ترى المسلمين وقد وَقفوا في وقتٍ واحدٍ صفوفًا منتظمةً متَّجهينَ إلى قِبلةٍ واحدة، وقبلَ الصلاة يكونُ الوضوءُ -وهو نوعٌ من الطهارةِ الجسديةِ- تمهيدًا للوقوف بين يَدَي الله".
° ويتحدَّثُ عن الزكاة فيقول: "إنها في الإِسلام لا تُعتبرُ صدقةً .. بل هي حقٌّ معلومٌ للفقراء من أموالِ الأغنياء، والمالُ كلُّه لله في مفهومِ الإسلام، فالزكاةُ وسيلةُ التكافلِ والتضامنِ الاجتماعيِّ في المجتمعِ الإسلاميِّ، تُزيلُ الحقدَ من نفوسِ الفقراء، كما تُزيلُ الجَشعَ من نفوسِ الأغنياء .. أمَّا الحج، فإنه يَجمعُ المسلمين في وقتٍ واحدٍ ومكانٍ واحدٍ أمامَ الله بلا تمييزٍ طَبَقي، ليُشعرَهم بعظمةِ دينِهم، وُيقوَّي فيهم الإحساسَ بالترابطِ، ويؤكِّدَ المساواةَ بين المسلمين أمام الله".
° وعن الاقتصاد في الإسلام يقول: "إنه يقومُ على مبادئَ، مِثلِ: التوازن في توزيعِ الدخل، وتحريم الاحتكار، وجَعلِ المِلكيةِ الفرديةِ لصالح الفرد والجماعة، واعتبارِ السُّوقِ وسيلةً وليس غاية، وأهمُّ من كل ذلك أن المسلمَ يَجعلُ اللهَ أمامَ عينيه في كلِّ ما يقول وكل ما يعمل، ولا يَسمحُ لنفسه بأنْ يتعدَّى حدودَ الله. أما في الغرب فإن الهدفَ هو السَّعيُ إلى المَزيدِ من الربح، والمزيدِ من الإنتاج، والمزيدِ من الاستهلاك".
° وَيعتبر "جارودي" أن وَضْعَ المرأةِ في الإسلام هو الوضعُ الأمثلُ، فقد رَفع الظُّلمَ عنها، وساوَى بينها وبين الرجل في الحقوقِ والواجبات .. وصان المرأةَ، وحافَظَ على كرامتها.
° ويُشير إلى وضع المرأة في الغربِ على مدى العصور؛ فقد أباح
стр. 2277
"سقراط" أن يُقرِضَ الزوجُ زوجتَه لمن يشاء من أصدقائه، "وأفلاطون" قرَّر ضرورةَ شيوعِ النساء، أي: أن تكونَ كلُّ النساء لكلِّ الرجال، ولا يكونَ لرجلٍ امرأةٌ بعينها، والأبناءُ هم أبناء المجتمع!!.
° وقد أعطى الإِسلامُ للمرأةِ حقوقًا لأولِ مرةٍ، منها: حقُّ التملُّك، وجَعَل لها نصيبًا في الميراث بعد أن كانت هي نفسُها ضِمنَ الترِكة، وأعطاها حقَّ التعلُّم والعملِ واختيارِ الزوجِ وطلبِ الطلاق، وقرَّر الإسلامُ للمرأةِ حقوقًا بعد الطلاقِ، منها: النفقة، وحِضانةُ الصغار.
° ويَسخرُ "جارودي" من زيادةِ الأطفالِ غيرِ الشرعيين في المجتمعاتِ الغربيةِ والتفاخُرِ بحريةِ العلاقات الجنسيةِ خارجَ الزواج، ويتساءل: "أيهما أفضلُ وأكثرُ حمايةً للمرأة وللأبناء: تعدُّد الزوجات في إطار الشرعية أو تعدد العلاقات غير الشرعية؟! " (١).
° ويتكلَّمُ "جارودي" عن الأفكارِ الرائجةِ في الغرب التي تَدفعُ الشبابَ إلى الإحباطِ واليأس، ويَشعرون -كما قال فلاسفة الوجودية- بأن الحياةَ ليست سِوى جَحيم، وأن الآخَرين هم أيضًا جحيم، وأن الإنسانَ يَسيرُ في حياتِه -بعين مُغمضةٍ - نحوَ هاويةٍ لابد منها، ومن هؤلاء مَن حَصل على جائزةِ نوبل أو رُشِّح لها، ولهم تلاميذُ كثيرون اعتَنقوا أفكارهم، ويتجرَّأُ أحدُهم إلى حدِّ إعلانِ موتِ الله، كما فعل الفيلسوف الألماني "نيتشه" من قبلُ، وبعضُهم يَصِفُ الإنسانَ بأنه مجردُ دُميةٍ على مسرحِ العرائس الذي نُسميه الحياة!.
стр. 2278
° يقول "جارودي": "كيف أصفُ هؤلاء المفكِّرين والكُتَّاب؟ إنهم سفَّاحو الثقافةِ والفكر، بينما عقيدةُ الإسلام قادرةٌ على إعطاءِ الأملِ للإنسان، وشَحْذِ عزيمتِه، وإرشادهِ إلى طريقِ الخيرِ والفضيلةِ، ووعودُ الإسلام بالحسابِ في الآخرة ثوابًا أو عقابًا تكفي لإعطاءِ الحياةِ أعظمَ المعاني".
ويدعو "جارودي" مفكَّري الغربِ إلى تفهُّمِ الإسلام، وأن يتعلَّموا كيف يُمكِنُهم الوصولُ إلى الرُّوح -رُوحِ الإسلام-، وحينئذٍ سوف تمتلىُء نفوسُهم بالأملِ في الحياةِ وما بعدَ الحياة.
° وفي نفس الوقت يدعو "جارودي" المسلمين إلى أنْ يتحرَّكوا ويجدِّدوا حياتَهم في ظلِّ الإسلام، وألا يستسلموا للجمودِ ويقعوا في عبادة الماضي، ويَستشهدُ على ذلك بعبارةٍ بليغةٍ لمفكِّرٍ فرنسيٍّ شهيرٍ هو "جورس" الذي قال: "إن إخلاصَ المرءِ لأجداده لا يكون بالإبقاءِ على رَمادِ المدفأة التي كانوا يستعملونها .. بل بإذكاءِ جَذوةِ النارِ فيها".
° وفي محاضرةٍ شهيرةٍ في جامعة الأزهر في مارس ١٩٨٣، بدأ "روجيه جارودي" حديثَه بعباراتٍ قاطعة فقال: "إن الإِسلامَ اليوم هو الدينُ الذي ما زال في حالةِ تقدُّم مستمر، وإنْ كان قد أصاب المسلمين الضعفُ في القرن الثامن في الأندلس، إلاَّ أن الإسلامَ ما زال ينتشرُ في آسيا، والهند، وأندونيسيا، وفي أماكنَ أبعدَ مِثل ماليزيا، وبورما، وتايلاند، والصين، وكوريا، واليابان، وفي الفترة التي وقف فيها "عبدُ الناصر" في مواجهةِ الغرب حَدَث اندحارٌ للاستعمار في أفريقيا، وتحرَّر كثيرٌ من الدول، وأصبحت القارةُ الأفريقيةُ بأكملها في سبيلها لأن تكونَ قارَّةً إسلامية، كما
стр. 2279
وصلت هذه المَوجةُ أيضًا إلى الولاياتِ المتحدة وآسيا الوسطى .. وهكذا فإنَّ هناك صورةً جديدةً للإِسلام بدأت في الظهور تُكمِلُ نَهضَته وتَفتُّحَه حتى في البلادِ التي تَسُودُها الضغوطُ السوفيتية، وعندما تتفجَّرُ هذه الآفاق سيظهرُ للعالَم أنَّ الإسلامَ حيٌّ يستطيعُ مواجهةَ تحدياتِ القرن، كما استجاب في الماضي لمتطلَّباتِ عصورٍ ومجتمعاتٍ عديدة".
وانتشارُ الإِسلام- في رأي جارودي- هو ردُّ فعلٍ لطغيانِ الغرب .. فالغربُ يسيطرُ على العالم بدونِ شريكٍ منذ خمسةِ قرون، وفَرَض نموذجَه الحضاريَّ والثقافي، والنموذجُ الغربيُّ للتنميةِ قائمٌ على نَهبِ الثرْواتِ المادية البشريةِ التي تمتلكُها الشعوبُ الأخرى، مع أن شعوبَ الغربِ تعادِلُ خُمْسَ سُكَّانِ الكرةِ الأرضية فقط، والغربُ يُنتجُ أيَّ شيء بكمياتٍ كبيرة، سواءٌ كانت مفيدةً أم ضارةً أم قاتلةً، مثلَ الأسلحةِ المدمِّرة التي تُعدُّ سُوقًا رائجةً يعتمدُ عليها الغربُ في تحقيق الرخاء الذي يَنعَمُ به حاليًا.
وذلك النموذجُ المخيفُ للتنميةِ يَكشفُ طبيعتَه الانتحارية، ففي عام ١٩٨٢ مثلاً بَلَغ الإنفاقُ على الأسلحة ٦٥٠ مليار دولار، وكان لكلِّ فردٍ في العالَم ما يُوازِي أربعةَ أطنانٍ من المتفجِّرات التقليدية، وأصبح مِن الممكن نظريًّا تدميرُ كلِّ أثرٍ للحياة في هذه الأرض، وذلك الاحتمالُ -وإن كان بعيدَ الوقوع- إلاَّ أنه يَحدُثُ لأولِ مرةٍ في تاريخ البشرية، أي منذ ثلاثةِ ملايين سنةٍ على الأقل! بينما تشيرُ إحصاءاتُ الأممِ المتحدة عن نفسِ العام (١٩٨٢) إلى أن الذين ماتوا جُوعًا بلغوا ٥٠ مليونَ إنسانٍ في العالم الثالث، ولا يمكنُ تخيُّلُ صورةٍ أبشعَ من هذه الصورة التي وَصل إليه العالَمُ بعد خمسةِ قرونٍ من الحضارة والتقدُّم -كما يقولون في الغرب-.
стр. 2280
° ويَرصُد" جارودي" كتاباتٍ في الغرب اتَّجهت إلى إنصافِ الإسلام ومحاولةِ فهمه، ويقول: "إن هذه الكتاباتِ كانت في ألمانيا فقط؛ لأنها لم تَستعمرْ بلادَ المسلمين كما فعلت بريطانيا وفرنسا، وهذا ما جَعل المفكِّرَ "هيردر" (١٧٤٤ - ١٨٠٣) يعترفُ بأن العربَ هم "أساتذة أوروبا"؛ فنجدُ "فردريك شليجل" يُشيدُ بالفنون الشرقية الإسلامية، والشاعرَ الألماني الكبير "جوته" الذي كَتب عام ١٧٧٤ قصيدةً في تمجيدِ محمدٍ ﷺ ، ودعا في كتابه "الديوان الشرقي" إلى الهجرةِ إلى الشرقِ لِينهلَ الغربُ منه شبابًا جديدًا، وقد أُعجب "جوته" بالشعراء الصوفيين الكبارِ أمثال ابن الرومي، وحافظ الشيرازي، والسعدى، وكان المستشرق "سلفستر دي ساسي" قد تَرجم بعضَ أشعارهم، كما كان "جوته" أولَ من قال في الغرب: "إذا كان الإسلامُ يعني التسليمَ لله، فإننا جميعًا نعيشُ ونموتُ على الإسلام".
وأبدى الفيلسوفُ الألماني "هيجل" تقديرَه للإسلام؛ لأن اللهَ الواحدَ الأحدَ في الدين الإسلامي يُحرِّمُ التمييزَ العِرْقيَّ والطائفي، ويُحرِّمُ استعلاءَ طبقةٍ على أساسِ المِلكيةِ وحدها، ويُعوِّدُ المسلمين الدقَّةَ في حياتِهم بفروضٍ أهمُّها الصومُ والصلاةُ والزكاة.
° وكان الفيلسوف الألماني: "أوزوالد شبلنجر" أكثَرَ جُرأةً في إنصافِه للإسلام في كتابِه الشهير "سقوط الغرب" عام ١٩١٧، حيث قال: "لم يكن لغزُ النجاحِ الخارقِ للإسلام بسبب اندفاعِه الحربي؛ ولكن لأنه استوعب كلَّ الديانات".
° أين هذا من نظرةِ الاستعلاءِ والصَّلَف عند الصليبيِّ "لورانس العرب" -رجل المخابرات البريطانية- الذى يقولُ في كتابه "أعمدة الحكمةِ
стр. 2281
السبعة": "إنَّ جميعَ ولاياتِ الإمبراطورية العثمانيةِ لم تكنْ تُساوِي -في نظري- حياةَ إنسانٍ بريطانيٍّ واحد"؟!.
° ويعارضُ "جارودي" التيارَ الغربيَّ الذي يتهمُ الإسلامَ بأنه دينٌ ينتمي إلى الماضي، فيقول: "إنَّ الإسلامَ قوةٌ رُوحيَّةٌ عظيمةٌ للإِصلاح والتقدم في المستقبل كما كان دائمًا".
° ولَمَّا دوَّى صوتُ "جارودي" في الغرب دِفاعًا عن الإِسلام، تحمَّل بسببِ ذلك الكثيرَ من الاضطهاد والمطاردة إلى حدِّ محاكمته والتهديدِ بسجنه.
* الدكتور جرينييه:
° قال الرحَّالة السيد "محمود سالم" في مقالٍ له نُشِر في مجلة "المنار"، مجلد ١٤ (ص ٥١٨): "قَصَدتُ في سياحاتي مدينةَ "بونتارليه" لمقابلة الدكتور "جرينييه" المسلمِ الفرنساويِّ الشهير، الذي كان في السابق عُضوًا في مجلس النوَّاب، قابلتُه لأجلِ أنْ أسألَه عن سببِ إسلامه، فقال: "إني تتبَّعت كلَّ الآياتِ القرآنيةِ التي لها ارتباط بالعلوم الطبيَّةِ والصحيَّة والطبيعية، والتي دَرستُها من صغري وأعلمُها جيِّدًا، فوجدتُ هذه الآيات منطبقةً كل الانطباقِ على معارِفِنا الحديثة، فأسلمتُ لأني تيقنتُ أن محمدًا ﷺ أتى بالحقِّ الصُّراح مِن قبل ألفِ سَنة، مِن قَبْل أن يكونَ مُعلمٌ أو مدرِّسٌ من البشر، ولو أن كل صاحبِ فنٍّ من الفنون، أو عِلمٍ من العلوم قارن كلَّ الآياتِ القرآنيةِ المرتبطةِ بما تعلَّم جيِّدًا كما قارنت أنا، لأَسلم بلا شك .. إنْ كان عاقلاً خاليًا من الأمراض" (١).
стр. 2282
ومن أمريكا
* الدكتور ليتنز الأمريكي:
° قال في موضوع له في مجلة "المقتطف" -المجلد الخامس- الجزء ٤، عَرَّبه الأستاذ "وليم باسيلا" المصري: "إنَّ محمدًا نبيٌّ، وقد أوحى الله إليه، ومرةً أوحى إليه وحيًا شديدَ المؤاخذة؛ لأنه أدار وجهَه عن رجلٍ فقيرٍ أعمى، ليُخاطبَ رجلاً غنيًّا مِن ذَوِي النفوذ، وقد نَشَر ذلك الوحيُ، فلو كان كما يقولُ أغبياء النصارى بحقِّه، لما كان لذلك الوحيِ من وجود، ولَتَركَتْه العصورُ التي مرَّت عليه أنقاضًا".
* أندرا وليامس الأمريكي:
° مستشرقٌ أمريكي، قال في كتابه "أميركي في البلاد العربية" -تعريب عمر أبو النصر-: "قد يكون اسم "محمد" أكثرَ الأسماء شيوعًا في العالمَ، وأشهرُ مَن حَمَل هذا الاسمَ على الإِطلاق عربي أبصر النورَ في قريةٍ نائيةٍ من أرض الجزيرة العربية -وهي "مكة"- عام (٥٧١) للميلاد، إليه أوحى اللهُ كلمتَه فأجراها في كتاب، ونَشَرها بين النالس، ودعا أصحابَه للإيمان بالإله الواحد ربًّا، وبمحمدِ بنِ عبدِ الله رسولاً، وبالعمل الصالح والنَّهيِ عن المنكر قِبلةً ومُصلًّى، وآذنت حياتُه بمغيبٍ في الثالثة والثلاثين بعد السِّتمئة من البلاد، تاركًا لقومه دينًا جديدًا، وكتابًا منزَّلاً، ورسالةً ضخمةً لنشرِ الدين وإقامةِ الحضارة، ولقد دعا محمد في عهدِه إلى أَخَوِيَّةٍ جديدة، أخويةِ المسلم لأخيهِ المسلم، لا فَرقَ بين أولٍ وآخر، سواءٌ أكان أميرًا أم عبدًا إلاَّ بالعملِ الصالحِ والخيرِ والإحسانِ، ثم أرسل قومَه بعد هذا لغزوِ العالَم،
стр. 2283
وتوحيدِ الأرض في صعيدٍ واحد، فإذا تَقطَّعت سنواتٌ بعد وفاته، نجدُ الإسلامَ ينتقلُ من نصرٍ إلى نصر، ومِن فتح إلى فتح، وإذا هو يضمُّ العالم المعروفَ في عهدِه إلى سلطانه، وإذا به يَجمعُ بين الشرق والغرب".
* العلاَّمة واشنطن إِروينك الأمريكي:
° قال في محاضرةٍ ألقاها في حفل ميلاد الرسول ﷺ في "ديترويت" سنة ١٩٣٤ - نقلاً عن مجلة "الرفيق"، المجلد الثالث العدد الرابع-: "لم يكن محمدٌ محبًّا للدنيا قط، وقد لَقِي من الاستهزاءِ مِن قومه والإهانات، حتى اضطُرَّ إلى الهرب، ولم يكن في نَظَرِه إلاَّ تقويمُ دينه، وكانت له آراءُ عالية، واعتقادٌ حسنٌ بربِّه، ويقينٌ بشريعتِه فوقَ يقينِ أيِّ رسولٍ من الرسل، ويَدُلُّنا على ذلك قوله: "لو وَضعوا الشمسَ في يميني والقمرَ في يَساري على أن أتركَ هذا الأمرَ، ما تركتُه" (١) .. ".
* هارون ماركوس الأمريكي:
وُلد ١٨١٢، وتُوفي ١٨٨٧ .. دكتور بالفسلفة.
° قال في كتابه "حياة محمد نبيِّ المسلمين": "تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا نُنصِفْ بها الإسلامَ الحنيف، ونَبيَّه العظيمَ محمدًا، ولْنجعلْ موضوعَنا اليوم "الحكومة الإسلامية في صدر الإسلام"، ولْنستعرضْ تنظيماتِها في عهدِ سيِّدها وزعيمِها وقائدِها -ذلك الرسولِ الكريم-، لنبيِّنَ أن الصحابةَ والخلفاءَ وقادةَ الإسلام، كانوا يقومون بواجباتهم بكلِّ أمانةٍ ودقَّةٍ وِفقًا للشريعة الغرَّاءِ التي جاء بها محمد، لم يكن في فجرِ الإسلام شِيَعٌ ولا
стр. 2284
أحزاب، بل على العكس من ذلك، كانت الحكومةُ الإسلاميةُ تُمثِّلُ جميعَ المسلمين تمثيلاً صحيحًا، وهي عبارةٌ عن هيئةٍ منظَّمةٍ مشترَكة، تنطقُ بحقًّ، بلسانِ كافةِ المسلمين، كلُّ مسلمٍ يَشُدُّ أَزْرَ أخيه المسلم، ويَشعرُ بأنَّ منَ الحق والواجبِ عليه أن يتوجَّعَ لوجعه، وكان عَدلُ محمدٍ منتشرًا بين المسلمين".
° إلى أن قال: "فقد كان محمدٌ زعيمًا وقائدًا سياسيًّا بما في أسمى معاني الزعامةِ السياسيةِ من معنًى وسيادة، هذه كانت تتجلَّى في أروع المظاهرِ التي عَرَفها بنو الإنسان، وخَليقٌ بي -وأنا في صَدرِ الكلام من الزعامة السياسية- أن أدحَضَ فِريةً وأرُدَّ بهتانًا، لا يزالانِ عالِقَينِ في أذهانِ قاصِري العقول، الذين لا يَملِكون ذرَّةً من حصافةِ الرأي، وتلك الفريةُ وذلك البهتانُ هما ما يُردِّدُه أولئك الأغبياءُ، الذين يَزعُمون أنْ لا علاقةَ بين الدين والسياسة، وأنْ لارابطةَ تربِطُ أحدَهما بالآخر!! إنَّ من الخطأ أن يَظنَّ ظانٌّ هذا".
* جورج دي تولدز الأمريكي:
° وُلد في "شيكاغو" ١٨١٥، وتوفي ١٨٩٧، كان رئيسَ بنكِها التجاري، وله مؤلَّفات عديدة استعرض فيها عاداتِ العرب، ومنها كتاب "الحياة"، قال فيه: "إنَّ من الظُّلمِ الفادحِ أن نَغمِطَ حقَّ محمدٍ -والعربُ على ما علِمناهم من التوُّحش قبلَ بعثتهِ-، ثم كيف تبدَّلتِ الحالةُ بعدَ إعلانِ نبوَّته، وما أوْرتُه الديانةُ الإسلاميةَ من النور في قلوبِ الملايين من الذين اعتنقوها بكلِّ شوقٍ وإعجابٍ من الفضائل، لذا فإن الشكَّ في بَعثةِ محمدٍ إنما هو شكٌّ في القُدرة الإلهية التي تشتملُ الكائناتِ جَمعاءَ".
стр. 2285
* المؤرِّخ الكبير المستر أورينج الأمريكي:
° قال في أول كتابه "الحياة والإسلام": "كان النبيُّ لأخيرُ بسيطًا خلُوقًا، ومفكِّرًا عظيمًا، ذا آراءَ عالية، وإنَّ أحاديثَه القصيرةَ جميلةٌ ذاتُ معانٍ كبيرة، فهو إذًا مقدَّسٌ كريم".
* المستر ستنلي لبن بول الأمريكي:
وُلد في بلدته "لاكاسا" ١٨٨٠.
° قال في كتابه "أقوال محمد": "كان محمدٌ رؤوفًا شفيقًا، يعودُ المريضَ، ويَزورُ الفقير، ويُجيبُ دعواتِ العبيدِ الأرِقَّاء، وقد كان يُصلحُ ثيابَه بيده، فهو إذًا لا شك نبيٌّ مقدَّس، نشأ كيتيمٍ مُعوِزٍ حتى صار فاتحًا عظيمًا".
* العلاَّمة ماكس الأمريكي:
مستشرق، ولد في "غرونلندا " ١٧٩٥، وتوفي ١٨٦٨، وله مؤلَّفاتٌ قَصيصةٌ وكتابُ "عظماء الشرق".
° قال فيه (ص ٩٣): "لقد نَفَذت روحُ الإسلام من محمدٍ رسولِ الله إلى المسلمين، إلى الهُداة والصالحين، وإنَّ هذه الرُّوحَ القويةَ حَدَتْ بالنبيِّ إلى الهجرةِ من مكةَ إلى المدينة، بينما كان أعداؤه مِن المشركين يَجِدُّون في البحثِ عنه ليؤذوه، بل ليُذيقوه رَيبَ المنون، ومِن الغريب أن أعداءَ النبيِّ لم يُقنِعوا أنفسَهم بتركِ مكة، بل تَعقَّبوه في هِجرته، وهناك ضَربوا على نُزله سيِاجاً من الحَيطةِ لأجل القبضِ عليه، ولكنَّ رُوحَ الإسلامِ الدفينةَ في أعماقِ الهِمَّة، ألهمته أن يتناولَ قبضةً من ترابٍ، فتناوَلها ورَمَى بها عليهم،
стр. 2286
فأخذتهم سِنَةٌ مِن النوم، تمكَّن خلالَها النبيُّ من النجاةِ منهم في الصحراء حيث اختفى في غارٍ هناك، ولا تَقُلْ: إن اختفاءَه في الغار يَحُولُ دون هلاكه وحَتْفه، ولكنَّ الإسلامَ وما في ثناياه من رُوحانيةٍ وقوَّة، جَعل الحمامَ يَبيضُ على بابِ الغار (١)، ولَمَّا أفاق أعداؤه من غَشَيانهم تتبَّعوا أثَرَه إلى الغار، وأخذتهم هواجسُ الظنِّ، لِعلمهم بأنَّ النبيَّ لا يُمكنُ بأيِّ حالٍ أن يكونَ في الغار، فمَن يُرِدْ أن يؤمنَ بوحدانيةِ الله، فعليه أن يشاهدَ بسهولةٍ يدَ اللهِ المحرِّكةَ للكائنات مِن غيرِ أن تُبصِرَها العينُ المجرَّدة، وبخاصةٍ عندما أُحيطت حياةُ النبيِّ مِن يدِ العدوانِ برعايةِ الطيرِ الذي اندَفَع إلى حمايةِ محمدٍ بيدِ الإِلهِ الخافيةِ عن الأبصار".
* المستر سنكس الأمريكي:
مستشرق أمريكي، وُلد في بلدته "بالاي" عام ١٨٣١، وتُوفي ١٨٨٣، له كتاب "ديانة العرب".
° قال في مقدمته: "ظهر محمدٌ بعد المسيح بخَمْسِمئةٍ وسبعين سنةً، وكانت وظيفتُه ترقيةَ عقول البشر، بإشرابها الأصولَ الأوليةَ للأخلاقِ الفاضلة، وبإرجاعها إلى الاعتقادِ بإلهٍ واحد، وبحياةٍ بعد هذه الحياة".
° إلى أن قال: "إنَّ الفكرةَ الدينيةَ الإسلامية، أحدثت رُقيًّا كبيرًا جدًّا في العالَم، وخلَّصت العقلَ الإِنسانيَّ من قيودِه الثقيلة، التي كانت تأسِرُه حولَ الهياكلِ بين يَدَيِ الكُهَّان، ولقد توصَّل محمدٌ بمَحوِهِ كلَّ صورةٍ في المعابد وإبطالِه كلَّ تمثيلٍ لذاتِ الخالقِ المُطلَق: إلى تخليصِ الفِكرِ الإنسانيِّ من عقيدةِ التجسيدِ الغليظة".
стр. 2287
* الدكتور بيرودج الأمريكي:
° رئيس الجامعة الأمريكية في لبنان، وقد احتفل شبابُ الجامعة المسلمون بعيد ميلاد "محمد" ﷺ عام ١٩٢٣، قال فيها -نقلاً عن مجلة "العرفان"، المجلد الثالث والثلاثين، العدد السابع-: "إنكم تجتمعون اليوم -مُحتفِلين بمولدِ مُصلحٍ عظيم، ألا وهو النبيُّ محمد، فهل لكم أنْ تتشرَّبوا مِن رُوحِ الإصلاح الذي يَحمِلُه محمدٌ، فتَخرجوا لإصلاح مجتمع مِلؤُه الجهلُ والاضطرابُ؟! ".
* المؤرِّخ إِريك بنتام الأمريكي:
مبشِّرٌ مسيحي، أنفق فترةً طويلةً في أعمال التبشير في الشرق الأوسط، له كتاب "الوصول إلى الإسلام"، وقد حاوَل فيه أن يردَّ بطريقةٍ غيرِ مباشرةٍ المصاعبَ التي تُواجُهها بَعثاتُ التبشير في عالَم الإِسلام، وحاول المؤلِّفُ فيه أيضًا أن يَشرحَ لقُرَّائِه كيف أن الإسلامَ وتعاليمَ الرسولِ الكريم محمد ﷺ قد تأصَّلت في نفوسِ المسلمين، وخَلقت فيهم مَناعةً ضدَّ قبولِ المذاهبِ الدينيةِ المسيحيةِ التي تَولَّى صاحبُنا المؤلِّفُ الدعوةَ إليها في أوساط المسلمين.
° ولقد قال -بعدَ بيانٍ مُسهَبٍ في الموضوع السابق-: "إنَّ الخلافَ الجوهريَّ بين الإسلامِ والمسيحيةِ يعودُ إلى أن الإسلامَ لا يَرضى بأن يُشركَ مع ربِّه أحدًا، فنظرية "الثالثوث المقدس" التى يَستندُ إليها دعاةُ المسيحية بين الإسلام، لا تَجِدُ أيَّ صدًى بين الجماعات الإسلامية مهما كانت عليه هذه الجماعات من جهلٍ أو معرفة".
стр. 2288
° ثم قال: "هذا الاعتقادُ بين المسلمين مِن أهمِّ الأمور التى سَبَّبت فشلَ الدعوةِ المسيحيةِ في العالم الإسلاميِّ".
ثم استَعرض موجزَ العقيدةِ الإسلامية، وأثنى على صاحبها محمدٍ ﷺ بما لم يَسبق إليه أحد.
ومِن سويسرا
* الدكتور بندلي جوزي السويسري:
وُلِد في بلدته "لوزان" (١٨٠٣ م)، وتُوفي في (١٨٨٣ م).
° قال في كتابه" الجاهلية والإسلام" (ص ٢٣): "إننا لو بَحَثْنا عمَّا تمَّ على يدِ النبيِّ الأُمِّي محمدٍ من الإصلاح، لَمَا استطعنا أنْ نُنكرَ أنه قام بأكثرِ وعوده، وحَقَّق قِسمًا كبيرًا من أمانيه، ولو قُدِّر له أن يعيشَ أكثَرَ مما عاش، لكان الإِصلاحُ الذي أدخله على حياةِ الأمةِ العربيةِ أتمَّ وأوسعَ، ومع ذلك فإنَّ عَمَلَه الذي عَمِلَه في هذه السنينَ القلائلِ التي قضاها في المدينة بين الحروب والمنافساتِ الشخصية والدسائسِ والحربِ والمكرِ والنفاقِ، لهو شيءٌ عظيمٌ لا يُنكِرُه إلاَّ مكابرٌ عنيدٌ، أو متعصِّبٌ أعمى".
* المستر هربرت وايل السويسري:
° قال في كتابه "المعلِّم الأكبر": "ظهر محمدٌ، فأزال كلَّ الأوهام، وحَرَّم عبادةَ الأصنام، فهو الذي أرشَدَ أهلَ الضلال إلى الصراطِ المستقيم، ورَفَع عن كاهلِ العرب كابوسَ الجاهليةِ، وأخرجهم إلى حيِّز الرُّقيِّ من الجهلِ المسيطر".
стр. 2289
* المسيو حنا دا كنبرت السويسري:
وُلد في بلدته "لاون" التابعة لمدينة "لوزان" ١٨٣٦، وتُوفِّي ١٩١٢.
° قال في كتابه "محمد والإسلام": "كلَّما ازداد الباحثُ تنقيبًا في الحقائق التاريخيةِ الوثيقةِ المصادرِ فيما يَخصُّ الشمائلَ المحمَّدية، ازداد احتقارًا لاعداءِ محمدٍ -مثل: ماركس، وبريدر، وشلجل، وغيرهم- الذين أشرَعوا أَسِنَّةَ الطعنِ في محمدٍ قبلَ أن يعرِفوه، ونَسبوا إليه ما لا يَجوزُ أن يُنسبَ إلى رجلٍ حقيٍر فضلاً عن رجلٍ كمحمدٍ الذي يُحدِّثُنا التاريخُ عنه أنه رجلٌ عظيم".
* المسيو ميسمر السويسري:
وُلد في جنيف ١٨٢٧، وتُوفي في ١٨٩٨.
° قال في كتابه "الإسلام في الشرق": "لقد نَجح صاحبُ الشريعةِ الإسلامية" .. إلى أن قال: "وعند الفلاسفةِ المحقِّقين أن الرجالَ أولي العَظمةِ الذين تَبقَى أعمالُهم على مَدى الدهر، هم من أهلِ النباهةِ الكبرى الذين يَجيؤون لإصلاح العالم، وشِفاءِ عَصرِهم من مَرضِه، وما فعله محمدٌ هو أنه لَمَّا رأى ضلالَ الناس في معرفةِ الخليقة، عَزَم على إرشادِها، وتطبيقِ قوانينِ الطبيعةِ على أُمورِ العالَم، بقَدرِ ما كان معروفًا في ذلك الوقت، لذلك أعلن الوحدةَ الإلهية، بدلاً من الخرافاتِ التي مقتضاها تَثليثُ إلهٍ وجَعلُه مركَّبًا من "الأب والابن وروح القدس"، فالوحدانيةُ هي أساسُ دينِ الإسلام، وسببُ نُصرةِ محمدٍ".
стр. 2290
* المسيو سيدللو السويسري:
وُلد في "كونتاي" ١٨٨٧.
° قال في كتابه "تاريخ العرب" -الطبعة الثانية عام ١٨٧٧ الجزء الأول (ص ٥٨) -: "ولَمَّا بَلَغ محمدٌ من العمرِ خَمسًا وعشرينَ سنةً، استَحقَّ بحُسنِ سيرته واستقامتِه مع الناس أن يُلقَّب بـ"الأمين"، ثم استمرَّ على "هذه الصفاتِ الحميدةِ حتى نادى بالرسالة ودعا قومَه إليها، فعارضوه أشدَّ معارضة، ولكنْ سَرعانَ ما لَبَّوا دعوتَه وناصَروه، وما زال في قومِه يَعطِفُ على الصغيرِ ويحنو على الكبير، ويَفيضُ عليهم من عَمَلِه وأخلاقه".
* ر. ف: بودلي السويسري:
° قال في كتابه "حياة محمد" المترجَم إلى العربية -تعريب محمد فرج وعبد الحميد جودة (ص ٦): "إنَّنا لا نجدُ ما دَوَّنه معاصِرو موسى أو كونفوشيوس أو بوذا، ولا نعرفُ إلاَّ شَذَراتٍ عن حياةِ السيح بعدَ رسالته، ولا نعرفُ شيئًا عن الثلاثين سنةً التي مَهَّدت الطريقَ للسنواتِ الثلاثة التي بَلَغ بها أَوْجَهُ، ولكننا نجدُ أن قصةَ محمد واضحةٌ كلَّ الوضوح، ففي سيرةِ محمدٍ نجدُ التاريخ بدَّلَ الظلال والغُموض، ونعرفُ الشيءَ الكثيرَ عن محمدٍ، كما نعرفُ ذلك عن رجالٍ عاشوا في أزمانٍ أكثرَ قُربًا من زماننا، وما كان تاريخُه الخارجي وشبابُه وأقرباؤُه وعاداتُه خرافةً من الخرافات، ولا شائعةً من الشائعات، وما كان تاريخُه الداخليُّ بروايةٍ مُبهَمةٍ لمبشِّرِ غامض أو مشوِّش، فبين أيدينا الآن كتابٌ معاصِر -وهو القرآن-، فريدٌ في أصالته وفي سلامته".
стр. 2291
* العلاَّمة ماكس فان برشم السويسري:
مستشرقٌ وُلد في "لوزان" ١٨٦٣ - وتُوفِّي ١٩٢١ م، جالَ في بلاد الشرق، له عدَّةُ مؤلفات: منها "العرب في آسيا"، ومنها "الإنسان"، ومنها "مجموع الكتابات العربية القديمة"، وهو على جانبٍ عظيمٍ من الأهمية لمعرفةِ تاريخ الشرق العربي السياسي والثقافي.
° قال في مقدمة: "العرب فى آسيا": "إن محمدًا نبيَّ العرب من أكبر مُريدي الخير للإِنسانية، إنَّ ظهورَ محمدٍ للعالم أجمعَ إنما هو أثرُ عقلٍ عالٍ وإنِ افتَخْرت آسيا بأبنائها، فيَحقُّ لها أن تفتخرَ بهذا الرجلِ العظيم، إنَّ من الظلم الفادحِ أن نَغمِط حقَّ محمدٍ الذي جاء من بلاد العرب، وإليهم وهم على ما عَلِمنَاه من الحقد البغيض قبلَ بعثته، ثم كيف تبدَّلت أحوالُهم الأخلاقيةُ والاجتماعيةُ والدينية بعد إعلانه النبوة، وبالجملة مهما ازداد المرءُ اطلاعًا على سِيرتِه ودعوتِه إلى كل من يَرفعُ من مستوى الإنسان، إنه لا يجوزُ أن يَنسبَ إلى محمدٍ ما يَنقُصُه، ويدركُ أسبابَ إعجابِ الملايين بهذا الرجل، ويَعلمُ سببَ محبتهم إياه وتعظيمِهم له".
* العلامة فونالبس السويسري:
مستشرقٌ سويسري، وُلد عام ١٧٩٣، وتُوفي ١٨٦١، من أدباء القرن التاسعَ عَشَرَ، له عدةُ مقالاتٍ نُقل بعضُها عنه كتاب "مجالي الغرر لكتَّاب القرن التاسع عشر" لجامِعِه "يوسف صفير".
° وقد قال في إحدى مقالاته: "أليس الإيمانُ هو المُعجزةَ الحقَّةَ الدالةَ على الله؟ فشعور محمدٍ إذ اشتَعلت رُوحُه بلهيبِ هذه الحقيقةِ الساطعة بأن
стр. 2292
الحقيقة المذكورةَ هي أهمُّ ما يجبُ على الناسِ عِلمُه، لم يكن إلاَّ أمرًا بديهيًّا".
° إلى أن قال: "فحبَّذا محمدٌ من رجلٍ خَشِنِ اللباس خَشِنِ الطعام، مجتهدٍ في الليل، قائمِ النهار، ساهرِ الليل، دَئِبٍ في نشرِ دينِ الله، غيرِ طامحٍ إلى ما يَطمحُ إليه أصاغرُ الرجال من رُتبةٍ أو دولةٍ أو سلطان، غير متطلِّع إلى ذِكرٍ أو شُهرةٍ كيفَما كانت، وإلاَّ فما كان ملاقيًا من أولئك العرب الغِلاظِ توقيرًا واحترامًا إكبارًا وإعظامًا، وما كان يقودُهم ويُعاشرُهم معظمَ أوقاته مدَّةَ ثلاثٍ وعشرين سنةً وهم ملتفُّون به، يُقاتِلون بين يديه وُيجاهدون حوله، لقد كان في هؤلاء العربِ جَفاءٌ وغِلظةٌ وبادرةٌ وعجرفة، وكانوا حُماةَ الأنوفِ، أباةَ الضيم، صِعابَ الشكيمة، حتى قَدَر على رياضتِهم وتذليلِ جانبِهم، حتى رَضَخوا له، فذلكم -وأيم الحق- بطلٌ كبير: ولولا ما أبصَروا فيه من آياتِ النُّبلِ والفضلِ لَمَا خَضَعوا له ولَمَا أذعَنوا، كيف وقد كانوا أطوعَ إليه من بَنانه؟ وظنِّي أنه لو أتيح لهم بَدَلَ محمد قيصرٌ من القياصرة بتاجِه وصَولجانه، لَمَا كان مصيبًا من طاعتهم مِثلَ ما ناله محمدٌ في ثوبه المرقَّع بيده، فكذلك تكون العَظمةُ، وهكذا تكونُ الأبطال".
° ثم قال: "إن ما اتَّصف به محمدٌ من محامِدِ الصفات يُرينا فيه أخا الإنسانية الرحيمَ، أخانا جميعًا، وإني لأُحبُّ محمدًا لبراءةِ طبعِه من الرياءِ والتصنع، ولقد كان ابنَ القِفارِ، لا يقول إلاَّ على نفسِه، ولا يدَّعي ما ليس فيه، ولم يكن متكبِّرًا، ولم يكن ذليلاً ضَرِعًا، فهو قائمٌ في ثوبه المرقَّع كما أوجده الله وكما أراد، يخاطِبُ بقوله الحُرِّ البينِ قياصرةَ الروم وأكاسرةَ
стр. 2293
الفُرس، ويُرشدُهم إلى ما يجبُ عليهم لهذه الحياةِ وللحياةِ الآخرة".
* ومن سويسرا أيضاً:
إدوار مونته السويسري مدير جامعة "جنيف"، ولد ١٨١٠، ١٨٨٢.
° قال في كتابه: "المدنية الشرقية" (ص ٤٧): "كان محمدٌ نبيًّا بالمعنى الذي كان يعرفُه العبرانيون القدماء، ولقد كان يدافعُ عن عقيدةٍ خالصةٍ لا صِلَةَ لها بالوثنية، وأَخذ يَسعى لانتشالِ قومِه من ديانةِ جافةٍ لا اعتبار لها بالمرة، ليخرَجهم من حالةِ الأخلاقِ المنحطَّةِ كلَّ الانحطاط، ولا يمكنُ أن يُشكَّ لا في إخلاصِه، ولا في الحَمِيَّةِ الدينيةِ التي كان قلبُه مُفعمًا بها".
ـ [ومِن كندا] ـ
* المستر جيبون الكندي:
المُعاصِرُ لأوائلِ القرنِ التاسعَ عَشَر، وقد وُلِد عام ١٧٧٣، وتُوفي عام ١٨٢٧ م في بلدته "كيبيك"، ألف كتابًا أسماه "محمد في الشرق".
° قال فيه (ص ١٧): "إن دينَ محمدٍ خالٍ من الشكوك والظنون، والقرآنُ أكبرُ دليلٍ على وحدانية الله، بعد أن نهى محمدٌ عن عبادةِ الأصنام والكواكب، وبالجملةِ دينُ محمدٍ أكبرُ من أن تدرِكَ عقولُنا الحاليةُ أسرارَه، ومَن يتهمُ محمدًا أو دينَه فإنما ذلك من سُوءِ التدبر، أو بدائع العصبية، وخيرُ ما في الإنسان أن يكونَ معتدِلاً في آرائه، ومستقيمًا في تصرفاته".
* المستر داود أرلوهات الكندي:
وُلد في "كيبيك" عام ١٨٤٣، وتوفي عام ١٩٠٤، له كتاب "الإسلام
стр. 2294
والعرب"، نُقل إلى اللغتين الفرنسية والعربية.
° قال فيه: "إن محمدًا الذي هُدمت لبعثته الأصنام، وتمزَّق لنبوته رِداءُ الجهل الذي كان كغشاوةٍ على أبصار العرب، قد أشرق قرآنُه بصَقْعهم نورًا يا له من نور! وهو نورُ حكمة، وهو الذي أنزله على صَدْرِ نبيِّه المبعوثِ لا محالةَ لإِرشادِ البشر، واللهُ يعلمُ حيث يجعلُ رسالتَه".
* الدكتور زويمر الكندي:
مستشرقٌ كندي، ولد عام ١٨١٣، وتوفي عام ١٩٠٠.
° قال في كتابه "الشرق وعاداته" (ص ٢٧): "إنَّ محمدًا كان -ولا شك- من أعظمِ القُوَّاد المسلمين الدينيين، ويَصدقُ عليه القولُ أيضًا: إنه كان مصلِحًا قديرًا، وبليغًا فصيحًا، وجريئًا مغوارًا، ومفكِّرًا عظيمًا، ولا يجوزُ أن نَنسِبَ إليه ما يُنافي هذه الصفات، وهذا قرآنُه الذي جاء به وتاريخُه يشهدانِ بصحة هذا الادعاء".
ـ [ومِن إسبانيا] ـ
* العلامة ليبيار الأسباني:
وُلد ١٨٣٧، وتوفي عام ١٩٠٢، له عدَّةُ مؤلفات، منها "الحياة والشرق".
° قال فيه: "كان محمدٌ -صاحبُ الرسالةِ الإسلامية- يجعلُ الحكمَ شورى بينه وبين أصحابه، وقد جرى العلماءُ المسلمون على هذا النهج، وهم أقطابُ الدين وذادةُ الشرع، وما بَرِحوا هكذا يتشاورون حتى اليوم".
стр. 2295
* الدكتور تورتو كرو الإِسباني:
مستشرق إسباني، ولد في "أشبيليا" ١٨١٠، وتُوفِّي عام ١٨٧٥.
° قال في إحدى محاضراته -كما نقلت عنه مجلة "الهلال" العدد العاشر من المجلد الثالث-: "إن محمدًا لم يَعتمِدْ في نبوته على المعجزات، وكانوا يقولون له: "إنْ كنتَ نبيًّا، فاعملْ لنا من خوارقِ العادات ما هو كذا وكذا"، فكان يُجيبهم: "إن رسلاً كثيرين جاؤوا بالمعجزات، وكَذَّبهم البشرُ، وأنا مهما جئتُكم بالمعجزات فلن تؤمنوا ما دامت قلوبُكم قاسية، وما معجزتي إلاَّ القرآن" .. ".
° إلى أن قال: "ولَمَّا كان لكل نبيًّ معجزة، كانت معجزتي القرآن" (١).
* العلامة جولد تسيهر الإِسباني:
مستشرق إسباني، ولد عام ١٨٣٦، وتوفي ١٩٠٣، ومؤرَّخٌ معروف له القِدْحُ المُعَلَّى في الكيدِ للإِسلام ولرسولِه ﷺ وسُنَّته، له عدَّةُ مؤلفات، منها "العقيدة والشريعة في الإسلام" ترجمة علماء الأزهر.
° قال في كتابه المذكور (ص ٥ - ٦): "يمكننا أن نُلقيَ نظرةً عامةً شاملةً في الأثرِ التاريخي الذى قامت به الدعوةُ إلى الإسلام، خاصةً أثرُها في الدائرةِ القريبة، التي كان تبشيرُ محمدٍ موجَّهًا إليها بطريقٍ مباشر قبلَ غيرِها، حقًّا لا جِدَّةَ ولا طرافةَ في هذه الدعوة، ولكن قد استُعيض عنها بأن محمداً قد بَشَّر بمذهبه للمراة الأولى بحماس، لم يَفتُرْ، ولم تُعوِزْه المثابرة، وبعقيدة ثابتةٍ بأن هذا المذهبَ يُحقِّقُ صالحَ الجماعةِ الخاصة، وقد كان في
стр. 2296
ذلك كلِّه مُظهِرًا إنكار الذات، برغم سخريةِ الجمهور، إذِ الحقُّ أن محمدًا كان بلا شك أولَ مصلحٍ حقيقيِّ في الشعبِ العربي من الوجهة التاريخية، تلك كانت طرافتَه برغم قلَّةِ المادةِ (١) التي كان يُبشِّرُ بها".
* المؤرِّخ الكبير الدكتور ريتين الإِسباني:
مستشرقٌ إسباني، له مقالاتٌ قيمة في أحوالِ العرب، وتاريخٌ خاصٌّ لسوريا ولبنان.
° قال فيه: "دينُ محمدٍ قد أكَّد إذًا من الساعةِ الأولى لظهوره -وفي حياة النبي- أنه عامٌّ، فإذا كان صالحًا لكلِّ جنس، كان صالحًا بالضرورةِ لكلِّ عقل، ولكلِّ درجةٍ من درجات الحرارة".
° ثم قال: "إليك يا محمدُ -وأنا الخادمُ الحقيرُ- أقدِّمُ إجلالي بخضوع وتكريم، إليك أُطأطِئُ رأسي، إنك لَنبيٌّ حقٌّ من الله، قوَّتُك العظيمةُ كانت مستمدَّةً من عالَمِ الغيب الأزلي الأبدي".
* المستر إِريك بنتام الإِسباني:
المستر "إريك بنتام" مستشرق إسباني، وُلد في غرناطة سنة ١٨١٥، وتوفي ١٨٨٧، له كتاب أسماه" الحياة".
° قال فيه: "إن الإسلامَ وتعاليمَ الرسولِ الكريم محمدٍ قد تأصَّلت في نفوس المسلمين: وخَلقت فيهم مناعةً ضدَّ قبول المذاهب الدينيةِ المسيحية".
° وقال: "إن الخلافَ الجوهريَّ بين الإسلام [والمسيحية] يعودُ إلى أن
стр. 2297
الإِسلامَ لا يَرضى أن يشرِكَ مع ربِّه أحدًا، وإن دين الإسلامَ هو دينُ الوداعةِ والوِفاقِ والصدقِ والأمانة، وكلُّ ما جاء به لا تُنكرُه الأذواقُ السليمة والعقولُ النَّضِجة، لذلك فإننا لو أنصفنا أنفسَنا لوحَّدنا صفوفَنا مع المسلمين، ولَنَبَذْنا ما بنا من عصبيةٍ عمياء خَلَقها لنا ذوو الأطماع، وسنَّها لنا مَن دفعت به شهواتُه، وفي النفس ما فيها من التأثرِ البالغِ من تلكم الفوارق التي أثبتها الدينُ المسيحيُّ، ومَنَعها الشرعُ الإسلاميِّ، وأَرَى أنَّ غَضَّ النظرِ عن التصريحِ، والضربَ صَفْحًا عن المُكاشَفة، أوْلى وأليق".
* المستر ألبيلير إِنكولوبيديا الإِسباني:
ولد في بلدته "جاكاي" ١٨١٠، وتوفي ١٨٧٢.
° قال في (ج ٨/ ٣٢٦) من كتابه "المعارف": "إن لغةَ القرآن هي أفصحُ لغاتِ العربِ وأساليبه، وبلاغتُه تَسْحَرُ الألباب بحُسنها، وسيبقى غيرَ معارَضِ إلى الأبد، ومواعظةُ ظاهرةٌ، وكل مَن يَتبعُها يحيا حياةً طيبةً، وأخيرًا أقول: إن القرآن يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرَى﴾، ويقول: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
فعلى هذا يلزمُ على كلِّ فردٍ من البشر أن يستغفرَ لذنبه ويعملَ صالحًا كي يتأهَّلَ لدخولِ الجنة، كل هذا جاء به محمدٌ نبيُّ العرب، ولا يَسَعُنا إلاَّ أن نحترمَه ونحترمَ ما جاء به لما فيه مِن خيرٍ عميم".
* المستر جان ليك الإِسباني:
مستشرقٌ إسباني، وُلِد في بلدة "ملعة" عام ١٨٢٢ م، وتُوفي ١٨٩٧ م، كان شغوفًا بالكتابة واستطلاع التاريخِ العربي، ألَّف كتابًا اسمه
стр. 2298
"العرب".
° قال فيه (ص ٤٣): "ما أجملَ ما قاله المعلِّمُ العظيمُ "محمد" ﷺ "الخَلقُ كلهم عيالُ الله، وأحبُ الخلق إلى الله أنفعُهم لعياله" (١)!.
° ثم أطال في الثناء على الرسول قائلاً: "أليس من المعجزاتِ الباهرات، أنَّ محمدًا بالقوة الأدبية، وبلفظٍ واحدٍ جَعَل الصادِقين من أتباعه في حِرزٍ حريزٍ من شرِّ المُسكِرات جيلاً بعد جيل؟ فسَلمِ من هذا الشرِّ مئاتُ الملايينِ من البشر؟ حياةُ محمدٍ التاريخيةُ لا يمكنُ أن تُوصَفَ بأحسنَ مما وَصَفها اللهُ نفسُه بألفاظٍ قليلةٍ، بيَّن فيها سببَ بَعثةِ النبيِّ محمدٍ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] .. كان محمدٌ رحمةً حقيقةً لليتامى والفقراء وابنِ السبيل والمنكوبين والضعفاءِ والعُمَّال وأصحابِ الكدِّ والعناءِ، وإني بلهفةٍ وشوقٍ أُصلِّي عليه وعلى أتباعه".
* العلاَّمة سان إِليار الإِسباني:
° قال في كتابه "تعاليم اللغة العربية" نقلاً عن كتاب "أشعة خاصة بنور الإِسلام" للعلاَّمة "ألفونس إتيين دينييه الفرنسي" إنَّ أوضحَ مبادئ الحريةِ الفكريةِ قد كُسفت أمثال "لوثير وكالفين"، وعاد الفضلُ فيها إلى رجلٍ عربيٍّ من رجالِ القرنِ السابع، ذلك هو صاحبُ شريعةِ الإسلام".
стр. 2299
وَمِن روسيا
مَرَّ بنا مِن قبلُ قولُ الأديب الروسي الكبير "تولستوي".
* ماكس مايرهوف الروسي:
وُلد في مدينة "ساراتوف" ١٨١٥، وتُوفِّي عام ١٨٨٧.
° قال في كتابه "العالم الإسلامي": "إن محمدًا عام ٦١٠ للميلاد كان كثيرَ التفكير والانفراد، وكان يقصِدُ إلى البادية، ويخلو بنفسه فِي جبل "حراء" قُربَ مكة، فرأى ذاتَ يوم رؤيا هي أن المَلَكَ "جبريلَ" تجلَّى له، وناوله كتابًا (١) وقرأَ عليه هذه الآياتِ هي السورة السادسة والتسعون من القرآن: ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلخ، نزل عليه هذا الكلامُ وحيًا، فأخبر امرأتَه بما وقع، ثم جاء وحي آخر فيما بعد، فلمَّا شَعُر تغطَّى بثوبٍ فسمع هذه الكلمات: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، ومنذ ذلك الوقتِ اقتَنع بأن اللهَ اختاره مبشِّرًا بعقيدةٍ جديدة، وتَسمَّى بـ"رسول الله" ليدعوَ إلى الله بلسانٍ عربي مبين".
* آرلونوف الروسي:
° لقد جاء في مجلة "الثقافة" الروسية المجلد السابع عدد ٩ - تحت عنوان "النبي محمد"- لكاتب اسمه "آرلونوف" تَصدُرُ في مدينة "اركنجل": "في شِبهِ جزيرة العرب المجاورة لفلسطين، ظَهرت ديانةٌ أساسها الاعترافُ بوحدانية الله، وهذه الديانةُ تُعرفُ بالمحمدية، أو كما يُسمِّيها أتباعُها
стр. 2300
الإسلام، وقد انتَشرت هذه الديانةُ انتشارًا سريعًا، ومؤسِّسُ هذه الديانة هو العربيُّ محمد، وقد قَضى على عاداتِ قومِه الدينية، ووَحَّد قبائلَ العرب، وأنار أفكارَهم وأبصارَهم بمعرفةِ الإله الواحد، وهَذَّب أخلاقَهم، ولَيَّن طِباعَهم وقلوبَهم، وجَعَلها مستعدَّةً للرقيِّ والتقدم، ومنعهم من سَفكِ الدماء ووأدِ البنات، وهذه الأعمالُ العظيمةُ التي قام بها محمدٌ تدلُّ على أنه من المصلِحين العِظام، وعلى أنَّ في نفسِه قوةً فوقَ قوةِ البشر، وكان ذا فكرٍ نيِّرٍ وبصيرةٍ وقَّادةٍ، واشتُهر بدماثةِ الأخلاقِ ولِينِ العَريكة والتواضعِ وحُسنِ المعاملةِ مع الناس، قضى محمدٌ أربعين سنةً مع الناس، قضاها بسلامٍ وطمأنينة، وكان جميعُ أقاربه يحبُّونه حُبًّا شديدًا، وأهلُ مدينته يحترمونه احترامًا عظيمًا، لِمَا كان عليه من المبادئِ القويمةِ، والأخلاقِ الكريمةِ، وشرفِ النَّفسِ والنزاهة".
* العلامة جان ميكائيليس الروسي:
مستشرق روسي، ولد في بلدته "بروا" ١٧١٧، وتوفي ١٧٩١، له تصانيفُ في أصول العربية وآدابها وآداب السريانية والعبرانية، له مؤلفات عدَّة.
° قال في بعض مؤلفاته في "أصول اللغة العربية" واسمه "آداب اللغة العربية": "إن الدينَ الإسلاميَّ له فضلٌ عظيمٌ على الشرق؛ لأنه أكسَبَهم حضارةً ذاتَ قيمة، وفضلُ مَن جاء به أعظمُ، لأنه عَرَضه عليهم فرفضوه، وتحمَّل في سبيله المَضَضَ وكابَدَ كثيرًا، ولقد كان فقيرًا يتيمًا مضطهدًا، ولدى ثباتِه أَخذ النتائجَ الكافيةَ في أداءِ رسالته التي هي مدنيَّة وحضارة، وما
стр. 2301
مات محمدٌ نبيُّ العرب وصاحبُ هذه الرسالة حتى أحدَثَ انقلابًا هائلاً في عاداتِ وأديانِ الجزيرةِ العربية".
° وقال في كتابه "العرب في آسيا": "لم يكن محمدٌ نبيُّ العربِ المشعوذَ ولا الساحرَ -كما اتهمه السفهاءُ في عهده-، وإنما كان رجلاً ذا حِنكةٍ وإدارةٍ وبطولةٍ وقيادةٍ وأخلاقٍ وعقيدة، فلقد دعا لدينه بكلِّ صفاتِ الكمال، وأتى للعرب بما رَفَع به شأنَهم، ولم نَعرفْ عن دينِه إلاَّ ما يتلاءَمُ مع العصور -مهما تطورت-، ومَن يَتَّهمْ محمدًا ودينَه بخلافِ هذا، فإنه ضالٌّ عن الطريقةِ المُثلى .. وحَريٌّ بكلِّ الشعوب أن تأخذَ بتعاليمه".
ومن الهند
* جواهر لال نِهْرو الهندي:
رئيس وزراء الهند، وهو هندوكيُّ العقيدة، ولد عام ١٨٨٩، وتُوفي عام ١٩٦٤.
° قال في كتابه "لمحات من تاريخ العالم" (ص ٥٤): "إن الإسلامَ هو الباعثُ لهذه اليقظةِ العربية، بما بَثَّه في أتباعِه من ثقةٍ ونشاط، حَمَل رسالةَ الإسلام إلى العرب نبيٌّ جديدٌ اسمُه "محمد"، ولد في مكة عام ٥٧٠ للميلاد، ولم يكن محمدٌ عجولاً في نَشرِ رسالتِه، بل ظلَّ زمنًا يَعيشُ حياةً هادئةً، يَعجَبُ بها مواطنوه، ويَثِقون به حتى لَقَّبوه بالأمين، فلما قام يُبَشِّرُ برسالته ويُهاجمُ الأوثان، قام الناسُ عليه وآذَوه، فاضُطرَّ لأن ينجوَ بحياته، وأن يهاجِرَ من مكة، وكانت رسالتُه (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ".
° وقال (ص ٢٦): "كان محمدٌ واثقًا بنفسه ورسالته، وقد هيأ بهذه
стр. 2302
الثقةِ وهذا الإِيمانِ لأمته أسبابَ القوةِ والعزَّةِ المَنَعة، وحَوَّلهم من سُكانِ صحراءَ إلى سادةٍ يفتحون نصفَ العالم المعروفِ في زمانهم، كانت ثقةُ العرب وإيمانُهم عظيمَين، وقد أضاف الإسلامُ إليها رسالةَ الأخوَّة والمساواة والعدلِ بين جميع المسلمين، وهكذا وُلد في العالم مبدأ ديموقراطيٌّ جديد .. وَثَب الشعبُ العربيُّ بنشاطٍ فائقٍ أدهَشَ العالَمَ وقَلَبه رأسًا على عقب، وإن قصةَ انتشارِ العربِ في آسيا وأفريقيا وأوروبا والحضارةِ الراقية، والمدنيَّةِ الزاهرةِ التي قدَّموها للعالَم هي أُعجوبةٌ من أعجوباتِ التاريخ".
ومِن هولندا
* العلامة "وث" الهولندي:
° مستشرقٌ وُلِد في مدينة "اوترخت" ١٨١٤، وتوفي عام ١٨٩٩، وقد كان عضوًا عام ١٨٦٤ في المجمع العلمي، جاء إلى بلاد الشرق عام ١٨٦٧، وتجوَّل فيها، وقد نَقل القرآنَ إلى اللغةِ الهندية، وله عدَّةُ مؤلَّفات، منها "محمد والقرآن" قال فيه (ص ٧٨): "لقد جاء قرآنُ العرب على لسانِ نبيِّهم محمدٍ العظيم، وعلَّمهم كيف يَعيشون في هذه الحياة، وقد وَحَّد محمد صفوفهم، وجَمَع كلمتهم، وأدَّبهم، حتى لا ترى أُمةً من الأمم أحسَنَ منهم، وبالنهاية اعتمدوه في كل أمورهم، وكان يتلقَّى الوحيَ من ربِّه الذي يُوحِي إليه، ثم ينقلُه إلى الناس بعد أن يكتبَه له الكُتَّابُ الذي انتدبهم لذلك، وابتدأت دعوتُه لدينه الجديد من تاريخ ٦١٠ م حتى قبضه ربُّه إليه، وذلك سنة ٦٣٣ م".
стр. 2303
* العلامة فلوتن يان الهولندي:
ولد في مدينة "لاهاي" ١٨٠٧، وتوفي عام ١٨٧٩.
وهو مستشرق هولندي، له عدةُ مؤلفات، منها "مفاتيح العلوم"، وكتاب "الفصول".
° قال في الأخير (ص ١٠٣): "إن محمدًا لم يَلبثْ أن أصبحَ له تفوُّقٌ رُوحيٌّ وزمنيٌّ بعدَ سنين قلائلَ من الجهادِ والاضطهاد، كما يدلُّ على ذلك غيرُ آيةٍ من القرآن، وذلك بتحوُّلِ أهل المدينةِ إلى الإسلامِ بفضلِ ذلك النفوذِ الذي كان يتمتعُ به الرسولُ دينًا قويًّا، وقد انتَشر بينَ الشعوب عن طريقِ الإنذارِ والوعيد (١)، ولم يتردد النبيُّ في رَميِ أهل الكتابِ بالكذبِ والتضليل، واتهامِهم بالتحريفِ في كُتبهم، حين رأى دينَه الذي كان يَرمي إلى نَشرِه لم يُرضِ اليهود، كما أنه لم يَرُقْ للنصارى، هكذا استطاع أن يُحاجَّ أهلَ الكتاب بتصريحه أنه أرقى الأديان، وأن دينَه وحدَه دينُ الحق، وكان من أثرِ اصطدام محمدٍ بالنصارى واليهودِ في بلاد العرب أن طَردوا اليهودَ من المدينة، وشُنَّت الغارات على المسيحيين في بلاد بيزنطة في اللحظةِ التي انتقل فيها محمدٌ إلى جِوارِ ربَه".
* المسيو راينهارت دوزي الهولندي:
مستشرق هولندي، ولد في "اتروخت" ١٨٢٠، وتوفي عام ١٨٨٤، مدرس للغة العربية في "لايدين"، اشتغل في تواريخ الدول الإسلامية في
стр. 2304
الأندلس والمغرب، له عدَّةُ مؤلفات، منها "عرب إسبانيا".
° قال فيه: "كان يوجدُ على عهدِ محمدٍ في بلادِ العرب ثلاثُ ديانات؛ المُوسَوية والعيسوية والوثنية".
° ثم بَسَط القولَ خصوصًا في عاداتِ الوثنيين الذميمة إلى أن قال: "في عهد هذه الأحوالِ الحالكة، ووَسَط هذا الجيل الشديدِ الوطأة، وُلِد محِمدُ بنُ عبد الله في شهرِ أغسطس ٢٩ منه عام ٥٧٠، من هذا نرى أن العالم الإنسانيَّ كان بحاجةٍ إلى حادثٍ جَلَلٍ يُزعجُ الناسَ عما كانوا فيه، ويضطرُّهم إلى النظرِ والتفكير في أمرِ الخروجِ من المأزقِ الذي تورَّطوا به، وللهِ في خلقه شؤون".
° إلى أن قال: "لقد جاء محمدٌ بتعاليمَ رَفعت مستوى البشرِ إلى عالَمِ الكمال".
ومن إيطاليا
* العلامة لورافكشيا فاليبري الإِيطالي:
مستشرق إيطالي، ولد عام ١٨٣٩، وتوفي ١٨٩٧.
° قال في مقدمة كتابه "الأديان" المترجَم إلى الفرنسية (ص ٩٦): "إنه مما لا شك فيه أن وَصفَ "محمد" بتلك الأكاذيب التي كانوا يُشِيعونها في القرون الوسطى عنه وعن ديانته، قد خَفَتَ كثيرًا في هذا العصر، وصاروا يَنشُدون الحقيقةَ التاريخيةَ عن محمدٍ وعن الإسلام الذي قَلَب وجهَ العالم، وإنَّ جماعةً من المستشرقين يؤيدون رسالةَ محمد، ويقولون: إنه خاتمُ الرسل".
стр. 2305
* المحامي العلامة غوسطن كرستا الإِيطالي:
أحدُ رجالِ الفكرِ الإِيطاليين، وُلد في بلدته "كيا" ١٨٤٠، وتوفي ١٨٩٧.
° قال في كتابه "الكياسة الاجتماعية": "وإنك لَتجدُ في كلِّ موضعِ من القرآنِ الذي جاء به محمدٌ إلى العرب آياتٍ تحثُّ عن فِعل الخير، وأما هو، فقد كان أمينًا وأعدلَ رجلٍ، ولا يَسَعُنا إلاَّ أن نُقدِّرَ له جهودَه في سبيلِ دينهِ وعقيدتهِ".
° إلى أن قال: "لقد جَعل محمدٌ الإخاءَ والمحبةَ رُكنَينِ للمجتمع الإسلامي، وهذا لَعَمري تقدُّمٌ باهر إذا قابلنا عَهْدَ الإسلامِ بعهدِ الجاهلية أيامَ كان أربابُ الثروةِ والسيادةِ يَزدرون بصَلَفِهم المساكينَ وَيسُومونهم الخَسْفَ".
* المسيو ميخائيل أماري الإِيطالي:
مستشرق إيطالي، ولد في بلده "بالرمو" في "فبرنزة"، درس اللغات العربيةَ والفارسيةَ والتركية في مدينة باريس "فرنسا"، وانتهى إلى التخصص بالأدب العربي وتاريخِه، له مؤلفاتٌ كثيرة، منها "تاريخ المسلمين".
° قال فيه: "لقد جاء محمدٌ نبيُّ المسلمين بدين إلى جزيرةِ العرب يَصلُحُ أن يكونَ دينًا لكلِّ الأمم؛ لأنَّه دينُ كمالٍ ورُقي، دينُ دَعَةٍ وثقافة، دينُ رِعايةٍ وعناية، ولا يَسَعُنا أن نَنقُصَه، وحَسْبَ محمدٍ ثناءً عليه أنه لم يُساوِمْ ولم يَقبَل المساومةَ لحظةً واحدةً في موضوع رسالته، على كثرةِ فنونِ المساوماتِ واشتدادِ المحن، وهو القائلُ: "لو وضعوا الشمسَ في يميني والقمرَ في يساري على أن أتركَ هذا الأمر، ما تركتُه" (١) .. عقيدةٌ راسخة،
стр. 2306
وثباتٌ لا يُقاس بالنظير، وهَّمةٌ تَركت العرب مَدِينين لمحمد بن عبد الله، إذ تركهم أُمةً لها شأنُها تحت الشمسِ في تاريخ البشر".
ومن بلجيكا
* الدكتور هنري ماسه البلجيكي:
وُلد في "بروكسل" ١٨٢٠، وتوفي ١٨٨٦، علاَّمةٌ في الكيمياء والتاريخ.
° قال في كتابه "حول الإسلام" (ص ١١): "إذا بَحَثنا عن محمدٍ بحثًا إِجماليًّا، نجِدُه ذا مِزاجٍ عصبي (١)، وفكرٍ دائم التفكير، ونفس باطنُها حُزن، وأمَّا مداركُه، فهي تمثِّلُ شخصًا يعتقدُ بإلهٍ واحد، وبوجودِ حياةٍ أخرى، ويتَّصفُ بالرحمةِ الخالصة، والحزم في الرأي والاعتقاد، ويُضافُ إليه أنه رَجلُ حكومة، وأحيانًا رجلُ سياسةٍ وحَربٍ، ولكنه لم يَكن ثائرًا، بل كان مسالمًا".
* ألفرد ألفانز البلجيكي:
° قال في كتابه "علم النفس": "شَبَّ محمدٌ حتى بَلَغ، فكان أعظمَ الناسِ مروءةً وحِلمًا وأمانةً، وأحسنَهم جوابًا، وأصدقَهم حديثًا، وأَبعَدَهم عن الفُحش، حتى عُرِف في قومه "بالأمين"، وبَلغت أمانتُه وأخلاقُه المَرضيةُ خديجةَ بنتَ خويلد القرشية -وكانت ذاتَ مال-، فعَرَضت عليه خروجَه إلى الشام في تجارةٍ لها مع غلامها "ميسرة"، فخَرج ورَبحَ كثيرًا،
стр. 2307
وعاد إلى مكة، وأخبرها ميسرةُ بكراماته، فعَرضت نفسَها عليه -وهي أيِّم، ولها أربعون سنة-، فأصْدَقَها عشرين بَكْرةً، وتزوَّجها وله خمسٌ وعشرون سنةً، ثم بَقيت معه حتى ماتت" (١).
* العلامَّهّ إِدوار جيبون البلجيكي:
ولِد ١٧١٥، وتوفي ١٧٨٣ في بلدته "دوداف".
° قال في كتابه "الحضارة الشرقية" (ص ٢٧): "إن دينَ محمدٍ خالٍ من كلِّ شيءٍ يَشينه، وإن القرآنَ لأكبرُ دليل على وحدانية الله، وقد نهى محمدٌ عن عبادةِ الأصنام والكواكب".
ومن أسكتلندا
* روبرستن سميث الأسكتلندي:
مستشرقٌ أسكتلندي، وُلد في بلدته "بروزا" ١٨٥٦، وتوفي ١٩١١، جاب بلادَ الشرق، له كتابٌ في "أنساب العرب وزواجِ الجاهلية"، قال فيه: "من حُسنِ الحظ الوحيدِ في التاريخ أن محمدًا أتى بكتابٍ هو آيةٌ في البلاغة، دستورٌ للشرائع والصلاة والدين في آنٍ واحد".
* وليم موير الأسكتلندي:
مُستشرق شهير، وُلِد في "أديبورك" عام ١٨٢٩ م، وتوفِّي في عام ١٩٠٥ م، وله مؤلَّفانِ: "حياة محمد" و"التاريخ الإِسلامي".
° قال في كتابه "حياة محمد" -وذلك عند كتابته عن رحلتِه مع عُمَرَ
стр. 2308
إلى الشام (ص ٤٢ و ٤٣) -: "إن الذين دوَّنوا سيرةَ الرسولِ قد ذَكروا تفاصيلَ كثيرةً تدلُّ على عظمةِ نبوَّته المنتظَرة، وأنه في نفسِه عظيمٌ، وفي رسالتِه عظيم، وما عسى أن نتحدَّثَ عن سيرةٍ لرجلٍ خَلق أمةً متراميةً بعد أن كانت خاملةً، وإذا بها ذاتُ كِيانٍ عظيم".
° وقال في كتابه "حياة محمد" المترجَم إلى اللغة الفارسية عام ١٩٣٤ (ص ٤٦): "لقد جاء محمدٌ بتوجيهاتٍ رائعةٍ وتعاليمَ قيمةٍ، تحدَّى ببلاغتها العَهدَين التوراةَ والإنجيل، وترك لهما الغبارَ في سباقِ التعاليم الرسولية، وإن مَن يعرفُ محمدًا في عقيدتِه بالله، وعَطْفَه على الفقراء، وزُهدَه في دنياه، ومُضيَّه لتركيزِه مبدأَه وإدارتَه وحِنكتَه وبطولته، يَشرُفُ على الاعتقاد بدينه والتصديقِ برسالته التي ما جاء بها إلى العالَم إلاَّ لرفعِ مستوى الإنسان".
* العلامة: روبر أسميث الأسكتلندي:
مستشرق، ولد في "أديمبورغ" عام ١٨٥٦، وتوفي ١٩٠١، كان رئيسًا لواضعي "دائرةِ المعارف البريطانية" عام ١٨٨٧، جاء إلى بلاد الشرق، وتعرَّف على بيئتهم وعاداتهم، وله مؤلَّفٌ في أحوالِ لعرب قبلَ الإسلام وبعده.
° قال فيه (ص ١٧ و ١٨): "لقد كان العربُ قبلَ الإِسلام على جانبٍ من الغِلظةِ والخشونة، وَيعيشون عن طريقِ الغزو، وكان قد نُزعت الرحمةُ من صدورهم، وكانوا يَعبدون الأصنامَ، ولكلِّ قبيلةٍ صَنَمٌ، حتى جَمَعوا في كَعبتهم ثلاثَمئة ستينَ صنمًا، وقد جاء محمدٌ في أواخِرِ القرن السادس، فدعاهم إلى دينه، وأعلن أنه لا يجوزُ أن تتخذوا أصنامَكم أربابًا من دونِ
стр. 2309
الله، وكان محمدٌ على خُلقٍ عظيم، فاتبعوه بعد أن لاقى منهم الأذى، حيث دعاهم إلى دينِه القويمِ، وعَرَفوا أنه دينٌ لا يُصادِمُ الخيرَ والإنسانية، وأنه جاء لصلاح المجتمع".
ومن أيرلندا
* جون ديفو الأيرلندي:
مستشرق معروف، له قلمٌ سيَّال في التاريخ والرياضيات، ولد في بلده "دبلن"، وتوفي فيها عام ١٩٠٦.
° قال في كتابه "العرب وعاداتهم": "ما كان محمدٌ بعد هجرته إلى المدينة يستقرُّ قرارُة حتى أصبحَ مع القيامِ بالأعباء الإلهية والدعوةِ الدينية محاربًا وفاتحًا، وصاحبَ دولةٍ ونظامِ جماعةٍ تزدادُ كل يوم، فاصطبغ الإسلامُ بصِبغته الأخيرة، وأُسِّستِ القواعدُ الأولى لأوضاعه الدينية والسياسية والاجتماعية، فكانت هذه الأسسُ نبراسًا يُستضاءُ به في تشريعِ الأجيال المقبِلة، واقتفى آثارَها العلماءُ والفقهاءُ، فانتشرت المذاهبُ الإسلاميةُ ذلك الانتشارَ الرائع". اهـ.
* المستر موير الأيرلندي:
ولِد في بلدته "ليشكانا" عام ١٨٠٨ م، وتُوفي سنة ١٨٦٧ م.
° قال عند ذِكرِه رحلةَ الرسولِ ﷺ سنةَ ٥٩٥ للميلاد من كتابه "الإسلام" (ص ١٠٣): "إن محمدًا لم يكن في وقتٍ من الأوقات طامعًا في الغنى، إنما سعَيُه كان لغيره، ولو تَرك الأمر لنفسِه لآثر أن يعيشَ في هدوءٍ وسلامِ قانعًا بحالته، ولَمَا فكَّر في رِحلةٍ كهذه، ولكنه لَمَّا عَرض عليه عمُّه
стр. 2310
السفر، شَعُرت نفسُه الكريمةُ بضرورةِ تفريجِ كُربةِ عمِّه، فأجاب طلبَه مسرورًا".
° إلى أن قال: "إن محمدًا إنما لُقِّب "بالأمين" بإجماعِ أهلِ بلدِه لشرف أخلاقه وحُسنِ سلوكه بين قومه، ولذا سَرعانَ ما انقلبوا عن عبادةِ، الأصنامِ ورَحَّبوا بتعاليمه المباركة".
* المستر هربرت وايل الأيرلندي:
° قال في كتابه "المعلِّم الأكبر" (ص ١٧): "بعد سِتِّمئة سنةٍ من ظهور المسيح، ظَهَر محمدٌ، فأزال كلَّ الأوهام، وحَرَّم عبادةَ الأصنام، وكان يُلقِّبُه الناس بالأمين، لِمَا كان عليه من الصدقِ والأمانةِ، وهو الذي أرشد أهلَ الضلال إلى الصراطِ المستقيم".
ومن الأرجنتين
* البحاثة جون ديفو الأرجنتيني:
وُلد عام ١٨٤٥، وتوفي ١٩١٧.
° قال في كتابه: "الحياة تبدأ بالأربعين": "ولما استَكمل محمدٌ أربعين سنةً، جاء بدينٍ للعالَم يدعو فيه إلى الإصلاحِ وتركِ العاداتِ التي كان عليها أهلُ الجاهلية من وأدِ البنات وغيره، ومحمدٌ نبيُّ المسلمين عُرف منذ الصغر بالصدقِ والأمانةِ والعفَّةِ والنزاهة".
* دون بايرون الأرجنتيني:
ولِد في بلده "آنسيكار" عام ١٨٣٩ م، وتُوفي عام ١٩٠٠.
° قال في كتابه "أَتحِ لنفسك فرصةً" تعريب "عبد المنعم محمد الزيادي": "لا يَبعُد أن يكونَ محمدٌ يُحسُّ بنفسه أنه في طينته أرقى من
стр. 2311
معاصِرِيه، وأنه يفوقُهم جميعًا ذكاءً وعبقريةً، وأن اللهَ اختارَه لأمرٍ عظيم، وقد اتَّفق المؤرِّخون جميعًا على أنَّ محمدًا بن عبد الله كان ممتازًا بين قومه بأخلاقٍ جميلة، مِن صدقِ الحديث والأمانةِ والكرم وحسنِ الشمائل والتواضع، حتى سمَّاه أهل بلدِه "الأمين"، وكان مِن شدَّةِ ثقتِهم به وبأمانته، يُودِعون عندَه ودائعَهم وأماناتهم، وكان لا يَشربُ الأشربةَ المُسْكِرَة، ولا يحضرُ للأوثانِ عيدًا ولا احتفالاً، وكان يَعيشُ مما يُدِرُّه عيه عَمَلُهَ من خير".
ومن المَجَر
* الدكتور إِيليوس جرمانوس المَجَري:
وُلد عام ١٨٨٤، أستاذ بجامعة "بودابست- المجر"، مستشرقٌ هنغاري، جال في البلادِ الإِسلامية في آسيا ومصر، وخَبَر الديانةَ الإسلامية، فأسلَمَ وحَجَّ إلى مكةَ، له كتاب "الله أكبر" ترجَمه إلى العربية الأستاذ "فتحي رضوان" قال فيه: "إن تعاليمَ القرآنِ هي أوامرُ الله، وهي مُرشِدٌ أبديٌّ للبشر، إنه كتابٌ ملؤهُ الصراحةُ والوضوحُ لمن صَدَقت رغبتُه في تفهُّمه، وإنَّ محمدًا لأَعظمُ مُصلحِ ثوريٍّ عَرَفه التاريخُ مؤيَّدٍ بوحيٍ من عند الله، ونحن مأمورون أن نفهمَ تعاليمه، ونطبِّقَها على شؤون حياتنا الدنيوية، مع الإيمان بأن ما أُوحي به إليه إنما هو أساسٌ لا يهتزُّ ولا يتعثَّرُ لكونه إِلهيًّا.
ولقد أخطأ المسيحيون إذ لم يَفهموا الإسلامَ على حقيقته، وبالتالي لم يتشبَّعوا برُوحه، إن ما يمُيِّزُ الإِنسانَ عن الحيوان هو إدراكُه أن الكونَ تحكمُه قوانينُ روحيةٌ، وتسيِّرُه قوًى غيرُ محسوسة.
وهذه الحقيقةُ هي أساسُ كلِّ دين، ولكنه لا يُوجَدُ دينٌ يؤكِّدُها أكثرُ
стр. 2312
من دين الإسلام، الذي يُبسِّطُ أمامَ الإنسان طريقًا وَسَطًا لا تتجرَّدُ فيه الروحُ عن البَدَن، ولا البدنُ عن الروح، بل يكونُ وسطًا بين المادة والروح، على أن لا يَنسى أنه كائنٌ رُوحيٌّ قبلَ كلِّ شيءٍ".
ومن أسوج
* كازانوفا الأسوجي:
وُلد عام ١٨٣٧، وتوفي ١٩٠٣.
° قال في كتابه "حضارة الشرق" (الجزء الأول، ص ٢٣): "يُهمُّني أن أَجْهَرَ أولاً بأنني لا أُسلِّمُ أصلاً بكلِّ نظريةٍ يُفهم منها الريبُ بصِدقِ محمد، إن سيرةَ النبيِّ العربيِّ من بدايتها إلى نهايتها تدلُّ على أنه ثَبْتٌ رصينٌ أمين، ولا مَناصَ من الإِقرارِ بأن محمدًا كان على ذكاءٍ عظيم.
إن التعقلَ ونضوجَ الفكرِ اللذَينِ دلَّ عليهما، إذ أظهَرَ الآياتِ الأُولى الموحاةَ إليه، وحُسْنَ سياستِه في توحيدِ القبائل العربية، رَغمَ الخرافات المتأصِّلة، وفي تمييزِ ما ينبغي الإبقاءُ عليه منِ تقاليدِها القديمة، كلُّها أدلةٌ على أنه كان له في الأُمور نَظَرٌ سديد، كان يَرى الغايةَ ويَسعى إليها بغريزةِ السياسيِّ العاقل، ونُورانيةِ النبيِّ الصادقِ على السواء.
* العلاَّمة سينرستن الأسوجي:
مستشرق أسوجي، وُلد عام ١٨٦٦، أستاذ اللغات السَّاميَّة، ساهَمَ في "دائرةِ المعارف"، وجَمَع المخطوطاتِ الشرقيةَ، محرِّرُ مجلَّة "العالم الشرقي" له عدَّةُ مؤلَّفات، منها "القرآن الإِنجيل المحمدي"، ومنها: "تاريخ حياة محمد".
° قال في الأخير (ص ١٨): "إننا لم نُنصِفْ محمدًا إذا أنكرنا ما هو
стр. 2313
عليه من عظيمِ الصفات وحَميد المزايا، فلقد خاض محمدٌ معركةَ الحياةِ الصحيحةَ في وجه الجهل والهمجية، مُصرًّا على مبدئه، وما زال يحُاربُ الطغاةَ حتى انتهى به المطافُ إلى النصرِ المبين، فأصبحت شريعتُه أكملَ الشرائع، وهو فوقَ عظماءِ التاريخ".
* رودلف دتوراك الأسوجي:
مستشرق أسوجي، ولد في "سلمو" ١٨٥٢، وتوفي ١٩٢٠، أستاذ اللغات الشرقية في "براغ" عاصمة "تشكوسلوفاكيا"، من مؤلَّفاته كتابٌ في شِعر "أبي فِراس الحمداني "وترجمةِ حياتِه باللغةِ الألمانية.
° قال فيه (صفحة ١٣): "ليس بالبعيد، بل ولا شكَّ أن محمدًا نبيَّ العرب كان يتحدَّثُ إلى الناس عن وحيٍ من السماء؛ لأنَّه أتى إلى العالَم بدعوةٍ ومِن ورائها المعجزاتِ والآيات، وهي أعظمُ شاهِدٍ على مُدَّعاه، ولا يجوزُ لنا أن نُفنِّدَ آراءَه، بعد أن كانت آياتُ الصدقِ باديةً عليها، فهو نبيٌّ حقٌّ، وأولَى به أن يُتَّبَع، ولا يجوزُ لمن لم يَعرفْ شريعتَه أن يتحدثَ عنها بالسوء، لأنها مجموعةُ كمالاتٍ إلى الناس عامةً".
* ماكس سايكس الأسوجي:
ولد في بلدته "ملمو" سنة ١٨٧٦، وتوفي ١٩٢٧ - نقلاً عن مجلة "الهلال" المجلد الخامس (العدد ٣) -.
° قال: "إن محمدًا قد استطاع بعبقريته الفذَّةِ والتعليماتِ الواسعةِ المعنى أن يَجمعَ التفكيرَ إلى العمل، فكانت مملكتُه من هذا العالم، كان نبيًّا ثاقِبَ الفِكر، وكان مُشرِّعًا، وكان حاكمًا بين الناس".
стр. 2314
* غوستاف الأسوجي:
° وُلد في "ملمو" عام ١٧٤٦، وتوفي ١٧٩٢، حارَبَ روسيا، ونَشَر في أسوج مبادئَ الثوِرةِ الفرنسية، قال في مقدمة كتابه "الإِسلام في الحجاز": "إن الأساس للدين الإِسلاميِّ بسيطٌ جدًّا، وهو "لا إله إلا الله"، وإن محمدًا هو الذي أتى بهذه الحقيقة، ولا يوجدُ في هذه الحقيقة ما يُصادِمُ ويُخالِفُ علومَ العصرِ الحالي، فحريٌّ بهذا الدين أن يُتّبَع".
ومن يوغوسلافيا
* الدكتور ألتر بتكين اليوغسلافي:
ولد في "مكدونيا" ١٨٣٣، وتوفي ١٩٠٧، وله مؤلَّفات قيمة، منها "الحياة تبدأ بالأربعين".
° قال فيه: "في إحدى ليالي شهرِ رمضانِ، بينما كان محمدٌ نائمًا في أحدِ كهوفِ حِراء، عاد فتجلَّى عليه ذلك الشَّبح، وفي يدِه قِطعةٌ من الحرير عليها كتابة، وقال له ذلك الشخصُ: "اقرأ" فأجابه: "لست بقارئ"، فأعاد عليه القولُ ثانيًا: "اقرأ"، ﴿اقْرأْ بِاسْم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الإِنسَانَ مِن عَلَقٍ﴾، إلى آخِرِ السورة، فردَّد محمدٌ هذه الكلمات، وأحسَّ بالنورِ قد أَشرق على قلبه".
* الدكتور ويلسن اليوغسلافي:
ولد في مدينة "زارا" ١٨١٥، وتوفي ١٨٨٧.
° قال في إحدى محاضراته: "إننا إذا لم نَعتبر محمدا نبيًّا، فإننا لا نَستطيع أن نُنكِرَ أنه مرسَل من الله، ذلك أنه ليس هناك غيرُه قد راح يُفسِّرُ المسيحيةَ الأولى تفسيرًا رائعًا صادقًا، وإنَّ دينَه الذي جاء به لا يُعارِضُ
стр. 2315
الديانةَ المسيحية (١)، وكلُّ ما جاء به حسن".
ومن لبنان
* الأستاذ رشيد سليم الخوري اللبناني:
الشاعرُ المعروفُ بالملقَّبُ بالشاعرِ القَرَوي، ولد في "البربارة" لبنان ١٨٨٧، له ديوان "الرشيديات" ١٩١٦ و"القرويات" ١٩٢٢.
° قال في إحدى محاضراته: "فلا "وليم شكسبير" ولا "فكتور هوغو" ولا "لاون تولستوي"، ولا غيرهم من أمثالهم يطولون مهما اشرأبت أعناقُهم إلى الدرجةِ السُّفلى من تلك المنصَّةِ العالية التي يقفُ عليها محمدُ بن عبد الله؛ لأنَّه الرجلُ الذي تلتقي أَكملُ الصفاتِ في قلبِه الكبير، وعقلِه الفريد، ورِقَّتِه المتناهية ورُوحِه المتدفِّقة بشرفِ الإحساسِ ورُوحِ العاطفة".
° وقال في قصيدته اليائية المعروفة:
عِيدُ البرية عيدُ المولدِ النبوي … في المَشْرِقَينِ له والمَغْرِبَينِ دَوِي
عِيدُ النبيِّ ابنِ عبدِ الله مَن طَلَعت … شمسُ الهدايةِ من قُرآنه العُلوي
بَدا مِن القفرِ نورًا للورَىَ وهُدًى … يا للتمدُّنِ عمَّ الكونَ من بدوي
يا فاتحَ الأرضِ مَيدانًا لقوته … هذي بلادُك مَيدانٌ لكلِّ قوي
يا شاهرَ السيفِ للفَتحِ المُبينِ به … اليومَ يَندى حياءً سَيفُك الدموي
يا قومُ هذا مسيحي يناشدُكم … لا يُصْلِحُ الشرقَ إلاَّ حُبُّنا الأخَوي
إذا ذكرتم رسول الله تكرمةً … فبلِّغوه سلامَ الشاعرِ القَرَوي
* جورج جرداق اللبناني:
° الكاتبُ الشهيرُ البحَّاثة .. قال في كتابه "الإِمام علي صوت