تَسْتَصْفِي مَعَادِنَهُ الصِّلابْ.
لا تَحْزَنِي،
ولتَفْرَحِي،
فَاللهُ نَاصِر دِينِهُ،
أنَّى ارْتضَى،
ولتَفقَهِي:
لا تنجِس الأنهَارَ أذيَال الكِلابْ،
لا تنجِس الأنْهَارَ أفْوَاهُ الكِلابْ (١)
° ونقول أخيرًا لخير أُمَّةٍ أُخرجت للناس:
يا أمةَ الحقِ والآلامُ مقبلةٌ … متى تَعِينَ ونارُ الشرِّ تستَعِرُ
متى الخلاصُ وقد طَمَّتْ مُصيبتُنا … متى النجاةُ وقدْ لمَّت بنا العِبَرُ
متى يعودُ إلى الإسلام مسجِدُهُ … متى يعودُ إلى محرابِهِ عُمَرُ؟!
أكُلَّ يومٍ يُرى للدينِ نازِلَةٌ … وأمةُ الحق لا سمعٌ ولا بصرُ؟!
* * *
стр. 2139
° وما أروعَ قولَ القائل:
إنا سَمِعنا أُخْتَنا شيئًا عُجابْ … قالوا كلامًا لا يَسُرُّ عن الحِجَابْ
قالوا خيامًا عُلِّقَتْ فوقَ الرِّقابْ
قالوا ظلامًا حالكًا بين الثيابْ … قالوا التأخُّرُ والتخلفُ في النِّقابْ
قالوا الرشاقةُ والتَطوُّرُ في غِيابْ
نادَوْا بتحرير الفتاة وألَّفُوا فيه الكتاب … رَسَموا طريقًا للتبَرُّجِ لا يُضيِّعُه الشبابْ
يا أُخْتَا هم ساقِطون إلَى الحضيضِ إلَى الترَابْ
يا أختنا هم سافِلون بِغيِّهِمْ مثلَ الكلابْ … يا أُختنا هذا عُواءُ الحَاقدينَ مِن الذِّئابْ
يا أختنا هذا نُباحٌ لا يؤثِّرُ في السحابْ
يا أختنا صبرًا تذوبُ ببَحرِه كلُّ الصعابْ … يا أختنا أنتِ العفيفةُ والمصونةُ بالحجابْ
يا أَختنا فيكِ العزيْمةُ والنزاهةُ والثواب
فالنارُ مَثوى الظالِمين لَهم عقابْ … واللهُ يكشفُ ظُلمَهُم يوم الحسابْ
والجَنة مأوَى ويا حُسْنَ المآبْ
* * *
стр. 2140
وهل يخفى القمر؟!
الثناء على رسول الله ﷺ من أكابر مفكري الغرب
стр. 2141
وهل يَخفَى القمر؟!!
لا يستطيغ أيُّ مُنصِفٍ أن يحجُبَ الحقيقةَ والنور .. ومَن يحاولُ حَجْبَ النورِ فهو كمن يحاولُ بكفِّ طفلٍ صغيرٍ أن يُخفِيَ شُعاعَ الشمسِ أو ضوءَ القمرِ أو إدراجَ الشمسِ في قبر أو كهفٍ من كهوفِ الزمن .. ولقد مَدَح وأثنى على رسولِ الله ﷺ كثيرٌ من مُفكري الغرب، وعَدَلتُ في عنوان هذا الفصل عن تسميته "المنصِفون للنبي ﷺ في الغرب" .. فإن قولَ بعضِ أهل الفكرِ فيه بأنه كان "عبقريًّا"، عظيمًا، ما شَهِدت مِثلَه البشرية، أو مُصلِحًا عظيمًا ما جاء مِثْلُه مَدَى الأيام في بلادِ العرب" .. هذا ليس إنصافًا، بل حَطًّا من مرتبته، فهو رسولُ الله ﷺ إلى الناس كافةً، وهو خاتَمُ النبيين .. وأيُّ إنكارٍ لهذه المرتبةِ والمنزلةِ ليس إنصافًا، فتمامُ الإنصاف الاعترافُ بنبوتِه الخاتمةِ والدخولُ في دينه.
• قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسُ محمد بيده، لا يَسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمة، لا يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم يموتُ ولم يُؤمنْ بالذي أُرسلتُ به، إلا كان من أصحابِ النار" (١).
وأي ثناءٍ على الإسلام والقرآنِ أذكرُه هنا، فهو ثناءٌ على رسولِ الله عين، فلا يمكنُ الفَصلُ بين الرسولِ ﷺ ، وبين الدينِ العظيم الذي جاء به، وبين الكتابِ المُبين والذكْرِ الحكيم الذي أُنزل عليه.
ولكنْ قبلَ الشروع في بيانِ أقوال هؤلاء؛ لابد من ذِكرِ أصلٍ وقاعدةٍ
стр. 2142
في غاية الأهمية .. وهي أن الإسلامَ ليس بحاجةٍ إلى شهادةِ غيره من أهل المِلَل الأخرى، ذلك لأن "الإسلام يعلُو ولا يُعلَى" -كما قال الحبيبُ المصطفى ﷺ (١) -، وإنما أوردنا شهادتَهم من باب ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ منْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦]، وليكون كلامُهم حجَّةً على أنفسهم أولاً، ثم حجةً على بَنِي قومهم ثانيًا عند الله ﵎ غدًا .. وقد كفانا الله سبحانه بإسلامنا العظيم عن شهادة أيِّ مِلَّةٍ ونَهجٍ آخرَ.
* قال سبحانه ممتنًّا على عباده: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
ونحن -بحمد الله- نكتفي ونرضَى بما رَضِيَ لنا به ربُّنا العظيمُ ﷻ ، ولو فَرَضْنا أن الكلماتِ القادمةَ في مدح الإسلام ونبيه ﷺ لَم تصدُرْ من هؤلاء، فإن نبينا ﷺ لن يَنقُصَ قَدْرُه، ولن يَنْزِلُ -قِيْدَ شَعْرةٍ - من سُمُوِّه .. وسيظل دينُه -رغمَ أنفِ الدنيا كلِّها- هو الدينَ الحقَّ المصانَ من التبديل والتحريف .. وسيظل مُحمَّدٌ ﷺ شاء المتكبِّرون أم أبَوْا- خاتَمَ الأنبياء والمرسلين، والمبعوثَ بالحق من عند رب العالَمين، وشريعته الغراءُ ناسخةً لِجميع الشرائع من قبله .. ومَن زكَّاه اللهُ لا يَحتاجُ لتزكيةِ مَن فوقَ التراب .. وكيف وهو الشاهدُ على الأمم والرسل يومَ القيامة!!.
فذِكرُنا لكلام هؤلاء إذن ليس احتجاجًا به، ولا تعظيمًا له، وإنَّما هو زيادة في الحُجةِ والبيان .. على أن مَدح هؤلاء له ﷺ مدحٌ ناقص .. إذ لا
стр. 2143
يتمُّ المَدحُ والتعظيمُ إلاَّ بالدخول في دينه والانصياع لأمره .. والله المستعان، وعليه التُّكلان.
وها نحن نَشرعُ في ذكرهم:
* جورج بِرنارد شو:
كاتبٌ ومفكِّرٌ أيرلنديٌّ، وُلد عام ١٨٥٦ في مدينة "كانيا"، وتُوفي عام ١٩٥٠، اشتُهر بنقدِه اللاذع للمجتمع البريطانيِّ، وخاصةً في عصرِ الملكة فكتوريا (تُوِّجت ملكةً عام ١٨٣٧، وتُوفيت عام ١٩٠١)، وقد بلغت الإمبراطوريةُ البريطانيةُ أَوْجَهَا في العصرِ الفِكتوري، كذلك اشتُهر "برنارد شو" بنقده للغربِ بوجهٍ عام، وقد حَصل على جائزة "نوبل" في الأدب عام ١٩٢٥ م.
° يقول جورج برنارد شو: "لقد كنتُ دائمًا أحتفظُ لدينِ محمدٍ عندي بأعلى التقدير، وذلك بسببِ حيويتِه المدهشة، إنه الدينُ الذي يبدو لي أنه يَمتلكُ القُدرةَ على استيعابِ تغيُّرِ أطوارِ الحياة، بما يَجعلُه مَحِلَّ إعجابٍ لكل العصور.
لقد دَرستُ محمدًا -ذلك الرجلَ العجيبَ-، وفي رأيي أنه أبعدُ ما يكونُ عمن يُسمَّى "ضد المسيح" (١)، ويجبُ أن يُسمَّى: "مُنقِذَ الإنسانية".
إني أعتقدُ لو أن شخصًا مِثلَه تولَّى الحُكمَ المُطلَقَ للعالَم المعاصِر، لَنَجَح في حلِّ مشاكله بطريقةٍ تجلِبُ له ما هو في أشدِّ الحاجة إليه من سلام وسعادة.
стр. 2144
لقد تنبَّأتُ بأن دينَ محمدٍ سيكونُ مقبولاً في أوربا الغد، كما أنه بدأ يكونُ مقبولاً في أوربا اليوم" (١).
° وله مؤلَّف أسماه "محمد" ﷺ أحرقته السلطةُ البريطانيةُ .. قال برنارد شو: "إن العالمَ أحوجُ ما يكونُ إلى رجل في تفكير محمد، هذا النبي الذي وَضع دينَه دائمًا موضعَ الاحترام والإجلال، فإنه أقوى دين على هَضم جميع المدنيات، خالدًا خلودَ الأبد، وإني أرى كثيرًا مِن بني قومي قد دخلوا هذا الدينَ على بينةٍ، وسيجدُ هذا الدينُ مجالَه الفسيحَ في هذه القارة -يعني أوروبا-، وإذا أراد العالَمُ النجاةَ من شروره، فعليه بهذا الدين، إنه دينُ السلام والتعاونِ والعدالةِ في ظل شريعةٍ متمدنةٍ محكمة، لم تَنْسَ أمرًا من الدنيا إلاَّ رسمَتْه ووزنته بميزانِ لا يُخطئُ أبدًا، وقد ألفتُ كتابًا في "محمد"، ولكنه صُودِر لخروجه عن تقاليد الإنكليز".
* هاملتون جب:
يُعتبر واحدًا من أكبرِ المستشرقين الإنجليزِ في العصر الحديث، وهو عضوُ المجمع العِلمى العربي في دمشق ومجمع اللغةِ العربيةِ في القاهرة، وهو أستاذُ الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة "هارفارد" الأمريكية، ومن كبارِ محرري وناشري "دائرة المعارف الإسلامية".
° يقول "هاملتون جب" في كتابه: "الإسلام إلى أين؟ ": "لا يزالُ لدى الإسلامِ فَضلٌ آخَرُ يبذُله مِن أجل قضيةِ الإنسانية، فهو يَقفُ -على كل حال- أقرب إلى الشرقِ أكثَرَ من موقفِ أوربا منه، كما أنه يَمتلكُ تقاليدَ
стр. 2145
رائعةً فيما يتعلَّقُ بالتفاهم والتعاونِ بين أجناسِ البشر، فلم يُحرِزْ أيُّ مجتمعٍ آخَرَ -غير إسلامي- مِثلَ هذا السجِل من النجاح في التوحيدِ بين ذلك القَدْرِ الهائل والمتنوِّع من الأجناسِ البشريةِ بتحقيق المساواة أمامَ القانون، وتكافؤِ الفُرصِ للجميع.
ولا يزالُ الإسلامُ قادرًا على تحقيقِ مُصالحةٍ بين عناصرِ الجِنسِ البشريِّ وتقاليدِها التي تَستعصي على التصالح (١).
لماذا قُدِّر أن يَحِلَّ التعاونُ يومًا ما مَحِل التعارضِ القائم بين المجتمعاتِ الكبيرة في الشرق والغرب، فإن وساطةَ الإسلام تُصبحُ شَرطًا لا غِنًى عنه، إذ يَكمُنُ بين يديه -إلى حد كبير- حل المشكلةِ التي تواجِهُ أوربا في علاقتِها بالشرق" (٢).
* مايكل هارت:
عالم أمريكى معاصِر، يتمتعُ بسَعَةِ تخصصِه في مجالاتٍ علميةٍ متعددةِ مثل الفَلَك والرياضياتِ والفيزياء، كما أنه مُحامٍ ومؤرخ من الهُواة، يَعملُ في وكالةِ أبحاثِ الفضاءِ الأمريكية المعروفة اختصارًا باسم: "ناسا".
° يقول "مايكل هارت" في كتابه: "المائة: تصنيف لأعظم
стр. 2146
الشخصيات أثرًا في التاريخ" -وقد وضع محمدًا رسولَ الله على رأس هذه القائمة-: "إن اختياري محمدًا ليكونَ على رأسِ القائمة لأعظم الشخصيات العالَمية في التاريخ، قد يُدهِشُ بعضَ القُراء، كما أنه قد يكونُ مَحلَّ تساؤلٍ من البعض الآخر، لكن محمدًا كان هو الإنسانَ الوحيدَ في التاريخ الذي بَلَغ أعلى درجاتِ النجاح على المستويَينِ المديني والدنيوي.
لقد استطاع محمدٌ -رغمَ أنه جاء من أصولٍ متواضعة (١) - أن يؤسسَ وينشرَ واحدةً من أعظم دياناتِ العالَم، كما أصبح زعيمًا سياسيًّا ذا تأثير هائل، واليوم -وبعدَ مرورِ ثلاثةَ عَشَر قرنًا على وفاته- لا يزالُ تأثيرُه قويًّا واسعَ الانتشار.
إن أغلبَ الشخصياتِ المذكورةِ في هذا الكتاب "المئة" تتميزُ بأنها وُلدت وتربت في مراكزِ الحضارة، ونشأت في أُممٍ عاليةِ الثقافة، أو ذاتِ أهميةٍ عُظمى في السياسة، لكنَّ محمدًا وُلد عام ٥٧٠ في مدينةِ "مكة"، جنوبَ بلادِ العرب التي كانت آنَذَاك منطقةً متخلِّفةً بين بلاد العالم، وبعيدةً عن مراكزِ التجارةِ والفنِّ والمعرفة، ولقد أصبح يتيمًا وهو في السادسةِ من عُمره، ونشأ في بيئةٍ متواضعة، وكان أغلبُ العرب آنَذَاكَ وثنيينَ يَعبدون آلهةً كثيرةً، وعندما بَلَغ محمدٌ الأربعينَ مِن عُمرِه صار مقتنعًا بأن الإلهَ الواحدَ الحق -الله- يُكلِّمُه، وأنه اختاره لنشرِ الدين الحق، غيرَ أن تلك الجيوش العربيةَ الصغيرة -وقد وَحَّدها محمدٌ لأولِ مرةٍ في التاريخ، ونَفَخ
стр. 2147
فيها الإيمانَ بالإلهِ الواحدِ الحق رُوحًا جديدة- ما لبثت أن قامت بسلسلةٍ من الفتوحات تعتبر واحدةً من أكثرها مَدْعاةً للدهشةِ في تاريخ البشرية، وعلى الرغم مِن أن القوةَ العدديةَ للعرب في مَيدانِ المعركةِ لا يمكنُ أن تكونَ مَحل مقارنةٍ مع القوةِ العدديةِ الهائلةِ لخصومهم، فإن أولئك العربَ المتحمِّسينَ سَرعانَ ما فَتحوا كلَّ بلاد ما بين النَهرين وسوريا وفلسطين، وفي عام ٦٤٢ كانت مصر قد انتُزعت من قبضة الإمبراطورية البيزنطية، بينما تم سَحقُ الجيوشِ الفارسيةِ في المعارك الحاسمة: في "القادسية" عام ٦٣٧، و"نهاوند" عام ٦٤٢.
لكنَّ هذه الفتوحاتِ العظيمةَ -التي تمَت تحتَ قيادةِ صاحِبَيْ محمدٍ الحميمَينِ وخليفتَيهِ المباشِرَينِ، وهما أبو بكر وعمرُ بن الخطاب- لم تكن هذه الفتوحاتُ نهايةً لزحفِ العرب، ففي عام ٧١١ اكتَسحت الجيوش العربيةُ شَمالَ إفريقيا بالكامل حتى وصلت إلى المحيطِ الأطلسي، ومِن هناك استدارت شَمالاً، فعَبَرت مَضِيقَ جبل طارق، ثم سَحقت مملكة "القوط الغربيين" في أسبانيا، ولقد بَدا آنَذَاك أنَّ المسلمين على وَشَك أن يَسحقوا أوربا المسيحيةَ بالكامل، ولكنْ أخيرًا -وفي عام ٧٣٢ - هَزم الفرنجةُ جيشًا إِسلاميًّا كان قد زَحف إلى قلبِ فرنسا، وذلك في معركة "بواتيه" الشهيرة.
وعلى الرغم من ذلك، فإن أولئك البَدْوَ القبَلِيِّين اِلذين نَفَخت فيهم كلمات النبي روحًا جديدةً، قد استطاعوا خلالَ أقلَّ مِن قَرنٍ من الحرب أن يُقيموا إمبراطوريةً تمتدُّ مِن حدودِ الهندِ إلى المحيطِ الأطلسي، وكانت أكبَرَ
стр. 2148
الإمبراطوريات التي عَرَفها العالم.
وخلالَ القرونِ المتلاحقة، كان من الطبيعي أن يستمر الدينُ الجديدُ في الانتشار بعيدًا فيما وراءَ الحدودِ الأصلية للفتوحاتِ الإسلامية.
ويَعتنقُ هذا الدينَ حاليًا عشراتُ الملايين في إفريقيا وآسيا الوسطى، وأيضًا في باكستان وشمالِ الهند وأندونيسيا، ولقد كان هذا الدين الجديدُ عاملاً لتوحيدِ أندونيسيا.
ونظرًا لأن عددَ المسيحيين في العالَم يُقدَّرُ تقريبًا بضِعفِ عددِ المسلمين، فقد يَبدو غريبًا أنْ يُوضَعَ محمدٌ في القائمةِ قبل عيسى، لكنْ هناك سببانِ رئيسانِ لهذا القرار:
أولهما: أن محمدًا لَعِب دورًا هامًّا أبعَدَ أثرًا في نَشرِ الإسلام وبيانِه أكثَرَ مما فعله عيسى في المسيحية، فعلى الرغم من أن عيسى كان مسؤولاً عن المبادئِ الأساسيةِ للسلوك والتعاليم الأخلاقية في المسيحية، فإنَّ القديسَ "بولس" كان هو المسؤول عن وضع قواعدِ اللاهوت المسيحي، وناشرَ المسيحيةِ الأول، ومؤلِّفَ الجزءِ الأكبرِ من أسفارِ العهد الجديد.
أما محمد، فقد كان هو المسؤولَ عن وضع قواعدِ الإسلام والمبادئِ الأساسيةِ والتعاليم الأخلاقية، وبجانبِ هذا، فقد لَعِب الدورَ الرئيسيَّ في نشرِ العقيدةِ الجديدةِ وترسيخ الممارسةِ الدينيةِ للإسلام، والقرآنُ يُمثِّلُ كلماتِه بالضبط إلى حدٍّ بعيد، على حينِ أنه لم يَبْقَ لنا مِثلُ هذا التصنيفِ التفصيليِّ لكلماتِ المسيح وتعاليمه.
وربما كان التأثير النسبى لمحمدٍ على الإسلام أكبرَ من التأثيرِ المشتركِ
стр. 2149
ليسوعَ المسيح والقديس بُولس على المسيحية، وعلى المستوى الدينيِّ الخالص، يُمكن أن يكونَ تأثيرُ محمدٍ في تاريخ الإنسانية مِثلَ تأثيرِ عيسى -وأكثر من هذا-.
وعلى العكس من عيسى، فإن محمدًا كان زعيمًا دنيويًّا كما كان زعيمًا دينيًّا، وفي حقيقةِ الأمر وبصفته القوةَ المحركةَ للفتوحات العربية، يمكنُه أن يكونَ أكثرَ الزعماءِ السياسيين تأثيرًا عَبْرَ كلِّ العصور، وقد يمكنُ القولُ: إن كثيرًا من الأحداثِ التاريخيةِ الهامةِ كان محتَّمًا وقوعُها حتى دون وجودِ الزعيم السياسي المعين الذي وَجَّهها، ولكنْ مِثلُ هذا القولِ لا يُمكنُ أن يَنطبقَ على الفتوحاتِ العربية، فلم يَحدُثْ مِثلُ ذلك قبلَ محمدٍ، ولا يُوجد سببٌ يدعو للاعتقادِ بأن تلك الفتوحاتِ كان يُمكنُ حدوثُها دونَ محمد.
إن الفتوحاتِ الوحيدةَ في تاريخ البشرية -والتي يمكنُ مقارنتُها بالفتوحاتِ العربية-، هي فتوحاتُ "المغول" في القرنِ الثالثَ عَشَر، والتي يَرجعُ الفضلُ فيها إلى تأثيرِ "جنكيزخان"، لكن فتوحاتِ المغول -رغمَ امتدادِها أكثَرَ من الفتوحاتِ العربية- لم يُكتب لها الدوام، ويحتل المغولُ اليومَ نفسَ المساحةِ التي كانوا فيها قَبلَ عصرِ "جنكيزخان".
إن هذا يختلفُ تمامًا عمَّا حَدَث للفتوحات العربية، إذ تمتدُّ من العراق إلى المغربِ سلسلةٌ متَصِلةٌ من الأمم العربية، لم تتَّحِدْ فقط في إيمانِها بالإسلام، ولكنْ وَحَّدها أيضًا لُغتُها العربيةُ وتاريخُها وثقافتها، وفوق ذلك، نرى أن الفتوحاتِ العربيةَ التي حَدَثت في القرنِ السابع، لا تزالُ
стр. 2150
تلعبُ دورًا هامًّا في تاريخ البشرية حتى اليوم (١).
وبسبب هذا الجَمْع الذي لا نَظيرَ له بين الدين والدنيا، أرى أن محمدًا من حقه أن يُعتبَرَ أعظمَ الشخصياتِ البارزةِ أثرًا في تاريخ الإنسانية" (٢).
* برنارد لويس:
وُلد عام ١٩١٦، وحَصل على الدكتوراة من جامعة "لندن" عام ١٩٣٩ م، وهو أستاذُ دراساتِ الشرقِ الأدنى بجامعةِ "برنستون"، وأستاذ زائر في كاليفورنيا وكولومبيا وإنديانا، وعُضوُ شرفٍ في الجمعية التاريخية التركية، وعضوُ الجمعيةِ الفلسفيةِ الأمريكية والمعهدِ المَلَكي للشؤون الدولية، وعددٍ آخَرَ من الجمعيات العلمية العالمية.
° كَتَب "برنارد لويس" عن الإسلام يقول: "أرسَلَ اللهُ المَلَكَ جبريلَ ليُمليَ القرآنَ على محمد، وبهذا يُكمِلُ القرآنُ سلسلةَ الوَحْي التي سَبقت إلى أنبياءِ اليهودِ وإلى عيسى، ومِن ثَمَ يكونُ محمد أعظمَ الأنبياءِ وخاتَمَهم، ويكونُ القرآنُ هو "الكتابَ" الأخيرَ والتعبيرَ الكاملَ عن إرادةِ الله فيما يتعلَّقُ بحياة الناس.
إنَّ المسيحيةَ في إخلاصِها إلى "إنسان- إله" إنما تُلهِمُ مُثُلاً عُليَا دنيويةً،
стр. 2151
بينما الإسلامُ في إخلاصِه للقرآن، إنما هو حضارة، إذ لا يُمكنُ فَصلُ محتواه الديني عن تنظيم حياةِ البشر، ذلك التنظيمُ الذي كان يُوضَع مَوْضعَ التنفيذِ فورًا بمجرد التنزيل.
لقد كان "قيصر" هو إلهَ روما الإمبراطورية، وبالنسبة للمسيحي، يَعترفُ بأنْ "يُعطَي ما لقيصرَ لقيصر، وما لله لله"، أما بالنسبة للمسلم، فإن اللهَ هو قيصر (١)، لن يعترفَ بأي مصدرٍ آخَرَ للسلطةِ سوى الله.
ويتفقُ المسلمون وغيرُ المسلمين -بوجهٍ عامٍّ- على إعطاءِ كلمةِ "الإسلام" معنى "التسليم لله"، وبخاصةٍ استسلام المؤمن لمشيئةِ الله، ولقد فُهِم الإسلامُ -في نظر محمدٍ نفسِه، وفي نظرِ المسلمين الأوائل- على إنه ليس دينًا جديدًا، وإنما هو استمرارية تمثلُ المرحلةَ الأخيرةَ في الصراع الطويل بين الشرك والتوحيد، ولقد كان الأنبياءُ الكثيرون الموحدون وتلاميذهم -الذين شاركوا في هذا الصراع قَبْلَ محمدٍ -، كانوا جميعًا مسلمين، وتدلُّ كلمةُ "الإسلام" على الدينِ الحقِّ الذي دعا إليه كل المرسَلين الذين اختارهم الله.
واليهوديةُ مَثَلُها مَثَلُ المسيحية، كانت كل منها مرحلةً سابقةً في نفسِ سلسلةِ الوحي الإلهيِّ، وكانتا في أولِ أمرِهما ديانتَينِ صحيحتَينِ، ولكنْ بالنسبة للمسلمين فإن بَعثةَ محمدٍ قد نسختهما، فما كان فيهما من حقٍّ، قد
стр. 2152
احتَوته رسالة النبي، وما كان فيهما من غيرِ الحق، إنما جاء نتيجةً لِمَا لَحِقَ بهما مِن تحريفٍ.
وعلى المستوى الديني، يُعتبر الإسلامُ هو النهاية، ولكنْ من الجهة التاريخية يمكنُ النظر إليه باعتباره بداية، فقد كان تأسيسًا لدين جديد، وإمبراطوريةٍ جديدة، وحضارةٍ جديدة (١).
وهنا نقطة هامة كان بناءً عليها قَدَرُ محمدٍ مختلفًا جذريًّا عما قُدِّرَ لعيسى والأنبياءِ الآخرين، وهي أن حياتَه قد تميزت بالنجاح الزمَني، ومن المؤكَّدِ أنه لم يكنْ في بَدءِ رسالته إلاَّ داعيةً متواضعًا ومضطَهدًا -مِثلَ بقيةِ رُسل الله-، ولكنه بدلاً من أن يُقاسيَ الاستشهادَ، فإذا به يرتفع إلى السلطة (٢)، إن الإسلامَ منذ بدايتِه وهو مرتبطٌ بممارسةِ السلطةِ السياسية، والذي حَدَث أن جماعةَ المسلمين بالمدينة كَوَّنت أيضًا دولةَ، ثم كان على الأحداثِ التي تَعقُبُ ذلك أن تَجعلَ منها نَواةَ لإمبراطوريةٍ.
لقد كان اللهُ في نظرِ المسلمين هو المصدرَ الأسمى للسلطة، ومنه استمدَّ النبي سُلطتَه وشريعتَه في نفسِ الوقت، ولقد كان النبي هو مُبلِّغَ وَحيِ الله، ورسولَ العنايةِ الإلهية، والرئيس المفوَّضَ من الله لقيادة جماعةِ
стр. 2153
المؤمنين، لقد عَلَّم يسوغ المسيحيين أن يُعطوا لقيصرَ ما لقيصر، وأن يُعطوا لله ما لله، وخلالَ ثلاثةِ قرونٍ من الصراعات والاضطهادات، تَوطَّد بصلابةٍ هذا الفَصلُ بين السلطتينِ الدينيةِ والزمنيةِ في العقيدة المسيحية وممارستها، ولقد أقامت الديانةُ المسيحيةُ مؤسساتِها المنفصلةَ عن مؤسساتِ الدولة، إذ أقامت الكنيسةَ وطبقةَ الكهنوت المسيحي.
ولقد حَدَث التغييرُ الكبيرُ مع تحوُّلِ الإمبراطور الروماني "قسطنطين" إلى المسيحية، وابتداءِ علاقاتٍ سيئةٍ في صَدرِ المسيحيةِ بين الكنيسة والدولة (١).
إن هذا الفَصلَ بين السُّلطتَين (الدينية والزمنية) غيرُ موجودٍ على الإطلاق في الإسلام، كما أن هناك زَوجَينِ من الكلماتِ مثل: "دنيويٌّ نجِسٌ، وديني"، "رُوحيٌّ، وزمني"، لا يوجَد لهما مكافيءٌ في العربية الفصحى، وفي "روما" كان "قيصر" هو الله، وفي المسيحية تقاسَمَ قيصرُ واللهُ المسيحيةَ، أما في الإسلام، فاللهُ هو قيصر.
وعندما مات محمد، كانت بَعثتُه الروحيةُ والنبويةُ قد اكتملت، وكانت مُهمتُه -التي حَددها الله- هي: استعادةُ التوحيدِ الحقيقيِّ الذي علَّمه الأنبياءُ السابقون -لكنه ما لَبِث أن تَعرَّض للتحريفِ والفساد-، ثم القضاءُ
стр. 2154
على الوثنية، وتبليغُ الوحي الذي جَدَّد الدينَ الحقيقي والشريعةَ الإلهية، وكان هذا ما فَعله محمدٌ أثناءَ حياته، وعند موته عام ١١ هـ - ٦٣٢ م كانت إرادةُ الله قد أَوحى بها كاملةً إلى البشرية، ولن يكون بعد ذلك نبيٌّ أو وحيٌ آخَر.
وإذا كانت المهمةُ الروحيةُ قد انتَهت، فلا تزالُ هناك مهمةٌ دينيةٌ أخرى يجبُ تحقيقُها، ألَا وهي الحِفاط على الشريعةِ الإلهيةِ، والدفاعُ عنها، وإخضاعُ بقيةِ البشريةِ إلى الدين (١)، ولقد تَطلَّب إنجاز مِثل هذا العمل ممارسةَ قوةٍ سياسيةٍ وعسكرية، أو باختصارٍ ممارسةَ سيادةٍ داخلَ دولة (٢).
ويزعَمُ أحيانًا أن الدينَ الإسلامي قد فرض بالقوة؛ لكنَّ هذا القولَ غيرُ صحيح -ولو أن عملياتِ الفتح قد ساهمت إلى حدٍّ كبير في امتداد الإسلام والعروبة-، فبعد وفاةِ النبي بقرن، وفي إمبراطوريةٍ واسعةٍ يحكمُها وَرَثةُ محمدٍ، وتَضمُّ العديدَ من الأقطارِ والشعوب، كان الإسلامُ هو الدينَ السائدَ، وكانت اللغة العربيةُ تَحل سريعًا مَحل اللغاتِ الأخرى، وَتفرِضُ نفسَها، وخاصةً في الإدارة والتجارة والتعليم.
لقد قامت حضارةٌ أصيلةٌ مستوحاةٌ من العقيدة الإسلامية، ومتمتعة بحمايةِ الدولةِ الإسلامية، ومدعمة بثَراءِ اللغة العربية، حضارة تنمو وتتَسعُ
стр. 2155
وتَعيشُ طويلاً وقد صَنَعها الرجالُ والنساء من مختلفِ الأعراق والديانات، وقد اصطبغ كل شيءٍ فيها بالعروبةِ والمبادئِ والقِيَم الإسلامية" (١).
* الفيلسوف الشهير لاون تولستوي الروسي:
تولستوي (١٨٢٨ - ١٩١٠) مؤلِّفٌ قَصَصيٌّ، اشتَغل بالإصلاح، وهو كاتبُ روسيا الأعظم، ثار على الزعماءِ من حُكَام "وا كليروس"، فمَهَّد السبيلَ للثورةِ ولانتشار الشيوعية.
° قال في كتابه "الإنسان والحياة": "وقد صَدَّقَتْ عائلة النبي محمدٍ برسالته، وكذلك عليُّ بنُ أبي طالب وزَيدٌ، وانضم إليه أبو بكر وخديجةُ بنتُ خويلد -وهي أولُ مَن أسلم من النساء-".
° إلى أن قال: "إن محمدًا نبيَّ الإسلام -الذي آمن به الآن أكثر مِن مِئَتَيْ مليون نَفْس-، قد قام بعمل عظيم جدًّا، فإنه هَدى الوثنيين -الذين قَضَوا حياتَهم بالحروب الأهلية وسَفكِ الدماء وتقديم الضحايا البشرية- إلى معرفةِ الإلهِ الواحد، وأنار أبصارَهم بنورِ الإيمان، وأعلن أن جميعَ الناس متساوون أمامَ الله سبحانه.
والحق الذي لا مِراءَ فيه، أن محمدًا قام بعمل عظيم وانقلابٍ كبير في العالم".
° وقال في كتابه "حكم محمد": "ومَن أراد أن يَتحققَ ما عليه الدينُ الإسلاميُّ من التسامُح، عليه أن يُطالع القرآنَ الكريم بإمعان، ذلك الكتابُ
стр. 2156
الذي جاء به محمدٌ، وقد جاءت فيه آياتٌ كريمة تدلُّ على رُوح الإسلام السامية، فمنها الآية الكريمة: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣] ".
° يقول الدكتور عبد الحليم محمود: "ومن مآثِرِه الكريمة أنه حينما رأى الحَمْلَةَ الظالمةَ على الإسلام، وعلى رسولِ الإسلام ﷺ ، كَتَب رأيَه في هذا الدين الذي أُعجب به، وتحدَّث عن رسوله الذي نال إكبارَه، وكان جزاؤه على ذلك -أي على كلمةِ الحق التي يَدينُ بها- أنْ حَرَمه البابا من رحمة الله، فكان ذلك -كما يقول الشيخ محمد عبده مخاطبًا الأديب الكبير-: فليس ما حَصَل لك من رؤساءِ الدين سوى اعترافٍ منهم -أعلنوه للناس- أنك لستَ من القوم الضالِّين".
° يقول "تولستوي": "لا ريبَ أن النبيَّ محمدًّا ﷺ من كبار (عظماءِ) الرجال المُصلِحين الذين خَدَموا الهيئةَ الاجتماعيةَ خِدمةً جليلة.
ويكفيه فخرًا أنه هَدَى أُمةً برُمَّتها إلى نورِ الحق تجنَحُ (تخضع) للسكينةِ والسلام، وتُفضِّل عِيشةَ الزهد، وتكفُّ عن سَفكِ الدماء وتقديم الضحايا البشرية.
ويكفيه فخرًا أنه فَتَح لها طريقَ الرُّقِيِّ والتقدُّم والمدنيَّة، وهذا عملٌ عظيمٌ لا يفوزُ به إلاَّ شخصٌ أُوتِي قوَّةً وحكمةً وعِلمًا، ورجل مِثلُه جديرٌ
стр. 2157
بالاحترام والإجلال" (١).
* توماس كارليل الإِنجليزي:
توماس كارليل (١٧٦٢ - ١٨٠٥ م) مستشرقٌ إنجليزي، أحدُ كبارِ كُتَّاب الإنجليز، أخذ العربيةَ في بغداد، وكان أستاذًا للعربية في "كمبردج" ببريطانيا.
و"كارلايل" أحدُ كِبارِ كُتَّابِ الإنجليز، شاعريُّ النَّزْعةِ والفِطرة، متحرِّرٌ من الرياء والخَبَث، يتتبعُ البطولة، فيكتبُ عنها ويَمتدحُها، ويُحبِّبُ الناسَ في السموِّ بأنفُسهم إلى منازلِ الأبطال -أو على الأقل إلى التشبُّه بهم-، وقد أثار كتابه: "الأبطال" إعجابًا في ميدانِ الفكر العالمي، وتُرجم إلى كل اللغات الحية، وحينما ترجَمه محمدُ السباعي ﵀ إلى اللغةِ العربية، أثار الكثيرَ من الإعجاب، وقد كان الأسلوب الأستاذِ "السباعي" البارع أثر في انتشارِ الكتاب، ومَن لم يقرأْه لمعانيه قرأه لأسلوبه، وفي هذا الكتاب فَصلٌ مستفيضٌ عن حياة الرسول -صلوات الله وسلامه عليه-، نقتطفُ منه ما يلي:
° "مِن العار أن يَصغَي أيُّ إنسانٍ متمدِّنٍ من أبناءِ هذا الجيل إلى وَهم القائلين: "إن دينَ الإسلام كَذِب، وإن محمدًا لم يكن على حق".
لقد آن لنا أن نحاربَ هذه الادعاءاتِ السخيفةَ المُخجِلة، فالرسالةُ التي
стр. 2158
دعا إليها هذا النبي، ظَلَّت سراجًا منيرًا أربعةَ عَشَرَ قرنًا من الزمان، لملايينَ كثيرةٍ من الناس، فهل من المعقول أن تكونَ هذه الرسالةُ التي عاشت عليها هذه الملايينُ وماتت، أكذوبةَ كاذبةً، أو خديعةَ مُخادع؟ ولو أن الكَذِبَ والتضليلَ يَرُوجانِ عند الخَلقِ هذا الرَّواجَ الكبيرَ، لأصبحت الحياةُ سُخفًا وعبثًا، وكان الأجدرُ بها ألاَّ توجد.
هل رأيتم رجلاً كاذبًا يستطيعُ أن يَخلُقَ دينًا، ويتعهَّدَه بالنشرِ بهذه الصورة؟!.
إن الرجلَ الكاذبَ لا يستطيعُ أن يَبنيَ بيتًا من الطوب، لجهلِه بخصائصِ موادِّ البناء، وإذا بناه فما ذلك الذي يَبنيه إلا كَومةً من أخلاطِ هذه المواد، فما بالُك بالذي يَبني بيتاً دعائمُه هذه القرونُ العديدة، وتَسكنُه هذه الملايينُ الكثيرةُ من الناس؟!.
وعلى ذلك، فمن الخطإ أن نَعُدَّ محمدًا رجلاً كاذبًا متصنِّعًا متذرِّعًا بالحِيَلِ والوسائل لغايةٍ أو مَطْمَع، أو يَطمحُ إلى درجةِ مَلِكٍ أو سلطانٍ أو غيرِ ذلك من الحقائرِ والصغائر .. وما الرسالةُ التي أداها إلاَّ الصدقُ والحقُّ الصُّراحُ، وما كَلِمته إلاَّ صوتُ حق صادقٍ صادرٍ من العالَم المجهول .. كلاَّ، ما محمدٌ بالكاذب، ولا الملفِّق، وإنما هو قطعةٌ من الحياة قد تفطَر عنها قلبُ الطبيعة، فإذا هو شهابٌ قد أضاء العالَمَ أجمعَ، ذلك أمر الله .. وذلك فَضلُ اللهِ يؤتيه من يشاء.
أُحبُّ محمدًا لبراءةِ طبعِه من الرياء والتصنُّع، ولقد كان ابنَ الصحراء، مستقلَّ الرأي، لا يَعتمدُ إلاَّ على نفسه، ولا يَدَّعي ما ليس فيه،
стр. 2159
ولم يكن متكبِّرًا ولا ذليلاً، فهو قائمٌ في ثوبِه المرقَّع، كما أوجَده اللهُ يُخاطِبُ بقوله الحُرِّ المبينِ أكاسرةَ العَجَم وقياصرةَ الروم، يُرشِدُهم إلى ما يجبُ عليهم لهذه الحياةِ والحياةِ الآخرة.
وما كان محمدٌ بعاشق قط، ولا شابَ قولَه شائبةُ لَعِبٍ ولهو، فكانت المسائلُ عنده مسألةَ فَناءٍ وبقاء .. أما التلاعبُ بالأقوال، والعبثُ بالحقائق، فما كان من عادتِه قط.
وَيزعُمُ المتعصّبون أن محمدًا لم يكن يريدُ بدعوته غيرَ الشهرةِ الشخصيةِ ومفاخِرَ الجاهِ والحياةِ والسلطان .. كَلا واسم الله، وأيم الله، لقد كان في فؤادِ ذلك الرجل الكبير، ابنِ القفارِ والفَلَواتِ، المتوقِّدِ المُقلَتَيْنِ، العظيم النفس، المملوءِ رحمةً وخيرًا وحَنانًا وبِرًا وحِكْمةً وحِجًى: أفكارٌ غيرُ الطمع الدنيويِّ، وأهدافٌ ساميةٌ، (ونواياه) غيرُ طلبِ الجاهِ والسلطانِ، وكيف وتلك نَفسٌ صافيةٌ كبيرةٌ، ورجل من الذين لا يُمكنُهم إلاَّ أن يكونوا مخلِصِين جادِّين، فبينما ترى آخَرِين يَرضَوْن بالاصطلاحاتِ الكاذبة، إذْ ترى محمدًا لم يَرْض أن يلتفَّعَ بمألوفِ الأكاذيب، ويتوشَّح بمتَّبَع الأباطيل، لقد كان منفردًا بنفسِه العظيمةِ وبحقائق الأمور.
ويزعمُ الكاذبون أن الطمعَ وحبَّ الدنيا هو الذي أقام محمدًا وآثارَه"!! حُمقٌ وسخافهٌّ وهَوَس إنْ رَأَيْنا رأيَهم، أيةُ فائدةٍ لرجل على هذه الصورةِ في جميع بلاد العرب، وفي تاج قيصرَ وصَوْلَجانِ كسرى جميعُ ما بالأرض من تِيجان؟!.
لم يكن كغيره يَرضى بالأوضاع الكاذبة، ويَسيرُ تَبَعًا للاعتبارات
стр. 2160
الباطلة، ولَم يَقبَلْ أن يتَّشحَ بالأكاذيب والأباطيل.
لقد كان منفردًا بنفسه العظيمة، وبخالِقِ الكونِ والكائنات، لقد كان سِرُّ الوجودِ يَسطَعُ أمامَ عينهِ بأهوالهِ ومحاسنِه ومخاوفه.
لهذا جاء صوتُ هذا الرجل منبعِثًا من قلبِ الطبيعةِ ذاتها .. ولهذا وَجَدْنا الآذانَ إليه مُصغِيةً، والقلوب لِمَا يقولُ واعيةً.
لقد كان زاهدًا متقشِّفًا في مَسكنِه ومأكلِه ومَشْرَبِه ومَلْبَسِه وسائرِ أموره وأحواله، فكان طعامُه عادةً الخبزَ والماء، وكثيرًا ما تتابعت الشهورُ ولم تُوقَدْ بداره نار.
فهل بعد ذلك مَكرُمة ومَفْخَرةٌ؟ فحبَّذا محمدٌ من رجل متقشفٍ، خَشِنِ الملبسِ والمأكل، مجتهدٍ في طاعةِ الله، دائبٍ في نشرِ دينِ الله، غيرِ طامع إلى ما يَطمعُ إليه غيرُه من رتبةٍ أو دولةٍ أو سلطان.
ولو كان غيرَ ذلك، لَمَا استطاع أن يَلْقَي من العربِ الغِلاظِ احترامًا وإجلالاً وإكبارًا، ولَمَا استطاع أن يقودَهم وُيعاشرَهم مُعظَمَ وقتِه، ثلاثًا وعشرين حِجّةً وهم ملتفُّون حولَه، يقاتِلون بين يديه ويجاهدون معه .. لقد كان في قلوبِ العرب جَفَاءٌ وغِلظة، وكان من الصعبِ قيادتُهم وتوجيُههم، لهذا كان مَن يَقدِرُ على ترويضِهم وتذليلِهم بطلاً -وأيم الله-.
ولولا ما وَجدوا فيه من آياتِ النُّبل والفضل لَمَا خَضَعوا لإرادته، ولَمَا انقادوا لمشيئته.
وفي ظنِّي أنه لو وُضع قيصرُ بتاجِه وصَولجانِه وَسَطَ هؤلاءِ القوم بَدَل هذا النبي، لمَا استطاع قيصرُ أن يُجبِرَهم على طاعتِه، كما استطاع هذا النبي
стр. 2161
في ثوبه المرقَّع".
° وقال (ص ٧) منه: "لقد أصبح من العار على أيِّ متمدِّنٍ أن يُصغيَ إلى ما يُظن من أن دينَ الإسلام كذب، أو أنَّ محمدًا كذاب، وقد آن لنا أن نحاربَ ما يُشاعُ مِن مِثل هذه الأقوالِ السخيفة، فهل رأيتم رجلاً كاذبَاً يستطيعُ أن يُوجِدَ دينًا؟! والله إن الرجلَ الكاذبَ لا يستطيعُ أن يبنيَ بيتًا من الطوب".
° وقال (ص ٥٣) منه -تحت عنوان: تأثيرُ الإسلام على العرب، وفضلُه عليهم-: "لقد أخرج اللهُ العربَ بالإسلام مِن الظلمات إلى النور، وأحيا به من العربِ أُمةً هامدةً، وهل كانت إلا فئةً من جوَّالةِ الأعراب، خاملةً فقيرةً تَجوبُ الفَلاة، منذُ بَدءِ وجودها لا يُسمع لها صوت، ولا تُحَسُّ منها حركة، فأرسل اللهُ لهم نبيًّا بكلمةِ من لدُنْه، ورسالةٍ مِن قِبَلِه، فإذا الخمولُ قد استحال شُهرةً، والغموضُ نباهةً، والضَّعَةُ رفعةً، والضَّعفُ قوةً، وَسع نورُه الأنحاءَ، وعَمَّ ضَوؤُه الأرجاء، وعَقَد شعاعُه الشمالَ بالجنوب، والمَشرِقَ بالمغرب، وما هو إلاَّ قرنٌ بعد هذا الحادث، حتى أصبح لدولةِ العرب رِجل في الهند ورِجلٌ في الأندلس، كلُّ ذلك بنورِ الفضل والنُّبل والمروءةِ والبأسِ والنجدة ورَونَقِ الحقِّ والهدى، وما زال للأمةِ العربية رقيٌّ في دَرَج الفضل، وتَعريجٌ إلى ذُرى المَجد، ما دام مذهبُها اليقين، ومنهاجها الإيمان".
وقد وَصف المستشرقُ المذكور (محمدًا) أكمل وصف، وأثنى عليه أعظمَ الثناء في كتابه "الأبطال"، فقد أسَهب في وصفِ عبقريتهِ وبطولتِه في نبوته.
стр. 2162
* فولتير:
بعد أنْ كتب "فولتير" مسرحيتَه الشهيرةَ "التعصب أو محمد النبي"، ووَصَفه بأنه كان "دجَّالاً، ومستبدًّا، تحرِّكه الشهوات الحسيةُ، ومتعطشًا للدماء" .. تراجع "فولتير رويدًا رويدًا عن أباطيله في الإسلام ونبيِّه.
لقد جَمع "القاموس الفلسفيُّ" لـ "فولتير" مقالاتِه في مختلفِ الموضوعات، مرتبةً ترتيبًا أبجدياً، ونجدُ في "المجلد السابع" من هذا القاموس حديثًا عن القرآن، يقول فيه "فولتير" (١): "لا يزال القرآن في واقع الأمر يَشتهر إلى اليوم بأنه الكتاب الأكثر تميُّزًا وسموًّا، الذي كتب بهذه اللغة "العربية"، لقد أَلْصَقْنا بالقرآنِ ما لا نهايةَ له من السفاهاتِ التي لم تكن به على الإطلاق، لقد كان هذا موجَّهًا بالدرجةِ الأولى ضدَّ التُّركِ الذين أصبحوا من أتباع محمدٍ، فكَتب رهبانُنا الكثيرَ من كتبِ المطاعِن هذه، إذ لم تكن هناك وسيلةٌ تمكنهم من مواجهةِ فاتِحِي القسطنطينية خلافَ ذلك، كما أن مؤلِّفينا والذين هم في كثرتهم الهائلةِ أكبرُ عددًا من جنودِ الإنكشارية، لم يَجدوا صعوبةً تذكرُ في جعل نسائنا تقف في صَفِّهم (٢).
стр. 2163
لقد أقنعوهنَّ بأن محمدًا لم يَعْتَبِرْهُن ضِمْنَ الحيواناتِ الذكية، وأنهن جميعاً إماءٌ وِفقَ شريعةِ القرآن، ولن يَنَلْنَ أيَّ خَير في هذه الحياة، وفي الحياةِ الأخرى لا نصيبَ لهن في الفِردوس على الإطلاق!.
مِن الواضح أن كل هذا كَذِبٌ وبطلان اعتقدوا فيه بكل قوة.
كان يَكفي مع ذلك قراءة السورتين -الثانية والرابعة- من القرآن، حتى يَهتديَ الناسُ إلى الحق، ففيهما التشريعاتُ التالية (١) التي تَرَجَمَها كل مِن:
стр. 2164
"دي رير" الذي عاش مدةً طويلةً في القسطنطينية، و"ماراكي" الذي لم يَزُرْها أبدًا، ثم "سأل" المستشرقُ (الإنجليزي) الذي عاش خمسةً وعشرين سنةً بين العرب.
إن في هذا ما يكفي لعمل مصالحةٍ بين النساء ومحمدِ الذي لم يعامِلْهُنَّ أبدًا بمثِل تلك الشِّدةِ المزعومة، كما أننا لا نستطيعُ أن ندينَه على عقيدتِه في الإله الواحد، فهذه هي كلماتُ السورة رقم (١١٢) تقول: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (١).
стр. 2165
إنني أقولُ: إن هذه الكلماتِ أَخضعت له الشرقَ أكثَرَ مما فَعَل سَيفُه.
وفي كلمة موجزة، فإن شريعتَه صالحة، وعقيدتَه تدعو إلى الإعجاب" (١).
° كذلك كَتب "فولتير" مقالاً جاء في "المجلد الثامن" من قاموسه الفلسفي، بعنوان: "المحمديين"، قال فيه مخاطبًا مواطِنيه -وخاصةً طبقةَ الكهنوت الذين يَتزعَّمون حَمْلَةَ التشهيرِ بمحمدٍ ودينه وأتباعه (٢): "أُكرِّر لكم القولَ -أيها الجَهَلةُ الأغبياءُ الذين خَدَعهم جَهَلةٌ آخَرون، إذ أقنعوكم بأن الديانةَ المحمديةَ ديانةٌ شهوانيةٌ ولذاتٌ جَسَدية، بينما هي ليست شيئًا من ذلك، ولقد خُدعتم في هذا الموضوع، كما خُدعتم في موضوعاتٍ أخرى كثيرة-:
أيها الأساقفةُ والرهبانُ والقُسُس، إذا فَرض عليكم الإيمانُ أن تَمتنِعوا عن الطعام والشرابِ من الساعةِ الرابعةِ صباحًا حتى العاشرة مساءً في شهر يوليو، عندما يَحِلُّ الصومُ في هذا الوقت القائِظ، وإذا حُرم عليكم لَعِبُ الميسر وإلاَّ حَلت بكم اللعنةُ، وإذا حُرمت عليكم الخمرُ تحت التهديدِ بالجزاءِ نفسه، وإذا فُرض عليكم الحجُّ مرةً في الصحارِي المُحرقة، وإذا فُرض
стр. 2166
عليكم إعطاءُ ٢.٥% على الأقلّ من دَخْلِكمُ السُّنويّ إلى الفقراء، وإذا كنتم معتادِين على التمتع بثمانيةَ عَشَرَ امرأةً، فإذا بمن جاء في ضربةٍ واحدةٍ ليَقتطعَ منهن أربع عَشْرَةَ امرأةً (ليبقى منهن أربعة فقط)، فهل تجرؤُوُن بعد ذلك على القولِ -مخلِصِين-: إن هذه الديانةَ ديانة شهوانية؟!.
إنني أَمقتُ الافتراءَ على الناس، لدرجةِ أني لا أَقبلُ إلصاقَ التهَم حتى بالأتراكِ -مهما كانت كراهيتي لهم لسوء معاملتهم للنساء، ولعداوتهم للفنون-، لكن هناك مَن يؤمنون بضرورةِ القتالِ دون توقف! وإذا ما تم هَدمُ ضلالة، فإنه يُوجَد دائمًا مَن يَعمل على بَعثِها من رَقْدَتِها واستبقائها! " (١).
° لقد دافع "فولتير" عن الإسلام ونبيه والمسلمين قَدْرَ استطاعته، وحَسْبَ ما توافَرَ لديه من معلوماتٍ ودراسات، وذلك في عصرِ الاستعمار العاتي وسَطْوَةِ الكنيسةِ وشيوع التعصبِ الأعمي، وإذا كان "فولتير" قد أبطل الفِرْيَةَ التي تَزعُمُ أنه لا مكانَ للمرأة في الجَنَّة، وأنها في الإسلام حِكْر علي الرجال، فمِن عَجَبٍ أن هذا الزعمَ الباطلَ لا يزال يتردَّدُ إلى الآن في الغرب!!.
° ففي يناير ١٩٩٣ يسأل شاب مسلم في ألمانيا كاتبَ هذه السطور عن لردٍّ العلمي على ذلك الزعم الباطل!!.
لقد أجاب "فولتير" عن ذلك قبلَ أكثَرَ من مِئَتَيْ عام، وأجاب غيرُه إجاباتٍ أخرى أكثَرَ استفاضةً وتنوعًا.
° ويقول "فولتير" عن الإسلام والقرآنِ ومحمدٍ: "إن معتقداتٍ بمِثل
стр. 2167
هذه البساطة قد جَذَبت بسرعةٍ الاحترامَ والثقةَ في دينه، وإن عقيدةَ الإيمانِ بوحدانية الله دونَ غموض -والتي هي متوافِقة مع الفهم البشري- قد جَلبت تحتَ شريعتِه جماهيرَ كبيرةً من الأمم ما بين الشعوبِ السوداء في إفريقيا إلى شعوبِ الجُزر المتناثرةِ في المحيط الهندي.
هذا الدينُ يُسمَّى "الإسلام" -أي: الخضوعُ لإرادة الله-، وهذه الكلمة الفريدة -"الإسلام"-، لا بد لها أن تَجلِبَ مُهتدين كثيرًا إلى هذا الدين (١).
إن الإسلامَ الذي يَعتنقُه أكثرُ مِن نصفِ مَن يَعيشون في نصفِ الكرةِ الأرضيةِ، ما كان أبدًا باستخدام السلاح، وإنما انتشر بالحماس، وبالقدرةِ على الإقناع، ثم على وجهِ الخصوص بالمثال الذي ضَرَبه المنتصِرون.
فبمجرد أنِ اجتازَ العرب (المسلمون) حدودَ بلادهم التي لم يكونوا قد بارحوها مِن قبلُ حتى ذلك الوقت، فإنهم لم يُجبروا أحدًا من الأجانب على الدخول في الإسلام، لقد أعطَوُا الشعوبَ التي خَضعت لهم حُريَّةَ الاختيار ما بين أن يكونوا مسلمينَ، أو أن يَدفعوا لهم الجزية .. وعندما فقدوا حيازتَهم بعد ذلك لأقاليمَ في آسيا استولى عليها الأتراكُ والتتار، فإنهم جَعلوا من قاهِرِيهم مهتدِين جُدُدًا إلى الإسلام، وصار الفوضويون التتارُ شَعبًا مُسلِمًا كبيرًا، ومِن هنا يَظهرُ الواقعُ أنهم حوَّلوا إلى الإسلام شعوبًا أكثَرَ في البلادِ التي لم تَخضعْ لهم.
стр. 2168
والقليلُ الذي أريدُ أن أقولَه إنما يُكذٍّبُ تمامًا كل ما يقولُه لنا مؤرخونا وخُطباؤنا وأحكامُنا المسبقة، ولكنَّ الحقيقةَ لابد أن تُقالَ وأن تصفعهم".
° وفي استعراضٍ مقارِنِ لِمَا يُوجَدُ في بعضِ الدياناتِ، يقول "فولتير: "لا توجدُ أبدَاً ديانةٌ لم تأمر بإعطاءِ الصدقات، لكن الإسلامَ هو الدينُ الوحيد الذي جَعل منها أمرًا شرعيًّا إِيجابيًّا لا غنى عنه.
وبينَ القواعدِ السلبية -وأعني بذلك التي تحض على الامتناع عن فِعل شيءِ ما-، سوف لا نجدُ سوى التحريم العام على كل الأمةِ المسلمةِ أن تشربَ الخمر، وهذا شيءٌ ما جديد بين الديانات، وتشريع خاصٌّ بالإسلام والمسلمين فقط.
ولربما كان تحريمُ جميع أنواع المَيسرِ والقمارِ هو التشريعُ الإسلاميُّ الذي لا نجدُ له نظيرًا في أي دين آخَرَ سوى الإسلام (١).
° وقال في كتابه "محمد": "إنّ في نفس محمدِ لشيئَاً عجيبًا طريفًا رائعَاً، يَحملُ الإنسانَ على الإعجابِ والتقدير، ولعَمْري إن الرجلَ وَقف وحدَه يدعو إلى الله، ويتحملُ الأذى في سبيل هذه الدعوة سنواتٍ عديدةَ، وأمامَه الجُموعُ المُشركة، تَعملُ جَهدها لمعاكستِه وقَتل فِكرتهِ، إنه إذًا يستحق كل تقدير وتمجيد، ثم إنك لتراه في أدوارِ حياته هو نفسُه لا يَسحبُ يَدَه مِن صديق، محبَّبٌ للأطفال الذين كان لا يمر بهم إلا تلطَّف معهم ووقف بينهم باسمًا متواضعًا، والواقعُ أن المزايا التي كان يَنعتُهم بها محمد تَمحَقُ الانتقادَ مَحْقًا، ولا تتركُ مكانَه إلاَّ الإعجابَ به والتقديرَ لشخصيته"اهـ.
стр. 2169
* إِدوارد جيبون:
وُلد "إدوارد جيبون" في إنجلترا عام ١٧٣٧، كان عضوًا في البرلمان، وقد بدأ حياتَه الأدبيةَ عام ١٧٦١، وظَهر الجزءُ الأولُ من مُصنَّفه الضخم "انحدار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها عام ١٧٧٦، ثم استَكمل بقيةَ الأجزاء حتى ظَهر آخِرُها عام ١٧٨٨، وقد تُوفي في لندن عام ١٧٩٤.
أفرَدَ "إدوارد جيبون" البابَ الخمسينَ من كتابه "انحدار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها"، للحديث عن الإسلام، وقد كَتب مُصنَفه هذا في عصرِ حروبِ وتوسع استعماري، ووَسَطَ مخارفَ تجتاحُ أوربا من قوةِ الإسلام المتمثلةِ آنذَاك في الإمبراطورية العُثمانية التي كانت قد تَوسعت في بلادٍ أوربيةٍ كثيرة، فاحتَفَت شِبْهَ جزيرةِ "البلقان"، وهَددت إيطاليا والفاتيكان، وأخضعت المَجَرَ، وحاصرت فِيينَا عام ١٦٦٣.
° فكان الخوفُ من الإسلام هو الشغلَ الشاغلَ لصانِعي القرارِ في الغرب، وكانت محاولاتُ التشويهِ ونَشرِ الأكاذيبِ حولَ الإسلام ونبيه هي السلاح الرخيصَ في أيديهم، ولم يستطع "جيبون" التخلُصَ من أَسرِ الأفكارِ الشائعةِ حولَ الإسلام ونبيه- مِثلَ كثيرٍ غيرِه-، ومع ذلك، فهذا بعضُ ما كتبه: "إن عبقريةَ النبي العربي، وسلوكياتِ أُمتِه، ورُوحَ ديانتِه، كل ذلك يتضمَّنُ أسبابَ انحدارِ الإمبراطوريةِ الرومانيةِ الشرقيةِ وسقوطِها، وإن أنظارَنا لَتتجِهُ في دهشةِ نحوَ واحدةٍ من أكبرِ الثوْراتِ الجديرةِ بالذكرِ في العالَم، والتي طَبعت بعمقٍ أثرًا جديدًا وخالدًا في أُمم الأرض.
° إنَّ مسيحيي القرنِ السابع (عند ظهور الإسلام) قد ارتدُّوا -دون أن
стр. 2170
يَدْروا- إلى ما يشبِهُ الوثنيةَ، وكانوا يَحلِفون -في أمورِهم الخاصةِ والعامة- بالصورِ والآثارِ الدينيةِ التي كانت تَملأُ بالخِزي كنائسَ الشرق، وبَدَتْ أسرارُ التثليثِ والتجسُّدِ في تناقض مع توحيد الله، فالمعنى الواضح لذلك هو القولُ بثلاثةِ آلهةٍ متساوية، وتحويلُ الإنسانِ "يسوع" إلى جَوهرِ ابنِ الله، وكانت كل طائفةٍ من الطوائفِ الشرقيةِ في هَوَس بالغ مِن أجل الإقرار بأن جَميعَ مَن عداها من المسيحيين يستحقون اللَّومَ والخِزْيَ بسببِ وثنيتهم وشِركِهم (١).
° إن عقيدةَ محمدٍ خاليةٌ من الشكِّ أو الغموض، والقرآن شهادةٌ مجيدةٌ على وحدانيةِ الله، ومِن الهند حتى مراكشَ يَشتهر المهتدون إلى دِينه باسم "الموحدين"، وقد انزاح خطر الوثنيةِ بتحريم الإسلام للصور.
إن مواهبَ محمدٍ تجعلنا نَكيل له المديحَ، إلاَّ أن نَجاحَه ربما كان هو الذي جَذَب بقوةٍ انتباهَنا إليه، وإن ما يَستحق إعجابَنا ليس انتشارَ ديانته، وإنما استمراريتُها (٢)، إنَّ نَفْسَ الانطباع النَّقِيِّ الكامل الذي حَفَره في الأذهانِ في مكةَ والمدينةِ لا يزالُ مَصونًا إلى اليوم -بعد انقضاءِ اثنَيْ عَشَرَ قَرْنًا- عند الذين اهتَدَوا بالقرآن من هنودٍ وأفارقةٍ وتُرْكٍ، ولو عاد الرسولانِ المسيحيانِ -القدِّيس بطرس، والقديس بولس- إلى الفاتيكان اليومَ، فلربَّما تساءلَا عمَّ يكون ذلك الإلهُ الذي يَعبدونه بمِثل تلك الطقوسِ التي تكتنفها
стр. 2171
الأسرارُ في هذه الكنائسِ الفخمة! ولعلَّه من الواجب عليهما أن يَدرُسَا بتمعن كتابَ "تعاليم أساسيات العقيدة" الذي تُصدِرُه الكنيسةُ، وأن يَدرُسَا كذلك شروحَ المفسرين وتعليقاتِهم على ما كتباه، وعلى كلماتِ مُعلِّمِهما!.
لقد قاوم المسلمون باستمرارٍ غِوايةَ النزولِ بجوهرِ إيمانِهم وعبادتِه إلى مستوى حواس الإنسانِ وتخيلاته، وإن إعلانَ الإسلام البسيطَ الثابتَ بلا تغير هو: "أشهدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله، وأن محمدًا رسولُ الله" .. إن الصورةَ الذهنيةَ عن الإلهِ لم تَنحط على الإطلاق إلى صورةِ صنم يُرى، وإن مظاهرَ التكريم للنبى لم تَتجاوزْ أبدًا معاييرَ الفضائل البشرية، ولقد أبقَتْ تعاليمُه الأخلاقيةُ الحية اعترافَ تلاميذِه بفضلِه في حدودِ العقل والدين.
لقد أُثيرت في مدارسِ المسلمين الفكريةِ تلك الأسئلةُ التي تتعلقُ بما وراءَ الطبيعة عن خواص الإلهِ وحريةِ الإنسان، كما أُثيرت في مدارسِ المسيحيين، لكنها عند المسلمين لم تَشغَلْ أبدًا عواطفَ الناس، ولم تُعكِّرْ صَفْوَ الدولة.
إن سببَ هذا الاختلافِ الهام بين الفِكرِ المسيحيِّ والفكرِ الإسلامي، يُمكنُ إرجاعُه إلى مبدإ الفصل بين الشخصياتِ القائمةِ بأمورِ المُلْك، والشخصياتِ القائمةِ بأمورِ الكهنوت، أو مبدإ التوحيد بينهما.
لقد كان اهتمامُ الخلفاءِ الذين تَولَّوا الحكمَ بعد النبي، وكانوا أمراءَ المؤمنين: أن يَكبِتوا البِدَعَ الدينية، ذلك أن الرَّهْبَنةَ وطموحَ الإكليروس الزمني والروحي غيرُ معروفٍ عند المسلمين، وإن فقهاءَ الشريعةِ هم مُرشِدوهم وِفقَ الضميرِ والعقل، وهم المُجيبون على الأسئلةِ المتعلقةِ بأمورِ دينِهم.
стр. 2172
ونجد أنه من المحيطِ الأطلسي غَربًا إلى أقاصي الهندِ شرقًا يعترف بأن القرآنَ هو الدستور الأساسي، ليس فقط في مسائل الإلهياتِ، ولكنْ فيما يتعلق بالقوانينِ المَدَنيةِ والجنائيةِ، والقوانينِ التي تُنظم سلوكياتِ البشر.
لقد نَفَثَ محمدٌ بين المؤمنين روحَ الأخوَةِ والإحسان، وأوصى بممارسةِ الفضائل الاجتماعية، وكَبَحَ بشريعتِه وتعاليمِه الأخلاقيةِ التعطشَ إلى الانتقام وظُلم الأرامل واليتامى، ولقد تَوحَّدتِ القبائلُ التي كانت في عَداءٍ تحتَ مَظِلَّةِ الدينِ والطاعة، وتوجَّهت شجاعةُ المقاتلِين -التي أُنفقت هَدَرًا في صراعاتٍ داخلية- نحوَ العدوِّ الخارجيِّ، فانتَشرت بذلك أمصارُ الأمُةِ الإسلامية شرقًا وغربًا" (١).
إن سموَّ إحساسِ محمدٍ جَعَله يحتقرُ بَهْرَجَ المُلْك، وكان رسول الله ﷺ يُخضغ نفسَه لِمَا تَتطلبه حياةُ الأُسرةِ مِن عمل، فقد أَوقد النارَ، وكَنَس المنزل، وحَلَب الشاة، وخَصَفَ بيديه نَعْليه، ورَتَق ثَوبَه، لقد كان قانعًا يأكل كما يأكل العربي والجندي، وكان في مناسباتٍ قليلةٍ يُولِم لرفاقهِ في سَعَةٍ، ولكن الأسابيعَ الكثيرةَ كانت تَنقضي ولا يوقَدُ في بيتِه نارٌ لطعام، وكان يُحرِّمُ الخمر، كما يَقضي بذلك الدينُ، وكثيرًا ما كان يُخفف وطأةَ الجوع بكِسرةٍ من خُبزِ الشعير (٢).
стр. 2173
* المسيو (إميل درنجم):
"إميل درمنجم" (١٧٩٠ - ١٨٥٧ م)، وُلِد في "تولوز"، وله عِدّةُ مؤلفاتٍ، منها "حياة محمد"، وهو من كِبارِ الفرنسيين ورجالِ الفكر.
° قال في مقدمة كتابه المذكور: "لا يُوجد في الدنيا واحدٌ يُمكنه أن يُنكِرَ وجودَ محمد، ولكنْ وُجِد مَن يُنكِرُ بعضَ ما جاء في ترجمةِ محمدٍ في الكُتب العربية، ومِن الناس مَن يتجاوزُ الحد والنقدَ والاعتراضَ حتى يَقَعَ في الظلم، أمّا أنا، فقد جَعلتُ كتابي هذا سيرةً حقيقيةً، مبنيةً على المنابع العربيةِ الأصلية، بدونِ إهمالِ جميع ما وَصَلَت إليه تدقيقاتُ المتخصِّصين في هذا الموضوع في الأزمنةِ الأخيرة، وقد أردتُ أن أُمثلَ لمحمدٍ - نبيِّ المسلمين- صورةً مطابقةً له بقَدْرِ الاستطاعة، كما فهمتُه من الكتبِ التي قرأتُها وأمعنتُ النظرَ فيها، ومن مشافهةِ الأحياءِ من المؤمنين، فإذا كانت كلُّ حياةٍ بشريةٍ تَنطوي على تعليم، وكانت كل حادثةٍ تَشتملُ على مَشهدٍ يُمثل حقيقةً من الحقائق، فكم يكونُ مؤثرًا ومفيدًا التلاقي مع رجل عظيم من الرجالِ العِظام الذين يَقتدي بهم جانبٌ عظيمٌ من الإنسانية"!.
° وقال (ص ١٨٣): "وإن كان بَعضُهم يَعيبُ محمدًا في كثرةِ مَيله إلى النساء، فإنه مما لا مُشاحَّةَ فيه أن محمدًا لم يكن شَرِهًا ولا فخورًا ولا متعصبًا ولا منقادًا للمطامع، بل كان حليمًا، رقيقَ القلب، عظيمَ الإنسانية، وكان بشوشًا دَمِثَ الأخلاق، حَسَنَ المُعاشرة، ساذَجَ المَعيشة، يَكنِسُ غُرفتَه بيده، وُيصلحُ ثيابَه، ويَخصِفُ نَعْلَه، ويَحلِبُ شياهَه، ويَضطجعُ في أرضِ المسجد، ويَنهضُ ويَفتحُ البابَ لأجل هِرَّةٍ تُريدُ أن
стр. 2174
تدخل، وَيمسحُ ببُرْدَته عَرَقَ جوادِه، وُيوزع الصدقات، وَيتجنبُ كل شيءٍ يَظهرُ فيه بمَظهرٍ دنيويٍّ، وكان يَمنعُ الناسَ أن يَجعلوه سيدًا".
* وليم موير:
° قال "وليم موير: "امتاز محمد بوضوح كلامِه، وُيسرِ دِينه، وقد أتمَّ من الأعمالِ ما يُدهِش العقول، ولم يَعْهَدِ التاريح مصلِحًا أيقظَ النفوس، وأحيا الأخلاق، ورَفَع شأنَ الفضيلة في زمن قصير كما فعل محمد.
° وقد سُئل السير "وليم موير" الإنجليزي عن محمدٍ نبي المسلمين، فقال: "كان من عقيدةِ محمدٍ أن الإنسانَ عاجزٌ عجزًا تامًّا أمامَ الله سبحانه، وأنه لا عذرَ له بين يديه، ولكنه يعفو عن كثير، ومن عقيدته أنَّ الإنسانَ أخو الإنسان (١)، وأن يومَ الدينونة لا يُضيعُ اللهُ مِثقالَ ذرَةٍ على كلِّ عامل مع الله يومَ كان يَعيش في ظلّ الحياة" (٢).
* دوزي:
° عُني "دوزي" في بعضِ فصوله من كتاب "ملوك الطوائف" بالردِّ على ما رَدَّده خصوم الإسلام فقال (ص ٤٠٥): "لو صح ما قاله القساوسةُ من أنَّ محمدًا نبي منافقٌ كذاب، فكيف نُعلِّل انتصارَه؟! وما بال فتوحاتِ أتباعه تترى، وتتلو إحداها الأخرى؟! وما بالُ انتصاراتهم على الشعوب لا تَقِفُ عند حد؟! وكيف لا يَدل ذلك على معجزةِ هذا الرسول؟! لقد كانوا
стр. 2175
يعتقدون أوَّلَ أمرِهم أنَّ خُذلانَ المسلمين سيتمّ بمعجزةٍ قريبة، فطالَما سَمِعوا عن معجزاتِ الكنيسة، وانتظروا هذه المعجزةَ التي تخلّص البلادَ المسيحيةَ من غَزواتِ المسلمين، ولكنَّ انتظارَهم هذه المعجزةَ قد طال، وذهب أدراجَ الرياح، وأعجب مِن ذلك أنَّ معجزةً أعظمَ قد حَدَثت، وكانت معجزةً أعظمَ مما كان يتوهَّمُه القدِّيسُون أنفسُهم، وأيّ معجزةٍ أعظمُ وأروعُ من أن نَرى شعبًا كان إلى زمن قليل في غايةٍ من الخمول، ثم ظَهَر إلى الدنيا فجأةً، وظَلَّ يتقدَّمُ بسرعةٍ لا مَثيلَ لها؟! ".
* المؤرخ سيديو الفرنسي:
مستشرقٌ ومؤرِّخٌ كبير، وأحد أعضاء "جمعية العلماءِ الفرنسية"، وُلِد عام ١٨١٧ م، وتُوفِّي عام ١٨٩٣، وله كتاب "خلاصة تاريخ العرب".
° رَدَّ المؤرِّخُ "سيديو" على اتهام النبيِّ ﷺ بالقسوةِ أو الجُبنِ مما جاء في كتاباتِ خصوم الإسلام فقال: "مِن التجنِّي على حقائقِ التاريخ ما كان مِن عَزْوِ بعض الكُتَّابِ إلى محمدٍ القسوةَ والجبْنَ، فقد نَسِيَ هؤلاء أنَّ محمدًا لَم يَأْلُ جَهدًا في إلغاءِ عادةِ الثأرِ الموروثةِ الكريهةِ التي كانت خُطوةً لدى العرب، كخُطوةِ المبارزاتِ بأوروبا فيما مضى، وكأن أولئك الكُتَابَ لَم يَقرؤوا آياتِ القرآن التي قَضى محمدٌ فيها على عادةِ الوَأْدِ الفظيعة، وكأنهم لم يُفكروا في العَفُوِ الكريم الذي أنعَمَ به على ألدِّ أعدائه بعدَ فتح مكة، ولا في الرحمةِ التي حَبَا بها كثيرًا من القبائل عند ممارسةِ قواعدِ الحرب الشاقة، ولا إلى ما أبداهُ من أسفٍ على بعضِ الأحكام المبتسَرة، وكأنهم لم يَعلَموا أنَّ محمدًا لم يُسِئِ استعمالَ ما اتُّفق له من السلطان العظيم، قضاءً لشهوةِ