← Сира

Сира · id 96964

وا محمداه إن شانئك هو الأبتر

سيد حسين العفاني

Полный текст (2 668 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

فهؤلاء لَما تنقَّصوا النبيَّ ﷺ ، حيث عابوه والعلماءَ من أصحابه، واستهانوا بخبره، أخبَرَ الله أنهم كفروا بذلك، وإن قالوه استهزاءً، فكيف بما هو أغلَظُ من ذلك؟ وإنما لم يُقِم الحدَّ عليهم لكونِ جهادِ المنافقين لم يكن قد أُمِرَ به إذ ذاك، بل كان مأمورًا بأن يَدَعَ أذاهم؛ ولأنه كان له أن يعفوَ عمَّن تنقَّصه وآذاه (١). * الدليل الثالث: قوله سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨]. واللمزُ: العيبُ والطعن (٢)، قال مجاهد: "يتَّهمُك يسألك يزْراك" (٣). وقال عطاء: "يَغتَابُك". * وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: ٦١] الآية. وذلك يدلُّ على أن كلَّ مَنْ لَمَزه أو آذاه كان منهم؛ لأنَّ ﴿الَّذِينَ﴾ و ﴿وَمَن﴾ اسمان موصولانِ، وهما مِن صِيَغ العموم، والآية وإن كانت

стр. 2382

نزلت بسبب لَمْزِ قَوْمٍ وأذى آخَرِين، فحُكمُها عامٌّ كسائِر الآيات اللواتي نزلْنَ على أسباب، وليس بين الناس خلافٌ نعلمُه أنها تعمُّ الشخصَ الذي نزلت بسببه ومَنْ كان حالُه كحاله، ولكن إذا كان اللفظُ أعمَّ من ذلك السبب، فقد قيل: "إنه يَقتصِرُ على سببه". والذي عليه جماهيرُ الناس أنه يجبُ الأخْذ بعموم القول، ما لم يَقُمْ دليلٌ يوجبُ القَصْرَ على السبب. وأيضًا، فإن كَوْنَه منهم حُكمٌ معلَّقٌ بلفظٍ مشتقٍّ من اللمز والأذى، وهو مناسبٌ لكونه منهم؛ فيكونُ ما منه الاشتقاقُ هو علَّةً لذلك الحكمِ، فيجب اطِّرَادُه. وأيضًا، فإن هذا القولَ مناسبٌ للنفاق؛ فإن لَمْزَ النبيِّ ﷺ وأذاه لا يفعلُه مَنْ يعتقدُ أنه رسولُ الله حقًّا، وأنه أَوْلى به من نَفْسه، وأنه لا يقولُ إلاَّ الحق، ولا يَحكمُ إلاَّ بالعدل، وأن طاعتَه طاعةٌ لله، وأنه يجبُ على جميعِ الخلق تعزِيرُه وتوقيره، وإذا كان دليلاً على النفاق نفسِهِ، فحيثما حَصَل حَصَل النفاق. * الدليل الرابع: قوله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. أقْسَمَ سبحانه بنفسهِ أنهم لا يؤمنون حتى يحكِّموه في الخصومات التي بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقًا من حكمه، بل يُسلِّموا لِحكمِهِ ظاهرًا وباطنًا. * وقال قبل ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ومَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن

стр. 2383

يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صدُودًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦١]. فبيَّن سبحانه أن مَنْ دُعي إلى التحاكمِ إلى كتاب الله وإلى رسوله، فصدَّ عن رسوله كان منافقًا. * وقال سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٤٧ - ٥١]. فبيَّن سبحانه أن مَن تولَّى عن طاعةِ الرسول وأعرض عن حُكمه فهو من المنافقين، وليس بمؤمن، وأن المؤمنَ هو الذي يقول: "سمعنا وأطعنا"؛ فإذا كان النفاقُ يَثبُتُ، ويَزولُ الإيمانُ بمجردِ الإعراضِ عن حُكمِ الرسول وإرادة التحاكمِ إلى غيره، مع أن هذا تركٌ محض، وقد يكون سببُه قوةَ الشهوة، فكيف بالتنقُّصِ والسبِّ ونحوه؟. * الدليل الخامس: ما استَدلَّ به العلماءُ على ذلك: قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسولَة لَعَنَهُمُ الله فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا (٥٧) وَالَذِينَ يُؤْذونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ [الأحزاب: ٥٧ - ٥٨] الآية.

стр. 2384

° ودلالتها من وجوه: أحدها: أنه قَرَن أذاه بأذاه، كما قَرَن طاعتَه بطاعته، فمَن آذاه فقد آذى الله تعالى، وقد جاء ذلك منصوصًا عنه، ومَن آذى اللهَ فهو كافرٌ حَلالُ الدَّمِ، يبِّينُ ذلك أن الله تعالى جَعَل محبةَ الله ورسولِه، وإرضاءَ الله ورسولهِ، وطاعةَ الله ورسوله شيئًا واحدًا. * فقال تعالى: ﴿قلْ إِن كَانَ آبَاؤكمْ وَأَبْنَاؤُكمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتكمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتموهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كسَادَهَا وَمَسَاكِن تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]. * وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] في مواضع متعددة، وقال تعالى: ﴿وَالله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. فوحَّدَ الضميرَ، وقال أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعونَ اللهَ﴾ [الفتح: ١٠]، وقال أيضًا: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]. * وجَعل شِقَاقَ اللهِ ورسولِه، ومحادَّةَ الله ورسوله، وأذى اللهِ ورسولِه، ومعصيةَ الله ورسوله شيئًا واحدًا. * فقال: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهمْ شَاقوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣]. * وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يحَادُّونَ اللهَ وَرَسولهُ﴾ [المجادلة: ٢٠]. * وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٦٣]. * وقال: ﴿وَمن يَعْصِ اللهَ وَرَسولَهُ﴾ الآية. [النساء: ١٤]، و [الأحزاب: ٣٦]، و [الجن: ٢٣].

стр. 2385

وفي هذا وغيرِه بيانٌ لتلازُم الحقَّين، وأن جهةَ حُرمةِ اللهِ ورسولِه جهةٌ واحدة؛ فمَن آذى الرسولَ فقد آذى اللهَ، ومَن أطاعه فقد أطاع الله؛ لأنَّ الأُمَّةَ لا يَصِلون ما بينهم وبين ربِّهم إلاَّ بواسطة الرسولِ، ليس لأحدٍ منهم طريقٌ غيرُه ولا سببٌ سواه، وقد أقامه اللهُ مَقَام نفسِهِ في أمره ونَهْيه وإخبارِه وبيانه، فلا يجوزُ أن يُفَرَّقَ بين الله ورسوله في شيءٍ من هذه الأمور. وثانيها: أنه فَرَّق بين أذى اللهِ ورسولِه، وبين أذى المؤمنين والمؤمنات، فجَعل هذا قد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا (١)، وجَعَل على ذلك لعنتَه في الدنيا والآخرة، وأعدَّ له العذابَ المُهين (٢) .. ومعلومٌ أن أذى المؤمنين قد يكونُ من كبائرِ الإِثم وفيه الجَلْد، وليس فوق ذلك إلاَّ الكفرُ والقتل. الثالث: أنه ذَكَر أنه لَعَنَهم في الدنيا والآخرة وأعَدَّ لهم عذابًا مهينًا، واللَّعْنُ: الإِبعادُ عن الرَّحمةِ، ومَنْ طَرَده عن رحمته في الدنيا والآخرة لا يكونُ إلاَّ كافرًا، فإنَّ المؤمن يَقرُبُ إليها بعضَ الأوقاتِ، ولا يكون مباحَ الدَّمِ؛ لأن حقْنَ الدمِ رحمةٌ عظيمة من الله؛ فلا يَثبُتُ في حقِّه. * الدليل السادس: قوله سبحانه: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كجَهْرِ بَعْضكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]. أي: حَذَرًا أن تَحْبَطَ أعمالُكم، أو خَشْيَةَ أن تحبط أعمالكم، أو كَرَاهةَ أن تحبط، أو مَنْعَ أن تحبط، هذا تقديرُ البصريين، وتقدير الكوفيين: "لِئَلاَّ تَحْبَطَ" (٣).

стр. 2386

فوَجْهُ الدلالة أن الله سبحانه نهاهم عن رفعِ أصواتِهم فوقَ صوته، وعن الجهرِ له كجهرِ بعضِهم لبعضٍ؛ لأنَّ هذا الرفعَ والجهرَ قد يُفْضي إلى حُبُوطِ العمل وصاحبُه لا يشعر؛ فإنَّه عَلَّلَ نَهْيَهم عن الجهرِ وتركَهم له بطَلَبِ سلامةِ العملِ عن الحبوط، وبَيَّن أن فيه من المَفْسَدَةِ جوازَ حبوطِ العمل وانعقادَ سبب ذلك، وما قد يُفْضِي إلى حُبوطِ العمل يجب تركُه غايةَ الوجوبِ، والعملُ يَحْبَطُ بالكفر. * قال سبحانه: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَاُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]. * وقال تعالى: ﴿وَمَن يَكْفرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُةُ﴾ [المائدة:٥]. * وقال: ﴿وَلَوْ أَشْرَكوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]. * وقال: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]. * وقال: ﴿ذَلِكَ بِاَنَّهمْ كرِهُوا مَا أَنزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩]. * وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهم اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكرِهوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨]. * كما أن الكفر إذا قَارَنه عمل، لم يُقْبل؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. * وقوله: ﴿الَّذِينَ كفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ١].

стр. 2387

* وقوله: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤]. وهذا ظاهرٌ، ولا تَحْبطُ الأعمالُ بغير الكفر؛ لأن مَنْ مات على الإيمان، فإنَّه لاُبدَّ أن يدخلَ الجنةَ ويخرجَ من النار إنْ دَخَلَها، ولو حَبِطَ عملُه كلُّه لم يدخلِ الجنةَ قط، ولأن الأعمالَ إنما لُحْبِطها ما ينافيها، ولا يُنافي الأعمالَ مطلقًا إلا الكفرُ، وهذا معروف من أصول أهل السنة. * نعم قد يَبطُلُ بعضُ الأعمال بوجودِ ما يفسده، كما قال تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، ولهذا لم يُحبِطِ اللهُ الأعمالَ في كتابه إلاَّ بالكفر. فإذا ثَبَتَ أن رَفْعَ الصوتِ فوقَ صوتِ النبيِّ والجَهْرَ له بالقول يُخافُ منه أن يكفرَ صاحبُه وهو لا يشعر ويَحْبَطَ عَمَلُه بذلك، وأنه مَظِنَّةٌ لذلك وسببٌ فيه؛ فمِن المعلوم أن ذلك لِمَا ينبغي له ﷺ من التعزيرِ والتوقيرِ والتشريفِ والتعظيمِ والإكْرامِ والإجْلال. * الدليل السابع: قولُه سبحانه: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. أَمَرَ مَن خالف أمرَه أن يحذَرَ الفتنةَ، والفتنة: الردَّةُ والكفر (١).

стр. 2388

* قال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]. * وقال: ﴿وَالْفِتْنَة أَكبَر مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. * وقال: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ علَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾ [الأحزاب: ١٤]. * وقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فتِنوا﴾ [النحل: ١١٠]. ° قال الإمامُ أحمد في روايةِ الفضلِ بن زياد: "نظرتُ في المصحف فوجدتُ طاعَةَ الرسول ﷺ في ثلاثةٍ وثلاثين موضعًا"، ثم جعل يتلو: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣] الآية. * وجعل يُكرِّرها ويقول: "وما الفتنة؟ الشرك، لعلَّه إذا ردَّ بعضَ قولِه أن يَقَعَ في قلبه شيء من الزيغ فيزيغَ قلبُه فيُهلِكَه"، وجعل يتلو هذه الآية: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يؤْمِنُونَ حَتَّى يحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]. ° وقال أبو طالب المُشْكَاني -وقيل له: "إن قدمًا يَدَّعون الحديثَ ويذهبون إلى رأيِ سفيانَ وغيره فقال: أعْجَبُ لقومٍ سمعوا الحديثَ وعرفوا الإسنادَ وصحته، يَدَعُونَهُ ويذهبون إلى رأيِ سفيانَ وغيره! قال الله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَذِينَ يخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِه أَن تصيبَهُمْ فتْنَةٌ أَوْ يُصيبَهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ﴾ [النور: ٦٣]، وتدري ما الفتنة؟ الكفر، قَال الله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكبر مِن

стр. 2389

الْقَتْلِ﴾، فَيَدَعُونَ الحديث عن رسول الله ﷺ ، وتَغلِبُهم أهواؤهم إلى الرأي". فإذا كان المخالِفُ عن أمره قد حُذِّر من الكفرِ والشرك، أو من العذابِ الأليم، دلَّ على أنه قد يكونُ مفضِيًا إلى الكفر أو إلى العذاب الأليم، ومعلومٌ أن إفضاءَه إلى العذاب هو مُجَرَّدُ فعل المعصية، فإفضاؤه إلى الكفر إنما هو لِمَا قد يَقترنُ به من استخفافٍ بحقِّ الآمر، كما فَعَلَ إبليس، فكيف بما هو أغلظُ مِن ذلك كالسبِّ والانتقاصِ ونحوه؟. وهذا بابٌ واسع، مع أنه بحمدِ الله مُجْمَع عليه، لكن إذا تَعدَّدَتِ الدلالاتُ تعاضَدَتْ على غِلَظِ كُفرِ السابِّ وعِظَمِ عقوبته، وظَهَر أنَّ تركَ الاحترام للرسول وسُوءَ الأدبِ معه مما يُخاف معه الكفرُ المُحبِطُ، كان ذلك أبْلَغَ فيما قصدنا له. ومما ينبغي أن يُتَفَطَنَ له أن لفظ "الأذى" في اللُّغة هو لِمَا خفَّ أمرُه وضعف أثرُه من الشرِّ والمكروه -ذَكَره الخطَّابي وغيره-، وهو كما قال (١)، فإن استقراء موارده يدلُّ على ذلك. فعُلِم أن قليلَ ما يُؤذيه يكَفَّر به صاحبُه ويُحِلُّ دَمَه. * الدليل الثامن: أن الله سبحانه قال: ﴿وَمَا كانَ لَكُمْ أَن تؤْذوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَه مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكمْ كَانَ عِندَ اللهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]. فحَرَّم على الأُمَّةِ أن تَنكِحَ أزواجَه من بعده؛ لأنَّ ذلك يُؤْذيه، وجَعَله

стр. 2390

عظيماً عند الله تعظيمًا لحرمته، وقد ذُكر أن هذه الآية نزلَتْ لَمَّا قال بعضُ الناس: "لو قد تُوُفِّي رسولُ الله ﷺ تَزوَّجتُ عائشة". ثم إنْ مَنْ نكح أزواجَه أو سَرَاريه، فإن عقوبتَه القتلُ، جزاءً له بما انتهك من حرمته، فالشاتِمُ له أولى. والدليل على ذلك ما رَوَىَ مسلم في "صحيحه" عن زُهَيْر، عن عَفَّان (١)، عن حَمَّاد، عن ثابتٍ، عن أنس أن رجلاً كان يُتَّهَمُ بأمِّ ولدِ النبيِّ ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ لعليٍّ: "اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَه"، فأتاه عليٌّ فإذا هو في رَكِيٍّ (٢) يتبرَّدُ، فقال له عليٌّ: اخرُجْ .. فناوَلَه يَدَه، فأخرجه، فإذا هو، مَجْبُوبٌ ليس له ذَكَر، فكفَّ علي، ثم أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله، إنه لمجبوبٌ، ما له ذَكَر". فهذا الرجلُ أمَرَ النبي ﷺ بضربِ عُنقِه لِمَا قد استحلَّ من حُرمته، ولم يأمرْ بإقامةِ حدِّ الزنى، لأنَّ حدَّ الزنى ليس هو ضربَ الرقبة، بل إن كان مُحْصَنًا رُجِمَ، وإن كان غيرَ محصن جُلد، ولا يقامُ عليه الحدُّ إلاَّ بأربعةِ شهداءَ، أو بالإقرارِ المعتبر، فلمَّا أمر النبيُّ ﷺ بضربِ عُنقه من غيرِ تفصيلٍ بَيْنَ أن يكون مُحصَنًا أو غيرَ محصن، غلم أن قتلَه لِمَا انتَهَكه من حُرمته، ولعله قد شَهِد عنده شاهدان أنهما رَأيَاه يباشِرُ هذه المرأة، أو شَهِدا بنحو ذلك، فأمر بقتله، فلما تبيَّن أنه كان مَجْبُوبًا، عَلم أن المفسدةَ مأمونةٌ منه.

стр. 2391

° ويدلُّ على ذلك أن النبيَّ ﷺ تزوَّجَ قَيْلَةَ بنتَ قَيْسِ بنِ مَعْدِي كرب -أختَ الأشعث-، ومات قبلَ أن يَدْخُل بها، وقبل أن تَقْدَمَ عليه (١)، وقيل: إنه خَيَّرها بين أن يضربَ عليها الحجابَ وتَحرُمَ على المؤمنين، وبين أن يُطَلقها فتنكحَ مَنْ شاءت، فاختارت النكاحِ، قالوا: فلما مات النبي ﷺ تزوَّجها عِكْرِمةُ بنُ أبي جَهْل بحَضْرَمَوْت، فبلغ أبا بكر، فقال: "لقد هممتُ أن أحرقَ عليهما بيتَهما"، فقال عمرُ: "ما هي مِن أمهات المؤمنين، ولا دَخَل بها، ولا ضَرَبَ عليها الحجاب". وقيل: إنها ارتَدَّتْ. فاحتجَّ عمرُ على أبي بكر أنها ليست من أزواجِ النبي ﷺ بارتدادها (٢). ° فوجهُ الدلالة: أن الصدِّيق ﵁ عَزَم على تحريقها وتحريقِ مَنْ

стр. 2392

تزوجها، لِمَا رأى أنها مِن أزواج النبي ﷺ ، حتى ناظَرَه عمرُ أنها ليست من أزواجه، فكفَّ عنهما لذلك، فعُلم أنهم كانوا يَرَوْنَ قَتْلَ مَنِ استَحلَّ حُرمةَ رسولِ الله ﷺ . ° ولا يقال: "إن ذلك حدُّ الزنى؛ لأنَّها كانت تكونُ محرمةً عليه، ومَنْ تَزَوَّجَ ذاتَ مَحْرمٍ حُدَّ حَدَّ الزنى أو قُتل"؛ لوجهين: أحدهما: أن حَدَّ الزنى الرجْمُ. الثاني: أن ذلك الحدَّ يفتقر إلى ثبوت الوطْءِ ببيِّنةٍ أو إقرار، فلمَّا أراد تحريقَ البيتِ مع جوازِ ألاَّ يكونَ غَشِيَها، علم أن ذلك عقوبةٌ لِمَا انتَهكه من حُرمةِ رسول الله ﷺ . * الأدلة من السُّنَّة: الحديث الأول: ما رواه الشَّعْبيُّ عن عليٍّ: "أن يهوديةً كانت تَشْتُم النبي ﷺ وتَقَعُ فيه، فخَنَقها رجلٌ حتى ماتت، فأَبْطَل (١) رسولُ الله- ﷺ دمها". هكذا رواه أبو داود في "سُنَنه" (٢)، وابنُ بَطَّة في "سننه"، وهو من جُملة ما استدلَّ به الإمامُ أحمدُ في روايةِ ابنه عبد الله، وقال: ثنا جرير عن مغيرة، عن الشَّعبيِّ قال: كان رجلٌ من المسلمين -أعني: أعمى- يأوِي إلى امرأةٍ يهودية، فكانت تُطْعِمُه وتُحسِنُ إليه، فكانت لا تزالُ تَشتمُ النبيَّ ﷺ

стр. 2393

وتؤذيه، فلما كان ليلةٌ من الليالي خَنَقَهَا فماتت، فلمَّا أصبح ذُكِرَ ذلك للنبي ﷺ ، فَنَشَدَ الناسَ في أمرها، فقام الأعمى، فذَكَر له أمرها، فأبطَلَ رسولُ الله ﷺ دَمَها (١). وهذا الحديث نَصٌّ في جواز قتلِها لأجل شَتمِ النبيِّ ﷺ ، ودليلٌ على قَتلِ الرجلِ الذِّمّيِّ وقتلِ المسلمِ والمسلمةِ إذا سبَّا بطريق الأَوْلى؛ لأن هذه المرأة كانت مُوَادِعةً مُهَادِنة؛ لأن النبيَّ ﷺ -لَمَّا قَدِمَ المدينةَ وَادعَ جميعَ اليهود الذين كانوا بها مُوَادَعةً مطلقةً، ولم يَضرِبْ عليهم جِزْيَةً، وهذا مشهورٌ عند أهلِ العلم -بمنزِلةِ المتواتر بينهم-، حتى قال الشافعي: "لم أعلَمْ مخالفًا من أهل العلم بالسَّيَرِ أن رسولَ الله ﷺ لمَّا نَزَل المدينة وادعَ يهودَ كافةً على غيرِ جزية" (٢). الحديث الثاني: عن عِكْرِمةَ، عن ابن عباسٍ ﵄: "أن أعْمى كانت له أمُّ ولدٍ تَشْتُم النبي ﷺ وتَقَعُ فيه، فَينْهَاها فلا تَنْتَهِي، ويزجُرُها فلا تنزجر، فلما كان ذات ليلةٍ جَعَلَتْ تقعُ في النبي ﷺ وتشتُمه؛ فأخَذَ المِغْول (٣) فوضَعَه في بطنها واتَّكَأَ عليها فقتلها، فلما أصبَحَ ذُكِرَ ذلك للنبي

стр. 2394

- ﷺ ، فجَمَع الناسَ فقال: "أنْشُدُ اللهَ رَجُلاً فَعَلَ ما فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إلاَّ قَامَ"، فقام الأعمَى يتخطَّى الناسَ وهو يَتدلدلُ (١) حتى قَعَدَ بين يَدَي النبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أنا صَاحِبُها، كانت تشتمُك وتَقَعُ فيك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجُرُها فلا تَنزَجر، ولي منها ابْنَانِ مِثْلُ اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقةً، فلما كان البارحةُ جَعلت تشتُمُك وتقعُ فيك، فأخذتُ المِغْول، فوضعتُه في بطنها واتَّكَأتُ عليه حتى قَتلتُها، فقال النبي ﷺ : "ألَا اشْهَدُوا أنَّ دَمَها هَدَرٌ" (٢). فهذه القصةُ يمكنُ أن تكون هي الأُولى، وعليه يدلُّ كلامُ الإِمام أحمد؛ لأنه قيل له في رواية عبد الله: "في قتل الذمي إذا سَبَّ أحاديث؟ قال: نعم، منها حديثُ الأعْمى الذي قَتل المرأة، قال: سَمِعْتُهَا تَشْتمُ النبيَّ ﷺ ". ثم روى عنه عبدُ الله كلا الحديثين، ويكون قد خَنَقَها وبَعَجَ بَطْنَهَا

стр. 2395

بالمِغْول، أو يكون كيفيةُ القتل غيرَ محفوظة في إحدى الروايتين. ويؤيدُ ذلك أن وقوع قِصَّتين مثلِ هذه لأعْمَيَيْنِ كلُّ منهما كانت المرأة تُحسِنُ إليه وتُكَرِّر الشتم، وكلاهما قَتَلها وحده، وكلاهما نَشَدَ رسولُ الله ﷺ فيها الناسَ، بعيدٌ في العادة، وعلى هذا التقدير فالمقتولَةُ يهودية كما جاء مُفَسَّرًا في تلك الرواية، وهذا قولُ القاضي أبي يَعْلَى وغيره، استدلُّوا بهذا الحديث على قتل الذمِّي ونَقْضِه العهدَ، وجعلوا الحديثين حكايةَ واقعةٍ واحدةٍ. ويمكن أن تكون هذه القصَّةُ غيرَ تلك. الحديث الثالث: ما احتَج به الشافعي على أن الذميَّ إذا سبَّ قُتِل وبَرِئت منه الذمة، وهو قصَّةُ كعبِ بن الأشْرَفِ اليهوديِّ. ° قال الخَطَّابيُّ: قال الشافعيُّ: "يُقتل الذميُّ إذا سَبَّ النبيَّ ﷺ ، وتبرأُ منه الذمَّة"، واحتَج في ذلك بخبرِ كعبِ بنِ الأشرَفِ، وقد مَرَّ حديثُه. والاستدلالُ بقتل كعب بن الأشرف من وجهين: أحدهما: أنه كان مُعاهَدًا مُهَادَنًا، وهذا لا خلافَ فيه بين أهل العلم بالمغازي والسير، وهو عندهم من العلمِ العامِّ الذي يُستغنى فيه عن نقل الخاصة. ثم إن النبي ﷺ ، جَعَل كعبَ بنَ الأشرف ناقضًا للعهد بهجائِه وأذاه بِلِسانه خاصة، والدليل على أنه إنما نَقَض العهدَ بذلك أن النبي ﷺ قال "مَن لِكعبِ بن الأشرف، فإنه قد آذَى اللهَ ورسولَه". وقوله ﷺ :"لو قَرَّ كما قَرَّ غيرُه مِمَّنْ هو على مثْلِ رأيه ما اغتِيل، ولَكِنَّه نال مِنَّا الأذى وهَجَانا بالشِّعْر، ولَم يَفْعَلْ هذا أحدٌ مِنكم إلاَّ كَان

стр. 2396

السيفُ"، نصٌّ أنه إنما انتُقض عهدُ ابن الأشرف بالهجاء ونحوه، وأنَّ من فعل هذا من المعاهَدين فقد استحقَّ السيف. الوجه الثاني: من الاستدلال به: أن النَّفَرَ الخمسة الذين قَتَلوه من المسلمين: محمد بن مَسْلمة، وأبا نائِلة، وعَبَّادَ بن بِشر، والحارثَ بنَ أوس، وأبا عَبْسٍ بن جَبْر، قد أذنَ لهم النبيُّ ﷺ أن يغتالوه ويَخْدعُوه بكلامٍ يُظْهرُون به أنهم قد أَمَّنوه ووافقوه، ثم يقتلوه، ومن المعلوم أن مَن أظهَرَ لكافرٍ أمانًا لم يَجُزْ قَتلُه بعد ذلك لأجلِ الكفر، بل لو اعتَقد الكافرُ الحربيُّ أن المسلمَ آمَنَه وكَلَّمه على ذلك صار مستأمَنًا. • قال النبي ﷺ فيما رواه عنه عَمرُو بنُ الحَمِق: "مَنْ آمنَ رَجُلاً عَلَى دَمِهِ وَمَالِهِ ثُمَ قَتَلَهُ، فَأنَا مِنهُ بَرِيءٌ، وإنْ كَانَ المَقْتُولُ كَافِرًا" (١). • وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "الإيْمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ (٢)، لا يَفْتِكُ

стр. 2397

مُؤمِن" (١). وقد زَعم الخَطَّابي (٢) أنهم إنما فَتكوا به؛ لأنَّه كان قد خَلَع الأمان، ونَقَض العهدَ قبل هذا، وزَعَم أن مِثلَ هذا جائزٌ في الكافرِ الذي لا عَهدَ له كما جاز البَياتُ والإغارة عليهم في أوقات الغِرَّة. لكن يقال: هذا الكلام الذي كَلَّموه به صار مستأمنًا، وأدنى أحواله أن يكون له شُبهةُ أمان، ومِثلُ ذلك لا يجوزُ قتلُه بمجردِ الكفر؛ فإن الأمانَ يَعصِمُ دمَ الحربي ويصيرُ مستأمَنًا بأقلَّ من هذا -كما هو معروف في مواضعه (٣) -، وإنما قتلوه لأجل هجائِه وأذاه للهِ ورسوله، ومَن حَلَّ قتلُه بهذا الوجه لم يُعصَمْ دمُه بأمانٍ ولا بعهدٍ كما لو آمَنَ المسلمُ مَنْ وجب قتلُه لأجل قطع الطريق ومحاربةِ الله ورسوله والسعيِ في الأرض بالفسادِ الموجِبِ

стр. 2398

للقتل، أو آمن مَنْ وجب قتلُه لأجل زِناه، أو آمن مَنْ وجب قتلُه لأجل الرِّدة، أو لأجلِ تركِ أركانِ الإسلام ونحو ذلك، ولا يجوزُ أن يَعقِدَ له عَقدَ عهدٍ، سواءٌ كان عقدَ أمانٍ، أو عَقْدَ هُدنةٍ، أو عَقْدَ ذِمة؛ لأنَّ قتلَه حدٌّ من الحدود، وليس قتلُه لمجردِ كونهِ كافرًا حربيًّا كما سيأتي، وأمَّا الإغارةُ والبياتُ فليس هناك قولٌ أو فعلٌ صاروا به آمنين، ولا اعتَقدوا أنهم قد أُمِنوا، بخلافِ قصةِ كعبِ بنِ الأشرف. فثَبَت أن أذى اللهِ ورسولهِ بالهجاء ونحوِه لا يُحْقَنُ معه الدمُ بالأمان، فلأَن لا يُحْقَنَ معه بالذمةِ المؤَبَّدة والهدنةِ المؤقتةِ بطريقِ الأولى، فإن الأمانَ يجوزُ عقدُه لكلِّ كافر، ويَعقِدُه كلُّ مسلم، ولا يُشترطُ على المستأمَن شيءٌ من الشروط، والذمةُ لا يَعقِدُها إلاَّ الإمامُ، أو نائبُه، ولا تُعقَدُ إلاَّ بشروطٍ كثيرةٍ تُشترطُ على أهل الذمة: مِن التزامِ الصَّغَارِ ونحوه، وقد كان عَرَضَتْ لبعضِ السفهاء شُبْهَةٌ في قتلِ ابنِ الأشرف؛ فظن أن دمَ مثلِ هذا يُعصَمُ بذمةٍ متقدِّمةٍ، أو بظاهرِ أمان، وذلك نظيرُ الشُّبهةِ التي عَرَضت لبعضِ الفقهاء، حتى ظنَّ أن العهدَ لا يُنتقض بذلك، فروى ابنُ وهب: أخبَرَني سفيانُ بنُ عُيَينة عن عُمرَ بنِ سعيد -أخي سفيانَ بنِ سعيدٍ الثوريِّ-، عن أبيه، عن عَبايةَ قال: ذُكر قتلُ ابنِ الأشرف عند معاوية، فقال ابنُ يامين: كان قَتلُه غدرًا، فقال محمدُ بنُ مَسْلَمة: يا معاوية، أيُغَدَّرُ عندك رسولُ الله ﷺ ثم لا تُنكِر؟ واللهِ لا يُظِلُّني وإياك سقفُ بيت أبدًا، ولا يخلو لي دمُ هذا إلاَّ قتلتُه" (١).

стр. 2399

° وقال الواقدي (١):"حدثني إبراهيمُ بنُ جعفر، عن أبيه قال: قال مَرْوانُ بنُ الحكم -وهو على المدينة وعنده ابنُ يامين النَّضيري-: كيف كان قتلُ ابن الأشرف؟ قال ابنُ يامين: كان غَدْرًا -ومحمدُ بنُ مسلمةَ جالس شيخٌ كبير-، فقال: يا مروان، أَيُغَدَّر رسول الله ﷺ -عندك؟ واللهِ ما قتلْناه إلاَّ بأمرِ رسولِ الله ﷺ ، واللهِ لا يؤويني وإياك سقفُ بيتٍ إلاَّ المسجد، وأما أنت يا ابنَ يامين، فللَّهِ عَليَّ، إن أفلتَّ، وقَدَرْتُ عليك وفي يدي سيفٌ، إلاَّ ضربتُ به رأسك. فكان ابنُ يامين لا ينزلُ من بني قريظة حتى يبعثَ له رسولاً ينظرُ محمدَ بنَ مسلمة، فإن كان في بعضِ ضِياعِه نزل فقضى حاجته ثم صَدَر، وإلاَّ لم ينزل، فبينا محمدٌ في جنازةٍ وابنُ يامين بالبقيع، فرأى محمدٌ نعشًا عليه جرائدُ رطبةٌ لامرأة، فجاء فحلَّه، فقام إليه الناس، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن ما تصنع؟ نحن نكفيك، فقام إليه، فلم يَزَلْ يضربه بها جريدةً جريدةً حتى كَسَّر ذلك الجريدَ على وجهه ورأسه حتى لم يترك به مَصَحًّا (٢)، ثم أرسله ولا طَباخَ (٣) به، ثم قال: واللهِ لو قدرتُ على السيفِ لضربتُك به". الحديث الرابع: ° عن أبي بَرْزَةَ قال: أغلَظَ رجلٌ لأبي بكر الصديق ﵁، فقلت:

стр. 2400

أقتُلُه؟ فانتهرني وقال: "ليس هذا لأحدٍ بعدَ رسولِ الله ﷺ " (١). ° ورواه أبو داود في "سننه" بإسنادٍ صحيحٍ عن عبد الله بن مُطَرِّف عن أبي برزة قال: "كنتُ عند أبي بكر ﵁، فتغيَّظ على رجل، فاشتدَّ عليه، فقلت: تأذنُ لي يا خليفةَ رسول الله أضربُ عُنقَه. قال: فأذهَبتْ كَلمتي غَضَبَه، فقام فدخل، فأرسل إليَّ فقال: ما الذي قُلْتَ آنفًا؟ قلت: تأذَنُ لي أضْرِبُ عنقه، قال: أكنتَ فاعلاً لو أمرتُك؟ قلت: نعم، قال: لا، واللهِ ما كانت لبشرٍ بعدَ رسول الله ﷺ " (٢). ° قال أبو داود في "مسائله" (٣): "سمعت أبا عبد الله يُسْأل عن حديث أبي بكر "ما كانت لأحدٍ بعد رسولِ الله ﷺ "، فقال: "لم يكن

стр. 2401

لأبي بكر أن يقتلَ رجلاً إلاَّ بإحدى ثلاثٍ -وفي رواية: بإحدى الثلاث التي قالها رسول الله ﷺ : كفرٌ بعد إيمان، وزِنًى بعد إحصان، وقتلُ نفسٍ بغير نفس، والنبي- ﷺ كان له أن يَقتل". وقد استَدلَّ به على جواز قتلِ سابِّ النبي ﷺ جماعاتٌ من العلماء، منهم أبو داود، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، وأبو بكر عبد العزيز، والقاضي أبو يَعْلى وغيرُهم من العلماء، وذلك لأن أبا برزةَ لَمَّا رأى الرجل قد شَتَم أبا بكر وأغلَظَ له حتى تغيَّظَ أبو بكر، استأذنه في أن يقتلَه لذلك، وأخبره أنه لو أمره لَقَتَلَه، فقال أبو بكر: "ليس هذا لأحدٍ بعد النبي ﷺ ". فعُلمِ أن النبي ﷺ كان له أن يقتلَ مَن سَبَّه ومَن أغلَظَ له، وأن له أن يأمرَ بقتلِ مَنْ لا يَعلمُ الناسُ منه سببًا يُبيحُ دمَه، وعلى الناس أن يُطيعوه في ذلك؛ لأنَّه لا يأمرُ إلاَّ بما أَمَر اللهُ به، ولا يأمرُ بمعصيةِ الله قط، بل مَن أطاعه فقد أطاع الله. ° فقد تضمن الحديثُ خَصِيصَتَيْنِ لرسول الله ﷺ : إحداهما: أنه يُطاعُ في كلِّ مَن أَمر بقتله. والثانية: أنَّ له أَن يَقْتُل مَن شَتَمه وأغلظ له. وهذا المعنى الثاني الذي كان له باقٍ في حقِّه بعد موته؛ فكلُّ من شَتَمه، أو أغلَظَ في حقِّه، كان قَتْلُه جائزًا، بل ذلك بعد موته أَوْكَدُ وَأَوْكَد؛ لأنَّ حُرْمَتَه بعد موته أكملُ، والتساهلَ في عِرْضِه بعد موته غير ممكن. وهذا الحديث يُفيدُ أن سبَّه في الجُملةِ يُبيحُ القتل، ويُستدلُّ بعمومه على قتل الكافر والمسلم.

стр. 2402

الحديث الخامس: قِصَّةُ العَصْماءِ بنتِ مروان. • ما رُوي عن ابن عباس ﵄ قال: هَجَتِ امرأةٌ من خَطْمَةَ النبيَّ ﷺ ، فقال: "مَنْ لِي بِهَا؟ ". فقال رجل من قومها: أنا يا رسول الله، فنَهَض فقتلها، فأخبَرَ النبي ﷺ ، فقال: "لَا يَنْتَطِحُ فِيْهَا عَنْزَانِ" (١). وقد ذكر بعضُ أصحابِ المغازي وغيرُهم قصتَها مبسوطة. ° قال الواقديُّ (٢): "حدَّثني عبد الله بن الحارثِ بنِ الفضيل، عن أبيه أن عَصْماءَ بنت مَرْوانَ من بني أمية بن زيدِ كانت تحتَ يزيدَ بن زيدِ بن حِصْن الخَطْمِيِّ، وكانت تؤذي النبي ﷺ ، وتَعيبُ الإسلام وتُحرِّضُ على النبي ﷺ ، وقالت شعرًا: فَبِإسْتِ بني مَالكٍ والنَّبِيتِ … وَعَوفٍ، وبإسْتِ بَني الخزرجِ أطعتم أَتَاوِيَّ (٣) مِنْ غَيرِكُم … فَلَا مِنْ مُرَادٍ ولا مَذحِجِ تُرَجُّونَهُ بعد قَتلِ الرؤوسِ … كما يُرتَجَى مرَقُ المُنْضَجِ

стр. 2403

° قال عُمَيْر بن عَدِيٍّ الخَطْميُّ حين بَلَغه قولُها وتحريضها: اللهم إن لك عليَّ نذرًا لئن رَددتَ رسولَ الله ﷺ إلى المدينة لأقتلنَّها- ورسولُ الله ﷺ يومئذٍ ببدر-، فلما رَجَع النبيُّ ﷺ من بدرٍ جاءها عُمَير بن عديٍّ في جوفِ الليل حتى دخل عليها في بيتها وحولَها نفرٌ من ولدِها نيام منهم مَن تُرضِعُه في صدرها، فجَسَّها بيده، فوجد الصبيَّ تُرضِعُه، فنحَّاه عنها، ثم وضع سيفه على صَدرِها حتى أنفذه مِن ظَهرِها، ثم خرج حتى صلَّى الصبحَ مع النبي ﷺ ، فلما انصرف النبيُّ ﷺ نظر إلى عمير فقال: "أقتلتَ بنت مروان؟ " قال: نعم، بأبي أنت يا رسول الله، وخَشِي عُمير أن يكونَ افتأتَ (١) على رسولِ الله ﷺ بقتلها، فقال: هل عَلَيَّ في ذلك شيءٌ يا رسول الله؟ قال: "لا يَنْتَطِحُ فيْهَا عَنْزَانِ"؛ فإن أولَ ما سُمِعت هذه الكلمة من النبي ﷺ ، قال عمير: فاَلتفتَ النبي ﷺ إلى مَنْ حوله فقال:" إذَا أحْبَبْتُم أَنْ تَنْظُرُوا إلى رَجُلٍ نَصَرَ اللهَ وَرَسُولَهُ بِالغَيْبِ، فَانْظُرُوا إلَى عُمَيْر بنِ عَدِيٍّ"، فقال عمرُ بن الخطاب: انظروا إلى هذا الأَعمى الذي تسرَّى (٢) في طاعةِ الله، فقال: "لا تَقُل الأعمى، ولكنه البصير". فلما رجع عميرٌ من عندِ رسول الله ﷺ ، وجد بنيها في جماعةٍ يدفنونها، فأقبلوا إليه حين رأوه مقبلاً من المدينة، فقالوا: يا عميرُ، أنت

стр. 2404

قتلتَها؟ فقال: نعم، فكيدوني جميعًا ثم لا تُنْظِرُون، فوالذي نفسي بيده لو قلتم بأجمعكم ما قالت، لَضربتُكم بسيفي هذا حتى أموتَ أو أقتلَكم، فيومئذٍ ظهر الإسلامُ في بني خَطْمة، وكان منهم رِجالٌ يَسْتَخْفُون بالإسلام خوفًا من قومهم. ° قال "أنشدنا عبد الله بن الحارث: بَني وَائلٍ وَبَنِي وَاقفٍ … وَخَطمَة دُوْنَ بَنِي الخَزْرَجِ مَتَى ما دَعَتْ أُخْتُكُمْ وَيْحَهَا … بِعَوْلَتِهَا (١) والمنَايَا تَجِي فَهَزَّتْ فَتًى مَاجِدًا عِرْقُهُ … كرِيْم المداخلِ وَالمَخْرَجِ فَضَرَّجَهَا (٢) مِنْ نَجِيع الدِّمَا … قُبَيْلَ الصَّبَاحِ وَلَمْ تَخرُجِ فَأوْرَدَكَ اللهُ بَرْدَ الجِنَا … نِ جَذْلَان في نِعْمَةِ المَوْلِجِ ° قال عبدُ الله بن الحارث عن أبيه: وكان قتلُها لخمسِ ليالٍ بَقِينَ من رمضان مَرجعَ النبي ﷺ من بدر". وإنما سقنا القصةَ من رواية أهل المغازي -مع ما في الواقدي من الضعف- لشهرةِ هذه القصة عندهم، مع أنه لا يَختلفُ اثنانِ أن الواقدي من أعلمِ الناس بتفاصيلِ أمور المغازي، وأخبَرِ الناسِ بأحوالها، وقد كان الشافعي وأحمدُ وغيرهما يستفيدون عِلْمَ ذلك من كتبه، نعم هذا الباب يَدخلُه خَلْطُ الروايات بعضِها ببعض، حتى يظهرَ أنه سمع مجموعَ القصة

стр. 2405

من شيوخه، وإنما سمع من كلِّ واحدٍ بعضها، ولم يميزه، ويدخله أخذ ذلك من الحديثِ المرسل والمقطوع، وربما حَدَّثَ الراوي ببعضِ الأمور لقرائن استفادها من عدَّةِ جهات، ويُكثِرُ من ذلك إكثارًا، فيُنْسَبُ لأجله إلى المجازفة في الرواية وعدم الضبط، فلم يمكن الاحتجاجُ بما ينفرد به، فأما الاستشهادُ بحديثِه والاعتضادُ به، فمما لا يمكنُ المنازعة فيه، لا سيما في قصةٍ تامةٍ يُخبِرُ فيها باسمِ القاتل والمقتول وصورة الحال؛ فإنَّ الرجل وأمثالَه أفضلُ من أن يقعوا في مثلِ هذا في كذبٍ ووضع، على أنَّا لم نُثبت قَتْلَ السابِّ بمجرد هذا الحديث، وإنما ذكرناه للتقويةِ والتوكيد، وهذا يحصلُ ممن هو دُونَ الواقدي. * ووجه الدلالة: أن هذه المرأةَ لم تُقتلْ إلاَّ لمجردِ أذى النبي ﷺ وهَجْوه، وهذا بَيِّنٌ في قول ابن عباس ﵄: "هَجَتِ امرأةٌ مِنْ خَطْمةَ النبيَّ ﷺ فقال: "من لي بها؟ "، فعُلِم أنه إنما نَدَبَ إليها لأجل هَجْوِها. وكذلك في الحديث الآخر: "فقال عميرٌ حين بَلَغَهُ قولُها وتحريضُها: اللهم إن لك عليَّ نَذْرا لئن رددتَ رسولَ الله ﷺ إلى المدينة لأقتلنها". وفي الحديثِ لَمَّا قال له قومه: "أنت قتلتَها؟ فقال: نعم، فكيدوني جميعًا ثم لا تُنْظِرون، فوالذي نفسي بيده لو قُلتم جميعًا ما قالت لضربتُكم بسيفي حتى أموتَ أو أقتلَكم"، فهذه مقدمة. ومقدمةٌ أخرى، وهو أن شِعرَها ليس فيه تحريضٌ على قتالِ النبي ﷺ حتى يقال: التحريضُ على القتال قتال، وإنما فيه تحريضٌ على تركِ دينهِ وذَمٌّ له ولمن اتَّبعه، وأقصى غايةِ ذلك أن لا يدخلَ في الإسلام مَن لم يكن دَخَل، أو أن يخرجَ عنه مَن دخل فيه، وهذا شأنُ كلِّ ساب.

стр. 2406

وكذلك ندْبُ النبي ﷺ الناس إلى قتْلها. الحديث السادس: قصة أبي عَفَك اليهودي (١). وقد مرَّ ذكرها. الحديث السابع: حديث أنس بن زُنَيْم الدِّيلي. وهو مشهور عند أهل السير، ذكره ابنُ إسحاقَ والواقديُّ وغيرهما. ° قال الواقدي (٢): حدثني عبدُ الله بنُ عمرِو بنِ زُهير، عن مِحجنِ ابنِ وهب قال: كان آخِرُ ما كان بين خزاعةَ وبين كِنانةَ أن أنسَ بنَ زُنيم الدِّيليَّ هجا رسولَ الله ﷺ ، فسمعه غلامٌ من خزاعة، فوقع به، فشَجَّه، فخرج إلى قومه فأراهم شَجَّته، فثار الشرُّ مع ما كان بينهم وما تَطلُبُ بنو بكر من خُزَاعة من دمائها. ° قال الواقدي (٣): "حدثني حِزامُ بنُ هشامِ بنِ خالدٍ الكعبيُّ، عن أبيه قال: وخَرَج عمرُو بن سالم الخُزاعيُّ في أربعين راكبًا من خُزَاعَةَ يستنصرون رسولَ اللَّه ﷺ ، ويخبرونه بالذي أصابهم" -وذكر قصةً فيها إنشاد القصيدة التي أولها-: اللهم إني ناشدٌ محمدًا ............... قال: "فلما فرغ الرَّكْبُ قالوا: يا رسول الله، إن أنس بن زُنَيْم الدِّيلي

стр. 2407

قد هجاك، فنَدَر (١) رسولُ الله ﷺ دَمَه، فبلغ ذلك أنسَ بنَ زُنَيْم، فقَدِم معتذرًا إلى رسول الله ﷺ مما بَلَغه عنه، فقال: أنْتَ الَّذِي تُهْدَى مَعَدٌّ بِأمْرِهِ … بَلِ الله يَهْدِيْها، وَقَالَ لَكَ اشْهَدِ فَما حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ رَحْلِهَا … أبَرَّ وَأوْفَى ذِمَّةً مِنْ مُحَمَّدِ تَعَلَّمْ رَسُوْلَ اللهِ أَنَّكَ مُدْرِكِي … وَأنَّ وَعِيْدًا مِنْكَ كَالأخْذِ بِاليَدِ ° وفيها: تَعَلَّمْ رَسُوْلَ اللهِ أنَّكَ قَادِرٌ … عَلىَ كُلِّ سَكْنٍ (٢) مِنْ تِهَامٍ وَمُنْجِدِ وَنُبِّي رَسُوْلُ الله أَنِّي هَجَوْتُهُ … فَلَا رَفَعَت سَوْطِي إليَّ إذًا يَدِي سِوَى أنَّني قَدْ قُلتُ يَا وَيْحَ فِتْيةٍ … أُصيْبُوا بَنَحْسٍ يَوْمَ طَلْقٍ (٣) وَأسْعُدِ ° ويقول فيها: فإنِّي لَا عِرْضًا خَرَقْتُ وَلَا دَمًا … هَرَقْتُ فَفَكِّر عَالِمَ الحَقِّ وَاقْصِدِ ° قال الواقدي (٤):"أنشدنيها حِزام، وبلغت رسولَ الله ﷺ -قصيدتُه هذه واعتذاره، وكلَّمه نَوْفَلُ بنُ معاوية الدِّيلي (٥)، فقال: يا رسول الله، أنت أولى الناس بالعفو، ومَن منَّا لم يُعادِك وُيؤْذِك؟ ونحن في جاهليةٍ لا

стр. 2408

ندري ما نأخذُ وما نَدَعُ حتى هدانا الله بك، وأنقذنا بك من الهُلْك، وقد كَذَب عليه الركب، وكَثُروا عندك، فقال: دَعِ الركب عنك؛ فإنا لم نجد بتهامةَ أحدًا من ذي رحمٍ ولا بعيدِ الرحم كان أبرَّ من خُزاعة، فأسكت نوفلُ ابنُ معاوية، فلما سكت قال رسول الله ﷺ : "قَدْ عَفَوْتُ عَنْه"، قال نوفل: فِدَاك أبي وأمي". ° وقال ابنُ إسحاق: وقال أنسُ بنُ زُنَيم يَعتذرُ إلى رسولِ الله ﷺ مما كان قد قال فيهم عمروُ بنُ سالم حين قَدِم على رسولِ الله ﷺ يستنصرُه، ويذكر أنهم قد نالوا من رسول الله ﷺ ، وأنشد تلك القصيدة، وفيها: وتَعلم أنَّ الركبَ رَكْبَ عُوَيْمِرٍ … هُمُ الكَاذِبُونَ المُخْلِفُو كُلَّ مَوْعِدِ (١) فوجه الدلالة: أن النبي ﷺ ، كان قد صالَح قريشًا وهادنهم عام الحديبية عَشْرَ سنين، ودخلت خزاعةُ في عَقْده، وكان أكثرُهم مسلمين وكانوا عَيْبَةَ (٢) نُصحٍ لرسول الله ﷺ مسلمهم وكافرهم، ودخلت بنو بكر في عهدِ قريش؛ فصار هؤلاء كلُّهم معاهِدين، وهذا مما تواتر به النقلُ ولم يختلف فيه أهل العلم. ثم إن هذا الرجلَ المعاهَد هجا النبيَّ ﷺ على ما قيل عنه، فشَجَّه بعضُ خزاعة، ثم أخبروا النبيَّ ﷺ أنه هجاه يَقصِدون بذلك إغراءَه ببني بكر،

стр. 2409

فَنَدَر رسولُ الله ﷺ دمه -أي: أهدره-، ولمُ يُندِرْ دمَ غيرِه، فلولا أنهم عَلِموا أن هجاءَ النبيِّ ﷺ من المعاهدِ مما يوجبُ الانتقامَ منه، لم يفعلوا ذلك. ثم إن النبي ﷺ نَدَرَ دَمَه بذلك، مع أن هِجاءَه كان حالَ العهد، وهذا نصٌّ في أن المعاهَدَ الهاجي يُباح دمه. ثم إنه لَمَّا قدم أسلم في شِعره، ولهذا عَدُّوهُ من أصحاب النبي ﷺ ، وقوله: "تَعَلَّم رسول الله"، "ونُبِّي رسول الله" دليل على أنه أسلم قبل ذلك، أو هذا وحدَه إسلام منه، فإن الوثنيَّ إذا قال: "محمدٌ رسول الله" حُكم بإسلامه، ومع هذا فقد أنكر أن يكون هجا النبي ﷺ ، ورَدَّ شهادَةَ أولئك بأنهم أعداءُ له، لما بين القَبيلتين من الدماء والحرب، فلو لم يكن ما فَعَلَه مُبيحًا لدمه لَمَا احتاج إلى شيءٍ من ذلك. ثم إنه -بعد إسلامه- واعتذارِه، وتكذيبِ المخبرين، ومَدْحِه لرسول الله ﷺ إنما طَلَبَ العفو من النبي ﷺ عن إهْدارِ دمه، والعفوُ إنما يكون مع جَوَاز العقوبة على الذنب، فعُلم أن النبي ﷺ كان له أن يُعاقبَه بعد مجيئه مسلمًا معتذرًا، وإنما عفا عنه حِلْمًا وكرمًا. ثم إن في الحديث أنَّ نَوْفَلَ بنَ معاويةَ هو الذي شَفَع له إلى النبي ﷺ ، وقد ذكر عَامَّةُ أهل السَّيرِ أن نوفلاً هذا هو رأسُ البكرييِّن الذين عَدَوْا على خُزاعة وقَتَلُوهم، وأعانتهم قريشٌ على ذلك، وبسبب ذلك انتقض عهدُ قريش وبني بكر، ثم إنه أسلم قبلَ الفتح حتى صار يَشفعُ في الذي هَجَا النبي ﷺ ، فعُلم أن الهجاءَ أغْلَظُ من نقضِ العهد بالقتال بحيث إذا نَقَض قومٌ العهدَ بالقتال، وآخرون هَجَوا ثم أسلموا، عُصِمَ دَمُ الذي قاتل، وجاز

стр. 2410

الانتقامُ من الهاجي، ولهذا قَرَنَ هذا الرجلُ خَرْقَ العِرْضِ بسفك الدَّم، فعُلم أن كليهما موجِبٌ للقتل، وأن خَرْق عِرْضِهِ كان أعظمَ عندهم من سفكِ دماءِ المسلمين والمعاهدين. ومما يوضِّحُ هذا أن النبيَّ لم يُهدِرْ دمَ أحدٍ من بني بكر الناقضين للعهد بعينه، وإنما مَكَّن منهم بني خزاعةَ يومَ الفتحِ أكثرَ النهار، وأهدَرَ دمَ هذا بعينه حتى أسلم واعتذر؛ هذا مع أن العهدَ كان عهدَ هُدنةٍ ومُوادعة، لم يكن عهدَ جزيةٍ وذِمَّة، والمهادنُ المقيمُ ببلده يُظهِرُ ببلده ما شاء من مُنْكَراتِ الأقوالِ والأفعالِ المتعلِّقةِ بدينهِ ودنياه، ولا يَنتقضُ بذلك عهدُه حتى يحارِب؛ فعُلم أن الهجاءَ من جنسِ الحِرابِ -وأغلظُ منه-، وأن الهاجيَ لا ذمَّةَ له. الحديث الثامن: قصَّةُ عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح: ° وهي مما اتفق عليها أهل العلم، واستفاضت عندهم استفاضةً يُستغنى بها عن روايةِ الآحاد، وذلك أثبتُ وأقوى مما رواه الواحدُ العدل، فنذكرها مسندةً مشروحةً ليتبيَّنَ وجهُ الدلالة منها: ° عن مصعبِ بن سعدٍ، عن سعدِ بن أبي وقاص قال: "لَمَّا كان يومُ فتح مكة، اختبأ عبدُ الله بنُ سعد بن أبي سَرْحٍ عند عثمانَ بنِ عفان، فجاء به حتى أوقفه على النبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، بَايع عبدَ الله، فرفع رأسه، فنظر إليه ثلاثاً، كلُّ ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاثٍ، ثم أقبل على أصحابه. فقال: "أما كان فيكم رَجُلٌ رَشيد، يقومُ إلى هذا حيث رآني كفَفْتُ يَدي عن بيعته فيقتُلَه؟! " فقالوا: مَا ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألَا أوْمَأْت إلينا بعينِك، قال: "إنه لا يَنْبَغِي لنبيٍّ

стр. 2411

أن تكون له خائنةُ الأعْيُن" (١). • ورواه النَّسائىُّ كذلك بأبسطَ من هذا عن سعدٍ قال: "لما كان يومُ فتح مكة أَمَّنَ رسولُ الله ﷺ الناسَ إلاَّ أربعةَ نَفَرٍ وامرأتيْن، قال: "اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلِّقين بأستار الكعبة": عكرمةُ بن أبي جهل، وعبدُ الله بن خَطَل، ومِقْيَس بن صُبَابة، وعبدُالله بنُ سعدِ بن أبي سرح. ° فأما عبدُ الله بنُ خطل، فأُدْرِك وهو متعلِّقٌ بأستارِ الكعبة، فاستَبَق إليه سعيدُ بن حُريث وعمَّارُ بنُ ياسر، فسبق سعيدٌ عمَّارًا -وكان أشبَّ الرجُلين-، فقتله. وأمَّا مِقْيَس بن صُبَابة، فأدركه الناسُ في السوق، فقتلوه. وأمَّا عكرمةُ، فركب البحرَ، فأصابتهم عاصف، فقال أصحابُ السفينة: أخلِصوا، فإنَّ آلهتَكم لا تُغني عنكم شيئًا ها هنا، فقال عكرمة: واللهِ لَئِنْ لم يُنجِنِي في البحرِ إلاَّ الإخلاصُ، لا يُنجيني في البرِّ غيرُه، اللهم إنَّ لك عليَّ عَهدًا إن أنت عافيتَني مما أنا فيه، أن آتيَ محمدًا ﷺ حتى أضعَ يدي في يده، فلأَجدنَّه عفوًّا كريمًا، فجاء وأسلم. وأمَّا عبدُ الله بنُ سعدِ منِ أبي سَرح، فإنَّه اختبأ عند عثمانَ بنِ عفان،

стр. 2412

فلمَّا دعا رسولُ الله ﷺ الناسَ إلى البَيعةِ، جاء به حتى أوقفَه على النبي ﷺ .. " (١) ثم ذكر الباقي كما رواه أبو داود. ° وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "كان عبدُ الله بنُ سعدِ بنِ أبي سرحٍ يَكتبُ لرسولِ الله ﷺ ، فأزلَّه الشيطان، فلَحِق بالكفار، فأَمَر به رسولُ الله ﷺ أن يُقتلَ يومَ الفتح، فاستجار له عثمان، فأجاره رسولُ الله ﷺ " (٢). ° ورَوى محمدُ بن سعد في "الطبقات" عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن سعيدِ ابنِ المسيَّب أن رسولَ الله ﷺ أَمَر بقَتِل ابنِ أبي سَرحٍ يوم الفتح، وفَرْتَنَى (٣)، وابنَ الزِّبَعْرَى، وابنَ خَطَل، فأتاه أبو بَرزةَ وهو متعَلِّقٌ بأستار الكعبة، فبَقَر بطنه، وكان رجلٌ من الأنصار قد نَذَر إنْ رأى ابنَ أبي سرح أن يقتلَه، فجاء عثمانُ -وكان أخاه من الرضاعة-، فشَفَع له إلى رسول الله ﷺ ، وقد أخذ الأنصاريُّ بقائِم السيف ينظرُ إلى النبيِّ ﷺ متى يومئ إليه أن يقتلَه، فشَفَع له عثمانُ حتى تَركه، ثم قال رسولُ الله ﷺ للأنصاري: "هَلاَّ وَفَّيْتَ

стр. 2413

بِنَذْرِكَ؟ " فقال: يا رسولَ الله، وضَعْتُ يدي على قائم السيف أنتظرُ متى تومئُ فأقتلَه، فقال النبي ﷺ : "الإيماءُ خيانة، ليس لنبيٍّ أن يُومئ" (١). • وقال محمدُ بنُ إسحاقَ في روايةِ ابن بُكير عنه: قال أبو عُبيدة بن محمدِ بنِ عمَّار بن ياسر وعبدُ الله بن أبي بكرِ بن حَزْم: إن رسولِ الله ﷺ -حين دَخل مكة، وفَرَّقَ جيوشَه- أمرهم أن لا يقتلوا أحدًا إلاَّ مَن قاتلهم، إلاَّ نفرًا قد سمَّاهم رسولُ الله ﷺ ، وقال: "اقْتُلُوْهُمْ وَإنْ وَجَدْتُموهُمْ تَحْتَ أَسْتَارِ الكعْبَةِ"، عبدُ الله بنُ خَطَل، وعبدُ الله بنُ سعدِ بنِ أبي سَرح، وإنما أَمَر بابنِ أبي سرحٍ، لأنَّه كان قد أسلم، فكان يكتبُ لرسولِ الله ﷺ الوحيَ، فرجع مشركًا، ولَحِق بمكة، فكان يقولُ لهم: إني لأصرِّفه كيف شئتُ، إنه لَيأمرُني أن أكتبَ له الشيءَ فأقول له: أو كذا أو كذا؟ فيقول: نعم، وذلك أن رسولَ الله ﷺ -كان يقول "عليمٌ حكيم"، فيقول: أو أكتب عزيز حكيم؟ فيقول له رسول الله ﷺ : "نعم كلاهما سواء" (٢). ° قال ابنُ إسحاق: حدثني شُرَحْبيلُ بن سعدٍ أن فيه نزلت: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣]. فلما دخل رسولُ الله ﷺ مكة فَرَّ إلى عثمانَ بن عفان -وكان أخاه من الرضاعة-، فغيَّبه عنده حتى اطمأن أهلُ مكة، فأتى به رسولَ الله ﷺ ، فاستَأْمَن له، فصَمَت رسولُ الله ﷺ طويلاً وهو واقفٌ عليه، ثم قال:

стр. 2414

"نعم"، فانصرف به، فلمَّا وَلَّى قال رسول الله ﷺ : "مَا صَمَتُّ إلاَّ رَجَاءَ أنْ يَقُومَ إلَيْه بَعْضُكُمْ فَيَقْتُلَهُ"، فقال رجلٌ من الأنصار: يا رسول الله، ألَا أومأتَ إلَيَّ فأقتلَه؟، فقال رسولُ الله ﷺ :"إنَّ النَّبِيَّ لَا يَقْتُلُ بِالإشَارَةِ" (١). ° وقال ابنُ إسحاق في روايةِ إبراهيمَ بنِ سعدٍ عنه: "حدَّثني بعضُ علمائِنا أن ابنَ أبي سرحٍ رَجَع إلى قريشٍ فقال: واللهِ لو أشاء لقُلتُ كما يقول محمدٌ، وجِئتُ بمِثل ما يأتي به، إنه لَيقولُ الشيءَ وأصْرِفُه إلى شيءٍ، فيقول: أصَبْتَ، ففيه أنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣] الآية. فلذلك أمر رسول الله ﷺ بقتله" (٢). ° فوجهُ الدلالةِ أن عبد الله بنَ سعد بنِ أبي سَرحٍ افترى على النبي ﷺ أنه كان يُتَمِّم له الوحيَ ويكتبُ له ما يريد، فيوافقُه عليه، وأنه يُصَرِّفه حيث شاء، وبغيرِ ما أَمَره به من الوحي، فيُقرُّه على ذلك، وزَعَم أنه سيُنزلُ مثلَ ما أنزل الله، إذ كان قد أُوحي إليه -في زعمه- كما أوحي إلى رسول الله ﷺ ، وهذا الطعن على رسول الله ﷺ وعلى كتابه، والافتراءُ عليه بما يوجبُ الرَّيبَ في نبوَّتهِ قَدْرٌ زائدٌ على مجردِ الكفر به والرِّدَّةِ في الدين، وهو من أنواع السبِّ. وكذلك لَمَّا افترى عليه كاتبٌ آخرُ مثلَ هذه الفِريةِ، قَصَمَه الله وعاقَبه عقوبةً خارجةً عن العادة، ليتبيَّنَ لكلِّ أحدٍ افتراؤه، إذ كان مِثلُ هذا يوجبُ

стр. 2415

في القلوبِ المريضةِ رَيْبًا بأن يقول القائل: "كاتبُه أعلمُ الناسِ بباطنه وبحقيقةِ أمره، وقد أخَبَر عنه بما أخبر". فمِنْ نَصْر الله لرسوله أن أظهَرَ فيه آيةً يبيِّنُ بها أنه مُفترٍ. ° فروى البخاريُّ في "صحيحه" عن عبد العزيز بنِ صُهيبٍ، عن أنسٍ قال: "كان رجلٌ نصرانيًّا، فأسلم، وقرأ البقرةَ وآل عمران، وكان يكتبُ للنبي ﷺ ، فعاد نصرانيًّا، فكان يقول: ما يدري محمد إلاَّ ما كتبتُ له، فأماته الله، فدَفنوه، فأصبح وقد لَفَظَتْه (١) الأرضُ، فقالوا: "هذا فِعْل محمدٍ وأصحابه، نَبَشُوا عن صاحبنا فألقوه" .. فحَفروا له وأعمقوا (٢) في الأرض ما استطاعوا، فأصبح وقد لَفَظَته الأرض، فعَلِموا أنه ليس من الناس، فألقوه" (٣). ° ورواه مسلم من حديثِ سُليمانَ بنِ المغيرة عن ثابتٍ، عن أنس قال: "كان منَّا رجلٌ من بني النجَّار قد قرأ البقرةَ وآل عمران، وكان يكتبُ للنبي ﷺ ، فانطلق هاربًا حتى لَحِق بأهل الكتاب، قال: فعرفوه، قالوا: هذا قد كان يكتبُ لمحمد، فأُعجِبوا به، فما لَبثَ أن قَصَم الله عُنقَه فيهم، فحَفروا له، فَوَارَوْهُ، فأصبحت الأرضُ قد نَبَذَتْه على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فوَاروْه، فأصبحت الأرضُ قد نَبَذَتْه على وجهها، ثم عادوا فحفروا له، فواروه، فأصبحت الأرضُ قد نَبَذَتْه على وجهها،

стр. 2416

فتركوه منبوذًا" (١). • وعن أنسٍ أن رجلاً كان يكتبُ لرسولِ الله ﷺ ، وقد قرأ البقرةَ وآل عمران، وكان الرجلُ إذا قرأ البقرة وآل عمران جَدَّ فينا، يعني عَظُم، فكان النبيُّ ﷺ يُمْلي عليه: "غفورًا رحيمًا"، فيكتب: "عليمًا حكيمًا"، فيقولُ له النبي ﷺ : "اكتب كذا وكذا، اكتب كيف شئتَ"، ويُمْلي عليه: "عليمًا حكيمًا"، فيكتب: "سميعًا بصيرًا"، فيقول: "اكتب كيف شئتَ"، فارتدَّ ذلك الرجلُ عن الإسلام، فلَحِق بالمشركين، وقال: أنا أعلمُكم بمحمدٍ إن كنتُ لأكْتبُ ما شئتُ، فماتَ ذلك الرجل، فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الأرْضَ لا تَقْبلُهُ"، قال أنس: فحدَّثَني أبو طَلْحَة أنه أتى الأرضَ التي مات فيها ذلك الرجلُ، فوجده مَنْبُوذًا، قال أبو طلحة: ما شأنُ هذا الرجلِ؟ قالوا: قد دَفَنَّاه مرارًا فلم تَقْبَلْه الأرض" (٢)، فهذا إسناد صحيح. فهذا الملعون الذي افتَرى على النبيِّ ﷺ أنه ما كان يدري إلاَّ ما كَتب له، قَصَمه اللهُ وفَضَحه بأنْ أخرجه من القبر بعدَ أن دُفن مرارًا، وهذا أمرٌ خارج عن العادة، يدلُّ كلَّ أحدٍ على أن هذا عقوبةٌ لِمَا قاله، وأنه كان كاذبًا، إذ كان عامَّةُ الموتى لا يُصيبهم مثلُ هذا، وأن هذا الجُرمَ أعظمُ من

стр. 2417

مجردِ الارتداد؛ إذ كان عامةُ المرتدِّين يموتون ولا يُصيبهم مثلُ هذا، وأن الله منتقمٌ لرسوله ممن طَعَنَ عليه وسَبَّه، ومُظهِرٌ لدينه ولِكَذِبِ الكاذب؛ إذ لم يُمكِنِ الناسَ أن يُقيموا عليه الحد. ونظيرُ هذا ما حدثناه أعدادٌ من المسلمين العدولِ أهل الفقه والخبرة عما جرَّبوه مراتٍ متعددةً في حَصرِ الحُصون والمدائنِ التي بالسواحل الشامية، لَمَّا حَصَر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا، قالوا: كنا نحن نحصرُ الحصنَ أو المدينة الشهرَ -أو أكثرَ من الشهر- وهو ممتنعٌ علينا حتى نكادَ نيأسُ منه، حتى إذا تعرَّض أهلُه لسبِّ رسولِ الله ﷺ والوقيعة في عِرْضِه، تَعجَّلنا فتحه وتيسَّر ولم يَكَدْ يتأخرُ إلاَّ يومًا أو يومين أو نحو ذلك، ثم يُفتح المكانُ عَنْوَة، ويكونُ فيهم مَلحمةٌ عظيمة، قالوا: حتى إنْ كنَّا لَنتباشَرُ بتعجيلِ الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه، مع امتلاءِ القلوب غيظًا عليهم بما قالوه فيه. وهكذا حدثني بعضُ أصحابِنا الثقاتِ أن المسلمين من أهلِ المغرب حالُهم مع النصارى كذلك، ومِن سُنَّةِ الله أن يُعذِّبَ أعداءَه تارةً بعذاب من عنده، وتارةً بأيدي عبادِه المؤمنين (١). فكذلك لَمَّا تمكَّن النبيُّ ﷺ من ابنِ أبي سرحٍ أهدَرَ دَمَه، لَمَّا طعن في النبوةِ وافترى عليه الكذب، مع أنه قد آمَنَ جميعَ أهلِ مكة الذين قاتلوه وحاربوه أشدَّ المحاربة، ومع أن السنةَ في المرتد أنه لا يُقتل حتى يستتاب إمَّا وجوبًا، أو استحبابًا.

стр. 2418

° ومعروفٌ أن جماعةً ارتدُّوا على عهدِ النبي ﷺ ثم دُعُوا إلى التوبة، وعُرِضت عليهم، حتى تابوا وقُبلت توبتهم. ° وفي ذلك دليلٌ على أن جُرمَ الطاعنِ على الرسولِ ﷺ السابِّ له أعظمُ من جُرمِ المرتد. ° ثم إن إباحةَ النبيِّ ﷺ دَمَه بعد مجيئه تائبًا مسلمًا وقوله: "هَلاَّ قَتَلُتُمُوه"، ثم عَفْوه عنه بعد ذلك، دليل على أن النبيَّ ﷺ كان له أن يقتلَه وأن يعفوَ عنه ويَعصِمَ دمَه، وهو دليلٌ على أن له ﷺ أنه يقتلَ مَن سَبَّه وإنْ تابَ وعادَ إلى الإسلام. يوضحُ ذلك أشياء: منها: أنه قد رُوي عن عكرمةَ أن ابنَ أبي سَرحٍ رَجَع إلى الإسلام قبلَ فتح مكة، وكذلك ذَكر آخرون أن ابنَ أبي سرحٍ رَجَع إلى الإسلام قبلَ فتحِ مكةَّ إذ نَزَل النبيُّ ﷺ بها، وقد تقدَّم عنه أنه قال لعثمانَ قبل أن يَقْدَمَ به على النبي ﷺ : "إن جُرمي أعظمُ الجرم، وقد جئتُ تائبًا"، وتوبةُ المرتدِّ إسلامه. ثم إنَّه جاء إلى النبي ﷺ بعد الفتح وهُدوءِ الناس وبعدما تاب، فأراد النبيُّ ﷺ -من المسلمين أن يقتلوه حينئذٍ، وتَربَّصَ زمانًا ينتظرُ فيه قتلَه، ويظنُّ أن بعضَهم سيقتلُه، وهذا أوضحُ دليلٍ عِلى جوازِ قتلِه بعد إسلامه. وكذلك لَمَّا قال له عثمانُ: إنه يفِرُّ منك كلَّما رآك، قال: "أَلَمْ أُبَايِعْهُ وَأُومِنْهُ؟! " قال: بلى، ولكنه يتذكرُ عظيمَ جُرمِه في الإسلام، فقالَ: "الإسلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ". فبيَّن النبيُّ ﷺ أن خوفَ القتل سَقط بالبيعة والأمان، وأن الإثمَ زال

стр. 2419

بالإسلام، فعُلم أن السابَّ إذا عاد إلى الإسلام جَبَّ الإسلامُ إثمَ السب، وبَقِيَ قتلُه جائزًا حتى يوجَدَ إسقاطُ القتل مِمَّن يَملِكُه إنْ كان ممكنًا. إن غَرَضنا هنا أن نبيِّنَ أن مجرَّدَ الطعنِ على رسول الله ﷺ والوقيعةِ فيه يُوجِبُ القتلَ في الحال التي لا يُقْتَل فيه لمجردِ الردة، وإذا كان ذلك مُوجِبًا للقتل، استوى فيه المسلمُ والذمِّيُّ؛ لأنَّ كلَّ ما يوجِبُ القتلَ -سوى الرِّدة- يستوي فيه المسلمُ والذمي. وفي كتمانِ الصحابةِ لابنِ أبي سرحٍ ولإحدى القَيْنَتَينِ دليلٌ على أن النبي ﷺ لم يُوجِب قتلَهم، وإنما أباحه مع جوازِ عفوِه عنهم، وفي ذلك دليلٌ على أنه كان مُخَيَّرًا بين القتل والعفو، وهذا يؤيِّد أن القتل كان لحَقِّ النبي ﷺ . الحديث التاسع: حديثُ القَينتينِ اللتين كانتا تُغنِّيان بهجاءِ النبي ﷺ ومولاةِ بني هاشم، وذلك مشهورٌ مستفيضٌ عند أهل السير، أمر ﷺ بقتل فَرْتَنَى. ° وقال موسى بنُ عقبة في "مغازيه" عن الزهري: وأَمَرهم رسولُ الله ﷺ أن يَكُفُّوا أيديَهم فلا يُقاتِلوا أحدًا إلاَّ مَن قاتَلهم، وأَمر بقتل أربعةِ نفر، قال: وأَمَر بقتل قَينتَينِ لابن خَطَلٍ تُغنِّيانِ بهجاءِ رسولِ الله ﷺ ، ثم قال: وقُتلت إحدى القينتين وكَمِنَت الأخرى حتى استؤمن لها. وكذلك ذكر محمدُ بنُ عائذٍ القُرشيُّ في "مغازيه". ° وقال ابنُ إسحاق في روايةِ ابنِ بُكير عنه: قال أبو عبيدةَ بنُ محمدِ ابنِ عمَّارِ بنِ ياسر وعبدُ الله بنُ أبي بكرِ بنِ حزم: إن رسولَ الله ﷺ حين دَخل مكةْ وفرَّق جيوشَه، أَمرهم أن لا يقتلوا أحدًا إلاَّ مَن قاتلهم، إلاَّ نَفَرًا

стр. 2420

قد سماهم رسول الله ﷺ -وقال: "اقْتُلُوهُمْ وإنْ وَجَدْتُمُوهُمْ تَحْتَ أسْتَارِ الكَعْبَة: عبدُ الله بن خَطَل"، ثم قال: "إنما أَمر بقَتل ابنِ خَطَل؛ لأنه كان مسلمًا، فبعثه رسولُ الله ﷺ مُصَدِّقًا، وبَعث معه رجلاً من الأنصار، وكان معه مولًى له يخدمُه، وكان مسلمًا، فنَزل منزلاً وأَمَر المولى يَذبحُ له تَيسًا ويصنعُ له طعامًا، فنام واستيقظ ولم يصنع له شيئًا، فعدا عليه فقتله، ثم ارتدَّ مشركًا، وكانت له قَيْنَةٌ وصاحبتُها كانتا تُغنيان بهجاءِ النبي ﷺ ، فأَمَر بقتلِهما معه، قال: ومِقْيَسُ بنُ صُبابة لقَتله الأنصاريَّ الذي قتل أخاه، وسارةُ مولاةٌ لبني عبد المطلب، كانت ممن يؤذيه بمكة (١). ° قال ابنُ إسحاق: وحدَّثني أبو عبيدةَ بنُ محمدِ بنِ عمَّارِ بنِ ياسر أنهم كانوا ستةً، فكَتم اسمَ رجلين وأخبرني بأربعة، قال: النسوة قَيْنَتَا ابنِ خطل، وسارةُ مولاةٌ لبني عبد المطلب، ثم قال: والقينتانِ كانتا تُغنَيان بهجائه، وسارةُ مولاة أبي لهب كانت تؤذيه بلسانها (٢). ° وقال الواقديُّ عن أشياخه: "ونهى رسولُ الله ﷺ -عن القتال، وأَمَر بقتل ستةِ نفرٍ وأربع نسوةٍ، ثم عدَّدهم، قال: "وابن خطل، وسارةُ مولاةُ عمرو بن هاشم، وقَينتين لابن خطل، فَرَتْنَى وقُريبة، ويقال: فُرتنى وأرنب" (٣). ثم قال: "وكان جُرْمِ ابنِ خطل أنه أسلَمَ وهاجَرَ إلى المدينة، وبعثه رسولُ الله ﷺ ساعيًا، وبعَث معه رجلاً من خُزَاعة، وكان يَصنعُ طعامَه
следующие страницы →