← Сира

Сира · id 96964

وا محمداه إن شانئك هو الأبتر

سيد حسين العفاني

Полный текст (2 668 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

يَجترِحون الجناياتِ حَسبَ أحوالِ زمانه وأحوالِ تلك الجماعاتِ الوحشية التي كان يَعيشُ النبي بين ظَهرانَيها، فكان النبي داعيًا إلى ديانةِ الإلهِ الواحد، وكان في دعوته هذه لطيفًا ورحيمًا، حتى مع أعدائِه، وإن في شخصيتِه صِفَتَينِ هما من أجل الصفاتِ التي تَحمِلُها النفسُ البشريةُ، وهما العدالة والرحمة". * الدكتور تيودور نولدكه الألماني: ° هو من مشاهير المستشرقين الألمان، وُلد في "همبورغ " عاصمة ألمانيا التجارية عام ١٨٣٦، وتوفي ١٩٢٠، اشتَغل في اللغاتِ السُّريانيةِ والفارسيةِ والعربية .. له "تاريخ القرآن"، قال فيه، (ص ٨٣): "نزل القرآنُ على محمدٍ نبيِّ المسلمين -بل نبيِّ العالَم-؛ لأنه جاء بدين إلى العالَم عظيم، وبشريعةٍ كلُّها آدابٌ وتعاليم، وحَرِيٌّ بنا أن ننصِفَ محمدًا في الحديثِ عنه؛ لأننا لم نقرأْ عنه إلا كلَّ صفاتِ الكمالِ، فكان جديرًا بالتكريم". * العلامة كارل هينرش بكر الألماني: مستشرق ألماني، وُلد في بلدته "لاكازا" من ألمانيا الغربية عام ١٨٧٦، وتوفي ١٩٣٧، له عِد مؤلَّفاتٍ، وهو المؤسسُ لمجلة "العالم الإسلامي"، وكان يفضِّلُ الأدبَ الإسلاميَّ على الأدب المسيحي. ° قال في كتابه "الشرقيون": "لقد أخطأ مَن قال: إن نبيَّ العرب دَجَّالٌ أو ساحر؛ لأنه لم يَفهم مَبدأَه الساميَ، إنَّ محمداً جديرٌ بالتقدير، ومبدؤه حَرِيٌّ بالاتباع، وليس لنا أن نحكمَ قبلَ أن نَعلم، وإن محمدًا خيرُ رجل جاء إلى العالَم بدينِ الهدى والكمال، كما أننا لا نرى أن الديانةَ

стр. 2207

الإسلامية بعيدةٌ عن الديانة المسيحية". * ويلكي كولنز الألماني: ° الروائي المعروفُ .. قال في كتابه "جوهرة القمر": "لقد جاء محمدٌ بصيانةِ النساءِ وحثهِنَّ على العفاف، وحَذَّر من السير على خلافِهما، مُشيرًا إلى ما في هذين من النقصِ والخِسَّة، وكم لِمِثل هذا من نظيرٍ في شريعته السامية". * القَسُّ ميشون الألماني: ° قال في كتابه "سياحة دينية في الشرق" (ص ٣١): "إنه لَمِنَ المحزِنِ أن يتلقَّى المسيحيون عن المسلمين روحَ التعامل وفضائلَ حسنِ المعاملة، وهما أقدس قواعِدِ الرحمةِ والإحسانِ عند الشعوبِ والأم، كل ذلك بفضل تعاليم نبيِّهم محمد". * شاعر ألمانيا الكبير "جوته" (١٧٤٩ - ١٨٣٢): ° مَرَّ بنا سابقًا ما قاله "جوته" عن القرآن الكريم: "إنه الكتاب الذي يكرِّر نفسَه تكراراتٍ لا تنتهي، فيثير اشمئزازنا دائمًا كلما شَرَعنا في قراءته". ° وهو القائل عن رسولِ الله ﷺ كما سَبَق-: "نَصب حَولَ العربِ غلافًا دينيًّا كئيبًا، وعَرَف كيف يَحجب عنهم الأملَ في أيِّ تقدُّم حقيقي" (١). وهنا وِجهة نظر أخرى لدى الباحثةِ الألمانية "د. كاثرينا ممسين" عن

стр. 2208

"جوته" في كتابها "جوته والإسلام"، ترجمته "شيرين حامد فهمي"، وأصدرته مكتبة "الشروق الدولية"، تتحدثُ "د. كاثرينا ممسين" عن إعجابِ "جوته" بالقرآن .. وكان مفهومُ "التسامح" هو الذي جَذَب "جوته" إلى الإسلام، ولكي يَفهمَ لُغةَ القرآن تَعلَّم اللغةَ العربيةَ والخط العربي، وكان يَصِفُ لُغةَ القرآنِ بالقوةِ والعظمةِ والرهبةِ والسكونِ في خليطٍ عجيب. ° وتذكرُ "د. كاثرينا ممسين" أمثلةً من كتاباتِ "جوته" ورسائلِه التي تدل على مدى احترامِه للاسلام؛ فقد كتب رسالةً وهو في الثانية والعشرين من عمره قال فيها: "أُريد أن أدعوَ كما دعا موسى ربَّه في القرآن ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥] "، مما يدل على أنه قرأ القرآن وتأثَّر به. وعندما بَلَغ السبعين أَعلن عن قرارِه بالاحتفال بتلك الليلةِ المقدَسةِ التي نَزل فيها القرآنُ مِن أعلى السماوات إلى النبيِّ محمدِ ﷺ ، وهذه اللغةُ في الحديث عن الإسلام كانت بعيدةً كل البُعدِ عن اللغة التي كان العالَمُ الغربي يتحدَّثُ بها عن الإسلام. ° تقول "د. كاثرينا ممسين": "إن "جوته" رأى -خلافًا للعالَم الغربي- التأثيرَ الإلهي للقرآن على البشرية، وإن اقتباسات "جوته" من القرآنِ في مواضعَ كثيرةٍ في كتاباته تَعكِسُ تقديرَه الشخصي واقتناعَه بأمورٍ كثيرةٍ في الإسلام، وكانت سورة "البقرة" من أكثرِ السورِ التي أثَّرت في هذا الشاعر الكبير، وهو يذكُرُ عدَّةَ آياتٍ يتوقفُ عندها ويُشيدُ بما فيها من الفِكر الرائع العميق (١) مثل: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا

стр. 2209

خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢]. * كما يتحدَّثُ عن آيةٍ أخرى من نفسِ السورة، يقول: إنها تُعبِّرُ عن دليل وجودِ الله في الكون كلِّه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]. والآية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] * وسَجَّل "جوته" إعجابَه بما في الإسلام من الدعوةِ إلى الخير، فقال: "إنَّ الله يقولُ في القرآن: إنه لم يَبعث رسولاً إلى قوم إلاَّ أن يكونَ منهم، ويتحدثَ بلُغتهم، وَيعرفَ ثقافَتهم" .. ويَستشهدُ بالآية: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد: ٢٧]. والآية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤]. ° وكتب "جوته" رسالةً إلى المفكر والمؤرخ البريطاني "توماس كارليل" في سنة ١٨٢٧ م قال له فيها: "إن القرآنَ يقول: إن الله أرسلَ لكل قوم رسولاً يتحدَّثُ بلُغتهم"، وأشار إلى الكفار الذين طالبوا الرسولَ محمدًا ﷺ بأن يأتيَ بمعجزات، وعَلَّق على ذلك بأبياتٍ من الشعر قال فيها: قال لهم: المعجزاتُ لا أستطيعُ الإتيانَ بها، المعجزةُ الكبرى هي وُجودي بينكم رسولاً" (١).

стр. 2210

° كان للشاعرِ الفرنسيِّ الشهير "فولتير" مسرحية بدأ عَرضُها عام ١٧٤٢، واشتُهرت في الغرب، اسمها "تطرف النبيِّ محمد"، وأعلن "جوته" أن هذه المسرحيةَ قَدَّمت أبشَعَ صُورةٍ يمكنُ تصوُّرُها عن نبيٍّ، وألَف مسرحيةً تُعارضُها بعنوان "الدراما المحمدية" من مشهَدين: في المشهد الأول: يُصوِّرُ بَعثةَ النبيِّ محمدٍ ﷺ ، وكيف جاءه الوحيُ بتكليفِه بالرسالة. والمشهد الثاني: يُصوِّرُ معاناةَ الرسولِ ﷺ مع قومهِ في تبليغ رسالةِ التوحيد، وقَدَّم "جوته " بعد ذلك "أغنية محمد" التي تُعتبر أولَ تبجيل للرسول ﷺ من شاعر أوروبي. وفي هذه الأغنية يَظهرُ انبهارُ "جوته " بشخصيةِ النبي ﷺ ، ثم انبهارُه بجهادِه وعدم اكتفائِه بالدعوةِ، وكفاحِه لتأسيسِ مجتمع قائمٍ على مبادئِ الدينِ الذي جاء به، ورَبَط بنِ النبي ﷺ -المُعلِّم الرُّوحيّ، والنبيّ الإنسانِ ذِي الصفاتِ العالية، ويَعكسُ "جوته" في أشعاره عُمومًا إعجابَه بما في شخصِ الرسول ﷺ من المَزج بين الشخصيةِ التي تؤسِّسُ دِينًا جديدًا، وبين نفس الشخصيةِ وهي تُكرِّسُ جَهدَها لتربيةِ البشرِ روحيًّا. وجاء في أشعارِ "الدراما المحمدية" الكثير من تعبيراتِ الإعجابِ والتقديرِ للرسول ﷺ مثل: بين مضايِقِ الجبالِ سار وبخُطى أقدام القائدِ شدَّ معه أصحابَه

стр. 2211

تنتعشُ الورودُ تحت أقدامه وفي غيرِ ظِلِّه لا توجدُ الورود وها هو ذا يسيرُ في الوادي متلألئًا بهيًّا والأنهار والجداولُ تهتفُ به صائحةً: يا أخانا خُذ إخوانَك وخُذْنا معك إلى ربِّك الدائم والآن يعلُو ويُكبِّرُ ويَحملُ معه الأمراء وفي وسطِ انتصاراتهِ دانت المُدنُ تحتَ قدميه وهو يسيرُ تاركًا التَّرَفَ والثراء لا يَعبأُ بهما .. وهكذا حَمَل أصحابَه وأطفالَه ولا يكتبُ هذه الصورةَ المليئةَ بالتقديرِ إلاَّ مَن يؤمنُ بأن محمدًا ﷺ رسولٌ بحقٍّ، وأن دينَه هو دينُ الحق. ° وتذكرُ "كاثرينا ممسين" مواقفَ كثيرةً تدلُّ على اعتقادِ "جوته" بالتسليم لله كما في العقيدة الإسلامية؛ ففي عام ١٨٢٠ م مَرِضت أختُه غيرُ الشقيقة بمرضٍ خطيرٍ، فكتب إلى صديق له: "لا أستطيعُ إلاَّ أن أقول: إنني أجدُ نفسي -مرةً أخرى- باحثًا عن الإسلام". ° وفي عام ١٨٣١ انتشر وباءُ الكوليرا، فكتب: "هنا لا يستطيعُ أحدٌ أن يَنصحَ غيرَه فيما يفعلُه، فنحن جميعًا نَعيشُ في الإسلام الذي يُعطينا الشجاعةَ في مواجهةِ الحياة". ° وقبل موته بأربعةِ أسابيع -وهو في عامِه الثاني والثمانين- كتب: "من أجل أن يتحرَّر البشرُ من الخوف انتَهوا بإلقاءِ أنفُسِهم في حِضنِ الإسلام واثِقين في اللهِ وفي أقدارِه غيرِ المكشوفة لنا".

стр. 2212

° فهو مؤمنٌ بما في الإسلام من الخضوع لله والرضا بما كتبه، ويُعبِّرُ عن ذلك بقوله: "إنه لمن اللافتِ للانتباه أن نرى كيف كان المؤمنون بمحمدٍ ﷺ يقومون بتربيةِ الأجيالِ المسلمة، وكان الدرس الأولُ هو تثبيت عقيدةِ القضاءِ والقدر، والإنسانُ لا يواجهُ أمرًا إلاَّ وقد كَتَبه اللهُ له، ومِن ثَمَ يعيشون حياتَهم آمنين مطمئنين". ° ولقد واجه "جوته" الكثيرَ من الانتقاداتِ والاتهاماتِ لإعجابِه بالإسلام، ومعارضتِه للتيارِ العَدائي الغالبِ للإسلام وللرسول ﷺ ، وكان ردُّه على ذلك في كتاب "المقولات" بأبيات قويةٍ وصريحةٍ قال فيها: مِن حماقةِ الإنسانِ في دنياه أن يتعصَّبَ كلٌّ منا لرأيه وإذا كان الإسلامُ معناه التسليمُ لله فعلى الإسلام نحيا ونموتُ أجمعون ° هل كان الشاعرُ العظيم "جوته" معجَبًا برُوحانيةِ الإسلام فقط -وهو الذي نشأ في أُسرةٍ بروتستانتية -؟ أو كان مسلمًا بقلبه -كما يقول البعض-؟. ° تقول الباحثة الألمانية: "د. كاثرينا ممسين": "إن "جوته" عندما أصدر ديوان "الغرب والشرق" في مايو ١٨١٤ ثار معظمُ الألمان عليه؛ لأن هذا العملَ لا يَصدرُ إلاَّ عن شخصٍ على علاقةٍ رُوحيةٍ وثيقةٍ بالإسلام، ثم ازدادت ثورتُهم عليه عندما قال بعد ذلك بعامَين -أي في عام ١٨١٦ - : "إن مؤلفَ هذا العمل لا ينَفىِ الفكرةَ بأن يكون هو نفسُه مسلمًا".

стр. 2213

وهو يتحدثُ في هذا الديوانِ عن الأصالةِ الدينيةِ في الشرق، وعن رغبتهِ في تجاوزِ التناقضاتِ العَدائيةِ بين الديانتين، والجمع بين هذين العالَمين تحتَ مَظِلَّةٍ واحدة (١)، كما يتحدثُ به عن شخصياتٍ إسلاميةٍ أحبها مثل: السلطان سليم، والمتنبي، وحاتم الطائي، والفردوسي وغيرهم". ويبدو في ديوان "الغرب والشرق" أن "جوته" كان دارسًا للقضايا التي شَغلت المُفكرين المسلمين على مدَى العصور، فهو -على سبيل المثال- يُشيرُ إلى المعركةِ التي قامت حول "هل القرآن مخلوق أو هو قديم"، والتي تعرض فيها الإمامُ أحمدُ بنُ حنبل للتعذيبِ لأنه تمسك برأيه في أن القرآنَ قديم. ° يقول جوته في إشارته إلى "القرآن المقدس": هل القرآنُ قديم؟ (٢) شيء لا أسالُ عنه هل هو مخلوقٌ شيء لا أدريه وكثير من أبيات الديوان عن القرآن، فهو يَستلهمُ من الآية ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ في سورة الفاتحة مناجاته: يُنازعنُي الغَيُّ والضلال لكنك تعرفُ كيف تَهديني

стр. 2214

اهدني أنت في أعمالي الصراطَ المستقيم ويردِّد "جوته" الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥] فيقول: لله المشرق لله المغرب وله الأرض شَمالاً وجنوبًا وكان "جوته" يعبرُ دائمًا عن حُبِّه للحروف العربية والخط العربي. ° وفي كتابات "جوته" ما يدل على تأثره بالقرآن ويقول: "إنه كتاب ليس له مثيلٌ على وجه الأرض، ولا مثيلَ لِمَا فيه من ذِكر لأسماءِ الله الحسنى". ° وقد رأى في القرآنِ الرؤيةَ الإسلاميةَ للذاتِ الإلهية، كما كان أسيرَ الإعجابِ بشخصيةِ الرسول ﷺ ، ويقول: "إنه جَمَع بين الإنسان والنبي". ° وقد اكتشف أحدُ الباحثين مخطوطةَ ديوانٍ لم يُنشر كَتَبه "جوته" بعنوان "بعثة محمد"، نُشرت في باريس عام ١٩٠٧ م يقول فيها: حينما كان يتأمَّلُ في الملكوت جاءه المَلاكُ ومعه النور اضطَرَب، فهو لم يقرأ أبدًا كلمة "أقرأ" تعني الكثيرَ بالنسبة له

стр. 2215

لكن المَلَاكَ بَلغه الرسالةَ وبدأها بالأمر "اقرأ" واستَمَع إلى الأمر .. وبدأ طريقه ° وعلى رغم إعجاب "جوته" بالإسلام وكتابِه ورسوله، فإنه يُوجِّهُ القَومَ إلى المسلمين لابتعادِهم عن روح الإسلام، ويوجِّهُ هذا اللومَ إلى المسيحيين أيضًا، ويتَّهمهم بالابتعادِ عن روح المسيحية، مقارنًا بين ما كان عليه المسيحيون عند ميلادِ المسيحية، وما صاروا إليه بعد ذلك، عندما تحولت الكنيسةُ إلى سلطةٍ سياسةٍ وانشغلت بجَمع الأموالِ وتملُّكِ الأراضي وبَحثِها عن أمور الدنيا، وهو ينتقذ الانقسامَ الذين حَدَث بين الكاثوليك والبروتستانت، وفي ذلك كَتب في عام ١٨١٦ م يقترح إقامةَ احتفالٍ واحدٍ يَجمعُ المؤمنين بالأديان جميعًا أسماه "احتفال الإنسانية النقية"، وفيه لا يُسأل أحد عن دينه، "الجميع يذهبون يتلمَّسون الضَّوءَ من شُعاع واحد، وتَسمو أرواحُهم، ويتذكَّرُ كلٌّ منهم عِيدَه فيحتفلُ به" (١). ° ولقد كان تأثير "جوته" عظيمًا، وما زال كذلك حتى اليوم، فقد تأثر به الشاعرُ الروسي الكبير "ألكسندر بوشكين" (١٧٩٩ - ١٨٣٧ م)، والشاعرُ البولندي "آدم ميليفكس" (١٧٩٨ - ١٨٥٥)، فكانت أشعارُهما تعكِسُ تعاطُفًا تُجاهَ العالَم الإسلامي، وامتَدت أصداءُ شِعرِ "جوته" إلى آسيا، فتأثَّر به الشاعر والفيلسوف الباكستاني "محمد إقبال" (١٨٧٧ - ١٩٣٨ م)، وله كتابٌ شهير باسم "سفارة الشرق" يعتبرُه النقَّادُ الصَّدى الصافيَ لديوان "الغرب والشرق".

стр. 2216

° ونَختمُ الحديثَ عن "جوته" بما قاله في مقدمة كتاب "المحمديات" "لديسون" الألماني، والذي عرَّبه عن الفرنسية إلى العربية الكاتبُ الشهير "عمر أبو النصر". ° قال تحت عنوان -نشيد محمد أو فيض الإسلام-:"انظر إلى يُنبوع الجَبَل يضطرِبُ مليئًا صافيًا، كأنما هو شُعاعٌ دُرِّيٌّ فوقَ السُحب، أَرْضَعَتْ ملائكةُ الخيرِ طفولتَه في مَهدِه يومَ كان بين أفلاقِ الصخور المُعْشَوْشِبة، إنه يَنحدرُ من السحابةِ فتيًّا نقيًّا، ثم يَتنزى منها جَذلانَ فَرِحًا، إنه يَسيرُ في الأخاديدِ الوَعْرة، جارِفًا أمامَه مِن ألوان الحَصباءِ ما لا يُحصى، ساحبًا في إثرِه أخواتٍ من العيونِ الثرَّارة، كأنما هو مُرشِدُها الأمين، وأما في الوادي، فالرياحينُ تنبثقُ عند قدميه، والمُروجُ تحيا من أنفاسِه، لا يَثنيه الوادي الظليل، ولا الرياحينُ التي تُطوِّق ساقيه، وتحاولُ أن تَسبِيَه وتستهويَه بلِحاظها الفواتِن". ° إلى أن قال: "وها هو العُبابُ طاميًا زاخرًا، تَرفِدُه الروافدُ، فيَخلعُ في مجراه على الأمصار أسماءَها، وتَنشأ عند أقدامه المُدُنُ، بَيْدَ أنه لا يَني، فلا يَبرحُ هادرًا يَندفعُ، لا يَثنيه ثانٍ، مُخلفًا وراءَه المنائرَ والصروح، نِتاجَ خِصبه وانتاجِه، ذلك هو محمدُ بن عبد الله". * العلاَّمة ديسون الفرنسي: ° قال في كتابه "المحمديات" تعريب البحَّاثة "عمر أبو النصر" (ص ١٩): "لقد وُلد محمد نبيُّ العرب في قلبِ البلاد العربية عام ٥٧٠ بعدَ المسيح، وتَمكَّن الإسلامُ في أواخِرِ القرن السابع أن يَقتحمَ سوريا وفارسَ

стр. 2217

ومصرَ والمغربَ، وأن يَمتدَّ إلى إفريقيا الشمالية، وأن يَحتل كلَّ الجُزرِ الواقعةِ في البحرِ المتوسط، وأن يتَّصلَ بالهندِ والصينِ، فلما آذَنَت شمسُ القرنِ الثامن بشروقٍ، اقتَحم الإسلامُ إسبانيا، وأخذ "شارلمان" و"هارون الرشيد" يتبادلانِ السفراءَ والهدايا". ° إلى أن قال (ص ٢٢) منه:"وليس يصح أن يُنظرَ إلى دينِ محمدٍ كدينٍ مليءٍ بالخرافات والأكاذيبِ وغيرِ ذلك، فهذا مخالف للحقيقةِ بعيدٌ عن الواقع، فإن التعاليمَ الإسلاميةَ شريفة سامية، والأخلاقَ رفيعةٌ عالية، وفي الإسلام من العقائدِ والآراءِ ما يستحق احترامَ الفلاسفةِ وعُلماءَ الاجتماع له". ثم يذهبُ "المسيو ديسون" إلى أن بَعضَ المؤرخين يَذكرُ عن محمدٍ أنه كان كارهًا للأصنام بعيدًا عن عبادتها والتقرب منها، وإن كان لا يَعلمُ أنه سيُنشئُ في مُقبلاتِ الأعوام دينًا يُبدلُ الأرضَ غيرَ الأرض، وُيحدِثُ في العالَم ظاهرةً جديدةً لا تزالُ آثارُها بعيدةَ المدى عظيمةَ الخطورة .. إلى آخِرِ كلامه .. * الفيلسوف الألماني شبلنجر: * قال الفيلسوفُ الألماني "شبلنجر" في كتابه "أُفُول الغرب": "إن حضارةَ الإسلام حضارةٌ جديدةٌ أوشكت على الظهورِ في أروع صورةٍ، والإسلامُ يَملِكُ اليومَ أقوى قوةٍ رُوحانيةٍ عالَميةٍ نقيَّةٍ" (١).

стр. 2218

* بول ديورانت: ° قال المفكِّر الكبيرُ "بول ديورانت": "إذا حَكَمنا على العَظَمة بما كان للرجل العظيم مِن أثر في الناس، فلابُدَّ أن نقولَ: إن محمدًا ﷺ كان أعظمَ عظماءِ التاريخ" (١). * أنَّا ماري شيمل أعظم مَن أنصَفَ الإِسلام في ألمانيا: " أَنَّا ماري شيمل" أعظمُ المستشرقات اللاتي أنصفن الإسلامَ في الغرب .. وما تقوله له تأثير على كثير من المستشرقين والألمان بصفةٍ خاصة، ويمتد تأثيرها إلى بقيةِ دول أوروبا، وهي حائزةٌ على جائزة "السلام للناشرين الألمان"، وهي أهمُّ الجوائز الثقافية والفكرية في ألمانيا. وبسبب موقفها من "سلمان رشدي " وروايته تعرضت لحملةِ اضطهادٍ شديدةٍ في ألمانيا. ° تقولُ: "ولولا أن الرئيسَ الألماني في ذلك الوقت كان يُساندني لكانت الذئاب قد افترستني، ولكنني مع ذلك قضيتُ في هذه المِحنة ستةَ شهور" (٢). حَصَلت "أنَّا ماري شيمل" على جوائزِ تقديرٍ عديدةٍ من أنحاءِ العالَم يَصعُبُ حَصرها، منها وِسامُ "الاستحقاق الكبير"، أعلى وسام ألماني في عام ١٩٨١، وإنتاجها المنشور عن الإسلام والشرقِ بَلَغ أكثَرَ من ثمانينَ مُجلدًا، وصَدَر أكثر من ٢٠٠ كتاب عنها وعن أبحاثها وأفكارها، وهي

стр. 2219

معروفة عالميًّا ومقروءٌ باللغات الإنجليزية، والفرنسية، والفارسية، والتركية، والأوردو، والعربية، والإندونسية، وتُوفِّيت يومَ الثلاثاء ٤ فبراير ٢٠٠٣. ° وإجابةً عن سؤالٍ عن رأيها في الإسلام قالت بوضوح: "إنني أُحب الإسلامِ، ولولا أنني أحبه ما كتبتُ عنه أكثَرَ من ثمانينَ كتابًا، وقد وَجدت فيه دين تسامُحٍ وروحانيةٍ، وتوقفتُ كثيرًا عند كلماتِ القرآن: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقد قلتُ لمن وجَّهوا إليَّ النقد: إني أحب الرسول محمدًا ﷺ " (١). ° وفي رأيها أن التشهيرَ بالإسلام والمسلمين في الغرب قضيةٌ لها جُذورٌ وعُمقٌ تاريخي (٢). ° وتقول: "الإساءةُ إلى الإسلام كانت شائعةً في القرون الوسطى، ويَظهرُ ذلك في الشعر الفرنسي من القرن الحادي عشر إلى القرن الرابعَ عَشَر، كما يَظهرُ في الأدبِ الإنجليزي والأسكتلندي، حتى إنهم حرَّفوا اسم النبي "محمد" إلى " Mahaund" وهم اسمٌ يتكوَّن من مَقطعين، والمقطع الثاني " haund" يعني "كلب"، وفي نصوص أخرى نجدُ أن اسمَ النبي محمدٍ ﷺ تحول إلى اسم معناه "الشيطان"، وحتى في الأشعار الألمانيةِ الرومانسيةِ سنة ١٨٠١ نجدُ اسم محمدٍ ﷺ وقد تحول إلى " Mahom " " ماحوم"، وإشاراتٌ إلى أن المسلمين يَعبُدون أصنامًا ذهبيةً لمحمدٍ ﷺ .. وهكذا لا

стр. 2220

يوجَدُ شيءٌ سلبيٌّ لم يُلصِقْه الغربيون بالإسلام من القرن الثامن حتى القرنِ العاشر، وازدادت مع بدايةِ الحروب الصليبية، وفي نوفمبر سنة ١٩٩٥ تحدَّث الكُتَّابُ الغربيُّون بفخرٍ عن ذِكرى مرور ٩٠٠ سنة على انطلاقِ أولِ حَمْلةٍ صليبية، مما يدل على أن تلكَ الحِقبةَ ما زالت حَيَّةً في عقولِ الغربيين" (١). ° وأجملُ ما قالته "أَنَّا ماري شيمل": "إن وسيلتها للحديث عن الإسلام ليست بإصدارِ البيانات، أو بالظهورِ المسرحيِّ، ولكنها تؤمنُ بأن المياهَ التي تسيرُ سيرًا هادئًا وباستمرارٍ قادرةٌ مع الزمن على أن تُذيبَ الحَجَرَ الصَّلب" (٢). ° وفي حديثٍ لها مع الدكتور "ثابت عيد" نُشِر في "مجلة أكتوبر" في عدد ١٠ مارس ١٩٩٦ أكَّدت "أنَّا ماري شيمل" استنكارها لسلوكِ الغرب تُجاهَ الإسلام، ووجهت إنذارًا شديدَ اللهجة إلى أعداءِ الإسلام؛ لأنهم على باطل، قالت فيه: "إن الفكرةَ السائدةَ في الغرب بأن الإسلامَ يُعادِي المرأةَ فِكرةٌ خاطئة، بل إن في الغرب مفكِّرين يقولون: "إن المرأةَ في الإسلام كائنٌ بلا روح" .. ولكي نعرفَ كَذِبَ هذا الادِّعاءِ، نعود إلى القرآن الكريم، وسوف نرى أنه يُسوِّي بين الذكر والأنثى، وبين المؤمنين والمؤمنات، ولم يفرق بينهما في مجالِ الفرائضِ الدينية .. وإذا قيل: "إن للمرأةِ نصفَ نصيب الرجل في الميراث"، فإن ذلك لسببٍ عَمَليٍّ، فالمرأةُ

стр. 2221

حين تتزوَّجُ تحصُلُ على مهرٍ مناسبٍ، والزوج هو المسؤول شَرْعًا عن الإنفاقِ عليها، وهكذا تظهرُ العدالة في توزيع الأعباء والمسؤوليات، وفي النهاية سنجدُ أن المرأةَ هي الرابحة" (١). ° وقالت: "إنني أقولُ دائمًا للغربيين الذين يُشوِّهون صورةَ الإسلام: إن الإسلام مَنَحَ المرأةَ حقَّ الاحتفاظِ باسمها، وبما تَملِكُه من مالٍ قبلَ زواجها، وبما تَكسِبه بعد الزواج، وهذا يتضمَّن حق المرأةِ في أن تعملَ وتكسِبَ من أيَّة مِهنةٍ أو تجارة، والمرأو في أوروبا لم تتوصَّلْ إلى حق الاحتفاظ بما تَملِكَه من مالٍ بعدَ زواجها إلاَّ منذ فترةٍ قريبة". ° وتقول: "إنني كمؤرخةٍ للأديان أقفُ بإعجابٍ عند الآية (١٨٧) من سورة البقرة التي تحدِّد العلاقةَ بين الرجل والمرأة في إطارِ الزواج: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، و"اللباس" يعني الذات الأخرى أو النفْسَ الأخرى، وبذلك يكون معنى الآية: أن الرجل والمرأة يكمِّلُ كل منهما الآخرَ، وأنَّ كُلاًّ منهما هو النِّصفُ الأفضلُ للآخر، وأعتقدُ أنه يَجبُ تسليط الضوءِ على هذه الآية -عند الحديث على مكانةِ المرأة في الإسلام-" (٢). ° وتقول: "إن ما يُقالُ في الغرب من أن العقيدةَ الإسلاميةَ عقيدة منحرفةٌ، اتهامٌ باطل وجهه مسيحيُّو القرونِ الوسطى إلى الإسلام، ومسيحيُّو القرونِ الوسطى اعتَبروا الإسلامَ هرطقةً مسيحية، بل إن بعضَ الأساطير في القرون الوسطى تقول: "إنَّ محمدًا كاردينال مسيحي، استاء

стр. 2222

لعدم اختياره بابا، فقام بالانفصال عن الكنيسة، وأسَّس لنفسه ديانةً جديدةً"، وقد أثارت مثلُ هذه الكتاباتِ الفَزَعَ من الإسلام ومن الرسولِ في نفوسِ المسيحيِّين العاديِّين في الغرب؛ لأنهم اعتقدوا أنهم ليس من الممكن أن تَظهرَ ديانةٌ سماويَّةٌ أخرى بعد المسيحية، وهذا الرأيُ ما زال شائعًا بين الكثير من الأوساطِ المسيحية حتى يومِنا هذا .. ومن المؤسِف أنَّ مِثلَ هذه الأفكارِ الخاطئةِ تبقى إلى وقتٍ طويل في ذاكرةِ الأفراد، وفي "الوَعيْ الجماعي" و"اللاشعور الجماعي" في الغرب، ويمكنُ إحياؤها في أيِّ وقت! " (١). ° وتَردُّ "أَنَّا ماري شيمل" على المقولةِ الكاذبةِ القائلة بأنَّ الإسلام انتشر بحدِّ السيف، فتقول: "هذا ادِّعاءٌ شائعٌ في الغرب .. إنَّ الإسلامَ لم ينتشر بحدِّ السيف في شِبهِ القارة الهندية، وماليزيا، والصين، وغربِ أفريقيا، بل انتشر عن طريقِ الصوفيِّين والتجَّار الذين قدَّموا العقيدةَ الإسلامية بطريقةٍ بسيطةٍ لهذه الشعوب" (٢). * المؤرخ ديكنز: ° يقول المؤرخ "ديكنز" في كتابه "معالم تاريخ الإنسانية": "إنَّ الإسلامَ ساد لأنه خيرُ نظامٍ اجتماعيٍّ وسياسيٍّ ظَهَر في التاريخ" (٣).

стр. 2223

* المفكِّر الألماني الدكتور مراد ويلفريد هوفمان: وُلدِ عام ١٩١٠، حاصلٌ على الدكتوراة في القانون من إحدى جامعاتِ الولايات المتحدة، عمل خبيرًا نوويًّا في حِلف الأطلنطي، وعمِل سفيرًا لبلاده في الجزائر والإمارات والسعودية، واعتَنق الإسلامَ، وأصبح واحدًا من أشهر المُنصِفين للإِسلام والمسلمين في الغرب، وله كُتب عديدة، منها "الإسلام كبديل" و"الإسلام عام ٢٠٠٠"، و"يوميات ألماني مسلم"، و"الإسلام في الألفية الثالثة". ° يقول "د. مراد هوفمان": "إنَّ المستشرقين حاولوا إثبات أن القرآنَ ليس من عند الله، وفشِلوا، كما فشِلوا في إثباتِ حُدوثِ تغيير في أي حوف أو كلمة فيه" (١). وهو يردُّ على المستشرقين ردًّا مفحِمًا، ويدافعُ عن الإسلام ورسولهِ ﷺ . [بريطانيا] * السير وليم سوير الإِنكليزي: ° قال في كتابه "سيرة محمد" (ص ٣١): "امتاز محمدٌ بوضوح كلامه ويُسرِ دينهِ، وأنه أَتَم من الأعمال ما أدهش الألباب، ولم يَشهدِ التاريخُ مُصلِحًا أيقظ النفوسَ، وأحيا الأخلاقَ الحسنة، ورَفَع شأنَ الفضيلةِ في زمن قصير كما فَعل محمد". * السير وليام ميو الإِنجليزي: ° قال في كتابه "محمد": "ومِن صفاتِ محمدٍ الجليلةِ الجديرةِ

стр. 2224

بالذكر والحَرِيَّةِ بالتنويه: الرقة والاحترام، اللتانِ كان يُعامِلُ بهما أصحابَه، حتى أقلهم شأنًا، فالسماحةُ والتواضعُ والرأفةُ والرقةُ تغلغلت في نفسه، ورَسَّخت محبتَه عند كلِّ مَن حولَه، وكان يَكرهُ أن يقول: "لا" فإنْ لم يُمكِنْه أن يُجيبَ الطالبَ على سؤاله، فضَّل السكوتَ على الجواب، ولقد كان أشدَ حياءً من العذراءِ في خِدْرها، وقالت عائشة ﵂: "وكان إذا ساءه شيءٌ تبيَّنَّا ذلك في أسارير وجهه، ولم يَمس أحدًا بسُوءٍ إلاَّ في سبيل الله". ويؤثَرُ عنه أنه كان لا يَمتنعُ عن إجابةِ الدعوةِ من أحدٍ -مهما كان حقيرًا-، ولا يَرفضُ هديةً مُهداةً إليه مهما كانت صغيرةً، وإذا جَلس مع أحدٍ -أيًّا كان- لَم يَرفعْ نحوَه رُكبتَه تشامُخًا وكبرًا. وكان سهلاً ليِّنَ العريكة مع الأطفال، لا يأنَفُ إذا مر بطائفةٍ منهم يلعبون أن يُقرِأَهم تحيةَ السلام، وكان يُشرِكُ غيرَه في طعامه، وعامَلَ حتى ألد أعدائِه بكلِّ كرمٍ وسخاءٍ حتى مع أهل مكة، وهم الذين ناصَبوه العَداءَ سِنين طوالاً، وامتَنعوا من الدخولِ في طاعته، كما ظَهر حِلمُه وصَفحُه حتى في حالَتَيِ الظَّفَرِ والانتصار، وقد دانت لطاعته القبائلُ التي كانت مِن قبلُ أكثرَ مناجَزةً وعَداءً له". * المؤرخ الكبير فتلي الإِنجليزي: مستشرقٌ بحَّاثةٌ، وُلِد سنة ١٨١٥، وتُوفي سنة ١٨٩٠ م. ° قال في مقدمة كتابه "الحياة" -تعريب الدكتور "سامي العشا" المصري-: "قد ينَحرفُ المؤرِّخ عن موضوعِه ليتأمَّلَ حياةَ رجل نال سُلطةً

стр. 2225

خارقةً على عقولِ أتباعِه وأعمالِه، ووَضعت عبقريتُه نظامًا أساسيًّا دينيًّا ساميًا سياسيًّا، وما زال يَحكُمُ الملايينَ من البشر من أجناس مختلفةٍ وصفاتٍ متباينة. إن نجاحَ محمدٍ كُمشرِّعٍ بين أقدم الأمم الأسيوية، وثباتَ نُظُمِه على مدى أجيالٍ طويلةٍ في كلِّ نواحي الهيكل الاجتماعي، دليلٌ على أن ذلك الرجلَ الحاذقَ قد كوَّنه مزيجٌ نادرٌ من الكفاءات". * الليدي إِيفيلين كوبرلد: ° قالت الشاعرة الليدي "إيفلين كوبرلد" البريطانية في كتابها "الأخلاق" (ص ٦٦): "لعمري لقد استطاع محمدٌ القيامَ بالمعجزاتِ والعجائب، لمَّا تمكَّن من حَمل هذه الأُمةِ العربيةِ الشديدةِ العنيدةِ على نَبذِ الأصنام، وقبولِ الوحدانيةِ الإلهيةِ، ولقد كان محمد شاكرًا حامدًا، إذ وُفِّق إلى خَلْقِ العرب خَلْقًا جديدًا، ونَقَلَهم من الظلماتِ إلى النور، ومع ذلك كان محمد سيِّد جزيرةِ العرب، وزعيمَ قبائلِهم، فإنه لم يُفكَّرْ في هذه، ولا راح يَعملُ لاستثمارها، بل ظَلَّ على حالِه، مكتفيًا بأنه رسولُ الله، وأنه خادمُ المسلمين، يُنظِّفُ بيتَه بنفسِه، ويُصلحُ حِذاءَه بيده، كريمًا بارًّا كأنه الريحُ الساريةُ، لا يَقصِدُه فقيرٌ أو بائس ٌإلاَّ تفضل عليه بما لديه، وكان يَعملُ في سبيل الله والإنسانية". * جون أروكس الإِنجليزي: ° قال في كتابه "عظماء التاريخ" (ص ٨٣): "لم نَعلمْ أن محمدًا تسربَلَ بأيَّةِ رذيلةٍ مُدَّةَ حياته؛ لذلك نراه عظيمًا".

стр. 2226

* العلاَّمة إِلياس جون جيب الإِنجليزي: من مشاهير مُستشرقي الإنكليز، تُوفِّي في مدينة "كردف" بلدته ١٩٠٣. ° له مؤلَّفات عديدة ظَهرت بعد وفاته، منها "العرب قبلَ الإسلام وبعده"، قال فيه: "عقيدةُ محمدٍ خالصةٌ، ليس فيها لَبسٌ ولا إبهام، ومَن يتَّهِمُها بما يتنافى مع كرامتها، فإنما هو متَّهمٌ في فَهمِه ووجدانه". * المسيو مار كودار الإِنكليزي: ° وُلد في بلدته "بلاما" ١٨٣٧ م، وتُوفي ١٨٩٣ م -نقلاً عن مجلة "الهلال" المجلد الرابع الجزء ٩ - ، وهو أحدُ مستشرقي الإنكليز قال: "كان محمدٌ يعامِلُ الغني والفقيرَ على السواء، وإنه لنبي مبارَكٌ أرسله الله للبشر". * السير هربرت سبنسر الإِنكليزي: فيلسوفٌ إنكليزي تأثر بمذهبِ التطوُّر، مِن آرائه أنَّ المرءَ لا يَستطيع الوصولَ إلى معرفةِ الله، وُلد في مدينة "كرودف" من مُدن بريطانيا عام ١٨٢٠، وتُوفِّي عام ١٩٠٣. ° قال في كتابه "أصول الاجتماع" (ص ٣٧): "فدونَكم محمدًا، إنه رَمزٌ للسياسةِ الدينيةِ الصحيحة، وأصدقُ مَن نَهَج مِنهاجَها المقدَّسَ في البشريةِ كافةً، ولم يكن محمدٌ إلاَّ مثالاً للأمانةِ المُجسَّمةِ والصِّدقِ البريء وما زال يَدأبُ لحياةِ أُمتِه ليلهَ ونهارَه".

стр. 2227

* المسيو بالمر الإِنكليزي: ° مستشرقٌ إنكليزي، وُلد في بلدة "باركا" عام ١٧٩٥، وتُوفي ١٨٨٣، تَرجَمَ القرآنَ إلى اللغةِ الإنكليزية، قال في مقدمته: "لقد جاء محمدٌ بمبدإٍ للعالَم عظيم، ودينٍ لو أنصَفَتِ البشرية لاتخذَتْه لها عقيدةً ومنهاجًا تسيرُ على ضوئه، وقد كان محمدٌ عظيمًا في أخلاقه، عظيمًا في صِفاته، عظيمًا في دينه وشريعته، وإنني لا أُبالغُ إذا قلتُ: إن شريعتَه تَحملُ إلى الناسِ تعاليمَ ونُظُمًا وقوانينَ ليس في غيرها مما سَبق مِثلُها، ولقد كانت الأمم السابقةُ تعتنقُها مَبدأً وعقيدةً لأنها لَمَست ما فيها من حياةٍ رُوحيةٍ وركائزَ رصينةٍ". * البحَّاثة ستانلي جيفونس البريطاني: مستشرقٌ بريطاني، ولد في بلدته "كانالي" عام ١٨٤١، وتُوفي ١٩٠٤، من مشاهيرِ الرّوَّاد، توغل في مجاهل إفريقيا. ° قال في كتابه "الديانات والعصور" (ص ٥١): "إن دراستَنا لعصورِ بَعثاتِ الأنبياء تدل على أنهم جاؤوا ليَحُلُّوا مشاكلَ عَجزَت عقولُ البشرِ عن الاهتداءِ إلى حلولٍ لها، فلم توجَدْ لدى الإسرائيليين -قبلَ رسالة موسى- طريقةٌ للخلاص من اضطهادِ الفراعنة، ولا توفيرُ رخاءِ الشعب إلى آخِرِ الحالاتِ المستوجِبةِ للعلاج، ولا وُجِد -قبل بَعثة المسيح- طريقٌ لإدخالِ الأمل على النفوس اليائسة، في عصرٍ كانت تتألَّفُ فيه الجماعاتُ السِّريَّةُ لتنظيم الانتحار، ولقَتل المُترَفين، لأن الشعوبَ كانت تَئِنُّ من الحِرمانِ والفقر، وكان المُلوكُ وبطاناتُهم يَمضَغُون الذهب، وكانت المادةُ تَطغى على

стр. 2228

الفضيلة، فلذا بُعث عيسى مخلوقًا روحيًّا، فجاء عيسى بحَلٍّ عجيبٍ، ليس من صُنعِ العقل البشري، جاء يقول للناس: "لا يَلزمُكم مِزوَدٌ للطريق، ولا اقتناءُ ثوبينِ ولا عصًا"، وجاء يُزهِّذ الناسَ في الغِنى، بل يُنفِّرُهم منه، فقال لهم: "لا يدخلُ غنيٌّ إلى ملكوتِ السموات". ونبوة محمدٍ جاءت لتعالجَ كلَّ جوانبِ الحياةِ العموميةِ جميعًا، ومما لا ريبَ فيه أن دعوةَ محمدٍ قد زَلزلت أركانَ الدنيا، وقد استَولت على القِسم المُهمِّ منها". * المسيو صموئيل مارغوليوث الإِنكليزي: ° مستشرقٌ إنكليزي، وُلد عام ١٨٦٨، وتوفِّي ١٩٤٠، عضوُ المَجمع العِلمي في دمشق، نَشر "مُعجمَ الأدباءِ" لياقوت الحموي، و"الأنساب " للسمعاني، و"رسائل المَعري" بترجمةٍ إنكليزية، دُعي لحفلةٍ ميلاديةٍ في دمشق عام ١٩٢٧ قال فيها: "إن يومَ ميلادِ محمد لَيومٌ عظيمٌ على العالَم -لا على العرب فقط-؛ لأنه لم يُولَدْ إلاَّ لأمر عظيم، ألَا وهو رسالتُه التي بَلَّغها للعالَم، فاعتنقها قوم وتركها آخرون، وهي طافحةٌ بالحضارةِ والتعاليم التي تَخدُم البشريةَ وتُوليها زِمامَ الحياة، ولكنها رسالةٌ أَخذت بها أُمةٌ جَهِلت ما فيها، وخير ما فيها طابعُ صلاحيةِ البقاء مع الزمن مهما طال وامتد". * السير موير الإِنجليزي: ° قال في كتابه "تاريخ محمد" (ص ٢٠) المطبوع عام ١٩١٢: "إن محمدًا -نبي المسلمين- لُقِّب "بالأمين" منذ الصغر بإجماع أهل بلده لشرفِ

стр. 2229

أخلاقه، وحُسنِ سُلوكه، ومهما يكنْ هناك من أمرٍ، فإنَّ محمدًا أسمى مِن أن ينتهيَ إليه الواصفُ، ولا يَعرِفُه مَن جَهِله، وخبيرٌ به مَن أنعم النظرَ في تاريخ المجد، ذلك التاريخُ الذي تَرَك محمدًا في طليعةِ الرسل ومفكري العالَم". * العلَامة هيليار بلاون البريطاني: مستشرق بريطاني، وُلد في بلدته "كوارير" عام ١٨٤٧. ° قال في كتابه "فكرة الحياة" (ص ٦٣ و ٦٤): "بينما كانت مُدُنُ الإمبراطوريةِ البيزنطيَّة تَحتفلُ بانتصاراتِ الإمبراطور هرقل على الفرس، وبينما كان الناسُ في سرورِ وجَذَلٍ عظيمَينِ، حَدَثتِ المعجزةُ المحمديَّةُ، حَدَث شيءٌ لم يكنْ أحدٌ ينتظرُه ولا يَفطِنُ له، حَدَث أمرٌ كان أقربَ إلى الهِزة الأرضيةِ أو الفيضانِ العامِّ في سُرعتِه وشِدته ووقوعِه دونما سابقِ إنذارِ ولا إشارة. لم تكن هناك أعراضٌ سَبَقت هذا الحدثَ العظيمَ الضخم، ولا أماراتٌ تدعو إلى انتظارِه والتهيُّؤِ له، ولم يكن مَضَى على انتصاراتِ هرقلَ إلاَّ سنواتٌ قلائل، لَما مشى إلى أرضِ الإمبراطورية فِرسانٌ من الصحراء، ما سَمع عنهم أحدٌ شيئًا إلاَّ ما كان يُقالُ مِن أنهم جماعةٌ يضربون أرضَ الصحراء على خُيولهم وإبِلِهم طلبًا للكَلإ والماء، وأنهم قومٌ من البدو". ° ويمضي "هيليار بلاون" فيقول: "إني أقول: إنَّ معجزةً كهذه من حيثُ خَطَرِها، وبُعدِ أثرها، وعظيم نتائجِها، كانت مَسُوقةً بقوةٍ لا يُستطاعُ تفسيرُها، وإنْ كان ما لدينا من المصادر والوثائقِ يُساعدُنا على تفهم

стр. 2230

الأسبابِ التي جَعَلَتْها أمرًا واقعًا منظورًا". * السير تشارلز إِرمان البريطاني: ° مؤرِّخ بريطانيٌّ معروف، وُلد عام ١٨٨٦، وتُوفي ١٩٤٠، له كتابٌ صغير عن الإسلام، قال فيه: "إن شخصيةَ محمدٍ ثوريةٌ وانقلابية، تفوق مَقدِرةَ الشخصِ الموهوبِ العادي، فلم تُنتجْ بلادُ العرب قَبلَه ولا بعدَه فَردًا أثَّر في مجموع تاريخ العالَم، ويكونُ مِن المُضحِك حقًّا الادعاءُ إنه نتيجةٌ محتَّمةٌ لحالةِ بلادِ العربِ الفكريةِ والاقتصاديةِ في القرنِ السابع بَعد المسيح، بل إن مَبدأه الذي جاء به هو مبدأٌ اعتنقته أمٌم، وسَرعانَ ما تحققت فكرتُه في بلادِ العرب لأنها نافعةٌ، ولم يكن فيها ما يُحارِبُ لأجله غيرَها من الدياناتِ السابقةِ". * العلاَّمة ماكس موللر الإِنكليزي: مستشرق إنكليزي، وُلد في بلدته "تكيا" سنة ١٧٩٠، وتُوفي ١٨٦٥، مؤرِّخٌ قَصصيٌّ، له جَولةٌ واسعةٌ في بلاد العرب، وله مؤلَّفاتٌ، منها "محمد والمحمدية". ° قال فيه (ص ٢٧): "سوف يَعلمُ المسيحيُّون بدَهَشٍ عظيمٍ أنَّ محمَّدًا أَحدُ معضِّدي يسوع، وأن الديانةَ المحمَّديةَ ما هي إلاَّ شِيعةٌ من شِيَع الديانةِ النصرانية (١)، وإذ ذاك يَندهشُ المسلمون والمسيحيون مما يُسبِّبُ ما جاء في

стр. 2231

تاريخهما من الخِصام والعَداءِ بسبب الذين الذي جاء به محمدٌ، وسوف يَعلم المسيحيون في العالَم أن دينَه خالٍ من كلِّ غُشٍّ، وأن فيه كلَّ ما يَصلُحُ للبشر". * بوسورت سمث البريطاني: ° عالمٌ كبير إنكليزي، وُلد في بلدته "نيوكاسل" عام ١٨١٥، وتُوفِّي في ١٨٩٢ م، وهو من كبارِ رجالِ الفِكرِ وعالِمٌ كيميائي، وله كتابٌ عن الشرقيين اسمه "الأدب في آسيا"، قال في مقدمته: "إن المعجزةَ الخالدةَ التي ادعاها محمد هي القرآن، والحقيقةُ إنها لكذلك، وإذا قَدرْنا ظروفَ العصرِ الذي عاش فيه، واحترامَ اتباعِه له احترامًا لا حَدَّ له، ووازنَّاه بآباءِ الكنيسة أو بقِدِّيسي القرونِ الوسطى لتبينَ لنا أن أعظمَ ما هو معجِزٌ في محمدٍ نبيِّ المسلمين أنه لم يَدَّعِ القدرةَ على الإتيانِ بالمعجزاتِ، وما قال شيئًا إلاَّ فَعَله وشاهَده منه في الحال أتباعُه، ولم يَنسِبْ إليه الصحابةُ معجزاتٍ لم يأتها أو أنكر صدورَها منه، فأيُّ برهانٍ أقطع من ذلك؟ ولقد كان محمدٌ يَدعي مِن آخِرِ حياته -كما ادَّعى من مبدإ أمره- أنه رسول الله حقًّا، وإني أعتقدُ أن الفلسفةَ المسيحيةَ العاليةَ ستَعترفُ له بذلك يومًا من الأيام". ° وقال في كتابه "محمد والإسلام": "إذا قَدَّرْنا تاريخَ الإسلامِ -إذ ننظر إليه من نافذةِ الإنصاف- فإنما نُقدِّرُ صاحبَه الذي أسَّسه ووَضَع حجَرَه الأساسيَّ، وهو محمدٌ الذي لا نستطيع أن نقولَ في حقِّه إلاَّ أنه رجلٌ عظيم بعَقلِه وعَمَلِه وأخلاقِه وبلاغتِه وتديُّنِه، وسيَحمل له المنصِفون من النصارى وغيرِهم الإخلاصَ متى عَرَفوه في المستقبل".

стр. 2232

° وقال في كتابه "حياة محمد" (ص ٣٤٦): "إن محمدًا جاء بكتابٍ مشتملٍ على دستورِ الشرائعِ والعباداتِ وأخبار الأُمم، نَقِيُّ العبارةِ من الألفاظِ المستهجَنة، باهِرُ الحِكمةِ والحقائق، وهو أعظمُ معجزةٍ للنبي محمدٍ، والحقُّ يقال: إنَّه لَمعجزة". * جورج بروك عُضْوُ البرلمان الإِنجليزي: ° جاء في مجلة "العالم الإسلامي" لمؤسَّسها القَسَّ" صموئيل زويمر" الإنجليزي، في عددها السابع الصادر باللغة الإنكليزية من سَنَتها الخامسة، نقلاً عن العدد الرابع من مجلة "الأزهر" لعام ١٩٥٢ (ص ١٠٥): "إن جَمعيةَ المسلمين في مدينة "برد فورد" بإنجلترا قد أقامت منذُ قريبٍ حفلاً، فكان من خُطبائه المستر "جورج بروك" عضوُ البرلمان الإنكليزي، وقد نَوَّه في خطابه بما يَبُثُّه الإسلامُ من شعورِ الإخاءِ بين أبنائه". وقال: "إنه يستطيعُ أن يردَّ الاهتمامَ بالدينِ الإسلاميَّ إلى أنه دينٌ عالَميٌّ بطبيعته". ° ثم قال: "إن الإسلامَ دينُ السلام والمحبةِ بين البشر، وإنه يَلعبُ دَورًا خطيرًا الآن في شؤون العالَم، وإني أعتقدُ أن خَطَرَه وتأثيرَه في مستقبل العالم سيزدادُ جيلاً بعد جيل". * المستر داز الإِنكليزي: مستشرقٌ إنكليزيٌّ ومؤرَّخٌ كبير، ولد في "منشستر" ١٨٢٣، وتُوفي ١٩٠٧. ° قال في كتابه "مع الشرق والغرب" -وهو أحدُ مؤلَّفاته-: "إن

стр. 2233

محمدًا كان مجموعةً من الخيال والنبوغ والبحث .. كان محمدٌ زراعيًّا وطبيبًا وقانونيًّا وقائدًا، اقرأْ ما جاء في أحاديثه، تعرفْ صِدقَ ما أقول، ويكفي أنَّ قوله المأثور عنه: "نحن قومٌ لا نأكلُ حتى نجوع، وإذا أكَلْنا لا نشبع" (١) هو الأساسُ الذي بُني عليه عِلمُ الصَّحة، ولا يَستطيعُ الأطباءُ -على كثرتِهم ومهارتِهم حتى اليوم- أن يأتوا بنصيحةٍ أثمنَ من هذه". ° ثم قال: "إن محمدًا هو الذي استطاعَ في مدةٍ وجيزةٍ -لا تَزيدُ على رُبع قرنٍ- أن يَكتسحَ دولتَينِ من أعظم دُولِ العالَم، وأن يُحدِثَ ذلك الانقلابَ المدهشَ، وأن يَكبَحَ جِماحَ أُمةٍ اتخذَتِ الصحراءَ المحرقةَ سكنًا لها، واشتُهرت بالشجاعة والغزوِ ورَباطةِ الجأشِ والأخذِ بالثأر .. فمَن الذي يَشكُّ أن القُوَّةَ الخارقةَ للعادةِ التي استطاعَ بها محمدٌ أن يَقهرَ خصومَه هي من عند الله؟! ". * مرة أخرى مع بوسورت سميث الإِنكليزي: مؤرَّخ إنكليزي، وُلد ١٨٣٣، وتوفَّي ١٨٩٧. ° قال في مؤلَّفٍ له أسماه "الأدب في التاريخ": "مِن حُسنِ الحظَّ الوحيدِ في التاريخ -دون غيره- هو أن محمدًا أَسَّس في وقتٍ واحدٍ ثلاثةً هي من عظائم الأمور وجلائل الأعمال، فإنه مؤسَّس لأُمةٍ إمبراطوريةٍ وديانة، وقلَّما كان يقرأُ ويكتبُ (٢)، وكان داعيًا إلى الرحمة والعدلِ والكرمِ والشجاعةِ والصبرِ على المكاره والصَّدقِ وغير ذلك من مكارم الأخلاق".

стр. 2234

° وقال: "إن الدينَ وحدَه هو القانونُ الطبيعيُّ الذي يَجبُ على الناسِ أن يَتَّبعوه". * المستر جون ديفولبوت البريطاني: مستشرقٌ بريطاني، وُلد سنة ١٨٣٢، وتوفِّي ١٩٠٢، وهو من علماءِ الطبيعة، وأستاذٌ في علم الجيولوجيا. ° قال في أحد مؤلَّفاته "العجائب": "هل بالإِمكانِ إنكارُ فضل محمدٍ نبيَّ العرب الذي قام بإصلاحاتٍ غريبةٍ وعظيمةٍ، فكانت خالدةً لبلادِه؟! فقد جَعَل أهلَها يَعبُدون الله، ويهجُرون عبادةَ الأصنام، وهو الذي مَنَع قَتلَ الموؤودةِ، وحَرَّم شُربَ الخمر وفِعْلَ الميسر، وتَرَك لأُمَّته مَبدأً لا يزال، وعليه يَعملُ الملايينُ من الناس". * إِدوارد لين الإِنجليزي: ° مستشرقٌ عاش رَدْحًا من الوقتِ في القاهرة، وُلِد عام ١٨٠٣ م، وتُوفّي سنة ١٨٧٧ م، وذلك في بلدته "إكسياد"، له عدَّةُ مولَّفاتٍ، منها: "أخلاق وعادات المصريين" جاء فيه: "إنَّ محمدًا كان يَتَّصفُ بكثيرٍ من الخِصالِ الحميدة، كاللُّطفِ والشجاعةِ ومكارمِ الأخلاق، حتى إنَّ الإنسانَ لا يَستطيعُ أن يَحكمَ عليه دون أن يتأثَّر بما تتركُه هذه الصفاتُ في نفسِه من أثَرٍ، كيف لا! وقد أحتَمل محمدٌ عَداءَ أهلهِ وعشيرتِه بصبٍر وجَلَدٍ عظيمين، ومع ذلك فقد بَلَغ من نُبْله أنه لم يكن يَسْحَبُ يَدَه من يدِ مصافِحِه -حتى ولو كان يُصافحُ طفلاً-، وأنه لم يَمرَّ يومًا من الأيام بجماعةٍ -رجالاً كانوا أو أطفالاً- دونَ أن يُقرِأَهم السلامَ وعلى شَفَتَيه ابتسامةٌ حُلوة، وقد كان محمدٌ

стр. 2235

غَيُورًا ومتحمِّسًا، وكان يُحارِبُ الباطل، وكان رسولاً من السماء، وكان يُريدُ أن يؤدِّيَ رسالتَه على أكملِ وجهٍ، كما أنه لم يَنْسَ يومًا من الأيامِ الغرضَ الذي بُعث لأجله، ودائمًا كان يَعملُ له ويتحمَّلُ في سبيله جَميعَ أنواع البلايا، حتى انتهى إلى إتمامِ ما يُريد". * والفضل ما شهِدتْ به الأعداء: نَقلت مجلة "العرفان اللبنانية" في آخر الجزءِ الثالث من المجلد (٣٢١) عن مجلة "العالم الإسلامي" الإنجليزية لصاحبها القَسِّ "زويمر" ما يلي: "فالقرآن الذي نَزل على محمد بدلاً مِن أن يكونَ ضربةً قاضيةً على التقدُّمِ، هو كتابٌ ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]، فيه آياتٌ بينات، ودلائلُ واضحات، وأخبارٌ صادقة، ومواعظُ رائعة، وشرائعُ راقية، صالحةٌ لكلِّ أُمةٍ ولكلِّ زمان". * العلاَّمة لين بول البريطاني: مستشرق بريطاني، وُلد عام ١٨٥٣، وتوفِّي عام ١٩١٧، له اطِّلاعٌ واسعٌ على تاريخ العرب، وهو واضعُ فهرست المسكوكات المحفوظة في دار الكتب المصرية عام ١٨٩٧، وله رسالةٌ في تاريخ العرب، قال فيها: "إنَّ ما اتَّصف به محمدٌ من الصبر واحتمالِ المكارِه والعفوِ عند المقدرة، لَبرهانٌ لنا واضحٌ على أنه كان صادقًا، إذ يقول: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، فمحمدٌ ذو يقينٍ راسخٍ وقوةِ عزمٍ هائلة". * * *

стр. 2236

* الراهبة البريطانية كارين أرمسترونج تدافعُ عن الإِسلام: من هؤلاء المُنصِفِين للإسلامِ الكاتبةُ البريطانية "كارين أرمسترونج"، وهي في الأصل راهبة، تحوَّلت إلى البحثِ في تاريخ الأديان، وقد تَركت الرَّهْبنةَ بعدَ أنْ وَجَدت أن حياةَ الأديرةِ لا تُناسبُ طبيعتَها وتمسكُّها بحريةِ التفكير للوصول إلى الحقيقة دون ضغطٍ عليها، وقد توصَّلت إلى أن هناك قاسمًا مشتركًا بين الدياناتِ الثلاثة، وأن القِيَمَ الجوهريةَ في كلِّ الديانات واحدة. "وكارين أرمسترونج" تُقدِّمُ الدليلَ للغربِ على أن الإِسلامَ دينٌ من عند الله، وأن محمدًا ﷺ -رسولٌ بعَثه اللهُ بدينِ الإسلام، وأن هذا الدينَ للبَشَر جميعًا -وليس للعرب وحدَهم-، وبموضوعيةٍ ملحوظةٍ قامت بتصحيح المفاهيمِ المغلوطةِ عن الإِسلام، وقد اتَّخذت مِن رُدودِ فِعلِ المسلمين إزاءَ كِتابِ سلمان رشدي "آيات شيطانية" ومبالغةِ الغرب في الدعايةِ لهذا الكتاب، مُنطلقًا لكتابِها "محمد .. سيرة النبي"، ولحُسن الحظِّ أن هذا الكتابَ ترجَمَه إلى العربية اثنانِ من أكفإِ المترجِمِين وأكثرِهم خِبرةٍ ودِقةً، هما الدكتورة "فاطمة نصر"، والدكتور "محمد عناني"، وقدَّما للكِتابِ بمقدِّمةٍ مهمةٍ، قالا فيها: "إن حافزَهما على ترجمةِ هذا الكتاب ليس الزهوَ بذلك الصوتِ الغربيِّ المسيحيِّ الذي حاول إنصافَ الرسول ﷺ وقدَّم شهادةً موضوعيةً عنه وعن الإسلام، فهما لن تَضِيرَهما عداوةٌ أو تُنصِفَهما صداقةُ أحد". والكتابُ موجَّهٌ إلى القارئ الغربيِّ، وليس إلى القارئ العربيِّ المسلم،

стр. 2237

فلن يُضيفَ إليه جديداً، ولكنه نموذجٌ للكتابةِ الموضوعيةِ غير المتحيِّزة، خاصةً وأنها تكشفُ في هذا الكتاب التناقضَ في العقليةِ الغربيةِ بين ادِّعائها بأنها عقليةٌ علميةٌ وموضوعيةٌ ومُحايِدة، وبين تحيُّزِها المبدئيِّ ضدَّ الإسلامِ ورسولِه دونَ دراسةٍ أو تحليلٍ كافيَينِ لعقائدِ الإسلامِ وسيرةِ الرسول ﷺ وتاريخِ الحضارة الإسلامية. ° تقول "كارين أرمسترونج": "إنَّ لدينا في الغربِ تاريخًا طويلاً من العَداءِ للإسلام، راسخَ الجذور، ولم يَعُدْ يَمنعُ الناسَ شيءٌ عن مهاجمةِ هذا الدين، حتى لو كانوا لا يَعرِفون عنه غيرَ أقلِّ القليل! ويرجعُ هذا العَداءُ إلى الفترة التي نشأت فيها الإمبراطوريةُ الإسلامية في القرنِ السابع الميلادي، وكانت أوربا منطقةً متخلِّفةً، وامتَدَّت الفتوحاتُ الإسلاميةُ بسرعةٍ إلى مُعظَمِ مناطِقِ العالَم المسيحيِّ في الشرق الأوسط، وإلى الكنيسةِ المسيحيةِ العظيمةِ في شمالِ إفريقيا، وكان زَحفُ الإسلام بهذه القوةِ والسرعةِ خطرًا داهمًا يتهدَّدُ الغرب، إذ تساءلوا: هل تخلَّى اللهُ عن المسيحيين، ومَنَح رضاه لهؤلاء (الكفار)؟، وحتى بَعَد أن خَرَجت أوربا من عصورِها المُظلِمة وأنشأت حضارتَها العظيمةَ، ظلَّ لديها الخوفُ من توسُّع الإمبراطوريةِ الإسلامية، خاصةً وقد تأكَّد لأوربا عَجْزُها عن التأثيرِ في تلك الثقافةِ القوية، وكان الفشلُ هو نهايةَ المشروع الصليبيِّ في القرنين الثاني عَشَر والثالثَ عَشَرَ، ولم يَلبِث العثمانيون أن جاؤُوا بالإسلام إلى داخل أوربا نفسِها، وكان مِن المُحالِ على المسيحيين الغربيين أن يلتزموا بالعقلانية أو الموضوعية تُجاهَ العقيدةِ الإسلامية، فكانوا يَنسجون مِن خيالهم صُورًا

стр. 2238

مخيفةً عن اليهود، ويرسُمون في نفسِ الوقت صُورةً شائهةً (قبيحةً) للإسلامِ تُعبِّر عن الشعورِ بالقلق في أعماقهم من هذا الدين". ° وتقول "كارين أرمسترونج": "إن علماءَ الغرب كانوا يُهاجمون الإسلامَ، ويَصِفون محمدًا ﷺ بأنه "المدَّعِي الأكبر"، ويتَّهمونه بأنه أنشأ دينًا قائمًا على العُنفِ والسَّيفِ لفَتحِ العالم، وحَرَّفوا اسمَ محمدٍ ﷺ إلى "ماهوميت" تعبيرًا عن كراهيتهم للاسم ولصاحبه .. وقد أصبح اسمُ "ماهوميت" البُعبُعَ الذي يُخيفُ الناسَ في أوربا، حتى إنَّ الأمهاتِ كنَّ يَستعمِلْنَ الاسمَ لتخويفِ أطفالِهن، وكانت المسرحياتُ الغربيةُ تُصوِّرُ "ماهوَميت" ودعوتَه في صورةِ العدوِّ للحضارة الغربية، حتى أصبحت هذه الصورةُ الزائفةُ للإِسلام من الأفكارِ الراسخةِ التي لا تزالُ توثِّرُ حتى اليومِ في آراءِ ونَظرةِ الغربيين إلى العالم الإِسلامي، وزاد مِن تعقيدِ المشكلة أن المسلمين قابلوا عَداوةَ الغربِ لهم بالعداوةِ للغرب". ° وتُشير "كارين أرمسترونج" إلى الكتاباتِ السابقة عن محمد ﷺ ، وأهمُّها كتابَيْ "مونتجومري وات" وهما "محمد في مكة"، و"محمد في المدينة"، وتقول عنهما: "أنهما كتابان دراسيَّان موجَّهان للطلبة، وكلٌّ منهما يَفترضُ معرفةَ القارئِ بحياةِ محمدٍ وهي غائبةٌ عن كثيرين"، وكتاب "مارتن لنجز" وهو بعنوان "محمد .. سيرة حياته استنادًا إلى أقدم المصادر"، وفيه معلوماتٌ باهرةٌ استقاها من كُتبِ السيرة من القرنِ الثامنِ الميلادي إلى القرن العاشر، ولكنَّ هذا الكتاب موجَّهٌ إلى المقتنعين بالإِسلام ورسوله، ولا يناقشُ المخالِفين والرافضين، وكتابُ المستشرق الفرنسي "ماكسيم

стр. 2239

رودنسون" وهو بعنوان "محمد". ° وتقول "كارين أرمسترونج": "لقد تعلَّمتُ من كِتابِ "رودنسون" كثيراً، ولكنه كَتَبه من وِجهةِ نظرِ المتشكك، ورَكَّز على الجوانبِ السياسيةِ والحربيةِ في حياة النبي ﷺ ، ولذلك لا يُساعِدُ قارئَه الغربيَّ على تفهُّمِ الرؤية الرُّوحيةِ للنبيِّ محمد ﷺ ". ° وبَعد هذا الاستعراضِ تتحدَّثُ عن منهجِها في دراسةِ الرسول ﷺ ، فتقول: "إن نقطةَ الانطلاق هي أننا نَعرفُ عن محمد ﷺ أكثَرَ ممَّا نعرفُ عن أيِّ مؤسِّسٍ لأيِّ دين من الأديان الرئيسة الأخرى، وإنَّ دراسةَ حياتِه يُمكنُ أن تَهَبَنا إدراكًا عميقًا ومُهِمًّا لطبيعةِ التجربةِ الدينية". وترى "كارين أرمسترونج" أن التجرِبةَ الدينية التي خاضها محمدٌ ﷺ تتشابهُ مع تجارِبِ أنبياءِ بني إسرائيل ومع تجربةِ القِدِّيسة "تيريزا"، ولقد نَجَح محمدٌ ﷺ نجاحًا سياسيًّا غير عاديٍّ، ويَميلُ المسيحيون إلى التشكيكِ في الطابع الإِلهيِّ لهذا الانتصارِ الدنيوي. ° وتتسائل: "ألَا يوجدُ طريقٌ آخَرُ يوصَّلُنا إلى الله سوى طريقِ الإخفاقِ الذي سَلَكه المسيح؟ ". ° الفصل الأول من كتاب "كارين أرمسترونج" بعنوان "العدو محمد"، تقول فيه: "إن الغربيين أدانوا المَشهدَ الذي ظَهَر فيه المسلمون في إحدى المُدنِ البريطانيةِ وهم يَحرِقون روايةَ "سلمان رشدي"، ولكنهم لم يتذكَّروا حوادثَ إحراقِ الكُتبِ في أوربا المسيحية على مرِّ القرون! وعلى سبيل المثال، فقد قام الملِكُ "لويس التاسع" -ملك فرنسا- بإدانةِ التِّلمود

стр. 2240

اليهوديِّ باعتبارِه هجومًا خبيثًا على شخصِ السيد المسيح، وكان المَلِك "لويس التاسع" يَشغَلُ منصبَ قدِّيسٍ رسميِّ في الكنيسة الكاثوليكية، وأصدر أمرًا بحَظْرِ الكِتاب، وأُضرِمَتِ النارُ في جميع النُّسخِ أمام المَلِك، ولم يَقبلْ مناقشةَ خلافاتِه مع الجالياتِ اليهوديةِ في فرنسا بالوسائل السِّلمية، وقال: "إن الأسلوبَ الوحيدَ للمناقشةِ مع اليهوديِّ أن تقتلَه بطعنةٍ نافذةٍ في بطنهِ بأقصى ما يَصِلُ إليه السيفُ". وكان "لويس التاسع" هو الذي بدأ الحملةَ الأولى من محاكم التفتيش، ولم يَكتفِ بإحراقِ كُتبِ مَنِ اعتَبَرهم المارقينَ من المسيحيين، بل أحرَقَ المئاتِ من الرجالِ والنساءِ منهم، كما كان يَكرهُ المسلمين، وقاد حَمْلَتَينِ من الحَمْلاتِ الصليبيةِ ضدَّ العالم الإسلامي". وتَعتبرُ "كارين أرمسترونج" أن التاريخَ المريرَ للعلاقاتِ بين المسلمين والغربِ بدأ بالهجوم على النبي محمد ﷺ في الأندلس، ففي عام (٨٥٠) ميلادية خَرج راهبٌ اسمه "بير فكتوس" إلى السوق في "قُرطبة" -وكانت عاصمةَ الأندلس الإسلامية، فقابلَ بعضَ المسلمين، وسألوه أن يُفاضلَ بين النبي عيسى والنبيِّ محمد، فانطلق يَصُبُّ وابلاً من الشتائم، زَعَم مِن خلالِها أن نبي الإسلام دجالٌ ومُولعٌ بالجنس، وأنه هو المسيحُ الدجال، وسُرعانَ ما أُلقي به في السجن. وكانت تلك حادثةً شاذةً في "قرطبة"، لأن العلاقاتِ كانت طيبةً بين المسلمين والمسيحيين، وكان الحُكمُ الإسلاميُّ في الأندلس يُعطِي الحريةَ الدينية للمسيحيين واليهود، وكانت الحضارةُ الإسلاميةُ ورُوحُ التسامحِ

стр. 2241

الدينىِّ فيها سابقةً لجميع دول أوربا. وعندما وصل "بير فكتوس" إلى القاضي كان يَرتعدُ خوفًا ورُعبًا، ولكنَّ القاضي لم يُصدِرْ حُكمًا بإعدامِه لإهانتِه الإسلامَ ورسولَه، لأنه رأى أنه كان ضحيةَ استفزازٍ من المسلمين، ولكن" بير فكتوس" بعد إطلاقِ سراحِه ظل يَسُبُّ نبيَّ الإسلام سبًّا بذيئًا، فلم يَجِدِ القاضي بُدًّا من الحُكم بإعدامه، فتَجمَّع عددٌ من المسيحيين، وكوَّنوا جماعةً اعتَبرت "بير فكتوس" شهيدًا، وبعدها بأيام ظَهَر راهبٌ آخرُ يُدعى" إسحاق" ظَلَّ يَسُبُّ الإِسلامَ ونبيَّ الإسلام بحرارةٍ جَعلت القاضي يظنُّ أنه مخمورٌ أو مختلٌّ عقليًّا، ولَّما استمرَّ في السِّباب -وهو في كامل وعيه- لم يَجِدَ القاضي بُدًّا من الحُكم عليه، ولم يكن المسلمون يَضيقون بمعتقداتِ الدياناتِ الأخرى بما فيها نقاطِ الخلافِ مع الإسلام، لأن الإسلامَ وُلد في ظلِّ التعدُّديةِ الدينية، وتَعايَشَ مع جميعِ العقائد على مرِّ العصور، ولم يكن القانونُ في الإمبراطوريةِ الإسلاميةِ يُحَرِّمُ الدعوةَ المسيحيةَ، وكان يَشترطُ فقط ألا يتعرَّضَ المسيحيونَ في دعوتهم للهجوم على النبيِّ محمدٍ ﷺ . ولم تَمضِ أيامٌ على إعدام "إسحاق" حتى وصل سِتَّةُ رُهبانِ من الدَّيرِ نفسِه، وقاموا بالتهجُّم على النبيِّ محمد ﷺ بصورةٍ مُقذِعة، وانتشرت هذه الظاهرةُ حتى بَلَغ عددُ من حُكم عليهم خمسين، واشترك أسقفُ قرطبة في إدانتِهم، ولكنهم اعتُبِروا "شهداءَ قرطبة" وانتَشرت هذه القصَّةُ في الغرب، وكان الإسلامُ في ذلك الوقتِ قوةً عامليةً، وكانت أوربا قد اكتَسحتها القبائلُ الهمجيةُ، وأصبحت بِركةً رااكدةً، وكان العالَم يبدو كأنه

стр. 2242

قد أصبح كلُّه إِسلاميًّا، كما نرى العالَمَ اليومَ كأنه أصبح كلُّه غربيًّا، وظلَّ الإسلامُ في كلِّ العصور يُمثِّلُ التحدِّي للغرب. ° وكانت صيحاتُ التهجمُّ على الإسلامِ ورسولِه التي أطلقها "شهداء قراطبة" تَستندُ إلى وَهمٍ في عقولٍ (سيطر عليها الرعبُ) أن محمدًا دجَّال، نَصَّب نفسَه نبيًّا لِيخدعَ العالَم، وأنه فاسقٌ يدفعُ أتباعَه إلى محاكاتِه، وأنه يُجبِرُ الناسُ على اعتناق عقيدتِه بحدِّ السيف .. وانتهت هذه الأوهامُ إلى القولِ بأن الإسلامَ ليس دينًا، بل هو بدعةٌ، أو صورةٌ مشوَّهةٌ من المسيحية. هذه الصورةُ التي تكونت من الأوهام في الأندلس، أُسدل عليها سِتارُ النسيان، ثم عادت بعد (٢٥٠) سنةً لتُردِّدَ نفسَ هذه الأوهام، وهناك بعضُ الباحثين المتعمِّقين حاولوا وضعَ تصوُّرٍ موضوعيٍّ لنبيِّ الإِسلام وللدينِ الذي أتى به، لكنَّ الصورةَ المشوَّهةَ استمرَّت على المستوى الشعبي، وما تزالُ آثارُ هذه الأوهامِ القديمةِ موجودةً حتى يومِنا هذا، وما زال شائعًا في الغربِ القولُ بأن محمدًا ليس سوى رجلٍ قام باستغلال الدين لتحقيق الفتوحاتِ وسيادةِ العالم، وأن الإسلامَ دينُ عُنفٍ وحرب، على الرغمِ من ظهورِ دراساتٍ تُبَيِّنُ خطأَ وفُحشَ هذه الأسطورة. ° وكان جَهلُ الأوروبيَّين بالإسلام في زمنِ الحربِ الصليبية يَصِلُ إلى تصوُّرِهم للمسلمين بأنهم يركعون أمامَ ثلاثةِ آلهة هي "أبولو" و"تيرفاجان" و"محمد"، ولم يعتبروا المسلمين بَشَرًا مِثلَهم، ولذلك قاموا بارتكابِ مذبحةٍ لا مَثيلَ لها في التاريخ لسُكَّان القدسِ المسلمين، وقالوا: "إن

стр. 2243

المسلمين وَباءٌ لا بدَّ من تطهيرِ الأماكنِ المقدَّسةِ منه"، وكانوا عندما يتحدَّثون عن المسلمين يُطلقون عليهم اسم "القذارة". ° وتُشير "كارين أرمسترونج" إلى أن اهتمامَ أوربا بالنبيِّ محمدٍ ﷺ يكادُ يكونُ معدومًا حتى عام (١١٠٠) ميلادية، وشاعت المعرفةُ به في (١١٢٠) على أنه "ماهاوند" عدوُّ الممالِكِ المسيحية، وتنقلُ عن الباحث البريطاني "د. وساذرن" سُطورًا عن دراسته بعنوان "صور الإسلام في الغرب في العصور الوسطى"، يقول فيها: "لا شك أنهم عندما وَضعوا هذه الأساطيرَ والأوهام، كانوا يَرَون أنها الصورةُ الحقيقية، ولم تتغيَّرْ صورةُ محمدٍ وأتباعِه كثيرًا عن كونهم أبناءَ الصحراء". وتُعلِّقُ على ذلك بأن هذا الطابعَ الخياليَّ لشخصيةِ "ماهاوند" هو الذي أدَّى إلى صعوبة النظر إلى النبي محمدٍ ﷺ في الغرب على أنه شخصيَّةٌ تاريخيةٌ جديرةٌ بالدراسة كما يفعلون مع "نابليون" أو "الإِسكندر الأكبر"، ولهذا كانت الصورةُ الخياليةُ لشخصية "ماهاوند" في رواية "سلمان رشدي" متَّقفةً مع هذه الأوهامِ الغربيةِ الراسخةِ بعُمق، ومن ذلك الزعم أن الرسول ﷺ -كان ساحرًا خَدَع الناسَ بمعجزاتٍ زائفة، وأنه قام بتدريب حَمامةٍ على التقاط حَبَّات البازلاَّء من أُذنيه، حتى يبدوَ للرائي كأنَّ رُوحَ القدسِ تتنزَّلُ عليه وتَهمِسُ له بالوحي، وقالوا أيضًا: "إنه ﷺ -كان يُعاني من الصرع"، وأفاضوا في الحديث عن حياتِه الجنسيَّة. تُعلِّقُ "كارين أرمسترونج" على كل ذلك بأن المسيحيين الغربيينَ لم يستطيعوا تفسيرَ الرؤيةِ الدينيةِ الرائعةِ والمُقنِعةِ التي أتى بها محمدٌ ﷺ وسِرِّ

стр. 2244

نجاحِها إلاَّ بإنكارِ الوحي والقولِ بأن الإسلامَ فِرقةٌ خارجةٌ على المسيحية، كما تُفسِّرُ قَلَقَ المسيحيين من الإسلام بالأعمالِ العُدوانيةِ التي ارتكبوها باسمِ المسيحية ضدَّ المسلمين في الحروب الصليبية، وهي ممارساتٌ لا علاقةَ لها بدعوةِ السلام التي جاء بها المسيح. ° وتقول: "إن الكنيسةَ كانت تَفرِضُ على رجالِ الدينِ الامتناعَ عن الزواج مع رغبتِهم فيه، فكانت المبالغةُ في الرواياتِ عن الحياةِ الجنسيةِ للنبيِّ محمدٍ ﷺ تعبيرًا عن الكَبْتِ الذي يُعاني منه هؤلاء أكثَرَ ممَّا هي تعبيرٌ عن الحقائق .. أما اتهامُهم للإسلام بأنه لا يَعترفُ بالحريةِ الدينيةِ، فهو نوعٌ من إلقاءِ التُّهمة على الآخر؛ لأن الغربَ -وليس الإِسلام- هو الذي مَنَع حريةَ المناقشةِ في المسائل الدينية، وكان يُعاقِبُ كلَّ مَن يَخرجُ على الفِكرِ الذي تَفرِضُه الكنيسةُ بالحَرْقِ على أيدي "محاكم التفتيش"، وكذلك قامت بعد ذلك حركةُ اضطهادِ البروتستانت والكاثوليك بعضِهم لبعضٍ بسبب الخلاقاتِ الدينية بين الطائفتين. ولمَّا كانت اليهوديةُ هي الدينَ الأجنبيَّ الوحيدَ في أوروبا في ذلك الوقت، فقد بدأت الحَمْلاتُ الصليبيةُ بمَذابحَ لليهود في "وادي نهر الراين"، وكانت تلك أولى المذابحِ الجماعيةِ في أوروبا، وأصبح العَداءُ للساميةِ مرضًا مُزمنًا، حتى إن الأساطيرَ الأوروبيةَ وَصلت في عَدائِها لليهود إلى حدِّ القولِ بأن اليهودَ يَقتُلون الأطفالَ وَيمزجُون دماءَهم بخبزِ "عيدِ الفصح" العبراني، وأنهم يُدبِّرون مؤامرةً دوليةً للإِطاحة بالمسيحية". ° وتقول "كارين أرمسترونج": "إن مِثلَ هذه الأساطيرِ الُمعاديةِ لليهود

стр. 2245

لم يَظهرْ مِثلُها في العالَم الإِسلامي في أيِّ عصرٍ من العصور، لكنَّ التعصُّبَ كان في أوروبا، حتى إنه بَعد إلاستيلاءِ على الأندلس وجنوبِ إيطاليا وصقلية وعودتِها إلى المسيحية، بَقِيَ في هذه المناطقِ مسلمون ويهود فُرضت عليهم العُزلة، ومَنعت الحكومةُ المسيحيين من التعامُل معهم، وصَدرت تشريعاتٌ كَنَسيَّةٌ خاصةٌ في المجلسَينِ البابويَّينِ، أحدُهما عُقد سنة ١١٧٩، والثاني في سنة ١٢١٥ تَعتبرُ اليهودَ والمسلمين "العدوَّ"، وتَفرضُ هذه التشريعاتُ عقوباتٍ على كل مَن يتعاملُ مع المسلمين واليهود أو يُشارِكُه الطعامَ بالطردِ من الكنيسة ومصادرةِ الممتلكات، وقد أصدر البابا "جريجوريوس التاسع" في عام ١٢٢٧ مراسيمَ بابَويةً تَفرضُ على المسلمين واليهودِ أن يَرتَدُوا ملابسَ مميَّزةً، ويَحظُرُ عليهم الظهورَ في الشوارع أثناءَ الأعياد المسيحية، ويُحرِّمُ توليَّهم مناصبَ حكوميةً في البلادِ المسيحية، ومَنَع الجَهْرَ بالأذان حتى لا يؤذيَ أسماعَ المسيحيين. وبعد ذلك أعلن البابا "كليمنت الخامس" (١٣٠٥ - ١٣١٤) أنَّ وجودَ مسلمٍ على الأرضِ المسيحيةِ يُعتبرُ إهانةً لله. وقبل ذلك قام مَلِكُ فرنسا "شارل آنشوا" عام ١٣٠١ بإبادةِ مَن بَقِيَ من المسلمين أبناءِ صقلية وجنوب إيطاليا. وقد ظَلَّت محاكمُ التفتيش في إسبانيا تضطهدُ المسلمين وذريتهم على مَدى ٣٠٠ سنة". وسِجِلُّ العَداءِ أكبرُ ممَّا يَصِلُ إليه الخيال، ويمكنُ لمن يريدُ معرفةَ المزيدِ العودةُ إلى كتاب "كارين أرمسترونج"، ففيه الكثير.
следующие страницы →