← Сира

Сира · id 96964

وا محمداه إن شانئك هو الأبتر

سيد حسين العفاني

Полный текст (2 668 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قصيرةٍ واحدة، تَصدر الدعوةُ وتتحقق، وتنتهي المعركةُ، ويُسدل السِّتار!. ولما أجمع بنو هاشم بقيادةِ أبي طالبٍ على حماية النبي ﷺ ولو لم يكونوا على دِينه، لدافع العصبيةِ القَبَلية، خَرَج أبو لهبٍ على إخوته، وحالَفَ عليهم قريشًا، وكان معهم في الصحيفة التي كتبوها بمقاطعةِ بني هاشم وتجويعهم؛ كي يُسلِموا لهم محمدًا ﷺ ، وكان قد خَطَب بنتي الرسول- ﷺ "رقية وأمَّ كلثوم"، لولديه قبل بعثة النبي- ﷺ ، فلما كانت البعثةُ أمرهما بتطليقهما، حتى يُثقِلَ كاهلَ محمدٍ ﷺ بهما. ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾. ° قال ابن عباس- ﵁: ﴿وَمَا كَسَبَ﴾، "يعني: ولدَه" .. وروي عن عائشة ومجاهد وعطاء والحسن وابن سيرين مثله. لما دعا رسولُ الله ﷺ قومَه إلى الإِيمان، قال أبو لهب: إنْ كان ما يقول ابن أخي حقًّا، فإني أفتدي نفسي يومَ القيامة من العذاب بمالي وولدي، قال الله لنبيه محمد طنهه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]. ° قال القاسمي: "قال الشهاب: والذي صحَّحه أهلُ الأثر أن أولادَه -لعنه الله - ثلاثة: مُعتِّب، وعُتبة، وهما أسلما، وعُتيبة -مصغَّرًا- وهذا هو الذي دعا عليه النبي- ﷺ لما جاهر بإيذائه وعداوته، ورَدَّ ابنته وطلَّقها، وقال صلوات الله عليه وسلامه: "اللهم سَلِّط عليه كلبًا من كللابك"، وفيه يقول حسان ﵁: مَنْ يرجِعُ الْعَامَ إِلَى أَهْلِهِ … فَمَا اَكِيلُ السَّبْعِ بالرَّاجع" (١)

стр. 247

° قال ابن كثير: "روى ابن عساكر في ترجمة "عُتيبة بن أبي لهب" من طريق محمد بن إسحاق عن هبَّار بن الأسود قال: كان أبو لهب وابنُه عُتيبة قد تجهَّزا إلى الشام، فتجهزتُ معهما، فقال ابنُه عُتيبة: واللهِ لأنطلقُ إلى محمدٍ ولأوذينَّه في ربِّه -سبحانه- فانطلق حتى أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا محمد، هو يكفرُ بالذي دنا فتدلَّى، فكان قابَ قوسين أو أدنى. فقال النبي ﷺ : "اللهم، أبعث إليه كلبًا من كلابك"، ثم انصرف عنه فرجع إلى أبيه، فقال: يا بُني، ما قلتَ له؟ فذكر ما قال له، قال: فما قال لك؟ قال: قال: "اللهم سلِّطْ عليه كلبًا من كلابك". قال: يا بني، واللهِ ما اَمَنُ عليك دعاءه" (١). ° وفي رواية عروة بن الزبير: "أن عُتيبة بنَ أبي لهب، وكان تحته بنتُ رسول الله- ﷺ أراد الخروجَ إلى الشام، فقال: لآتِينَّ محمدًا فلأوذينَّه، فأتاه فقال: يا محمدُ، هو كافر بالنجم إذا هوى، وبالذي دنا فتدلَّى، ثم تَفَل في وجهِ رسول الله ﷺ -ورَدَّ عليه ابنتَه وطلَّقها، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم سلِّطْ عليه كلبًا من كلابك"، وكان أبو طالب حاضرًا، فوجم لها وقال: ما كان أغناك يا ابن أخي عن هذه الدعوة، فرجع عُتيبةُ إلى أبيه فأخبره" (٢). فسرنا حتي نزلنا الشِّراة (٣)، وهي مأسدة (٤)، فنزلنا إلى صومعةِ

стр. 248

واهب، فقال: يا معشرَ العرب، ما أنزلكم هذه البلادَ، فإنها تسرحُ الأُسْدُ فيها كما تسرحُ الغنم، فقال لنا أبو لهب: إنكم قد عرفتم كبَرَ سنِّي وحَقِّي، وإن هذا الرجل قد دعا على ابني دعوة، واللهِ ما آمنُها عليه، فأجمِعوا متاعَكم إلى هذه الصومعة، وافرِشوا لابني عليها، ثم افرِشوا حولها، ففعلنا، فجاء الأسد فشمَّ وجوهَنا، فلما لم يَجِدْ ما يريدُ، تَقبَّضَ فوثب، فإذا هو فوق المتاع، فشمَّ وجهه، ثم هَزَمه هَزْمةً (١)، ففضخ (٢) رأسه، فقال أبو لهب: قد عرفتُ أنه لا ينفلتُ عن دعوة محمد". فانظر أخي يرحمك الله، لما تَفَل في وجه رسول الله ﷺ أتى الأسدُ، فشمَّ وجهَه، وفضخ رأسه، لم يأكلْه من يديه أو رجليه، وإنما وجه بوجهٍ. بَصْقٌ في وجهِ نبيٍّ، وفَضْحٌ في رأسِ شقيٍّ، ومعذرةٌ لرسول الله ﷺ . أَلَمْ تَرَ أن السَّيفَ يَنقُصُ قَدْرُه … إذا قيل: إنَّ السَّيفَ أمضى من العصا؟! فابن أبي لهب لا يناسبه إلا كلب (٣). ° قال حسان بن ثابت ﵁ في قصة الأسد مع أبي واسمع عُتَيْبَة بن أبي لهب: سائِلْ بني الأَشْعَرِ إنْ جئتَهُم … ما كان أنباءُ أبي وَاسِع (٤)

стр. 249

لَا وَسَّعَ اللهُ له قَبْرَهُ … بَلْ ضَيَّقَ اللهُ على القَاطِع رِحْمَ نَبِيٍّ جَدُّهُ جَدُّهُ … يَدْعو إلى نُورِ هُدًى سَاطِع أَسْبَلَ بالحِجْرِ لتَكْذِيبهِ … دُونَ قُرَيْشٍ نَهْزَهُ القَاع فاسْتَوْجَبَ الدَّعْوَةَ منْهُ فَقَدْ … بَيَّنَ للناظِرِ والسَّامِع إِن سَلَّطَ اللهُ بهِ كَلْبَهُ … يمشي الهُوينى مِشيةَ الخادع فالتهمَ الرأسَ بِيَافُوخِهِ … والحَلقَ مِنه فَغْرَةَ الجَائِع أَسْلَمْتُمُوه وهو يَدْعُوكُمُ … بالنَّسَبِ الأدْنَى وبالجَامِع واللَّيْثُ يَعْلُوهُ بأنْيَابِه … مُنْعَفِرًا وَسْطَ الدَّم النَّاقِع لا يَرْفَعُ الرحْمَنُ مَصْرُوعَكُم … ولا يُوهِنُ قُوَّةَ الصَّارِع مَنْ يَرجعُ العامَ إلى أهلِه … فما أكِيلُ السَّبعْ بالرَّاجِع قد كانَ فيه لَكُمْ عِبْسَرةٌ … للسيَّدَّ المَتْبُوع والتَّابِع من عادَ فاللَّيْثُ لَهُ عَائِدٌ … أَعْظِمْ بِه من خَبَرٍ شَائِع (١) * ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾: ° قال أبو رافع مولى رسول الله ﷺ : "رَمَاه الله بالعَدَسة فَقَتلته، فلقد تركه ابناه بعدَ موته ثلاثًا، ما دفناه حتى أنتَنَ، وكانت قريشٌ تَتَّقي هذه العدسة كما تتقي الطاعون، حتى قال لهم رجل من قريش: ويحكما، ألَا تستحِيانِ! إن أباكما قد أنتَنَ في بيته لا تدفِنانه؟ فقالا: إنا نخشى عَدْوَةَ هذه القَرْحة، فقال: انطلِقا فأنا أعينُكما عليه، فواللهِ ما غَسلوه إلاَّ قَذْفًا بالماء

стр. 250

عليه من بعيدٍ ما يَدنون منه، ثم احتملوه إلى أعلى مكة، فأسندوه إلى جدارٍ، ثم رجموا عليه بالحجارة". ° عن أمِّ المؤمنين عائشة ﷺ أنها كانت لا تمرُّ على مكانِ أبي لهب هذا، إلاَّ تستَّرت بثوبها حتى تجوز. * ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾: * مَن للأحولِ غيرُ أمِّ قبيح، أمِّ جميل العوراء: ° قال ابنُ العربي: "العوراءُ أم قبيح، وكانت عوراءَ، مَن لها غيرُ أبي النار، أبي لهب؟! حَقَّق الله نَسَبه، لقد صَرَفهم اللهُ على أن يقولوا: "أبو النور، وأبو الضياء" -الذي هو المشترِك بين المحبوب والمكروه-، وأجرى على ألسنتهم أن يُضيفوه إلى لهب، الذي هو مخصوصٌ بالمكروه والمذموم -وهو النار-، ثم حَقَّق ذلك بأن يجعلها مَقَرَّه". ° قال ابنُ كثير عن أمِّ جميل: "كانت عَونًا لزوجها على كُفرِه وجُحودِه وعناده، فلهذا تكونُ يومَ القيامة عونًا عليه في عذابه في نار جهنم، ولهذا قال: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾، يعني: تحملُ الحطبَ فتُلقي على زوجِه، ليزدادَ على ما هو فيه، وهي مهيأةٌ لذلك، مستعدَّةٌ له" (١) .. والجزاء من جنس العمل. ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾: عن مجاهد وعكرمة، والحسن، والقتادة، والثوري، والسُّدِّي: "كانت تمشي بالنميمة".

стр. 251

° وعن ابن عباس، وعطية الجَدَلي، والضحاك، وابن زيد: "كانت تضعُ الشوكَ في طريق رسول الله ﷺ " .. واختاره ابن جرير. ° قال الإِمام ابن جرير: "وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي هو قول من قال: كانت تحملُ الشوك، فتطرحُه في طريقِ رسول الله ﷺ ، لأن ذلك أظهرُ". ° قال الربيع: "فكان النبي ﷺ يطؤُه كما يطأُ الحرير". ومِثلما حَمَلت الشوكَ والعِضاةَ تطرحُه في طريقِ رسول الله ﷺ ، فكذا تحملُ الحطبَ على زوجِها في النارِ جزاءً وفاقًا. ° قال قتادة وغيره: "كانت تُعيِّرُ رسولَ الله ﷺ بالفقر، ثم كانت مع كثرةِ مالها تحملُ الحطبَ لشدةِ بُخلها، فُعيِّرت بالبُخل" (١). ° قال مُرَّة الهَمْداني: "كانت أم جميل تأتي كلَّ يوم بإبَّالةٍ (٢)، من الحَسَكِ (٣)، فتطرحُها في طريقِ المسلمين، فبينما هي حاملةٌ ذاتَ يوم حُزْمةً أعْيَت، فقَعَدت على حَجَرٍ لتستريح، فجَذَبها المَلَكُ من خلفها فأهلكها" (٤). خَنَقها اللهُ بحَبلها. ° قال سعيد بن جبير: "حمالةَ الخطايا والذنوب، من قولهم: "فلان يحتطبُ على ظهره"، دليلُه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١﴾، ولا يظلمُ ربك أحدًا".

стр. 252

* ﴿فِي جِيدِهَا (١) حَبْلٌ من مَّسَدٍ﴾: ° قال سعيد بن المسيِّب: "كانت لها قِلادةٌ فاخرة، فقالت: لأُنفِقَنَّها في عداوةِ محمدٍ، فأعقَبَها اللهُ بها حَبْلاً في جِيدِها من مَسدِ النار". ° وعن الثوري: "هي قلادةٌ من نارٍ طولُها سبعون ذراعًا" (٢). أبو لهب: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ ستَصلاها، وفي عُنقها حَبلٌ من مَسَد، تناسُقٌ في اللفظ، وتناسق في الصورة، فجهنم هي نار ذاتُ لهب، يَصلاها أبو لهب، وامرأتُه تحملُ الحطب، وتُلقِيه في طريقِ محمدٍ لإِيذائه والحطبُ مما يوقَدُ به اللهب، وهي تَحزِمُ الحطبَ بحبل، فعذابها في النار ذاتِ اللهب، أن تُغَل بحبلٍ من مَسد، ليتم الجزاءُ من جنس العمل" (٣). وانظر يا أخي، مثلما أرادا أن يُنغِّصَا عيشَ رسولِ الله ﷺ ، بتطليق ابنتَيه، وتتُّبعِه في المجالس بتكذيبه، مثلما أثارا حَربًا شعواءَ على النبي ﷺ ، وعلى الدَّعوة، لا هوادةَ فيها، ولا هُدنة، انظر إلى وقع السورة في نفسِ أمِّ جميل، التي ذُعرت لها، وجُنَّ جنونُها، وحَسِبت أن رسول الله ﷺ قد هجاها بشِعرٍ، وبخاصةٍ حين انتشرت هذه السورة، وما تحمله من تهديدٍ ومَذِمَّة، وتصوير زَرِيٍّ لأم جميل خاصةً، وتصوير يُثير السخرية، من امرأةٍ مُعجَبةٍ بنفسها، مُدِلَّةٍ بحَسَبها ونَسَبها، ثم ترتسِمُ لها هذه الصورة ﴿نَارًا

стр. 253

ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ في هذا الأسلوب القويِّ الذي يَشيعُ عند العرب. • عن أسماء بنت أبي بكر قالت: "لما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبّ﴾ أقبلت العوراءُ أمُّ جَميلٍ بنتُ حرب، ولها وَلولة وفي يدها فِهْر (١)، وهي تقول: مُذَمَّمًا أَبَينَا … وَدِينَهُ قَلَينَا وَأمْرَه عَصَينَا (٢) ورسولُ الله ﷺ جالس في المسجد، ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر، قال: يا رسول الله، قد أقبلَتْ، وأنا أخافُ عليك أن تراك، فقال رسولُ الله ﷺ : "إنها لن تراني"، وقرأ قُراَنًا اعتَصَم به، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ [الإِسراء: ٤٥]، فأقبَلَت حتى وقفَتْ على أبي بكر، ولم تَرَ رسولَ الله ﷺ ، فقالت: يا أبا بكر، إني أُخبرتُ أن صاحبَك هجاني؟، قال: لا، وربِّ هذا البيت ما هجاكِ، فوتَت، وهي تقول: قد عَلِمَتْ قريشٌ إني ابنةُ سيِّدها". قال: وقال الوليدُ في حديثه، أو غيره: "فعثُرت أمُّ جميل مِرْطَها وهي تطوف بالبيت، فقالت: تَعِس مُذَمَّم، فقالت أمُّ حكيم بنتُ عبد الطلب:

стр. 254

إني لَحَصانٌ، فما أكلَّم، وثَقَافٌ (١) فما أُعلَّم، وكلنا من بني العمِّ، وقريش بعد أعلم" (٢). ° وروى الحافظُ عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب وَتَبّ﴾ وجاءت امرأةُ أبي لهب، ورسولُ الله ﷺ جالس، ومعه أبو بكر، فقال له أبو بكر: لو تنحَّيتَ لا تؤذيكَ بشيء، فقال رسول الله ﷺ : "إنه سيُحال بيني وبينها"، فأقبلَتْ حتى وقفتْ على أبي بكر، فقالت: يا أبا بكر، هجانا صاحبُك، فقال أبو بكر: لا وربِّ هذه البِنْية، ما نَطق بالشِّعر ولا يتفوَّه به. فقالت: إنك لَمُصدَّق. فلمَّا ولَّت قال أبو بكر ﵁: ما رأْتك؟ قال: "لا، ما زال مَلَلكٌ يسترُني حتى ولَّت" (٣). ° "فهكذا بَلَغ منها الغيظُ والحَنَقُ من سَيرورةِ هذا القول الذي حَسِبَتْه شِعرًا، وكان الهجاءُ لا يكونُ إلاَّ شعرًا مما نفاه أبو بكر، وهو صادقٌ، ولكنَّ الصورةَ المُزرِيةَ المثيرةَ للسخرية، التي شاعت في آياتها قد سُجِّلت في الكتاب الخالد، وسجَّلَتْها صفحاتُ الوجود أيضًا، تنطقُ بغضبِ اللهِ وحَرْبه على أبي لهب وامرأته، جزاءَ الكيد لدعوةِ الله ورسولِه، والتبابُ والهلاكُ والسخريةُ والزِّراية جزاءُ الكائدين لدعوة الله في الدنيا، والنار في الآخرة جزاءً وفاقًا، والذلُّ الذي يُشير إليه الحَبلُ، في الدنيا والآخرة جميعًا" (٤).

стр. 255

* أُبَيُّ بن خَلَفٍ قَتيلُ رسول الله ﷺ -: • عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "اشتدَّ غَضَبُ الله على قوم فعلوا بنبيِّه -يشير إلى رَباعِيَتهِ-، اشتدَّ غضبُ الله على رجلٍ يقتلُهَ رسولُ الله ﷺ في سبيل الله" (١). ° عن ابن عباس- ﵁ قال: "اشتدَّ غضبُ الله على مَن قَتَله النبي في سبيل الله، اشتدَّ غضبُ الله على قومٍ دمَّوْا وجهَ نبي الله ﷺ " (٢). ° قال ابنُ إسحاق: كان أُبَيُّ بنُ خَلَفٍ يَلقَى رسولَ الله ﷺ بمكة، فيقول: يا محمدُ، إن عندي العَوذَ، فرسًا أعلفُه في كل يومٍ فَرْقًا (٣) من ذُرة، أقتلُك عليه، فيقول رسول الله ﷺ : "بل أنا أقتلُك إن شاء الله" (٤). ° قال ابن كثير: "عن عروةَ بنِ الزبير قال: كان أُبيُّ بنُ خَلَف أخو بني جُمَح، قد حَلَف -وهو بمكة- لَيقتُلَن رسولَ الله ﷺ ، فلما بَلَغَتْ رسولَ الله ﷺ حَلْفته قال: "بل أنا أقتلُه إن شاء الله"، فلما كان يومُ أحد أقبل أُبَي في الحديد مُقَنَّعًا، وهو يقول: لا نَجوتُ إن نجا محمدٌ، فحَمَل على رسول الله ﷺ يريدُ قَتلَه، فاستقبله مصعبُ بنُ عُمير أخو بني عبد الدار يَقِي رسولَ الله ﷺ بنفسه، فقُتِل مصعبُ بنُ عمير، وأبصر رسول الله ﷺ تَرقوةَ أُبيِّ بن خَلَفٍ من فُرجةٍ بين سابغةِ الذَرع والبَيضة، فطَعَنه فيها بالحَرْبة، فوقع إلى الأرص عن فرسه، ولم يخرجْ من طَعنته دمٌ، فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو

стр. 256

يَخورُ خُوارَ الثَّوْر، فقالوا له: ما أجزَعَك، إنما هو خدْش؟ فذكر لهم قولَ رسولِ الله ﷺ : "أنا أقتل أُبيًّا"، ثم قال: والذي نفسي بيده، لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون .. فمات إلى النار، ﴿فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ " (١). • وقد رواه موسى بنُ عقبةَ في "مغازيه" عن الزهريِّ عن سعيد بن المسيَّب نحوه، وقال ابن إسحاق: "لما أُسند رسولُ الله ﷺ في الشِّعب أدركه أُبيُّ بن خَلَف، وهو يقول: لا نجوتُ إن نجوتَ، فقال القومُ: يا رسولَ الله، يَعطِفُ عليه رجلٌ منَّا؟ فقال رسول الله ﷺ : "دَعُوه"، فلما دنا منه، تناول رسولُ الله ﷺ الحربةَ من الحارثِ بنِ الصِّمَّة، فقال بعضُ القوم -كما ذُكر لي-، فلما أخَذَها رسولُ الله ﷺ انتَفَض انتفاضةً تطايرنا عنه تطايرُ الشُّعْر (٢) عن ظَهر البعير إذا انتفضه، ثم استقبله رسولُ الله ﷺ ، فطَعَنه في عُنقه طَعنةً تدأدأ منها (٣) مرارًا" (٤). ° "لما رجع إلى قومه، وقد خَدَشه الرسولُ ﷺ بالحَربة خَدْشًا غيرَ كبير، قال: قتلني واللهِ محمد، قالوا له: ذهب واللهِ فؤادك، واللهِ ما بك من بأس قال: إنه قد كان قال بمكة: "أنا أقتُلك"، فواللهِ، لو بَصَق عليَّ لَقَتلني. فكان هذا الشقيُّ هو الوحيدَ الذي قتله رسولُ الله ﷺ بيده

стр. 257

الكريمة" (١). فكان جزاؤُه من جنسِ قوله للرسول ﷺ بمكة. ° قال حسان: لَقَدْ وَرِثَ الضلَالَةَ عَنْ أَبيه … أُبيٌ يَوْمَ بَارَزَهُ الرسولُ أَتَيْتَ إِلَيْهِ تَحْمِلُ رِمَّ عَظَمٍ … وتُوعِدُهُ وَأَنْتَ بِهِ جَهُولُ ° وقال أيضًا: ألَا مَنْ مُبلِغٍ عَنِّي أُبيًّا … فَقَدْ أُلْقِيتَ فِي سُحْقِ السَّعيرِ تمَنَّى بِالضَّلَالَةِ مِنْ بَعِيد … وَتُقْسِمُ إِنْ قَدَرْتَ مَعَ النُّذُورِ تمنِّيكَ الأمَانِيَ مِنْ بَعِيد … وَقَوْلُ الكُفْرِ يَرْجِعُ فِي عُرُورِ فَقَد لَاقَتْكَ طَعْنَةُ ذِي حِفَاظ (٢) … كَرِيم الْبَيْتِ لَيْسَ بِذِي فُجُورِ لَهْ فَضْلٌ عَلَى الأحْيَاءِ طُرًّا … إِذَا نَابَتْ مَلمَّاتُ الأمُوُرِ ° ولله درُّ أحمد محرم إذْ يقول عن أُبيٍّ ومَقتله: دَلَفوا إليه، وظنَّ أكذبُهم مُنًى … أنْ قدْ سَقَتْهُ يداه كأسَ حِمَامِهِ أكذاك ينخَدِعُ الغَبِيُّ وهكذا … يتخبَّطُ المَفتونُ في أوهامهِ؟ مهلاً أُبَيُّ لقد رَكبْتَ عَظِيمةً … وأردتَ صَرْحًا لستَ من هُدَّامِهِ صَرحٌ بناهُ اللهُ أوَّلَ ما بَنَى … وأطالَ من عِرْنِينِهِ وسنامِهِ لا يَبلغُ البَاني ذُراهُ، ولا يُرَى … في الداعِمِين بناؤه كدِعامِهِ أقدِمْ فخُذْها طعنةً من باسلٍ … يغتالُ عَزْمَ الليثِ في إِقدامِهِ

стр. 258

تلك المنيَّةُ يا أُبَيُّ سُقِيتَها … فانظر إلى السَّاقي وروعة جامِهِ (١) خَذشٌ كَوَقع الظُّفْرِ، أَوْ هو دونَه … لِمَ تشتكي وتَضِجُّ من آلامِهِ؟ أُأُبَيّ أين العُودُ والعَلَفُ الذي … أَعْدَتَّه، وجعلتَهُ لطعاِمِهِ؟ اذهبْ لك الويلاتُ من مُتَمَرِّد … عادى الإلهَ ولجَّ في آثامِهِ (٢) * * * * عبد الله بن قَمِئَة -لعنه الله - رامِي وَجْنَتَيْ رسولِ الله ﷺ .. أَقمأهُ الله ولعنه: ° عن ابن عباس ﵁ قال: "اشتدَّ غضبُ الله على مَن دَمَّى وجهَ رسول الله ﷺ " (٣). ° قال ابن حجر: "ومجموعُ ما ذكر في الأخبار أنه شُجَّ وجهُه ﷺ ، وكُسرت رَبَاعِيَتُه، وجُرحت وَجْنَتُه، وشَفَتُه السُّفلى من باطنِها، ووهى مَنكِبه من ضربةِ ابنِ قمئة، وجَحِشت ركبته" (٤). ° وعند ابن هشام (٥) حديث أبي سعيد الخدري ﵁: "أن عبد الله بن قَمِئة جَرَحه -أي الرسولَ- ﷺ في وَجَنتِه، فدخلت حَلْقتانِ من حِلَقِ المِغْفَرِ (٦)

стр. 259

في وَجنته ﷺ ". ° قال الواقدي (١): "والثابثُ عندنا أن الذي رَمَى في وَجْنَتَيْ رسول الله ﷺ ابنُ قمئة، والذي رمى في شَفته وأصاب رَباعِيَتَه عتبةُ بنُ أبي وقاص" (٢). ° وروى ابنُ جرير في "تاريخه" (٣) عن السُّدِّيِّ قال: "أتى ابنُ قمئة الحارثيُّ، فرمى رسولَ الله ﷺ بحَجَر، فكَسَر أنفَه ورَبَاعِيَتَه، وشجَّه في وجهه فأثقله". * فَمَاذَا كَانَ جَزَاء هَذَا الشَّقي؟!: • قال عبدُ الرحمن بنُ زيدِ بن جابر: "إن الذي رَمى رسولَ الله ﷺ بأُحد، فجَرَحه في وجهه، قال: خُذْها مني وأنا ابنُ قمئة، فقال: "أقمأك الله"، فانصرف إلى أهله، فخرج إلى غَنَمه، فوافاها على ذُروةِ جبل، فدخل فيها، فشدَّ عليه تَيسُها، فنَطحه نطحةً أرداه من شاهقِ الجبل فتقطع". • وفي الطبراني، من حديث أبي أمامة قال: "رمى عبدُ الله بنُ قمئةَ رسولَ الله ﷺ يوم أحد، فشَجَّ وجهَه، وكَسَر رَباعيَتَه، فقال: خُذْها وأنا ابنُ قمئة، فقال رسولُ الله- ﷺ ، وهو يمسح الدمَ عن وجهه: "ما لك، أقمأك الله". فسلَّط الله عليه تَيْسَ جبلٍ، فلم يزل ينطحُه حتى قَطَّعه قِطعةً قطعةً". فانظر -رحمك الله-، لم يرسِل الله إلى ابن قمئة مَلَكًا؛

стр. 260

لينتقمَ لنبيِّه ﷺ ، وإنما سَلَّط عليه تيسًا قطَّعه، وألقاه من فوقِ الجبل، لهوانه على الله!!. يا لَذُل قَزْمٍ تَطاول على النبي ﷺ ، وشَجَّ وجهَه، فأخزاه الله، وقَطعه تَيسٌ، وتردَّى من فوق الجبل إلى الهاوية، ليُخزَى في الدنيا والآخرة. * عُتبةُ بن أبي وقاص -لعنه الله-، رامي شَفَةِ النبي ﷺ وكاسرُ رَباعيته: ° قال ابنُ إسحاق: "انكشف المسلمون -يومَ أُحُد -، وأصاب منهم العدوُّ، وكان يومَ بلاءٍ وتمحيص، أكرَمَ اللهُ فيه مَن أكرَمَ بالشهادة، حتى خَلَص العدوُّ إلى رسول الله ﷺ ، فدُثَّ (١) بالحجارة حتى وقع لِشِقِّه، فأُصيبت رَباعِيته، وشُجَ في وجهه، وكُلِمَت شَفَتُه، وكان الذي أصابه عُتبة ابن أبي وقاص" (٢). • عن أنسِ بنِ مالكٍ أن رسولَ اللهِ ﷺ كُسِرت رَباعِيَتُه يومَ أُحُد، وشُجَّ في رأسه، فجعل يَسْلُتُ الدمَ عنه ويقول: "كيف يُفلِحُ قومٌ شجُّوا نبيَّهم وكسَروا رَباعيتَه وهو يدعوهم إلى الله؟! "، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] (٣). ° وعند ابن هشام (٤) من حديث أبي سعيد، أن عتبة بن أبي وقاصٍ رَمَى

стр. 261

رسول الله ﷺ فكَسَر رَباعيتَه اليُمنى السُّفْلى، وجرَح شَفَته السُّفْلى، وأن عبد الله ابن شهاب الزّهريَّ شجَّه في جبهته، وأن عبد الله بن قمئة جَرَح وَجْنَتَه. ° وتقدم قولُ الواقدي: "إن الذي رمى شَفَة رسول الله ﷺ وأصاب رباعِيَتَه هو عُتبةُ بن أبي وقاص". ° وروى ابن إسحاق (١) بسنده عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: ما حَرَصْتُ على قتل أحدٍ قطُّ ما حَرَصتُ على قتْل عُتبةَ بن أبي وقاص، وإنْ كان ما عَلِمتُ لَسَيّءَ الخلُق، مبَغَّضًا في قومهِ، ولقد كفاني فيه قولُ رسول الله ﷺ : "اشتدَّ غضبُ الله على مَن دَمَّى وجهَ رسوله". ° وروى عبد الرزاق (٢) بسنده عن مِقسَمٍ أن رسول الله ﷺ دعَا على عُتبةَ بنِ أبي وقاص يومَ أُحُد حين كَسَر رَباعِيَته ودَمَّى وجهَه، فقال: "اللهمَّ لا تُحِل عليه الحولَ حتى يموتَ كافرًا" .. فما حال عليه الحولُ حتى مات كافرًا إلى النار (٣). * عدوُّ الله ورسولِه عُقْبة بن أبي مُعَيْط -لعنه الله -: ° قال السيوطي في "الدر المنثور": "أخرج ابن مردويه، وأبو نعيم في "الدلائل"، بسند صحيح، من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن أبا مُعَيط (٤) كان يَجلِسُ مع النبي- ﷺ بمكةَ لا يُؤذيه (٥)، وكان رجلاً حليمًا،

стр. 262

وكان بقيَّةُ قريشٍ إذا جَلَسوا آذَوْه، وكان لأبي مُعيطٍ خليلٌ غائبٌ عنه بالشام، فقالت قريشٌ: صَبَأَ أبو مُعَيط. وقدِم خليلُه من الشام ليلاً، فقال لامرأتِه: ما فَعَل محمدٌ مما كان عليه؟ فقالت: أشدُّ مما كان أمرًا. فقال،: ما فَعَل خليلي أبو مُعَيط؟ فقالت: صبَأ. فبات بليلةِ سَوءٍ، فلما أصبَح أتاه أبو مُعَيط فحَيَّاه، فلم يرُدَّ عليه التحيةَ، فقال: ما لكَ لا تَرُدُّ علي تحيتي؟ فقال: كيف أَرُدُّ عليك تحيتَك وقد صَبَوتَ؟ قال: أَوَ قَدْ فَعَلَتْها قريش؟ قال؟ نعم. قال: فما يُبرئُ صُدورَهم إِنْ أنا فعلتُ؟ قال: تأتيه في مَجلِسِه فتبزُقُ في وجهه، وتشتُمُه بأخبثِ ما تعلمُ من الشَّتْم. ففعل، فلم يَزد النبيُّ ﷺ على أن مَسَح وجهه من البُزاق، ثم التفت إليه فقال: "إنْ وَجَدْتُك خارجًا من جبال مكة أضرب عُنُقَك صبْرًا". فلمَّا كان يومُ بدرٍ وخَرَج أصحابُه، أبى أن يخرجَ، فقال له أصحابه: اخرجْ معنا. قال: قد وَعَدَني هذا الرجل إن وَجَدَني خارجًا من جبال مكةَ أن يضربَ عُنُقي صبرًا (١). فقالوا: لك جَمَلٌ أحمرُ لا يُدرَك، فلو كانتِ الهزيمةُ طِرْتَ عليه، فخرج معهم، فلما هَزَم اللهُ المشركين، وَحَل (٢) به جَمَلُه في جَدَدٍ (٣) من الأرض، فأخذه رسولُ الله ﷺ أسيرًا في سبعينَ مِن قُرَيْش، وقدِم إليه أبو مُعَيط، فقال: أتقتلُني مِن بين هؤلاء؟ قال: "نعم، بما بزَقْتَ في وَجْهي"، فأنزل الله في أبي مُعَيْط: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾، هو، إلى قوله: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ

стр. 263

خَذولاً﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩] " (١). ° انظر إلى هذا الشقيِّ الذي آذى رسولَ الله ﷺ وانفرَدَ بما لم يفعْله أحدٌ، ووضع رِجلَه على عُنق أطهرِ الخلقِ رسول الله ﷺ ، فقُطعت عنقُه جزاءً وفاقًا: • عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "بينا النبي ﷺ ساجد وحولَه ناسٌ من قريشٍ جاء عقبةُ بنُ أبي مُعَيْط بِسَلَى جزورٍ، فقَذَفه على ظَهرِ النبي ﷺ ، فلم يَرَفعْ رأسَه، فجاءت فاطمةُ ﵍، فأخذَتْه عن ظهره، ودَعَتْ على من صَنع، فقال النبي ﷺ : "اللهمَّ عليك الملأَ مِن قريش: أبا جهل بن هشام، وعُتبةَ بنِ ربيعة، وشَيبةَ بن ربيعة، وأميةَ بنِ خَلف -أوْ أبي بن خلف-" -شعبةُ الشاكُّ-، فرأيتُهم قُتِلوا يوم بدر، فألُقوا في بئرٍ، غيرَ أميَّةَ بنِ خَلَف أو أبيٍّ، تَقطَّعت أوصالُه فلم يُلقَ في البئر" (٢). • وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "بينما رسولُ الله ﷺ قائم يصلي عند الكعبة، وجَمْعٌ من قريشٍ في مجالسهم إذْ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي؟ أيُكُم يقومُ إلى جَزور آلِ فلان، فيَعْمِدَ إلى فَرْثها ودَمِها وسلاها، فيجيءَ به، ثم يُمهِلَه حتى إذا سَجد وضعه بين كتفيْه؟! فانبعث أشقاهم (٣)، فلما سجد رسولُ الله ﷺ وَضَعه بين كتفيه، وثَبَت النبيُّ ﷺ ساجدًا، فضَحِكوا حتى مال بعضهم إلى بعضٍ من الضحك.

стр. 264

فانطلق منطلق إلى فاطمة ﵍ -وهي جُوَيْرية- فأقبلت تسعى، وثَبَت النبي- ﷺ حتى ألقته عنه، وأقبلَتْ عليهم تَسُبُّهم. فلما قَضَى رسولُ الله ﷺ الصلاة قال: "اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش". ثم سمَّى: "اللهم عليك بعمرِو بن هشام وعتبةَ بنِ ربيعة وشيبةَ ابنِ ربيعة والوليد بنِ عتبة وأميةَ بنِ خَلَف وعَقبةَ بنِ أبي مُعيط وعُمارةَ بنِ الوليد"، قال عبد الله بن مسعود ﵁: فواللهِ لقد رأيتُهم صَرعَى يومَ بدر، ثم سُحبوا إلى القليب (١) -قليب بدرٍ- ثم قال رسول الله ﷺ : "وأُتبع أصحابُ القليب لعنة" (٢). وقد بيَّنَتِ الروياتُ الصحيحةُ الأخرى أن الذي رَمى الفَرْثَ عليه هو عقبةُ بنُ أبي مُعَيط، وأن الذي حَرَّضه هو أبو جهل (٣). • وعن عروةَ بن الزبير قال: "سألتُ ابنَ عمرِو بنِ العاص (٤): "أخبرْني بأشدِّ شيء صَنَعه المشركون بالنبي ﷺ . قال: بينا النبي- ﷺ يصلِّي في حِجْر الكَعبة، إذْ أقبل عُقبةُ بنُ أبي مُعيطٍ، فوَضَع ثوبه في عنقِه، فخنقَه خنْقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بِمَنكِبِه ودَفَعه عن النبي ﷺ ، قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨] " (٥).

стр. 265

• ولفظُ ابن حِبَّان: عن محمد بن عمرو عن أبي سَلمة: حَدَّثَني عمرُو ابنُ العاص: "ما رأيتُ قريشًا أرادوا قتلَ رسول الله ﷺ إلاَّ يومًا أغرَوا به -وَهم في ظِلِّ الكعبة جلوس، وهو يُصلِّي عند المقام-، فقام إليه عقبةُ، فجعل رِداءَه في عُنقه، ثم جَذَبه حتى وَجَب (١) لركبتَيْهِ، وتصايَحَ الناسُ، وظنُّوا أنه مقتول، وأقبل أبو بكرٍ يشتدُّ حتى أخذ بضَبغ (٢) رسولِ الله ﷺ منَ ورائه وهو يقول: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾؟ ثم انصرفوا عنه، فلما قضى صلاته مرَّ بهم فقال: "والذي نفسي بيده ما أُرسلتُ إليكم إلاَّ بالذَّبح"، فقال له أبو جهل: يا محمدُ، ما كنتَ جهولاً، فقال: "أنَتَ منهم" (٣). ° قال ابنُ إسحاق (٤) في أسرى بدر، وعن عقبةَ بن أبي معيط، وكيف قُتل صبرًا: "قال عقبةُ -حين أَمر رسول الله ﷺ بقتله-: فمَن للصِّبيةِ يا محمد؟ قال: "النار"، وكان الذي قَتَله عاصمُ بنُ ثابت بن أبي الأقلح"، وكذا قال موسى بنُ عقبة في "مغازيه" (٥). ° ولما أَقبل إليه عاصمُ بنُ ثابت، قال: "يا معشرَ قريش، علامَ أُقتل مِنْ بين مَنْ هنا؟ قالوا: على عداوتِك للهِ ورسوله".

стр. 266

• وقال حَمَّادُ بنُ سَلمة (١)، عن عطاءِ بنِ السائب، عن الشعبيِّ قال: "لما أَمَر النبيُّ ﷺ بقتل عُقبةَ قال: أتقتلُني يا محمد، من بين قريشٍ؟ قال: "نعم، أتدرون ما صَنَع هذا بي، جاء وأنا ساجدٌ خَلفَ القام، فوضع رِجلَه على عُنقي وغَمَزها، فما رفعها حتى ظننتُ أن عينيَّ ستندرانِ، وجاء مرةً أخرى بسَلا شاةٍ، فألقاه على رأسي وأنا ساجد، فجاءت فاطمةُ فغسلته عن رأسي". ° قال ابنُ هشام (٢): "ويُقالُ: بل قَتل عقبةَ عليُّ بنُ أبي طالب، فيما ذكره الزهريُّ وغيرُه من أهل العلم" (٣). وكان قَتلُ هذا الشقيِّ اللعين بعِرْقِ الظُّبية (٤). وذهب عقبةُ إلى مَزبلةِ التاريخ، وأُطيح بعُنقه جزاءَ كفرِه وعنادِه وحَسَدِه للإِسلام ورسوله ﷺ . * النَّضْر بن الحارث -لعنه الله -: ° قال ابنُ إسحاق بعد موقعة بدر: "حتى إذا كان رسولُ الله ﷺ بالصَّفْراء قُتِل النَّضْرُ بنُ الحارث، قتله علي بنُ أبي طالب، كما أخبرني بعضُ أهل العلم من أهل مكة، ثم خَرَج حتى إذا كان بعِرْقِ الظُّبية قُتل عقبة ابن أبي معيط" (٥).

стр. 267

° قال الحافظ ابن كثير: "قلت: كان هذان الرجلان (١) من شرِّ عباد الله، وأكثرِهم كفرًا وعنادًا، وبغْيًا وحسدًا، وهجاءً للإِسلام، وأهله لعنهما الله، وقد فعل" (٢). * عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة -لعنهم الله -: ° عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: "نَزَلت ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]، في سِتةٍ من قريش: عليٍّ وحمزةَ وعُبيدةَ بن الحارث، وشَيبةَ بنِ ربيعة وعتبة بنِ ربيعة والوليد بن عتبة" (٣). * وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]. ° قال مجاهد: "عتبة بنُ ربيعة من مكة، وابن عَبد ياليلَ الثقفي من

стр. 268

الطائف" (١). ° وروى الإمام عبدُ بن حُميد في "مسنده" عن جابر بن عبد الله قال: "اجتمعت قريشٌ يومًا، فقالوا: انظروا أعلمَكم بالسِّحر والكهانة والشِّعر، فليأتِ هذا الرجلَ الذي فرَّق جماعتَنا، وشتَّت أمرَنا، وعاب دينَنا، فليُكَلِّمْه، ولْينظرْ ماذا يردُّ عليه؟ فقالوا: ما نعلمُ أحدًا غيرَ عتبةَ بنِ ربيعة، فقالوا: أنت يا أبا الوليد، فأتاه عتبةُ فقال: يا محمدُ، أنت خيرٌ أم عبد الله؟ فسكت رسولُ الله ﷺ . قال: فإنْ كنتَ تزعمُ أنَّ هؤلاء خير مِنك، فقد عَبَدوا الآلهةَ التي عِبتَ، وإن كنتَ تزعمُ أنك خيرٌ منهم فتكلَّم حتى يُسمعَ قولك، إنا واللهِ ما رأينا سَخلةً (٢) قطُّ أشأمَ على قومه منك، فرَّقت جماعتَنا، وشَتَّت أمرَنا، وعبتَ دينَنا، وفضحتَنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرًا، وأن في قريش كاهِنًا، واللهِ ما ننتظرُ إلاَّ مِثلَ صيحةِ الحُبلى أن يقومَ بعضُنا إلى بعضٍ بالسيوف حتى نتفانَى .. أيها الرجل، إِن كان إنما بك الحاجةُ جَمَعْنا لك حتى تكونَ أغنى قريشٍ رجلاً، وإن كان إنما بك الباهُ (٣) فاختر أيَّ نساءِ قريشٍ شئتَ فَلنُزَوِّجك عَشْرًا، فقال رسول الله- ﷺ : "فرغتَ؟ ". قال: نعم! فقال رسول الله ﷺ : "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ إلى أن بلغ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١ - ١٣]. فقال عتبة: حسبُك، ما عندك غيرُ هذا؟ قال: "لا". فرجع إلى قريش ٍ، فقالوا: ما وراءك؟ قال. ما تركت شيئًا أرى أنكم

стр. 269

تكلِّمونه إلاَّ كلَّمتُه. قالوا: فهل أجابك؟ فقال: نعم!. ثم قال: لا والذي نَصَبَها بِنْيةً ما فهمتُ شيئًا ممَّا قال غير أنه أنذركم صاعقةً مثل صاعقة عادٍ وثمود. قالوا: ويلك! يكلِّمك الرجلُ بالعربية لا تدري ما قال؟ قال: لا واللهِ ما فهمت شيئًا مما قال غير ذِكر الصاعقة". ° وقد رواه البيهقي وغيره عن الحاكم، وزاد: "وإن كنت إنما بك الرياسةُ عَقَدْنا ألويتَنا لك، فكنت رأسًا ما بقيت". ° وعنده أنه لما قال: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَاد وَثَمُودَ﴾ أمسَك عقبةُ على فِيه وناشده الرحم أَنْ يكفَّ عنه، ولم يخرج إلى أهله واحتبس عنهم، فقال أبو جهل: "والله يا معشرَ قريشٍ ما نرى عتبةَ إلاَّ صبأ إلى محمدٍ وأعجبه طعامُه، وما ذاك إلاَّ من حاجةٍ أصابَتْه، انطلِقوا بنا فأتُوه .. فقال أبو جهل: "واللهِ يا عتبة ما جِئنا إلاَّ أنك صَبَوْت إلى محمدٍ وأعجبك أمره، فإنْ كان بك حاجة جَمَعنا لك مِن أموالنا ما يُغنيك عن طعامٍ محمد، فغَضِبَ وأقسم باللهِ لا يُكلِّمُ محمدًا أبدًا. وقال: لقد عَلِمتم أني من أكثرِ قريشٍ مالاً، ولكني أتيته -وقصَّ عليهم القصة-، فأجابني بشيءٍ واللهِ ما هو بسِحر ولا بشِعر ولا كِهانة، قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حتى بلغ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١ - ١٣]. فأمسكتُ بفِيهِ، وناشدتُه الرحم أن يَكُفًّ، وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يَكذِب، فخِفتُ أن ينزل بكم العذاب" (١).

стр. 270

° وكان عتبةُ وولدُه الوليد، وشيبةُ أخوه ألدَّ أعداءِ النبي ﷺ ، وقد دعا عليهم النبيُّ ﷺ بأسمائهم لما آذَوْه، فكان لهم خِزيُ الدنيا والآخرة، وكان ثَلاثتهم أولَ مَن قُتِل مبارزةً في غزوة "بدر"، وسُحبوا إلى قليب بدرٍ وأُمِّهمُ الهاوية. ° وفي أولِ الموقعة أراد عُتبة بنُ ربيعة أن يُظهرَ شجاعتَه، فبَرَز بين أخيه شَيبةَ وابنِه الوليد، فلمَّا توسَّطوا بين الطرفيْن، دَعَوْا إلى البِراز، فخرج إليهم فتيةٌ من الأنصار ثلاثة، وهم عَوْف ومُعَوِّذ ابن الحارث -وأمهما عفرَاء-، والثالث عبد الله بن رواحة، فقالوا: مَن أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار. فقالوا: ما لنا بكم من حاجة. وفي رواية: فقالوا: أَكْفَاءٌ كرام، ولكن أخرِجوا إلينا بني عَمِّنا، ونادى مناديهم: يا محمد، أخرجْ إلينا أكْفاءنا من قومنا. فقال النبي- ﷺ : "قم يا عُببدة بن الحارث، قم يا حمزة، وقم يا علي". فبارز عُبيدةُ -وكان أسنَّ القوم- عتبةَ، وبارز حمزةُ شيبةَ، وبارز عليٌّ الوليدَ ابن عتبة. فأما حمزة فلم يُمهل شيبة أنْ قَتَله، وأمَّا علي، فلم يُمهِل الوليد أن قتله، واختلف عُبيدة وعُتبة بينهما ضَرْبتيْن، وكَرَّ حمزةُ وعليٌّ بأَسيافهما على عتبة، فذفَّفا (١) عليه، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه ﵃ (٢). فكُبَّ أبو جهلٍ صريعًا لوجهه … وعتبةُ قد غادرتْه وهو عاثِرُ وشيبة والتْيميَّ غادرت في الوغى … وما منهما إلا بذي العرش كافرُ فأمسَوا وقودَ النار في مستقرِّها … وكلُّ كفورٍ في جهنمَ صائرُ

стр. 271

° ولله درُّ حسَّان وهو يقول: قتلنا أبا جهل وعتبةَ قبله … وشيبةُ يكبو لليدْين وللنَّحْرِ ° وقال حسّان أيضًا: قتَلنا ابنيْ ربيعةَ يوم سارَا … إلينا في مضاعَفةِ الحديد ° ولله در القائل: ستبلغُ عنَّا أهل مكة وقعةٌ … يَهُبُّ لها من كان عن ذاك نائيا بعتبةَ إذْ ولَّى وشيبهْ بَعدَه … وما كان فيها بِكرُ (١) عتبة راضيا لقيناهم كالأُسْد تخطِرُ بالقنا … نُقاتل في الرحمن مَن كان عاصيا فما بَرِحتْ أقدامُنا من مَقَامِنا … ثَلاثتنا حتى أُزِيروا (٢) المنائيا * أُمَيَّة بن خلف لعنه الله: نَقَل السُّهيلي في "الروض الأُنُف" أن عدوَّ الله أُميةَ بنَ خَلَف بَصَق في وجهِ النبي ﷺ (٣)، وكان هذا اللعينُ الذي سَبَقت له الشِّقوةُ من ربِّه أحدَ النَّفر الذين دعا عليهم النبي- ﷺ لما وضعوا فَرْثَ الجزورِ ودَمَها وسَلاها بين كتفَيِ النبيِّ ﷺ وهو ساجد، وضحِكوا حتى مال بعضُهم على بعضٍ من الضَحك. • عن عبد الله بن مسعود ﵁ حَدَّث عن سعدِ بنِ معاذ أنه كان صَديقًا لأُميَّةَ بن خَلَفٍ، وكان أُمَيَّةُ إذا مَرَّ بالمدينة نزل على سعدِ بنِ معاذٍ،

стр. 272

وكان سعدٌ إذا مَر بمكة نزل على أُميَّة، فلما قَدم رسولُ الله ﷺ المدينة، انطلق سعدُ بنُ معاذٍ معتمِرًا، فنزل على أُمَيَّة بمكةَ، فقال لأُمية: انظرْ لي ساعةَ خَلْوة؛ لعَلِّي أطوفُ بالبيت، فخرج به قريبًا من نصفِ النهار، فلَقِيَهما أبو جهل، فقال: يا أبا صفوان، مَن هذا معك؟ قال: هذا سعد. قال له أبو جهل: ألَا أَراك تطوفُ بمكةَ آمِنًا، وقد آويتم الصُّباةَ (١)، وزعمتم أنكم تنصرونهم وتُعينُونهم! أمَا واللهِ، لولا أنك مع أبي صفوانَ ما رَجَعتَ إلى أهلك سالمًا. فقال له سعد -ورفع صوتَه عليه-: أمَا والله، لئن مَنَعْتني هذا، لأمنعنَّك ما هو أشَدُّ عليك منه؛ طريقَك على المدينة. فقال له أُمَيَّةُ: لا ترفعْ صوتَكَ يا سعدُ - على أبي الحكم، فإنه سيِّدُ أهل الوادي، قال سعد: دَعْنا عنك يا أمية، فواللهِ لقد سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنهم قاتلوك". قال: بمكة؟ قال: لا أدري. ففزع لذلك أُمَيَّةُ فزغا شديدًا، فلما رجع إلى أهله قال: يا أُمَ صفوان، أَلَمْ تَرَيْ ما قال سعد؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زَعَم أن محمدًا أخْبَرَهم أَنَّهم قاتِليَّ، فقالتُ له: بمكة؟ قال: لا أدري. فقال أُمَيَّةُ: والله لا أخرجُ من مكة، فلما كان يومُ بدرٍ، استَنْفَرَ أبو جهل الناس، فقال: أدرِكوا عِيرَكم. فكَرِه أميةُ أن يخرج، فأتاه أبو جهلٍ، فقال: يا أبا صفوان، إنك متى يراك الناس قد تخلَّفتَ وأنت سيِّدُ أهل الوادي، تخلَّفوا معك. فلم يَزَل به أبو جهل حتى قال. أَمَّا إذ غَلَبتَني، فواللهِ لأشتريَن أجْوَدَ بعيرٍ بمكة، ثم قال أميةُ: يا أمَّ صفوان، جَهِّزيني. فقالت له: يا أبا صفوان، وقد نَسِيتَ ما قال لك أخوك اليثربيُ؟ قال: لا، وما أريدُ أن أجوزَ معهم إلاَّ

стр. 273

قريبًا، فلمَّا خرج أميةُ، أخذ لا ينزلُ منزلاً إلاَّ عَقَل بعيرَهُ، فلم يزل كذلك حتى قَتَله الله ببدر" (١). ° وعند أحمد: "قالت له امرأته: واللهِ إن محمدًا لا يَكذِب". • وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: "كاتَبْتُ أُميةَ بنَ خلفٍ كتابًا بأن يَحْفَظَني في صاغيتي (٢) بمكة، وأحفَظَه في صاغِيَتِه بالدينة، فلمَّا ذكرتُ "الرحمن" قال: لا أعرفُ "الرحمن"، كاتِبْني باسمك الذي كان في الجاهلية. فكاتبته "عبدَ عمرو"، فلمَّا كان يومُ بدرٍ، خرجتُ إلى جبلٍ لأُحرِزَه حين نام الناس، فأبصرَه بلالٌ، فخرج حتى وقف على مجلسٍ من الأنصار فقال: أُمَيَّةُ بن خلف؟! لا نجوتُ إِنْ نجا أمية، فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا، فلمَّا خَشِيتُ أن يلْحَقُونا، خَلَّفتُ لهم ابنَه لأشغَلَهم، فقتلوه، ثم أَتَوْا حتى تَبِعُونا، وكان رجلاً ثقيلاً، فلمَّا أدركونا قلتُ له: ابْرُك. فبَرَك، فألقيتُ عليه نَفْسي لأَمنَعَه، فتخلَّلوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه، وأصاب أحدُهم رِجلي بسيفه. فكان عبد الرحمن بن عوف يُرِينا ذلك الأثَرَ في ظَهرِ قدمه" (٣). * العاصُ بن وائل - لعنه الله -: وهذا رأس من رؤوس الكفر، المستهزئين برسول الله ﷺ والقرآن: ° عن خبَّابٍ ﵁ قال: "كنت قَيْنًا في الجاهلية، وكان لي على

стр. 274

العاصِ بنِ وائل دَيْنٌ، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا أُعطِيك حتى تكفرَ بمحمد، فقلت: لا أكفر حتى يميتَك اللهُ، ثم تُبعث. قال: دَعنِي حتى أموتَ وأُبعثَ، فسأُوتى مالاً وولداً فأقضيَك، فنزلت: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨] " (١). ° وعن سعبد بن جُبير، عن ابن عباس ﷺ قال: "إن العاص بن وائل أخذ عَظْمًا من البطحاء ففتَّه بيدِه، ثم قال لرسول الله ﷺ : أيُحيي اللهُ هذا بعد ما رُمَّ؟!، فقال رسول الله ﷺ : "نعم يُميتُك اللهُ، ثم يُحييك، ثم يُدخِلُك جهنَم". قال: ونزلت الآيات من آخر "يس" .. " (٢). مرج هذا اللعينُ العاص على حمار له يريدُ الطائف، فربض به على شِبرقة، فدخلت في أخمصِ رِجله شوكةٌ فقتلته. * عمارة بن الوليد بن المغيرة: ° قال الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية": "عمارةُ بنُ الوليد بن المغيرة هو أحدُ السّبَعةِ الذين دعا عليهم رسولُ الله ﷺ حين تضاحَكوا يوم وَضْع سَلا الجزورِ على ظَهره ﷺ وهو ساجد عند الكعبة، والمقصودُ أنهما

стр. 275

حين خرجا (١) من مكةَ كانت زوجة عمرو معه، وعمارةُ كان شابًّا حَسَنًا، فاصطحبا في السَّفينة، وكان عمارةُ طَمِعَ في امرأةِ عمرِو بنِ العاص، فألقى عَمْرًا في البحر ليُهلِكَه، فسَبَح حتى رجَع إليها. فقال له عمارةُ: لو أعلمُ أنك تُحسِنُ السباحةَ لَمَا ألقيتُك، فحَقَد عمرٌو عليه، فلمَّا لم يُقضَ لهما حاجةٌ في المهاجرين من النجاشي، وكان عمارةُ قد توصَّل إلى بعضِ أهل النجاشي فوَشَى به عمرو، فأمر به النجاشي، فسُحر حتى ذهب عقلُه وساح في البرِّيَّة مع الوحوش. وقد ذكر الأمويُّ قصةً مطوَّلةً جدًّا، وأنه عاش إلى زمنِ إمارةِ عمرَ بنِ الخطاب، وأنه تقصَّده بعضُ الصحابة وأمسكه، فجعل يقول: أرسِلْني وإلاَّ مت. فلمَّا لم يُرسِلْه مات من ساعته؛ فالله أعلم" (٢). ° وقبلها ذَكَر ابن كثير أن عمرًا قال للنجاشي: "إنك إذا خرجتَ خَلَفَك عمارةُ في أهلك، فدعا النجاشيُّ بعمارة، فنَفَخ في إحليلِه فطار مع الوحش" (٣). * الأخنسُ بنُ شَريق: مَرَّ بنا قصَّتُه هو وأبي جهل وأبي سفيانَ واستماعهم لقراءةِ النبي ﷺ ليلاً ثلاثة أيامٍ، وعِلمُه بصِدقِ النبيِّ ﷺ ، ثم بعد هذا إصرارُه على الكفر

стр. 276

حتى أنزل الله فيه قرآنًا يتلى، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٠ - ١٦] ". ° قال ابنُ جرير االطبري: " ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾: ولا تُطع يا محمدُ كلَّ ذِي إكثارٍ للحَلِفِ بالباطل، ﴿مَّهِينٍ﴾، وهو الضعيف. ° قال ابن عباس ﷺ : والمهين: الكذاب. إذا وُصِف بالمهانة، فإنه إنما وُصِف بها لمهانة نفسِه عليه، وكذلك صِفةُ الكذوب، إنما يكذبُ لمهانةِ نفسِه. ﴿هَمَّازٍ﴾: مغتابٍ للناس يأكلُ لحومهم. ﴿مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾: مشَّاءٍ بحديثِ الناسِ بعضِهم في بعضٍ، ينقلُ حديثَ بعضِهم إلى بعضٍ، كما قال قتادة. وقال ابن عباس ﷺ : يَمشي بالكذب. ﴿مَنَّاعٍ للْخَيْرِ﴾: بَخيلٍ بالمال، ضَنينٍ به عن الحقوق. ﴿مُعْتَدٍ﴾: مُعْتدٍ على الناس، ﴿أَثِيه﴾ أثيم بربِّه .. كما قال قتادة. ﴿عُتُل﴾: العُتُلُّ: الجافي الشديد في كفره. ° قال ابن عباس: "العاتل: الشديدُ المنافق". ° وقال مجاهد: "شديد الأَشَر" (١).

стр. 277

﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيِم﴾. ° قال الحسن وقتادة: "هو الفاحشُ اللئيم الضريبة". ° وقال عكرمة: "الكافر اللئيم". ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾: معنى "بَعْدَ": مع. ﴿زَنِيمٍ﴾: والزنيم في كلام العرب: الملْصَق بالقوم وليس منهم .. زنيم ليس يُعرف من أبوهُ … بَغيُّ الأمِّ ذو حَسَبٍ لئيم ° قال ابن عباس: "الزنيم: الدَّعِيُّ"، وهو قول عكرمة. ° يُقال: "هو الأخنسُ بن شَريق الثقفي حليف بني زُهرة". ° وقال سعيد بن المسيَّب: "المُلْصَق بالقوم ليس منهم". ° وقال سعيدُ بن جبير: "الزنيم: الذي يُعرَف بالشَّرِّ، كما تُعرَف الشاةُ بزَنَمَتِها، المُلْصَق". ° وقال ابن عباس: "المُريب الذي يُعرَفُ بالشر". ° وقال أيضاً: "كانت له زَنَمةٌ في عُنُقِه يُعرَف بها". ° وقال شهرُ بن حَوشب: "هو الجِلْف الجافي، الأكولُ الشَّروب من الحرام". ° وقال عكرمة: "الذي يُعرَف باللؤم، كما تعرَف الشاة بزَنَمَتِها". وهذه خاتمةُ الصفات الذَّميمة الكريهة المتجمِّعة في عدوًّ من أعداء الإِسلام شديد الكيد لرسول الله ﷺ ، كثيرِ الصَّدِّ عن سبيل الله، والوقوفِ في وجه الدعوة.

стр. 278

وما يُعادِى الإسلامَ، ويُصِرُّ على عدواته إلاَّ أُناسٌ من هذا الطراز اللئيم الذميم. وإطلاقُ هذه الصفاتِ تَدعُ هذا الكافرَ مهينًا في قومِه وهو المختالُ الفخور. ﴿أَن كَانَ ذَا مالٍ وَبَنِينَ﴾ قرأ ابن عامر ويعقوب وأبو بكر وأبو جعفر المَدَني وحمزةُ: ﴿أَأَنْ كَانَ ذَا مَالٍ﴾ بالاستفهام بهمزتين .. وفيها تقريعٌ لهذا الحَلاَّف المَهين .. أَلَئنْ كان هذا الحلاَّفُ المهين ذا مالٍ وبنين ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾؟!. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص والكِسائي وخَلَف بهمزة واحدة -على وجه الخَبَر بغير استفهام -، ومعناه: ولا تُطع كل حلاَّفٍ مَهين، أن كان ذا مالٍ وبنين، كأنه نهاه أن يُطيعَه مِن أجل أنه ذو مال وبنين. ﴿إِذَا تتْلَى عَلَيْهِ آيَاتنَا قَالَ أَسَاطير الأَوَّلِينَ﴾: إذا تُقرأ عليه آياتُ كتابنا قال: هذا مِمَّا كَتَبه الأوَّلون، استهزاء به، وإنكارًا منه أن يكون ذلك من عند الله. ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾: ° قال بعضُهم: "سنَخْطِمُه بالسيف، فنجعلُ ذلك علامةً باقيةً وسِمة ثابتةً فيه ما عاش". ° قال ابن عباس ﵁: "قاتَل يوم بدر، فخُطِم بالسيف في القتال". ° وقال آخرون: "سنُشينه شيْنًا باقيًا". ° قال قتادة: "شينٌ لا يُفارقه آخِرَ ما عليه". ° وقال أيضًا: "سنُسِيم على أنفه".

стр. 279

° قال ابن جرير: "وأولى القوليْن بالصواب في تأويل ذلك عندي: قولُ مَن قال: معنى ذلك: سنبينُ أمرَه بيانًا واضحًا، فلا يخفَى عليهم، كما لا تخفى السِّمَةُ على الخرطوم، وقد يَحْتَمِل أيضًا أن يكون خُطِم بالسيف، فجُمع له مع بيانِ عيوبه للناس الخَطْمُ بالسيف" (١). ° وقال الفَرَّاء: "سَنَسمُه سمةَ أهل النار. أي: سنُسَوِّدُ وجهَه" (٢). ° "يجيءُ التهديدُ من الجبَّار القهَّار، يلمسُ في نفسه موضعَ الاختيال والفخرِ بالمال والبنين؛ كما لمس وَصْفُه من قبل موضعَ الاختيال بمكانته ونَسَبِه، وَيسمعُ وَعْدَ الله القاطعَ ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾. والتهيد بوسْمِهِ على الخرطوم يَحوِي نوعيْن من الإِذلال والتحقير. الأوَّلُ: الوسم، كما يوسَمُ العبد. والثاني: جَعْلُ أنفِه خرطومًا، كخرطوم الخنزير. إنها القاصمةُ التي يستأهلُها عدوُّ الإِسلام، وعدوُّ الرسول الكريم صاحبِ الخُلقِ العظيم". ° قال الفخر الرازي: " ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ إن في الآية احتمالاً آخَرَ عندي، وهو أن ذلك الكافرَ إنما بالغ في عداوة الرسول، وفي الطعن في الدين الحق بسبب الأنَفَةِ والحَمِيَّة، فلما كان مَنشأُ هذا الإِنكارِ هو الأنَفَةُ والحميَّةُ، كان مَنْشَأُ عذابِ الآخرة هو هذه الأَنَفَةُ والحميَّة، فعبَّر عن هذا الاختصاص بقوله: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ (٣).

стр. 280

° قال البِقاعي: "لما كان هذا المذكرو قد أغرَقَ في الشر، فتوقَّع السامعُ جزاءَه، قال مُعلِمًا أنه يجعلُ له من الخِزْيَ والفضائح، ما يَصيرُ به شُهرةً بين الخلائق في الدنيا والآخرة: ﴿سَنَسِمُهُ﴾، أي: نجعل ما يَلحق به من العار في الدارين، كالوَسْم الذي لا يَنمحي أثرُه؛ تقول العرب: "وَسَمَه مَيْسَمَ سُوء"، ولما كان الوَسْمُ مُنكِئًا، وكان جَعْلُه في مُوجعٍ لا يُستر أنكأَ، وكان الوجُه أشرفَ ما في الإنسان، وكان أظهرَ ما فيه، وأكرمَهُ الأنف، ولذلك جعلوه مكانَ العزَّ والحميَّة، واشتقُّوا منه الأنَفَة. ﴿عَلَى الْخرْطومِ﴾، أي: الأنف الطويل جميعِه، وما قاربه من الحَنَكين، وَسْمًا مستعليًا عليه بوضوحٍ جدًّا؛ ليكونَ هَتْكه بين الناس، وفضيحةً لقومه، وذلاًّ وعارًا، وكذا كان لَعَمْري له بهذا الذِّكر الشنيع، والذنبِ القبيح من الكفر، وما معه، وسيكونُ له يومَ الجمع الأعظم ما هو أشنعُ من هذا، على أنه حَقَّق في الدنيا هذا الخَطْمَ حِسًّا، بأنه ضُرب يومَ بدر ضربةً خَطمت أنفه" (١). وهكذا جَمَع اللهُ له ذُلَّ الدنيا ومهانتَها وذُلَّ الآخرة .. ولَعذابُ الآخرةِ أشدُّ وأبقى. * الأسودُ بن المطلب بن أسد أبو زَمْعة، والأسودُ بن عبد يغوث، والحارثُ ابن الطُّلاطِلَة -لعنهم الله -: * قال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٥].

стр. 281

° قال القرطبي: "اصدَعْ بما تُؤمر ولا تَخَفْ غيرَ الله؛ فإن الله َ كافيك مَن آذاك كما كفاك المستهزئين؛ وكانوا خمسةً من رؤساءِ أهل مكة، وهم الوليدُ بنُ المغيرة -وهو رأسهم-، والعاصُ بن وائل، والأسودُ بن المطلب بن أسد -أبو زمعة-، والأسودُ بن عبد يغوث، والحارثُ بن الطُّلاطِلة، أهلَكَهم اللهُ جميعًا قبلَ يومِ بدرٍ في يوم واحد، لاستهزائهم برسول الله ﷺ وسببُ هلاكهم -فيما ذَكَر ابن إسحاق-: أن جبريلَ أتى رسول الله ﷺ وهم يَطوفون بالبيت، فقام وقام رسول الله ﷺ ، فمرَّ به الأسودُ بن المطلب فرمى في وجهه بورقةٍ خضراء، فعَمِيَ ووجعت عينه، فجعل يضربُ برأسه الجدار. ومَرَّ به الأسودُ بن عبد يَغُوث فأشار إلى بطنه فاستقى بطنه فمات حَبَنًا (١). ومر به الحارثُ بن الطُّلاطِلة، فأشار إلى رأسه فامتَخَط (٢) قيحًا فقتله. وقد ذُكِر في سبب موتهم اختلافٌ قريبٌ من هذا. وقيل: إنهم المرادُ بقوله تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦]، شَبَّه ما أصابَهم في موتهم بالسَّقفِ الواقع عليهم" (٣). * القُرَطاءُ البَكْرِيُّون: بعث رسول الله ﷺ إلى القُرَطاءِ البكريِّين، بناحيةِ "ضرية" في نجد شرقيَّ المدينة، بكتابٍ يدعوهم فيه إلى الإسلام، فاستهزؤوا به وبكتابه،

стр. 282

فأخذوا الصَّحيفةَ التي تحمل دعوتَهم إلى التوحيد، فغَسَلوها من الحِبر، ثم رَقَّعوا بها استْ دلوٍ لَهُم، وأبَوا أن يجيبوا الرسول ﷺ إلى ما دعاهم إليه، فأنكرت امرأةٌ عاقلة منهم ما فعلوا بكتاب الرسول ﷺ وهي أمّ حبيبٍ بنتُ عامرِ بنِ خالدِ بنِ عمرو ابنةُ ابنِ أخي سيِّد القوم حارثةَ بنِ عمرو -، واستهجنت ما صنعوا، فقالت- وقولُها يدلُّ على أنها مسلمة -: إِذَا مَا أَتَتْهُمْ أَيةٌ مِنْ مُحَمَّدٍ … مَحَوْهَا بِمَاءِ الْبِئْرِ فَهْيَ عَصِيرُ فَانظُرْ كَيفَ كَانَ جَزَاؤُهُمْ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهم. يذكر أصحابُ السِّير أن القُرَطاء لما فعلوا بكتابِ رسول الله ﷺ ما فعلوا؛ صاروا دائمًا أهلَ رِعْدةٍ وعَجَلةٍ وكلامٍ مختلِطٍ وأهلَ سَفَهٍ، وكان الذي جاءهم بالكتاب رجلٌ من عُرَينة، يقال له: عبد الله بن عَوْسَجة. ° قال الواقدي: "رأيت بعضَهم عييًّا لا يبِين الكلامَ" (١). جَرَّد رسول الله ﷺ حملةً عسكريةً بقيادة الضحاك بن سفيان الكِلابي، في شهر ربيع الأول، سنةَ تسعٍ هجرية، فهزمهم في مكانٍ بنجد، يقال له: "زَجُّ لاوة". * مَن خادَع النبي ﷺ -: ° عن أنسٍ ﵁ قال: "كان رجل نصرانيُّ، فأسلم وقرأ البقرةَ وآل عمران، فكان يكتبُ للنبي ﷺ ، فعاد نصرانيًّا، فكان يقول: ما يَدرِي محمدٌ إلاَّ ما كتبتُ له، فأماته الله، فدفنوه، فأصح ولقد لَفَظَتْه الأرضُ، فقالوا: هذا فِعْل محمدٍ وأصحابِه، لمَّا هرب مْنهم نَبَشوا عن صاحبنا

стр. 283

فألقَوه .. فحَفَروا له فأعمَقوا، فأصبح وقد لَفَظَتْه الأرض، فقالوا: هذا فعلُ محمدٍ وأصحابه، نَبَشوا عن صاحبنا لما هرب منهم فألْقَوْه خارجَ القبر .. فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبح قد لفظته الأرض، فعلموا أنه ليس من الناس فألقَوه" (١) .. ماذا لَقيتَ ببطن القبر نبِّينا؟ … إن الحياةَ بظهر الأرض تُلهِينَا تلقاك في عَمَهِ الأجداث ماثلةً … أعمالُك السُّودُ قد صارت ثعابينَا سَجِّلْ بكفِّك في القرطاسِ ما كتبتْ … كلتا يديْك به أمسيتَ مرهونَا لَفَظَتْه الأرضُ لِنَتْنِهِ وخُبْثِه وخِداعه وكُفْره، وليبقى آية لن بعدَه. * عامر بن الطفيل مُعاند رسول الله ﷺ -: ° عن أنسٍ- ﵁ أن النبي- ﷺ بَعَث خالَه -أخٌ لأم سليم- في سبعين راكبًا، وكان رئيسُ المشركين عامر بن الطفيل خيِّر بين ثلاث خصال فقال: "يكون لك أهلُ السَّهل ولي أهلُ المَدَر، أو أكونُ خليفتَك، أو أغزوك بأهل عطَفان بألفٍ وألف". فطُعِن عامرٌ في بيتِ أمِّ فلان: غدَّةً كغُدَّةِ البَكْرِ في بيتِ امرأة من آل بني فلان فقال: ائتوني بفَرَسِي .. فمات على ظَهرِ فرسه .. فانطلق حرامٌ -أخو أم سليم، وهو رجلٌ أعرج- ورجلٌ من بني فلان قال: كونَا قريبًا حتى آتيَهم، فإن آمنوني كنتم، وإن قتلوني أتيتم صاحبَكم، فقال: أتؤمَّنوني أُبلِّغ رسالةَ رسول الله ﷺ ؟ فجعل يُحدَّثُهم، وأومؤوا إلى رجلٍ، فأتاه من خَلْفِه فطَعَنه -قال همام أحسبه حتى أنفَذَه بالرمح- قال: اللَّه أكبر، فزتُ وربِّ

стр. 284

الكعبة، فلَحِقَ الرجلُ، فقُتلوا كلُّهم غيرُ الأعرج كان في رأسِ جبلٍ، فأنزل الله علينا، ثم كان من المنسوخ: "إنا قد لَقِينا ربَّنا فرَضي عنَّا وأرضانا"، فدعا عليهم النبي- ﷺ ثلاثين صباحًا على رِعْلٍ وذَكْوانَ وبني لحيان وعُصَيَّة الذين عَصَوُا الله ورسولَه ﷺ (١). * مَن عاندَ رسول الله ﷺ وسَخِر بالله: • عن أنسٍ ﵁: "بَعَث رسولُ الله ﷺ رجلاً من أصحابه إلى رجلٍ من عظماء الجاهلية يدعوه إلى الله ﵎، فقال: أيشٌ ربُّك الذي تدعوني إليه: مِن حديد هو؟ من نُحاسٍ هو؟ مِن فضةٍ هو؟ من ذهبٍ هو؟ فأتى النبي- ﷺ فأخبَرَه، فأعاد النبيُّ ﷺ الثانية، فقال مثل ذلك، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فأرسله الثالثة، فقال مثلَ ذلك، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فأرسل اللهُ ﵎ عليه صاعقة فأحرقته، فقال رسولُ الله ﷺ : "إن الله ﵎ قد أرسل على صاحبك صاعقةً فأحرقته"، فنزلت هذه الآية ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣] " (٢).

стр. 285

* رأسُ المنافقين عبدُ الله بن أُبَيِّ بنِ سَلُول - لعنه الله -: ° قال البخاري في باب قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨]. • عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كنَا في غزاة، فكَسَعَ (١) رجلٌ من المهاجرين: رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاريّ: يا للأنصار، وقال المُهاجري: يا لَلمهاجرين. فسَمَّعَها اللهُ رسولَه ﷺ قال: "ما هذا؟ "، فقالوا: كَسَع رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فقال- ﷺ : "دعوها فإنها مُنْتِنَةٌ". قال جابر: وكانت الأنصارُ حين قَدِم النبي ﷺ أكثرَ، ثم كَثُر المهاجرون بعدُ، فقال عبدُ الله بنُ أُبَي: أوَ قَدْ فعلوا؟! واللهِ لئن رَجَعْنا إلى المدينة ليُخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ" (٢). ° وفي البخاري من حديث زيدِ بن أرقمَ قال: "كنتُ في غَزاةٍ، فسمعت عبدَ الله بن أُبي يقول: لا تُنفِقوا على من عندَ رسولِ الله حتى ينفضُّوا مِن حوله، ولئن رجعلنا ليُخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ .. " الحديث. كان ذلك في غزوة "بني المصطلِق" من خزاعة، وهي غزوة "المُريسيع"، وهو ماءٌ من مياهِهِم. ° قال ابنُ إسحاق: "فبينا الناسُ على ذلك الماء، وَرَدَتْ وأردةُ
следующие страницы →