ثم يَصِل بهم مِنطادُهم إلى صحراءَ شاسعةِ، ويُحلقُ فوقَ مدينةٍ إسلاميةٍ ترتفعُ فيها المآذن بكثرة، وحين يَرى سكانُها المنطادَ يظنونه شيطانًا سماويًّا، فيخِرُّون ساجِدِينَ برُعبٍ، ويَهرعُ المؤذنون للمآذِنِ يُكبرون ويبتهلون لله أن يَصُدَّ عنهم هذا الشيطان.
وَيهبِطُ العلماءُ بمنطادِهم ليتزودوا بالمؤونة من هذه المدينةِ العربيةِ التي تَسْرَحُ فيها الجِمالُ، وَيعيشُ سكَانُها وَسَطَ القاذوراتِ والبهائم، والذين ما إن يطمئنوا إلى أنَّ هؤلاء الهابطين عليهم بَشَرٌ مِثلُهم، حتى يقودهم إلى أميرِهم في قَصْرِه الكبير.
والأميرُ المسلمُ هذا محاط بالحريم ورجالِ الدينِ الإسلامي، ويقرأُ القرآن، ويرتكبُ الفواحش -هكذا يقول الفيلم-، وما إن تَقَعْ عيناهُ على المساعِدةِ الشقراءِ حتى يَسيلَ لُعابُه على لحيته، وُيقرر اغتصابَها وضَمها إلى حريمةِ (لنراجع الأفلام التي حللها الدكتور جاك شاهين، وكيف أنها تُصوِّر العربي شَبِقًا)، ثم تدورُ مغامرات يُجابِهُ فيها الأمريكيون سُكانَ المدينةِ المسلمةِ الذين كلما شَعُرواَ بالهزيمة سَجدوا مبتهِلين لله أن يَنصُرَهم، وفي النهاية ينجحُ العلماءُ في إنقاذِ مساعِدتهم الشقراء (بالطيران بها)، وقد أوشك الأميرُ المسلمُ أن يفترسَها.
إنه فيلم مملوء حقدًا وعُدوانيةً على العرب، ولا يوفِّرُ وسيلةً في تشويهِ الإسلام والمسلمين، مُصوِّرًا إياهم بصورةٍ أسوأَ بكثير من صورةِ آكِلِي لحوم البشر المتوحشين، وخلافًا لِمَا عَهِدناه في هذا النوع من الأفلام، لا ينتهي الفيلمُ بتدميرِ المدينةِ العربيةِ المسلِمة، بل يتركُها في محاولةِ إقناع ناجحةٍ للمشاهِد بأن المسلمين والعرب خَطَر قائم مستمر، يجبُ أن تتكاتفَ الجهودُ
стр. 2102
لصدِّه وإنهائه.
° أما الفيلمُ الثالثُ فهو: "مغامرات في مصر" للثنائي "بود سبنسر" و"ترانسس هيل"، حيث مغامراتُهما الشيقةُ هذه المرةَ تدورُ على أرضِ "مِصر"، وتبدأُ بهبوطهما في "مطارِ القاهرة الدولي" بكل حداثتِه وحضاريَّتِه وسَعَتِه، ثم يَنتقلانِ لمدينة "القاهرة" التي هي عبارةٌ عن خِيَم وإبِل تسيرُ في شوارعَ صحراوية، وأناسٌ بعباءاتهم العربيةِ التقليديةِ يُحاربون بالسيوف المعقوفةِ ويَمْتَطُون الإبل، ويَهربون عند سماعِهم أصواتَ الطلَقات النارية من مسدس سبنسر وهيل!! ".
° ويقول الأستاذ "عبد الرحمن" في خاتمة مقاله: "وحتى أفلامُهم التي
تظاهروا فيها بالحياديةِ، لم يَخرجوا فيها من أَسْرِ نظرتِهم العَدائيةِ للعرب، ومحاولاتِهم الدائبةِ لتشويههم، كما في فيلم "عملية ميونخ"، فقد عُرض الفيلمُ في جميع الأقطار العربية وفي "إسرائيل"، كفيلم تحدث بحيادية عن "عملية ميونخ" الشهيرة، لكن الحقيقةَ أن الهَمْسَ استمرَّ على العرب طوالَ مَشاهِدِ الفيلم بشكل غيرِ مباشر، قد لا ندركُه نحن العرب، لكن يدركُه المشاهِدُ الغربي الذي هيَّأته السينما الأمريكيةُ والغربيةُ بصورة سابقةٍ عن العرب، فقائدُ العمليةِ العربى مثلاً حينما يَفْشَلون بالتفاوُضِ معه أو جَعْلِه يَلِينُ، يُرسِلون له مُضيفةً شقراء وسَرعانَ ما يَلِينُ أمامَها، ويكادُ يستسلمُ لها وللمطالِبِ التي تنقُلُها .. وُيعلنُ الفيلمُ مرةً أخرى أن العربي لا يَستطيعُ مقاومةَ شَبَقِهِ تُجاه الأنثى، وهي الصورةُ التقليديةُ عن العربيِّ في السينما الغربيةِ والأمريكية" .. " (١).
стр. 2103
* دعاةُ السُّفور والتبرُّج والإِباحِية:
أَنْكَى مكيدةٍ ضدَّ الحجاب -وهو من ثوابت هذا الدين الطاهر-، ونَزَعاتٌ شيطانيةٌ سافلةٌ، وتخانيثُ المدنيَّة الأوربيةِ الشاذَّة، ومدنِيَّة الدجَّالِ القبيحة، تُظهِر التبرج وكأنه أجملُ الأشياء يقودها شياطينُ الأنسِ من أقزام التغريب، وأبواقُ الإفرنج التي:
تُرَمرم مِن فُتات الكُفرِ قوتًا … وتَلعَقُ من كؤوسهم الثُّمَالةْ
تُقبِّل رَاحةَ الغَربي دَوماً … وتلثُمُ دونما خَجَلٍ نِعَالَهْ
° شياطينُ من شياطينِ الإنسِ خبيثةٌ تبتدعُ فكرةَ عَرضِ الآثام مكشوفةً في أجسامها .. شياطين تتألَّى أن تُفسِدَ الآدابَ الإنسانيةَ كلَّها بفسادِ خُلُقٍ واحد، هو حياءُ المرأة.
° كُلٌّ منهم جَزَّار يريدُ أن يسلُخَ المرأةَ مِن ثيابِها ليمضيَ بها بعدَ ذلك إلى المواخير.
° يريد هؤلاء الشياطينُ أن يُحَوِّلوا جماعةَ المسلمين إلى سائمةٍ تُسامُ، وقطيع مهزوزٍ اعتقادُه، غارقٍ في شهواته، مستغرِقٍ في ملذاته، مُتَبَلدٍ في إحساسِه، لا يعرفُ معروفًا ولا يُنكِر مُنكَرًا.
° يريدُ دعاة الفتنةِ هؤلاء أن يَزُجُّوا بنساءِ المسلمين إلى مدارج الفتنةِ وَيسعَوْن إلى إشاعةِ الفاحشةِ ونشرِها، وزلزلةِ نقاءِ الأعراضِ، وفتح أبواب الأطماع إلى اقتحامها بدَعَواتٍ آثمة، وشعارات مضَلِّلَة ترفعها عقولٌ صغيرة، وأفكارٌ مريضة لمُخَنَّثون وشواذ يَدْعون لإسقاط الحجاب وخلعه، ونشر التبرُّج والسفور، والعُرْي، والخلاعة، والاختلاط.
стр. 2104
° يريدون أن يُخرِجوا المرأة المسلمة من طُهْرِها وعِفَّتِها وحيائها لِتُصبح أُنْثَى مُتَرَجِّلة تنظرُ إلى الرجل نظرةَ الرجل إلى الأُنْثَى.
° كلماتٌ شيطانيَّة تَخْرُج كأنها فحيح الثعبان، وبعض هذه الكلمات هي أنيابُ الثعلب وصلاةُ الثعْلَب حين يتظاهَر بالتقوى أما الدجاجة.
° كَلِماتٌ خادعة تُقال للغافلات، هي أُخت الكلمة التي تُقالُ ساعةَ إنفاذِ الحكْم للمحكوم عليه بالشنق.
° نَشرت صحيفة "المصري اليوم" يوم الخميس ١٦ نوفمبر تحت باب "قضايا ساخنة" للمحرِّرة "فتحية الدخاخني" تصريحات لفاروق حسني وزيرُ الثقافة المصري .. وبدأت المحررة موضوعها كالتالي: "اعتبر فاروق حسني وزير الثقافة حجابَ المرأة تأخُّرًا وعودةً للوراء، وقال في تصريح خاص لـ "المصري اليوم": "النساء بِشَعْرِهِنَّ الجميل كالورود التي لا يجب تغطيتها وحجبها عن الناس".
° وقال: "الحجاب يعود بنا إلى الخلف وبسببه لن نتقدَّم، ومصر المحروسة يجبُ أن تَكُفَّ عن تقليدِ العَرَب -ربَّما على اعتبارِ أننا أحفادُ فراعنةٍ -، لأن مصر -التي تخلَّفت بلُبسِ الحجاب- كانت في وقتٍ من الأوقات قطعةً من أوروبا"!!.
واسترسل الوزير في تصريحاتِه التي حَمَلت معانيَ أن الحجابَ هو حجابُ القلب، واللبس لا علاقةَ له بالتصرُّفاتِ، والبنات على الكورنيش مع الأولاد وهُنَّ بالحجاب، وأنَّ الجرائمَ ترتَكب اليومَ باسم الحجاب والنّقاب، وسنغافورة تقدَّمت وعمرُها مئة سنةٍ فقط، ونحن تخلَّفنا
стр. 2105
بسبب الحجاب (١).
° وقال:"الدينُ الآن أصبحَ مرتبطًا بالمظاهِرِ فقط، رغمَ أن العلاقةَ الإيمانيةَ بين العبدِ وربه لا ترتبطُ بالملابس .. أعتقدُ أن الأمرَ ليست له علاقة بالتقوى والورع، وإلا فما تفسيرُ مشاهدةِ مناظرِ الشبابِ والبناتِ على الكورنيش وعدد كبير منهن محجَّبات .. إن الجرائمَ اليوم تُرتَكَب باسم النقاب والحجاب" (٢).
° وقال: "العالَمُ يسيرُ للأمام، ونحن لن نتقدَّم طالما بَقِينا نُفكِّرُ في الخَلْف، ونذهبُ لِنستمعَ إلى فتاوَى شيوخ بـ (تلاتة مليم).
° واستطرد: "نحن عاصَرْنا أمهاتِنا وتربينا وتَعلمْنا على أيديهن عندما كُن يذهبْنَ للجامعاتِ والعمل دون حجاب، فلماذا نعودُ الآنَ إلى الوراء؟ " (٣).
° وفي "الأهرام العربي" كان "موضوعُ الغلاف" في العدد (٥٠٥) الصادر في ٢٥/ ١١/ ٢٠٠٦ تحت عنوان "وزير الأزمات .. ومشايخ التكفير .. !! " جاء: "من جديد تُطِل على مجتمعاتِنا العربية تلك الأفكارُ الشاردةُ، وكأننا على قَدَرٍ مع تلكِ الهموم الثقيلة .. فها هو أقدمُ وزير بالحكومة المصرية "فاروق حسني" وزير الثقافة، رَغم كِبَرِ سِنه -٦٨ عامًا، فهو من مواليد ١٩٣٨ م- يُجَددُ أفكارَه القديمةَ عن الحجابِ والزي الإسلامي
стр. 2106
للمرأةِ رافضًا -مثلما رَفَض قديمًا- تلك الحِشمةَ وذلك الوقارَ الذي تَربَّت عليه مجتمعاتُنا التي تَعرفُ جيداً كلمة "العيب".
وكأننا به من جديدٍ يُفجِّرُ أزمتَه القديمةَ حين ضَحِك هازئًا للمذيع على شاشةِ التلفزيون المصري منذ أكثرَ من عَشْرِ سنوات مُعَلقًا على سؤالٍ عن عدم زواجِه قائلاً: "امرأة واحدة لا تكفي .. وإن الفنانَ مِثلُ الفراشة ينتقلُ من زهرةٍ إلى زهرة .. ، وبهذا المفهوم كثرت زهورُ الوزير وربما زهراته" (١).
° وقولُ فاروق حسني إنكارٌ لمعلوم من الدين بالضرورة وثابتٍ من ثوابت الإسلام، والحجابُ فرض بالكتابِ والسُنةِ وإجماع علماءِ الأمة.
° وتَبِعه في مقالتِه كظيظٌ من زِحام المعدومين المجهولِين من أهل الريب والفِتَن، المُستَغرِبين المُسيرين بحَمل الأقلام المتلاعِبةِ بدينِ الله وشَرعِه، يختالون في ثيابِ الصحافةِ والإعْلام، وقد شَرحوا بالمنكَرِ صدرًا، فانبَسَطت ألسنتُهم بالسوء، وجَرَت أقلامُهم بالسُّوأَى، وجميعُها تلتئمُ على معنًى واحدٍ: التطرف الجنوني في مزاحمةِ الفِطرَة، ومنابذةِ الشريعة، وجَر أَذيال الرذائل على نساء المسلمين، وتفريغِهِن من الفضائل، بدعوتهم الفاجرةِ في بلاد الإسلام إلى التبرج والاختلاط و "خلع الحجاب"، ونداءاتهم الخاسرة من كُل جانبٍ بتفعيل الاسبابِ لخلعهِ من البقيةِ الباقية في نساءِ المسلمين، اللائي أسلَمْنَ الوجهَ لله -تعالى- وسَلَّمْنَ القيادةَ للنبي محمدٍ ﷺ .
стр. 2107
° وهؤلاء الرُّماةُ الغاشُّون لامتِهم، المشؤومون على أهليهم وبني جِنسِهم، بلْ على أنفُسِهم، قد عَظُمَت جَرَاءتُهم، وتلوَّن مَكْرُهم بكلماتٍ تخرُج من أفواهِهم، وتَجْرِي بها أقلامُهم؛ إذْ أخذوا يهدِمُون في الوسائل، وَيخترقون سَدَّ الذرائع إلى الرذائِل، ويتقحَّمون الفضائل، وُيهَوِّنون من شأنها، ويسخرون منها ومِن أهلها.
° كلُّ هذا البلاء المتناسِل، واللغوِ الفاجر، وسَقَطِ القولِ المتآكِل تَفيضُ به الصحفُ حتى يَقيلَ ذوو الفَسَالةِ المُسْتَغْرِبون إلى هذه الغاية الآثمة: تفرنُج المرأة.
° وإذا خُلع الحجاب فلا تسألْ عن انكسارِ عيونِ أهل الغَيرة، وتقلُّصِ ظِل الفضيلةِ وانتشارِ الرذيلة، والتحلل من الدِّين، وشيوع التبرج والسفورِ والتهتُّكِ والإباحية بين الزناةِ والزواني وأن تَهَبَ المرأةُ نفسَها لِمَن تشاءُ .. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧].
° قال مجاهد: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ قال: الزناة، ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾، قال: يزني أهلُ الإسلام كما يزنون، قال: هي كهيئة ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ".
° يريدون وَاقِعًا إِباحِيًّا أثيمًا، وانتصارًا فاجرًا للرذيلة، وتجاوزًا لحدود الله، وانتهاكًا لحُرُمات شرعه المطهَّر.
وإذا كان هؤلاءِ الذين في قلوبهم مرضٌ يأبَون إلاَّ الإعلانَ بهَدم ثوابتِ الدين، وإعلانِ المنكر، وهَضم المعروفِ والصد عنه، فلابدَّ من كلمةِ حق
стр. 2108
ترفعُ الضَّيمَ عن نساءِ المؤمنين، وتدفعُ شرَّ هؤلاءِ المستغرِبين المُعْتدين على الدِّين والأمة، فلابد من صوتٍ جهير بإحسانٍ يبلُغ الحاضرَ والبادِيَ، إقامةً لشعيرة الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي به يُنافَحُ عن الدينِ، ويَنصحُ للمسلمين عن التردئي في هُوَّةِ صيحاتِ العابثين، وبه تُحْرَسُ الفضائل، وتُكبَتُ الرذائل، وُيؤخَذُ على أيدي السفهاءِ الأجَراءِ المستغربين وأتباعِهم الأجراء من سَذَجة الفُسَّاق، أتباع كل ناعقِ الذين يُفوقون سِهامَهم لاستلابِ الفضيلةِ من نساءِ المؤمنين.
هؤلاء تعروا من كل فضيلةٍ، وعَادَوا رسولَ الله ﷺ في الطعنِ في الثوابتِ من دينِه، فلزامٌ أن نُعَرِّيهم ونفضَحهم .. والجزاء من جنس العمل.
° مجلة "روز اليوسف" -ومعروف توجهها البغيضُ الكارهُ لثوابتِ الإسلام، الساخرُ منها أبدًا وعلى الدوام، الشانئُ لرسول الله ﷺ يَصدرُ عَددُها (٤٠٩٤) يتصدره عنوان "الإرهاب .. بالحجاب":
- "حماستُنا في الدفاع عن موقفِ فاروق حسني ضدَّ هجمةِ التطرُّف والتطاولِ عليه" بقلم رئيس التحرير (ص ٥).
- كيف تجرأ أحمد عمر هاشم وأعلن "دولة الحجاب" من قاعة كبارِ الزوار في مجلس الشعب (ص ١٢)؟ وانظروا إلى مقالِ عبد الله كمال بروزاليوسف (٤٠٩٤): "إن الاختلافَ مع الحجابِ له ما يُبرره .. وَينبغي توضيحُه في النقاطِ التالية:
١ - في الذهنية العامة، أنه تمَّ التخلُّصُ من الحجاب في غضونِ سقوطِ دولةِ الخلافةِ العثمانية، ومع صُعودِ المدِّ الحَدَاثي .. ومِن ثَمةَ فإن العودةَ إليه
стр. 2109
تُعيدُ في الأذهانِ هذه الذكرى الأليمة .. لمجتمع تمَّ فيه حَجْبُ النساءِ خَلْفَ ستارٍ بعيد .. وظَلَّت فيه المرأةُ مجرد جاريةٍ أو زوجة .. أو كأيِّ كَمٍّ مهمَل.
٢ - إن هناك مَن يحاولُ الربطَ بين المستوى الديني للمرأة وبين ما تَرتديه .. في حين أن ذلك غيرُ صحيح على الإطلاق.
٣ - إن الحجابَ إذا كان يُعبِّر عن التزام ديني، إلاَّ أنه زيٌّ .. تبدو له أبعاد طائفية .. لأنه يَفصِلُ بين المصريةِ المسلمة والمصريةِ المسيحية من حيثُ الشكلُ.
٤ - إن الدعوةَ للحجابِ تُمثِّل في كثير من الأحيانِ مدخلاً إلى إبعادِ المرأةِ عن الحياةِ العامةِ .. وتقويضِ مشاركتها .. وإرجاعها إلى الوراء.
٥ - القولُ بأن الحجابَ فريضة .. هو أمر خطير جدًّا؛ لأنَه يُوجدُ خلافٌ عميق حول ذلك .. والقولُ بأنه فريضةٌ قد يَدفعُ إلى عنفٍ وتوتر إذا ما رأى فريق من الناس أنه ينبغي تطبيقُ الفريضة" (١).
° روزاليوسف في حوارها مع وزير الثقافة المصري:"هل ترى في الفترة المقبلةِ أن الحجابَ كقطعةِ قماشٍ سيكونُ مقدَسًا مثل عَلَم الدولة لا يجوز الاقترابُ منه؟ " (٢).
° وفي بيانٍ أصدره ١١٣ من الكُتَابِ والفنَانين والمثقَّفين قالوا عن حديث فاروق حسني بأنه: "لم يخرج عن كونه مجردَ رأيٍ شخصيّ في
стр. 2110
قضيةٍ لا تُمثلُ جَوهرَ الدينِ وأهدافه" (١)!!.
وعلى نفسِ النهج كان بيانُ حِزبِ التجمُّع اليساري الخط، والحزبِ الدستوريِّ وُيمثله ممدوح قناوي (٢).
° وعلى نفس الخط سار محمد مستجاب، ويوسف القعيد الذي قال: "إن الحجابَ يدعو للتفرقة".
° ودكتور عبد الأحد جمال الدين ممثل الأغلبية بالبرلمان يقول: "إن الحجابَ قضية خلافيَّةٌ بين علماءِ الدين"! فثار عليه الأعضاءُ من كافةِ الاتجاهات، خاصةً من داخل الحزبِ الوطني ذاته، وهو ما دعا دكتور سرور إلى إنهاء كلمته (٣).
° المكارسيون الجُدد يُعلِنون الحربَ على كل مَن يتمسك بالثوابتِ وُيمارسون الإرهابَ الفكري (٤).
° حسين فهمي الممثلُ في برنامج (٩٠ دقيقة) على قناة المحور، يُدافعُ عن موقف فاروق حسني ويقول: "إن الفتاةَ المحجبةَ معاقةٌ ذهنيًّا"، ثم يَنفي كلَّ ما قاله في الصحف (٥).
° وتقول إقبال بركة:"السؤال الآن أصبح، هل أتحجَّب أم أتنقب؟! الخطوةُ خطيرةٌ وتعيدُنا للوراء، وأتوقعُ أن يتفشى النقابُ كما النارُ في
стр. 2111
الهشيم؛ لأننا لدينا عقليات هشة وفارغةٌ، وتستطيعُ أن تملأَها بما تشاءُ من أفكار".
° ثم قالت حين سُئلت: "كيف تَرَيْنَ الفترةَ المقبلةَ في معركةِ الحجاب والنقاب؟.
فأجابت: ما لم يَنتفِضِ المثقفُون المصريُّون من سُباتهم العميقِ وما لم يَخلَعوا عنهم رداءَ اللامبالاة والسَّلبية، ستتواصلُ مرحلةُ الإظلام في مصر، وانظر ماذا حَدَث في القضيةِ الأخيرة .. أين أصدقاءُ فاروق حسني وزيرِ الثقافة الذين كانوا يحيطون به ليلَ نهارَ إحاطةَ السِّوارِ بالمعصم، لماذا لم يَهُبُّوا للدفاع عنه؛ إنها السلبيةُ في الشخصية المصرية، وأن يفضلوا الابتعادَ عن المشاكل" (١).
° "وأضافت -إقبال بركة- أنها تَشعرُ بحزنٍ عميقٍ عند رؤيتها للشارع المصري المليءِ بالمحجبات، وترى أن دَورَها كمُفكرةٍ وكاتبةٍ وصاحبهِ قلم، يُلزِمها أن تجتهدَ وتحاولَ أن تَصِلَ لأي حقيقةٍ مورِّقةٍ للعقل، فهذا أمرٌ سامٍ لا ينبغي أَن تُلم عليه، وأفادت أنها تَشعرُ بحالةِ رضا مع نفسِها، ومع اللهِ تشعرُ أنها سوف تُجازَى خيرًا على ذلك".
والدكتورة الكاتبة نوال السعداوي التي أَعلنت أكثر من مَرَّةٍ عن وجهةِ نظرِها في رفضِ الحجابِ والاستنادِ دائمًا أننا نحيا في مجتمع ذكوريٍّ يريدُ أن يطمسَ النساء (٢).
стр. 2112
° وجمال البنا يقول: "بناتُ حسن البنا لم يكنَّ يرتدين الحجابَ أو النقاب"!! فيما نَسَبه إليه عاصم حنفي نقلاً عن حمدي رزق نقلاً عن جمال البنا شقيق الشيخ حسن البنا (١).
° وعندما سُئل: هل قضيةُ الحجاب تُعلي من شأنِ العنصريَّة الدينية؟ قال جمال البنا: "بالطبع؛ لأن الحجابَ كان دائمًا مَطلَبًا للرجل في كلِّ الأديان؛ لأنه يدخلُ من باب السيطرةِ على المرأة ليس إلاَّ، وقد تخلَّصت منه كلُّ الأديان السماوية، ما عدا الدينَ الإسلاميَّ الذي كُلَّما تخلَّص منه رجع له مرةً أخرى" (٢).
° وعلى نفسِ الخطِّ سارت مديحة يسري التي قالت: "تزوَّجت من قُطْبٍ صوفي (٣)، ورفض أن أرتديَ الحجاب" (٤).
° وسارت على نفس الخطِّ سكينة فؤاد، وفريدة الشوباشي، وإنعام محمد علي المخرجة، وسلمى الشماع، وهالة حشيش رئيس قناة النيل للأخبار، وسمية الألفي تؤمن بحجابِ الأخلاق!! والمستشار سعيد العشماوي -وما أدراك ما العشماوي-! اقرأ له مقالة "الحجاب فريضة سياسية" بروزاليوسف عدد (٤٠٩٤) (ص ٦٢ - ٦٤)، وارجع إلى كتابَيْه "حقيقة الحجاب وحُجِّيَّة الحديث"، ومقال "وفاء حلمي" في "العربي" العدد (١٠٣٤) (ص ١٤).
стр. 2113
° وممن تولَّى كِبْرَ هذا التجرؤ على ثوابتِ هذا الدين والدعوةِ إلى التبرج ومناصرته جريدة "الفجر" في العدد (٧٧) الصادر في يوم الإثنين ٢٧/ ١١/ ٢٠٠٦ م وقولهم: "تقرير شارك فيه محرِّرو الفجر ووافقوا عليه"، وظهرت العناوينُ الوقحةُ التي تدل على سُوءِ طَوِيَّةِ مَن قالوها ومرضِ قلوبهم ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]، وانظر إلى بعضِ هذه العناوين:
- وزير مجلس الشعب السابق (١) يقول: "إن البنتَ التي تحترمُ دينَها تتَّجهُ للحجاب"، و"الأهالي" تسألُ سوزان مبارك عن رأيها فيما قال ورجمه المحصنات؟ (٢).
- زكريا عزمي يقول:"نصف نساء الوزراء محجَّبات والناسُ تسأل: ولماذا لا يتحجبُ النصف الآخر؟ .. بل ولماذا لا تتحجبُ السيدةُ الأولى ومَن حولها؟ " (٣).
- "لو كان رمزًا للفضيلة لدَعَوْنا الرجالَ إليه أيضًا .. الرذيلة تحت الحجاب" مقال لمحمد الباز بنفس الجريدة (ص ٤).
- ومقال عادل حمودة -وما أدراك ما عادل حمودة-: "الحجاب ليس دليلاً على الفضيلة .. أحياناً"! (ص ٥).
- ومرةً أخرى يقول جمال البنا: "إن شقيقَه حسن البنا لم يكن يهتمُّ
стр. 2114
كثيرًا بمشكلةِ الحجاب وغطاء الرأس؛ لأن الأمور كانت طبيعية على الفطرة. فقال له المحرر عبد الحافظ سعد: وهل أَمَر حسن البنا بناته بالحجاب وغطاءِ الرأس أو طلبه منهن؟ قال: مطلقًا الإمامُ حسن البنا لم يَطِلُبْ من بناته أن يتحجبن، وكان يتركُهن على حريتهن؛ لأنَه علمهنَّ صحيحَ الإسلام".
° وُيضيف البنا: "إن بعضَ بناتِ العائلةِ لم تَرْتَدِ أيَّةُ واحدةٍ منهنَّ الحجابَ، وكان هذا أمرًا عاديًا للغاية".
° وقبلها قال:"الحجابُ ليس فرضًا إِسلاميًا" (١).
- ومقالٌ آخر لمنال لاشين: "الفاسدون يدافعون عن الحجاب" (ص ٧)، ومقال أكرام القصاص في نفس الصفحة.
- والمقالُ الفاجرُ الساخرُ لوائل عبد الفتاح -عامله اللهُ بما يستحقُّ-: "إعلانُ الدولة الدينية .. الحزبُ الوطني الديمقراطي يقدمُ مسرحيةَ الموسم: "إحنا بتوع الحجاب" .. وقال فيه: "هل الحجابُ هو بديل "الميني جيب"؟ ليس صحيحًا بالطبع .. كما أنه ليس الفرضَ السادس في الإسلام .. إنه اختيارٌ شخصيٌّ .. والمشكلةُ ليست فيه أو في الموديل الذي تختارُه امرأةٌ من موديلاته الحديثة لكن في أن يكونَ الموديل الوحيد .. أن يكونَ علاقةَ الإيمانِ الوحيدة، علاقةَ الفصل العنصري بين المسلمين والمسيحيين .. " (٢).
стр. 2115
- ومقال "الدنيا تحت النقاب .. رجل وامرأة وخطيئة" ليسرا زهران (ص ٨).
- ومقال نبيل عمر: "برلمان الغيبوبة والعودةِ إلى الوراء" (ص ٩).
- ومقال إبراهيم خليل "اليوم ذُبح فاروق وغدًا مصر" (ص ١٠).
- وممدوح البلتاجي وزير الإعلام السابق يقول: "يجبُ ألا نتوقَّف عند مسائلَ شكليةٍ كالحجاب، ولكننا نحذّز من وقوع فتنٍ طائفيةٍ في مصر" (١).
- وكلام إسماعيل منتصر في مجلة "أكتوبر": "حجاب فاروق حسني مسرحية رديئة .. لعب فيها الجميع أسوأَ أدوارِهم بلا استثناء" (٢).
هكذا قال دعاةُ التغريبِ والسفور والتبرج .. وحسابهم على الله.
ونقول لهم: "هذه دناءة وسقوط وتبذل وسُعارٌ ونزوات، ووقاحةٌ وخلاعةٌ وخِزي وعار، وإنكار للمعلوم من الدين بالضرورة".
ونقول: لو كان العارُ والتبرج في بئر عميقةٍ لَقَلَبها الشيطانُ مئذنةً ووقف يؤذن عليها .. ليسى أفظع من الزلزلةِ المرتجة تشقُّ الأرض إلاَّ تبرج المرأة.
إذا خرجت المرأة من حدودِ دينها وشريعتها وتبرتجت، فلا يبقى منها إلاَّ أنثى مجردة تجريدها الحيواني المتكشَف.
وهي حين تطاول مرآتها لتتبرَّج وتخرجَ في زينتها، تنظر إلى خيالها في المرآةِ بأهواءِ الرجال لا بعين نفسِها.
стр. 2116
لا تنظرُ المتبرجةُ -حين تتبرجُ- في مرآتها إلاَّ إبتغاءَ أن تتعهَّدَ من جمالها ومن جسمِها مواقعَ نظراتِ الفجور وأسبابِ الفتنة، وما يَستهوي الرجلَ وما يُفسِدُ العفَّة عليه، فكأن المتبرجةَ وخيالَها في المرآة رجل فاسقٌ ينظرُ إلى امرأة، لا امرأة تنظر إلى نفسها، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦].
لقد كان العُرْيُ وتكشُّفُ السوآت، والخَصفُ من ورق الجنة ثمرةً لمعصية الله، وفي مواجهةِ مشهدِ العُري الذي أَعقب خطيئةَ آدم، ومواجهةِ العري الذي كان يزاولُه المشركون في الجاهلية، يذكر السياقُ في هذا النداءِ نِعمةَ اللهِ على البشر، وقد عَلَّمهم وَيسَّر لهم، وشَرعَ لهم اللباسَ الذي يَسترُ العوراتِ المكشوفة، ثم يكون زينةً بهذا السِّترِ وجمالاً، بدل قُبح العُريِ وشناعته.
واللباس: قد يُطلَقُ على ما يُواري السوأة، وهو اللباس الداخلي. والرياش: قد يُطلَقُ على ما يسترُ الجسمَ كلَّه ويَتجمَّلُ به، وهو ظاهرُ الثياب، كما قد يُطلق "الرياش" على العيش الرغد، والنعمةِ والمال، وهي كلُّها معانِ متداخلةٌ متلازمة.
* قال تعالى: ممتنًّا على عباده باللباس والزينة: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل:٨١].
* وقال تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ … ﴾
стр. 2117
[الأعراف: ٢٦]. الآية؛ فهناك تلازمٌ بين شرع اللهِ اللباسَ لستر العورات والزينة، وبين التقوى، كلاهما لباسٌ، هذا يَسترِ عوراتِ القلبِ ويُزينه، وذاك يَستر عوراتِ الجسم وُيزينه، وهما متلازمان، فعن شعورِ التقوى لله والحياء منه يَنبثقُ الشعورُ باستقباح عُريِ الجسدِ والحياءِ منه، ومَن لا يَسْتَح من الله ولا يَتَّقِهِ، لا يُهِمّه أن يتعرَّى وأن يدعوَ إلى العُرْي .. العريِ من الحياء والتقوى، والعريِ من اللباس وكشف السوأة!.
إن سَترَ الجسدِ حياءً ليس مجردَ اصطلاح وغرفٍ بيئيٍّ، كما تزعمُ الأبواقُ المُسَلَّطةُ على حياءِ الناس وعِفَّتهم لتدميرِ إنسانيتهم، وِفقَ الخُطَةِ اليهوديةِ البشعةِ لتي أعلنتها مُقرَّراتُ حُكماءِ صهيون، إنما هي فطرة خَلَقها اللهُ في الإنسان، ثم هي شريعة أنزلها الله للبشر، وأقدَرَهم على تنفيذها بما سَخَّر لهم في الأرض مِن مُقدَّراتٍ وأرزاق، واللهُ يُذكر بني آدمَ بنعمتهِ عليهم في تشريع اللباس والسِّتر؛ صيانةً لإنسانيتهم من أن تتدهورَ إلى عُرفِ البهائم، وفي تمكينِهم منه بما يسَّر لهم من الوسائل، ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦].
* إِنَّ التبرج كبيرةُ مُهْلِكة:
• جاءت أُمَيمةُ بنتُ رُقَيْقَةَ إلى رسول الله ﷺ تُبايعُه على الإسلام، فقال: "أبُايعُكِ على أن لا تُشرِكي بالله، ولا تَسرِقي، ولا تَزني، ولا تَقتُلي ولَدَك، ولا تأتي ببهتان تَفتَرِينَهُ بين يديك ورِجلَيكِ، ولا تنوحُي، ولا تتبرجي تبرج الجاهليةِ الأولى" (١).
стр. 2118
* والتبرجُ يَجلِبُ اللعنَ والطردَ من رحمةِ الله:
قال رسولُ الله ﷺ : "سيكونُ في آخِرِ أمتي نساءٌ كاسياتٌ عاريات، على رؤُوسِهِن كأسْنِمَةِ البُخْتِ، العَنُوهن فإنهن ملعونات" (١).
* والتبرج من صفاتِ أهلِ النار:
• قال رسولُ الله ﷺ : "صنفانِ من أهلِ النار لم أرَهُمَا: قوم معهم سياطٌ كأذنابِ البَقَر يَضرِبون بها الناس، ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مُميلات ماَئلات، رؤوسُهنَّ كأسنمةِ البُختِ المائلة، لا يَدْخُلنَ الجنةَ، ولا يَجِدْنَ رِيحَها، وإنَّ ريحَها ليُوجَدُ من مَسيرةِ كذا وكذا" (٢).
* التبرجُ نفاق:
• فقد قال رسول الله ﷺ : "خيرُ نسائِكم الودودُ الولودُ، المواتيةُ المواسية، إذا اتقَيْنَ اللهَ، وشَر نسائِكم المتبرجاتُ، المتخيلات، وهُنَّ المنافقاتُ، لا يدخلُ الجنةَ منهن إلاَّ مِثلُ الغرابِ الأعصم" (٣).
والغراب الأعصم: هو أحمرُ المِنقارِ والرجليْن، وهو كناية عن قِلَّةِ مَن يدخلُ الجنةَ من النساء؛ لأن هذا الوصفَ في الغِربانِ قليل.
* والتبرجُ تهتك وفضيحة:
• قال رسول الله ﷺ "أيما امرأةٍ وَضعت ثيابَها في غيرِ بيتِ زوجِها
стр. 2119
فقد هتكت سِترَ ما بينها وبين الله " (١).
* والتبرج فاحشة ومقتٌ، فالمرأة عورة، والشيطان يأمر بهذه الفاحشة .. قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨].
* وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩].
* والتبرج سنَّة إبليسية ؛ فقصةُ آدمَ وحواءَ مع إبليس تكشِف لنا مَدَى حِرصِ إبليس على كشف السوءات، وهتك الأستار، وإشاعة الفاحشة، وأن التهتكَ والتبرج هدف أساسي له، قال الله عر وجل: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧].
فإبليسُ إذن هو مؤسس دعوةِ التبرج والتكشف، هو زعيمُ زعماءِ ما يُسمى بتحرير المرأة، وهو إمام هؤلاء المتبرجات الداعياتِ إلى التبرج عدوَّاتِ رسولِ الله ﷺ : صفية زغلول، وهدى شعراوي، ودريَّة شفيق، وسيزانبراوي .. والكشفُ طويل .. في مقدمته قاسم أمين.
والتبرج طريقة يهودية، واليهود هم أصحابُ الباع الأكبرِ في التبرج.
• قال رسول الله ﷺ :"فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أولَ فِتنةِ بني
стр. 2120
إسرائيل كانت في النساء" (١) .. " (٢).
إن الذين يُريدون تعريةَ المرأة من حِجابها ونقابها، يريدون تعريتَها من تقواها، وحيائها، بل وتعريتَها من دينها.
وهؤلاءِ لابدَّ أن يُعريهم ويفضحَهم كلُّ صادق، حتى يعلمَ كلُّ غافلٍ أن هؤلاء الممسوخين المشوهين، ما هم إلاَّ صبيانٌ لإباحيةِ الغرب، وأقزامٌ تُرمرِمُ من فُتاتِ مدرسةِ العُرْيِ الصليبية، وتشربُ من كؤوسهم حتَّى الثمالة، يَنعِقُ هنا الأقزام، وتتصدَّى دولةٌ صليبةٌ كبرى لفتاةٍ مسلمةٍ تريدُ ارتداءَ الحجاب، وتمنعُها من دخولِ المدرسة، دولة صليبية كفرنسا ترتعشُ من حجاب امرأةٍ ارتدته لباسًا وريشًا؛ تعبيرًا عن لباس التقوى لباطنها ..
قمرٌ تَوَشَّحَ بالسحَابْ
غَبَشٌ تَوَغَّلَ حَالِمًا بِفِجَاجِ غَابْ
فَجْرٌ تَحَمَّمَ بِالنَّدَى
وَأطَل مِنْ خَلف الهِضَابْ
الوَرْدُ فِي أكْمامه
ألَقُ اللآليء في الصَّدَفْ
سُرُجٌ تُرَفْرِفُ فِي السُّدَف
ضَحِكَاتُ أشْرِعَةٍ يُؤَرِّجُهَا العُبَابْ
* قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣١ - ٣٣].
° من عجيبِ ما روي من حال المشركين الذين خُوطبوا بهذه الآيات أولَ مرةِ، ووجِّه إليهم هذا الاستنكار الوارد في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ .. ﴾: ما رواه الكلبي قال: "لَمَّا لَبِس المسلمون الثيابَ، وطافوا بالبيت، عيرهم المشركون بها .. فنزلت الآية".
* فانظر كيف تَصنعُ الجاهلية بأهلها، ناسن يطوفون ببيتِ الله عرايا، فسَدَت فِطرتُهم، وانحرفت عن الفطرةِ السليمة التي يَحكيها القرآنُ الكريم عن آدم وحواء في الجنة: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]، فإذا رَأَوُا المسلمين يطوفون بالبيت مَكْسوينَ في زينةِ الله التي أنعم بها على البشر؛ لأرادته بهم الكرامةَ والسِّتر، ولتنموَ فيهم خصائصُ فِطرتِهم الإنسانية في سلامتها وجمالِها الفِطري، وليتميزوا في العُرْيِ الحيوانيِّ الجِسميِّ والنفسيِّ، إذا رأوا المسلمين يطوفون ببيت الله في زينةِ الله وِفقَ فِطرةِ الله، عيَّروهم!!.
هكذا تصنعُ الجاهليةُ بالناس، هكذا تمسح فِطَرَهم، وأذواقَهم، وتصوُّراتِهم، وقِيَمَهم، وموازينَهم، وماذا تصنع الجاهليةُ الحاضرةُ بالناس
стр. 2127
في هذا الأمر غيرَ الذي فعلته بالناس في جاهلية المشركين العرب، وجاهليةِ المشركين الإغريق، وجاهليةِ المشركين الرومان، وجاهليةِ المشركين الفرس، وجاهليةِ المشركين في كل زمانٍ وكل مكان؟!.
ماذا تصنعُ الجاهليةُ الحاضرة بالناس إلاَّ أن تُعريهم من اللباس، وتُعريهم من التقوى والحياء؛ ثم تدَّعي أنَّ هذا رُقيُّ وحضارةٌ وتجديد، ثم تُعيِّر الكاسياتِ من الحرائرِ العفيفات المسلمات، بأنهن رجعيات .. تقليديات .. ريفيات.
المَسخُ هو المسخ، والانتكاسُ عن الفطرة هو الانتكاس، وانقلابُ الموازين هو انقلاب الموازين، والتبجُّحُ بعد ذلك هو التبجح، ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣].
وما الفَرقُ كذلك في علاقةِ هذا العُريِ، وهذا الانتكاسِ، وهذه البهيميةِ، وهذا التبجُّع، بالشرك، وبالأربابِ التي تَشرعُ للناس من دون الله؟.
لئن كان مُشركو العرب قد تلقَّوا في شأنِ ذلك التعرِّي من الأرباب الأرضية، التي تستغل جهالتهم، وتستخف بعقولهم لضمانِ السيادةِ لها في الجزيرة؛ فإنَّ مُشركي اليوم ومشركاتهِ يتلقَّون في هذا عن الأربابِ الأرضيةِ كذلك، ولا يَملِكون لأمرهم ردًّا.
° إن بيوتَ الأزياءِ ومُصمميها وأساتذةَ التجميل ودكاكينَها، لهي الأربابُ التي تَكمُنُ وراءَ هذ الخَبَل الذي لا تُفيقُ منه نساءُ الجاهليةِ الحاضرة، ولا رجالُها كذلك.
стр. 2128
° إن هذه الأربابَ تُصدِرُ أوامرَها، فتُطيعُها القُطعانُ والبهائمُ العاريةُ في أرجاءِ الأرض طاعةً مزريةً صاغرةً، تُطيعُ تلك الأرباب، وإلاَّ عُيِّرت من بقية البهائم المغلوبة على أمرها.
° ومَن الذي يَقْبَعُ وراءَ بيوتِ الأزياء، ووراءَ دكاكينِ التجميل، ووراءَ سُعارِ العُريِ والتكشُّف، ووراء الأفلام، والروايات، والمجلات، والصحف التي تقودُ هذه الحملةَ المسعورة؟ الذي يَقبَعُ وراءَ هذه الأجهزة كلِّها يهود؛ يهودُ يقومون بخصائصِ الربوبية على البهائم المغلوبة على أمرها.
° إن قضيةَ اللباس ليست مُنفصلةً عن شرع الله ومنهجِه للحياة، ومِن ثَمَّ ذلك الربطُ بينها وبين قضية الإيمان والشركِ في السياق.
° إنها ترتبطُ بالعقيدة والشريعة بأسباب شتى.
° إنها تتعلقُ قبلَ كل شيءٍ بالربوبية، وتحديدِ الجهة التي تَشرعُ للناس في هذه الأمور، ذاتِ التأثير العميق في الأخلاق والاقتصادِ وشتى جوانبِ الحياة، كذلك تتعلقُ بإبرازِ خصائصِ الإنسانِ في الجنس البشري.
° وبعد ذلك عندنا جاهليون يقولون: "ما للدين والزي؟ ما للدين وملابسِ النساء؟ ما للدين والتجميل؟ "! إنه المَسخُ الذي يُصيبُ الناسَ في الجاهلية في كلِّ زمان، وفي كل مكان!!.
° ولأن هذه القضيةَ التي تبدو فرعيةً، لها كلُّ هذه الأهميةِ في ميزانِ الله، وفي حسابِ الإسلام لارتباطِها أولاً بقضية التوحيد والشرك؛ فإن السياقَ يُعقِّبُ عليها بإيقاعٍ قويٍّ مؤثِّر، يُوقعُ به عادةً في مواقفِ العقيدةِ
стр. 2129
الكبيرة .. إنه تعقيبٌ بتنبيه بني آدم إلى أن بقاءَهم في هذه الأرض محدود مرسوم؛ وإنه إذا جاء الأجل، فلا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون.
° يقول سيدنا الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم: "التبرج جاهلية مُتْتنة:
* قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣].
وقد وصف النبي ﷺ دعوى الجاهلية بأنها مُنتِنة، أي: خبيثة، وأَمَرنا بنبذِها، وقد جاء في صفته ﷺ في التوراة أنه ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
فدعوى الجاهلية شقيقةُ تبرج الجاهلية، كلاهما مُنتِنٌ خبيث، حَرمه علينا رسولُ الله ﷺ ، وقال ﷺ : "كل شيءٍ من أمرِ الجاهلية موضوعٌ تحتَ قَدَمي" (١).
سواءٌ في ذلك: تبرجُ الجاهلية، ودعوى الجاهلية، وحُكمُ الجاهلية، وظن الجاهلية، وحَمِيةُ الجاهلية، وربا الجاهلية.
* التبرج تخلُّف وانحطاط:
إن التَكَشُّفَ والتعَرِّيَ فِطرةٌ حيوانيةٌ بهيمية، لا يَميلُ إليها الإنسانُ إلا وهو يَنحدرُ ويرتكسُ إلى مَرتبةٍ أدنى من مرتبةِ الإنسان الذي كرمه الله، وأنعَمَ عليه بفِطرةِ حُبِّ الستر والصيانة، وإن رؤيةَ التبرج والتهتُّك والفضيحةِ جمالاً ما هي إلا فسادٌ في الفطرة، وانتكاسٌ في الذَّوق، ومؤشِّرٌ
стр. 2130
على التخلف والانحطاط" (١).
° فانظر كيف باء بها الذي تولَّى كِبْرَه، ودعا المرأةَ إلى كشفِ رأسها؛ لان شَعْرَها كالورود! وانظر كيف مَدَحَه الفرنسيون بقولهم: إنه "أفضلُ وزيرِ ثقافةٍ في العالم، وهو وزير مستنير يَرُدُّ جحافلَ التخلف"! وتابعه الكثير .. وقد أظهرت هذه الفتنةُ الكثيرَ والكثيراتِ ممن يحبونَ أن تشيعَ الفاحشةُ في الذين آمنوا، تَصيحُ إحدى الممثلات بهذا الوزير في مهرجان القاهرة السينمائي عام ٢٠٠٦ م مناديةً عليه قائلةً له: "يا كايدهم"!.
رسام كاريكاتوري "مصطفى حسين"- يرسمُ حالَ الناس سنة ٢٠٢٨ وقد ظهرت بنتٌ كاشفةً عن بطنها، وفي الرسم يقول صاحبُها لها -أو تقول هي له-: "تصوَّرْ، إنه كان هناك من ٢٢ سنةً فتنةُ أو مشكلةُ الحجاب"، وكأنه يُعرِبُ عن أمله في أن تتبرجَ النساءُ في المستقبل حتي تُصبحَ الدعوة إلى الحجاب وقد ذهبت أدراجَ الرياح، ونقول له: ذلك ظن الجاهلية، ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢].
* ونقول لهم جميعًا: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩].
° نقول للمحجبات (٢) والمنتقبات هذه القصيدة "لآليء الأصداف" (الحجاب):
إِليهَا
تِلكَ الرَّافِلَةُ في جِلبَابِهَا الهَادِئِ الفَضفَاضِ، تُطَاوِلُ السَّمَاءَ رِفعَةً وسُمُوًا،