شيوخ بـ (تلاتة مليم). ° واستطرد: "نحن عاصَرْنا أمهاتِنا وتربينا وتَعلمْنا على أيديهن عندما كُن يذهبْنَ للجامعاتِ والعمل دون حجاب، فلماذا نعودُ الآنَ إلى الوراء؟ " (٣). ° وفي "الأهرام العربي" كان "موضوعُ الغلاف" في العدد (٥٠٥) الصادر في ٢٥/ ١١/ ٢٠٠٦ تحت عنوان "وزير الأزمات .. ومشايخ التكفير .. !! " جاء: "من جديد تُطِل على مجتمعاتِنا العربية تلك الأفكارُ الشاردةُ، وكأننا على قَدَرٍ مع تلكِ الهموم الثقيلة .. فها هو أقدمُ وزير بالحكومة المصرية "فاروق حسني" وزير الثقافة، رَغم كِبَرِ سِنه -٦٨ عامًا، فهو من مواليد ١٩٣٨ م- يُجَددُ أفكارَه القديمةَ عن الحجابِ والزي الإسلامي
следующие страницы →