معاصِرِيه، وأنه يفوقُهم جميعًا ذكاءً وعبقريةً، وأن اللهَ اختارَه لأمرٍ عظيم، وقد اتَّفق المؤرِّخون جميعًا على أنَّ محمدًا بن عبد الله كان ممتازًا بين قومه بأخلاقٍ جميلة، مِن صدقِ الحديث والأمانةِ والكرم وحسنِ الشمائل والتواضع، حتى سمَّاه أهل بلدِه "الأمين"، وكان مِن شدَّةِ ثقتِهم به وبأمانته، يُودِعون عندَه ودائعَهم وأماناتهم، وكان لا يَشربُ الأشربةَ المُسْكِرَة، ولا يحضرُ للأوثانِ عيدًا ولا احتفالاً، وكان يَعيشُ مما يُدِرُّه عيه عَمَلُهَ من خير".
ومن المَجَر
* الدكتور إِيليوس جرمانوس المَجَري:
وُلد عام ١٨٨٤، أستاذ بجامعة "بودابست- المجر"، مستشرقٌ هنغاري، جال في البلادِ الإِسلامية في آسيا ومصر، وخَبَر الديانةَ الإسلامية، فأسلَمَ وحَجَّ إلى مكةَ، له كتاب "الله أكبر" ترجَمه إلى العربية الأستاذ "فتحي رضوان" قال فيه: "إن تعاليمَ القرآنِ هي أوامرُ الله، وهي مُرشِدٌ أبديٌّ للبشر، إنه كتابٌ ملؤهُ الصراحةُ والوضوحُ لمن صَدَقت رغبتُه في تفهُّمه، وإنَّ محمدًا لأَعظمُ مُصلحِ ثوريٍّ عَرَفه التاريخُ مؤيَّدٍ بوحيٍ من عند الله، ونحن مأمورون أن نفهمَ تعاليمه، ونطبِّقَها على شؤون حياتنا الدنيوية، مع الإيمان بأن ما أُوحي به إليه إنما هو أساسٌ لا يهتزُّ ولا يتعثَّرُ لكونه إِلهيًّا.
ولقد أخطأ المسيحيون إذ لم يَفهموا الإسلامَ على حقيقته، وبالتالي لم يتشبَّعوا برُوحه، إن ما يمُيِّزُ الإِنسانَ عن الحيوان هو إدراكُه أن الكونَ تحكمُه قوانينُ روحيةٌ، وتسيِّرُه قوًى غيرُ محسوسة.
وهذه الحقيقةُ هي أساسُ كلِّ دين، ولكنه لا يُوجَدُ دينٌ يؤكِّدُها أكثرُ
стр. 2312
من دين الإسلام، الذي يُبسِّطُ أمامَ الإنسان طريقًا وَسَطًا لا تتجرَّدُ فيه الروحُ عن البَدَن، ولا البدنُ عن الروح، بل يكونُ وسطًا بين المادة والروح، على أن لا يَنسى أنه كائنٌ رُوحيٌّ قبلَ كلِّ شيءٍ".
ومن أسوج
* كازانوفا الأسوجي:
وُلد عام ١٨٣٧، وتوفي ١٩٠٣.
° قال في كتابه "حضارة الشرق" (الجزء الأول، ص ٢٣): "يُهمُّني أن أَجْهَرَ أولاً بأنني لا أُسلِّمُ أصلاً بكلِّ نظريةٍ يُفهم منها الريبُ بصِدقِ محمد، إن سيرةَ النبيِّ العربيِّ من بدايتها إلى نهايتها تدلُّ على أنه ثَبْتٌ رصينٌ أمين، ولا مَناصَ من الإِقرارِ بأن محمدًا كان على ذكاءٍ عظيم.
إن التعقلَ ونضوجَ الفكرِ اللذَينِ دلَّ عليهما، إذ أظهَرَ الآياتِ الأُولى الموحاةَ إليه، وحُسْنَ سياستِه في توحيدِ القبائل العربية، رَغمَ الخرافات المتأصِّلة، وفي تمييزِ ما ينبغي الإبقاءُ عليه منِ تقاليدِها القديمة، كلُّها أدلةٌ على أنه كان له في الأُمور نَظَرٌ سديد، كان يَرى الغايةَ ويَسعى إليها بغريزةِ السياسيِّ العاقل، ونُورانيةِ النبيِّ الصادقِ على السواء.
* العلاَّمة سينرستن الأسوجي:
مستشرق أسوجي، وُلد عام ١٨٦٦، أستاذ اللغات السَّاميَّة، ساهَمَ في "دائرةِ المعارف"، وجَمَع المخطوطاتِ الشرقيةَ، محرِّرُ مجلَّة "العالم الشرقي" له عدَّةُ مؤلَّفات، منها "القرآن الإِنجيل المحمدي"، ومنها: "تاريخ حياة محمد".
° قال في الأخير (ص ١٨): "إننا لم نُنصِفْ محمدًا إذا أنكرنا ما هو
стр. 2313
عليه من عظيمِ الصفات وحَميد المزايا، فلقد خاض محمدٌ معركةَ الحياةِ الصحيحةَ في وجه الجهل والهمجية، مُصرًّا على مبدئه، وما زال يحُاربُ الطغاةَ حتى انتهى به المطافُ إلى النصرِ المبين، فأصبحت شريعتُه أكملَ الشرائع، وهو فوقَ عظماءِ التاريخ".
* رودلف دتوراك الأسوجي:
مستشرق أسوجي، ولد في "سلمو" ١٨٥٢، وتوفي ١٩٢٠، أستاذ اللغات الشرقية في "براغ" عاصمة "تشكوسلوفاكيا"، من مؤلَّفاته كتابٌ في شِعر "أبي فِراس الحمداني "وترجمةِ حياتِه باللغةِ الألمانية.
° قال فيه (صفحة ١٣): "ليس بالبعيد، بل ولا شكَّ أن محمدًا نبيَّ العرب كان يتحدَّثُ إلى الناس عن وحيٍ من السماء؛ لأنَّه أتى إلى العالَم بدعوةٍ ومِن ورائها المعجزاتِ والآيات، وهي أعظمُ شاهِدٍ على مُدَّعاه، ولا يجوزُ لنا أن نُفنِّدَ آراءَه، بعد أن كانت آياتُ الصدقِ باديةً عليها، فهو نبيٌّ حقٌّ، وأولَى به أن يُتَّبَع، ولا يجوزُ لمن لم يَعرفْ شريعتَه أن يتحدثَ عنها بالسوء، لأنها مجموعةُ كمالاتٍ إلى الناس عامةً".
* ماكس سايكس الأسوجي:
ولد في بلدته "ملمو" سنة ١٨٧٦، وتوفي ١٩٢٧ - نقلاً عن مجلة "الهلال" المجلد الخامس (العدد ٣) -.
° قال: "إن محمدًا قد استطاع بعبقريته الفذَّةِ والتعليماتِ الواسعةِ المعنى أن يَجمعَ التفكيرَ إلى العمل، فكانت مملكتُه من هذا العالم، كان نبيًّا ثاقِبَ الفِكر، وكان مُشرِّعًا، وكان حاكمًا بين الناس".
стр. 2314
* غوستاف الأسوجي:
° وُلد في "ملمو" عام ١٧٤٦، وتوفي ١٧٩٢، حارَبَ روسيا، ونَشَر في أسوج مبادئَ الثوِرةِ الفرنسية، قال في مقدمة كتابه "الإِسلام في الحجاز": "إن الأساس للدين الإِسلاميِّ بسيطٌ جدًّا، وهو "لا إله إلا الله"، وإن محمدًا هو الذي أتى بهذه الحقيقة، ولا يوجدُ في هذه الحقيقة ما يُصادِمُ ويُخالِفُ علومَ العصرِ الحالي، فحريٌّ بهذا الدين أن يُتّبَع".
ومن يوغوسلافيا
* الدكتور ألتر بتكين اليوغسلافي:
ولد في "مكدونيا" ١٨٣٣، وتوفي ١٩٠٧، وله مؤلَّفات قيمة، منها "الحياة تبدأ بالأربعين".
° قال فيه: "في إحدى ليالي شهرِ رمضانِ، بينما كان محمدٌ نائمًا في أحدِ كهوفِ حِراء، عاد فتجلَّى عليه ذلك الشَّبح، وفي يدِه قِطعةٌ من الحرير عليها كتابة، وقال له ذلك الشخصُ: "اقرأ" فأجابه: "لست بقارئ"، فأعاد عليه القولُ ثانيًا: "اقرأ"، ﴿اقْرأْ بِاسْم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الإِنسَانَ مِن عَلَقٍ﴾، إلى آخِرِ السورة، فردَّد محمدٌ هذه الكلمات، وأحسَّ بالنورِ قد أَشرق على قلبه".
* الدكتور ويلسن اليوغسلافي:
ولد في مدينة "زارا" ١٨١٥، وتوفي ١٨٨٧.
° قال في إحدى محاضراته: "إننا إذا لم نَعتبر محمدا نبيًّا، فإننا لا نَستطيع أن نُنكِرَ أنه مرسَل من الله، ذلك أنه ليس هناك غيرُه قد راح يُفسِّرُ المسيحيةَ الأولى تفسيرًا رائعًا صادقًا، وإنَّ دينَه الذي جاء به لا يُعارِضُ
стр. 2315
الديانةَ المسيحية (١)، وكلُّ ما جاء به حسن".
ومن لبنان
* الأستاذ رشيد سليم الخوري اللبناني:
الشاعرُ المعروفُ بالملقَّبُ بالشاعرِ القَرَوي، ولد في "البربارة" لبنان ١٨٨٧، له ديوان "الرشيديات" ١٩١٦ و"القرويات" ١٩٢٢.
° قال في إحدى محاضراته: "فلا "وليم شكسبير" ولا "فكتور هوغو" ولا "لاون تولستوي"، ولا غيرهم من أمثالهم يطولون مهما اشرأبت أعناقُهم إلى الدرجةِ السُّفلى من تلك المنصَّةِ العالية التي يقفُ عليها محمدُ بن عبد الله؛ لأنَّه الرجلُ الذي تلتقي أَكملُ الصفاتِ في قلبِه الكبير، وعقلِه الفريد، ورِقَّتِه المتناهية ورُوحِه المتدفِّقة بشرفِ الإحساسِ ورُوحِ العاطفة".
° وقال في قصيدته اليائية المعروفة:
عِيدُ البرية عيدُ المولدِ النبوي … في المَشْرِقَينِ له والمَغْرِبَينِ دَوِي
عِيدُ النبيِّ ابنِ عبدِ الله مَن طَلَعت … شمسُ الهدايةِ من قُرآنه العُلوي
بَدا مِن القفرِ نورًا للورَىَ وهُدًى … يا للتمدُّنِ عمَّ الكونَ من بدوي
يا فاتحَ الأرضِ مَيدانًا لقوته … هذي بلادُك مَيدانٌ لكلِّ قوي
يا شاهرَ السيفِ للفَتحِ المُبينِ به … اليومَ يَندى حياءً سَيفُك الدموي
يا قومُ هذا مسيحي يناشدُكم … لا يُصْلِحُ الشرقَ إلاَّ حُبُّنا الأخَوي
إذا ذكرتم رسول الله تكرمةً … فبلِّغوه سلامَ الشاعرِ القَرَوي
* جورج جرداق اللبناني:
° الكاتبُ الشهيرُ البحَّاثة .. قال في كتابه "الإِمام علي صوت
стр. 2316
العدالة الإنسانية" (١/ ٣١) تحت عنوان: "صوت محمد": "مِن لهيبِ الصحراء المُحرقةِ وَهَجٌ في عينيه، ومن انبساطِ الرمالِ أمامَ وهَجِ الشمس صراحةٌ على شفتيه، ومن جنائنِ يثربَ وخمائلِ الطائفِ ومِن واحاتِ الحجازِ السابحةِ في الفضاءِ كأنها الجُزُرُ المتناثرةُ في محيطٍ من الرمل تحتَ ضوءِ القمر، نداوةٌ في قلبه ورِفقٌ في دمه، ومِن عَصْفِ الريحِ الهُوْجِ ثورةٌ في خياله، ومِن بيانِ الشِّعر ونورِ السماءِ سِحرٌ في لسانه وقَبسٌ في روحه، ومِن صِدقِ العزيمةِ ولغةِ الله مَضاءٌ في حسامه ورسالة في يمينه.
ذاك هو محمدُ بن عبد الله نبيُّ العرب ومُحطِّم الوثنية، التي أقْصَتِ الإِنسانَ عن أخيهِ الإِنسان، وثنيَّةِ المال ووثنيةِ العادة ووثنية العنصر الخرقاء".
إلى أن قال (ص ٣٥): "واتسع ظلُّ محمدِ بن عبدِ الله وتعاظَمَ حتى اكتَنَف العالَمَ القديم، فإذا هو مِن مَطْلَع الشمس إلى مغربها أرضٌ تُنبتُ الخيرَ والمعرفةَ والسِّلم، وإذا بنبيِّ الصحراء يَمُدُّ يَدَه فوقَ الدنيا لِيبذُرَ في أرضِها بُذورَ الإخاءِ والحبِّ، يَمُدُّها حتي تُطاوِلُ الأُفق، وهي ما زالت في امتدادٍ، وصار لدولةِ العرب رِجلٌ في الهند ورِجلٌ في الأندلس، وعُقد على جَبينِ الشمسِ تاجُ شعب عظيم".
* أمين بك نخلة اللبناني:
الأستاذ المعروف، والشاعر المحلِّق أمين بن رشيد نخلة.
° قال في مقدمة كتاب الأستاذ لبيب الرياشي "نفسية الرسول العربي" (ص ١٦): "محمد نغمةٌ لا كلمة، لفَرط ما مسحت على شفاه الخلائق، تأخذُ بالسمع قبلَ الأخذِ بالذهن، وتُفيدُ خفَّةَ الحروفِ وحلاوةَ اللفظاتِ قبل
стр. 2317
أن تُفيدَ العلاقةَ بالله، وليس على الأرضِ بسيطٌ لا ينفتحُ لها صدره، ولا تَرُجُّ جوانبَ نفسه، فمن لم تأخذْه بالإسلام أخَذَتْه بالعروبة، ومَن لم تأخذْه بالعروبة أخذته بالعربية".
* لبيب الرياشي اللبناني:
° قال في أول كتابه "نفسية الرسول العربي": "لِنتجرَّدْ ولنتطَّهْر من جُذام التعصُّب وأَثَرَةِ الجنسية".
° وقال في أولِ كتابِه "فلسفة الرسول العربي" (ص ٦) تحت عنوان "اعتراف قبل التحلل وقبل الدرس": "ما نَدِمتُ على شيءٍ في حياتي ندمًا عصبيًّا ساحقًا، مثلَ نَدَمي على جَهل نفسيةِ الرسول العربي والإمامِ الأعظمِ العالمي".
° وقال في آخر كتابه المذكور: "حقًّا يا محمدُ، إنك رسولُ الثقافة والعلم، رسولُ الهداية والتضحية، رسولُ الفلسفة الجديدة، رسولُ الإنسانيةِ الجديدة".
° وقال في (ص ١١): "أمَا لو أدرك المسلمون سِيرةَ الرسول بجَوهرها، وشَرْعَ الرسولِ بسَنائه، وحِكَمَ الرسول بجلالها، وإبداعَ الضمائرِ الجديدةِ التي ابتدعها الرسولُ بجدَّتها الوضَّاءة، وعَمِلوا بما أدركوا، لكان المسلمون غيرَ هؤلاء المسلمين، ولكان العالَمُ غيرَ هذا العالم".
° ثم قال: "أمَا لو دَرَس عُشَّاقُ الرسولِ وعُشَّاقُ العظماء والحكماء والُمبدعين غيرِ العرب، بطهارةِ وجدانٍ وبراءةِ سريرة، وتَحليل عبقريًّ، حياةَ الرسول العربي، وسُمُوَّ الرسول العربي، وبراءةَ سريرته وأعمالِه
стр. 2318
وشَرعِه، لاستكشفوا أعظمَ شخصيةٍ وأقدَسَ رسالةٍ للتاريخ الإنساني، ولقد طالعت مئاتِ المجلَّدات وقرأتُ حياةَ ألوفِ العظماء والرسل، ولكنَّ مئاتِ المجلدات وحياةَ ألوفِ العظماء والرسل ما فَعَلت بنفسي وأثَّرت في دماغي، وهَذَّبت وثقَّفت وأدهشَت، مثلما فَعَلت حياةُ الرسولِ العربيِّ العالمي، محمد بن عبد الله".
* الكاتب ميخائيل طعمة:
° نَشر الصحافي المعروف "نجيب نصار" صاحب جريدة "الكرمل" التي كانت تَصدُرُ في "حيفا"، نَشر فيها مقالاً للكاتب "ميخائيل طعمة"، جاء فيه: "لو لم يكن خلُقُ محمدٍ عظيمًا لانقلب عليه مُحيطُه، ولو لم يكن خلُقُ محمدٍ عظيمًا لَضَعفُ أمامَ ما اعتَرضه من العقبات، ولرأى نفسَه مضطرًّا إلى مُجاراتِ محيطِه، ولَمَا قَوِيَ على إحداثِ ما أوجَدَهِ من الانقلابِ العظيم، فبدَّل الضلالَ بالهدى، والجَهلَ بالعلم، والهمجيَّة بالمدنية".
* الدكتور شبلي شميِّل اللبناني:
وُلِد في "كفر شيما" بلبنان عام ١٨٦٠، وتوفي ١٩١٧ م، له مؤلَّفات عديدة- "الأهوية" و"المياه" و"البلدان" لأبي الطب أبقراط الحكيم، ورسالةُ "الحقيقة"، وكان يَرى فيها مذهبَ "دارون".
° قال في إحدى مقالاته -مأخوذة عن "المقتطف"، المجلد السابع عدد ٦ - : "لقد أصبح من أكبرِ العارِ على أيِّ فرد متمدِّن من أبناءِ هذا العصرِ أن يُصغيَ لما يُظنُّ من أن دينَ الإسلام كَذِبٌ، وأن محمدًا خَدَّاعٌ مزوِّر، وآن لنا أن نَحاربَ ما يُشاعُ مِن مِثل هذه الأقوالِ السخيفةِ المُخجِلة، فإن
стр. 2319
الرسالةَ التي أدَّاها ذلك الرسولُ ما زالت السراجَ المنير".
° وقال في قصيدةٍ له:
دع من محمدٍ في سُدى قرآنه … ما قد نَحاه للحمةِ الغاياتِ
إني وإن أكُ قد كَرتُ بدينهِ … هل أكفرنَّ بمُحكَمِ الآياتِ
أو ما حَوَت في ناصعِ الآياتِ من … حِكَمٍ روادعَ للهوى وعظاتِ
وشرائعَ لو أنهم عَقَلوا بها … ما قيَّد العمرانُ بالعادتِ
نِعمَ المدبِّرُ والحكيمُ وإنه … ربُّ الفصاحةِ مُصطفَى الكلماتِ
رجلُ الحِجى رجلُ السياسةِ والنهى … بطلٌ حليفُ النصرِ والغاراتِ
ببلاغةِ القرآن قد غَلب النهى … وبسيفه أنحى على الهاماتِ
مِن دونه الأبطالُ في كل الورى … مِن غائبٍ أوحاضرٍ أو آتي
* الأستاذ حنَّا خير الله اللبناني:
° قال في إحدى حفلات ذكرى ميلاد الرسول ﷺ نقلاً عن مجلة "العرفان" -المجلد السابع والعشرين الجزء ٣ - : "يكفي النبيَّ العربي عظمةً أنه خَلَّد اللغةَ العربيةَ وقُدْسَها، وأوجب على جميع أتباعِه تَعلُّمَها".
° إلى أن قال: "إننا نُعطِّمُ ذِكْرَ مَن خلَّد لأُمتنا أعظمَ مجد، وأشرفَ تاريخ، وأسمى منزلةٍ، وحَفِظ لغتَنا مقدَّسةً إلى أبدِ الدهر، لِنُبرهنَ على أننا نُكرِّمُ محمَّداً -النبيَّ العربي- ونحتفلُ بذكرى مولِدِه المبارَك، إنا نقدِّرُ محمدًا، وأعمالَ محمد، وعظمةً محمد ﷺ وغاية محمد".
* شبلي الملاط اللبناني:
° من قصيدةٍ قالها في مهرجانٍ أُقيم لأميرِ الشعراء "أحمد شوقي" في
стр. 2320
القاهرة:
مَن للزمانِ بِمثل فَضلِ محمدٍ … وعَدالةٍ كعدالة الخَطَّابِ
رَفَع الرسول عِمادَ أُمةِ يَعربٍ … وأعزَّها بالآلِ والأَصحابِ
فَشَتِ الفتوحُ وصَفَّقت راياتُها … في الشرقِ فوقَ أباطحٍ وهِضابِ
وتَغلغلت في الغَربِ طائرةً على … أكتافِ صقرٍ جارحٍ وعُقابِ
° إلى أن قال:
أخذت قريشُ بحُزنها وبَكَتْ بها … غرناطةُ في رِقَّةٍ وعِتابِ
لولا يدُ الإسلامِ لم يَسْلَمْ بما … فيها من الأخلاقِ والآدابِ
مَن لم يُطِقَّ لغةَ الجدودِ فليس مِن … قوميةٍ تَنسِبُه في الأنسابِ
* الشاعر محبوب الخوري الشرتوني اللبناني:
هو شاعرٌ معروف من أُدباء "عالية لبنان" ١٨٨٦، تُوفي ١٩٣١، له ديوانٌ طُبع في نيويورك، ومِن شعرِه قصيدتُه المعروفة:
قالوا: تُحِبُّ العُرْبَ قلتُ أُحِبُّهُمْ … يَقضي الجِوارُ عليَّ والأرحامُ
قالوا: لقد بَخِلوا عليكَ أجبتُهُم … أهلي وإن شحُّوا عليَّ كرامُ
قالوا: البداوةُ، قلتُ: أطهرُ عُنصرٍ … صَفَتِ القلوبُ هناك والأجسامُ
ومحمدٌ بطلُ البريَّةِ كلِّها … هو للأعاربِ أجمعين إمامُ
* إلياس فامور السوري:
"إلياس فامور" شاعرٌ وأديب، وُلد في "اللاذقية" ١٨٩٧، نَشرت له بعضُ الصحفِ السوريةِ قصيدةً قالها في حَفلٍ أُقيم لميلادِ الرسول عام ٩٣٤، منها:
стр. 2321
بَزَغَتْ ولكن في جَبينِ محمدٍ … شمَسٌ تدلُّ على سَناهُ الأنور
فتهلَّلت بِشرًا ملائكةُ السما … في يومِ مَولِدِه العظيمِ الأكبرِ
أمحمدُ ولأَنت أرفعُ رتبةً … مِن كلِّ سامٍ في الورى ومُوقَّرِ
إني لأَعجِزُ عن مديحِك عالِمًا … أني أعودُ بصفقةِ المتحيِّرِ
أطلعتَ شمسَك فاختفت وتضاءلَتْ … كلُّ النجومِ وسال ذَوبُ المرمرِ
وملأتَ أفئدةَ الخصومِ بحِكمةٍ … فيَّاضةٍ وبَهَرتَ كلَّ منكَّرِ
وشَقَقْتَ جِلبابَ الظلامِ بصارمٍ … تجلُو مضاربُه ضَبابَ العَثْيَرِ
وبَذَلْتَ نفسَك للصوارمِ والقَنا … بين الجحافلِ في العِجاجِ الأكدرِ
نفسٌ بشامخةِ النجومِ مُهمَّةٌ … أزْرَتْ بسابقه العِتاقِ الضُّمَّرِ
فُرقانُه كالشمسَ يَسطعُ في الضحى … وحديثُه كضياءِ بَدرٍ مُقمِرِ
ذو طَلعةٍ رَدَّت ظلامَ زمانِه … صُبْحًا بمثلِ ظلامِ ماضي الأعصُرِ
لو شئتَ نَظْمَ فرائدَ مِن نثرِه … أعيَتْ وضاق بها مِدادُ الأبحُرِ
* قسطاكي الحِمْصي السوري:
° وُلد في "حلب" ١٨٥٨، وتُوفي في "حمص" ١٩٤١، عُضوُ المجمع العلمي في دمشق، وصديقُ إبراهيم اليازجي، له مؤلَّفاتٌ عدَّةٌ، منها "أدباء حلب ذَوُو الأثر"، وهو شاعرٌ معروفٌ وكاتبٌ لا يُنكرُه أحد، وقد نَشرت له "مجلةُ الفتح" التي تَصدُر في القاهرة عام ١٩٣٠ ما يلي: "إذا كان سيِّدُ قريشٍ نبيَّ المسلمين ومؤسسَ دينهم، فهو أيضاً نبي العرب ومؤسسُ جامعتِهم القومية، وكما أنه منَ الحُمق والمكابرةِ أن نُنكرَ ما لسيدِ قريش مِن بعيدِ الأثرِ في توحيدِ اللهجاتِ العربية، وقتلِ العصبياتِ الفرعيةِ
стр. 2322
في نفوسِ القبائل، بعدَ أن أنهَكَها القتالُ في قتالِ الصحراء، وتناحَرَ ملوكُها في الشامِ والعراقِ تناحُرًا طالَ أَمَدَ الحمايةِ الرومانية والفارسية في البلدَين العربيِّينِ الشقيقَينِ حتى الفتح الإسلاميِّ، فمن الخَطَل أن تُنكرَ ما للرسولِ العربيِّ الكريم وخُلفائِه من يدٍ على الشرق في إثارةِ تلكِ الحَمَاسةِ والبطولةِ النادرةِ المتدفِّقةِ في صُدورِ أولئك النَّفَر الميامين -الذين كانوا قابِعين في حُزونِ الجزيرة وبِطاحها- في سبيلِ الفتح، والمنافحةِ لتحرير الشرقِ من رِقِّ الرومان وأسرِ الفرس.
إن سيدَ قريشٍ هو المُنقذُ الأكبرُ للعرب مِن فَوضى الجاهلية، وواضعُ حَجَر الزاويةِ في صَرحِ نَهضتِهم الجبارةِ المتأصِّلةِ في تُربةِ الخلود، ولقد بَنيتُ قصيدتي الآتية، وحَذَوتُ فيها حَذْوَ "البردة" في مناجاةِ رسولِ العرب وحارسِ العرب "بالمصحف الخالد الآيات والكلم"، وإذا حُقَّ لأولئك الأعلام -وهم من حُماةِ الإِسلام- إطلاقُ اسم "البردة النبوية" على قصائدهم، فقد حُقَّ لي -وأنا من شباب العرب المنادين في سبيل الجامعة القومية- أن أُطلِقَ على قصيدتي اسمَ "البردة العربية"، وأصُبَّ حِمَمِها على المستعمِرين الطغاة.
° وإذا كان فقيدُ الإسلام محمد علي يقول: "الإسلامُ أولاً والهندُ ثانيًا"، فأنا أقول: إن مسيحيَّتي لا تَحُولُ ولن تحولَ دونَ وقفٍ يُراعي على خدمةِ أمتي وتَضحيتي في سبيلِ استقلالها، كما أن عروبتي لا تحولُ ولن تحولَ دون قيامِي بشعائِرِي الدينية، وهذه قصيدتي:
باللهِ يا جِيرةَ البطحاءِ والعلَمِ … عُودُا خشوعًا وحَيُّوا ساكِنَ الحَرَمِ
стр. 2323
واستعطِفوا على صَبٍّ تَملَّكه … حُبُّ العروبة نَبْتِ المجدِ والشِّيَمِ
عساه يُصغي إلى شكواه إن لها … بثَّ الفؤادِ ومعنى الشجوِ والشَّمَمِ
ويُلهِمُ العُرْبَ من إعجازِ حكمتِه … أن يَنهضوا لاقتحام الهولِ والعُظَمِ
ويستردُّوا مَقامًا طالَما سَجَدَتْ … له الجبابرُ من رُومٍ ومِن عَجَمِ
فما الحياةُ التي يَحْيَون وَيْحَهُمُ … إلاَّ حياةَ ضِعافِ الشاة والبَهَمِ
يا سيدَ العُرْبِ والأيامُ شاهدةٌ … إني أُوفِّي لعهدِ العُرْبِ كلِّهمِ
أنقذتَ قُدْمًا بني عدنان من عَمهٍ … في غمرة الجهلِ والطغيان والظُّلمِ
وقُدْتَهم صُعُدًا والدينُ قائدهم … والعَدلُ رَائدُهم في مَسلَكَ العِلمِ
فصافَحوا المجدَ والأيامُ في يَدِهم … طَوْعَ البَنانِ وأضحَوْا سادةَ الأُممِ
ودَوَّخوا الغَربَ حتى لان جامِحُه … وخَرَّ مسترحِمًا مِن وطء خَيلِهِم
والآن قد دال مَجدُ العُربْ والَهَفي … وأصبحوا كُبغاثِ لطيَرِ والغَنَمِ
يسُومُهم عبدُهم بالأمس وا كبدي … مُرَّ العذابِ ويُغليهم على ضَرَمَ
ويَستبيحُ حِماهم غيرَ مُحَتشِمٍ … كأنهم عنده مِن أحقرِ الخَدَمِ
° إلى أن يقول:
فاهبِطْ أبا القاسمِ الميمونِ مؤتزِرًا … بالعَزم وابْعَثْ مَوَاتَ العزمِ والهممِ
وانفُخْ بعَدنانَ مِن رُوحِ النبوةِ ما … يُثيرُهَا للعُلى في أرفعِ القِمَمِ
واسألْ لها نُصرةً من ربِّنا فعسى … نَصرٌ قريبٌ وفتحٌ غيرُ مُنثَلِمِ
سيندمُ الغَربُ عمَّا جاء مُعتسِفًا … ولاتَ ساعةَ عَضِّ الكَفِّ مِن نَدَمِ
° وقد وَقَّع الشاعرُ المذكورُ المسيحي تحتَ القصيدةِ المذكورة:
"فتى العرب" حِمْص .. الشام
стр. 2324
* الأستاذ ميشيل عفلق السوري:
رئيسُ حزب "البعث" العربي في دمشق.
° قال في كتابه "في سبيل البعث" (ص ٥٣): "حتى الآن كان يُنظرُ إلى حياةِ الرسولِ محمدٍ من الخارج، كصورةٍ رائعةٍ وُجدت لِنعجَبَ بها ونُقدِّسَها، فعلينا أن نبدأَ بالنظرِ إليها من الداخل لنحياها، كلُّ عربيٍّ في الوقت الحاضرِ يَستطيعُ أن يحيا حياةَ الرسول العربي، ولو بنسبةِ الحصاةِ إلى الجبل والقطرةِ إلى البحر، طبيعي أن يَعجِزَ أيُّ رجل مهما بَلغت عظمتُه أن يَعملَ ما عَمِلَ محمدٌ، ولكنْ من الطبيعي أن يستطيعَ أيُّ رجلٍ مهما ضاقت قدرتُه أن يكونَ نموذجًا مصغَّرًا ضئيلاً لمحمدٍ، ما دام ينتسبُ إلى الأُمةِ التي حَشَدت كلَّ قواها فأنجبت محمدًا، أو بالأحرى ما دام هذا الرجلُ فردًا من أفرادِ الأمة التي حَشَد محمدٌ كلَّ قُواه فأنجبها، في وقتٍ مَضَى تلخَّصت في رجلٍ واحدٍ كلُّ حياةِ أمته، واليومَ يجبُ أن تُصبحَ كلُّ حياةٍ هذه الأمةِ في نهضتِها الجديدة تفصيلاً لحياةِ رجلِها العظيم، كان محمدٌ كلَّ العرب، فليكنْ كلُّ العربِ اليوم محمدًا".
° إلى أن قال: "إنَّ الإسلامَ لم يُوجَدْ ليكونَ مقصورًا على العرب، إذا قلنا ذلك ابتعدنا عن الحقِّ وخالَفْنا الواقر، فكلُّ أمةٍ عظيمةٍ عميقةِ الاتصال بمعاني الكونِ الأزلية، تَنزعُ في أصلِ تكوينِها إلى القِيَمِ الخالدةِ الشاملة، والإِسلامُ خيرُ مُفصحٍ عن نزوعِ الأمةِ العربيةِ للخلودِ والشمول، فهو إذًا واقعه عربي، وفي مرامِيه المثاليةِ إنساني، فرسالةُ الإسلامِ إنما هي خُلُق إنسانية عربية.
стр. 2325
إن العربَ ينفرِدون -دونَ سائر الأُممِ- بهذهِ الخاصيةِ، إنَّ يقظتَهم القوميةِ اقتَرنت برسالةٍ دينية، أو بالأحرى كانت هذه الرسالةُ مُفصِحةً عن هذه اليقظة القوميَّة، ولم يتوسَّعوا بُغيةَ التوسُّع، ولا حكموا البلاد استنادًا إلى حاجةٍ اقتصاديةٍ مجردة، أو ذريعةٍ عنصريةٍ أو شهوةٍ للسيطرةِ والاستعبادِ، بل ليؤدُّوا واجبًا دينيًّا كلُّه حقٌّ وهدايةٌ ورحمةٌ وعَدلٌ وبَذلٌ، أراقوا من أجله دماءَهم، وأقبَلوا عليه خِفافًا ومتهلِّلين لوجه الله، وما دام الارتباطُ وثيقًا بين العروبة والإِسلام، وما دمنا نرى في العروبةِ جسمًا رُوحُه الإِسلام، فلا مَجالَ إذًا للخوفِ من أنْ يشتطَّ العربُ في قوميتهم، إنها لن تبلغَ عصبيةَ البغيِ والاستعمار".
* الدكتور نجيب أرمنازي المصري:
وُلِد في بلدته "ماهاي" عام ١٨١٩، وتوفي ١٨٨٧ م، له كتاب "عن "الشرع الدولي في الإِسلام".
° قال فيه (ص ٥٦): "كان العربُ لَمَّا بُعث محمدٌ فيهم على الفِطرة البيضاءِ النقية، لم يُكَّدرها مُكدِّر، ولم يَعْبَثْ برَونقها عابث، تطلَّع إلى أمرٍ عظيم، وخَطبٍ جسيم، قد استكنَّت من المواهبِ الشريفةِ والقوى الكامنة والعزائمِ الشديدة ما يسمو كالنارِ إلى إشاعةِ ذكره وتعرُّفِ خَبَرِه، واستفاضت فيها رُوح الحياة، وشاع في الناس نبأُ حادثٍ دينيٍّ كبير، يكونُ عنوانَ تاريخِ جليل".
° إلى أن قال: "فقد ظَهر الإِسلامُ في عنفوانِ تلك البعثة، وأصاب بدعوته شاكلةَ القلوب، ودانت له العربُ، فأصلح بينَهم، وجَمَع كلمتَهم، وحينئذٍ نَفَروا من البادية، وانتشروا في أقطارِ الأرض، تَنقادُ لهم أَعِنَّةُ الأُمم
стр. 2326
انقيادًا يُشابِهُ المُعجِزات، ولَمَّا أظهر محمدٌ دعوتَه قال لعشيرته الأقربين: ما أعلمُ أن إنسانًا في العرب جاء قومَه بأفضلَ مما جئتُكم به، فقد جئتُكم بخير الدنيا والآخرة".
° وقال في (ص ٦١): "قام محمدٌ -وهو عربيٌّ من صميمِ العرب- يدعو قومَه إلى توحيدٍ لا رَيبَ فيه ولا هوادة، مُنوِّهًا عن رموزِ الأحبار وزخارفِ الكُهَّانِ، وَيحُثُّهم على الاستكثارِ من الخيرِ في هذه الدنيا، والحِرصِ على مَدارِكَ أخرى في الحياةِ أشرفَ منزلةً وأبعدَ غايةً".
* عبد المسيح أفندي وزير المصري:
نشرت جريدة "الاستقلال" ١٩٢٧ مقالاً للأستاذ "عبد المسيح أفندي وزير" الكاتب المعروف، تحت عنوان "محمد والحضارة"، وذلك يومَ ذكرى مَبعَثِ الرسول محمدٍ ﷺ .
° جاء في المقال ما يلي: "في مثل هذا اليوم المبارك ننشرُ في هذه الجريدةِ مقالاً في محمدٍ فيه ذكرى -والذكرى تنفعُ المؤمنين-، وقد عالجتُ الموضوعَ فيما مضى من وجوهٍ غيرِ الوجه الذي عَقدتُ العزيمةَ على مُعالجته الآن، إذ كانت المقالاتُ السابقةُ في قالب شِعريٍّ أدبيٍّ، أما اليوم، فأبحثُ في بعثةِ محمدٍ بحثًا علميًّا محضًا لا أثرَ للتخريبِ فيه، وقد آليتُ على نفسي أن أُبرهِنَ أن الحضارةَ الأوربيةَ الحديثةَ -أو بالأحرى الحضارة المسيحية- إنما قامت -وهي قائمةٌ وستقومُ- على مبادئِ الإسلام، مبادئِ محمدٍ التي نَشرها على العالم، فعَمِل بها العالَمُ المتمدِّنُ كلُّه مِن يومِ محمدٍ حتى هذه اللحظة، والحضارةُ في واقعِ الأمرِ حضارةٌ واحدة لا أدوارَ لها".
стр. 2327
° إلى أن قال: "قال "بوذا" و"كنفونيس" و"عيسى" بالمسالمة والاستكانة، وقال محمدُ بنُ عبد الله النبيُّ العربيُّ بالقوة، وأصبحت جميعُ الأممِ اليومَ لا تعملُ إلاَّ بالقوة، ففي العالم اليوم فلسفتانِ في الدين، فسلفةُ التصوف، وفلسفةُ العمل -أي: القوة-، فلنأخذِ المسيحيةُ- وهي أرقى ما في التصوف بمبادئها-، ولنأخذ الإِسلام -وهو القائم على مبدإ القوة-، ونقارِنْ بين المبدأين لنرى أيهما الفائزُ في حضارتنا:
° قال المسيح ﵇: "مَن ضَرَبك على خَدِّك الأيمن، فحوِّلْ له خَدَّك الأيسر، ومَن طلب ثوبَك، فأعطِهِ رداءك"، ومعنى هذا أن على الإنسانِ أن يكون مسالمًا مستكينًا لا يُبدي حِراكا في حضارةٍ تُنازعُ البقاء، أمَّا محمد فيقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]، أي: نازعْ من أجلِ بقائك وكيانِك بكلِّ ما أُوتيتَه من قوة، فالمبدأُ الأساسيُّ هو مبدأُ تنازع البقاء، فإذا ثَبَتَ لزومُ المبدإِ لكِيانِ الحضارة، كان محمدٌ فائزًا في هذا المضمار، وكفى بهذا المضمار مسرحًا للمبدإِ الصحيح الذي جاء به محمدٌ وعَمِل لأجله".
° إلى أن قال: "ثُمَّ لَمَّا كان المسلمون خاصةً والعربُ عامَّةً عامِلين بمبدإِ نبيِّهم -محمد- شادوا حضارةً مجيدةً وأصبحوا سادة الدنيا، ولكنهم فرَّطوا بالابتعادِ عن هذا المبدإِ، ورَكَنوا إلى الاستكانةِ فباتوا مَسُودين" .. إلى آخر المقال.
* البحَّاثة جرجي زيدان:
وُلد في "بيروت- لبنان" عام ١٨٦١، وتوفي ١٩١٤ م. مؤسِّسُ مجلة
стр. 2328
"الهلال" عام ١٨٩٢، نَشَر فيها المقالاتِ الأدبيةَ والتاريخيةَ واللغويةَ، ومؤسِّسُ "دار الهلال" للطباعة والنشر، وله دراساتٌ قيمةٌ في الأدب والتاريخ، أهمها: "العرب قبل الإسلام" و"تاريخ التمدُّن الإسلامي" و"تاريخ آداب اللغة العربية"، و"تراجم مشاهير الشرق".
° قال في "تاريخ العرب قبل الإسلام": "إن أقدمَ المصادِرِ العربيةِ لتاريخ العرب وأقربَها إلى الصحة القرآنُ، فقد جاء فيه ذِكرُ القبائل البائدةٍ -كعادٍ وثمود-، وبعضُ أخبارِ ملوك اليمن -كسَيلِ العَرِمِ وغيره-، وإذا قرأتَ تلك الأخبارَ فيه، تجدُ ما ذكره القرآنُ صحيحًا تؤيدُه الاكتشافاتُ الحديثةُ، وهو الُمعجِزُ الذي جاء به محمد".
° وقال في كتابه "التمدُّن الإسلامي": "ولمَّا عَمَد المسلمون إلى تلاوةِ القرآن والحديثِ وتفسيرهِما، أُشكل على غير العرب إعرابُهما؛ لأن مَلَكةَ اللغةِ غيرُ راسخةٍ فيهم".
° إلى أن قال: "جملةُ القول: إن ما اشتَغل به المسلمون في صدرِ الإسلام من العلوم مَرجِعُه إلى القرآن الذي نَزل على محمدٍ، فهو المِحورُ الذي تدورُ عليه العلومُ الأدبيةُ واللسانيةُ فضلاً عن الدينية، ورَسَخ في الأذهانِ أنه لا يجوزُ أن يُنظرَ في كتابٍ غيرِ القرآن؛ لأنَّه جاء ناسخًا لكلِّ كتابٍ قبلَه، وقد نهى الشرعُ الإسلاميُّ يومئذٍ عن النظرِ في الكُتب المُنزَّلةِ غيرِ القرآن لاتحادِ الكلمةِ واجتماعِها على الأخذِ به، وقد أعلن محمدٌ النبي العربيُّ أن رسالتَه خاتمةُ الرسالات، وصحيحٌ ذلك؛ لأنَّ فيها ما يَصلُحُ للبشرِ في مختلفِ أطوارِهم وسائرِ أدوارِهم".
стр. 2329
* الدكتور نيس الأندونيسي:
أستاذُ الديانةِ المسيحيةِ في جامعة "برمنكهام".
° قال في إحدى محاضراته نقلاً عن "مجلة الهلال" الجزء الخامس من المجلد الثالث: "يا ابنَ مكة، ويا نَسلَ الأكرمين، ويا مُعيدَ مجدِ الآباء والأجداد، ويا مُخلِّصَ العالَم من العبودية، إن العالَمَ يفتخِرُ بك، ويشكرُ اللهَ على تلك المِنحةِ العزيزة، بل ويُقدِّرُ لك مجهوداتِك كلَّها، يا نَسلَ الخليلِ إبرهيم، يا مَن مَنحتَ السلامَ للعالم، ووَفَّقتَ بين قلوبِ البشر، وجَعلتَ الإخلاصَ شعارَك، يا مَن قُلتَ في شريعتك: "إنما الأعمالُ بالنيات"، لك منَّا الشكرُ الجزيل".
* "رينيه جينو" "الشيخ عبد الواحد يحيى":
"رينيه جينو" مِن الشخصيات التي أخذت مكانَها في التاريخ، وهو العالِمُ الفيلسوف الذي يُدوِّي اسمُه في أوروبا قاطبة، وفي أمريكا، يَضعُه المسلمون بجوارِ "الغزَّالي" وأمثالِه، ويَضعُه غيرُ المسلمين بجوارِ "أفلوطين"، صاحب الأفلاطونية الحديثة.
وقد كان إسلامُه ثورةً كبرى هَزَّت ضمائرَ الكثيرين، مِن ذَوِي البصائرِ الطاهرة، فاقتدَوا به، واعتَنقوا الإسلام، وكوَّنوا جماعاتٍ مؤمنةً مخلِصةً، تعبدُ اللهَ على يقينٍ في معاقلِ الكاثوليكية في الغرب.
وكان سببُ إسلامه يسيرًا؛ لقد أراد أن يعتصمَ بنصٍّ مقدَّس، لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا مِن خلفه، فلم يَجدْ -بعد دراسةٍ عميقةٍ- سوى القرآن، فهو الكتابُ الوحيدُ الذي لم يَنَلْه التحريفُ والتبديلُ؛ لأن الله تكفَّل
стр. 2330
بحِفظِه، وحَفِظه حقيقةً: ﴿إنَّا نَحْن نَزَّلْنَا الذِّكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظونَ﴾ [الحجر: ٩].
لم يجد سوى القرآن نصًّا مُقَدَّسًا صحيحًا، فاعتصم به، وسار تحتَ لوائِه، فغَمَره الأمنُ النفسانيُّ في رِحابِ الفرقان.
ومؤلَّفاتُه كثيرةٌ مشهورة، مِن بينها كتابُ "أزمة العالم الحديث"، بيَّن فيه الانحرافَ الذي تسيرُ فيه أوروبا الآن، والضلالَ المبين الذي أعمى الغربَ عن سواءِ السبيل.
° أما كتابه "الشرق والغرب"، فهو من الكتبِ الخالدة، التي تجعلُ كلَّ شرقيٍّ يفتخرُ بشرقيتِه.
° يقول الشيخ الدكتور "عبد الحليم محمود" شيخ الجامع الأزهر: "وإذا كان الشخصُ في بيئتنا الحالية لا يُقدَّرُ التقديرَ الذي يستحقُّه إلاَّ بعد وفاته، فقد كان من حُسنِ حظِّ "رينيه جينو" أنه قُدِّر في أثناء حياته، وقُدِّر بعد وفاته، أمَّا في أثناءِ حياته، فكان أولُ تقديرٍ له: أنْ حَرَّمت الكنيسةُ قراءةَ كتبه، والكنيسةُ لا تفعل هذا إلاَّ مع كِبارِ المفكِّرين الذين تخشى خطرهم، فقد وضعتْه بذلك بجوار عباقِرةِ الفِكرِ الذين اتخذت تُجاهَهم نفسَ المَسْلَك، ولكنها رأت في "رينيه جينو" خطرًا يَكبُرُ كلَّ خطرٍ سابق، فحرَّمت حتى الحديث عنه.
واستجاب كثيرون لدعوةِ "رينيه جينو"، فألفَّوا جمعياتٍ في أنحاءِ العالم، وعلى الخصوص في سويسرا وفي فرنسا واتخذوا الإِسلام دينًا.
ومن التقدير الإِيجابي أنَّ كتب "رينيه جينو" برغم تحريمِ الكنيسة لقراءتها، قد انتَشرت في جميعِ أرجاءِ العالم، وطُبعت المرةَ بعدَ الأخرى، وتُرجم الكثيرُ منها إلى جميع اللغات الحية، ما عدا العربية.
стр. 2331
وبعد مماته كَتبت عنه جميعُ صُحف العالم، وقد خَصَّصَتْ له مجلة "فرنسا- آسيا" وهي مجلةٌ محترمة، عدداً ضخمًا؛ كَتب فيه كبارُ الكُتَّاب الشرقيين والغربيين، وافتتحته بتقدير كاتب فرنسا الأكبر "أندريه جيد"، وقوله في صراحةٍ لا لبس فيها: إن آراءَ "رينيه جينو" لا تُنقض.
وخصَّصت مجلة "ايتودترا ديسونيل" عددًا ضخمًا من أعدادها، ثم خَصَّص له الكاتبُ الصحفيُّ الشهير "بول سيران" كتابًا ضخمًا تحدَّث فيه عن حياتِه وعن آرائه.
بعد أن بَهرت أشعةُ الإسلامِ الخالدةُ "رينيه"، وغَمَره ضياؤُه الباهرُ، اعتَنَق الإسلامَ، وأصبح جنديًّا من جنوده يدافعُ عنه ويدعو إليه.
ومن أمثلتِهِ ما كَتبه في كتابه "رمزية الصليب" تفنيدًا للفِريةِ التي تقول: "إن الإسلام انتشر بالسيف".
ومن أمثلتةِ ذلك أيضًا ما كتبه في مجلة "كابيه دي سور" في عددها الخاص بالإسلامِ والغرب، دفاعًا عن الرُّوحانية الإسلامية، لقد أنكر الغربيون رُوحانية الإسلام، أو قلَّلوا من شأنها، وأشادُوا برُوحانيةِ المسيحيةِ وأكبَرَوا من شأنها، فأتى الشيخ "عبدُ الواحد يحيى" وبيَّن سُمُوَّ الروحانيةِ في الإسلام وروعتها، وقارَنَ بين ما يُسمُّونه بـ "التصوُّفِ المسيحي" أو "المستيسزم"، وانتهى بأن هذا "المستيسزم" لا يمكنُه أن يبلغَ -ولا عن بُعدٍ- ما بلغه التصوُّفُ الإسلامي (١) من سُموٍّ وجلال" (٢).
стр. 2332
* الفنان الفرنسي "ألفونس إِتيين دينييه":
وُلِد "ألفونس إتيين دينييه" في باريس سنة ١٨٦١، وهو من كبارِ أهل الفنِّ ورجالِ التصوير، وصاحبُ اللوحاتِ الكبيرةِ النفيسةِ القيِّمة، وله في مُتحف "لوكسمبرج" عدةُ صورٍ، منها الصورةُ الشهيرةُ المعروفة باسم "غداة رمضان"، وكذلك له صورةٌ في متحف "بو"، وكذلك في متحف "سدني" باستراليا، و"الحج إلى بيت الله الحرام"، وله عدةُ مؤلَّفاتِ منها "حياة العرب"، وكتاب "السراب"، و"حياة الصحراء"، وكتاب "ربيع القلوب"، وكتاب "الشرق كما يراه الغرب"، ومن أهمِّ كُتبه "السيرة النبوية" وهو مجلد كبيرٌ جليلٌ وَضَعه باللغةِ الفرنسية، وله رسالةُ "أشعة خاصة بنور الإِسلام"، قام بتعريبها الأستاذُ الأديب "راشد رستم"، وقد أعلن إسلامه رسميًّا بالجامع الجديد بمدينة الجزائر، عام ١٩٢٧ م، وسمى نفسه "ناصر الدين دينيه"، وطَلب أن يُدفنَ في بلده "بوسعادة" بالجزائر حنيفًا مسلمًا.
° قال في كتابه "محمد رسول الله" (ص ٤٨): "إنَّ حدودَ هذا السِّفْرِ لن تسمح لنا بأن نقدِّمَ جميعَ التفاصيلَ وجميعَ النواحي لحياةٍ حافلةٍ بالعظائم، إلى هذا الحدِّ كما هو الشأنُ في حياةِ النبي محمد نبيِّ المسلمين".
° وقال (ص ٤٩) منه: "والحقُّ أننا نَرى من بين جميِع الأنبياءِ الذين أَسَّسوا دياناتٍ، أن محمدًا هو الوحيدُ الذي استطاع أن يستغنيَ عن مَدَدِ الخوارقِ والمعجزاتِ المادية، معتمدًا فقط على بداهةِ رسالته ووضوحِها، وعلى بلاغةِ القرآنِ الإلهية، وإنَّ في استغناءِ محمدٍ عن مَدَدِ الخوارقِ والمعجزاتِ لأَكبرُ معجزةٍ على الإطلاق".
стр. 2333
° وقال (ص ٥٢) منه: "إن في مَرأَى المؤمنين وفي أعمالهم لَصورةٌ تلمحُها منعكِسةً من مآثر محمد، وإذا ما كانت بالطبعِ باهتةً بالقياس إلى كمالاته العليا، فإنها لا جِدالَ في صحَّتها، هذا على حين نجدُ قياصرةَ روما -مع دِقَّةِ تماثيلهم- لا يطالعُنا منهم سِوى قِناعٍ مزيَّفٍ لوجوههم الجامدة تحت صورةٍ من الخُيلاء، إن صُورَهم تظلُّ مَيتةً يَعجِزُ خيالُنا عن أن يَلمحَ لها شيئًا من الحياة، وإنه لبوحي هذه الحقيقة المقرَّرةِ قامت برؤوسنا فكرةُ نشرِ لوحاتٍ في تاريخِ محمدٍ، تمثِّلُ المآثرَ الدينيةَ لأتباعه، وبعضَ صُورٍ من حياةِ العرب، وبعضَ مُدنِ الحجاز الذي هو وطنه".
° وقال (ص ٨٧) منه: "محمد لم يؤلِّفِ القرآن، حقًّا أنه لَيُدهِشُني أن يَرى بعضُ المستشرقين أن محمدًا قد انتهز فرصةً، فروَّى ورتَّب عَمَله المستقبل، بل لقد ذَهب بعضُهم إلى أبعدَ من ذلك، فوسوس بأن محمدًا ألَّف في تلك الفترة القرآنَ كلَّه!.
أحقًّا لم يُلاحظوا أن هذا الكتابَ الإِلهيَّ خالٍ عن أيةِ خُطةٍ سابقةٍ على وجوده، مرسومةٍ على نَسَقِ المناهجِ الإنسانية، وأن كلَّ سُورَةٍ من سُوره منفصلةٌ عن غيرها، وخاصةٌ بحادثةٍ وقعت بعد الرسالةِ طيلةَ فترةٍ تَزيدُ على عشرين عامًا، وأنه كان من المستحيل على محمدٍ أن يتوقَّع ذلك ويتنبَّأَ به؟! ".
° وقال (ص ٣٤٥) منه: "فدينُ الرسول محمدٍ أكَّد من الساعة الأولى لظهوره أنه دينٌ عامٌّ صالحٌ لكلِّ زمانٍ ومكان، وإذًا كان صالحًا بالضرورة لكلِّ عقل، إذ هو دينُ الفطرةِ، والفطرةُ لا تختلفُ في إنسانٍ عن آخر، وهو
стр. 2334
لكلِّ هذا صالحٌ لكلِّ درجةٍ من درجاتِ الحضارة".
° وقال في كتابه "أشعة خاصة بنور الإسلام" ترجمة الأستاذ "راشد رستم": "إن نبي الإسلام هو الوحيدُ من بين أصحابِ الدياناتِ الذي لم يَعتمدْ في تمامِ رسالته على المعجزاتِ، وليست عمدتُه الكبرى إلاَّ بلاغةَ التنزيل الحكيم، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩] ".
* فاندبرج:
° قال: "لقد وَضَع الإسلامُ قواعدَ جليلةً للرقيق تدلُّ على ما كان يَنطوي عليه محمدٌ ﷺ من شعورٍ إنسانىًّ نبيلٍ يُناقِضُ -كلَّ المناقضة- تلك الأساليبَ التي كانت تتخذُها إلى عهدٍ قريبٍ شعوبٌ تدَّعي أنها تمشِي في طليعةِ الحضارة.
لهذا كان كثيرٌ من الرقيق يُفضِّلُ حياة الرِّقِّ في ظلالِ هذه المبادئِ على الحريةِ الوهميةِ في بلادٍ وأممِ تَستِرقُّ شعوبَها بالجملة" (١).
الإسلامُ العظيمُ الذى رَفع شأنَ "بلال"، فجعله من أئمة الصحابة، حتى قال عنه عمر بن الخطاب ﵁" أبو بكر سيدُنا .. أعتق بلالاًسيدَنا".
وفيه نزل قولُ الله عز جل: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
стр. 2335
أين هذا من قدل الفيلسوف العُنصري "لونج" في كتابه "تاريخ جامايكا" عن الزنوج: "إنهم غيرُ خَليقين بالحياة، وإنهم لا يَزيدون عن القرود التي تتعلَّمُ لتأكلُ وتشربَ، وإن قيمتهم لا تَزيدُ عن قيمةِ أيِّ سِلعةٍ تُباعُ في الأسواق"؟.
° بل ويقول "منتسيكو" عن السُّود: "إني أعتقدُ أن اللهَ أحكَمُ مِن أن يَضَعَ رُوحًا -فضلاً عن رُوحٍ طيبةٍ- في جِسمِ حالِكِ السواد" (١).
* الكاردينال "أشوك كولن يانق" أمين عام "مجلس الكنائس العالمي" لوسط وشرق أفريقيا سابقًا يُشهرُ إِسلامه:
° في مقال الكاردينال السابق "أشوك كولن يانق"، يكشف جوانبَ جديدةً عن رحلته إلى الإسلام لرجب الدمنهوري والمنشور بمجلة "المختار الإسلامي" العدد (٢٨١) -غرة المحرم ١٤٢٧ هـ- ٣١ يناير ٢٠٠٦ م (ص ٦٨) إلى (ص ٧١) قال: "أثارت المقابلةُ التي أجرتها "المختار الإسلامي" مع أمين عام مجلس الكنائس العالمي لوسط وشرق إفريقيا سابقًا "أشوك كولن يانق" ردودَ فعلٍ واسعةَ النطاق، وتناقلتها عشراتُ المواقع الإلكترونية ووسائلِ الإعلام .. وكان "كولن يانق" الذي اعتنق الإسلام عام ٢٠٠٢ قد كَشف في حوارِه أبعادَ المُخطَّطِ الكَنَسيِّ الرامي لتنصيرِ المسلمين وضَربِ الحركةِ الإسلاميةِ عَبْرَ توظيفِ العِلمانيين لمواجهةِ المدِّ الإسلامي، وإنفاق أموالٍ طائلة على بعض الأجهزة والأفراد ذَوِي الصِّلة .. وفي هذا العدد يكشفُ الكاردينال السابق جوانبَ جديدةً في رحلتِه "من الظلمات إلى النور ومِن الكفر إلى الإسلام، ومن حالِ أهلِ النار إلى حالِ أهل القِبلة" -على حدِّ
стр. 2336
تعبيره-، وفيما يلي التفاصيل:
° "تغييرُ الإنسان عقيدتَه ليس أمرًا سهلاً، خاصةً إذا كان هذا الإنسانُ يحتلُّ قمةَ الهَرَمِ الذي يدعو إلى هذه العقيدة .. فما الذي قادك إلى التغيير، ومِن ثَم اعتناقِ الإسلام من واقع دراستك للأناجيل؟.
- سؤال مهم .. الإنسان مهما علا شأنُه إذا كان صادقًا وجادًّا في البحث عن الحقيقة، فإنه حتمًا سيصلُ إليها يومًا ما، وهذه الحقيقةُ التي سيصلُ إليها إما أنها تُعزِّزُ ما يؤمنُ به، أو تَهديه إلى سبيلٍ آخَرَ .. هذا أولاً.
أما كيف غيَّرتُ عقيدتي، فأُجيبُ من خلالِ أقوالِ المسيحِ التي وردت في الأناجيل، فقد جاء في إنجيل "يوحنا" في "الإصحاح الثامن- فقرة ٤٠" عندما هَمَّ اليهود بقتله: "ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني، وأنا إنسانٌ قد كَلَّمكم بالحق الذي سَمِعه من الله".
فالمسيحُ ﵇ إنسانٌ اختارَه اللهُ وحمَّله رسالةً، وجعله نبيًّا؛ ولذلك يقدلُ ﵇ كما جاء في "الإصحاح الثامن- فقرة ٤٢": "لو كان اللهُ أباكم لكنتم تُحبونني: لأنني خرجتُ من قِبَل الله وأَتيتُ، لأني لمِ آتِ من نفسي، بل ذلك أرسلني، لماذا لا تفهمون كلامي؟ "، وقد صرَّحَتْ بعضُ الأناجيل بنبوة عيسى ﵇ كما جاء في "لوقا -الإصحاح السابع- فقرة ١٦": "فأخذ الجميعَ خوفٌ ومجَّدوا الله قائلين: قد قام فينا نبيٌّ عظيم".
وجاء في "متى -الإصحاح الحادي والعشرين- فقرة ٩، ١٠، ١١": "ولما دخل أورشليم ارتجَّتِ المدينةُ كلُّها قائلةً: مَن هذا؟ فقالت الجموعُ: هذا النبيُّ الذي مِن ناصِرةِ الجليل".
стр. 2337
وهذه النصوصُ تتفقُ مع قوله تعالى في القرآن الكريم: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [المائدة: ٧٥].
* رسالة عيسى:
° إذًا أنت ترى أن هذه النصوصَ التي اقتبستَها من الأناجيل كفيلةٌ بتغييرِ العقيدةِ من النصرانية إلى الإسلام؟.
- الإيمانُ برسالة سيدنا عيسى ﵇ يكونُ بتصديقِه فيما أَخبر، فلا نردُّ خَبَرَه ولا نُكذِّبُ قولَه ولا نخالفُه، فالمسيحُ ﵇ جاءنا من الله لأمرَين مهمَّين:
أولاً: لِتَعلَمَ الأُمةُ التي بُعث إليها كيف تتقربُ إلى الله وتَعبدُه، أمَّا معرفةُ الله، فيقول المسيحُ ﵇: "إنَّ اللهَ واحدٌ لا شريك له ولا نظيرَ له ولا شَبيهَ له".
فقد جاء في إنجيل "مرقص" في "الإِصحاح الثاني عشر- فقرة ٣٠" لَمَّا سأله الكاتبُ: "أيُّ وصيةٍ هي أولُ الكل؟ فأجاب يسوع: إن أولَ كلِّ الوصايا هي: اسمَعْ يا "إسرائيل"، الربُّ إلهُنا ربٌّ واحد، وتُحِبُّ الربَّ إلهَك من كلِّ قلبك ومِن كلِّ نفسِك ومِن كلِّ فِكرِك ومِن كل قُدرتِك، هذه هي الوصيةُ الأولى، وثانيةٌ مِثلُها، هي أن تحبَّ قريبَك كنفسِك، ليس وصيةٌ أخرى أعظمَ من هاتين.
فقال له الكاتب: صحيحٌ يا مُعلِّمُ، حَسَبَ الحقِّ تكلمتَ، فإن اللهَ واحدٌ لا آخَرَ سواه".
وتتأكدُ هذه الحقيقةُ عن ذاتَ الله بما جاء في إنجيل "متى -الإصحاح
стр. 2338
٢٣ - فقرة ٨"، يقول المسيح ﵇: "وأما أنتم فلا تَدْعوا لكم أبًا على الأرضِ؛ لأن أباكم واحدٌ الذي في السماء"، وجاء في "يوحنا" في "الإِصحاح ٢٠ فقرة ١٨" قال المسيح: "إني أصعدُ إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم".
وكلمة "الأب": "أبي وأبيكم" تعني في لغةِ الإِنجيل "الرب" أي: "ربي وربكم".
فإلى مُحبِّي المسيح أقول: ألم تتضمَّنْ وصايا المسيح ﵇ تعريفًا واضحًا لذاتِ اللهِ العليِّ الكبير المتفرِّد؟.
* يقول الله تعالى في القرآن: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سورة الإِخلاص].
* وكما جاء في القرآن الكريم أيضًا: ﴿﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
ثانيًا: إن مهمةَ عيسى ﵇ الثانيةَ أن يَهدِيَ الأُمةَ التي بُعث إليها إلى عبادة الله، وهي أُمةُ بني إسرائيل، أما غيرُهم من الأمم فلا تَعنِيهم شريعةُ عيسى، وهذا ما تقرِّرُه الأناجيلُ المسيحية، فقد جاء في إنجيل "متى- الإصحاح ١٥ فقرة ٥" قولُ يسوع: "لم أُرسَل إلا لخرافِ بني إسرائيلَ الضالة".
وجاء في "متى- الإصحاح ١٠ فقرة: ٥": "هؤلاء الاثنا عَشَرَ أَرْسَلَهم يسوعُ وأوصاهم قائلاً: إلى طُرُقِ أُممٍ لا تَمْضُوا، وإلى مدينةِ السامريين لا تَدخُلوا، بل اذهبوا بالحَرِيِّ إلى خِرافِ بني إسرائيل الضالة" (أعمال الرسل ١١ الفقرة الأولى).
стр. 2339
وإلى مُحبِّي المسيح أقول: يا مَن تبحثُ عن الحق، ويا مَن آمَن بالله الواحد الأحد، إليك هديةً من القلب: آمن بالله إلهًا واحدًا، وبأن المسيحَ رسولُ الله وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ ورُوحٌ منه، وبأن محمدًا عبد الله ورسوله وخاتمُ النبيين والمرسلين، واتَّبعْه حقَّ الاتباع، قل: "لا إله إلا الله" يؤتِك اللهُ أجرَك مرتين.
* قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤].
* اللحظة الفاصلة:
° صِفْ لنا اللحظةَ الفاصلةَ التي قرَّرتَ فيها اعتناقَ الإسلام؟ وماذا ترتب على ذلك.
- حينما قررتُ اعتناقَ الإِسلام، ذهبتُ إلى الكنيسة، وتقدَّمتُ بطلب إجازةٍ لكي أقضيَها مع أسرتي، فطُلب مني أن أنتظرَ حتى تعتمدَ لي الكنيسةُ من ٥٠ إلى ١٠٠ ألف دولار لكي أنفقَها على أولادي، قلتُ لهم: أنا لا أريدُ "قروشكم" وكانت عندي للكنيسة عمارتان و"قروش" تبلغ مليونين و ٤٠٠ ألف دولار أمريكي، و ٣٢٠ مليون جنيه سوداني، فقمت بتسليمها إلى راعي ميزانيةِ التنصير، فكانت مفاجأةً كبيرةً للكنيسة.
وبعد ذلك قضيتُ يومين مع أسرتي نفكِّرُ في هذا الأمر ونناقشُه، وقد كانت أسرتي المكونةُ من زوجتي وأربعةِ أبناءَ تدرك أنني أفكِّرُ في اعتناقِ
стр. 2340
الإسلام، وحينما أبلغتُهم أن الوقتَ قد حان، كان ردُّهم: "أنت أعلمُ منا، ونحن نثقُ بك، وقرارُك قرارنا"، وبالفعل ذهبنا إلى أحدِ المساجدِ المجاورِة "مسجد النور" وأشهَرْنا الإسلام، وصحيحٌ أنني خسِرتُ أموالاً كثيرةً، غيرَ أنني كَسَبتُ الإيمانَ والراحةَ النفسيةَ بعد ٤٠ سنة قضيتُها في الباطل، وعلى إثْرِ ذلك اتَّهمتني الكنيسة بالجنون وأنني مريضٌ نفسيًّا!.
* لست مجنونًا:
° قلت: إن الكنيسة اتهمتك بالجنون .. فهل أثبتَّ لها أنك في كاملِ قُواك العقلية وقد أسلمتَ بعد قناعةٍ ودراسةٍ أم ماذا حدث؟.
- لقد شاء الله أن أدرسَ مقارنةَ الأديان، وكان الهدفُ أن أتعرفَ على الأديانِ السماويةِ وغيرِ السماوية من أجل ممارسةِ التنصيرِ بعلمٍ وخبرةٍ ومنهجية، لكن اللهَ أراد شيئًا آخر، فقد درستُ الأديانَ السماويةَ وهي معروفة، كما درستُ غيرَ السماوية -وهي البوذيةُ والهندوسيةُ وعبادةُ النار والشمسِ والشيطانِ والأصنام-، وخلالَ مرحلةِ الدراسة كانت تتكشَّفُ أمامي الحقائقُ عن الإسلام أولاً بأول، وبدأ تكويني الديني يتشكلُ وأفكاري تتغيَّر وتتداخل، وفي إحدى مراحل الدراسة أيقنتُ أن الإسلام هو الدينُ الصحيح، فكنتُ حينما أسمعُ الأذان أتوقفُ عن إلقاءِ المحاضرةِ احترامًا للنداء الإلهي، وحينئذٍ أصبحتُ شخصًا بوجهين، وجهٍ يرى أن الإسلام الدينُ الحقُّ وأن اللهَ واحدٌ لاشريك له، ووجهٍ يغالطُ نفسَه، ويواصلُ انخراطَه في الأعمال الكَنَسية والتمتع بأموالها الطائلة.
ولما بدا تعاطُفي مع الإسلام اجتمعَتْ مجالسُ القساوسة والرهبان
стр. 2341
والكاردينالات، وكان رأيُهم أنني أَميلُ للإِسلام، وهنا مارس مجلسُ الكنائس ضغوطًا كثيرةً علي، ولَمَّا فَشِل قرَّر إيقافي عن العمل بالكنيسة، وصَدَر قرارٌ من الكنائس بأن الجنونَ قد أصابني، فقلتُ لهم: إنني لستُ مجنونًا، فأنا أخافُ اللهَ الواحدَ ربي وربَّكم وربَّ محمدٍ وعيسى، إنني أخافُ من عذابِ الله، إنني أخافُ من الله، وعلمتُ بعد ذلك أن تقريرَ الأطباء أثبت أنني لستُ مجنونًا، ولكنني أتطلَّعُ إلى اعتناق الإسلام.
° السيد أشوك .. لماذا لم تُغِّيرِ اسمَك إلى اسمٍ مسلم كما جَرَت عادة كل مَن يعتنقُ الإسلام؟.
- لم أغيِّر اسمي لاعتبارين:
الأول: لأن الإسلام لا يَرى في ذلك حَرَجًا، وهذا ما يُهمُّني بالدرجة الأولى، فلا بأسَ أن يَعتنقَ غيرُ المسلِم الإسلامَ ويَبقى محافظًا على اسمِه القديم، فالدينُ الإسلامي يركِّزُ على الإيمان.
الثاني: لقد أحببتُ الاحتفاظَ باسمي لأهدافٍ دعويةٍ وهي أنْ أَظَلَّ مقبولاً لدى غير المسلمين، ومن ثَم أستطيعُ أن أبينَ لهم الحق، بعد أن شَرَح اللهُ صدري بالإسلام وخرجتُ من الظلمات إلى النور، ومِن الكفر إلى الإسلام، ومِن حال أهل النار إلى حالِ أهل القبلة.
* الكاردينالية:
° وصلتَ في الكنيسة إلى درجةِ "كاردينال"، كما احتَلَّ والدُكم هذا المنصب .. ماذا يعني منصب كاردينال؟ وما وظيفتُه في الكنيسة؟.
- لقد تقلدتُ مناصبَ كبيرةً في الكنيسة، ومن بين ذلك كنت كاردينالاً
стр. 2342
كما كان والدي كذلك، وهذا المنصبُ في الكنيسة الكاثوليكية يوازي وظيفةَ "المفتي" في الإسلام، ويجبُ أن يعرفَ القَسُّ أنه ليس إلهًا لكي يغفرَ للناس ذنوبَهم وآثامَهم، فالعجيبُ أنه إذا أخطأ عبدٌ ذهب إلى القَسِّ يومَ الأحد قبلَ الصلاة، ويقول له: "لقد أخطأتُ في كذا وكذا"، فيقدل القسُّ: "اذهبْ قد غُفر لك"، كيف يتجرأُ هذا القس على حَمْل سُلطةِ الله؟! ومَن الذي أعطاه هذه الصلاحيةَ وهو بشر؟!.
وأنا أتحدَّى أيًّا من كبارِ القساوسةِ الشرقيين أو الغربيين أن يُحاجِجَني، بل أنا على استعدادٍ لمناظرةِ أيِّ درجةٍ عاليةٍ في الكنيسة لإثباتِ صحَّةِ الإسلام وأحقيَّتِه بالاتباع، فأنا لم أُسلِمْ عاطفيًّا أو عَبَثًا، وإنما أسلمتُ بعد دراسةِ معمَّقةٍ للأديان، ووصلتُ في نهاية الدراسةِ إلى أن الإسلامَ هو الدينُ السماويُّ الذي خَتم اللهُ به الرسالاتِ السماويةَ، وأن النبيَّ ﷺ هو خاتَمُ الأنبياء والمرسلين، وأن عيسى ﵇ إنسانٌ من البشر، وهو نبيٌّ ورسولٌ وليس أكثر من ذلك.
* قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [المائدة: ٧٥]، وأنا لستُ أولَ مَن يُسلِمُ من القساوسة، فقد سبقني إلى الإِسلام عدد كبير من القساوسة والمبشِّرين، وعلى رأسهم الأمينُ العام لمجلس مؤتمر المطارنة في الكنيسة الكاثوليكية، ورئيسُ القساوسة في الولايةِ الشرقية" اهـ.
* * *
стр. 2343
ـ[يا له من دينٍ أتى به محمدٌ ﷺ لو أنَّ له رجالاً!!]ـ
هذا الدين العظيم الذي جاء به رسول الله ﷺ مَفْخَرةٌ للبشرية، والقرآنُ الذي أنزل عليه فيه سعادة كلِّ البشرية -لو التزمت نَهْجَه وسارت على دربه-.
* مرجيلوث يُثني على القرآن:
مستشرقٌ إنجليزي، شديد التعصُّبِ ضدَّ الإِسلام ونبيه، وُلِد عام ١٨٥٨، وتوفي عام ١٩٤٠ م، كان أستاذًا للغة العربية في جامعة "أكسفورد" منذ عام ١٨٨٩، وعضوًا بعدَّةِ مجامعَ علميةٍ، كالمجمع اللغوي الإنجليزي، والمجمع العلمي العربي بدمشق، والجمعية الشرقية الألمانية، كما كان مرجليوث من محررِّي "دائرة المعارف الإِسلامية"، وله مؤلفاتٌ عديدةٌ عن الإسلام والأدبِ العربي وتاريخه، ومنها كتابه: "أصول الشعر العربي"، وهو المرجعُ الذي اعتمد عليه "طه حسين" في كتابه عن "الشعر الجاهلي" الذي صدر عام ١٩٢٦ م.
° يقول مرجليوث عن القرآن: "باعترافِ الجميع، يحتلُّ القرآنُ مكانةً هامةً بين الكتبِ الدينيةِ العظيمةِ في العالم، وعلى الرَّغم من أنه قد جاء الأحدثَ في قائمةِ مِثل هذا النوع مْن الأعمال التي تُعتبرُ مَطْلَعَ عهدٍ جديدٍ في الفكر والتاريخ، فيكاد لا يُضاهِيه عملٌ آخَر في تأثيرِه العجيبِ الذي أحدَثه في جموعٍ هائلةٍ من البشر! لقد خَلق طَورًا جديدًا في الفِكرِ الإنسانيِّ، ونوعًا حديثًا من الشخصيةِ الإِنسانية.
стр. 2344
ففي بدايةِ الأمر، حَوَّل القرآنُ عددًا من القبائلِ الصحراويةِ غيرِ المتجانسةِ في شِبهِ الجزيرةِ العربية إلى أُمةٍ من الأبطال، ثم واصل -على نحوٍ مطَّرد- خَلْقَ الهيئاتِ الدينيةِ السياسيةِ الكبيرةِ في العالم الإسلامي، والتي تُعتبر إحدى القوى العُظمى التي يجبُ على أوربا والشرق أن يَحسَبَا لها حساباً اليوم".
* مونتجمري وات:
رئيس قسم الدراسات العربية في جامعة "أدنبرة"، له عدةُ كتبٍ ودراسات، منها "من تاريخ الجزيرة العربية" (١٩٢٧)، و"عوامل انتشار الإسلام" (١٩٥٥)، و"محمد في مكة" (١٩٥٨).
° يقول "مونتجمري وات" في كتابه: "الإسلام والمسيحية اليوم": "ولستُ مُسلمًا بالمعنى المألوف، ومع ذلك فإني أرجو أن أكون مُسلمًا كإنسانٍ استسلم لله، بَيْدَ أني أعتقدُ أن القرآنَ وغيرَه من تعبيراتِ المنظورِ الإسلامي، ينطوي على ذَخيرةٍ هائلةِ منَ الحقِّ الإلهيِّ، الذي ما زال يجبُ عليَّ أنا وآخَرِينَ منَ الغربيين أن نتعلمَ منه الكثير.
ومن المؤكَّد أن الإسلامَ منافِسٌ قويٌّ في مجالِ إعطاءِ النظامِ الأساسي للدينِ الوحيدِ الذي يَسُودُ في المستقبل".
* إِدوارد مونتيه:
مستشرقٌ من أصلٍ سويسري، ولد عام ١٨٥٦، ودَرَس في جامعاتِ "جنيف وبرلين وهايدلبرج"، حَصَل على الدكتوراة في اللاهوت من "جامعة باريس" عام ١٨٨٣، عُيّن أستاذًا للعبرية والأرامية والعهدِ القديم في
стр. 2345
جامعة "جنيف"، ثم أُضيف إليه العربية وتاريخ الإسلام، رَأَسَ جامعةَ "جنيف" (١٩١٠ - ١٩١٢)، وتُوفي عام ١٩٢٧.
° يقول "إدوارد مونتيه" في كتابه "الدعاية المسيحية وأعداؤها المسلمون": "إن الإسلامَ في جَوهره دينٌ عقلانيٌّ وِفقَ أوسَعِ المعاني لهذا المصطلح من الوجهةِ الاشتقاقيةِ والتاريخية، إن تعريفَ العقلانية، باعتبارها نظامًا يُقيمُ المعتقداتِ الدينيةَ على مبادئَ يُدعِّمُها العقلُ، إنما يَنطبقُ تمامًا على الإسلام، وعلى الرَّغم من التطورِ الخِصب -بكلِّ ما في هذه الكلمة من معنًى- لتعاليم النبي، فقد احتَفَظ القرآنُ بمنزلتِه الثابتة، كنقطةِ البدايةِ الرئيسةِ لفهم الدين، وصار يُعلِنُ دائمًا عن عقيدةِ توحيدِ الله في سموٍّ وجلالٍ وصفاءٍ دائمٍ مع اقتناعٍ يقينيٍّ متميزٍ، من الصعبِ أن يوجَدَ ما يفوقُه خارجَ نطاقِ الإسلام، إن هذا الإخلاصَ للمعتقَدِ الأساسي للدين، والبساطةَ الجوهريةَ للصيغة التي يَنطقُ بها، والبرهانَ الذي يكتسبُه من الاقتناع الذي يلتهبُ حماسةً لدعاته القائمين بنشره، كلُّ ذلك يُقدِّمُ أسبابًا كثيرةً تُعلِّلُ نجاحَ مجهوداتِ الدعاةِ المسلمين.
إن عقيدةً بمِثلِ هذه الدقة، ومجردةً من كلِّ التعقيداتِ اللاهوتية، وبالتالي يمكنُ للفهم العادي أن يتقبَّلها بسهوله، فمِن المتوِّقعِ أن تكونَ لها قدرةٌ عجيبةٌ وهي في الواقعِ تمتلكُ هذه القدرةَ -على اكتسابِ طريقِها إلى ضمائرِ البشر".
* جرونيباوم:
° قال في كتابه "الإسلام": "إن الأمرَ الذي اقتضى عشراتِ السنين
стр. 2346
من المسيحيين الأوائل لكي يُدركوه، قد أدركه محمدٌ بعد سنواتٍ قليلة، وهو: أنه ما دامت إرادةُ اللهِ قد اقتضت أن تمتدَّ الحياةُ الدنيا فترةً من الوقت -طالت أو قَصُرت-، فإن جماعته (١) ينبغي أن تستقرَّ فيها في التقاءٍ كاملٍ مع تعاليمِ الوَحىِ المُنَزَّل .. ومن ثَمَّ أصبحت مهمةُ الجماعةِ أن تُنشِئَ نَمَطًا شاملاً للحياة في ظِلِّ "الله" (٢) يشملُ كلَّ وجهٍ من وجوهِ الوجود البشري -مِن أوَّل التصوُّرِ إلى الدفن (٣) -، ويُلغى كلَّ تمييزٍ بين المقدَّسِ والدنيويِّ من مظاهر الحياة، يجعلُ كلَّ دقيقةٍ من دقائق الحياة متصلةً بعضُها ببعضِ برباط الدين، ومحتاجةً إلى مراسم "دينية" لتكملتها عند أيِّ عملٍ من الأعمال -مهما كان نوعه-، وبهذه الطريقة توحَّدت صور السلوك إلى حدٍّ ما .. ولكنَّ الحياةَ كلَّها -حتى أدقَّ تفصيلاتِها- أُعطيت صورةً ساميةً مستمدَّةً من دلالتها الدينية .. ولم تكن حياةُ الفرد وحدَه هي التي ينبغي لها أن تتحوَّل إلى مجموعةٍ مُتَّسقةٍ من الأعمال التي يطلبُها الله منه .. بل إنَّ المجتمعَ الإسلامي -في مجموعه- كان ينبغي أن يُحوَّلَ بالمِثل، فصارت الدولة والجيش والخزانة (٤) في اصطلاح المؤمنين الأوائل: دولةَ الله، وجيشَ الله، وخزانه الله" (٥).
* * *
стр. 2347
ـ[صفاءُ العقيدةِ الإسلاميةِ وقوَّتِها]ـ
* إدوارد جيبون:
وُلِد إدوارد جيبون في إنجلترا عام ١٧٣٧ م، وكان عُضوًا في البرلمان، وقد بدأ حياته الأدبية عام ١٧٦١ م، وظَهَر الجزءُ الأولُ من مصنَّفه الضخم: "انحدارُ الإِمبراطووية الرومانية وسقوطها" عام ١٧٧٦ م، ثم استكمل بقية الأجزاء حتى ظهر آخرها عام ١٧٨٨ م، وتُوفي عام ١٧٩٤ م.
° أفرد "جيبون" البابَ الخمسين من كتابه "انحدار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها" للحديثِ عن الإِسلام .. ولم يَستطع "جيبون" التخلُّصَ من أَسْرِ الأفكارِ الشائعةِ حول الإِسلام، ومع هذا فقد قال: "إنَّ عبقريةِ النبيِّ العربي، وسلوكياتِ أُمَّتِه، ورُوحَ ديانتِه، كلُّ ذلك يتضمَّنُ أسبابَ انحدارِ الإِمبراطوريةِ الرومانية الشرقية وسقوطها، وإن أنظارَنا لتتجهُ في دهشةٍ نحوَ واحدةٍ من أكبر الثوراتِ الجديرةِ بالذِّكر في العالم، والتي طَبعت بعمقٍ أثرًا جديدًا وخالِدًا في أمم الأرض".
° وقال: "إن عقيدةَ محمدٍ خاليةٌ من الشكِّ أو الغموض، والقرآنُ شهادةٌ مجيدةٌ على وحدانيَّةِ الله، ومن الهند حتى مراكش يَشتهرُ المهتدون إلى دينه باسمِ "الموحِّدين"، وقد انزاح خَطَرُ الوثنية بتحريمِ الصور.
إنَّ مواهبَ محمدٍ تجعلُنا نُكيلُ له المَدْحَ، إلاَّ أن نَجاحَه ربَّما كان هو الذي جَذَب انتبْاهَنا إليه، وإنّ ما يَستحقُّ إعجابَنا ليس انتشارَ ديانته، وإنما استمراريتُها.
إنَّ نفسَ الانطباعِ النقيِّ كاملِ الذى حَفَره في الأذهانِ في مكة
стр. 2348
والمدينة لا يزالُ مصونًا إلى اليوم بعد انقضاءِ اثني عَشَرَ قرنًا، عند الذين اهتَدَوا بالقرآنِ من هنودٍ وأفارقةٍ وتُرك".
° وقال: "نجدُ أنه من المحيطِ الأطلسي غربًا إلى أقاصي الهند شرقًا، يُعترفُ بأن القرآن هو الدستور الأساسي، ليس فقط في مسائل الإلهيات، ولكن فيما يتعلَّقُ بالقوانينِ المدنيَّةِ والجنائيةِ والقوانين التي تنظِّمُ سلوكياتِ البشر.
لقد نَفَثَ محمدٌ بين المؤمنين رُوحَ الأخوَّةِ والإحسانِ، وأوصى بممارسةِ الفضائل الاجتماعية، وكَبَحَ بشريعته وتعاليمه الأخلاقيةِ التعطُّشَ إلى الانتقامِ وظُلمِ الأرامل واليتامى، ولقد تَوحَّدَتِ القبائلُ التي كانت في عَداءٍ تحت مَظِلَّةِ الدينِ والطاعة، وتوجَّهت شجاعةُ المقاتلين -التي أُنفقت هدرًا في صراعَاتٍ داخليةٍ- نحوَ العدوّ الخارجي، فانتشرت بذلك أمصارُ الأمةِ الإسلاميةِ شرقًا وغربًا" (١).
° وقال "فولتير" عن العقيدة الإِسلامية: "إن عقيدةَ محمدٍ خاليةٌ من الشكَّ أو الغموض، والقرآنُ شهادةٌ مجيدةٌ على وحدانية الله .. هذه هي كلماتُ سورة الإخلاص تقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص].
إنني أقول: إن هذه الكلماتِ أَخضعت له الشرقَ أكثرَ مما فَعَله سيفُه" (٢).
стр. 2349
ـ[الغرب عاش على تَشْويه الإِسلام]ـ
° قال "فولتير": "لقد أَلْصَقْنا بالقرآنِ ما لا نهايةَ له من السفاهاتِ التي لم تكنْ به على الإطلاق.
إن مؤلِّفينا لم يَجِدوا صعوبةً تُذكرُ في جَعلِ نسائنا تقفُ في صفِّهم، لقد أقنعوهنَّ بأن محمدًا لم يَعتَبِرْهُن ضمنَ الحيواناتِ الذكية، وأنهنَّ جميعًا إماءٌ وِفقَ شريعة القرآن .. ومن الواضح أن كلَّ هذا كذبٌ وبطلانٌ اعتقدوا فيه بكلِّ قوة.
أيها الجهلةُ الأغبياء الذين خَدَعهم جَهَلةٌ آخرون، إذ أقنعوكم بأن الديانةَ المحمديةَ ديانةٌ شهوانيةٌ ولذَّاتٌ جسدية، بينما هي ليست شيئًا من ذلك".
° وقال "روجيه دي باسكيه": "إن الغربَ المسيحيَّ، أو الذي فَقَد مسيحيتَه، لم يَعرِفِ الإسلامَ أبدًا، فمنذ أن ظَهَرِ على المسرح العالمي، والمسيحيون لا يَكفُّون على اختلاقِ الأكاذيب حولَه وتحقيرِه من أجل إيجادِ المبرراتِ اللازمةِ لقتاله، لقد أُلحقت بالإسلام صُوَرٌ مشوَّهةٌ كثيرةٌ، لا تزال آثارُها منطبعةً بعُمقٍ في العقلية الأوربية إلى اليوم.
ويجبُ الاعترافُ بأن الدراساتِ الاستشراقيةَ في الغَرب لم تكن مستوحاةً أبدًا من رُوحِ النزاهةِ العلميةِ الخالصة، ولا يمكن إنكارُ أن بعضَ المتخصِّصين في الدراساتِ الإسلاميةِ والعربيةِ قد قاموا بأبحاثهم بهدفٍ واضحٍ هو تحقيرُ الإسلام والمسلمين" اهـ.
стр. 2350
ـ[الإِسلامُ دين التقدَّمِ والحضارةِ وهو دينُ المستقبل]ـ
يا لِجمالِ الإسلام الذي أتى به رسولُ الله ﷺ ، هذا الدينُ العظيمُ لا يُعرِضُ عنه إلاَّ منكوسٌ موكوسٌ مطموس.
* برنارد لويس:
وُلِد عام ١٩١٦ م، وحَصَل على الدكتوراة من جامعةِ لندن عام ١٩٣٩ م، وهو أستاذُ دراساتِ الشرق الأدنى بجامعة "برنستون"، وأستاذٌ زائر في "كاليفورينا وكولومبيا وأنديانا"، وعضوُ شرفٍ في "الجمعيةِ التاريخيةِ التركية"، وعضوٌ في "الجمعية الفلسفية الأمريكية".
° يقول عن الإِسلام: "أرسل اللهُ المَلَكَ جبريلَ ليُمليَ القرآنَ على محمدٍ، بهذا يُكِملُ القرآنُ سلسلةَ الوحيِ التى سَبقت إلى أنبياءِ اليهودِ وإلى عيسى، ومِن ثمَّ يكونُ محمد أعظمَ الأنبياء وخاتَمَهم، ويكونُ القرآنُ هو "الكتاب" الأخيرُ والتعبيرُ الكاملُ عن إرادةِ الله فيما يتعلَّق بحياةِ الناس".
° وقال: "كان الإِسلامُ تأسيسًا لدينٍ جديد، وإمبراطوريةٍ جديدة، وحضارةٍ جديدةً".
° وقال: "لقد قامت حضارةٌ أصيلةٌ مستوحاةٌ من العقيدةِ الإِسلامية، ومتمتعةٌ بحمايةِ الدولة الإِسلامية، ومُدعَّمةٌ بثراءِ اللغة العربية، حضارةٌ تنمو وتتسعُ وتعيشُ طويلاً وقد صنعها الرجالُ والنساءُ من مختلفِ الأعراق والديانات، وقد اصطبغ كلُّ شيءٍ فيها بالعروبة والمبادئِ والقيم الإسلامية".