الأسرارُ في هذه الكنائسِ الفخمة! ولعلَّه من الواجب عليهما أن يَدرُسَا بتمعن كتابَ "تعاليم أساسيات العقيدة" الذي تُصدِرُه الكنيسةُ، وأن يَدرُسَا كذلك شروحَ المفسرين وتعليقاتِهم على ما كتباه، وعلى كلماتِ مُعلِّمِهما!.
لقد قاوم المسلمون باستمرارٍ غِوايةَ النزولِ بجوهرِ إيمانِهم وعبادتِه إلى مستوى حواس الإنسانِ وتخيلاته، وإن إعلانَ الإسلام البسيطَ الثابتَ بلا تغير هو: "أشهدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله، وأن محمدًا رسولُ الله" .. إن الصورةَ الذهنيةَ عن الإلهِ لم تَنحط على الإطلاق إلى صورةِ صنم يُرى، وإن مظاهرَ التكريم للنبى لم تَتجاوزْ أبدًا معاييرَ الفضائل البشرية، ولقد أبقَتْ تعاليمُه الأخلاقيةُ الحية اعترافَ تلاميذِه بفضلِه في حدودِ العقل والدين.
لقد أُثيرت في مدارسِ المسلمين الفكريةِ تلك الأسئلةُ التي تتعلقُ بما وراءَ الطبيعة عن خواص الإلهِ وحريةِ الإنسان، كما أُثيرت في مدارسِ المسيحيين، لكنها عند المسلمين لم تَشغَلْ أبدًا عواطفَ الناس، ولم تُعكِّرْ صَفْوَ الدولة.
إن سببَ هذا الاختلافِ الهام بين الفِكرِ المسيحيِّ والفكرِ الإسلامي، يُمكنُ إرجاعُه إلى مبدإ الفصل بين الشخصياتِ القائمةِ بأمورِ المُلْك، والشخصياتِ القائمةِ بأمورِ الكهنوت، أو مبدإ التوحيد بينهما.
لقد كان اهتمامُ الخلفاءِ الذين تَولَّوا الحكمَ بعد النبي، وكانوا أمراءَ المؤمنين: أن يَكبِتوا البِدَعَ الدينية، ذلك أن الرَّهْبَنةَ وطموحَ الإكليروس الزمني والروحي غيرُ معروفٍ عند المسلمين، وإن فقهاءَ الشريعةِ هم مُرشِدوهم وِفقَ الضميرِ والعقل، وهم المُجيبون على الأسئلةِ المتعلقةِ بأمورِ دينِهم.
стр. 2172
ونجد أنه من المحيطِ الأطلسي غَربًا إلى أقاصي الهندِ شرقًا يعترف بأن القرآنَ هو الدستور الأساسي، ليس فقط في مسائل الإلهياتِ، ولكنْ فيما يتعلق بالقوانينِ المَدَنيةِ والجنائيةِ، والقوانينِ التي تُنظم سلوكياتِ البشر.
لقد نَفَثَ محمدٌ بين المؤمنين روحَ الأخوَةِ والإحسان، وأوصى بممارسةِ الفضائل الاجتماعية، وكَبَحَ بشريعتِه وتعاليمِه الأخلاقيةِ التعطشَ إلى الانتقام وظُلم الأرامل واليتامى، ولقد تَوحَّدتِ القبائلُ التي كانت في عَداءٍ تحتَ مَظِلَّةِ الدينِ والطاعة، وتوجَّهت شجاعةُ المقاتلِين -التي أُنفقت هَدَرًا في صراعاتٍ داخلية- نحوَ العدوِّ الخارجيِّ، فانتَشرت بذلك أمصارُ الأمُةِ الإسلامية شرقًا وغربًا" (١).
إن سموَّ إحساسِ محمدٍ جَعَله يحتقرُ بَهْرَجَ المُلْك، وكان رسول الله ﷺ يُخضغ نفسَه لِمَا تَتطلبه حياةُ الأُسرةِ مِن عمل، فقد أَوقد النارَ، وكَنَس المنزل، وحَلَب الشاة، وخَصَفَ بيديه نَعْليه، ورَتَق ثَوبَه، لقد كان قانعًا يأكل كما يأكل العربي والجندي، وكان في مناسباتٍ قليلةٍ يُولِم لرفاقهِ في سَعَةٍ، ولكن الأسابيعَ الكثيرةَ كانت تَنقضي ولا يوقَدُ في بيتِه نارٌ لطعام، وكان يُحرِّمُ الخمر، كما يَقضي بذلك الدينُ، وكثيرًا ما كان يُخفف وطأةَ الجوع بكِسرةٍ من خُبزِ الشعير (٢).
стр. 2173
* المسيو (إميل درنجم):
"إميل درمنجم" (١٧٩٠ - ١٨٥٧ م)، وُلِد في "تولوز"، وله عِدّةُ مؤلفاتٍ، منها "حياة محمد"، وهو من كِبارِ الفرنسيين ورجالِ الفكر.
° قال في مقدمة كتابه المذكور: "لا يُوجد في الدنيا واحدٌ يُمكنه أن يُنكِرَ وجودَ محمد، ولكنْ وُجِد مَن يُنكِرُ بعضَ ما جاء في ترجمةِ محمدٍ في الكُتب العربية، ومِن الناس مَن يتجاوزُ الحد والنقدَ والاعتراضَ حتى يَقَعَ في الظلم، أمّا أنا، فقد جَعلتُ كتابي هذا سيرةً حقيقيةً، مبنيةً على المنابع العربيةِ الأصلية، بدونِ إهمالِ جميع ما وَصَلَت إليه تدقيقاتُ المتخصِّصين في هذا الموضوع في الأزمنةِ الأخيرة، وقد أردتُ أن أُمثلَ لمحمدٍ - نبيِّ المسلمين- صورةً مطابقةً له بقَدْرِ الاستطاعة، كما فهمتُه من الكتبِ التي قرأتُها وأمعنتُ النظرَ فيها، ومن مشافهةِ الأحياءِ من المؤمنين، فإذا كانت كلُّ حياةٍ بشريةٍ تَنطوي على تعليم، وكانت كل حادثةٍ تَشتملُ على مَشهدٍ يُمثل حقيقةً من الحقائق، فكم يكونُ مؤثرًا ومفيدًا التلاقي مع رجل عظيم من الرجالِ العِظام الذين يَقتدي بهم جانبٌ عظيمٌ من الإنسانية"!.
° وقال (ص ١٨٣): "وإن كان بَعضُهم يَعيبُ محمدًا في كثرةِ مَيله إلى النساء، فإنه مما لا مُشاحَّةَ فيه أن محمدًا لم يكن شَرِهًا ولا فخورًا ولا متعصبًا ولا منقادًا للمطامع، بل كان حليمًا، رقيقَ القلب، عظيمَ الإنسانية، وكان بشوشًا دَمِثَ الأخلاق، حَسَنَ المُعاشرة، ساذَجَ المَعيشة، يَكنِسُ غُرفتَه بيده، وُيصلحُ ثيابَه، ويَخصِفُ نَعْلَه، ويَحلِبُ شياهَه، ويَضطجعُ في أرضِ المسجد، ويَنهضُ ويَفتحُ البابَ لأجل هِرَّةٍ تُريدُ أن
стр. 2174
تدخل، وَيمسحُ ببُرْدَته عَرَقَ جوادِه، وُيوزع الصدقات، وَيتجنبُ كل شيءٍ يَظهرُ فيه بمَظهرٍ دنيويٍّ، وكان يَمنعُ الناسَ أن يَجعلوه سيدًا".
* وليم موير:
° قال "وليم موير: "امتاز محمد بوضوح كلامِه، وُيسرِ دِينه، وقد أتمَّ من الأعمالِ ما يُدهِش العقول، ولم يَعْهَدِ التاريح مصلِحًا أيقظَ النفوس، وأحيا الأخلاق، ورَفَع شأنَ الفضيلة في زمن قصير كما فعل محمد.
° وقد سُئل السير "وليم موير" الإنجليزي عن محمدٍ نبي المسلمين، فقال: "كان من عقيدةِ محمدٍ أن الإنسانَ عاجزٌ عجزًا تامًّا أمامَ الله سبحانه، وأنه لا عذرَ له بين يديه، ولكنه يعفو عن كثير، ومن عقيدته أنَّ الإنسانَ أخو الإنسان (١)، وأن يومَ الدينونة لا يُضيعُ اللهُ مِثقالَ ذرَةٍ على كلِّ عامل مع الله يومَ كان يَعيش في ظلّ الحياة" (٢).
* دوزي:
° عُني "دوزي" في بعضِ فصوله من كتاب "ملوك الطوائف" بالردِّ على ما رَدَّده خصوم الإسلام فقال (ص ٤٠٥): "لو صح ما قاله القساوسةُ من أنَّ محمدًا نبي منافقٌ كذاب، فكيف نُعلِّل انتصارَه؟! وما بال فتوحاتِ أتباعه تترى، وتتلو إحداها الأخرى؟! وما بالُ انتصاراتهم على الشعوب لا تَقِفُ عند حد؟! وكيف لا يَدل ذلك على معجزةِ هذا الرسول؟! لقد كانوا
стр. 2175
يعتقدون أوَّلَ أمرِهم أنَّ خُذلانَ المسلمين سيتمّ بمعجزةٍ قريبة، فطالَما سَمِعوا عن معجزاتِ الكنيسة، وانتظروا هذه المعجزةَ التي تخلّص البلادَ المسيحيةَ من غَزواتِ المسلمين، ولكنَّ انتظارَهم هذه المعجزةَ قد طال، وذهب أدراجَ الرياح، وأعجب مِن ذلك أنَّ معجزةً أعظمَ قد حَدَثت، وكانت معجزةً أعظمَ مما كان يتوهَّمُه القدِّيسُون أنفسُهم، وأيّ معجزةٍ أعظمُ وأروعُ من أن نَرى شعبًا كان إلى زمن قليل في غايةٍ من الخمول، ثم ظَهَر إلى الدنيا فجأةً، وظَلَّ يتقدَّمُ بسرعةٍ لا مَثيلَ لها؟! ".
* المؤرخ سيديو الفرنسي:
مستشرقٌ ومؤرِّخٌ كبير، وأحد أعضاء "جمعية العلماءِ الفرنسية"، وُلِد عام ١٨١٧ م، وتُوفِّي عام ١٨٩٣، وله كتاب "خلاصة تاريخ العرب".
° رَدَّ المؤرِّخُ "سيديو" على اتهام النبيِّ ﷺ بالقسوةِ أو الجُبنِ مما جاء في كتاباتِ خصوم الإسلام فقال: "مِن التجنِّي على حقائقِ التاريخ ما كان مِن عَزْوِ بعض الكُتَّابِ إلى محمدٍ القسوةَ والجبْنَ، فقد نَسِيَ هؤلاء أنَّ محمدًا لَم يَأْلُ جَهدًا في إلغاءِ عادةِ الثأرِ الموروثةِ الكريهةِ التي كانت خُطوةً لدى العرب، كخُطوةِ المبارزاتِ بأوروبا فيما مضى، وكأن أولئك الكُتَابَ لَم يَقرؤوا آياتِ القرآن التي قَضى محمدٌ فيها على عادةِ الوَأْدِ الفظيعة، وكأنهم لم يُفكروا في العَفُوِ الكريم الذي أنعَمَ به على ألدِّ أعدائه بعدَ فتح مكة، ولا في الرحمةِ التي حَبَا بها كثيرًا من القبائل عند ممارسةِ قواعدِ الحرب الشاقة، ولا إلى ما أبداهُ من أسفٍ على بعضِ الأحكام المبتسَرة، وكأنهم لم يَعلَموا أنَّ محمدًا لم يُسِئِ استعمالَ ما اتُّفق له من السلطان العظيم، قضاءً لشهوةِ
стр. 2176
القسوةِ الدنيئة، وأنه لَم يَألُ جَهدًا -في الغالب- في تقويم مَن يجورُ من أصحابه، وكل يَعلمُ أنه رَفَض بعد غزوة "بدر" رأيَ عمرَ بنِ الخطاب في قَتل الأسرى، وأنه عندما حَل وقُتُ مُجازاةِ بني قُريظةَ تَرَك الحُكمَ في مصيرِهم لحليفِهمُ القديم سعدِ بنِ معاذ، وأنه صَفَح عن قاتِل عمه حمزة، وأنه لَمِ يَرفضْ قَط ما طُلب إليه من اللطف والسماح، وليس بمجهولِ أن خالدَ بن الوليد -الذي كان من أشجع قُؤَادِه- لَم يستطعْ أن يَرعويَ -بعد إسلامه- عن رُوح القسوةِ والصَّولةِ التي كانت تُلازمُه في زمنِ الجاهلية، فلاحت له الفرصةُ بأن يثأرَ لقريبهِ القتيل، فأثخَنَ في بني خُزيمة، فأجمِعَ المسلمون على استفظاع عَمَلهِ، فلما نُبِّئ محمد بما صَنَع خالد، أسرع في ذمه جهارًا، فرفع يَدَيه إلى السماء قائلاً: "اللهم إنِّي أبرأ إليك مما صَنَع خالد" .. ".
° وقال في كتابه "خلاصة تاريخ العرب" (ص ٥٤): عن نوم عليٍّ ﵁ في فِراشِ النبي وحِفظ الله له: "دعا محمد ابنَ عمه عليًّا، وأمره أن ينامَ على فراشه، مُتَّشِحًا ببُرد، فدَفع اللهُ شرهم عنه، وهو أوْلى أن يَحفظَ نبيه القائمَ بالدعوة له، وأحق أن يَجعلَ كَيدَهم في نحورهم، وما زال آخذًا بيمينه، حتى غنَّى له الزمنُ وصفق له الدهر".
° ثم قال: "وبعدَ ظهور محمدِ ﷺ الذي جَعل مِن قبائل العربِ أُمة واحدةً، تقصِدُ مقصدًا واحدًا، ظهرت للعيانِ أمة كبيرة مَدَّت جَناحَ مُلكِها من "نهر تاج" في إسبانيا حتى (نهر المانج) في الهند، ورَفعت على منارِ الإشادة أعلامَ التمدن في أقطار الأرض أيامَ كانت أوربا مُظلِمةً بجهالاتِ أهلِها في القرون المتوسطة".
стр. 2177
* المستشرق الإِنجليزي "بودلي":
° رَد المستشرقُ الإنجليزي بودلي على الزعم القائل بأن محمدًا سَرَق ما في الإنجيل من تعاليم، فقال: "الزعمُ بأنه قد سَرق الإنجيلَ زَعم باطل، فإنه ما رأى الإنجيلَ أبدًا، والقولُ باطِّلاعِه على ترجمةِ الإنجيل الناقصةِ التي قام بها وَرقةُ بنُ نَوفل لا يَضَعُ أمامَه إنجيلاً ليراه، وحتى هذه الترجمةُ لم يَرَها، فإن أولَ ترجمةٍ عربيةٍ رسميةٍ للعهدَين -القديم والجديد- ظَهرت بعد وفاةٍ محمدٍ بِعِدةِ قرون".
° وقال الكولونيل "بودلي" في كتابه "حياة محمد": "إن محمدًا لَم يَدع لنفسِه صِفةً إلهيةً، وإنه صَرَّح كثيرًا بأنه بشر يُوحَى إليه، وإن السببَ في سرعة انتشارِ الإسلام عن غيره من الأديان، هو عدمُ ادعاء النبي صفةً إلهيةً، وعدمُ دعوتهِ إلى عبادةِ شخصِه، وكذلك تسليمُ القرآنِ بصحَّةِ الديانات المنزلة من قبلُ".
ونحا باللائمةِ على الذين لم يفهموا محمدًا وشريعته.
* الكاتبة الإِيطالية الدكتورة لورا فيتشيا:
° دافعت الكاتبةُ الإيطاليةُ الدكتورة "لورا فيتشيا" عن الرسول ﷺ بحماس بالغ، فقالت: "قام أعداءُ الإسلام الألداءُ الذين أعماهم الحِقدُ والتعصب، واتهموا رسولَ الله ﷺ ، ذلك الرجلُ النبيلُ الذي كان يُنظَرُ إليه قبلَ الرسالةِ نَظرةَ إكبارٍ وإجلالٍ من جميع مواطنيه لِمَا تَحلَّى به من الأمانةِ والسجايا الكريمة، وكانت هذه التهمةُ التي رَموه بها مما لا يَقبَلُه عَقل، ولا يُمكنُ أن يُسلمَ به عاقل، فضلاً عن أنها لا تقومُ على أي أساس، وهي تهمةُ
стр. 2178
الغِشِّ والخداع، وليتَ شِعري كيف أن هؤلاء الناسَ لم يسألوا أنفسَهم إذا كان النبيّ في الحقيقةِ كاذبًا، فكيف اجترأ على أن يُوجِّه في القرآن إلى الكذَّابين والخادِعين أشدَّ عباراتِ الذمِّ وأقساها؟! وكيف تَوعَّدهم بالنار وسوءِ العذاب؟! وإذا كان كاذبًا في دعوته -كما يَفترون-، فكيف صَمَد للمقاومة أكثَرَ من عَشْرِ سنين، وهو في مكةَ احتَمل في أثنائها الشيءَ الكثيرَ من صُنوف الاضطهادِ والآلام، وهو ذلك الرجل الوديع الهاديء ممن الطباع؟! وكيف تَهيَّأَ له أن ينحازَ إليه طواعيةً واختيارًا -بل وبمنتهى التحمُّسِ- جماعاتٌ كبيرةٌ من رِجالاتِ قريش ونبلائهم، وأن يَنضَووا تحتَ لوائِه مع غيرِهم من السُّوقة والعَبيد.
أمَّا تهمةُ القَسوةُ التي يُوجِّهونها إليه، فمِن السهل دَفعُها لأنَّ محمدًا الذي كان على رأسِ حُكومةٍ، ويتولَّى الدفاعَ عن حياةِ الشعبِ وحريتِه، كان يُحاكِمُ الخارجين على القانون بصرامةٍ وشدةٍ اقتضتهما ظروفُ البيئةِ التي كان يَعيش فيها.
ولقد كان محمدٌ -كرسولٍ يدعو إلى الله رجلاً رحيمًا، ليِّنَ الجانب حتى لأعدائِه الشخصيِّين، وبذلك اجتَمَعت فيه فضيلتانِ كلتاهما أكبرُ الفضائل التي يتصوَّرُها العقل البشري، وهما الرحمةُ والعدالة.
وبحَسبه أن الحربَ -التي هي أقصى ضروراتِ الحياةِ الإنسانية- قد صارت -بفضلِه- أقل وحشيةً وقسوةً، إذ إنه كان يَطلبُ إلى جنوده ألاَّ يَقتُلوا شيخًّا ولا امرأةً ولا طفلاً، ولا يهدموا بيوتًا لم تُتَخذْ كمعاقلَ حربية، وقد أراد أعداء الإسلام أن يُظهِروا النبيّ في صورةٍ رجل شَهْوانيٍّ إباحي، بأن اتخذوا من زِيجاته المتعددةِ حِجَّةً لاتّهامه بضعفٍ خُلُقِيٍّ لا يَتَفق ومركزَ النبوة.
стр. 2179
ولكنْ فاتهم أمر هامٌّ لم يَحسِبوا له حسابًا، وهو أن النبيَّ أيامَ فُتُوتِه وعُنفوانِ شبابه لم يتزوَّجْ إلاَّ مِن امرأةِ واحدة، ولم يتزوَّجْ من غيرِها حتى ماتت، مع أنه كان يَعيشُ بين قوم سادت فيهم كثرةُ الطلاق والزواج، وكان يَندُرُ أن يَقتصرَ الرجلُ منهم على زوجةِ واحدة، ولَمَّا فُقدت زوجتُه -وكانت سِنُّهُ حين ذاك خمسينَ سنةَ- تزوَّج من أخرى، كما عَقَد زِيجاتِه المختلفةَ التي كانت في أغلبِ الأحيان لدواع اجتماعيةِ أو سياسية؛ لأنه كان يُريدُ بهذه الطريقةِ أن يَكتسِبَ إلى صَفِّهِ رجالاً أو نساء تقيَّاتِ، ويرتبطُ بروابطِ المصاهرةِ بأُسرٍ قوية، وكان كلُّ ذلك بقَصْدِ نشرِ الإسلام" (١).
* الدكتور وغسطون كرستا الإِيطالي:
وُلد في "ترياسته" ١٨٤٠، وتوفي فيها ١٨٩٧:
° قال في كتابه "الكياسة الاجتماعية": "كان محمدٌ يُعلِنُ أنه رسولُ الله تعالى، لإصلاح دينِ إبراهيمَ المطهَّرِ الذي أفسده أبناؤه، وأقام العبادةَ الزكيةَ التي أنشأها ذلك النبيُّ، ثم فَسدت على مَمر الزمن، ولِيؤيِّدَ -وهو خاتمةُ الرسل- ما كان اللهُ أنزله على مَن سَلَفه من الأنبياء موسى وداودَ وإشعيا وعيسى.
إنَّ هذه الجُدرانَ العادية، لدليل على قوةِ عظيمة لمحمد، مِثالَ القيادةِ ورَمزَ السياسة".
* * *
стр. 2180
* الكونت هنري دي كاستري:
لقد دَرَس الكونت "هنري دي كاستري" الإسلامَ دراسةً عميقةَ، وكَتب عنه كتابًا قيمًا، ترجمه فتحي زغلول، ونُشر بعنوان "الإسلام سوانحُ وخواطر".
° تحدَّث الكونت "هنري" في هذا الكتاب عن كثير من جوانبِ الإسلام، سواءٌ أكان ذلك فيما يتعلقُ بالرسول ﷺ ، أم فيما يتعلقُ بالتعاليم الإسلامية، وقد تحدَّث -فضلاً عن ذلك- عن آراءِ مواطِنِيه، خصوصًا القدماءَ منهم في صورةٍ من السخرية والتهكُّم: (وذهبوا إلى أن محمدًا وَضَع دينَه بادعائه الألوهية!.
ومن المستغرَبات قولُهم: "إن محمدًا -الذي هو عدوُّ الأصنام ومُبيدُ الأوثان- كان يدعو الناسَ لعبادتِه في صورةِ وَثَنٍ من ذهب، كما كان يعتقدُ "والكرلوفنجيون"!.
بل لقد أغرق خَيالُهم في الضلال، فذَهبوا إلى أبعدَ مِن ذلك، وذهبوا إلى أن صُورةَ "ماهوم" (١) كانت تُصنعُ من أنفَسِ الأحجار والمعادنِ بأحكم صُنع وأدقِّ إتقان! ".
° وبعد أن ذكر الكثيرَ من آرائهم قال: "ولقد أطَلنا القولَ في تلك الأضاليل، لأن تاريخَ "إسكندر" (٢) المذكور لم يُزِلْها، ولأنها تَركت أثرًا في
стр. 2181
الأذهانِ وَصَل إلى أهل هذه الأيام، وتَشبَّعت به أفكارُهم في النبيِّ وكتابه.
ولكنْ ما سِر هذه الحَمْلةِ الشَّعواءِ الشَّعواءِ الضالَّةِ التي تَهزأُ بالحقِّ والضمير، والتي لا يُقِرُّها دين أيًّا كان؟! ".
° "ولو سأل سائلٌ: هل كان أولئك المفسِّرون يَعتقدون صحةَ ما يقولون؟ لأجبناه جوابَ أهل "نورمندة": "لا- ونعم"، إذ من المحقق أن الاختلاطَ بين المسيحيين والمسلمين سَهلٌ للمُنشِدين معرفةَ الدينِ المحمديِّ على حقيقته، ولكنهم ما كانوا يقصِدون الحقائقَ التاريخيةَ في أناشيدهم، بل حِفْظَ رُوح البغضاءِ في نفوس قومهم.
هل هذه الروحُ التي كانت سائدةً عند المسيحيين تُجاهَ الإسلام، اقتَصرت على العصورِ الوسطى؛ كلاَّ.
فلم يَزَل هذا الروحُ سائدًا عند المسيحيين، حتى إن المستشرق "بريدو" الإنكليزي ألَّف سنة ١٧٣٣ كتابًا في سيرة النبي ﷺ عنوانه: "حياة ذي البدع محمد"!.
وترجَمَه بعضُهم إلى لُغتنا، وجَعل له مقدمةً بيَّن فيها مَقْصِدَ المؤلِّفِ، فقال: إن غَرضَ واضع هذا الكتاب، هو خِدمةُ المَقصِدِ المسيحي الحكيم".
° ثم يُعقٍّبُ "الكونت" على ذلك بهذه الكلمة الحكيمة: "أولئك كُتَّابٌ ما قَصدوا التاريخ، ولكنهم أرادوا خِدمةَ المَقصِدِ المسيحيِّ الحكيم -كما يقولون-، وكان سلاحُهُمُ الوحيدُ في تأييدِ سواقِطِ حُجَجِهم، أنْ يُشبِعوا خَصْمَهم سَبًا وشَتْمًا، وأن يُحرِّفوا في النَّقل مهما استطاعوا".
ثم يأخذُ "الكونت" في الرد على الافتراءات، ومِن أولى هذه
стр. 2182
الافتراءات: أن الرسولَ صلواتِ الله وسلامه عليه، كان يَقرأُ ويكتب، فقرأ التوراةَ، وقرأ الإنجيل، وأخذ تعاليمَه منهما!.
* وقد رد القرآن على هذه الفِريَةِ فقال: ﴿وَمَا كنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِيِنك إِذًا لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨].
° ويقول "الكونت" في هذا المعنى: "ما كان يقرأ ولا يكتب، بل كان -كما وَصَف نفسَه مرارًا- نييًّا أميًّا، وهو وَصفٌ لم يُعارِضْه فيه أحد من مُعاصِرِيه، ولا شك أنه يستحيل على رجل في الشرقِ أن يتلقى العِلمَ بحيثُ لا يَعلمُه الناسُ؛ لأنَّ حياةَ الشرقيين كلَّها ظاهر للعِيان، على أنَّ القراءةَ والكتابةَ كانت معدومةً في ذلك الحينِ من تلك الأقطار، ولم يكن بمكةَ قارئٌ أو كاتبٌ سوى رجل واحدٍ، ذَكَرها "جارسين دي تارس" في كتابه الذي طبعه سنة ١٨٧٤.
كذلك مِن الخطإِ -مع معرفةِ أخلاقِ الشرقيين- أن يُستدل على معرفةِ النبي للقراءةِ و"الكتابةِ باختيارِ "السيدة خديجة" ﷺ إياه لِمَتاجِرِها في الشام، ولم تكن لِتعهدَ إليه أعمالَها إن كان جاهلاً غيرَ متعلم.
فإنا نشاهدُ بين تجَّارِ كلِّ قوم غيرِ العرب وُكلاءَ لا يقرؤون ولا يكتبون، وهم -في الغالب- أكثَر أمانةً وصدقًا".
° ويقول: "أما فكرةُ التوحيد: فيستحيلُ أن يكونَ هذا الاعتقاد وَصَل إلى النبي ﷺ من مطالعتِه التوراةَ والإنجيل، إذ لو قرأ تلك الكُتبَ لَرَدَّها لاحتوائها على مذهبِ "التثليث"، وهو مُناقِضٌ لفطرته، مخالف لوجدانِه منذ خِلْقه، فظهور هذا الاعتقادِ بوسطتِه دَفعةً وأحدةً هو أعظم مَظهر في
стр. 2183
حياته، وهو بذاته أكبرُ دليل على صِدقِه في رسالتِه وأمانتِه في نبوته".
° أمَّا صِدقُ الرسول وسُموُ رسالته، فقد أَخذ كثيرٌ من رجالِ الكنيسة ومِن رجالِ الاستعمار يُشكِّكون فيهما، وبرغم الوضوح الواضح في صِدقِ الرسولِ وفي سُمو الرسالةِ الإسلامية، فإنَّ رِجالَ الدينِ المسيحيين ورجالَ الاستعمارِ لا يزالون يُبدؤون ويُعيدون في تِردادِ التشكيك.
° إلى هؤلاء وأولئك يقول الكونت: "والعقلُ يَحارُ كيف يتأتَّى أن تَصدُرَ تلك الآياتُ عن رجل أُمِّي، وقد اعترَف الشرقُ قاطبةً بأنها آيات يَعجِزُ فِكر بني الإنسانِ عن الإتيانِ بمِثلها لفظاً ومعنًى، آياتٌ لَمَّا سمعها "عُتبةُ بن ربيعة" حار في جَمالها، وكَفى رفيع عبارتها لأقناع "عمرَ بنِ الخطاب" ﵁، فآمَنَ بربِّ قائلِها، وفاضت عين نجاشي الحبشةِ بالدموع لَمَّا تلا عليه "جعفر بن أبي طالب" سورةَ "مريم"، وما جاء في ولايةِ "يحيى"، وصاح القسيس (١): "إن هذا الكلامَ واردٌ من موارِدِ كلام عيسى! " .. ".
° قال ناقل هذه الرواية: "كوزان دي بير سوفال": "فلما كان اليومُ الثاني طَلب النجاشي جعفرًا، وأشار إليه بتلاوةِ ما في القرآن عن المسيح، ففعل، واستَغرب المَلك لَمَّا سَمع أن "المسيحَ" عبدُ الله ورسولُه ورُوحٌ منه نَزَل في أُمِّه "مريمَ"، وأُعجب أشدَّ الإِعجابِ بهذه المعاني، وحَمَى المسلمين، ولَم يُسَلِّمْهم إلى رُسُل قريش، ولم يَنْفِهم من بلاده".
أما هؤلاء الذين بَلَغ بهم التعسُّف مداه، فظنوا أن هذه الفَتَراتِ التي يَغيبُ فيها الرسولُ عن هذا العالَم ليكونَ بكُلَيَته مستغرِقًا في الملإ الأعلى،
стр. 2184
إنما هي فتراتٌ مَرَضيَّةٌ، أو هي الصَّرَعُ، وبرغم تكذيبِ الطب لمزاعمهم مستنِدًا إلى الاختلافِ الكُلي بين أعراضِ الصَّرَع وأعراضِ الوحي، فقد أعماهم التعصُّبُ عن رؤيةِ الحقيقة.
° وإليهم يقول الكونت:"ومن ذلك الحِينِ -أي البَعثة- أخذت شفتاه تَنطلقُ بألفاظٍ بعضُها أشدُّ قوةً وأبعدُ مرمًى من بعض، والأفكارُ تتدفَّقُ من فَمِه على الدوام، إلى أن يَقِفَ لسانُه ولا يُطيعه الصوت، ولا يَجِدُ من الألفاظِ ما يُعبِّرُ به عن فِكرٍ قد ارتفع عن مدارِكِ الإنسان، وسما عن أن يُترجِمَه قَلَمٌ أو لسان.
وكانت تلك الانفعالاتُ تَظهرُ على وجهِه باديةً، فظَن بعضُهم أن به جِنَةً!! وهو رأيٌ باطل؛ لأنه بدأ رسالتَه بعد الأربعين، ولم يُشاهَدْ عليه قَبلَ ذلك أي اعتلالٍ في الجسم أو اضطرابٍ في القوة المادية، وليس مِن الناس مَن عَرف الناسُ جميعًا أحوالَه في حياته كلها مثلُ النبي ﷺ ، فلقد وَصل المُحدِّثون عنه إلى أنهم كانوا يَعُدُّون الشَعْرَ الأبيضَ في لِحيته، ولو أنه كان مريضًا لَمَا أَخفى مَرَضَه؛ لأن المرضَ في مِثل تلك الأحوالِ يُعتبرُ أمرًا سماويًّا عند الشرقيين.
وليست حالةُ محمدٍ ﷺ وانفعالاتُه وتأثراتُه بحالةِ ذي جِنَّة، بل كانت مِثلَ التي قال نبيُّ بني إسرائيلَ في وصفها: لقد شَعُرتُ بأن قلبيَ انكسَرَ بين أضلُعي، وارتَعَشت مني العِظام، فصِرتُ كالنَّشوان، لِمَا قام بي من الشعورِ عند سماع صوتِ الله وأقواله المقدسة" (١).
стр. 2185
° ويردُّ "الكونت" على اتهام النبي ﷺ بتأليفِ القرآن ويقول: "وكيف يُعقلُ أن النبي ﷺ ألَّف هذا الكتابَ باللغة الفصحى، مع أنها في الأزمانِ الوسطى كاللغةِ اللاتينية، ما كان يَعقِلُها إلاَّ القومُ الصالحون (١)، وقد شاهَدْنا أُناسًا -وكان أكثرُهم أُميين- قاموا في أُمَّة العَرَب وادَّعَوُا النبوةَ -منهم "مُسيلِمة" الذي زَعَم أنه قَرينُ محمدٍ ﷺ أتى بسُورٍ سَخِر منها العربُ، ولو لم يكن في القرآن غيرُ بهاءِ معانيه وجمالِ مبانيه، لكفى بذلك أن يستوليَ على الأقطار، ويأخذَ بمجامع القلوب.
أتى محمد بالقرآن دليلاً على صِدقِ رسالته، وهو لا يزالُ إلى يومنا هذا سِرًّا من الأسرارِ التي تَعذَّرَ فَكُّ طَلَاسِمِها، ولن يَسبِرَ غَوْرَ هذا السرِّ المكنون إلاَّ مَن يُصدِّقُ بأنه مُنزَّل من الله؛ اللهمَّ إلاَّ إذا اعتَمَدْنا على قولِ مُمجدي الدينِ المسيحي مما كنَّا نرتاحُ إليه أيامَ شبيبتنا (وهو يَرجعُ إلى أن القرآنَ تأليفُ فاتح أراد تأييدَ سُلطته، فجَمَع مِن كُتب اليهود والمسيحيين قانونًا أودعه بعضَ قواعِدِ الادبِ والدين، وأضاف إليه قَصصَ الوقائع العظيمةِ لتأييدِ رسالته).
وعلى كل حال -أي سواءٌ توصَّلْنا إلى معرفةِ حقيقةِ القرآن أم لا-، فلا يُنكِرُ أحدٌ أن مَظهَرَ محمدٍ كان مَظهَرَ نبوَّةٍ بالفعل -بقَطع النظرِ عن صِدقِ تلك النبوة- وعدم صِدقها-، لأن النبوة -مِن حيث هي- عبارة عن قيام رجل يُملي على الناس أمرَ ربه، ويَعتقدُ حقًّا أن ما يقولُه آتٍ من عند الله.
стр. 2186
ومحمدٌ -كما قال "إيوالد" عن أنبياءِ بني إسرائيل- أعتقدُ أن رُوحًا من الله استولت على لُبِّه، فلم يَشعُرْ بأن له فِكرًا خاصًّا، بل إنه أُوتِيَه من عندِ ربِّه، واختَفت في نظرِه أنانيَّته، ولم يَعُدْ يَسمعُ غيرَ صوتِ ذاتٍ فوقَ ذاته، ومِن ذلك الحِينِ أَخذت شَفَتاهُ تَنطِقُ بألفاظٍ بعضها أشدُّ قوةً وأبعدُ مرمًى من بعضٍ، والأفكارُ تتدفَّقُ مِن فَمِهِ على الدوام، وكانت تلك الانفعالاتُ تَظهر على وجهه، فظنَّ بعضُهم أن به جِنَةً، وهو رأيٌ باطل؛ لأنه بدأ رسالتَه بعد الأربعين، ولم يُشاهَد عليه قبلَ ذلك أيُّ اعتلالٍ في الجِسم، أو اضطرابٍ في القوة المادية".
° ويقول: "إذن فليس محمدٌ من المبتدِعِين، ولا من المنتحلين كتابَهم، وليس هو نبيًّا سلاَّبًا -كما يقول "سايوس"-، نعم، قد نرى تشابهًا بين القرآنِ والتوراةِ في بعضِ المواضع، إلاَّ أن سَبَبه ميسورُ المعرفة، ذلك أن محمدًا كان يُلصِقُ ديانةَ الإسلام بالديانتين المسيحية واليهودية (كذا)؛ وحينئذٍ لا عَجَبَ إذا تشابهت تلك الكتبُ في بعضِ المواضع، خصوصًا إذا لاحَظْنا أن القرآنَ جاء ليُتمِّمَها، كما أن محمدًا هو خاتمُ الأنبياء" (١).
° يقول الدكتور عبد الحليم محمود: "ونختمُ الحديثَ عن آراء "الكونت" بهذا الوصفِ الرائع لتلك الساعةِ الأليمة التي فارق فيها الرسول عالَمنا الدنيوي، لِيَلحَقَ بالرفيق الأعلى، ولِينعمَ برِضوانِ الله، إذ يقول: ولمَّا أَحس بقُربِ الأجل، ذَكَر الفقراءَ، فإنه لم يَرغبْ طولَ حياتِه في المال،
стр. 2187
بل كان كلَّما جُمع إليه شيء منه أنفقه في الصدقات، وكان قد أعطى عائشةَ مالاً يسيرًا لِتَحفَظَه، فلما حَضَره المرض أَمَر بإنفاقِه على المُعوِزِين لساعته، وغاب في سِنَةٍ، ولَما أفاق سألها إن كانت أنفَذَت أمرَه، فأجابته: "كلا"، فأمر بالنقود وأشار إلى الأُسَرِ المُعوِزات، فَوزع عليهم، وقال: "الآن استراح قلبي، فإنني كنت أخشى أنْ أُلاقِيَ ربِّي وأنا أَملِكُ هذا المال".
وكان في مرضه يَخرجُ كلَّ يوم ليُصلِّيَ الظهرَ بالناس، وآخِر يومٍ خَرَج فيه هو الثامنُ من شهرِ يونية سنة ٦٣٢ م، وكانت مِشيتُه مضطربةً، فتوكَّأ على الفَضلِ بن العباسِ وعليِّ بنِ أبي طالب، وقَصَد مِنبرَ الخطابةِ الذي كان يَعِظُ الناس عليه قَبْلَ الصلاة، وحَمِدَ اللهَ، وأثنى عليه، ثم خَطب في المسلمين بصوتٍ رفيع سَمِعه مَن كان خارجَ المسجد، فقال: "يا أيها الذين تسمعون قولي، إن كنتُ ضَربتُ أحدَكم على ظَهرِه، فدونَه ظَهري فلْيَضْرِبْه، وإن كنت أسأتُ سُمعةَ أحدٍ فلْينتقمْ مِن سُمعتي، وإن كنتُ سَلبتُ أحدًا مالَه، فإليه مالي يقتصُّ منه، وهو في حِلٍّ من غَضَبي، فإنَّ الغِلَّ بعيدٌ عن قلبي".
ثم نَزَل مِن على المنبر، وصلَّى بالجماعة، ولَمَّا أراد الانصرافَ أَمسك به رجل مِن إزاره، وطلب منه ثلاثةَ دراهمَ دَينًا له، فأدَّاها على الفور قائلاً: "لَخِزيُ الدنيا أهون من خِزي الآخرة".
ثم دعا لِمن حارَبَ معه في "أُحد"، وسأل اللهَ لهم الرحمةَ والغفران.
وكان مَشهدُ النبيِّ ﷺ بين المؤمنين في ذاك اليوم مَشْهَدَ جلالٍ ووقار، والناس يلمَحون على وجهِه تأثيرَ السُّمِّ الذي شَرِبه من يدِ يهوديةِ خيبر، وقلوُبهم مُنفطِرةٌ من الوَجدِ عليه، ذلك أنه لَمَّا كان في واقعةِ "خيبر" قَدَّمت
стр. 2188
إليه يهوديةٌ -اسمها "زينب"- شاةً مَشْويةً أضافت إليها سُمًّا، فأخذ منه النبي قِطعةً واحدةَ بين شفتيه، وأحس بأنها مسمومة، فألقاها، ثم لَما حَضَرَتْه الوفاةُ بعدَ حينِ، كان يقول: "ما زالت تُعاوِدُني أكْلَةُ خَيبر".
وكان أبو بكر ﵁ نفسُه يبكي، ويقول للرسول ﷺ هلا افتَدَينا رُوحَك بأرواحنا؟ ".
ثم أوصله الصحابةُ إلى بيتِ عائشةَ ﵂ واضْطَجَع تَعِبًا مهزولاً، وصار المرضُ يشتدُّ عليه، فتَخلَّف عن الصلاةِ بالمسلمين، وقيل له:"قد جاء وقتُ الظهر"، فأشار إلى أبي بكر ليُصلِّيَ بالناس، فكان مِن وراءِ هذه الإشارةِ خلافةُ أبي بكر بعد النبي ﷺ .
° وأَخبرت عائشةُ ﵂ عن حالةِ الاحتضارِ، فقالت: "كان رأسُ رسولِ الله ﷺ مُسنَدًا على صدري، وبقُربِه قِدْرُ ماءٍ، وكان يقومُ لِيضعَ فيها يَدَه ويَمسحَ جَبينَه، ويقول: "ربِّ أعنِّي على تحمُّل سَكراتِ الموت، ادْنُ منِّي يا جبريل، ربِّ اغفِرْ لي، واجمَعْ بين أصحابي في السماء"، ثم ثَقُلت رأسُه، ومال ثانيةً إلى صَدري" .. ! " (١).
* فارس الخوري اللبناني:
° يرى "فارس الخوري" أن محمدًا أعظمُ عظماءِ العالم، إذ يقول: "لم يَجُدِ الدهرُ بعدُ بمثله، والدينُ الذي جاء به أوفى الأديانِ وأكملُها".
° ويقول: "إن محمدًا أودَعَ شريعتَه المطهَّرةَ أربعةَ آلافِ مسألةٍ علميةٍ
стр. 2189
واجتماعيةٍ وتشريعية، ولم يَسَع عُلماءَ القانون المُنصِفين إلاَّ الاعترافُ بفضل الشريعة التي دعا الناسَ إليها باسم "الله"، وبأنها متَفِقةٌ مع العلم، مطابقة لأرقى النُّظُم.
إن محمدًا -الذي يَحتفِلون به- أعظمُ عظماءِ الأرض-سابقِهم ولاحقِهم-، فقد استطاع توحيدَ العربِ بعد شتاتهم، وأنشأ منهم أُمةً واحدةً فَتحت العالَمَ المعروفَ يومئذٍ، وجاء لها بأعظم ديانةٍ عَيَّنت للناس حُقوقَهم، وواجباتِهم، وأصولَ تعامُلِهم على أُسسٍ مِن أرقى دساتيرِ العالَم وأكملِها" (١).
* بشارة الخوري اللبناني:
° قال صاحب جريدة "البرق" لمناسبة حفلة ذِكري مولدِ الرسول محمد ﷺ نقلاً عن المجلد السابع والعشرين من مجلة "العرفان"-:"إن للرسول محمدٍ في عُنفوان شبابه من المعجزاتِ ما يَقِفُ دونَه الفِكرُ صاغرًا، ولكنْ له -وهو في حَداثته- ما تَصغُرُ عندَه عَظَمةُ العظيم، ويَبطُلُ عنده سِحرُ الساحر، إنه وقد أَخرج أُمةً بأسرها من ظُلماتِ الجاهلية إلى أضواءِ المدنيَّة، إنه وقد أبدَلَ معائبَ الجاهليةِ بمحاسِن الإسلام، إنه وقد أبطَلَ وأدَ البناتِ، وحَرَّم الزنى، ونَقَّى القلوبَ من العداوات، إنه وقد أذل لِسَيْفِه كلَّ سيف، ولعرشه كل عرش، إنه -وهو كذلك- ليس في عيني أعظمُ منه، وهو الابنُ الناشئُ فقيرًا، الدارجُ يتيمًا، الحاملُ السَّعْدَ في وجهه، والطُّهْرَ في قلبِه، والأملَ في عينيه، والحكمةَ في شفتيْه".
стр. 2190
* الدكتور شبلي شميِّل اللبناني:
طبيب لبناني شقيق "أمين شميِّل"، وُلد سنة ١٨٦٠ م، وتُوفِّي سنة ١٩١٧.
° كتب إلى صاحب "المنار" -كما ورد في المجلد الثالث العدد العاشر منها- قال: "أنت تنظرُ إلى محمدٍ [كنبيٍّ] وتجعلُه عظيمًا، وأنا انظر إليه كرجُل وأجعلُه أعظمَ".
* الدكتور نظمي لُوقا:
° قال في كتابه "محمد الرسالة والرسول" المطبوع في مصر الطبعة الأولى ١٩٥٩ م صفحة (٢٥): "إن موقفَ الناسِ من الوحي واحد، أيًّا كانت الرسالةُ المُوحَى بها والرسولُ المخبِرُ عنها، يُطلَبْ مِن رسولٍ قَبْلَ محمدٍ بُرهانٌ عيانيٌّ على وَحيه كي يطالَبَ به محمد، فمَن اعترف بوحى منْ السماءِ إلى رسولٍ من البشر، لَزِمَتْه الحُجَّةُ أنْ لا يُنكِرَ نزولَ الوحيِ على محمدٍ من حيثُ المبدأ، فوجهُ الامتناع هنا غيرُ قائم بمبرِّرٍ نزيهٍ، ومِن هنا وَجب النظرُ النزيهُ في رسالةِ محمدٍ، والبحثُ في مضمونها، لنلتمسَ فيها آياتِ الصدقِ التي صَدَّق الناسُ بِمِثلها مَن سَبَقه من المرسلين، ولنرى هل فيها ما يدعو للريب، ويُبرِّرُ دَمْغَها بالزيف أو الدَّجَل أو البطلان.
ذلك هو الحدُّ القوَّامُ الذي لا افتئاتَ فيه على إنصاف، ولا يَنبغي أن يَحيدَ عنه مَن له في النزاهة مَطْمَع".
° وقال صفحة (٨٨) -منه: "صَدَق رسولُ الإسلام، وما غادره
стр. 2191
صِدقُ الإلهام، وهو القائل: "من رأى منكم منكرًا فليُغيِّرْه بيده، فإن لم يَستطعْ فبلسانه، فإن لم يَستطعْ فبقلبه -وذلك أضعف الإيمان-"، أجل -يا رسولَ الخير والصِّدقِ والحقِّ، فالناسُ بخير وحكومتُهم ما بَقِيَ للحقِّ في قلوبهم مكان، وللغَيرةِ على العَدلِ في قلوبهم الكلمةُ والسلطان".
° وقال صفحة (٥٦): "إن رسولَ الإسلام هو أولُ رسولٍ بُعث إلى الناس، وانبَرى لدعوتهم إلى دينه، مِن غير مَدَدٍ من المعجزاتِ الخاطفةِ للأبصار الخالِبةِ للألباب، فقد أُريد للناس أن يَشعُروا أن رسولَهم مِثلُهم حقًّا وصِدقاً -كما جاء في سورة "الكهف"-، لا يَملِكُ من الخوارقِ أكثرَ مما يَملِكون، وليس له مِن سلطانٍ عليهم، وإنما الأمر إليهم".
° وقال صفحة (٩٧): "وليس التنظيمُ الإسلاميُ لأُمورِ الدنيا بنظام مُقفَلٍ جامد، بل هو التنظيمُ الجوهري الذي لُبابُه قولُ صاحب الرسالة الكريم: "لا ضررَ ولا ضرار"، و"أنتم أعلمُ بأمورِ دُنياكم"، فما لم يَرِدْ فيه نصٌّ بتحريم لسببٍ من أسبابِ العقيدة الروحيةِ، فلا بأسَ على الناس فيه، ما لم يكن فيه ضرر لصاحبه، أو إضرار بسواه.
خُلق كريم، وإيثارٌ، ونجدةٌ ابتغاءَ وجهِ الله واتقاءً لغضبه في معاملةِ الناس، وإصلاح لحال الدنيا من غيرِ إضرارٍ بالناس، وحِرصٌ على مصالح الجماعة، وتعاوُنٌ على البر والتقوى، وترفُعٌ عن التَّرَفِ والإسرافِ في البَذَخ، حتى لا تَستسلِمَ الروح لشهوات الجسد، فذلك هو النموذجُ الكاملُ للإنسان".
стр. 2192
° وقال صفحة ١٠٧: "فإذا نظرنا إلى الرسالة الإسلامية، وجدناها أبعدَ ما تكون عن شُبهةِ تَعلُّقِ الشهوات، أو إباحةِ الأهواء، أو رِشوةِ المنافع.
كان العربُ في الجاهلية أهلَ إباحة، لا رادعَ لهم ولا وازع، قَصْفهم مُجون، ولَهوُهم فجور، وحياتُهم عدوان، وكَسبُهم سُحْت، ولَيلُهم خَمرٌ وميسر، فكيف يقالُ [ما يُقال] عن دينٍ اقتَلَع جُذورَ هذا كلَّه، ووَضعِ الحدودَ لكل وجهٍ من وجوهِ النشاط البشري؟! إنْ لم يكن هذا الدين والتنظيمَ والسموَّ، فما عسى أن يكون؟!.
* الشاعر بولس سلامة اللبناني:
° قال في مقدمة ملحمته الصروفهِ باسم "ملحمة الغدير" -صفحة (٢٤) -: "إن العروبةَ المستيقظةَ اليومَ في صُدورِ أبنائها من المغربِ الأقصى إلى جزيرة العرب، لأَحوجُ ما تكونُ إلى التمثُّل بأبطالها الغابرين، وهم كثيرون، على أنه لم يَجتمعْ لواحدٍ منهم ما اجتَمع لعليٍّ من بطولةٍ وعِلم وصلاح، ولم يَقُمْ في وجهِ الظالمين أشجعُ من الحُسين، فقد عاش الأب للحق، وجَرَّد سَيفَه للدفاع عنه، واستُشهد الابنُ في سبيل الحُرية يومَ "كربلاء"، ولا غَرْوَ، فالأولُ ربيبُ محمدٍ، والثاني فَلْذَةٌ منه".
° وقال صفحة (٢٦): "مسيحيٌّ يَنحني أمامَ عظمةِ رجل يَهتفُ باسمه مئاتُ الملايين من الناس في مشارقِ الأرض ومغاربها خمسَ مراتٍ كل يوم، رجل ليس في مواليد حَواءَ أعظمُ منه قَدْرًا وأخلَدُ ذِكرًا وأبعدُ أثرًا، رجل أطل من غياهبِ الجاهليةِ، فأطَلَّتْ معه دنيًا أظلها بلِواءٍ مَجيد، كَتب عليه بأحرُفٍ من نور: لا إلهَ إلا الله، الله أكبر".
стр. 2193
° وقال في "ملحمته" المشهورة صفحة (٤٧) -تحت عنوان "مولد محمد"-:
مَن تُرى ذلك الصبيُّ الذي إن … ذَرَّ دَمعًا فالجوُّ في إعطاء؟
مبسَمٌ من لآليء الفجرِ أنقى … وجبينٌ كالنجمةِ الغَرَّاءِ
° إلى أن قال:
هلَّ يومٌ في صفحةِ الدهرِ فذٌّ … طيِّبُ الفَوح رافلٌ بالبهاءِ
لم يَشُب ذلك النهارَ مساءٌ … فهو يومٌ مُسْمِرُ الأضواءِ
وانزوى الليلُ خاشعًا كيتيمٍ … ضَيعته مباهجُ الأغنياءِ
أرهفَ الكونُ سَمْعَه وتَمشَّت … في الجماداتِ نَشوةُ الصهباءِ
واستفاقت جزيرةُ العُربِ حَيرى … "فمَناة" و"اللاتُ" في الدقعاءِ
أخرسَ الناسَ خَطبُها فتبارَوا … في استلام الآلهةِ الصماءِ
ابن "وَدٌّ" وأين بطش "سُواعٍ " … كان ذاك النذيرُ بَدْءَ انتهاءِ
وتوالت في أرضِ فارسَ أرزا … ءٌ جِسام فنارُها في انطفاءِ
وارتجاسُ الإيوانِ هَزَّ قلوبَ الفُر … سِ هَزَّ السَّنابِلِ العَجْفاءِ
تُحفةُ العالَم القديم ومَجدُ الـ … ـعين والفنِّ والعُلى والبناءِ
إنْ تداعى فشمسُ كسرى كسُوفٌ … مؤذنٌ بالنهايةِ السواءِ
حُلمُ الموبِذانِ بالنورِ يَجري … والصحارِي مَرُعَةٌ بالرُّغاءِ
والخيولُ العِرابُ سَيلٌ أتى … ضابحاتٍ في مَسْمَع الزَّوراءِ
أجفلَ السُّورُ المدائن خوفًا … مِن صَهيلِ السوابح الجَرْداءِ
وإذا الفُرسُ والمدائنُ صرعى … في مجالِ السنابِكِ الحمراءِ
* * *
стр. 2194
حُسب الرملُ ذلك اليومَ تِبْرًا … يُنبِتُ الحُلمَ في عيونِ الرائي
فسهولُ الحجازِ بحرٌ نُضارٌ … مِن نثيرِ السبائِكِ الصفراءِ
ضَحِك السَّبْسَبُ الخليُّ وشَقَّت … أنمُلُ الوردِ صفحةَ الدهناءِ
ذاك عُرسُ الدنيا ولا غَرْوَ أنْ … بَثَّتْ صلاها ونمنمت في الكساءِ
رَحَّبت بالوليدِ جاء يتيمًا … فهو والفقرُ توأمٌ في رِداءِ
يا فقيرًا ودونَه الشمسُ عزًّا … سوف تعلُو مناكبَ الجَوزاءِ
خَلفَك النسرُ والسُّها والثريَّا … سائراتٌ في الركبِ سَيْرَ الإماءِ
فقرُ كفٍّ والنَّفسُ كنزٌ خَلودٌ … هكذا كان مولدَ الأنبياءِ
* * *
° وقال فيها (ص ٥٤) تحت عنوان "البعثة":
وأشبَّ الغلامُ فامتدَّ صِيتًا … كامتدادِ الشُّعاع في الدَّيجورِ
طَبعُه الصدقُ والأمانةُ فالآ … راءُ تَهدي هَدْيَ الصباحِ المنيرِ
واصطفته خديجةُ لاتِّجارٍ … عاد منه والربحُ فَيضُ بحورِ
فاصطفته لنفسِها فحَبَاها … شَرفًا أن تكونَ فوقَ الحُورِ
كلَّ عامٍ يرتادُ غارَ حِراءٍ … مُفعَمَ الروحِ مُلهَمَ التفكيرِ
يُرسِلُ الطرْفَ في السماءِ كلامًا … ليس تجلُوه صَنعةُ التعبيرِ
ذلك الصمتُ دونَه جهرُ موسى … بالدعاءِ الحميم فوقَ الطُّورِ
فالصلاةُ الصلاةُ خفقةُ قلبٍ … وهُيامٌ مُغلغَلٌ في الشعورِ
قال عيسى مُلكُ الإله لديكم … لو نَبَشتمُ عن كَنزِه في الصدورِ
* * *
стр. 2195
هدأ الكونُ وامَّحى الصوتُ حتى … لَتُحِسَّ الآذانُ هَمْسَ العصورِ
وإذا صوتُ هاتفٍ يهتفُ:"اقرأ" … فيردَّ الصَّدى نداءَ البشيرِ
فتهادى محمدٌ وتمشَّت … في حناياه رِعشةُ المَقرورِ
قال جبريل: يا محمدُ كِّبرْ … باسم ربٍّ مِلْءَ الوجودِ قديرِ
صفحةُ الكونِ بَدَّلت في ثوان … بين مرآتها ضميرَ الدهورِ
فإذا أحمدُ العظيمُ نبيٌّ … والمجيدُ القرآنُ حُلمُ العصورِ
* صموئيل زويمر الإِنكليزي:
البروتستانتى الإنكليزي المبشرُ، وهو مستشرقٌ، محرر مجلة "عالم الإسلام" الإنكليزية، له مؤلفاتٌ ذاتُ شأنٍ في العلاقات بين الإسلام والمسيحية، منها: "يسوع في "إحياء" الغرالي" .. تُوفي في بلدته "ليدس" ١٩١٤.
° قال -وهو من أشد الناسِ عداوةً للنبي ﷺ في كتابه "يسوع في "إحياء" الغرالي": "إن عبقريةَ محمدٍ هي السببُ في نجاحهِ واستطارةِ شأنِه، يُضافُ إلى هذا كله معرفتُه العظيمةُ بالدياناتِ في عصرِه، وقُوته في اجتذاب القلوبِ إليه، ومقدرتُه في الإدارة والحرب، ولباقتُه في السياسةِ الفائقة، لم يَكَدْ يَقْدِرُ على البر وإسداءِ المعرفةِ وإظهارِ شكرِه للنعمة واعترافِه بالجميل حتى ضَرَب للناس في ذلك أروع الأمثال".
* المسيو ديسون الألماني:
وُلد في مدينة "كولونيا" عام ١٨١٧، ولم نعثُرْ على تاريخ وفاته.
° قال في كتابه "الحياة والشرائع": "وليس يَزعمُ أحدٌ اليومَ أن محمدًا
стр. 2196
راحِ يُزوِّر دينًا، وأنه كاذب في دعواه وأفَّاكٌ في دعته، إذا عَرَف محمدًا ودَرس سيرتَه، وأشرف على ما يتمتَعُ به دينُه من تشريعاتٍ تَصلُحُ أن تَظَل مع الزمن مهما طال، وكل مَن يكتبُ عن محمدٍ ودينِه ما لا يجوز، فإنما هو من قِلَّةِ التدبرِ وضَعفِ الاطلاع".
* برتلمي سانت هليار السويسري:
أستاذ الفلسفة الإغريقية في "كوليج دي فرانس"، وقد وُلد عام ١٨٠٧، وتوفي ١٨٧٣.
° قال في كتابه "مع الشرق": "لقد كان محمدٌ أذكى العربِ في عهدِه، وأكثرَهم تقوى ودينًا، وأرحَبَهم صدرًا، وأرفقَهم بأعدائهِ وخصوم دِينه، وما استقامت إمبراطوريتُه إلاَّ بسبب تفوُّقِه على رجالِ عصره، وأما الدينُ الذي راح يدعو إليه، فقد كان خيرًا كثيرًا على الشعوب التي اعتنقته وآمنت به".
* القَسُّ لوازون الفرنسي:
° قال في إحدى محاضراته: "وآخِرُ جميع الأنبياء -كما يعتقد المسلمون- هو محمدٌ الذي وُلد في مكة لعشرِ ليالٍ مَضَت من أبريلَ سنة ٥٧٠ للميلاد، وكانت عائلتُه أشرفَ عائلةٍ في قريش، وهي إحدى القبائل الشهيرة في بلادِ العرب، وصاحبُ النسب المرتقي إلى إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ الخليل، وقد كان جَدُّه متوليًّا سَدَانةَ الكعبة، وكانت دارَ حكومتهم، ومَعبَدَ ديانةِ العرب الوثنية، وتُوفِّي والدُه عبد الله قبلَ ولادته، وتُوفِّيت أُمُّه وهو ابنُ سِتَّةِ أشهرُ، وكان على أعظمِ يكونُ من كريم الطباع، وشريفِ
стр. 2197
الأخلاق، ومنتهى الحياء، وشدَّةِ الإحساس، وقد كَفَله عمُه وهو ابنُ ستِّ سنواتٍ، وأثناءَ كَفالتِه بدأت تظهرُ من محمدٍ علاماتُ الذكاء ورَجاحةُ العقل، ومرَّ بصِبيانٍ يلعبون، فدَعَوه للَّعِبِ معهم، فأجابهم: "إن الإنسانَ خُلق للأعمال الجليلة، والمقاصِدِ الشريفة، لا للأعمالِ السافلةِ والأمورِ الباطلة"، وكان على خُلقٍ عظيم، وشِيَم مَرضيَّة، شَفُوقًا على الأطفال، مطبوعًا على الإحسان، غيرَ مُتمشدِقٍ في نفسه، ولا صَلِفٍ في معاملته مع الناس، وكان حائزًا قوةَ إدراكٍ عجيبة، وذكاءً مُفرِطًا، وعواطفَ رقيقةً شريفة" (١).
° وقال في كتابه "الشرق" (ص ٦١): "إنَّ محمدًا -بلا التباس ولا نُكران- كان من النبيين والصِّدِّيقين، وهو رسولُ الله القادرِ على كلِّ شيء، بل إنه نبى جليلُ القَدْر، ومهما تحدثنا عنه، فليس بالكثير في حقه، لأنه جاء إلى العالَم بدينٍ جَمَع فيه كل ما يَصلُحُ للحياة".
* جورج سيمون:
° قال: "إنَّ محمدًا قد رَفع أعلامَ التمدُّن".
* اللورد هيدلي وإِسلامه:
° قال الشيخ الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر: "كان لإسلام اللورد "هيدلي" ضجَّةٌ كبيرة -لمركزه، ولِمَا يَعلمُه فيه عارفوه من نُضجٍ في التفكير، وَتَروٍّ في الأمور-، وحينما أراد الحجَّ مر بالإسكندرية، فأقام له أهالي الثغرِ حَفلةً كُبرى وُضعت تحت رعايةِ الأمير السابق "عمر طوسون"
стр. 2198
الذي ألقى كلمةً حيَّا فيها الضيفَ الكريمَ، ابتدأها بقوله: "مرحبًا مرحبًا وأهلاً وسهلاً، لقد خَفَّت مصرُ إلى استقبالكم، وابتهجت بمقدَمِكم الكريم، وكان سُرورُها بذلك عظيمًا، حتى لقد تمنَّت كلُّ مدينةٍ أن تسعى بأهلِها إليكم، أو يكونَ لكم مُتَّسَعٌ من الوقتِ لزيارتها، فتقومُ بما يجبُ لكم من الإجلالِ والإعظام، والترحيبِ والإكرام".
وكانت الحفلةُ برئاسةِ صاحب الفضيلة الشيخ "عبد الغني محمود" شيخ علماء الإسكندرية".
* كيف أسلم اللورد "هيدلي"؟.
ما هي العواملُ التي دَعَتْه إلى اعتناق الإسلام؟.
إننا في الصفحاتِ التاليةِ سنذكرُ جُملةً من النصوص تُرشِدُ القارئَ إلى سبب رفضِه المسيحيةَ وإلى سببِ إسلامه، وإلى تصوره لكثيرٍ من وجهاتِ النظر الإسلامية.
° يقول اللورد: "عندما كنتُ أقضي -أنا نفسي- الزمنَ الطويلَ من حياتي الأولى في جو المسيحية، كنت أشعُرُ دائمًا أن الدينَ الإسلامي به الحُسنُ والسهولةُ، وأنه خِلْوٌ من عقائِدِ الرومانِ والبروتستانت.
وثَبَّتني في هذا الاعتقاد زيارتي للشرقِ التي أعقَبَت ذلك، ودراستي للقرآن المجيد".
له الله .. لكم تألَّم وقاسى في سبيل وصوله إلى الحق.
° استمعْ إليه يقول: "فكَّرتُ وصلَّيتُ أربعين سنةً، كي أصلَ إلى حَلٍّ صحيح، ويجبُ عليَّ أن أعترفَ أيضًا أن زيارتي للشرق ملأتني احترامًا
стр. 2199
عظيمًا للدين المحمدي السَّلِسِ الذي يَجعلُ الإنسانَ يَعبدُ اللهَ حقيقة طُولَ مُدَّةِ الحياة، لا في أيام الآحاد فقط".
° ويرى أن الإسلامَ هو الدينُ العالَميُّ حقًّا، إذ يقول: "أيُمكنُ إذن أن يوجَدَ دينٌ يُمكَنُ العالَمَ الإنساني من أن يُجمعَ أمرَه على، عبادةِ الله الواحدِ الحقيقي -الذي هو فوقَ الجميع وأمامَ الجميع- بطريقةٍ سهلةٍ خاليةٍ من الحشو والتلبيك؟.
فكِّرْ لحظةً -وذلك تفكيرٌ لازمٌ لكمالِ البشر في الحقيقة-، إنه إذا أصبح كلُّ فردٍ في الإِمبراطوريةِ الإنجليزيةِ محمديًّا حقيقيًّا -بقلبه ورُوحهْ-، أصبحت إدارةُ الأحكام أسهل ممن ذلك؛ لأن الناسَ سيُقادون بدينٍ حقيقي".
° وها هو ذا يُعبِّرُ عن الشكرِ حينما هداه الله: "رُوحُ الشكرِ هي خلاصةُ الدينِ الإسلامي، والابتهالُ أصلٌ في طلب الهداية والإرشاد من الله.
إنه -وإن كان شُكري للهِ على كَرَمهِ وعنايتِه كان متأصِّلاً فيَّ من صِغَري وأيام حداثتي-، فإنني لا أستطيعُ أن أشاهدَ ذلك من خلال السنينَ القليلةِ الماضية، التي قَرعَ فيها الدينُ الإسلامي لُبِّي حقًّا، وتَمَلَّك رُشدي صِدقًا، وأقنعني نقاؤُه، وأصبح حقيقةً راسخةً في عقلي وفؤادي، إذِ التقيتُ بسعادةٍ وطمأنينة ما رأيتُهما قطُّ مِن قبلُ، كما أستنشقُ هَواءَ البحرِ الخالصَ النقي، وبتحقُّقي من سلاسةِ وضياءِ وعَظمةِ الإسلام ومَجْدِه، أصبحتُ كرجلٍ فَرَّ من سِردابٍ مُظلِم إلى فسيح من الأرضِ تُضيؤُه شمسُ النهار".
стр. 2200
° ومما يَذكرُ من تعاليم الإسلام مُشِيدًا به: "ليس هناك في الإسلام إلاَّ إلهٌ واحد، نَعبدُه ونَتْبَعُه، إنه أمامَ الجميع، وفوقَ الجميع، وليس هناك قُدوسٌ آخَرُ نُشرِكُه معه، إنه لَمِن المُدهِشِ حقًّا أن تكونَ المخلوقاتُ البشريةُ ذواتُ العقول والألباب على هذا القَدْرِ من الغَباوةِ، فيسمحون للمعتقَداتِ والحِيَل الكهنوتية أن تَحجُبَ عن نظرِهم رؤيةَ السماء، رؤيةَ ربهمُ القَهَّار، المتَّصِل دومًا بكل مخلوقاتِه، سواء كانوا عاديين، أو أولياءَ مقدَّسِين.
مفتاحُ السماء موجودٌ دائمًا في مكانه، ويمكنُ إدارتُه بأذلِّ وأقل المخلوقاتِ دون أيَّة مساعدةٍ من نبي أو كاهن أو مَلَكٍ، إنه كالهواء الذي نَستنشقُه مجانًا لكل خَلقِ الله.
أما هؤلاء الذين يجعلون الناسَ يَفهمون غيرَ ذلك، ما دعاهم إلى هذا العمل إلاَّ حبُّ الفائدة.
ليس غَرضي الرئيسي أن أُهاجمَ أي فرع معيَّن من فُروع الديانة المسيحية، لأُبينَ جلالَ وسلاسةَ الديانةِ الإسلامية -التي هي خالية في نظرِ الكاتبِ المُنصِفِ من العوائقِ الظاهرةِ- جليًّا في كثير من الديانات الأخرى".
° ولقد افترى كثيرون على الإسلام، وها هو ذا يَردُّ على افتراءاتهم: "ليس في وُسع الإنسان في الحقيقةِ إلاَّ أن يَعتقدَ أن مُدَبِّجي وناسِجي هذه الافتراءاتِ، لم يتعلموا، حتى ولا أولَ مبادِئِ دينِهم، وإلا لَمَا استطاعوا أن يَنشُروا في جميع أنحاء العالم تقاريرَ معروف لديهم أنها مَحضُ كذبٍ واختلاق.
стр. 2201
إن تعاليمَ القرآنِ الكريم قد نُفِّذت ومُورست في حياة محمدٍ الذي -سواءٌ في أيام تَحمُّلِه الألمَ والاضطهادَ، أم في زمنِ انتصارِه ونجاحِه- أظهَرَ أشرفَ الصفاتِ الخُلقيةِ التي لا يَتسنَّى لمخلوقٍ آخَرَ إظهارُها.
فكلُّ صفاتِ الصبرِ والثباتِ في عصرِه كانت تُرى في أثناء الثلاثَ عَشْرةَ سنةً التي تألَّمَها في مُجاهداته الأولى بمكة، ولم يَشعُرْ في كل زمن هذا الجهادِ بأيِّ تزعزُع في الثقةِ بالله، وأَتمَّ كل واجباته بشَمَمٍ وحَمِيَّة.
كان ﷺ مثابِرًا، ولا يَخشى أعداءَه؛ لأنه كان يَعلمُ بأنه مكلَّفَ بهذه المأمورية مِن قِبَل الله، ومَن كَلَّفه بهذا العمل لن يَتخلَّى عنه.
لقد أثرت تلك الشجاعةُ التي لا تَعرفُ الجُفولَ -تلك الشجاعةُ التي كانت حقًّا إحدى مميزاتِه وأوصافِه العظيمة- إعجابَ واحترامَ الكافرين، وأولىك الذين كانوا يَشْتَهون قتلَه .. ومع ذلك فقد انتبهت مشاعرُنا وازدادَ إعجابُنا به بعد ذلك في حياتِه الاخيرة، أيامَ انتصارِه بالمدينة، عندما كانت له القوةُ والقُدرةُ على الانتقام واستطاعتُه الأخذَ بالثأرِ ولم يفعل، بل عفا عن كل أعدائه.
العفوُ والإحسانُ والشجاعة، ومِثلُ هاتيكَ الصفات، كانت تُرى منه في كل تلك المدة، حتى إن عددًا عظيمًا من الكافرين اهتَدَوا إلى الإسلام عند رؤية ذلك.
عفَا بلا قَيدٍ ولا شَرطٍ عن كل هؤلاء الذين اضْطَهَدوه وعَذَّبوه، آوى إليه كل الذين كانوا قد نَفَوه من مكة، وأغنى فقراءَهم، وعَفَا عن ألدِّ أعدائه، عندما كانت حياتُهم في قبضةِ يَدِه وتحتَ رحمته.
стр. 2202
تلك الأخلاق الربانيةُ التي أظهَرَها النبيُّ الكريم، أقنَعت العربَ بأن حائزَها يجبُ ألا يكونَ إلاَّ مِن عندِ الله، وأن يكونَ رجلاً على الصراطِ المستقيم حقًّا، وكراهيتُهم المتأصِّلةُ في نفوسهم حوَّلتها تلك الأخلاقُ الشريفة إلى مَحبَّةٍ وصداقةٍ متينة".
° محمدٌ المَثَل الكامل: "نحن نعتبرُ أن نبي بلادِ العربِ الكريمَ ذو أخلاقٍ متينة، وشخصيةٍ حقيقةٍ وُزِنَت واختبرت في كلّ خطوةٍ من خُطَى حياته، ولم يُرَ فيها أقلُّ نقصٍ أبدًا.
وبما أننا في احتياجٍ إلى نموذج كامل يَفي بحاجاتِنا في خُطواتِ الحياة، فحياة النبي المقدَّسِ تَسدّ تلك الحاجة.
حياةُ محمدٍ كمرآةٍ أمامنا تَعكِسُ علينا التعقُّلَ الراقيَ، والسخاءَ والكرمَ، والشجاعةَ والإقدام، والصبرَ والحِلمَ، والوداعةَ والعَفْوَ، وباقيَ الأخلاق الجوهريةِ التي تكوِّن الإِنسانية، ونرى ذلك فيما بألوانٍ وَضَّاءة .. خذْ أي وجهٍ من وجوهِ الآدابِ وأنت تتأكَّد أنك تَجِدُه موضَّحًا في إحدى حوادثِ حياته.
ومحمدٌ وَصَل إلى أعظم قوةٍ، وأتى إليه مُقاوِموه، ووَجدوا منه شَفقةً لا تجَارَى، وكان ذلك سببًا في هدايتهم ونقائهم في الحياة".
رَحِم الله اللورد "هيدلي"، وجزاه عن الإسلام خير الجزاء (١).
* جون وانتبورت السويسري:
وُلِد في مدينة "لوزان" سنة ١٧٩٥ م، وتُوفِّي سنة ١٨٦٣ م.
стр. 2203
° قال في كتابه "محمد والقرآن": "بقَدرِ ما نرى صفةَ محمدٍ الحقيقيةَ بعين البصيرة والتروِّي في المصادر التاريخية الصحيحة، بقَدْرِ ما نرى مِن ضَعفِ البُرهانِ وسُقوطِ الأدلةِ لتأييدِ أقوالِ الهَجْوِ الشديدِ والطعنِ القبيح الذي اندفن على رأسه وانهار عليه من أفواهِ المُغرضين والذين جَهِلوا حقيقةَ محمدٍ ومكانتَه، ذلك الرجلُ العظيمُ عند كلِّ دَرَس صفاتِه العظيمةَ، كيف لا، وقد جاء بشرع لا يَسَعُنا أن نتَّهمَه فيه؟! ".
* البرنس كاتيان الإِيطالي:
° قال في كتابه "أديان العرب" (ص ٣٤): "إن مَزِيَّةَ محمدٍ هي كفاءتُه العجيبةُ كسياسيٍّ محنَّكٍ أكثَرَ منه كنبيٍّ موحًى إليه!! وليس في وُسع أحدٍ فَهِمَ محمدًا أن يَحُطَّ مِن كرامته، ومَن فعل ذلك فقد ظَلَم نفسَه وظَلم محمدًا".
[ألمانيا]
* العلامة كارل ماكس الألماني:
ولد العلامة "كارل ماكس" في "تريف" بألمانيا ١٨١٧، توفي ١٨٨٣، من رجال السياسة والفلسفة الاجتماعية، ومحرر "البيان الشيوعي".
° قال في كتابه "الحياة": "إن الرجلَ العربي الذي أدرك خطايا المسيحيةِ واليهودية، وقام بهمةٍ لا تخلو من الخطرِ بين أقوام مشركين يَعبدون الأصنام، يدعُوهم إلى التوحيد، وَيزرعُ فيهم أبَدِيَّةَ الروح، ليس من حقه أن يُعدَّ بين صفوفِ رجالِ التاريخ العِظام فقط، بل جَدير بنا أن نعترفَ بنُبوته، وأنه رسولُ السماء إلى الأرض".
стр. 2204
ـ[ومن ألمانيا]ـ
* الشاعر المعروف جايتي الألماني:
° قال في كتابه "الإسلام" (ص ٦٧) بعد تِعدادِ ما جاء به الإسلام: "إذا كان ذلك هو الإسلام، فَكُلُّنا إذًا مسلمون، نعم كلُّ مَن كان فاضلاً شريفَ الخُلُقِ فهو مسلم، ألَا إنَّ دينَ محمدٍ كلُّه إخلاصٌ ودين اجتماع وأخلاقٍ ورعايةٍ لبني الإنسان، فإذًا يمتازُ شرعُ محمدٍ ودينُه عن غيره".
* الكاتب الشهير دريترسي الألماني:
ولِد في "برلين" ١٨٢١ م، وتُوفِّي ١٨٨٨ م، مستشرقٌ ألماني.
° قال: "إن علومَ الطبيعةِ والفَلَكِ والفلسفةِ والرياضياتِ التي أنعَشَتْ أوروبا في القرن العاشرِ للميلاد مُقتبسةٌ من قرآنِ محمد، بل إن أوروبا مَدِينةٌ للإسلام الذي جاء به محمد".
° وقال: "إننا لو أنصفنا الإسلامَ، لاتَّبَعْنا ما عنده من تعاليمَ وأحكام، لأن الكثيرَ منها ليس في غيره، وقد زاده محمدٌ نموًّا وعَظمةً، بحُسنِ عنايتِه وعظيم إرادته، وَيظهرُ من محمدٍ أن دعوتَه لهذا الدينِ لم تكن إلاَّ عن سببٍ سماويٍّ .. إننا نقول هذا لو أنصفناه فيما دعا إليه ونادَى به، وإن مَن اتَّهم محمدًا بالكذب، فليتَّهم نفسَه بالوَهْن والبلادةِ وعدم الوقوفِ على ما صَدَع به من حقائق".
* الهر ماركوس الألماني:
دكتور بالفلسفة، وُلد في "تريف" عام ١٨١٨، وتوفِّي عام ١٨٨٤، محرر "البيان الشيوعي"، ومن رجال السياسةِ والفلسفة.
стр. 2205
° قال في محاضرةٍ له القاها عام ١٨٧٢ نقلتها عنه مجلة "المقتطف" المصرية المجلد الخامس منها: "تعالَوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا نُنصِف بها الإسلامَ الحنيفَ، ونَبيَّه العظيمَ محمدًا، ولْنَجعلْ موضوعَنا اليومَ "الحكومة الإسلامية في صدر الإسلام"، ولْنستعرضْ تنظيماتِها في عهدِ سيَّدها وقائدِها وزعيمِها ذلك الرسولِ الكريم، لنبيَّنَ أن الصحابةَ والخلفاءَ الراشدين وقادةَ الإسلام كانوا يقُومون بواجباتهم بكلَّ أمانةٍ ودقةٍ، وِفقًا للشريعة الغرَّاء التي جاء بها محمد، لم يكنْ في فجرِ الإسلام شِيَعٌ ولا أحزاب، بل على العكسِ من ذلك، كانت الحكومة الإسلاميةُ تُمثلُ جَميعَ المسلمين تمثيلاً صحيحًا، وهي عبارة عن هيئةٍ منظمةٍ مشتَرَكة، تَنطِقُ بحق بلسان كافةِ المسلمين، كلُّ مسلمٍ يَشُدُّ أَزْرَ أخيه المسلم، وكان عَدلُ محمدٍ منتشرًا بين المسلمين، بحيث كان المسلمُ الواحدُ مطمئنًا إذا كان هو رافلاً في بُحبوحةٍ من العَيش، وهناءِ بالٍ، ولم يكن مخطئًا في ذلك، بل كان هذا هو الحقَّ الواقع".
° إلى أن قال: "وهذه البدعةُ التي اشتَرَعها محمدٌ، كانت بمثابةِ يُنبوع فيَّاضٍ يَكفُلُ حاجةَ المسلم الفقير، فيتناولُ نصيبَه من بيتِ المال بانتظام، وفي ذلك مساعدةٌ عظمى لأمته".
* العلامة برتلي ساشا هيلر الألماني:
مستشرقٌ ألماني، ولد في "درسدن" ١٧٩٣، وتُوفي ١٨٨٤.
° قال في كتابه "الشرقيون وعقائدهم":"كان محمدٌ رئيسًا للدولة، وساهرًا على حياةِ الشعبِ وحُرَّيته، وكان يعاقِبُ الأشخاصَ الذين
стр. 2206
يَجترِحون الجناياتِ حَسبَ أحوالِ زمانه وأحوالِ تلك الجماعاتِ الوحشية التي كان يَعيشُ النبي بين ظَهرانَيها، فكان النبي داعيًا إلى ديانةِ الإلهِ الواحد، وكان في دعوته هذه لطيفًا ورحيمًا، حتى مع أعدائِه، وإن في شخصيتِه صِفَتَينِ هما من أجل الصفاتِ التي تَحمِلُها النفسُ البشريةُ، وهما العدالة والرحمة".
* الدكتور تيودور نولدكه الألماني:
° هو من مشاهير المستشرقين الألمان، وُلد في "همبورغ " عاصمة ألمانيا التجارية عام ١٨٣٦، وتوفي ١٩٢٠، اشتَغل في اللغاتِ السُّريانيةِ والفارسيةِ والعربية .. له "تاريخ القرآن"، قال فيه، (ص ٨٣): "نزل القرآنُ على محمدٍ نبيِّ المسلمين -بل نبيِّ العالَم-؛ لأنه جاء بدين إلى العالَم عظيم، وبشريعةٍ كلُّها آدابٌ وتعاليم، وحَرِيٌّ بنا أن ننصِفَ محمدًا في الحديثِ عنه؛ لأننا لم نقرأْ عنه إلا كلَّ صفاتِ الكمالِ، فكان جديرًا بالتكريم".
* العلامة كارل هينرش بكر الألماني:
مستشرق ألماني، وُلد في بلدته "لاكازا" من ألمانيا الغربية عام ١٨٧٦، وتوفي ١٩٣٧، له عِد مؤلَّفاتٍ، وهو المؤسسُ لمجلة "العالم الإسلامي"، وكان يفضِّلُ الأدبَ الإسلاميَّ على الأدب المسيحي.
° قال في كتابه "الشرقيون": "لقد أخطأ مَن قال: إن نبيَّ العرب دَجَّالٌ أو ساحر؛ لأنه لم يَفهم مَبدأَه الساميَ، إنَّ محمداً جديرٌ بالتقدير، ومبدؤه حَرِيٌّ بالاتباع، وليس لنا أن نحكمَ قبلَ أن نَعلم، وإن محمدًا خيرُ رجل جاء إلى العالَم بدينِ الهدى والكمال، كما أننا لا نرى أن الديانةَ
стр. 2207
الإسلامية بعيدةٌ عن الديانة المسيحية".
* ويلكي كولنز الألماني:
° الروائي المعروفُ .. قال في كتابه "جوهرة القمر": "لقد جاء محمدٌ بصيانةِ النساءِ وحثهِنَّ على العفاف، وحَذَّر من السير على خلافِهما، مُشيرًا إلى ما في هذين من النقصِ والخِسَّة، وكم لِمِثل هذا من نظيرٍ في شريعته السامية".
* القَسُّ ميشون الألماني:
° قال في كتابه "سياحة دينية في الشرق" (ص ٣١): "إنه لَمِنَ المحزِنِ أن يتلقَّى المسيحيون عن المسلمين روحَ التعامل وفضائلَ حسنِ المعاملة، وهما أقدس قواعِدِ الرحمةِ والإحسانِ عند الشعوبِ والأم، كل ذلك بفضل تعاليم نبيِّهم محمد".
* شاعر ألمانيا الكبير "جوته" (١٧٤٩ - ١٨٣٢):
° مَرَّ بنا سابقًا ما قاله "جوته" عن القرآن الكريم: "إنه الكتاب الذي يكرِّر نفسَه تكراراتٍ لا تنتهي، فيثير اشمئزازنا دائمًا كلما شَرَعنا في قراءته".
° وهو القائل عن رسولِ الله ﷺ كما سَبَق-: "نَصب حَولَ العربِ غلافًا دينيًّا كئيبًا، وعَرَف كيف يَحجب عنهم الأملَ في أيِّ تقدُّم حقيقي" (١).
وهنا وِجهة نظر أخرى لدى الباحثةِ الألمانية "د. كاثرينا ممسين" عن
стр. 2208
"جوته" في كتابها "جوته والإسلام"، ترجمته "شيرين حامد فهمي"، وأصدرته مكتبة "الشروق الدولية"، تتحدثُ "د. كاثرينا ممسين" عن إعجابِ "جوته" بالقرآن .. وكان مفهومُ "التسامح" هو الذي جَذَب "جوته" إلى الإسلام، ولكي يَفهمَ لُغةَ القرآن تَعلَّم اللغةَ العربيةَ والخط العربي، وكان يَصِفُ لُغةَ القرآنِ بالقوةِ والعظمةِ والرهبةِ والسكونِ في خليطٍ عجيب.
° وتذكرُ "د. كاثرينا ممسين" أمثلةً من كتاباتِ "جوته" ورسائلِه التي تدل على مدى احترامِه للاسلام؛ فقد كتب رسالةً وهو في الثانية والعشرين من عمره قال فيها: "أُريد أن أدعوَ كما دعا موسى ربَّه في القرآن ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥] "، مما يدل على أنه قرأ القرآن وتأثَّر به.
وعندما بَلَغ السبعين أَعلن عن قرارِه بالاحتفال بتلك الليلةِ المقدَسةِ التي نَزل فيها القرآنُ مِن أعلى السماوات إلى النبيِّ محمدِ ﷺ ، وهذه اللغةُ في الحديث عن الإسلام كانت بعيدةً كل البُعدِ عن اللغة التي كان العالَمُ الغربي يتحدَّثُ بها عن الإسلام.
° تقول "د. كاثرينا ممسين": "إن "جوته" رأى -خلافًا للعالَم الغربي- التأثيرَ الإلهي للقرآن على البشرية، وإن اقتباسات "جوته" من القرآنِ في مواضعَ كثيرةٍ في كتاباته تَعكِسُ تقديرَه الشخصي واقتناعَه بأمورٍ كثيرةٍ في الإسلام، وكانت سورة "البقرة" من أكثرِ السورِ التي أثَّرت في هذا الشاعر الكبير، وهو يذكُرُ عدَّةَ آياتٍ يتوقفُ عندها ويُشيدُ بما فيها من الفِكر الرائع العميق (١) مثل: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا
стр. 2209
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢].
* كما يتحدَّثُ عن آيةٍ أخرى من نفسِ السورة، يقول: إنها تُعبِّرُ عن دليل وجودِ الله في الكون كلِّه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]. والآية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]
* وسَجَّل "جوته" إعجابَه بما في الإسلام من الدعوةِ إلى الخير، فقال: "إنَّ الله يقولُ في القرآن: إنه لم يَبعث رسولاً إلى قوم إلاَّ أن يكونَ منهم، ويتحدثَ بلُغتهم، وَيعرفَ ثقافَتهم" .. ويَستشهدُ بالآية: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد: ٢٧]. والآية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤].
° وكتب "جوته" رسالةً إلى المفكر والمؤرخ البريطاني "توماس كارليل" في سنة ١٨٢٧ م قال له فيها: "إن القرآنَ يقول: إن الله أرسلَ لكل قوم رسولاً يتحدَّثُ بلُغتهم"، وأشار إلى الكفار الذين طالبوا الرسولَ محمدًا ﷺ بأن يأتيَ بمعجزات، وعَلَّق على ذلك بأبياتٍ من الشعر قال فيها: قال لهم: المعجزاتُ لا أستطيعُ الإتيانَ بها، المعجزةُ الكبرى هي وُجودي بينكم رسولاً" (١).
стр. 2210
° كان للشاعرِ الفرنسيِّ الشهير "فولتير" مسرحية بدأ عَرضُها عام ١٧٤٢، واشتُهرت في الغرب، اسمها "تطرف النبيِّ محمد"، وأعلن "جوته" أن هذه المسرحيةَ قَدَّمت أبشَعَ صُورةٍ يمكنُ تصوُّرُها عن نبيٍّ، وألَف مسرحيةً تُعارضُها بعنوان "الدراما المحمدية" من مشهَدين:
في المشهد الأول: يُصوِّرُ بَعثةَ النبيِّ محمدٍ ﷺ ، وكيف جاءه الوحيُ بتكليفِه بالرسالة.
والمشهد الثاني: يُصوِّرُ معاناةَ الرسولِ ﷺ مع قومهِ في تبليغ رسالةِ التوحيد، وقَدَّم "جوته " بعد ذلك "أغنية محمد" التي تُعتبر أولَ تبجيل للرسول ﷺ من شاعر أوروبي.
وفي هذه الأغنية يَظهرُ انبهارُ "جوته " بشخصيةِ النبي ﷺ ، ثم انبهارُه بجهادِه وعدم اكتفائِه بالدعوةِ، وكفاحِه لتأسيسِ مجتمع قائمٍ على مبادئِ الدينِ الذي جاء به، ورَبَط بنِ النبي ﷺ -المُعلِّم الرُّوحيّ، والنبيّ الإنسانِ ذِي الصفاتِ العالية، ويَعكسُ "جوته" في أشعاره عُمومًا إعجابَه بما في شخصِ الرسول ﷺ من المَزج بين الشخصيةِ التي تؤسِّسُ دِينًا جديدًا، وبين نفس الشخصيةِ وهي تُكرِّسُ جَهدَها لتربيةِ البشرِ روحيًّا.
وجاء في أشعارِ "الدراما المحمدية" الكثير من تعبيراتِ الإعجابِ والتقديرِ للرسول ﷺ مثل:
بين مضايِقِ الجبالِ سار
وبخُطى أقدام القائدِ شدَّ معه أصحابَه