فتركوه منبوذًا" (١).
• وعن أنسٍ أن رجلاً كان يكتبُ لرسولِ الله ﷺ ، وقد قرأ البقرةَ وآل عمران، وكان الرجلُ إذا قرأ البقرة وآل عمران جَدَّ فينا، يعني عَظُم، فكان النبيُّ ﷺ يُمْلي عليه: "غفورًا رحيمًا"، فيكتب: "عليمًا حكيمًا"، فيقولُ له النبي ﷺ : "اكتب كذا وكذا، اكتب كيف شئتَ"، ويُمْلي عليه: "عليمًا حكيمًا"، فيكتب: "سميعًا بصيرًا"، فيقول: "اكتب كيف شئتَ"، فارتدَّ ذلك الرجلُ عن الإسلام، فلَحِق بالمشركين، وقال: أنا أعلمُكم بمحمدٍ إن كنتُ لأكْتبُ ما شئتُ، فماتَ ذلك الرجل، فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الأرْضَ لا تَقْبلُهُ"، قال أنس: فحدَّثَني أبو طَلْحَة أنه أتى الأرضَ التي مات فيها ذلك الرجلُ، فوجده مَنْبُوذًا، قال أبو طلحة: ما شأنُ هذا الرجلِ؟ قالوا: قد دَفَنَّاه مرارًا فلم تَقْبَلْه الأرض" (٢)، فهذا إسناد صحيح.
فهذا الملعون الذي افتَرى على النبيِّ ﷺ أنه ما كان يدري إلاَّ ما كَتب له، قَصَمه اللهُ وفَضَحه بأنْ أخرجه من القبر بعدَ أن دُفن مرارًا، وهذا أمرٌ خارج عن العادة، يدلُّ كلَّ أحدٍ على أن هذا عقوبةٌ لِمَا قاله، وأنه كان كاذبًا، إذ كان عامَّةُ الموتى لا يُصيبهم مثلُ هذا، وأن هذا الجُرمَ أعظمُ من
стр. 2417
مجردِ الارتداد؛ إذ كان عامةُ المرتدِّين يموتون ولا يُصيبهم مثلُ هذا، وأن الله منتقمٌ لرسوله ممن طَعَنَ عليه وسَبَّه، ومُظهِرٌ لدينه ولِكَذِبِ الكاذب؛ إذ لم يُمكِنِ الناسَ أن يُقيموا عليه الحد.
ونظيرُ هذا ما حدثناه أعدادٌ من المسلمين العدولِ أهل الفقه والخبرة عما جرَّبوه مراتٍ متعددةً في حَصرِ الحُصون والمدائنِ التي بالسواحل الشامية، لَمَّا حَصَر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا، قالوا: كنا نحن نحصرُ الحصنَ أو المدينة الشهرَ -أو أكثرَ من الشهر- وهو ممتنعٌ علينا حتى نكادَ نيأسُ منه، حتى إذا تعرَّض أهلُه لسبِّ رسولِ الله ﷺ والوقيعة في عِرْضِه، تَعجَّلنا فتحه وتيسَّر ولم يَكَدْ يتأخرُ إلاَّ يومًا أو يومين أو نحو ذلك، ثم يُفتح المكانُ عَنْوَة، ويكونُ فيهم مَلحمةٌ عظيمة، قالوا: حتى إنْ كنَّا لَنتباشَرُ بتعجيلِ الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه، مع امتلاءِ القلوب غيظًا عليهم بما قالوه فيه.
وهكذا حدثني بعضُ أصحابِنا الثقاتِ أن المسلمين من أهلِ المغرب حالُهم مع النصارى كذلك، ومِن سُنَّةِ الله أن يُعذِّبَ أعداءَه تارةً بعذاب من عنده، وتارةً بأيدي عبادِه المؤمنين (١).
فكذلك لَمَّا تمكَّن النبيُّ ﷺ من ابنِ أبي سرحٍ أهدَرَ دَمَه، لَمَّا طعن في النبوةِ وافترى عليه الكذب، مع أنه قد آمَنَ جميعَ أهلِ مكة الذين قاتلوه وحاربوه أشدَّ المحاربة، ومع أن السنةَ في المرتد أنه لا يُقتل حتى يستتاب إمَّا وجوبًا، أو استحبابًا.
стр. 2418
° ومعروفٌ أن جماعةً ارتدُّوا على عهدِ النبي ﷺ ثم دُعُوا إلى التوبة، وعُرِضت عليهم، حتى تابوا وقُبلت توبتهم.
° وفي ذلك دليلٌ على أن جُرمَ الطاعنِ على الرسولِ ﷺ السابِّ له أعظمُ من جُرمِ المرتد.
° ثم إن إباحةَ النبيِّ ﷺ دَمَه بعد مجيئه تائبًا مسلمًا وقوله: "هَلاَّ قَتَلُتُمُوه"، ثم عَفْوه عنه بعد ذلك، دليل على أن النبيَّ ﷺ كان له أن يقتلَه وأن يعفوَ عنه ويَعصِمَ دمَه، وهو دليلٌ على أن له ﷺ أنه يقتلَ مَن سَبَّه وإنْ تابَ وعادَ إلى الإسلام.
يوضحُ ذلك أشياء:
منها: أنه قد رُوي عن عكرمةَ أن ابنَ أبي سَرحٍ رَجَع إلى الإسلام قبلَ فتح مكة، وكذلك ذَكر آخرون أن ابنَ أبي سرحٍ رَجَع إلى الإسلام قبلَ فتحِ مكةَّ إذ نَزَل النبيُّ ﷺ بها، وقد تقدَّم عنه أنه قال لعثمانَ قبل أن يَقْدَمَ به على النبي ﷺ : "إن جُرمي أعظمُ الجرم، وقد جئتُ تائبًا"، وتوبةُ المرتدِّ إسلامه.
ثم إنَّه جاء إلى النبي ﷺ بعد الفتح وهُدوءِ الناس وبعدما تاب، فأراد النبيُّ ﷺ -من المسلمين أن يقتلوه حينئذٍ، وتَربَّصَ زمانًا ينتظرُ فيه قتلَه، ويظنُّ أن بعضَهم سيقتلُه، وهذا أوضحُ دليلٍ عِلى جوازِ قتلِه بعد إسلامه.
وكذلك لَمَّا قال له عثمانُ: إنه يفِرُّ منك كلَّما رآك، قال: "أَلَمْ أُبَايِعْهُ وَأُومِنْهُ؟! " قال: بلى، ولكنه يتذكرُ عظيمَ جُرمِه في الإسلام، فقالَ: "الإسلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ".
فبيَّن النبيُّ ﷺ أن خوفَ القتل سَقط بالبيعة والأمان، وأن الإثمَ زال
стр. 2419
بالإسلام، فعُلم أن السابَّ إذا عاد إلى الإسلام جَبَّ الإسلامُ إثمَ السب، وبَقِيَ قتلُه جائزًا حتى يوجَدَ إسقاطُ القتل مِمَّن يَملِكُه إنْ كان ممكنًا.
إن غَرَضنا هنا أن نبيِّنَ أن مجرَّدَ الطعنِ على رسول الله ﷺ والوقيعةِ فيه يُوجِبُ القتلَ في الحال التي لا يُقْتَل فيه لمجردِ الردة، وإذا كان ذلك مُوجِبًا للقتل، استوى فيه المسلمُ والذمِّيُّ؛ لأنَّ كلَّ ما يوجِبُ القتلَ -سوى الرِّدة- يستوي فيه المسلمُ والذمي.
وفي كتمانِ الصحابةِ لابنِ أبي سرحٍ ولإحدى القَيْنَتَينِ دليلٌ على أن النبي ﷺ لم يُوجِب قتلَهم، وإنما أباحه مع جوازِ عفوِه عنهم، وفي ذلك دليلٌ على أنه كان مُخَيَّرًا بين القتل والعفو، وهذا يؤيِّد أن القتل كان لحَقِّ النبي ﷺ .
الحديث التاسع: حديثُ القَينتينِ اللتين كانتا تُغنِّيان بهجاءِ النبي ﷺ ومولاةِ بني هاشم، وذلك مشهورٌ مستفيضٌ عند أهل السير، أمر ﷺ بقتل فَرْتَنَى.
° وقال موسى بنُ عقبة في "مغازيه" عن الزهري: وأَمَرهم رسولُ الله ﷺ أن يَكُفُّوا أيديَهم فلا يُقاتِلوا أحدًا إلاَّ مَن قاتَلهم، وأَمر بقتل أربعةِ نفر، قال: وأَمَر بقتل قَينتَينِ لابن خَطَلٍ تُغنِّيانِ بهجاءِ رسولِ الله ﷺ ، ثم قال: وقُتلت إحدى القينتين وكَمِنَت الأخرى حتى استؤمن لها.
وكذلك ذكر محمدُ بنُ عائذٍ القُرشيُّ في "مغازيه".
° وقال ابنُ إسحاق في روايةِ ابنِ بُكير عنه: قال أبو عبيدةَ بنُ محمدِ ابنِ عمَّارِ بنِ ياسر وعبدُ الله بنُ أبي بكرِ بنِ حزم: إن رسولَ الله ﷺ حين دَخل مكةْ وفرَّق جيوشَه، أَمرهم أن لا يقتلوا أحدًا إلاَّ مَن قاتلهم، إلاَّ نَفَرًا
стр. 2420
قد سماهم رسول الله ﷺ -وقال: "اقْتُلُوهُمْ وإنْ وَجَدْتُمُوهُمْ تَحْتَ أسْتَارِ الكَعْبَة: عبدُ الله بن خَطَل"، ثم قال: "إنما أَمر بقَتل ابنِ خَطَل؛ لأنه كان مسلمًا، فبعثه رسولُ الله ﷺ مُصَدِّقًا، وبَعث معه رجلاً من الأنصار، وكان معه مولًى له يخدمُه، وكان مسلمًا، فنَزل منزلاً وأَمَر المولى يَذبحُ له تَيسًا ويصنعُ له طعامًا، فنام واستيقظ ولم يصنع له شيئًا، فعدا عليه فقتله، ثم ارتدَّ مشركًا، وكانت له قَيْنَةٌ وصاحبتُها كانتا تُغنيان بهجاءِ النبي ﷺ ، فأَمَر بقتلِهما معه، قال: ومِقْيَسُ بنُ صُبابة لقَتله الأنصاريَّ الذي قتل أخاه، وسارةُ مولاةٌ لبني عبد المطلب، كانت ممن يؤذيه بمكة (١).
° قال ابنُ إسحاق: وحدَّثني أبو عبيدةَ بنُ محمدِ بنِ عمَّارِ بنِ ياسر أنهم كانوا ستةً، فكَتم اسمَ رجلين وأخبرني بأربعة، قال: النسوة قَيْنَتَا ابنِ خطل، وسارةُ مولاةٌ لبني عبد المطلب، ثم قال: والقينتانِ كانتا تُغنَيان بهجائه، وسارةُ مولاة أبي لهب كانت تؤذيه بلسانها (٢).
° وقال الواقديُّ عن أشياخه: "ونهى رسولُ الله ﷺ -عن القتال، وأَمَر بقتل ستةِ نفرٍ وأربع نسوةٍ، ثم عدَّدهم، قال: "وابن خطل، وسارةُ مولاةُ عمرو بن هاشم، وقَينتين لابن خطل، فَرَتْنَى وقُريبة، ويقال: فُرتنى وأرنب" (٣).
ثم قال: "وكان جُرْمِ ابنِ خطل أنه أسلَمَ وهاجَرَ إلى المدينة، وبعثه رسولُ الله ﷺ ساعيًا، وبعَث معه رجلاً من خُزَاعة، وكان يَصنعُ طعامَه
стр. 2421
ويَخدُمه، فنزل في مَجمع، فأمره أن يصنَع له طعامًا، ونام نصف النهار، فاستيقظ والخزاعيُّ نائمٌ ولم يَصنْع له شيئًا فاغتاظ عليه، فضربه فلم يُقْلعْ عنه حتى قَتَله، فلما قَتَله قال: واللهِ لَيَقتُلَنِّي محمدٌّ به إن جِئتُه، فارتدَّ عن الإسلام، وساق ما أخذه من الصدقةِ وهَرَب إلى مكة، فقال له أهلُ مكة: ما ردَّك إلينا؟ قال: لَم أجِدْ دينًا خيرًا من دينكم، فأقام على شِرْكِه، فكانت له قَينتانِ .. وكانتا فاسقتين، وكان يقولُ الشِّعرَ يهجُو رسولَ الله ﷺ ويأمُرهما تُغنِّيانِ به، فيدخلُ عليه وعلى قَينتيه المشركون فيشربون الخمرَ، وتُغنَّي القينتان بذلك الهجاء.
وكانت سارةُ مولاةُ عمرو بن هاشم مغنيةً نَوَّاحةً بمكة، يُلقى عليها هجاءَ النبي ﷺ فتغني به، وكانت قد قَدِمت على رسول الله ﷺ تطلُب أن يَصِلها، وشَكَت الحاجة، فقال رسول الله ﷺ : "مَا كانَ لَكِ في غِنَائِكِ وَنِيَاحَتِكِ مَا يَكْفِيْكِ؟ " فقالت: يا محمد، إن قريشًا منذ قُتل من قُتل منهم ببدرٍ تركوا استماعَ الغِناء، فوصَلَها رسولُ الله ﷺ ، وأوقر لها بعيرًا طعامًا، فرجَعَت إلى قريش، وهي على دينها، فأمر بها رسولُ الله ﷺ يومَ الفتح أن تُقْتَل، فقُتلت يومئذٍ.
وأما القينتانِ، فأمر رسولُ الله ﷺ بقَتلهما، فقُتلت إحداهما: أَرْنَب أو قُريبة، وأما فَرْتنى، فاستؤمن لها حتى آمنت، وعاشت حتى كُسِر ضِلع من أضلاعها زمنَ عثمان ﵁ فماتت، فقضى فيه عثمان ﵁ ثمانيةَ آلاف درهم دِيتها، وألفين تغليظًا للجُرم (١).
стр. 2422
وحديث القينتين مما اتَّفق عليه علماءُ السير، واستفاض نَقلُه استفاضةً يُستغنى بها عن روايةِ الواحد، وحديثُ مولاة بني هاشم ذكره عامةُ أهلِ المغازي ومَن له مَزِيد خبرةٍ واطلاع، وبعضُهم لم يذكره.
فوجه الدلالة: أنَّ تَعمُّدَ قَتلِ المرأةِ لمجرَّد الكفرِ الأصليِّ لا يجوزُ بالإجماع، وقد استفاضت بذلك السنةُ عن رسول الله ﷺ .
إذا تقرر هذا، فنقول: هؤلاء النسوةُ كنَّ معصوماتٍ بالأنوثة، ثم إن النبي ﷺ أَمَر بقَتْلِهِنَّ لمجردِ كونهن كنَّ يَهجِينَه وهن في دار حرب، فعُلم أنَّ مَن هجاه وسبَّه جازَ قتلُه بكلِّ حال.
الحديث العاشر: ما استدلَّ به بعضُهم من قصة ابن خطل ففي "الصحيحين" من حديث الزهري عن أنس أن النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح، وعلى رأسه المِغْفَر (١)، فلما نَزَعه جاءه رجل فقال: ابنُ خطل متعلِّقٌ بأستار الكعبة، فقال: "اقتلوه" (٢).
стр. 2423
وهذا مما استفاض نَقلُه بين أهل العلم واتفقوا عليه: أن رسول الله ﷺ أهدَرَ دَم ابنِ خطل يومَ الفتح فيمن أهدره، وأنه قُتل.
° وعن ابن المسيَّب أن أبا برزة أتاه وهو متعلِّقٌ بأستار الكعبة، فبَقَر بطنَه .. وكذلك رَوى الواقديُّ عن أبي برزةَ قال: فيَّ نزلت هذه الآية ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١ - ٢]. أخرجتُ عبد الله بن خَطَل وهو متعلِّقُ بأستارِ الكعبة، فضربتُ عنقَه بين الركن والمقام (١).
° وذكر الواقديُّ أن ابنَ خَطَل أقبلَ مِن أعلى مكة مُدجَّجًا في الحديد .. ثم خرج حتى انتهى إلى الخندمة (٢)، فرأى خيلَ المسلمين ورأى القتال، ودَخَله رعبٌ حتى ما يَستمسكُ منَ الرِّعْدَة (٣)، حتى انتهى إلى الكعبة، فَنَزل عن فرسِه، وطَرَح سلاحَه، فأتى البيتَ، فدخَلَ بين أستاره (٤).
وقد تقدم عن أهل المغازي أن جُرمَه أن النبي ﷺ -استَعملَه على الصدقة، وأصحبه رجلاً يخدمه، فغَضِب على رفيقِه لكونه لَم يصنعْ له طعامًا أَمَره بصنعه، فَقَتَله، فخاف ثَمَّ أن يُقتل، فارتد واستاقَ إبلَ الصدقة، وأنه كان يقولُ الشِّعرَ يهجُو به رسولَ الله ﷺ ، ويأمرُ جاريتَيه أن تُغنِّيا به،
стр. 2424
فهذا له ثلاثُ جرائمَ مبيحةٌ للدم: قتلُ النفس، والردَّة، والهجاء.
الحديث الحادي عشر:
أمْرُ النبيِّ ﷺ بقتل جماعةٍ لأجل سبِّه، وقَتَل جماعةً لأجل ذلك، مع كفِّه وإمساكِه عمَّن هو بمنزلتهم في كونه كافرًا حربيًّا، فمن ذلك ما قدمناه عن سعيدِ بنِ المسيب أن النبي ﷺ أمر يومَ الفتح بقتل ابن الزِّبَعرَى.
وسعيدُ بن المسيَّب هو الغايةُ في جودةِ المراسيل، ولا يَضرُّه أن لا يذكرَه بعضُ أهل المغازي، فإنَّهم مختلِفون في عددِ مَن استُثني من الأمان، وكلٌّ أخبر بما عَلم، ومَن أثبت الشيءَ وذكره حُجةٌ على من لم يثبته.
° وقد ذَكَر ابنُ إسحاق قال: "فلما قَدِم رسولُ الله ﷺ إلى المدينة منصرفًا عن الطائف، كتب بُجَيرُ بنُ زهيرِ بنِ أبي سُلْمى إلى أخيه كعبِ بن زهير يخبرُه أن رسولَ الله ﷺ قد قَتل رجالاً بمكةَ ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأنَّ مَن بَقِي من شعراءِ قريش عبد الله بنِ الزَّبعْرَى وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كلِّ وجه؛ ففي هذا بيانٌ أن النبي ﷺ أَمَر بقتل من كان يهجوه ويؤذيه بمكةَ من الشعراء مثل ابن الزَّبعْرَى وغيره".
ومما لا خفاءَ به أن ابن الزَّبعْرَى إنما ذَنبُه أنه كان شديدَ العداوة لرسول الله ﷺ بلسانه؛ فإنَّه كان من أشعرِ الناس، وكان يُهاجي شعراءَ الإِسلام مثلَ حسانَ وكعبِ بنِ مالك، فأمَّا ما سوى ذلك من الذنوب قد شَرَكه فيه وأربى عليه عددٌ كثيرٌ من قريش.
ثم إن ابن الزَّبعْرَى فَرَّ إلى نجران، ثم قدم على النبي ﷺ مسلمًا، وله أشعارٌ حسنةٌ في التوبةِ والاعتذار، فأهَدَرَ دَمَه للسبِّ، مع أمانه لجميع أهل
стр. 2425
مكة إلاَّ مَن كان له جُرمٌ مثلُ جرمِه ونحو ذلك.
ومن ذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، قصَّتُه في هجائه للنبي ﷺ وفي إعراضِ النبي ﷺ عنه لَمَّا جاءه مسلمًا مشهورةٌ ومستفيضةٌ.
° فوجه الدلالة: أنه ندر دمَ أبي سفيان بن الحارث دون غيره من صناديدِ المشركين الذين كانوا أشدَّ تأثيرًا في الجهاد باليد والمال، وهو قادمٌ إلى مكة لا يريدُ أن يَسْفِكَ دماءَ أهلها، بل يَستعطفُهم على الإسلام، ولم يكن لذلك سببٌ يختصُّ بأبي سفيان إلاَّ الهجاء، ثُمَّ جاء مسلمًا، وهو يُعْرِض عنه هذا الإعراضَ، وكان من شأنه أن يتألَّفَ الأباعدَ على الإِسلام، فكيف بعشيرته الأقربين؟ كلُّ ذلك بسبب هَتكِه عرضَه كما هو مفسَّرٌ في الحديث.
• وقد عفَى عنه النبيُّ ﷺ لما قال: "واللهِ لَيقبلَنَّ مني، أو لآخُذَنَّ بيد ابني هذا فلأذهبَنَّ في الأرض حتى أهلِكَ عطشًا وجُوعًا، وأنت أحلمُ الناس وأكرمُ الناس مع رَحِمي بك"، فرقَّ له رسولُ الله ﷺ .
* قِصَّةُ الحُويرثِ بنِ نُقيد:
ومِن ذلك أنه أَمَر يومَ الفتح بقَتل الحُويرث بن نُقَيد، وهو معروف عند أهل السِّير، قال موسى بن عقبة في "مغازيه" عن الزهري -وهي من أصحِّ المغازي؛ كان مالك يقول: "مَن أحبَّ أن يكتبَ المغازي فعليه بمغازي الرجلِ الصالح موسى بن عقبة"- قال: وأَمَرهم رسولُ الله ﷺ أن يكفُّوا أيديَهم، فلا يُقاتِلوا أحدًا إلاَّ مَن قاتَلهم، وأَمَرهم بقتل أربعةِ نفر، منهم: الحويرثُ ابن نُقَيْد (١).
стр. 2426
° وقال سعيدُ بنُ يحيى الأُموي في "مغازيه": حدَّثني أبي، قال: وقال ابنُ إسحاق: "وكان رسول الله ﷺ عهِدَ إلى المسلمين في قتل نَفَرٍ ونسوةٍ، وقال: "إنْ وَجَدتموهُمْ تَحْتَ أسْتَارِ الكَعْبَةِ فَاقْتُلُوهُمْ"، وسمَّاهم بأسمائهم ستة، وهم: عبدُ الله بنُ سعدِ بنِ أبي سَرح، وعبدُ الله ابنُ خَطَل، والحُويرثُ بنُ نُقَيد، ومِقْيَسُ بن صُبَابة، ورجلٌ من بني تيم بن غالب".
° قال ابن إسحاق: "وحدَّثني أبو عبيدة بنُ محمدِ بنِ عمَّارِ بنِ ياسرٍ أنهم كانوا ستةً، فكَتَم اسمَ رجُلين -وأخبرني بأربعة-، وزَعَم أن عكرمةَ بن أبي جهل أحدُهم" (١).
قال: وأمَّا الحويرثُ بنُ نُقيد، فقَتَله عليُّ بن أبي طالب، وكذلك ذَكَر ابنُ إسحاق في روايةِ ابنِ بُكير وغيرِه عنه من النفر الذين استثناهم النبي ﷺ وقال: "اقْتُلُوهُم وَإنْ وَجَدتمُوهُم تَحْت أَسْتارِ الكَعْبةِ": الحويرثُ بن نقيد، وكان ممن يؤذِي رسول الله ﷺ (٢).
° قال الواقديُّ عن أشياخِه: إن النبيَّ ﷺ نَهى عن القتال، وأمر بقَتلِ ستةِ نفرٍ وأربعِ نسوة: عكرمةَ بنِ أبي جهل، وهَبَّارِ (٣) بنِ الأسود، وابنِ
стр. 2427
أبي سرح، ومِقْيَسِ بنِ صُبابة، والحويرثِ بن نُقيد، وابنِ خطل (١).
قال: وأما الحويرثُ بنُ نُقيد، فإنَّه كان يؤذي النبيَّ ﷺ ، فأهدَرَ دمَه، فبينا هو في منزلهِ يومَ الفتح قد أُغلق بابه عليه، وأقبل عليٌّ يسأله عنه، فقيل: هو في البادية، فأُخبر الحويرثُ أنه يُطْلَب، وتنحَّى عَلِيٌّ عن بابه، فخرج الحويرثُ يريدُ أن يهربَ من بيتٍ إلى بيتٍ آخر، فتلقاه عليٌّ فضَرَب عنقه (٢).
ومثلُ هذا مما يُشتَهَرُ عند هؤلاء مثل الزهري وابنِ عقبةَ وابنِ إسحاق والواقديِّ والأُموي وغيرهم، أكثرُ ما فيه أنه مرسل، والمرسَلُ إذا رُوِيَ من جهاتٍ مختلفةٍ -لا سيما ممن له عنايةٌ بهذا الأمر وتتبُّعٌ له- كان كالمسند، بل بعضُ ما يُشتهر عند أهل المغازي ويَستفيضُ أقوى مما يُروى بالإِسناد الواحد، ولا يُوهِّنه أنه لم يذُكَرْ في الحديثِ المأثور عن سعدٍ وعَمرِو بن شُعيب، عن أبيه، عن جَدِّه، لأن المثْبِت مُقدَّم على النافي، ومَنْ أخبر أنه أَمَر بقَتله، فمعه زيادةُ علم، ولعلَّ النبيَّ ﷺ لم يأمُرْ بقَتلِه، ثم أَمَر بقتله، وذلك أنه يمكنُ أن النبيَّ ﷺ نَهى أصحابَه ألَّا يُقاتِلوا إلاَّ مَن قاتَلهم إلاَّ النفر الأربعة، ثم أَمَرهم أن يَقتلوا هذا وغيره.
ومجردُ نهيه عن القتال لا يوجبُ عِصمةَ المكفوفِ عنهم، لكنه بعد ذلك آمَنَهم الأمانَ العاصمَ للدم، وهذا الرجلُ قد أَمر النبي ﷺ بقتله لمجرَّدِ أذاه له، مع أنه قد آمَنَ أهْلَ البلدِ الذين قاتلوه وأصحابَه وفعلوا بهم الأفاعيل.
стр. 2428
ومِن ذلك أنه ﷺ لَمَّا قَفَلَ من بدرٍ راجعًا إلى المدينة قَتَل النَّضْرَ بنَ الحارث وعُقْبَةَ بنَ أبي مُعْيطٍ، ولم يَقتل من أُسَارَى بدر غيرهما، وقصتهما معروفة.
° قال ابنُ إسحاق: "وكان في الأَسرى عُقْبَةُ بن أبي مُعْيطٍ والنَّضْرُ بنُ الحارث، فلما كان رسولُ الله ﷺ بالصَّفْراء (١) قَتَلَ النَّضْرَ بنَ الحارث، قَتَله عليُّ بنُ أبي طالب كما خُبِّرْتُ، ثم مَضى رسولُ الله ﷺ ، فلمَّا كان بِعرْقِ الظَّبْيَة (٢) قُتل عقبةُ بنُ أبي مُعيط، قَتَله عاصمُ بن ثابت (٣).
فالسببُ الذي أوجَبَ قَتْلَ هذيْن الرَّجُلَيْن من بين سائرِ الأَسرى: أذاهم للهِ ولرسولهِ بالقول والفعل؛ فإنَّ الآياتِ التي نزلت في النَضْر معروفة (٤).
стр. 2429
° قال الواقديُّ: كان النضرُ بنُ الحارث أَسَرَهُ المِقْدَادُ بن الأسود، فلمَّا خرج رسولُ الله ﷺ من بدرٍ فكان بالأُثَيِّل (١) عُرِض عليه الأسْرَى، فنظر إلى النضرِ بنِ الحارث فأبدَّه البصرَ (٢)، فقال لرجلٍ إلى جنبه: محمدٌ واللهِ قاتِلي، لقد نظر إليَّ بعينين فيهما الموت، فقال الذي إلى جنبه: "واللهِ ما هذا منك إلاَّ رعب"، فقال النضرُ لمصعبِ بنِ عمير: يا مصعبُ، أنت أقرب مَنْ ها هنا بي رحمًا، كلمْ صاحبَك أن يجعلَني كرجلٍ من أصحابي، هو واللهِ قاتلي إن لم تفعلْ، قال مصعب: إنَّك كنتَ تقولُ في كتاب الله كذا وكذا، وتقول في نبيَّه كذا وكذا، قال: يا مُصعبُ، يجعلُني كأحدِ أصحابي، إن قُتلوا قُتلت، وإن مَنَّ عليهم مَنَّ عليَّ، قال مصعبٌ: إنك كنت تُعذِّب أصحابَه -وذكر الحديث-، إلى أن قال: فقتله عَلِيُّ بن أبي طالب صبرًا بالسيف (٣).
° وقد أهدَرَ رسولُ الله ﷺ دَمَ كعبِ بنِ زُهير بن أبي سُلْمى لهجائه إيَّاه، ثم قدم على رسول الله ﷺ تائبًا وأنشده قصيدتَه المشهورة "بانت سعاد" وفيها:
أنبِئْتُ أنَّ رَسُولَ الله أوْعدَنِي … وَالعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ الله مَأمُولُ
مَهْلاً هَدَاكَ الَّذِي أَعْطَاَكَ نَافِلَةَ الْ … قرآنِ فِيه مَوَاعيظٌ وتَفْصِيْلُ
لَا تَأْخُذَنِّي بِأقْوَالِ الوُشَاةِ وَلَمْ … أُذْنِبْ، وَلَو كَثُرَتْ فِيَّ الأقَاوِيلُ
стр. 2430
ومن ذلك: أن أصحابه كانوا إذا سَمِعوا مَنْ يَسُبُّه ويؤذيه ﷺ قتلوه، وإن كان قريبًا، فيُقرُّهم على ذلك ويرضاه، وربما سَمَّى مَنْ فعل ذلك "ناصرًا لله ورسوله".
فهذه الأحاديثُ كلُّها تدلُّ على أنَّ مَن كان يسبُّ النبيَّ ﷺ ويؤذيه من الكفار، فإنَّه كان يَقصِدُ قَتْلَه، وَيحضُّ عليه لأجل ذلك، وكذلك أصحابُه بأمره يفعلون ذلك، مع كَفِّه عن غيرِه ممن هو على مِثل حاله في أنه كافرٌ غيرُ معاهَد، بل مع أمانهِ لأولئك، أو إحسانِه إليهم من غير عهدٍ بينه وبينهم، ثم مِن هؤلاءمَنْ قُتل، ومنهم من جاء مسلمًا تائبًا فعُصِم دمه.
* سنَّة الله فيمن لا يقدرُ المسلمون على الانتقام منه:
ومِن سُنةِ الله أن مَن لم يُمكَّنِ المؤمنون أن يُعذِّبوه مِن الذين يؤذون اللهَ ورسولَه، فإن اللهَ سبحانه ينتقمُ منه لرسوله ويكفيه إياه، كما قدمنا بعضَ ذلك في قصةِ الكاتب المفتَرِي، وكما قال سبحانه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [٩٥]﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٤].
والقصةُ في إهلاكِ الله واحدًا واحدًا من هؤلاء المستهزئين معروفة، قد ذكرها أهلُ السِّير والتفسير، وهم -على ما قيل- نفرٌ من رؤوس قريش: منهم الوليدُ بن المغيرة، والعاصُ بن وائل، والأسودانِ بنُ المطلب وابنُ عبد يغوث، والحارثُ بن قيس.
وقد كَتب النبيُّ ﷺ إلى كِسرى وقيصر، وكلاهما لم يُسْلم، لكنَّ قيصرَ أكرَمَ كتاْبَ رسولِ الله ﷺ ، وأكرم رسوله، فَثَبَتَ مُلكُه، فيقال: إن المُلكَ باقٍ في ذريته إلى اليوم، وكِسرى مَزَّق كتابَ رسول الله ﷺ ،
стр. 2431
واستهزأ برسول الله ﷺ ، فقتله اللهُ بعد قليل، ومَزَّق مُلكَه كل ممزَّق، ولم يبقَ للأكاسرة مُلكٌ، وهذا -والله أعلم- تحقيقُ قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣].
فكلُّ من شَنَأه وأبغَضَه وعاداه، فإن الله تعالى يقطعُ دابرَه، ويَمحقُ عينَه وأثَره، وقد قيل: إنها نزلت في العاصِ بنِ وائل، أو في عقبةَ بنِ أبي مُعيط، أو في كعب بن الأشرف، وقد رأيتَ صنيعَ الله بهم (١).
ومن الكلام السائر: "لحومُ العلماء مسمومة" .. فكيف بلحوم الأنبياء ﵈.
• وفي "الصحيح" عن النبي ﷺ قال:" يَقُولُ الله تَعَالَى: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالمُحَارَبَةِ" (٢).
فكيف بمَن عَادى الأنبياء؟ ومن حارَبَ اللهَ حُرِبَ، وإذا استَقريتَ قَصَصَ الأنبياءِ المذكورةَ في القرآن تجدُ أُممهم إنما أُهلكوا حين آذَوا الأنبياء وقابلوهم بقبيحِ القول أو العمل، وهكذا بنُو إسرائيل إنما ضُربت عليهم الذِّلَّة، وباؤوا بغضبٍ من الله، ولم يكن لهم نصيرٌ لقتلهم الأنبياءَ بغيرِ حقٍّ مضمومًا إلى كُفرهم، كما ذَكر اللهُ ذلك في كتابه، ولعلَّك لا تَجِدُ أحدًا آذى نبيًّا من الأنبياء، ثم لم يَتُبْ إلاَّ ولابد أن يُصيبَه اللهُ بقارعةٍ، وقد ذكرنا ما جرَّبه المسلمون من تعجيلِ الانتقام من الكفارِ إذا تعرَّضوا لسبِّ
стр. 2432
رسول الله ﷺ ، وبلغنا مثلُ ذلك في وقائعَ متعددة، وهذا بابٌ واسعٌ لا يُحاط به، ولم نَقصِدْ قَصْدَه هنا، وإنما قَصَدْنا بيانَ الحُكمِ الشرعيَّ.
• وكان سبحانه يَحْميه ويَصْرفُ عنه أذى الناسِ وشَتْمَهم بكلِّ طريق، حتى في اللفظ؛ ففي "الصحيحين" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أَلا تَرَوْنَ كيْفَ يَصْرِفُ اللهُ عنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ؟ يَشْتُمُونَ مُذَمَّمًا وَيَلعَنُونَ مُذَمَّمًا، وَأَنَا مَحَمَّدٌ" (١).
فنزَّه الله اسمَه ونَعْتَه عن الأذى، وصَرَف ذلك إلى مَن هو مذمَّم، وإن كان المؤذي إنما قصد عينه.
الحديث الثاني عشر:
• روى النسائي عن أبي بَرزةَ قال: أُتي رسولُ الله ﷺ بمالٍ فقَسَمه، فأعطى مَنْ عن يمينه ومَنْ عن شماله، ولم يُعطِ مَنْ وَراءه شيئًا، فقام رجلٌ من ورائهِ فقال: يا محمدُ، ما عَدَلْتَ في القسمة -رجلٌ أسود مطمومُ الشعر، عليه ثوبانِ أبيضان-، فغضب رسولُ الله ﷺ غضبًا شديدًا، وقال:
стр. 2433
"واللهِ لا تَجِدُون بَعْدي رَجُلاً هو أعْدَلُ مِنَّي"، ثم قال: "يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ كأنَّ هذَاَ منْهُمْ يَقْرَؤُونَ الْقُرآنَ لَا يُجاوِزُ تَرَاقِيهمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإسْلامِ كمَا يَمْرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، سيمَاهُمُ التَحْليقُ (١) لَاَ يَزَالُونَ يَخْرُجُون حَتى يَخْرُجَ آخِرُهم معَ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، فإذا لَقيتُموهُم فَاقْتُلُوهُم، هُمْ شَرُّ الْخَلقِ وَالخَلِيقَةِ" (٢).
° فهذا دليلٌ على أن النبيَّ ﷺ أمَر بقتلِ طائفةِ هذا الرجل العائب عليه، وأخبر أن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم وقال: "لَئِنْ أدرَكْتُهمْ لأقْتُلَنَّهُم قَتْلَ عادٍ"، وذكر أنهم شَرُّ الخَلقِ والخليقة.
° وفيما رواه الترمذِيُّ وغيرُه عن أبي أمامة أنه قال: "هُمْ شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أدِيْمِ السَّمَاءِ، خَيْرُ قَتْلى مَنْ قَتَلوه".
* وذُكر أنه سمع النبي ﷺ يقول ذلك مراتٍ متعددة، وتلا فيهم قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] (٣).
стр. 2434
فإن ثَبَتَ بهذه الأحاديث الصحيحةِ أنه ﷺ أَمَر بقتل مَن كان من جنسِ ذلك الرجلِ الذي لَمَزَه أينما لُقُوا، وأخبر أنهم شَرُّ الخَليقة، وثَبَتَ أنهم مِن المنافقين: كان ذلك دليلاً على صحَّةِ معنى حديث الشعبي في استحقاق أصلِهم للقتل.
* ولقد اختلف العلماءُ في حكمِ الخوارج:
فمِمَّن قال بتكفيرهم: الإِمامُ البخاري والقاضي أبو بكر بن العربي وتقي الدين السبكي والطبري والقرطبي والقاضي عياض ..
ومِمَّن قال بتفسيقهم: ذهب أكثرُ أهلِ الأصول من أهلِ السنة إلى أن الخوارج فُسَّاق، وأن حُكم الإسلام يجري عليهم لتلفظهم بالشهادتين ومواظبتهم على أركان الإسلام.
قال الخطابي: أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين وأنهم لا يُكفَّرون ما داموا متمسكين بأصل الإسلام.
وقال ابن بطال: ذهب جمهورُ العلماء إلى أن الخوارج غيرُ خارجين عن جملة المسلمين، ومن توقف في تكفيرهم: وهم المتكلمون، وكادت أن تكون هذه المسألة أشدَّ إشكالاً عند المتكلمين من غيرها، ومنهم: الإِمام أبو المعالي وقيله القاضي الباقلاني، وكذا الغزالي. وللتفصيل في أقوال العلماء وأدلة كل فريق ينظر: "فتح الباري" المطبوع مع "صحيح البخاري" (١٢/ ٣١٣) في آخر شرح الحديثين رقم (٦٩٣٣، ٦٩٣٤)، من كتاب
стр. 2435
"استتابة المرتدين"- باب من ترك قتال الخوارج.
* إِجماعُ الصحابةِ على كفر سابِّ الرسول ﷺ -:
وأمَّا إجماعُ الصحابة ﵃، فلأنَّ ذلك نُقِلَ عنهم في قضايا متعدِّدة ينتشرُ مِثلُها ويستفيض، ولم يُنكِرْها أحدٌ منهم؛ فصارت إجماعًا، واعلمْ أنه لا يمكن ادِّعاء إجماعِ الصحابة على مسألةٍ فَرْعية بأبْلَغَ من هذا الطريق.
° فمن ذلك ما ذَكره سَيفُ بنُ عمرَ التميميُّ (١) في كتاب "الردَّة والفتوح" عن شيوخه، قال: ورُفع إلى المهاجر -يعني: المُهاجرِ بن أبي أمية، وكان أميرًا على اليمامة ونواحيها- امرأتانِ مغنيتانِ غَنَّتْ إحداهما بشَتْمِ النبي ﷺ ، فَقَطع يدها، ونَزعَ ثَنيَّتها، وغَنَّتِ الأخرى بهجاءِ المسلمين فقطع يَدَهَا، ونَزعَ ثنيتَّها، فكتب أبو بكر: "بَلَغني الذي سرت به في المرأة التي تغنَّتْ وزَمَّرت بشَتمِ النبي ﷺ ، فلولا ما قد سبقتني فيها لأمرتُك بقَتْلِها؛ لأن حدَّ الأنبياء ليس يشبهُ الحدود؛ فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد، أو معاهدٍ فهو محارِب غادر".
° وكتب إليه أبو بكر في التي تَغنَّتْ بهجاء المسلمين: "أمَّا بعد، فإنَّه بلغني أنك قطعت يَدَ امرأة في أن تَغَنَّتْ بهجاء المسلمين ونزعتَ ثَنِيَّتَهَا، فإنْ كانت ممن تدعي الإسلام فأدَبٌ وتقدمة دون المُثْلة، وإن كانت ذِمِّيةً فلعمري لَمَا صَفَحَت عنه من الشرك أعظم، ولو كنتُ تقدَّمتُ إليك في مثل هذا لبلغتَ مكروهك، فاقبَلِ الدَّعَةَ، وإياك والمُثْلةَ في الناس؛ فإنَها مأثم ومنفرة إلاَّ في قصاص".
стр. 2436
° وقد ذكر هذه القصةَ غيرُ سيف (١)، وهذا يوافقُ ما تقدم عنه أن مَنْ شَتم النبي ﷺ كان له أن يقتلَه، وليس ذلك لأحدٍ بعده، وهو صريحٌ في وجوب قَتْل من سَبَّ النبي ﷺ من مسلمٍ ومعاهَدٍ -وإن كان امرأة-، وأنه يُقْتَل بدون استتابة، بخلاف مَنْ سبَّ الناس، وأن قتله حدٌّ للأنبياء كما أن جَلْدَ مَن سَب غيرَهم حدٌّ له، وإنما لم يأمرْ أبو بكر بقَتْل تلك المرأةِ؛ لأن الهاجِرَ سَبق منه فيها حدٌّ باجتهاده، فكَرِهَ أبو بكر أن يجمعَ عليها حَدَّيْن، مع أنه لعلَّها أسلمت، أو تابت فقَبِلَ المهاجرُ توبتَها قبلَ كتاب أبي بكر، وهو محلُّ اجتهادٍ سَبق منه فيه حُكمٌ فلم يُغيِّره أبو بكر؛ لأنَّ الاجتهادَ لا يُنقضُ بالاجتهاد، وكلامُه يدلُّ على أنه إنما مَنَعه من قتلِها ما سبق من المهاجر.
° ورَوى حَرْبٌ في "مسائله" عن لَيْث بنِ أبي سُلَيم، عن مجاهدٍ قال: "أُتي عُمرُ برَجُل سَبَّ النبي ﷺ ، فقتله، ثم قال عمرُ: مَنْ سَبَّ الله، أو سَبَّ أحدًا من الأنبياء فاقتلوه".
° قال ليثٌ: وحدثني مجاهدٌ عن ابن عباس قال: "أيُّما مسلم سبَّ اللهَ، أو سَبَّ أحدًا من الأنبياء، فقد كَذَّبَ برسول الله ﷺ ، وهي رِدَّةٌ، يُسْتتاب، فإنْ رَجَع وإلاَّ قُتِلَ، وأيما معاهدٍ عاند فسَبَّ الله، أو سَبَّ أحدًا من الأنبياء، أو جَهَر به، فقد نَقَضَ العهد فاقتلوه".
° وعن أبي مَشجعةَ بنِ رِبعيٍّ قال: "لَمَّا قَدِمَ عمرُ بنُ الخطاب الشامَ قام قُسْطَنْطِين بِطْرِيقُ الشام، وذكر معاهدةَ عمرَ له وشروطه عليهم، قال: اكْتُبْ بذلك كتابًا، قال عمرُ: نعم، فبينا هو يكتبُ الكتابَ إذ ذكر عمر،
стр. 2437
فقال: إني أستثني عليك مَعَرَّةَ الجيش مرتين، قال: لك ثُنْيَاك (١) وقَبَّحَ الله من أقَالَكَ (٢)، فلما فرغ عمرُ من الكتاب قال له: يا أميرَ المؤمنين، قُمْ في الناس فأخبِرْهم الذي جَعَلْتَ لي، وفرَضْتَ عَلَيَّ؛ ليتناهَوْا عن ظُلْمي، قال عمرُ: نعم، فقام في الناس، فحمدَ الله وأثنى عليه، فقال: الحمدُ لله أحمدُه وأستعينه، مَنْ يَهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلل فلا هاديَ له، فقال النَّبَطيُّ: إن اللهَ لا يُضِلُّ أحدًا، فقال عمرُ: ما يقول؟ قالوا: لا شيءَ، وعاد النبطيُّ لمقالته، فقال: أخبرني ما يقول، قال: يزعمُ أن اللهَ لا يُضِلُّ أحدًا، قال عمر: إنا لم نُعطِكَ الذي أعطيناك لتدخلَ علينا في ديننا، والذي نفسي بيده لَئِنْ عُدتَ لأضربنَّ الذي فيه عيناك، وأعاد عمرُ، ولم يَعُدِ النبطيُّ، فلمَّا فرغ عمرُ أخذ النبطيُّ الكتاب"، رواه حرب (٣).
فهذا عمرُ ﵁ بمَحْضرٍ من المهاجرين والأنصار يقولُ لمن عاهده: "إنا لم نُعطِكَ العهدَ على أن تدخلَ علينا في ديننا"، وحَلَفَ لئن عاد ليضربَنَّ عنقه؛ فعُلم بذلك إجماعُ الصحابة على أن أهلَ العهدِ ليس لهم أن يُظهِروا الاعتراضَ علينا في ديننا، وأن ذلك منهم مُبِيحٌ لدمائهم.
وإنَّ من أعظمِ الاعتراض سَبَّ نبينا ﷺ ، وهذا ظاهرٌ لا خَفَاء به، لأن إظهارَ التكذيب بالقَدَرِ من إظهار شتم النبي ﷺ .
وإنما لم يَقتُلْه عمرُ؛ لأنه لم يكن قد تقرَّر عنده أن هذا الكلامَ طَعْنٌ في
стр. 2438
ديننا؛ لجوازِ أن يكون اعتَقد أن عمرَ قال ذلك من عنده، فلما تقدم إليه عمرُ وبيَّنَ له أن هذا ديننا قال له: "لئن عُدْت لأقتلنك".
ومِن ذلك ما اسَتدلَّ به الإمام أحمد، ورواه عن هُشيم: ثنا حُصين، عمَّن حدَّثه، عن ابنِ عمر قال: "مرَّ به راهبٌ، فقيل له: هذا يسبُّ النبي ﷺ ، فقال ابن عمر ﵄: لو سمعتُه لقتلتُه، إنا لم نُعطِهِمُ الذِّمَّةَ على أن يسبُّوا نبيَّنا ﷺ " (١).
ورواه أيضَا من حديثِ الثوريِّ، عن حُصينٍ، عن شيخٍ أن ابن عمر ﵄ أَصْلَتَ (٢) على راهِبٍ سبَّ النبي ﷺ بالسيفِ، وقال: "إنا لم نُصالِحْهم على سبِّ النبي ﷺ " (٣).
* حُكْم مَن سَبَّ النبي ﷺ مِن مسلمٍ أو كافرٍ وجوبُ قتلِه:
° قال شيخُ الإسلام ابن تيمية في كتابه المبارَك "الصارم المسلول على شاتم الرسول ﷺ ":"هذا مذهَبُ عامةِ أهل العلم .. قال ابنُ المُنْذِرِ: "أجمعَ عوامُّ أهلِ العلمِ على أَن حَدَّ مَن سبَّ النبي ﷺ القتل، وممن قاله مالكٌ واللَّيثُ وأحمدُ وإسحاقُ، وهو مذهبُ الشافعي".
стр. 2439
° قال: "وحُكي عن النعمان (١): لا يُقتل -يعني: الذِّمِّيَّ-، ما هُو عليه من الشركِ أعْظَمُ" (٢).
وقد حَكى أبو بكر الفارسي (٣) من أصحابِ الشافعي -إجماعَ المسلمين على أنَّ حدَّ من يَسبُّ النبيَّ ﷺ القتل، كما أن حدَّ مَن سبَّ غيرَه الجَلْدُ.
وهذا الإجماعُ الذي حكاه محمولٌ على إجماع الصَّدْرِ الأوَّل مِن الصحابة والتابعين، أو أنه أرادَ به إجماعَهم على أن سابَّ النبِّي ﷺ يجبُ قتلُه إذا كان مسلمًا، وكذلك قَيَّدَه القاضي عِيَاضٌ، فقال: "أجمَعَتِ الأمة على قَتْل متنقِّصِه من المسلمين وسابِّه" (٤)، وكذلك حَكَى عن غيرِ واحدٍ الإجماعَ على قتله وتكفيره (٥).
° وقال الإمامُ إسحاقُ بنُ رَاهُوْيَه -أحدُ الأئمة الأعلام-: "أجمع
стр. 2440
المسلمون على أنَّ من سَبَّ اللهَ، أو سَبَّ رسولَه ﷺ ، أو دَفَعَ شيئًا مما أنزل الله ، أو قَتَلَ نبيًّا من أنبياء اللهِ ، أنه كافر بذلك -وإن كان مُقرًّا بكلِّ ما أنزل اللهُ-".
° وقال الخَطَّابي: "لا أعلمُ أحدًا من المسلمين اخْتَلَفَ في وُجُوب قَتْله" (١).
° وقال محمدُ بنُ سَحْنُون: "أجمع العلماءُ على أن شاتِمَ النبيِّ ﷺ المتَنَقِّصَ له كافرٌ، والوعيدُ جارٍ عليه بعذاب اللهِ له، وحُكْمُه عند الأُمةِ القتْلُ، وَمَنْ شَكَّ في كُفره وعذابه كَفَر" (٢).
وتحريرُ القول فيها: أنَّ السابَّ إن كان مسلمًا، فإنه يَكفُرُ ويُقْتَلُ بغير خلاف، وهو مذهبُ الأئمةِ الأربعة وغيرهم، وقد تقدم ممن حكى الإجماعَ على ذلك من الأئمة مثل إسحاق بن رَاهُوْيَه وغيره.
وإن كان ذمِّيًّا، فإنه يُقتل أيضًا في مذهب مالكٍ وأهْل المدينة، وسيأتي حكايةُ ألفاظهم، وهو مذهبُ أحمد وفقهاءِ الحديث، وقد نَصَّ أحمدُ على ذلك في مواضعَ متعددة.
° قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: "كلُّ مَن شَتَم النبيَّ ﷺ أو تنقَّصه -مسلما كان أو كافرًا-، فعليه القتلُ، وأرى أن يُقتلَ ولا يُستتاب".
° قال: وسمعتُ أبا عبد اللَّه يقول: "كلُّ مَنْ نَقَضَ العهدَ، وأحدَثَ في الإسلام حَدَثًا مِثلَ هذا، رأيتُ عليه القتل، ليس على هذا أُعْطَوا العهدَ والذِّمَّة".
стр. 2441
° وكذلك قال أبو الصقر (١): سألتُ أبا عبد الله عن رجلٍ من أهل الذمَّة شَتَم النبيَّ ﷺ ، ماذا عليه؟ قال: إذا قامت عليه البينةُ يُقتل مَنْ شَتَم النبي ﷺ ، مسلمًا كان أو كافرًا"، رواهما الخَلَّالُ (٢).
° وقال في رواية عبد الله وأبي طالب (٣) -وقد سُئل عمَّن شَتَم النبيَّ ﷺ قال: "يُقتل، قيل له: فيه أحاديث؟ قال: نعم، أحاديث منها: حديث الأعمى الذي قَتَل المرأة، قال: "سمعتها تَشتمُ النبيَّ ﷺ "، وحديثُ حُصَينٍ أن ابن عُمرَ قال: "مَن شَتَمَ النبيَّ ﷺ قُتل" (٤)، وعمرُ ابن عبد العزيز يقول: "يُقتل" (٥)، وذلك أنه مَن شتم النبيَّ ﷺ فهو مُرْتَدٌّ عن الإِسلام، ولا يَشتُمُ مسلمٌ النبيَّ ﷺ ".
° زاد عبدُ الله: "سألتُ أبي عمَّن شَتَم النبيَّ ﷺ ، يُستتاب؟ قال: قد وَجَب عليه القتلُ، ولا يُستتاب؟ خالدُ بنُ الوليد قَتَلَ رجلاً شَتَم النبي ﷺ ولم يَسْتَتِبْه"، رواهما أبو بكر (٦) في "الشافي".
° وفي رواية أبي طالب: "سئل أحمدُ عمَّن شَتَم النبيَّ ﷺ ، قال يُقْتَلُ، قد نَقَضَ العَهْدَ".
стр. 2442
° وقال حَربٌ: "سألتُ أحمدَ عن رجلٍ من أهل الذمةِ شَتَم النبيَّ ﷺ ، قال: يُقتلُ إذا شتَمَ النبي- ﷺ " .. رواهما الخَلَّال (١).
وقد نصَّ هذا في غير هذه الجوابات.
فأقوالُه كلُّها نصٌّ وجوب قتله، وفي أنه قد نَقَض العهد، وليس عنه في هذا اختلافٌ، وكذلك ذَكَر عامةُ أصحابِه، متقدِّمِهم ومتأخِّرِهم، لم يختلفوا في ذلك.
وأما الشافعي، فالمنصوصُ عنه نفسهِ: أنَّ عَهْدَه يَنتقضُ بسبِّ النبيِّ ﷺ ، وأنه يقتل .. هكذا حكاه ابنُ المُنْذِر والخطابيُّ (٢) وغيرهُما.
° والمنصوص عنه في "الأُمِّ" أنه قال: "إذا أراد الإمامُ أن يكتبَ كتابَ صُلحٍ على الجِزية كَتَب .. " -وذكر الشروطَ-، إلى أن قال: "وعلى أنَّ أحدًا منكم إن ذَكر محمدًا ﷺ أو كتابَ الله أو دينَه بما لا ينبغي أن يَذكُرَه به، فقد بَرِئَتْ منه ذمةُ الله ثم ذمةُ أمير المؤمنين وجميع المسلمين، ونَقَض ما أُعطي من الأمان، وحَلَّ لأميرِ المؤمنين مالُه ودمُه كما تَحِلُّ أموالُ أهل الحربِ ودماؤهم، وعلى أن أحدًا من رجالهم إن أصاب مُسلمةً بزنًى أو اسمِ نكاحٍ، أو قَطَع الطريقَ على مسلمٍ، أو فَتَنَ مسلمًا عن دينه، أو أعان المحارِبين على المسلمين بقتالٍ أو دَلالةٍ على عَوْرَات المسلمين، أو إيواءٍ لعيونهم، فقد نَقَضَ عهدَه، وأحلَّ دَمَه ومالَه .. وإنْ نال مسلمًا بما دون هذا في مالِهِ أو عِرْضِهِ .. لزمه فيه الحكم" (٣).
стр. 2443
° ثم قال: "فهذه الشروطُ اللازمةُ إن رَضِيَ بها، فإن لم يَرْضَهَا، فلا عَقْدَ له ولا جِزْيَةَ" (١).
° ثم قال: "وأيُّهم قال أو فَعَل شيئًا مما وَصفتُه نَقْضًا للعهدِ وأسلم، لم يُقتلْ إذا كان ذلك قولاً، وكذلك إذا كان فعلاً لم يُقتلْ، إلاَّ أن يكونَ في دينِ المسلمين أَنَّ مَنْ فَعَله قُتِل حدًّا أو قِصاصًا، فيُقتلُ بحدٍّ أو قصاصٍ -لا نَقضِ عهدٍ-.
وإن فَعَل مما وصفنا وشُرط أنه نقضٌ لعهد الذمة، فلم يُسْلِمْ، ولكنه قال: "أتوبُ وأُعْطِي الجِزْية كما كنتُ أعطيها، أو على صُلْحٍ أجَدِّدُه"، عوقب ولم يُقتلْ، إلاَّ أن يكون فَعَل فعلاً يوجبُ القصاصَ أو الحدَّ، فأما ما دون هذا من الفعل أو القولِ، فكلُّ قولٍ فيُعاقَبُ عليه ولا يُقتل" (٢).
° وأما أبو حنيفةَ وأصحابُه، فقالوا: "لا يُنتقضُ العهدُ بالسبِّ، ولا يُقتل الذِّمي بذلك، لكن يُعَزَّر على إظهارِ ذلك كما يُعزَّرُ على إظهارِ المنكراتِ التي ليس لهم فِعلُها من إظهارِ أصواتِهم بكتابهم ونحو ذلك".
وحكاه الطحاويُّ عن الثوريِّ.
ومِن أصولهم أنَّ ما لا قَتلَ فيه عندهم -مِثلَ القتل بالمُثَقَّل والجِماع في غير القُبُل إذا تكرر-، فللإمام أن يقتلَ فاعلَه، وكذلك له أن يَزيدَ على الحدِّ المُقَدَّر إذا رأى المصلَحَةَ في ذلك، ويحملون ما جاء عن الرسولِ ﷺ وأصحابه من القتل في مِثل هذه الجرائم على أنه رَأى المصلحة في ذلك، ويُسمونه "القَتْلَ سياسةً"، وكان حاصلُه أن له أنْ يُعزِّرَ بالقتل في الجرائم
стр. 2444
التي تَغَلَّظَت بالتكرار، وشُرع القتلُ في جنسِها، ولهذا أفتَى أكثرُهم بقَتلِ مَنْ أكثر مِن سبِّ النبي ﷺ مِن أهل الذمة وإن أسْلَم بعدَ أخْذِه، وقالوا: "يُقتل سياسةً"، وهذا متوجهٌ على أصولهم" اهـ. من"الصارم المسلول" (١).
* الأدلةُ على انتقاضِ عهدِ الذمِّي السَّابِّ:
° قال شيخُ الإِسلام ابن تيمية: "والدلالةُ على انتقاضِ عهد الذميِّ بسبِّ اللهِ أو كتابهِ أو دينهِ أو رسولهِ، ووجوبِ قتلهِ وقتلِ المسلم إذا أتى ذلك: الكتابُ، والسُّنة، وإجماعُ الصحابةِ والتابعين، والاعتبارُ.
أما الكتابُ: فيُستنبط ذلك منه من مواضع:
أحدها: قولُه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
فأمَرَنا بقتالهم إلى أن يُعْطُوا الجزيةَ وهم صاغرون، فلا يجوزُ الإمساكُ عن قتالهم إلاَّ إذا كانوا صاغِرين حالَ إعطائهم الجِزيةَ، ومعلومٌ أن إعطاءَ الجزيةِ من حينِ بَذْلِها والتزامَها إلى حين تسليمِها وإقباضها، فإنهم إذا بذلوا الجزيةَ شَرَعُوا في الإعطاء، ووجب الكفُّ عنهم إلى أن يُقْبِضُونَاهَا فيتمُّ الإعطاءُ؛ فمتى لم يلتزموها أو التزموها أولًا وامتنعوا من تسليمها ثانيًا لم يكونوا مُعطِينَ للجزية؛ لأن حقيقةَ الإِعطاءِ لَم تُوجد، وإذا كان الصَّغَارُ حالاًّ عليهم في جميع المُدَّة، فمِن العلوم أن مَن أظهَرَ سَبَّ نبيِّنا في وجوهِنا وشَتَمَ ربَّنَا على رؤوسِ المَلأ منَّا وطَعَنَ في ديننا في مجامعِنا فليس بصاغرِ؛
стр. 2445
لأن الصَّاغِرَ: الذليلُ الحقيرُ، وهذا فِعلُ متعزَّزٍ مُرَاغِم، بل هذا غايةُ ما يكونُ من الإذلالِ لنا والإِهانةِ.
° قال أهل اللغةِ: الصَّغار: الذُّلُّ والضَّيْم .. يقال: صَغِر الرَّجُلُ -بالكسر-: يصْغَرُ -بالفتح-: صَغَرًا وصُغَرًا، والصَّاغِرُ: الراضي بالضَّيْمِ.
ولا يَخفى على المتأمِّل أنَّ إظهارَ السبِّ والشتمِ لدينِ الأُمةِ الذي به اكتَسبت شَرَفَ الدنيا والآخرة، ليس فِعلَ راضٍ بالذلِّ والهوانِ، وهذا ظاهرٌ لا خفاء به.
وإذا كان قتالُهم واجبًا علينا إلاَّ أن يكونوا صاغِرين، وليسوا بصاغِرين، كان القتالُ مأمورًا به، وكلُّ من أُمِرْنَا بقتاله من الكفار، فإنه يُقتلُ إذا قَدَرنا عليه.
وأيضًا، فإنَّا إذا كُنا مأمورين أن نقاتلَهم إلى هذه الغاية، لَم يَجُزْ أن نَعْقِدَ لهم عهدَ الذمةِ بدونها، ولو عُقِدَ لهم كان عقدًا فاسدًا، فيَبقُون على الإباحة.
الموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ٧ - ١٢].
نفى سبحانه أن يكون لمشركٍ عهدٌ ممن كان النبيُّ ﷺ قد عاهَدهم، إلاَّ قومًا ذَكَرهم، فإنه جَعل لهم عَهدًا ما داموا مستقيمين لنا، فعُلم أن العهدَ لا يَبقى للمشركِ إلاَّ ما دام مستقيمًا، ومعلومٌ أن مُجاهرتَنا بالشَّتيمةِ والوقيعةِ
стр. 2446
في رَبِّنا ونبينا وديننا وكتابنا يَقْدَحُ في الاستقامة، كما تَقْدَحُ مجاهرتُنا بالمحاربةِ في العهدِ، بل ذلك أشدُّ علينا إن كنَّا مؤمنين؛ فإنه يجبُ علينا أنْ نَبذُلَ دماءَنا وأموالَنا حتى تكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا، ولا يُجْهَر في ديارنا بشيءٍ مِن أذى اللهِ ورسوله، فإذا لم يكونوا مستقيمين لنا بالقَدْح في أهْوَنِ الأمرين، كيف يكونون مستقيمين مع القدح في أعظمهما؟!.
* يوضِّحُ ذلك قولُه تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨]، أي: كيف يكون لهم عهدٌ، ولو ظَهروا عليكم لم يَرقُبُوا الرَّحِمَ التي بينكم ولا العهدَ الذي بينكم؟ فعُلم أنَّ مَن كانت حالُه أنه إذا ظَهر لم يرْقُبْ ما بيننا وبينه من العهدِ، لم يكنْ له عهدٌ، ومَنْ جَاهَرَنا بالطعن في ديننا، كان ذلك دليلاً على أنه لو ظَهَر لم يَرْقُبِ العهدَ الذي بيننا وبينه؛ فإنه إذا كان مع وجودِ العهدِ والذِّلَّةِ يفعلُ هذا، فكيف يكونُ مع العِزَّةٍ والقُدرةِ؟ وهذا بخلافِ مَنْ لم يُظْهِرْ لنا مثلَ هذا الكلامِ، فإنه يجوزُ أن يَفِيَ لنا بالعهدِ لو ظَهر.
وهذه الآية -وإن كانت في أهلِ الهُدْنَةِ الذين يُقيمون في دارهم-، فإن معناها ثابتٌ في أهلِ الذِّمةِ المقيمين في دارِنا بطريق الأولى.
الموضع الثالث: قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]، وهذه الآيةُ تدلُّ مِن وجوهٍ:
أحدها: أنَّ مجردَ نَكْثِ الأيمان مقتضٍ للمُقاتَلة، وإنما ذَكَر الطعنَ في الدين وأَفَرَدَه بالذِّكر تخصيصًا له بالذكر وبيانًا؛ لأنه من أقوى الأسباب
стр. 2447
المُوجِبةِ للقتال، ولهذا يُغَلَّظُ على الطاعن في الدين من العقوبة ما لا يُغلَّظُ على غيره من الناقضين -كما سنذكره إن شاء الله تعالى-، أو يكون ذَكَرَه على سبيل التوضيحِ وبيانِ سبب القتال؛ فإن الطعنَ في الدين هو الذي يجبُ أن يكون داعيًا إلى قتالهم لتكونَ كلمةُ الله هي العليا .. وأما مجرَّدُ نكثِ اليمين، فقد يُقاتَلُ لأجلِه شجاعةً وحَمِيَّةً ورياءً، ويكون ذكر لطعن في الدين لأنه أوجَبَ القتالَ في هذه الآية بقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾، وبقوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ إلى قوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٣، ١٤] الآية. فيُفيد ذلك أن مَنْ لم يَصْدُرْ منه إلاَّ مجردُ نكثِ اليمين، جاز أن يُؤمَّنَ ويعاهَد، وأمَّا مَنْ طَعَن في الدين فإنه يتعيَّنُ قتالُه، وهذه كانت سنةَ رسول الله ﷺ ؛ فإنه كان يُنْدِرُ (١) دماءَ مَن آذى اللهَ ورسوله وطَعَن في الدين -وإن أمْسَكَ عن غيره-، وإذا كان نقضُ العهدِ وحده مُوجِبًا للقتال -وإن تَجَرَّد عن الطعن-، عُلم أنَّ الطعنَ في الدِّين إما سَبَبٌ آخر، أو سببٌ مستلزِمٌ لنقضِ العهد، فإنه لا بد أن يكونَ له تأثيرٌ في وجوب المقاتَلة، وإلاَّ كان ذِكرُه ضائعًا.
الوجه الثاني: أن الذِّميَّ إذا سبَّ الرسولَ أو سبَّ اللهَ أو عاب الإسلامَ علانيةً، فقد نكَث يمينَه وطَعَن في ديننا؛ لأنه لا خلافَ بين المسلمين أنه يُعاقَبُ على ذلك ويُؤَدَّبُ عليه، فعُلم أنه لم يُعاهَدْ عليه، لأنا لو عاهدناه
стр. 2448
عليه ثم فَعَلَه، لَم تَجُزْ عقوبتُه عليه، وإذا كنا قد عاهدناه على أن لا يَطعنَ في ديننا، ثم طَعَن في ديننا، فقد نَكَث في يمينه مِن بعدِ عهدِه وطَعَن في دينِنا، فيجبُ قتلُه بنصِّ الآية، وهذه دلالةٌ قويةٌ حسنة.
الوجه الثالث: أنه سَمَّاهم "أئمةَ الكفر" لطعنهم في الدين، وأوقَعَ الظاهَر موقع المُضْمَر؛ لأن قوله: ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ إمَّا أن يَعْنيَ به الذين نَكثوا وطعنوا، أو بعضهم، والثاني لا يجوزُ؛ لأن الفعلَ الموجِبَ للقتال صَدَرَ من جميعهم، فلا يجوزُ تخصيصُ بعضِهم بالجزاءِ؛ إذِ العِلَّةُ يجبُ طَرْدُها إلاَّ لمانعٍ -ولا مانع-، ولأنه عَلَّل ذلك ثانيًا بأنهم لا أيمانَ لهم، وذلك يَشملُ جميعَ الناكثين الطاعنين، ولأن النَّكث والطعن وَصفٌ مشتق مناسب لوجوب القتال، وقد رُتِّبَ عليه بحرفِ "الفاء" ترتيبَ الجزاء على شرطه، وذلك نصٌّ في أن ذلك الفعلَ هو الموجبُ للثاني؛ فثَبَت أنه عَنى الجميع، فيلزمُ أن الجميعَ أئمةُ كفرٍ، وإمامُ الكفر هو الداعي إليه المُتّبَعُ فيه، وإنما صار إمامًا في الكفرِ لأجلِ الطعن، فإنَّ مجرَّد النكث لا يُوجِبُ ذلك -وهو مناسِبٌ -، لأن الطاعنَ في الدين يَعيبُه وَيذُمُّه ويدعو إلى خلافه، وهذا شأنُ الإمام، فثَبَت أن كل طاعنٍ في الدين فهو إمامٌ في الكفر، فإذا طعن الذميُّ في الدين فهو إمامٌ في الكفر، فيجبُ قتالُه لقوله تعالى: ﴿فَقَاتلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾، ولا يمينَ له؛ لأنه عاهَدَنَا على ألاَّ يُظهِرَ عَيْبَ الدين هنا وخَالَفَ، واليمين هنا المراد بها: العهودُ -لا القَسَمُ بالله-، فيما ذكره المفسرون (١)،
стр. 2449
وهو كذلك.
الوجه الرابعِ: أنه قال تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: ١٣]، فجَعَل هَمَّهم بإخْرَاج الرَّسُولِ من المحضِّضات على قتالهم، وما ذاك إلاَّ لما فيه من الأذَى، وسَبُّه أغْلَظُ من الهمِّ بإخراجه، بدليل أنه ﷺ عفَا عامَ الْفَتْحِ عن الذين همُّوا بإخراجِه، ولم يَعْفُ عمَّن سَبَّه؛ فالذمِّيُ إذا أظهر سَبَّه فقد نَكَث عهده، وفَعَل ما هو أعظمُ من الهمِّ بإخراج الرسولِ، وبَدَأ بالأذى؛ فيجبُ قتالُه.
الوجه الخامس: قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥].
أمرَ سبحانه بقتالِ الناكثين الطاعنين في الدِّين، وضَمِنَ لنا -إن فَعَلْنا ذلك- أن يُعَذِّبهمِ بأيدينا ويُخزيَهم، وينصرَنا عليهم، ويَشفيَ صدورَ المؤمنين الذين تأذَّوا من نقْضِهم وطَعنِهم، وأن يُذهِبَ غيظَ قلوبهم؛ لأنه رتَّبَ ذلك على قتالِنا ترتيبَ الجزاءِ على الشرط، والتقديرُ: إن تُقَاتلوهم يَكُنْ هذا كلُّه؛ فدلَّ على أن الناكثَ الطاعنَ مستحقٌّ هذا كله، وإلاَّ فالكفارُ يُدَالُونَ علينا المرةَ وندَالُ عليهم الأخرَى (١)، وإن كانت العاقبة للمتقين، وهذا تصديقُ ما جاء في الحديث: "ما نَقَضَ قَوْمٌ العَهْدَ إلاَّ أُديِلَ عَلَيْهِمُ العَدُوُّ" (٢) والتعذيبُ
стр. 2450
بأيدينا هو القتلُ؛ فيكون الناكثُ الطاعنُ مستحقًّا للقتل، والسابُّ لرسول الله ﷺ ناكثٌ طاعنٌ كما تَقدَّم؛ فيَستحقُّ القَتْلَ، وإنما ذكر سبحانه النصرَ عليهم وأنه يتوبُ من بعدِ ذلك على مَن يشاء؛ لأنَّ الكلام في قتالِ الطائفةِ الممتنعة، فأما الواحدُ المستحقُّ للقتل، فلا ينقسمُ حتى يقال فيه: "يعذبُه اللهُ، ويتوبُ اللهُ مِن بعد ذلك على مَن يشاء"، على أن قولَه: ﴿مَنْ يشاءُ﴾ يجوزُ أن يكون عائدًا إلى مَنْ لم يَطعنْ بنفسه وإنما أقَرَّ الطاعن؛ فسُمِّيت الفئةُ طاعنةً لذلك، وعند التمييز فبعضُهم رِدْءٌ (١)، وبعضُهم مباشر، ولا يَلزمُ من التوبةِ على الرِّدْءِ التوبةُ على المباشر، ألَا ترى أن النبي ﷺ أهْدَرَ عام الفتح دَمَ الذين باشروا الهجاءَ، ولم يُهْدِرْ دَمَ الذين سمعوه، وأهدَرَ دَمَ
стр. 2451
بني بكرٍ، ولم يُهْدِرْ دَمَ الذين أعارُوهم السلاحَ؟!.
السادس: أنَّ قولَه تعالى: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾.
دليلٌ على أنَّ شفاءَ الصدورِ مِن ألم النكثِ والطعنِ، وذهابَ الغيظِ الحاصل في صدور المؤمنين من ذلك أمْرٌ مقصودٌ للشارع مطلوبُ الحصولِ، وأنَّ ذلك يحصلُ إذا جَاهَدوا كما جاء في الحديث المرفوع: "عليكُم بِالجهَاد فإنَّه بابٌ مِن أبوابِ الله، يَدفَعُ اللهُ به عنِ النُّفُوسِ الهمَّ وَالغمَّ" (١).
ولا ريبَ أن مَن أظهر سَبَّ الرسول ﷺ من أهل الذِّمَّة وشَتَمه، فإنه يَغِيظُ المؤمنين ويُؤلِمُهم أكثرَ مما لو سفَكَ دماءَ بعضِهِم وأخَذَ أموالهم؛ فإن هذا يُثِيرُ الغضبَ لله والحَمِيَّةَ له ولرسولِه، وهذا القَدرُ لا يُهَيِّجُ في قلبِ المؤمن غيظًا أعظمَ منه، بل المؤمن المسدَّدُ لا يَغضبُ هذا الغَضَبَ إلاَّ لله، والشارعُ يطلبُ شفاءَ صدورِ المؤمنين وذهابَ غيظِ قلوبِهم، وهذا إنما يحصلُ بِقَتْل السابِّ لأوْجُهٍ:
أحدها: أن تَعْزِيره وتأديبَه يُذْهِبُ غيظَ قلوبهم إذا شَتَم واحدًا من المسلمين أو فَعَل نحو ذلك، فلو أذهب غيظَ قلوبهم إذا شَتَم الرسول، لكان غيظُهم مِن شَتْمه مِثلَ غيظهم مِن شَتْم واحدٍ منهم .. وهذا باطل.
الثاني: أن شَتْمَه أعظمُ عندهم من أن يَأخُذَ بعضَ دمائهم، ثم لو قَتل
стр. 2452
واحدًا منهم لم يَشْفِ صدورهم إلاَّ قتلُه، فأنْ لا تُشْفَى صُدُورُهُم إلاَّ بقتل السابِّ أوْلى وأحْرَى.
الثالث: أنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ قِتالَهم هو السببَ في حصول الشِّفاء، والأصْلُ عدمُ سبب آخر يُحصِّلُه؛ فيجبُ أن يكون القتلُ والقتال هو الشافي لصدور المؤمنين من مثل هذا.
الرابع: أنَّ النبيَّ ﷺ لما فُتحت مكةُ وأراد أن يَشفيَ صدورَ خُزَاعة -وهم القوم المؤمنون- مِن بني بكرٍ الذين قاتلوهم، مَكَّنهم منهم نصفَ النهار أو أكثر مع أمانِهِ لسائرِ الناسِ (١)؛ فلو كان شفاءُ صدورِهم وذهابُ غيظِ قلوبهم يحصلُ بدون القتل للذين نكثوا وطعنوا، لَمَا فَعَل ذلك مع أمانِهِ للناس.
الموضع الرابع: قولُه سبحانه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٦٣]، فإنه يدلُّ على
стр. 2453
أنَّ أذى رسول الله ﷺ مُحَادَّة لله ولرسوله؛ لأنه قال هذه الآيةَ عَقِبَ قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ﴾ الآية. ثم قال: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
فلو لم يكونوا بهذا الأذى مُحَادِّين لم يَحسُنْ أن يوعَدُوا بأنَّ للمحادِّ نارَ جهنَّم؛ لأنه يمكن حينئذٍ أن يقال: قد عَلِموا أن للمحادِّ نارَ جهنَّم؛ لكنهم لم يُحادُّوا، وإنما آذَوْا، فلا يكون في الآية وعيدٌ لهم؛ فعُلم أنَّ هذا الفعل لابُدَّ أن يندرجَ في عموم المحادَّة؛ ليكونَ وعيدُ المحادِّ وعيدًا له ويلتئمَ الكلامُ.
ويدل على ذلك أيضًا ما روى الحاكمُ في "صحيحه" بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عباس أنَّ رسول الله ﷺ كان فِي ظِلِّ حُجْرَةٍ مِنْ حُجَرِهِ، وعنده نَفرٌ مِنَ المسْلِمينَ، فَقَالَ: "إنَّهُ سَيَأتِيكُم إنسانٌ يَنظُرُ إليكم بعَيْنِ شَيْطَانٍ، فَإذا أَتَاكُمْ فلا تُكَلِّمُوهُ"، فجاء رجلٌ أزرَقُ، فدعاهُ رسولُ اللهَ ﷺ ، فقال: "عَلامَ تَشْتُمُني أنت وفُلانٌ وفُلانٌ"، فانطَلَقَ الرجُلُ، فَدَعَاهُمِ، فحلفُوا باللهِ واعتَذَرُوا إليهِ" (١) فأنزل اللهُ تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨].
стр. 2454
* ثم قال بعدَ ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٠].
فعُلم أن هذا داخلٌ في المحادَّة.
* وفي روايةٍ أُخْرَى صحيحةٍ أنه نَزل قولُه: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ٩٦].
* وقد قال: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢].
* ثم قال عَقِبه: (﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٦٣].
فثبت أنَّ هؤلاءِ الشاتمين محادُّونَ.
* وإذا كان الأذى مُحَادَّةً للهِ ورسولِهِ فقد قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة: ٢٠ - ٢١].
والأذلُّ: أبلغُ مِن "الذليل"، ولا يكون أذلَّ حتى يخافَ على نفسه وماله إنْ أظهَرَ المحادَّة؛ لأنه إنْ كان دَمُه ومالُه معصومًا لا يُسْتَبَاح فليس بأذلَّ، يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢].
فبيَّن سبحانه أنهم أينما ثُقفوا فعليهم الذَّلَةُ إلاَّ مع العهد، فعُلم أنَّ مَنْ له عهدٌ وحبلٌ لا ذلَّةَ عليه -وإن كانت عليه المسكنةُ-، فإنَّ المسكنةَ قد تكونُ مع عدم الذِّلة، وقد جَعل المحادِّين في الأَذلِّينَ، فلا يكون لهم عهدٌ، إذ
стр. 2455
العهدُ يُنافي الذِّلَّةَ كما دلَّتْ عليه الآية، وهذا ظاهرٌ، فإن الأذَلَّ هو الذي ليس له قوةٌ يَمتنعُ بها ممن أراده بسُوء، فإذا كان له من المسلمين عهدٌ يجبُ عليهم به نَصْرُه ومَنْعُه، فليس بأَذلَّ، فثبتَ أنَّ المحادَّ لله ولرسولِه لا يكونُ له عهدٌ يَعْصِمه، والمؤذي للنبيِّ ﷺ مُحَادٌّ، فالمؤذي للنبيِّ ليس له عهدٌ يَعْصم دَمَه، وهو المقصودُ.
* وأيضًا، فإنه قد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥]، والكَبْتُ: الإذلالُ والخِزْيُ والصَّرْعُ.
° قال الخليل: "الكَبْتُ هو الصَّرْعُ على الوَجْه".
° وقال النَّضرُ بن شُمَيل وابنُ قتيبة: "هو الغَيظُ والحزن، وهو في "الاشتقاق الأكبر" (١) من كبده، كأنَّ الغيظَ والحزنَ أصاب كَبِدَه، كما يقال: أحرَقَ الحزنُ والعداوةُ كبدَه" (٢).
° وقال أهل التفسير: "كُبِتُوا: أُهلِكوا وأُخْزُوا وحَزِنوا"، فثَبت أن