← Сира

Сира · id 96964

وا محمداه إن شانئك هو الأبتر

سيد حسين العفاني

Полный текст (2 668 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

من المسيحيين الأوائل لكي يُدركوه، قد أدركه محمدٌ بعد سنواتٍ قليلة، وهو: أنه ما دامت إرادةُ اللهِ قد اقتضت أن تمتدَّ الحياةُ الدنيا فترةً من الوقت -طالت أو قَصُرت-، فإن جماعته (١) ينبغي أن تستقرَّ فيها في التقاءٍ كاملٍ مع تعاليمِ الوَحىِ المُنَزَّل .. ومن ثَمَّ أصبحت مهمةُ الجماعةِ أن تُنشِئَ نَمَطًا شاملاً للحياة في ظِلِّ "الله" (٢) يشملُ كلَّ وجهٍ من وجوهِ الوجود البشري -مِن أوَّل التصوُّرِ إلى الدفن (٣) -، ويُلغى كلَّ تمييزٍ بين المقدَّسِ والدنيويِّ من مظاهر الحياة، يجعلُ كلَّ دقيقةٍ من دقائق الحياة متصلةً بعضُها ببعضِ برباط الدين، ومحتاجةً إلى مراسم "دينية" لتكملتها عند أيِّ عملٍ من الأعمال -مهما كان نوعه-، وبهذه الطريقة توحَّدت صور السلوك إلى حدٍّ ما .. ولكنَّ الحياةَ كلَّها -حتى أدقَّ تفصيلاتِها- أُعطيت صورةً ساميةً مستمدَّةً من دلالتها الدينية .. ولم تكن حياةُ الفرد وحدَه هي التي ينبغي لها أن تتحوَّل إلى مجموعةٍ مُتَّسقةٍ من الأعمال التي يطلبُها الله منه .. بل إنَّ المجتمعَ الإسلامي -في مجموعه- كان ينبغي أن يُحوَّلَ بالمِثل، فصارت الدولة والجيش والخزانة (٤) في اصطلاح المؤمنين الأوائل: دولةَ الله، وجيشَ الله، وخزانه الله" (٥). * * *

стр. 2347

ـ[صفاءُ العقيدةِ الإسلاميةِ وقوَّتِها]ـ * إدوارد جيبون: وُلِد إدوارد جيبون في إنجلترا عام ١٧٣٧ م، وكان عُضوًا في البرلمان، وقد بدأ حياته الأدبية عام ١٧٦١ م، وظَهَر الجزءُ الأولُ من مصنَّفه الضخم: "انحدارُ الإِمبراطووية الرومانية وسقوطها" عام ١٧٧٦ م، ثم استكمل بقية الأجزاء حتى ظهر آخرها عام ١٧٨٨ م، وتُوفي عام ١٧٩٤ م. ° أفرد "جيبون" البابَ الخمسين من كتابه "انحدار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها" للحديثِ عن الإِسلام .. ولم يَستطع "جيبون" التخلُّصَ من أَسْرِ الأفكارِ الشائعةِ حول الإِسلام، ومع هذا فقد قال: "إنَّ عبقريةِ النبيِّ العربي، وسلوكياتِ أُمَّتِه، ورُوحَ ديانتِه، كلُّ ذلك يتضمَّنُ أسبابَ انحدارِ الإِمبراطوريةِ الرومانية الشرقية وسقوطها، وإن أنظارَنا لتتجهُ في دهشةٍ نحوَ واحدةٍ من أكبر الثوراتِ الجديرةِ بالذِّكر في العالم، والتي طَبعت بعمقٍ أثرًا جديدًا وخالِدًا في أمم الأرض". ° وقال: "إن عقيدةَ محمدٍ خاليةٌ من الشكِّ أو الغموض، والقرآنُ شهادةٌ مجيدةٌ على وحدانيَّةِ الله، ومن الهند حتى مراكش يَشتهرُ المهتدون إلى دينه باسمِ "الموحِّدين"، وقد انزاح خَطَرُ الوثنية بتحريمِ الصور. إنَّ مواهبَ محمدٍ تجعلُنا نُكيلُ له المَدْحَ، إلاَّ أن نَجاحَه ربَّما كان هو الذي جَذَب انتبْاهَنا إليه، وإنّ ما يَستحقُّ إعجابَنا ليس انتشارَ ديانته، وإنما استمراريتُها. إنَّ نفسَ الانطباعِ النقيِّ كاملِ الذى حَفَره في الأذهانِ في مكة

стр. 2348

والمدينة لا يزالُ مصونًا إلى اليوم بعد انقضاءِ اثني عَشَرَ قرنًا، عند الذين اهتَدَوا بالقرآنِ من هنودٍ وأفارقةٍ وتُرك". ° وقال: "نجدُ أنه من المحيطِ الأطلسي غربًا إلى أقاصي الهند شرقًا، يُعترفُ بأن القرآن هو الدستور الأساسي، ليس فقط في مسائل الإلهيات، ولكن فيما يتعلَّقُ بالقوانينِ المدنيَّةِ والجنائيةِ والقوانين التي تنظِّمُ سلوكياتِ البشر. لقد نَفَثَ محمدٌ بين المؤمنين رُوحَ الأخوَّةِ والإحسانِ، وأوصى بممارسةِ الفضائل الاجتماعية، وكَبَحَ بشريعته وتعاليمه الأخلاقيةِ التعطُّشَ إلى الانتقامِ وظُلمِ الأرامل واليتامى، ولقد تَوحَّدَتِ القبائلُ التي كانت في عَداءٍ تحت مَظِلَّةِ الدينِ والطاعة، وتوجَّهت شجاعةُ المقاتلين -التي أُنفقت هدرًا في صراعَاتٍ داخليةٍ- نحوَ العدوّ الخارجي، فانتشرت بذلك أمصارُ الأمةِ الإسلاميةِ شرقًا وغربًا" (١). ° وقال "فولتير" عن العقيدة الإِسلامية: "إن عقيدةَ محمدٍ خاليةٌ من الشكَّ أو الغموض، والقرآنُ شهادةٌ مجيدةٌ على وحدانية الله .. هذه هي كلماتُ سورة الإخلاص تقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص]. إنني أقول: إن هذه الكلماتِ أَخضعت له الشرقَ أكثرَ مما فَعَله سيفُه" (٢).

стр. 2349

ـ[الغرب عاش على تَشْويه الإِسلام]ـ ° قال "فولتير": "لقد أَلْصَقْنا بالقرآنِ ما لا نهايةَ له من السفاهاتِ التي لم تكنْ به على الإطلاق. إن مؤلِّفينا لم يَجِدوا صعوبةً تُذكرُ في جَعلِ نسائنا تقفُ في صفِّهم، لقد أقنعوهنَّ بأن محمدًا لم يَعتَبِرْهُن ضمنَ الحيواناتِ الذكية، وأنهنَّ جميعًا إماءٌ وِفقَ شريعة القرآن .. ومن الواضح أن كلَّ هذا كذبٌ وبطلانٌ اعتقدوا فيه بكلِّ قوة. أيها الجهلةُ الأغبياء الذين خَدَعهم جَهَلةٌ آخرون، إذ أقنعوكم بأن الديانةَ المحمديةَ ديانةٌ شهوانيةٌ ولذَّاتٌ جسدية، بينما هي ليست شيئًا من ذلك". ° وقال "روجيه دي باسكيه": "إن الغربَ المسيحيَّ، أو الذي فَقَد مسيحيتَه، لم يَعرِفِ الإسلامَ أبدًا، فمنذ أن ظَهَرِ على المسرح العالمي، والمسيحيون لا يَكفُّون على اختلاقِ الأكاذيب حولَه وتحقيرِه من أجل إيجادِ المبرراتِ اللازمةِ لقتاله، لقد أُلحقت بالإسلام صُوَرٌ مشوَّهةٌ كثيرةٌ، لا تزال آثارُها منطبعةً بعُمقٍ في العقلية الأوربية إلى اليوم. ويجبُ الاعترافُ بأن الدراساتِ الاستشراقيةَ في الغَرب لم تكن مستوحاةً أبدًا من رُوحِ النزاهةِ العلميةِ الخالصة، ولا يمكن إنكارُ أن بعضَ المتخصِّصين في الدراساتِ الإسلاميةِ والعربيةِ قد قاموا بأبحاثهم بهدفٍ واضحٍ هو تحقيرُ الإسلام والمسلمين" اهـ.

стр. 2350

ـ[الإِسلامُ دين التقدَّمِ والحضارةِ وهو دينُ المستقبل]ـ يا لِجمالِ الإسلام الذي أتى به رسولُ الله ﷺ ، هذا الدينُ العظيمُ لا يُعرِضُ عنه إلاَّ منكوسٌ موكوسٌ مطموس. * برنارد لويس: وُلِد عام ١٩١٦ م، وحَصَل على الدكتوراة من جامعةِ لندن عام ١٩٣٩ م، وهو أستاذُ دراساتِ الشرق الأدنى بجامعة "برنستون"، وأستاذٌ زائر في "كاليفورينا وكولومبيا وأنديانا"، وعضوُ شرفٍ في "الجمعيةِ التاريخيةِ التركية"، وعضوٌ في "الجمعية الفلسفية الأمريكية". ° يقول عن الإِسلام: "أرسل اللهُ المَلَكَ جبريلَ ليُمليَ القرآنَ على محمدٍ، بهذا يُكِملُ القرآنُ سلسلةَ الوحيِ التى سَبقت إلى أنبياءِ اليهودِ وإلى عيسى، ومِن ثمَّ يكونُ محمد أعظمَ الأنبياء وخاتَمَهم، ويكونُ القرآنُ هو "الكتاب" الأخيرُ والتعبيرُ الكاملُ عن إرادةِ الله فيما يتعلَّق بحياةِ الناس". ° وقال: "كان الإِسلامُ تأسيسًا لدينٍ جديد، وإمبراطوريةٍ جديدة، وحضارةٍ جديدةً". ° وقال: "لقد قامت حضارةٌ أصيلةٌ مستوحاةٌ من العقيدةِ الإِسلامية، ومتمتعةٌ بحمايةِ الدولة الإِسلامية، ومُدعَّمةٌ بثراءِ اللغة العربية، حضارةٌ تنمو وتتسعُ وتعيشُ طويلاً وقد صنعها الرجالُ والنساءُ من مختلفِ الأعراق والديانات، وقد اصطبغ كلُّ شيءٍ فيها بالعروبة والمبادئِ والقيم الإسلامية".

стр. 2351

* هربرت فيشر: مؤرِّخٌ سياسيٌّ إنجليزي، عَمِلَ بعدَ الحرب العالمية الأولى مندوبًا مفوَّضًا لدى "عصبة الأمم"، وفي عام ١٩٢٦ م عاد إلى جامعة "أوكسفورد" عميدًا بإحدى كلياتها. ° يقول في فَصْلٍ كَتَبه عن الإِسلام ضمن كتابه "تاريخ أوروبا": "لقد وَجَدَتِ الدولُ المسيحيةُ نفسَها تُواجِهُ التحدِّي من حضارةٍ شرقيةٍ جديدةٍ تأسَّست على دينٍ شرقيٍّ جديد. وهكذا انتَشرت الحضارةُ الإِسلاميةُ، وساهَم فيها (الكثيرون) ليُقدِّموا جميعًا العصرَ الرائعَ للآدابِ والفنونِ الإِسلاميةِ، التي مَكَّنت شعوبَ الإسلام من السيادةِ الفكريةِ للعالَم طِيلةَ أربعةِ قرون، بينما كان العقلُ الأوربيُّ غارقًا في قِيعانِ الجهل والكسل". * مارسيل بوازار: أستاذُ جامعةٍ سويسري، عاش لمدةِ أكثرَ من اثنَيْ عَشَر عامًا في بلادٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ خاصة، كممثِّلٍ للجنة الدولية للصليب الأحمر في: الجزائر واليمن والمملكة العربية السعودية وسوريا والأردن ومصر، وبصفته مديرًا مشاركًا في برامج التثقيفِ الدبلوماسي بالمعهد الجامعي للدراسات الدولية العليا بجنيف، وكمندوبٍ مفوَّضٍ أوربي بالجمعيةِ الثقافيةِ الدوليةِ المعروفة باسم "الإِسلام والغرب"، فإنه قام بنَشرِ عدةِ بحوثٍ حولَ بعضِ أوجُهِ الحضارةِ الإِسلامية، وحولَ عددٍ من موضوعاتِ السياسةِ الثقافيةِ في بلجيكا والنمسا وباكستان والمغرب وغيرها من البلدان.

стр. 2352

° يقول "مارسيل بوازار" في كتابه " الجوانب الإنسانية في الإسلام" (١): "الإسلامُ دينٌ وحضارة .. لا شك في أن الوحيَ الدينيَّ قد ظَهر في منطقةِ الشرقِ الأوسط، مَهْدِ دياناتِ التوحيدِ الثلاث، ولعل الإسلامَ يُعتبرُ هو التجلِّيَ الأخيرَ والأكملَ للحضارةِ في هذه المنطقةِ من العالم، ولقد نَفَذَت أفكارُه إلى أوربا، وآسيا باللغة العربية، عبرَ البحرِ الأبيضِ المتوسطِ وفوقَ جبالِ البرانس. والإسلاُم باعتبارهِ دينًا -وِفقَ المعاني الاشتقاقيةِ الثلاثِ لكلمةِ الدين في اللغة الفرنسية-، فإنه يَقتضي -من ناحيةٍ - اختيارًا تطوّعيًّا، أو اختيارًا حرًّا بالخضوعِ إلى شريعةٍ وإلى قواعدَ للأخلاق، وممارسةِ الشعائرِ، كما يستلزمُ -من ناحيةٍ أخرى- تصنيفَ تراثٍ إنسانيٍّ خاصٍّ والحفاظَ عليه. وأخيرًا -وعلى وجهِ الخصوص-، فإنَّه يُحدِّدُ وَضْعَ المؤمنِ أمامَ القيوم، وكذلك علاقاتِ التضامنِ بين الناس، وهكذا يَظهرُ لنا الإسلام كعملٍ باهرٍ ومتوافقٍ سياسيًّا واجتماعيًّا، وظاهرةً تاريخيةً جديرةً بالتأمل والاعتبار. وفي كلمةٍ موجزة، فإنَّ الإسلامَ حضارةٌ أَعطت مفهومًا خاصًّا للفرد، وحدَّدت بدقةٍ مكانَه في المجتمع، وقَدَّمت عددًا من الحقائقِ الأوليةِ التي تحكمُ العلاقاتِ بين الشعوب، كما أن هذه الحضارةَ لم تُقدِّمْ فقط مساهمتَها التاريخيةَ الخاصةَ في الثقافةِ العالمية، ولكنها كانت تؤكِّدُ أيضًا -ولها مبرراتهُا - على تقديمِ حلولٍ للمشاكلِ الرئيسةِ للأفرادِ والمجتمعاتِ، والمشاكلِ الدوليةِ

стр. 2353

التي تُثيرُ الاضطراباتِ في العالم المعاصر". ° وقال: "لقد أنجَب هذا الدينُ "أمَّةً"، وأوجَدَ أسلوبًا للحياةِ والعمل والتفكير، وفي كلمةٍ واحدة، فقد أنجبَ "حضارةً". ويؤكِّدُ الإسلامُ طُموحَه السياسيَّ على المستوى العالمي، ويتابعُ انتشارَه بانتظامِ، وخاصةً في أفريقيا السوداء، وإذا نظرنا اليومَ إلى كِيانِ الإسلام ووِحدته، تَبين أنه ليس جسدًا مَيْتًا نُقشت عليه ذكرياتُ ماضٍ مجيد، وإنما هو واقعٌ حيٌّ فعلاً. ويدلُّ التاريخُ على وجودِ حقيقةٍ ثابتةٍ مثاليةٍ في الحضارة الإسلامية، التي كانت منذُ بَدئِها -ولا تزالُ- متوجِّهةً توجُّهاً كاملاً نحوَ الله، وهذه الظاهرةُ التي تَغيبُ دائمًا عن الفكرِ والتحليل الغربيِّ الحديث، تُعطي للإسلامِ طابعَه المتميِّزَ بالدوام". ° وقال: "لقد أظهرت الرسالةُ القرآنيةُ وتعاليمُ النبيِّ أنها تقدُّميَّةٌ بشكلٍ جوهري، وتُفسِّرُ هذه الخصائصُ المميزةُ انتشارَ الإسلام السريعَ بصورةٍ عجيبةٍ خلالَ القرونِ الأولى من تاريخه. ومن المفيد أن نُسجِّل إلى أيِّ مَدًى يؤثِّرُ مفهومٌ معيَّنٌ للعلم والإيمانِ بمصيرٍ عالميٍّ للإنسانية، في طَبعِ السلوكِ اليوميِّ لملايين الأنفُسِ من البشر، ولا يمكنُ لأيِّ طريقةٍ مُثلى (أيديولوجية) معاصرةٍ أن تَدَّعي منافسةَ الإسلامِ في هذا الصدد". ° وقال: "لم يكن محمدٌ حاكمًا مستبِدًّا (أتوقراطيًّا) ". ° وقال: "في الإسلام لا يمكنُ فَهمُ السياسةِ بعيدًا عن الدين".

стр. 2354

ـ[عالَمِيَّةُ الإِسلام]ـ ° وقال: "علاوةً على أن الإسلامَ حقيقةٌ إلهيةٌ تامةٌ ومَثَلٌ أعلى رُوحيٌّ كامل، وأنه خُلق كيانًا سياسيًّا وتنظيمًا اجتماعيًّا خاصَّين به، فهو [حقيقةٌ] عاليةٌ ترتكزُ على وَعيٍ عميق بالتوحيد، إذ كان دينَ اليقين الذي يدفع طاقاتِ المؤمنين وإرادتِهم الواعيةَ نحو تنظيمِ العالم الدنيوي". ° وقال: "إنَّ فعاليةَ الإسلام وحيويتَه حقيقةٌ واقعةٌ على المستوى الديني، يشهدُ لها استمراريتُه في تحول الناسِ إليه، فالإسلامُ ينتشرُ أكثرَ من أيِّ دينٍ آخَرَ وخاصةً في أفريقيا وآسيا، حيث تَكتسبُ البساطة المنطقيةُ لعقيدتِه ويُسر تعاليمه مهتدِين إليه جُددًا كلَّ عام". ـ[المستقبل للإِسلام]ـ ° قال "برناردشو": "لقد تنبَّأتُ بأن دينَ محمدٍ سيكونُ مقبولاً في أوربا الغد، كما أنه بدأ يكونُ مقبولاً في أوروبا اليوم". ° وقال: "إنه الدينُ الوحيدُ الذي يَبدو لي أنه يمتلكُ القدرةَ على استيعابِ تغيُّرِ أطوارِ الحياةِ بما يجعلُه مَحِلَّ إعجابٍ لكلِّ العصور". * روجيه دي باسكيه: هو الكاتبُ والصحفيُّ السويسري الذي اعتنق الإسلام، تحت اسم "سيدي عبد الكريم"، وكذلك أسلمت زوجته الهولندية. ° قال "روجيه دي باسكيه": "إن الإسلامَ بأبعاده الأفقية والرأسية، قادرٌ على عملِ توافُقٍ قويٍّ بين الإنسان والكونِ المحيطِ به، وكذلك بين الإنسانِ والإلهِ خالقِ كلِّ شيءِ ومبدعه، إن الإسلامَ

стр. 2355

عالميٌّ بكلِّ معنَى الكلمة. فمهما حَدَث في العالَم الغربيِّ المزدهِرِ وفاسدِ الأخلاق، أو حَدَث للشعوب التي تُعاني من فقرِ المستلزماتِ الماديةِ للحياةِ مِثل تلك التي يُطلَقُ عليها "العالم الثالث"، فإن الإسلامَ يقدِّمُ الحلَّ الأكثرَ وضوحًا وجوهريةً وحتميةً، من أجلِ مواجهةِ التحدي الحديث. وبالنسبةِ لهؤلاءِ الذين يَعتنقدن الإسلامَ ويُطبِّقونه عمليًّا، فإنه يقدِّمُ لهم العلاجَ الأكثَرَ فعاليةً وشفاءً من شرور هذا العصر". ° وكتب كتابًا من أجل تعريفِ الغربِ بالإسلامِ تحت اسم "اكتشاف الإسلام" قال فيه: "من المسلَّم به حاليًا وبوجهٍ عام، أنه بينما تتراجعُ الدياناتُ الكبرى -أو على الأقلِّ تتخذُ موقفَ الدفاع-، فإن الإسلامَ ذاتَه في تقدم، وتُعطي أفريقيا أكثرَ الأمثلةِ وضوحًا على ذلك. إن قوةَ الإسلامِ هذه -مقارنةً بضعفِ المسيحية- تمُثِّلُ حقيقةً كبرى في التاريخ المعاصر، ولقد قامت عدَّةُ دراساتٍ اجتماعيةٍ واستشراقيةٍ بمحاولةٍ لتفسير ذلك، فأظهرت أن هناك وجهاتِ نظرٍ عديدة. لقد جاء الإِسلامُ إلى الناسِ لمساعدتهم على عبورِ هذه المرحلةِ الأخيرةِ من التاريخِ العالمي، دون أن يتعرَّضوا للضياع، وباعتبارِه الوحيَ الأخيرَ في سلسلةِ النبوات، فإنَّه يُقدِّمُ وسائلَ لمقاومةِ الفوضى التي تَسُودُ العالَم حاليًا، وإقرارِ النظامِ والنقاءِ في داخل الإنسان، وإيجادِ التآلُفِ والانسجامِ في العلاقاتِ الإنسانيةِ، وتحقيقِ الهدف الأسمى الذي من أجله دعانا الخالقُ إلى هذه الحياة".

стр. 2356

° وقال: "والإسلام بأبعادِه الأفقيةِ والرأسيةِ قادرٌ على عَمَلٍ تُوافُقٍ قويًّ بين الإنسانِ والكونِ المحيط به، وكذلك بين الإنسانِ والإلهِ خالقِ كلِّ شيءٍ ومُبدِعه، إن الإسلامَ عالميٌّ بكلِّ معنى الكلمة، إن الغربَ المسيحيَّ -أو الذي فقد مسيحيته- لم يَعرِفِ الإسلامَ أبدًا". ° ويرى مارسيل بوازار أن الإسلام هو الحلُّ لمشاكل العالَم، ويقول: "لقد عَرف الإسلامُ -بمحافظتِه على العقيدة- كيف يقاومُ تحطيمَ جماعتِه السياسية، ولم يكنِ الإسلامُ منذ ظهورِه وتحتَ إدارةِ النبيِّ إلاَّ ثوريًّا معتدلاً على المستوى الاجتماعي، فهناك تكليفٌ مفروضٌ بالتكافل والتضامنِ على جميع أعضاءِ الجماعةِ المسلمة، مِن أجل تأمينِ الرخاءِ والكرامةِ لجميع الأفرادِ في حدودِ الإمكاناتِ المتاحة، ويُمثِّلُ هذا مظهراً متمِّمًا لطابعِ الجماعةِ المسلمةِ وشيئًا تتميزُ به مبادئُ الأخلاق التي طَبَعها الوحيُ القرآني. ولقد أقام الإسلامُ نظامًا اقتصاديًّا مرتكزًا على الأخلاقِ، وذلك بتنظيمِ توزيع الدخلِ عن طريقِ نظامِ ضريبيٍّ مقدسٍ هو "الزكاة"، وبإدخالِ مفهومٍ جديدٍ للمِلكية الخاصةِ التي ليست في كلمةٍ موجزةٍ سوى حقِّ انتفاع بالنِّعم التي أفاءها اللهُ على الإنسان، وبذلك حقق الإسلامُ -من وجهةِ نظرِ خاصة- الجمعَ بين قِيمتي رأسِ المالِ والعمل". ° وقال مونتجمري وات: "من المؤكَّد أن الإسلامَ منافِسٌ قويٌّ في مجال إعطاءِ النظامِ الأساسيِّ للدينِ الوحيدِ الذي يَسُودُ في المستقبل". ° وقال إدوارد مونتيه: "احتفظ القرآنُ بمنزلتِه الثابتة، كنقطةِ البداية الرئيسةِ لفَهمِ الدين، وصار يُعِلِنُ دائمًا عن عقيدةِ توحيدِ الله في سُمُوٍّ

стр. 2357

وجلالٍ وصفاءٍ دائمٍ، مع اقتناعٍ يقينيٍّ متميِّزِ من الصعب أن يُوجَدَ ما يفوقُه خارجَ نطاقِ الإسلام". ° وقال جورج برنادرشو عن رسول الله ﷺ : "يجبُ أن يُسمَّي "منقذَ الإنسانيةَ"، وإني أعتقدُ لو أن شخصًا مثلَه تولَّى الحكمَ المُطلَقَ للعالَم المعاصِر، لَنجح في حلِّ مشاكِلِه بطريقةٍ تجلبُ له ما هو في أشدِّ الحاجةِ إليه من سلامٍ وسعادة". ° وذكر الأمير شكيب أرسلان في كتابه "لماذا تأخَّر المسلمون؟ " -بعد كلامه عن الفتوحاتِ الإسلامية-: "على أن تلك الفتوحات التي فتحوها في نصفِ قرنٍ -أو ثُلُثَىْ قرنٍ- قد أدهَشَت عقولَ العقلاء والمؤرِّخين والمفكِّرين، وحَيَّرتِ الفاتحين الكبار، وأَذهَلَت "نابليون بونابرت"، وله تصريح في ذلك نَقَله "لاكاس" الذي رافقه إلى جزيرة "سانتة هيلانة" وغيرة من المقيِّدين لحوادثِ نابليون المتتبِّعين لأقواله، فقد ثَبَت ثُبوتًا قطعيًّا من أقوال نابليون وسيرتِه أيامَ كان بمصرَ أنه كان مُعجبًا بمحمدٍ ﷺ وعُمر ﵁ وبكثير من أبطالِ الإسلام، وأن نفسَه حدَّثته لَمَّا كان بمصَر أن يتَّخذ الإسلامَ دينًا له" (١). ° ونختم بما قال "مايكل هارت": "لكنَّ محمدًا كان هو الإنسانَ الوحيدَ في التاريخ الذي بَلغ أعلى درجاتِ النجاح على المستويَيْنِ الدينيِّ والدنيوي. وبسببِ هذا الجَمع -الذي لا نظيرَ له بين الدينِ والدنيا- أرى أن محمدًا من حقِّه أن يُعتبرَ أعظمَ الشخصياتِ البارزةِ أثرًا في تاريخ الإنسانية".

стр. 2358

فصل وقفات فقهية مع حكم سب النبي ﷺ والاستهزاء به ولمزه والطعن فيه وفي رسالته

стр. 2359

سبُّ النبي ﷺ أو تنقُّصُه بتعريضٍ أو نصًّ * تعريف " السَّبِّ": "السبُّ" لغةً واصطلاحًا: الشَّتْم، وهو مشافهةُ الغيرِ بما يَكره، وإنْ لم يكن فيه حدٌّ، كـ "يا أحمق، ويا ظالم" (١). ° قال الدسوقي: "هو كلُّ كلامٍ قبيح .. وحينئذٍ فالقذفُ، والاستخفافُ، وإلحاقُ النقصِ، كلُّ ذلك داخلٌ في السبِّ" (٢). * ألفاظ السَّبِّ: ° من ألفاظِ السَّبِّ قوله: "كافر، سارق، فاسق، منافق، فاجر، خبيث، أعور، أقطع، ابن الزَّمِن، الأعمى، الأعرج، كاذب، نمَّام" (٣). * الألفاظُ ذات الصلة بالسَّبِّ: أ- العيب: ٢ - العيبُ خلافُ المستحسَنِ عقلاً، أو شرعًا، أو عرفًا، وهو أعمُّ من السب (٤). ° قال الزُّرقاني: "فإنَّ مَن قال: "فلانٌ أعلمُ من الرسول ﷺ "، فقد

стр. 2360

عابه، ولم يَسُبَّه" (١). ب- اللعن: ٣ - اللعن: هو الطردُ من رحمة الله تعالى (٢)، لكنه يُطلَقُ ويرادُ به السبُّ. • روى البخاري: "إن مِن أكبرِ الكبائرِ أن يَلعَنَ الرجلُ والدَيه"، قيل: يا رسولَ الله، وكيف يَلعنُ الرجلُ والدَيه؟ قال: "يَسُبُّ الرجلُ أبا الرجلِ، فيَسُبُّ أباه، ويَسُبُّ أُمَّه، فيَسُبُّ أُمَّه" (٣). • وروى مسلم في "الصحيح": "مِن الكبائرِ شَتمُ الرجلِ والديه". قالوا: يا رسولَ الله، وهل يَشتمُ الرجلُ والديه؟ قال: "نعم، يَسُبُّ أبا الرجل فَيسُبُّ أباه، ويَسُبُّ أُمَّه فيَسُبُّ أُمَّه" (٤). فَسَّر رسولُ الله ﷺ اللعنَ بالشتم. • وقال ابنُ عبد السلام: "اللعنُ أبلغُ في القُبحِ من السبِّ المطلَق" (٥). جـ- القذف: ٤ - يُطلَقُ "السبُّ" ويُرادُ به القَذفُ، وهو الرَّميُ بالزِّنى في مَعرِضِ

стр. 2361

التعيير (١) كما يُطلَقُ "القذفُ" ويُراد به السبُّ (٢). وهذا إذا ذُكر كلٌّ منهما منفردًا. • فإذا ذُكرَا معًا، لم يَدُلَّ أحدُهما على الآخر (٣)، كما في حديثِ رسولِ الله ﷺ : "أتدرُون ما المُفلِسُ؟ ". قالوا: المُفلِسُ فينا مَن لا درهمَ له ولا متاع. قال: "إنَّ المفلسَ من أمتي مَن يأتي يومَ القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاة، ويأتي قد شَتَم هذا، وقَذَف هذا، وأَكَل مالَ هذا، وسَفَك دمَ هذا، وضَرَب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا مِن حسناته، فإن فَنِيَتْ حسناتُه قَبلَ أن يَقضيَ ما عليه، أُخذ مِن خطاياهم، فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار" (٤). وعند التغايُرِ يكونُ المرادُ بالقذفِ: ما يُوجبُ الحدَّ، وبالسبِّ: ما يُوجبُ التعزيرَ إنْ كان السبُّ غيرَ مكفِّرٍ (٥). * بيانُ ما هو في حقِّه ﷺ سبٌّ أو نَقصٌ من تعريضٍ أو نص: ° قال العلاَّمة شهابُ الدين أحمد بن محمد الخفاجي في "نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض": "مَن سَبَّ النبيَّ ﷺ وشَتَمه "أو نَقَصه" مما لا يَليقُ به -وإن لم يكن سبًّا- "من تعريض" بطريقِ الكناية والإيماء،

стр. 2362

"أو نصٌّ" صريحٌ لا يَحتملُ التأويل، فقد قال القاضي عياض ﵀: (اعلمْ وَفَّقَنا الله وإياك) لمعرفةِ حق النُّبُوَّة وما يجبُ له ﷺ ، (أنَّ جميعَ من سَبَّ النبيَّ ﷺ بشتمِه (أو عابه) -هو أعمُّ مِن السَّب، فإنَّ من قال: "فلانٌ أعلمُ منه ﷺ "، فقد عابه ونَقَصَه ولم يَسُبَّه-، (أو ألحق به نقضًا في نفسِه)، وذا ممَّا يتعلَّقُ بخُلُقِه وخِلْقَته (أوْ نسبه)، كأنْ يُفضِّلَ أحدًا على قومِه وأصوله، وكأن يقول: "إنه ﷺ لم يكن قرشيًّا"، فإنه كَفَر، كما صَرَّح به الفقهاء، وليس من تنقيصِ النسبِ ما وقع من الاختلافِ في إسلام أبوَيْه -كما هو ظاهر-. (أو دينه) أي: نَقَصَ شريعتَه أو نَسَبَه لقُصورٍ، فيما يجبُ منها (أو خَصلةٍ من خصاله) وصفةٍ من صفاته كشجاعتِه وكرمه، (أو عَرَّض به)، أي: قال في حقِّه ﷺ ما لا يَليقُ به تعريضًا لا تصريحًا، (أو شَبَّهه بشيءِ) غيرِ حسنٍ (على طريق السَّبِّ له) بتنقيصِه (أو الإِزراء عليه)، أي: التنقيص له، وإن لم يكن قصَد السَّبَّ، (أو التصغير بشأنه)، أي: تحقيرَه، كتصغير اسمه، أو صفةٍ من صفاته (أو الغضِّ منه) بمعنى، (أو العيب له، فهو سابٌّ)، أي: كالسابِّ معنًى. (وكذلك مَن لَعَنه، أوْ دعا عليه، أو تَمنَّى له مَضَرَّةً له، أوْ نَسَب إليه ما لا يَليق بمنصِبه)، أي: بأصلِه وحسَبه، وهذا هو حقيقة المَنصِبِ (على طريق الذَّمِّ) له (أو عَبَثَ) أي: ما قاله على طريقِ الهزل والمُجونِ (في جِهتِه العزيزة)، أي: بشيءٍ له تعلُّقٌ بجانبه الشريف (بسُخفٍ من الكلام وهُجْرٍ، ومُنكَرٍ من القول وزور، أو عَيَّره بشيءٍ مما جرى من البلاءِ والمِحنةِ عليه)، (أو غَمَصَه)، أي: نَقَص من قَدْرِه ﷺ (ببعضِ العوارضِ البشريةِ الجائزةِ

стр. 2363

والمعهوده لديه .. قال أبو بكر بن المنذر: أجمَعَ عوامُّ أهل العلم) هو جَمعُ "عامةٍ"، بمعنى جماعةٍ كثيرة، والمتقدمون -كالشافعي- يُعَبَّرون بهذه العبارةِ للعموم، ولِيس المرادُ العاميَّ، فإنه غيرُ صحيح، إذْ لا عِبرةَ بهم وبإجماعهم؛ لأن العاميَّ لا يكونُ أهلَ علمٍ، (على أنَّ مَن سَبَّ النبيَّ) ﷺ (يُقتل) مطلقًا، (وممن قال بذلك)، أي: حَكَم بقتله مطلقًا: (مالكُ بنُ أنسٍ، والليثُ بنُ سَعد، وأحمدُ، وإسحاقٌ، وهو مذهبُ الشافعي). قال القاضي عياض: (وهو مقتضى قولِ أبي بكرٍ الصِّدِّيق، ولا تُقبَل توبتُه عند هؤلاء) القائلين بوجوبِ قتلِه مطلقًا، صَوْنًا لمقامِ النُّبُوَّة، كما قال المتنبِّي: لا يَسْلَمُ الشَّرَفُ الرفيعُ من الأذى … حتى يُراقَ على جوانِبِه الدمُ ° وقال الإِمام محمد بن سَحنون: "أجمع العلماءُ على أنَّ شاتم النبي ﷺ المتنقِّصَ له كافرٌ، والوعيدَ جارٍ عليه بعذابِ الله له: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التربة: ٦١]، وحُكمه عند الأُمَّةِ القتلُ، ومَن شَكَّ في كُفره وعذابِه كَفَر" .. لأن الرضى بالكُفْر كُفر. واحتجَّ إبراهيمُ بنُ حُسينِ بنِ خالدٍ الفقيهُ في مِثلِ هذا بقَتلِ خالدِ بنِ الوليد ﵁ مالكَ بن نُويرةَ لقوله عن النبي ﷺ ، "صاحبكم" يعني به النبيَّ ﷺ ، وفيه تنقيصٌ له بتعبيرهِ عنه بـ "صاحبكم" دونَ "رسولِ الله" ونحوه، وإضافتُه لهم دونه المُشعِرُ ذلك بالتبرِّي من صُحبته ﷺ ، واتِّباعِه واستنكافه، وهو في غايةِ الظهور، ومالكُ بنُ نُويرة هذا كان له وِفادةٌ على رسول الله ﷺ ، وكان شجاعًا شاعرًا سيِّدًا مطاعًا في قومه "بني تميم"، فولاَّه رسولُ الله ﷺ عليهم وعلى أُخذِ زكاتِهم، فمَنعوها بعدَه ﷺ ، فأَرسل

стр. 2364

أبو بكر ﵁ خالدَ بنَ الوليدِ لطَلَبها، فقال له مالكُ بنُ نُويرة: "أنا آتِي الصلاةَ دون الزكاة، فقال له: لا تُقبل إحداهما بدون الأخرى، فقال: قد كان صاحبُكم يقول ذلك. فقال خالد: أمَا تراه صاحبًا لك؟! لقد هَممتُ بضربِ عُنقِك، فقال مالكٌ: أبذلك أَمَر صاحبُك، فقال له: أهذه بعد تلك" -يُنكِرُ عليه خالدٌ تكريرَ قولِ "صاحبكم" بعدما وعده عليه-، ثم أَمَر ضرارَ ابنَ الأزور، فضَرب عُنقَه لإِنكارِه قَولةَ: "صاحبكم" مرتين استصغارًا له ﷺ . ° وقال أبو سليمان الخَطَّابي: "لا أعلمُ أحدًا من المسلمين اختَلف في وجوب قتلِه إذا كان مسلمًا". وإنما الخلافُ في الكافر .. وحكاه عبدُ الله بن مُطرِّف -وهو ابنُ أختِ الإمامِ مالكِ- في كتاب ابن حبيب: "من سَبَّ النبي ﷺ من المسلمين قُتِل -ولم يُستَتب-. ° وقال ابنُ القاسم في "العتبية": "مَن سَبَّه، أو شَتَمه (١)، أو عابَه أو تنقصَّه (٢)، فإنه يقتل، وحُكمه عند الأُمَّة القتلُ كالزنديق. ° وعن عثمانَ بنِ كِنانةَ -وهو من أئمة المالكية- في كتابه "المبسوطة": "مَن شَتَم النبي- ﷺ من المسلمين قُتِل أو صُلِب حيًّا -ولم يُستتب-، والإِمامُ مُخَيَّرٌ في صَلبه حيًّا، أو قَتْلِه". ° قال مالك: "مَن سَبَّ رسولَ الله ﷺ أو شَتَمه، أو عابه،

стр. 2365

أو تَنقَّصَه: قُتِل -مسلمًا كان أوْ كافرًا-، ولا يُستتاب". ° وقال أيضًا: "مَن سَبَّ النبيَّ ﷺ أو غَيرَه من الأنبياء -من مسلمٍ أو كافر- قُتِل ولم يُستَتب". ° وقال أصبغُ -مفتي قرطبةَ المالكي-: "يُقتَل على كلِّ حالٍ -أسرَّ ذلك أوْ أخفاه-، ولا يُستتاب؛ لأن توبتَه لا تُعرَف". ° وروى ابنُ وهب عن مالك: "من قال: إنَّ رداءَ النبيِّ ﷺ ويُروى: زِرَّ النبيِّ -وَسخٌ- أراد به عَيبَه- قُتِل" (١). ° قال ابنُ حجر الهَيتمي -بعد سياقِه كلامَ المصنِّف-: "ويؤخذُ منه أنه لو أَطلق ذلك، أو قَصَد الإخبارَ عن تواضُعِه ﷺ لا يَكفُر، وهَو ظاهرٌ في إرادةِ التواضع، ومُحتَمَلٌ عند الإطلاق؛ لأنه ليس صريحًا في النقص، وإذا قلنا بعدمِ الكفر، فظاهرٌ أنه يُعزَّرُ التعزيرَ البليغُ لذِكره ما يُوهِمُ نقصًا. واختَلفوا فيما لو قال: "كان النبيُّ ﷺ طويلَ الظُّفر"، والذي يَظهرُ أنه لو قال ذلك احتقارًا له ﷺ ، أو استهزاء به، أو على جِهةِ نسبةِ النقصِ إليه: كفر، وإلاَّ فلا، بل يُعزَّرُ التعزيرَ الشديد" … انتهى ملخصًا. (وقال بعض علمائنا) -يعني المالكية-: (أجمع العلماءُ)، تقدَّم الكلام في الإجماع في هذه المسألة، (على أنَّ مَن دعا على نبي من الأنبياء بالويل)، فقال: "ويلاً له"، وهي كلمةٌ يُدعى بها، ومعناها: الهلاك أو البلاء والمصيبة والعذاب والمشقة.

стр. 2366

(أو) دعا عليه (بشيءٍ من المكروه) مما يكرهُه الناسُ وَيشُقُّ عليهم: (أنه يُقتل بلا استتابة)، أي: لا تُطلَبُ توبتُه ولا تُقبل. ° وقال ابنُ حجر الهيتمي في "فتاويه": "من خصائصه ﷺ أنَّ من زَنا بحضرته كَفَر .. ونَظَّر فيه في "الروضة"، وأجيب: بأنه ظاهرٌ في الاستخفاف، فكان كفرًا، فيؤخَذُ منه أن غيرَه من الأنبياء كذلك. (وأفتى القابِسيُّ) أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المغافري القَيرواني شيخ الحديثِ وفقهِ مالكٍ، الضريرٌ الزهدُ العابد، صاحبُ التصانيفِ الجليلة في الفقه والأصول، عديمُ النظير، تُوفِّي سنةَ ثلاثٍ وأربعَمِئةٍ (فيمن قال في النبيِّ ﷺ : الحَمَّال -بفتح الحاء المهملة وتشديد الميم قبل ألف ولام-، وذلك لأنه ﷺ كان إذا اشتَرى شيئًا من السُّوق حَمَلَه بنفسه، فإذا لَقِيه مَن أراد أن يَحمِلَه قال: "رَبُّ المَتاعِ أولى بحَملِه"، كما روي في كتب الحديث. (أو قال: يتيم أبي طالب)؛ لأنَه ربَّاه بعد موت أبيه وجَدِّه عبدِ المطلب (بالقتل) لِمَا فيه من الاستخفافِ والتحقير، وقَصَد قائلُه ذلك -لقيام قرينةٍ عليه-. ° قال ابنُ حجر: "والظاهرُ أن مذهبَنا لا يأبى ذلك لما في عبارتِه من الدلالة على الإزراء، فإنْ ذَكَر "يتيم أبي طالب" فقط، لم يكن صريحًا في ذلك فيما يَظهر .. نعم إن كان السياق يدلُّ على الإزراء، كان كما لو جَمَع بين اللفظين. ° وأفتى شيخُ المالكية بالمغرب -الشيخ أبو محمد بن أبي زيد عبدُ الله القيرواني المالكي- بقَتل رجل سَمع قدمًا يتذاكرون صِفةَ النبيِّ ﷺ ، إذْ مَرَّ

стр. 2367

عليهم رجلٌ قبيحُ الوجهِ واللحية فقال لهم: تريدون تعرفون صفتَه ﷺ ؟، قالوا له: نعم، فقال: هي في صفة هذا المَارِّ في خَلْقه ولحيته. قال: ولا تُقبل توبته" .. وذلك لكُفرِه وعِظَم جُرْمِه. ° قال ابنُ حجر: "ومذهبُنا قاضٍ بذلك، وقد كَذَب هذا الرجلُ في مقالته هذه -لعنه الله وأخزاه وقبَّح وجَههَ-، وليس يخرجُ ما قاله هذا الملعونُ مِن قلبٍ سليم الإيمان، بل عديمِ العقل والإيمان". ° وقال أحمدُ بن أبي سليمان صاحب سحنون -وهو من كبار علماء المالكية-: "مَن قال: "إن النبي ﷺ أَسْوَدُ" يُقتَل"؛ لأنه ﷺ كان من الحُسنِ وبَياضِ الوجهِ بصفةٍ لا تخفى". فهذا القائلُ قد كَذَب وافترى، ووَصْفه ﷺ بما ليس فيه إشعارٌ بالتحقير -لعنه الله وسوَّد وجهَه يومَ تبيضُّ وجوهٌ وتَسودُّ وجوه-، وهذا مما صرَّح به الفقهاءُ، وعلَّلوه بأنه قَصَد الكذبَ استخفافًا، فهو كما لو قال: "لم يكن ﷺ قرشيًّا". ° وقال ابنُ أبي سليمان أيضًا في رجلٍ قِيل له: "لا، وحقِّ رسول الله"، فقال الرجل المخاطَب: "فَعَل اللهُ برسولِ الله كذا وكذا" -وذَكَر كلامًا قبيحًا-، فقيل له: "ما تقولُ يا عدوَّ الله؟! "؛ فقال له أشدَّ من كلامه الأول، ثم قال -يُوجِّه كلامَه القبيحَ ويُأولِّه-: "إنما أردتُ برسول الله (١): الصَّعق (٢) ..

стр. 2368

فقال ابن أبي سليمان للذي سأله: "اشهَدْ عليه وأنا شريكُك" يَريدُ في قتله وثوابِ ذلك. ° قال يحيى بنُ حبيب بن الربيع -مُوَجِّهًا لقول ابنِ أبي سليمان وفتواه بقتله-: "لأنَّ ادعاءَه التأويلَ في لفظٍ صُراحٍ لا يُقبل؛ لأنَّه امتهان -أي: فيه تحقيرٌ لرسول الله ﷺ بحَسَبِ صريحه ومدلولِه المعروف، وهو -أي: قائلُه- غيرُ مُعزِّرٍ لرسول الله ﷺ أي: مُعَظِّم- ولا مُوَقِّر له، فوجب إباحةُ دمِه". ° وأفتى أبو عبد الله بن عَتَّاب -من فقهاء المالكية- في عَشَّار -وهو مَن يأخذُ العُشرَ، وهو المَكَّاس-، قال لرجلٍ طَلَب منه المَكْس، فامتنع، وقال له: "إنه ظُلمٌ لا يَرضى به رسولُ الله ﷺ "، فقال له المَكَّاس: "أَدِّ، واشكُ إلى النبي ﷺ منِّي ومن ظُلِمي لك"، -ومِثلُه تحقيرٌ للنبي ﷺ والشريعة، كأنه يقول: "لا قُدرةَ له على دَفْعِه لو كان حيًّا موجودًا الآن"، فلذا أُفتي فيه بوجوبِ القتل. ° قال ابنُ حَجر: "ومذهبنا قاضٍ بذلك أيضًا، بل الذي يَظهرُ أنَّ مُجرَّدَ قوله: "أد واشْكُ إلى النبي ﷺ "- بقصدِ عدمِ المبالاة- كفرٌ أيضاً". ° وأفتى فقهاءُ الأندلس بقتل ابن حاتمٍ المتفقِّه الطُّلَيطِلِيِّ وصَلْبِه بما شُهِد عليه به من استخفافِه بحقِّ النبيِّ ﷺ وتسميتِه إيَّاه أثناءَ مناظرته "باليتيم" (١)،

стр. 2369

و"خَتَنِ حَيْدَرَةَ" (١)، وزَعمِه أن زُهدَه لم يكن قصدًا (٢)، ولو قَدَر على الطيِّبات أَكَلَها .. إلى أشباهٍ لهذا. ° قال ابنُ حجر:"ومذهبُنا لا يُنافي ذلك، بل زَعمُه ما ذَكَر في الزهد ينبغى أن يكونَ كافيًا في كُفره، وهو ظاهرٌ لنسبةِ النقصِ إليه ﷺ ". ° وأفتى فقهاءُ القيروان وأصحابُ سحنون بقتل إبراهيمَ الفَزَاريِّ، وكان شاعرًا متفنِّنًا من العلوم، وكان ممن يَحضُرُ مجلسَ القاضي "أبي العباس بن طالب" للمناظرة، فرُفِعت عليه أمورٌ مُنكَرةٌ من هذا الباب في الاستهزاء بالله تعالى وأنبيائِه ونبيِّنَا عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، فأحضر له القاضي يحيى بنَ عمر -وهو قاضي القيروان وعالِمُها- .. وغيرَه من فقهاء المالكية، وأَمَر بقَتلِه وصَلْبِه، "فطُعِن بالسكينِ وصُلِب مُنَكَّسًا، ثم أُنزِل وأُحرِق بالنار. ° ومن قال: "إن النبيَّ هُزم"، يُستتاب، فإن تاب وإلاَّ قُتل لأنه تنقيص. ° قال ابنُ حجر: "وقضيةُ مذهبنا، أنه لا يكفرُ بذلك، إلاَّ إنْ قاله على قصدِ التنقيص؛ لأنَّه ليس صريحًا فيه، لأن الهزيمةَ قد تكونُ من الجِبِلاَّت البشرية، فإنْ لم يَقصِدْ ذلك لم يَكفُرْ، بل يُعَذر التعزيرَ الشديد" انتهى. ° وحُكم من غَمَصَه أو عَيَّره برعايةِ الغَنَم، أو بالمَيلِ إلى نسائه، فحُكم

стр. 2370

هذا كله لمن قَصَد نَقْصَه القتلُ. ° قال السيوطي في كتابه "تنزيه الأنبياء عن تسفيه الأغبياء" -وهو كتابٌ جليل- أن رجلاً سَبَّ آخَرَ بأنه راعٍ، فقال له: ما مِن نبيٍّ إلاَّ رعى الغنم بجمعٍ من العامة. ° فقال قاضي القضاة المالكي: "لو رُفع لي هذا ضربته بالسياط"، فلما سُئلت عنه أجبتُ بأنه يُعذَّرُ أبلغَ تعزير؛ لأنه لا ينبغي ضَرْبُ آحادِ الناس مثلاً لنفسه بالأنبياء، والمستدِلُّ بمثله قد يكونُ في مقامِ التدريسِ والإفتاءِ والتصنيف، وبيانُ العلم لأهلِه لا يُنكَرُ عليه، إمَّا في مقام الخصام والتبرِّي عن مَعَرَّةِ نقصٍ نُسَبٍ له أو لغيره، فهو محلُّ الإنكارِ والتأديبِ لا سيَّما بحضرةِ العوام وفي الأسواق، فهو سبٌّ وقذف، ولكلِّ مقامٍ مقالٌ يناسبه. وسُئل الحافظُ ابنُ حجر: عمَّا يَقعُ في المَوَالِدِ من الوُعَّاظِ بين العوامِّ مِن ذِكرِ الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، بما يُخِلُّ بالتعظيم، حتى يَحصُلَ لسامِعه رِقَّةٌ وحُزن، كقولهم: "إن المَراضعَ لم تأخُذْه ﷺ لعدم مالِه حتى أَخذَتْه "حليمةُ" شفقةً عليه"، ويقولون: " إنه كان يَرعى غنمًا"، وينشدون في ذلك: بأغنامِه سار الحبيبُ لكي يَرعَى … فيا حبَّذا راعٍ فؤادي له يَرعى فأجاب بأنه ينبغي أن يُحذَفَ من الخبر ما يُوهِمُ نقصًا، وإن لم يَضُرَّه، بل يجبُ ذلك" انتهى (١).

стр. 2371

° وفي "الموسوعة الفقهية" الصادرة عن وزارة الأوقاف الكويتية: * حُكمُ مَن سَبَّ النبيَّ ﷺ -: * سبُّ المسلم النبيَّ ﷺ -: - إذا سَبَّ مسلمٌ النبيَّ ﷺ ، فإنه يكونُ مرتدًّا (١) .. وفي استتابته خلاف (٢). * سَبُّ الذَّمِّي النبيَّ ﷺ -: - للعلماءِ عِدَّةُ أقوالٍ في حُكمِ الذِّمِّيِّ إذا سَبَّ النبيَّ ﷺ : فقيل: إنه يُنقَضُ أمانُه بذلك -إن لم يُسْلِم-، وقيل غيرُ ذلك (٣). ويُقتلُ وجوبًا عند المالكية بهذا السبِّ إن لم يُسلِم، فإن أسلَمَ إسلامًا -غيرَ فارٍّ به من القتل- لم يُقتل، لقوله تعالى: ﴿قل لِّلَّذِينَ كفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].

стр. 2372

قالوا: وإنما لم يُقتل إذا أسلم -مع أن المسلمَ الأصليَّ يُقتل بسبِّه ﷺ ، ولا تُقبل توبته- من أجل حقِّ الآدمي، لأنَّا نعلمُ باطنَه في بُغضِه وتنقيصِه بقلبِه، لكنَّا منعناه من إظهارِه، فلم يَزِدْنا ما أظهَرَه إلا مخالفتَه للأمر، وتقضًا للعهد، فإذا رَجَع إلى الإسلام سَقَط ما قبلَه، بخلافِ المسلم، فإنا ظننَّا باطنَه بخلافِ ما بدا منه الآن (١). ° وعند الشافعية: إن اشتُرِطَ عليهم انتقاضُ العهد بمِثل ذلك، انتُقض عهدُ السابِّ، وُيخيَّرُ الإمامُ فيه بين القتل وألاسترقاق والمَنِّ والفداء -إن لم يَسألِ الذِّميُّ تجديدَ العقد- (٢). * ولا فَرقَ بين نبيٍّ وغيرهِ من سائرِ الأنبياء -وكذا الرسلُ-، إذ النبيُّ أعمُّ من الرسول على المشهور (٣). والأنبياءُ الذين تَخُصُّهم هذه الأحكامُ هم المتَّفَقُ على نبوَّتِهم، أمَّا مَن لم تَثبُتْ نبوَّتُهم، فليس حُكمُ مَن سَبَّهم كذلك، ولكن يُزجَرُ مَن تَنَقَّصهم أو آذاهم، ويؤدَّبُ بقدْرِ حالِ القول فيهم، لا سيَّما مَن عُرفت صِدِّيقيَّته وفَضلُه منهم -كمريم-، وإن لم تَثبُتْ نبوَّتُه، ولا عِبرةَ باختلافِ غيرِنا في نبوَّةِ نبيٍّ من الاَّنبياء، كتَفيِ اليهودِ نبوةَ داود وسليمان. * التعريضُ بسبِّ الأنبياء: التعريضُ بسبِّ النبي ﷺ كالتصريح .. ذَكَر ذلك فقهاءُ الحنفية

стр. 2373

والمالكيةِ والشافعية، وهو قولٌ للحنابلة (١). ويقابلُه عندهم: أن التعريضَ ليس كالتصريح. وقد ذَكر عياضٌ -رحمه الله تعالى- إجماعَ العلماءِ وأئمةِ الفتوى مِن لَدُنِ الصحابةِ ومَن بَعدَهم على أن التلويحَ كالتصريح (٢). * سَبُّ السكرانِ النبيَّ ﷺ -: اختَلف الفقهاءُ في حُكم السكرانِ إذا سَبَّ في سُكرهِ نبيًّا من الأنبياء، هل يكونُ مرتدًّا بذلك وهل يُقتل؟!. ذهب الحنفيةُ، وهو قولٌ للشافعية: إلى أن رِدَّةَ السكرانِ لا تُعتبر، وحُجَّتُهم في ذلك: أن الردةَ تُبنى على الاعتقادِ، والسكرانُ غيرُ مُعتقِدٍ لما يقول (٣). وذَهب أحمدُ -في أظهرِ الروايتين عنه-، والشافعيةُ في المذهب إلى وُقوع رِدَّةِ السكران، وحُجَّتُهم: أن الصحابةَ أقاموا حدَّ القذفِ على السكران، وأنه يَقعُ طلاقُه، فتَقعُ رِدَّتُه، وأنه مُكلَّف، وأن عقلَه لا يَزولُ كُلِّيًّا، فهو أشبهُ بالناعسِ منه بالنائم أو المجنون (٤).

стр. 2374

* المُكرَهُ على سَبِّ النبي ﷺ -: الإكراهُ: اسمٌ لفعلٍ يَفعلُه المرءُ بغيره، فيَنتفي به رضاه، أو يَفسُدُ به أختيارُه، مِن غير أن تنعدمَ به أهليَّتُه، أو يَسقطَ عنه الخطاب (١). والإكراهُ نوعان: نوع يُوجِبُ الإلجاءَ والاضطرارَ طَبْعًا، كالإكراهِ بالقتل أو القطع أو الضربِ الذي يُخاف فيه تَلَفُ النفسِ أو العضوِ -قَلَّ الضربُ أو كَثُرَ-، وهذا النوعُ يُسمَى "إكراهًا تامًّا". ونوعٌ لا يُوجبُ الإلجاءَ والاضطرارَ، وهو الحَبسُ أو القَيدُ أو الضربُ الذي لا يُخافُ منه التَّلَفُ، وهذا النوعُ من الإكراه يسمَّى "إكراهًا ناقصًّا" (٢). واتفق الفقهاءُ على أن مَن أُكرِه على الكفرِ فأتى بكلمةِ الكفر، لَم يَصِرْ كافرًا، لقوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانهِ إِلاَّ مَنْ أكْرِهَ وَقَلْبُة مُطْمَئِن بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكفرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ﴾ [النحل: ١٠٦]. ° وما نُقل من أنَّ عمَّارَ بنَ ياسر ﵂ حَمَله المشركون على ما يَكرهُ، فجاء إلى النبي- ﷺ ، فقال له: "إن عادوا فعُدْ" (٣) وهذا في الإكره التام (٤).

стр. 2375

الأدلة على كُفْرِ سابِّ الرسول ﷺ وشاتمِه والمستهزئِ به والمُتَنَقِّصِ له الآياتُ الدَّالةُ علَى كُفرِ الشاتم وقتلِه، أو على أحدِهما -إذا لم يكن مُعَاهِدًا- وإن كان مُظهِرًا للإِسلام، كثيرةٌ، مع أن هذا مُجْمَعٌ عليه، وقد حَكى الإجماعَ غيرُ واحد. * الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النبِي وَيَقُولونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لكُمْ﴾ [التربة: ٦١] إلى قوله تعالي: (وَالَّذينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ الله لَهُمْ عَذَاب أَلِيٌم﴾ إلى قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَن لَهُ نَارَ جَهَنمَ﴾ [التوبة: ٦٣]. فعُلم أن إيذاءَ رسولِ الله محادَّةٌ لله ولرسوله؛ لأن ذِكْرَ الإيذاءِ هو الذي اقتَضى ذِكرَ المحادَّة، فيجبُ أن يكون داخلاً فيه، ولولا ذلك لم يكنِ الكلامُ مؤتلِفًا إذا أمكن أن يقال: "إنه ليس بمحادٍّ"، ودَل ذلك على أن الإيذاءَ والمحادَّةَ كفر؛ لأنه أخبَرَ أن له نارَ جهنم خالدًا فيها، ولم يقل: "هي جزاؤه"، وبَينَ الكلامين فَرْق، بل المحادَّة هي المعاداةُ والمشاقَّة، وذلك كفر ومُحاربة؛ فهو أَغْلَظُ من مجردِ الكفر، فيكون المؤذِي لرسول الله ﷺ كافراً، عدوًّا للهِ ورسوله، محاربًا لله ورسوله؛ لأن المحادَّة اشتقاقُها من "المباينة" بأن يصيرَ كلُّ واحد منهما في حدٍّ، كما قيل: "المشاقَّة: أن يصيرَ كلٌّ منهما في شِقٍّ، والمعاداة: أن يصيرَ كل منهما في عُدْوةٍ" (١). • وفي الحديث: أن رجلاً كان يسبُّ النَبي ﷺ فقال: "مَنْ يَكْفِيِني

стр. 2376

عَدُوِّي؟ " (١)، وهذا ظاهرٌ. وحينئذٍ فيكونُ كافرًا حلالَ الدم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة:. ٢]. ولو كان مؤمنًا معصومًا لم يكنْ أذلَّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وقوله: ﴿كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥]. المؤمنُ لا يُكبت كما كُبت مُكذِّبو الرسلِ قط، ولأنه قد قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢].

стр. 2377

فإذا كان مَن يُوَادُّ المحادَّ ليس بمؤمنٍ، فكيف بالمحادِّ نفسه؟!! فالمحادُّ كافرٌ حلالُ الدم. * وأيضًا، فقد قال : ﴿وَلَوْلا أَن كتَبَ اللهُ عَلَيْهِم الْجَلاءَ لَعَذَّبَهمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِاَنَّهمْ شَاقوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاق اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٣ - ٤]. فجَعَل سببَ استحقاقِهم العذابَ في الدنيا ولعذابِ النارِ في الآخرة هو مُشَاقَّةَ اللهِ ورسوله، والمؤذِي لرسولِ الله ﷺ مُشَاقٌّ لله ورسوله، والعذابُ هنا هو الإهلاكُ بعذابٍ من عنده، أو بأيدينا، وإلا فقد أصابهم ما دون ذلك من ذَهَابِ الأموالِ وفِراقِ الأوطان. * وقال سبحانه: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿سألْقِي فِي قلُوبِ الَذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبوا فَوْاقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَان (١٢) ذَلِكَ بِأنَّهمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٢ - ١٣]. فجَعَل إلقاءَ الرُّعبِ في قلوبِهم والأمرَ بقتلِهم لأجل مشاقَّتِهم لله ورسوله، فكلُّ مَنْ شاقَّ الله ورسولَه يستوجبُ ذلك، والمؤذِي للنبيِّ مشاقٌّ للهِ ورسولِه، فيستحقُّ ذلك. وقولهم: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة: ٦١]. ° قال مجاهد: ﴿هوَ أُذُنٌ﴾: "يقولون: سنقول ما شئْنَا، ثم نَحلفُ له فيصدقنا" (١). ° وقال الوالبي (٢) عن ابن عباس:"يعني أنه يَسمعُ من كلِّ أحدٍ" (٣).

стр. 2378

° قال بعضُ أهل التفسير: "كان رجالٌ من المنافقين يؤذون رسولَ الله ﷺ ويقولون ما لا ينبغي، فقال بعضُهم: لا تفعلوا؛ فإنا نخافُ أن يَبلُغَه ما تقولون فيقعَ بنا، فقال الجُلاَّس (١): بل نقول ما شئنا، ثم نأتيه فيُصدِّقُنا، فإنما محمدٌ أذُنٌ سامعة .. فأنزل الله هذه الآية" (٢). ° وقال ابنُ إسحاق: "كان نَبْتَلُ بنُ الحارث (٣) الذي قال النبيُّ ﷺ فيه: "مَنْ أَرَادَ أنْ ينظُرَ إلى الشَّيْطَانِ، فَليَنْظُرْ إلى نَبْتَلِ بنِ الحَارِثِ" يَنِمُّ (٤) حديثَ النبي ﷺ إلى المنافقين، فقيل له: لا تَفْعَلْ، فقال: إنما محمدٌ أُذُن، مَنْ حَدَّثه شيئًا صدَّقه، نقول ما شِئنا، ثم نأتيه فنَحلِفُ له، فيُصدِّقُنا عليه .. فأنزل الله هذه الآية" (٥).

стр. 2379

° وقولهم: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ قالوه لِيُبيِّنوا أن كلامَهم مقبولٌ عنده، فأخبَرَ اللهُ أنه لا يُصدِّقُ إلاَّ المؤمنين، وإنما يَسمعُ الخَبَرَ، فإذا حَلَفوا له فعفا عنهم، كان ذلك لأنه أُذُنُ خير، لا لأنه صدَّقهم. ° قال سفيانُ بن عُيَيْنَة:"أُذُنُ خيرٍ يَقبلُ منكم ما أظهرتُم مِن الخير ومِن القول، ولا يؤاخِذُكم بما في قلوبِكم، ويَدَعُ سرائرَكم إلى الله وربما تَضَمَّنت هذه الكلمةُ نوعَ استهزاءٍ واستخفاف". * الدليل الثاني: قوله سبحانه: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٤ - ٦٦]. وهذا نصٌّ في أن الاستهزاءَ بالله وبآياتِه وبرسولِه كفر، فالسبُّ المقصودُ بطريق الأَوْلى. وقد دلَّتْ هذه الآيةُ على أنَّ كلَّ مَنْ تنقَّصَ رسولَ الله ﷺ جادًّا أو هازلاً فقد كفر. ° وقد رُوي عن رجالٍ من أهل العلم -منهم ابنُ عمرَ ومحمدُ بنُ كعبٍ وزيدُ بنُ أسلمَ وقَتَادة- دخل حديثُ بعضِهم في بعض، أنه قال رجل من المنافقين (١) في غزوةِ تبوك: "ما رأيت مثل قُرَّائِنا هؤلاء أرغبَ بطونًا، ولا أكذبَ ألْسُنًا، ولا أجْبَنَ عند اللقاء، يعني رسولَ الله ﷺ وأصحابَه القُرَّاء،

стр. 2380

فقال له عَوْفٌ بن مالكٍ: كذبتَ، ولكنك منافق، لأُخبِرَنَّ رسول الله ﷺ .. فذهب عوفٌ إلى رسولِ الله ﷺ ليُخبِرَه، فوجدَ القرآنَ قد سَبَقه، فجاء ذلك الرجلُ إلى رسول الله ﷺ وقد ارتَحَل وركِبَ ناقته، فقال: يا رسولَ الله، إنما كنا نَلْعَبُ ونتحدَّثُ حديثَ الرَّكْبِ نَقْطَع به عناءَ الطريق. ° قال ابنُ عمر: "كأني أنظُر إليه متعلقًا بِنِسْعةِ (١) ناقةِ رسولِ الله ﷺ وإن الحجارة لَتنكُبُ رِجليه وهو يقول: إنما نخُوضُ ونلعب، فيقول له رسول الله ﷺ : ﴿أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾ [التربة: ٦٥]. ما يلتفتُ إليه، وما يَزيدُه عليه" (٢).

стр. 2381

فهؤلاء لَما تنقَّصوا النبيَّ ﷺ ، حيث عابوه والعلماءَ من أصحابه، واستهانوا بخبره، أخبَرَ الله أنهم كفروا بذلك، وإن قالوه استهزاءً، فكيف بما هو أغلَظُ من ذلك؟ وإنما لم يُقِم الحدَّ عليهم لكونِ جهادِ المنافقين لم يكن قد أُمِرَ به إذ ذاك، بل كان مأمورًا بأن يَدَعَ أذاهم؛ ولأنه كان له أن يعفوَ عمَّن تنقَّصه وآذاه (١). * الدليل الثالث: قوله سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨]. واللمزُ: العيبُ والطعن (٢)، قال مجاهد: "يتَّهمُك يسألك يزْراك" (٣). وقال عطاء: "يَغتَابُك". * وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: ٦١] الآية. وذلك يدلُّ على أن كلَّ مَنْ لَمَزه أو آذاه كان منهم؛ لأنَّ ﴿الَّذِينَ﴾ و ﴿وَمَن﴾ اسمان موصولانِ، وهما مِن صِيَغ العموم، والآية وإن كانت

стр. 2382

نزلت بسبب لَمْزِ قَوْمٍ وأذى آخَرِين، فحُكمُها عامٌّ كسائِر الآيات اللواتي نزلْنَ على أسباب، وليس بين الناس خلافٌ نعلمُه أنها تعمُّ الشخصَ الذي نزلت بسببه ومَنْ كان حالُه كحاله، ولكن إذا كان اللفظُ أعمَّ من ذلك السبب، فقد قيل: "إنه يَقتصِرُ على سببه". والذي عليه جماهيرُ الناس أنه يجبُ الأخْذ بعموم القول، ما لم يَقُمْ دليلٌ يوجبُ القَصْرَ على السبب. وأيضًا، فإن كَوْنَه منهم حُكمٌ معلَّقٌ بلفظٍ مشتقٍّ من اللمز والأذى، وهو مناسبٌ لكونه منهم؛ فيكونُ ما منه الاشتقاقُ هو علَّةً لذلك الحكمِ، فيجب اطِّرَادُه. وأيضًا، فإن هذا القولَ مناسبٌ للنفاق؛ فإن لَمْزَ النبيِّ ﷺ وأذاه لا يفعلُه مَنْ يعتقدُ أنه رسولُ الله حقًّا، وأنه أَوْلى به من نَفْسه، وأنه لا يقولُ إلاَّ الحق، ولا يَحكمُ إلاَّ بالعدل، وأن طاعتَه طاعةٌ لله، وأنه يجبُ على جميعِ الخلق تعزِيرُه وتوقيره، وإذا كان دليلاً على النفاق نفسِهِ، فحيثما حَصَل حَصَل النفاق. * الدليل الرابع: قوله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. أقْسَمَ سبحانه بنفسهِ أنهم لا يؤمنون حتى يحكِّموه في الخصومات التي بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقًا من حكمه، بل يُسلِّموا لِحكمِهِ ظاهرًا وباطنًا. * وقال قبل ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ومَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن

стр. 2383

يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صدُودًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦١]. فبيَّن سبحانه أن مَنْ دُعي إلى التحاكمِ إلى كتاب الله وإلى رسوله، فصدَّ عن رسوله كان منافقًا. * وقال سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٤٧ - ٥١]. فبيَّن سبحانه أن مَن تولَّى عن طاعةِ الرسول وأعرض عن حُكمه فهو من المنافقين، وليس بمؤمن، وأن المؤمنَ هو الذي يقول: "سمعنا وأطعنا"؛ فإذا كان النفاقُ يَثبُتُ، ويَزولُ الإيمانُ بمجردِ الإعراضِ عن حُكمِ الرسول وإرادة التحاكمِ إلى غيره، مع أن هذا تركٌ محض، وقد يكون سببُه قوةَ الشهوة، فكيف بالتنقُّصِ والسبِّ ونحوه؟. * الدليل الخامس: ما استَدلَّ به العلماءُ على ذلك: قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسولَة لَعَنَهُمُ الله فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا (٥٧) وَالَذِينَ يُؤْذونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ [الأحزاب: ٥٧ - ٥٨] الآية.

стр. 2384

° ودلالتها من وجوه: أحدها: أنه قَرَن أذاه بأذاه، كما قَرَن طاعتَه بطاعته، فمَن آذاه فقد آذى الله تعالى، وقد جاء ذلك منصوصًا عنه، ومَن آذى اللهَ فهو كافرٌ حَلالُ الدَّمِ، يبِّينُ ذلك أن الله تعالى جَعَل محبةَ الله ورسولِه، وإرضاءَ الله ورسولهِ، وطاعةَ الله ورسوله شيئًا واحدًا. * فقال تعالى: ﴿قلْ إِن كَانَ آبَاؤكمْ وَأَبْنَاؤُكمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتكمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتموهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كسَادَهَا وَمَسَاكِن تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]. * وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] في مواضع متعددة، وقال تعالى: ﴿وَالله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. فوحَّدَ الضميرَ، وقال أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعونَ اللهَ﴾ [الفتح: ١٠]، وقال أيضًا: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]. * وجَعل شِقَاقَ اللهِ ورسولِه، ومحادَّةَ الله ورسوله، وأذى اللهِ ورسولِه، ومعصيةَ الله ورسوله شيئًا واحدًا. * فقال: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهمْ شَاقوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣]. * وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يحَادُّونَ اللهَ وَرَسولهُ﴾ [المجادلة: ٢٠]. * وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٦٣]. * وقال: ﴿وَمن يَعْصِ اللهَ وَرَسولَهُ﴾ الآية. [النساء: ١٤]، و [الأحزاب: ٣٦]، و [الجن: ٢٣].

стр. 2385

وفي هذا وغيرِه بيانٌ لتلازُم الحقَّين، وأن جهةَ حُرمةِ اللهِ ورسولِه جهةٌ واحدة؛ فمَن آذى الرسولَ فقد آذى اللهَ، ومَن أطاعه فقد أطاع الله؛ لأنَّ الأُمَّةَ لا يَصِلون ما بينهم وبين ربِّهم إلاَّ بواسطة الرسولِ، ليس لأحدٍ منهم طريقٌ غيرُه ولا سببٌ سواه، وقد أقامه اللهُ مَقَام نفسِهِ في أمره ونَهْيه وإخبارِه وبيانه، فلا يجوزُ أن يُفَرَّقَ بين الله ورسوله في شيءٍ من هذه الأمور. وثانيها: أنه فَرَّق بين أذى اللهِ ورسولِه، وبين أذى المؤمنين والمؤمنات، فجَعل هذا قد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا (١)، وجَعَل على ذلك لعنتَه في الدنيا والآخرة، وأعدَّ له العذابَ المُهين (٢) .. ومعلومٌ أن أذى المؤمنين قد يكونُ من كبائرِ الإِثم وفيه الجَلْد، وليس فوق ذلك إلاَّ الكفرُ والقتل. الثالث: أنه ذَكَر أنه لَعَنَهم في الدنيا والآخرة وأعَدَّ لهم عذابًا مهينًا، واللَّعْنُ: الإِبعادُ عن الرَّحمةِ، ومَنْ طَرَده عن رحمته في الدنيا والآخرة لا يكونُ إلاَّ كافرًا، فإنَّ المؤمن يَقرُبُ إليها بعضَ الأوقاتِ، ولا يكون مباحَ الدَّمِ؛ لأن حقْنَ الدمِ رحمةٌ عظيمة من الله؛ فلا يَثبُتُ في حقِّه. * الدليل السادس: قوله سبحانه: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كجَهْرِ بَعْضكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]. أي: حَذَرًا أن تَحْبَطَ أعمالُكم، أو خَشْيَةَ أن تحبط أعمالكم، أو كَرَاهةَ أن تحبط، أو مَنْعَ أن تحبط، هذا تقديرُ البصريين، وتقدير الكوفيين: "لِئَلاَّ تَحْبَطَ" (٣).
следующие страницы →