← Сира

Сира · id 96964

وا محمداه إن شانئك هو الأبتر

سيد حسين العفاني

Полный текст (2 668 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

بني بكرٍ، ولم يُهْدِرْ دَمَ الذين أعارُوهم السلاحَ؟!. السادس: أنَّ قولَه تعالى: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾. دليلٌ على أنَّ شفاءَ الصدورِ مِن ألم النكثِ والطعنِ، وذهابَ الغيظِ الحاصل في صدور المؤمنين من ذلك أمْرٌ مقصودٌ للشارع مطلوبُ الحصولِ، وأنَّ ذلك يحصلُ إذا جَاهَدوا كما جاء في الحديث المرفوع: "عليكُم بِالجهَاد فإنَّه بابٌ مِن أبوابِ الله، يَدفَعُ اللهُ به عنِ النُّفُوسِ الهمَّ وَالغمَّ" (١). ولا ريبَ أن مَن أظهر سَبَّ الرسول ﷺ من أهل الذِّمَّة وشَتَمه، فإنه يَغِيظُ المؤمنين ويُؤلِمُهم أكثرَ مما لو سفَكَ دماءَ بعضِهِم وأخَذَ أموالهم؛ فإن هذا يُثِيرُ الغضبَ لله والحَمِيَّةَ له ولرسولِه، وهذا القَدرُ لا يُهَيِّجُ في قلبِ المؤمن غيظًا أعظمَ منه، بل المؤمن المسدَّدُ لا يَغضبُ هذا الغَضَبَ إلاَّ لله، والشارعُ يطلبُ شفاءَ صدورِ المؤمنين وذهابَ غيظِ قلوبِهم، وهذا إنما يحصلُ بِقَتْل السابِّ لأوْجُهٍ: أحدها: أن تَعْزِيره وتأديبَه يُذْهِبُ غيظَ قلوبهم إذا شَتَم واحدًا من المسلمين أو فَعَل نحو ذلك، فلو أذهب غيظَ قلوبهم إذا شَتَم الرسول، لكان غيظُهم مِن شَتْمه مِثلَ غيظهم مِن شَتْم واحدٍ منهم .. وهذا باطل. الثاني: أن شَتْمَه أعظمُ عندهم من أن يَأخُذَ بعضَ دمائهم، ثم لو قَتل

стр. 2452

واحدًا منهم لم يَشْفِ صدورهم إلاَّ قتلُه، فأنْ لا تُشْفَى صُدُورُهُم إلاَّ بقتل السابِّ أوْلى وأحْرَى. الثالث: أنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ قِتالَهم هو السببَ في حصول الشِّفاء، والأصْلُ عدمُ سبب آخر يُحصِّلُه؛ فيجبُ أن يكون القتلُ والقتال هو الشافي لصدور المؤمنين من مثل هذا. الرابع: أنَّ النبيَّ ﷺ لما فُتحت مكةُ وأراد أن يَشفيَ صدورَ خُزَاعة -وهم القوم المؤمنون- مِن بني بكرٍ الذين قاتلوهم، مَكَّنهم منهم نصفَ النهار أو أكثر مع أمانِهِ لسائرِ الناسِ (١)؛ فلو كان شفاءُ صدورِهم وذهابُ غيظِ قلوبهم يحصلُ بدون القتل للذين نكثوا وطعنوا، لَمَا فَعَل ذلك مع أمانِهِ للناس. الموضع الرابع: قولُه سبحانه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٦٣]، فإنه يدلُّ على

стр. 2453

أنَّ أذى رسول الله ﷺ مُحَادَّة لله ولرسوله؛ لأنه قال هذه الآيةَ عَقِبَ قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ﴾ الآية. ثم قال: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. فلو لم يكونوا بهذا الأذى مُحَادِّين لم يَحسُنْ أن يوعَدُوا بأنَّ للمحادِّ نارَ جهنَّم؛ لأنه يمكن حينئذٍ أن يقال: قد عَلِموا أن للمحادِّ نارَ جهنَّم؛ لكنهم لم يُحادُّوا، وإنما آذَوْا، فلا يكون في الآية وعيدٌ لهم؛ فعُلم أنَّ هذا الفعل لابُدَّ أن يندرجَ في عموم المحادَّة؛ ليكونَ وعيدُ المحادِّ وعيدًا له ويلتئمَ الكلامُ. ويدل على ذلك أيضًا ما روى الحاكمُ في "صحيحه" بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عباس أنَّ رسول الله ﷺ كان فِي ظِلِّ حُجْرَةٍ مِنْ حُجَرِهِ، وعنده نَفرٌ مِنَ المسْلِمينَ، فَقَالَ: "إنَّهُ سَيَأتِيكُم إنسانٌ يَنظُرُ إليكم بعَيْنِ شَيْطَانٍ، فَإذا أَتَاكُمْ فلا تُكَلِّمُوهُ"، فجاء رجلٌ أزرَقُ، فدعاهُ رسولُ اللهَ ﷺ ، فقال: "عَلامَ تَشْتُمُني أنت وفُلانٌ وفُلانٌ"، فانطَلَقَ الرجُلُ، فَدَعَاهُمِ، فحلفُوا باللهِ واعتَذَرُوا إليهِ" (١) فأنزل اللهُ تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨].

стр. 2454

* ثم قال بعدَ ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٠]. فعُلم أن هذا داخلٌ في المحادَّة. * وفي روايةٍ أُخْرَى صحيحةٍ أنه نَزل قولُه: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ٩٦]. * وقد قال: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢]. * ثم قال عَقِبه: (﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٦٣]. فثبت أنَّ هؤلاءِ الشاتمين محادُّونَ. * وإذا كان الأذى مُحَادَّةً للهِ ورسولِهِ فقد قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة: ٢٠ - ٢١]. والأذلُّ: أبلغُ مِن "الذليل"، ولا يكون أذلَّ حتى يخافَ على نفسه وماله إنْ أظهَرَ المحادَّة؛ لأنه إنْ كان دَمُه ومالُه معصومًا لا يُسْتَبَاح فليس بأذلَّ، يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢]. فبيَّن سبحانه أنهم أينما ثُقفوا فعليهم الذَّلَةُ إلاَّ مع العهد، فعُلم أنَّ مَنْ له عهدٌ وحبلٌ لا ذلَّةَ عليه -وإن كانت عليه المسكنةُ-، فإنَّ المسكنةَ قد تكونُ مع عدم الذِّلة، وقد جَعل المحادِّين في الأَذلِّينَ، فلا يكون لهم عهدٌ، إذ

стр. 2455

العهدُ يُنافي الذِّلَّةَ كما دلَّتْ عليه الآية، وهذا ظاهرٌ، فإن الأذَلَّ هو الذي ليس له قوةٌ يَمتنعُ بها ممن أراده بسُوء، فإذا كان له من المسلمين عهدٌ يجبُ عليهم به نَصْرُه ومَنْعُه، فليس بأَذلَّ، فثبتَ أنَّ المحادَّ لله ولرسولِه لا يكونُ له عهدٌ يَعْصِمه، والمؤذي للنبيِّ ﷺ مُحَادٌّ، فالمؤذي للنبيِّ ليس له عهدٌ يَعْصم دَمَه، وهو المقصودُ. * وأيضًا، فإنه قد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥]، والكَبْتُ: الإذلالُ والخِزْيُ والصَّرْعُ. ° قال الخليل: "الكَبْتُ هو الصَّرْعُ على الوَجْه". ° وقال النَّضرُ بن شُمَيل وابنُ قتيبة: "هو الغَيظُ والحزن، وهو في "الاشتقاق الأكبر" (١) من كبده، كأنَّ الغيظَ والحزنَ أصاب كَبِدَه، كما يقال: أحرَقَ الحزنُ والعداوةُ كبدَه" (٢). ° وقال أهل التفسير: "كُبِتُوا: أُهلِكوا وأُخْزُوا وحَزِنوا"، فثَبت أن

стр. 2456

المحادَّ مكبوتٌ مخزِيٌّ ممتليءٌ غيظًا وحزنًا هالكٌ، وهذا إنما يتمُّ إذا خافَ إن أظهرَ المحادَّةَ أن يُقتل، وإلاَّ فمَن أمكنه إظهارُ المحادَّة وهو آمِنٌ على دمه وماله فليس بمكبوت، بل مسرورٍ جَذْلان، ولأنه قال: ﴿كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥]، والذينَ مِن قبلهم ممن حادَّ الرسُلَ وحادَّ رسولَ الله، إنما كَبَتَه الله بأن أهلَكه بعذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين، والكَبْتُ وإن كان يَحصُلُ منه نصيبٌ لكل مَن لم ينل غَرَضَه كما قال سبحانه: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٧]، لكن قوله تعالى: ﴿كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني محادِّي الرسلِ دليلٌ على الهلاك أو كَتْم الأذى، يُبيِّنُ ذلك أن المنافقين هم من المحادِّين، فهم مَكبوتون بموتهم بغَيظِهم لخوفهم أنهم إن أظهَروا ما في قلوبهم قُتلوا، فيجبُ أن يكون كلُّ محادٍّ كذلك. * وأيضًا، فقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] عقب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة: ٢٠] دليلٌ على أن المحَادةَ غالبةٌ ومعادة، حتى يكَون أحدُ المَتحادِّين غالبًا والآخرُ مغلوبًا، وهذا إنما يكونُ بين أهل الحربِ لا أهل السَّلْم، فعُلم أن المحادَّ ليس بمسالمٍ، والغلبةُ للرسل بالحُجَّةِ والقهر، فمن أُمر منهم بالحرب نُصِر على عدوِّه، ومنْ لم يؤمَرْ بالحرب أهُلِك عدوُّه، وهذا أحسنُ مِن قول

стр. 2457

مَن قال: إن الغَلَبةَ للمحارِب بالنصر، ولغيرِ المحارِبِ بالحُجَّة، فعُلم أن هؤلاء المحادّين محارَبون مغلوبون. وأيضاً فإن "المحادةَ" من "المشاقَّة"؛ لأن "المحادَّة" من الحدِّ والفصل والبَيْنُونة، وكذلك "المشاقَّة" من الشَّق وهو بهذا المعنى، فهما جميعًا بمعنى المقاطعة والمفاصَلة، ولهذا يقال: إنَما سُمِّيت بذلك لأن كلَّ واحدٍ من المتحادَّينِ والمتشاقَّينِ في حدٍّ وشِقٍّ من الآخر، وذلك يقتضي انقطاعَ الحبلِ الذي بين أهل العهدِ إذا حادٍّ بعضُهم بعضًا، فلا حَبلَ لمحادٍّ لله ورسوله. * وأيضًا، فإنها إذا كانت بمعنى المُشاقَّة، فإن الله سبحانه قال: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ١٢ - ١٣]. فأَمَر بقتلهم لأجلِ مشاقَّتهم ومحادَّتهم، فكلُّ مَن حادَّ وشاقَّ يجبُ أن يُفعل به ذلك لوجودِ العِلَّة. * وأيضاً، فإنه تعالى قال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٣ - ٤]. والتعذيبُ هنا -والله أعلم-: القتلُ؛ لأنهم قد عُذِّبوا بما دونَ ذلك من الإجلاءِ وأخْذِ الأموال، فيجبُ تعذيبُ مَن شاقَّ اللهَ ورسولَه، ومَن أظهَرَ المحادَّةَ، فقد شاقَّ اللهَ ورسولَه، بخلافِ مَنْ كتمها، فإنه ليس بمحادٍّ ولا مُشاقٍّ. ° وهذه الطريقةُ أقوى في الدلالة، يقال: هو "محادٌّ"، وإن لم يكن

стр. 2458

"مشاقًّا"، ولهذا جَعل جزاءَ المحادِّ مطلقًا أن يكون مكبُوتًا كما كُبِتَ مَن قَبْله، وأن يكونَ في الأذلِّين، وجَعل جَزاءَ المُشاقِّ القتلَ والتعذيبَ في الدنيا، ولن يكونَ مكبوتًا كما كُبِتَ مَنْ قَبلَه في الأذلِّين إلاَّ إذا لم يُمكِنْه إظهارُ محادَّته، فعلى هذا تكونُ المحادَّةُ أعمَّ. * ولهذا ذَكر أهلُ التفسير في قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، الآية: أنها نزلت فيمن قَتَل من المسلمين أقاربَه في الجهاد، وفيمن أراد أن يَقتلَ لمن تعرَّض لرسول الله ﷺ بالأذى من كافرٍ ومنافقٍ قريبٍ له (١) .. فعُلم أن المحادَّ يعمُّ المشاقَّ وغيرَه. * ويدلُّ على ذلك أنه قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ [المجادلة: ١٤]، الآيات، إلى قوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وإنما نزلت في المنافقين الذين تولَّوُا اليهودَ المغضوبَ عليهم، وكان أولئك اليهودُ أهلَ عهدٍ من النبي ﷺ ، ثم إن الله سبحانه بَيَن أن المؤمنين لا يوَادُّونَ مَن حادَّ الله ورسوله، فلابد أن يدخلَ في ذلك عدمُ المودَّة ليهود -وإن كانوا أهلَ ذِمَّة-، لأنَّه سببُ النزول، وذلك يقتضي أن أهلَ الكتاب

стр. 2459

محادُّون لله ورسوله -وإن كانوا معاهِدين-. ويدلُّ على ذلك أن اللهَ قَطع المُوَالاةَ بين المسلم والكافر -وإن كان له عهدٌ وذِمَّة-، وعلى هذا التقدير فيقال: عُوهِدُوا على أن لا يُظْهِروا المحادة ولا يُعلنوا بها -بالإجماع كما تقدم وكما سيأتي-، فإذا أَظهروا صاروا محادِّين لا عَهْدَ لهم، مُظْهِرِينَ للمحادة، وهؤلاء مشاقُّونَ، فيستحقُّون خِزيَ الدنيا من القتل ونحوِه وعذابَ الآخرة. فإن قيل: إذا كان كلُّ يهوديٍّ محادًّا لله ورسوله، فمِن المعلوم أن العهدَ يَثبتُ لهم مع التهوُّد، وذلك يَنْقُض ما قدَّمتم من أن المحادَّ لا عهدَ له. قيل: مَن سلك هذه الطريقةَ قال: المحادُّ لا عهدَ له على إظهارِ المحادة، فأما إذا لم يُظهِرْ لنا المحادةَ، فقد أعطيناه العهد، وقولُه تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢]. يقتضي أن الذِّلةَ تَلزمُه، فلا تزولُ إلاَّ بَحبلٍ من الله وحبلٍ من الناس، وحبلُ المسلمين معه على أن لا يُظهِرَ المحادةَ بالاتفاق؛ فليس معه حبلٌ مُطلَق، بل حَبلٌ مقيد، فهذا الحَبلُ لا يَمنعُه أن يكونَ أذَلَّ إذا فَعَل ما لم يُعاهَدْ عليه. أو يقولُ صاحبُ هذا المسلَك: الذِّلَةُ لازمةٌ لهم بكلِّ حال، كما أُطلقت في سورة "البقرة". وقوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] يجوز أن يكون تفسيرًا للذلة، أي: ضُربت عليهم أنهم أينما ثُقِفُوا أُخذوا وقُتِّلوا إلاَّ بحبلٍ من الله وحبل من الناس، فالحبلُ لا

стр. 2460

يَرفغ الذِّلةَ، وإنما يَرفعُ بعضَ موجباتِها وهو القتل، فإن مَنْ كان لا يُعْصَم دَمُه إلا بعهدٍ فهو ذليل -وإن عُصم دمُه بالعهد-، لكنْ على هذا التقديرِ تضعُفُ الدلالةُ الأولى من المحادة. والطريقةُ الأولى أجودُ -كما تقدم-، وفي زيادةِ تقريرِها طُول. الموضع الخامس: قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧]. وهذه توجبُ قتلَ مَنْ اَذى اللهَ ورسولَه -كما سيأتي إن شاء الله تقريرُه-، والعهدُ لا يَعْصِمُ من ذلك؛ لأنا لم نُعاهِدْهم على أن يؤذوا اللهَ ورسولَه. • ويوضِّحُ ذلك قولُ النبي ﷺ : "مَنْ لكَعْبِ بْنِ الأشْرَف، فَإنَّه قَدْ آذى اللهَ وَرَسُولَه؟ " (١) فندَبَ المسلمين إلى يهوديٍّ كان معاهَدًا لأجل أنه آذى اللهَ ورسولَه، فدلَّ ذلك على أنه لا يوصَفُ كلُّ ذميٍّ بأنه يؤذي اللهَ ورسولَه، وإلاَّ لم يكن فَرْقٌ بينه وبين غيره، ولا يصحُّ أن يقال: اليهودُ ملعونون في الدنيا والآخرة مع إقرارهم على ما يوجبُ ذلك؛ لأنا لم نُقِرَّهم على إظهار أذى اللهِ ورسولِه، وإنما أقْرَرْنَاهم على أن يَفعلوا بينهم ما هو من دينِهم" (٢).

стр. 2461

* مسألة: يَتعَيَّن قتل السابِّ، ولا يجوز استرقاقُه، ولا المنُّ عليه، ولا فِدَاؤه: ° قال الإِمامُ ابنُ تيمية في "الصارم المسلول": "أمَّا إنْ كان مُسْلمًا فبالإجماع؛ لأنَّه نوعٌ من المُرْتَدِّ، أوْ من الزنديق، والمرتدُّ يتعيَّن قتلُه، وكذلك الزنديق، وسواءً كان رجلاً أو امرأةً، وفيما قدَّمناه دلالةٌ واضحةٌ على قتلِ السابَّةِ المسلمة من السُّنَّةِ وأقاويل الصحابة، فإنَّ في بعضها تصريحًا بقتل السَّابَّة المُسْلمة، وفي بعضها تصريحٌ بقتل السَّابَّةِ الذِّميَّة، وإذا قُتِلت الذِّمِّيَّة بالسَّبِّ، فقَتْلُ المسلمةِ أولى كما لا يخفى على الفقيه. والصحيحُ الذي عليه العامَّةُ قتلُ المُرتَدَّة، فالسَّابَّةُ أَولَى، وهو الصحيحُ لِمَا تقدم. وإن كان السَّابُّ مُعاهِدًا، فإنه يَتعيَّنُ قَتْله، سواءً كان رجلاً أو امرأةً، عند عامةِ الفقهاء من السَّلف ومَن تَبِعهم. وقد ذَكَرْنا قولَ ابنِ المنذر فيما يجبُ على مَن سَبَّ النبي ﷺ ، قال: أجمع عوامُّ أهلِ العلم على أنَّ مَن سبَّ النبيَّ ﷺ يُقتل؛ وممَّن قاله مالكٌ، والليثُ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وهو مذهبُ الشافعي. قال: وحُكي عن النعمان: لا يُقتل مَن سَبَّه من أهل الذمة. وهذا اللفظُ دليلٌ على وجوبِ قتلِه عند العامة، وهذا مذهبُ مالكٍ وأصحابِه، وسائرِ فقهاءِ المدينة، وكلامُ أصحابه يقتضي أن لقتله مأخذَينِ: أحدهما: انتقاضُ عهدِه. والثاني: أنه حدٌّ من الحدود، وهو قولُ فقهاءِ الحديث.

стр. 2462

° قال إسحاقُ بن رَاهويَة: إن أظهروا سَبَّ رسولِ الله ﷺ فسُمعَ منهم ذلك -أو تُحُقَّق عليهم-، قُتِلوا، وأخطأَ هؤلاء الذين قالوا: "ما هم فيه من الشرك أعظمُ من سَبِّ رسولِ الله ﷺ ". ° قال إسحاق: "يُقتلون؛ لأن ذلك نَقضٌ للعهد"، وكذلك فَعل عمرُ بنُ عبد العزيز، ولا شبهةَ في ذلك؛ لأنه يَصيرُ بذلك ناقضًا للصلح، وهو كما قَتل ابن عمرَ الراهبَ الذي سَبَّ النبيَّ ﷺ ، وقال: "ما على هذا صالحناهم". وكذلك نصَّ الإمامُ أحمدُ على وجوبِ قتلِه وانتقاضِ عهده، وقد تقدَّم بعضُ نصوصِه في ذلك، وكذلك نَصَّ عامةُ أصحابِه على وجوب قَتل هذا السابِّ، ذكروه بخصوصه في مواضعَ هكذا، وذكروه أيضًا في جُملةِ ناقِضِي العهدِ من أهل الذمة. ثم المتقدِّمون منهم وطوائفُ من المتأخرين قالوا: إن هذا وغيرَه من ناقِضِي العهدِ يتعيَّنُ قتلُهم -كما دلَّ عليه كلامُ أحمد-. وذَكَر طوائفُ منهم أن الإمامَ مُخيَّر فيمن نَقض العهدَ من أهل الذمة، كما يُخيَّرُ في الأسير بين الاسترقاقِ والقتل والمَنِّ والفِداء، ويجبُ عليه فِعلُ الأصلح للأمةِ من هذه الأربعةِ بعد أن ذكروه في الناقِضين للعهد، فدَخَل هذا السابُّ في عمومِ هذا الكلام وإطلاقه، وأوجَبَ أن يُقال فيه بالتخيير إذا قيل به في غيرِه من ناقِضي العهد، لكن قَيَّد محقِّقو أصحابِ هذه الطريقة ورؤوسُهم -مثلُ القاضي أبي يعلى في كتبه المتأخرة (١) وغيره- هذا الكلام،

стр. 2463

وقالوا: التخيير في غير سابِّ الرسول ﷺ .. وأمَّا سابُّه فيتعيَّنُ قَتلُه، وإنْ كان غيره كالأسير، وعلى هذا فإما أن لا يُحكى في تعيُّنِ قتلِه خلاف؛ لكونِ الذين أَطلقوا التخيير في موضعٍ قد قالوا في موضعٍ آخَرَ بأن السابَّ يتعيَّنُ قَتلُه، وصَرَّح رأسُ أصحابِ هذه الطريقةِ بأنه مستثًنى من ذلك الإِطلاق، أو يحكى فيه وجهٌ ضعيف؛ لأن الذين قالوا به في موضعٍ نصُّوا على خلافه في موضعٍ آخر. واختَلف أصحابُ الشافعيِّ أيضاً فيه؛ فمنهم مَن قال: يجبُ قتلُ السابِّ حتمًا، وإنْ خُيِّر في غيره. ومنهم مَن قال: هو كغيره من الناقِضين للعهد، وفيه قولان: أضعفُهما: أنه يَلحقُ بمأمنِه. والصحيح منهما: جوازُ قتله. قالوا: ويكون كالأسير يجبُ على الإمام أن يَفعلَ فيه الأصلحَ للأمة من القتل والاسترقاقِ والمَنِّ والفداء. وكلامُ الشافعيِّ في موضعٍ يقتضي أن حُكمَ الناقضِ للعهد حُكمُ الحربي؛ فلهذا قيل: إنه كالأسير، وفي موضع آخَرَ أَمَر بقَتلِه عَينًا من غير تخيير" (١). * الأدلَّةُ على أنَّه يتعيَّنُ قتلُ الذمِّي، ولا يجوزُ استرقاقُه: ° قال ابنُ تيمية ﵀: "والدليلُ على أنه يَتعيَّنُ قَتلُه، ولا يجوزُ استرقاقُه، ولا المَنُّ عليه، ولا المفاداةُ به، من طريقين:

стр. 2464

أحدهما: ما تقدَّم من الأدلَّةِ على وجوبِ قتل ناقضِ العهدِ إذا نَقَضه بما فيه ضررٌ على المسلمين مطلقًا. الثاني: ما يخصُّه .. وهو من وجوه: الدليل الأول: ما تقدَّم من الآيات الدَّالةِ على وجوبِ قتل الطاعِنِ في الدِّين. الدليل الثاني: حديثُ الرجل الذي قَتل المرأةَ اليهوديةَ على عهدِ رسول الله ﷺ وأهدَرَ النبيُّ ﷺ دَمَها، وفي ذلك حديثُ عليِّ بنِ أبي طالب وابنِ عباس، فلو كان سبُّ النبي ﷺ يَرفعُ العهدَ فقط، ولا يُوجِبُ القتل، لكانت هذه المرأةُ بمنزلةِ كافرةٍ أسيرةٍ، وبمنزلةِ كافرةٍ دَخلت إلى دار الإِسلام ولا عَهْدَ لها، ومعلومٌ أنه لا يجوزُ قتلُها، وأنها تصيرُ رقيقةً للمسلمين بالسِّبْي، وهذه المرأةُ المقتولةُ كانت رقيقةً، والمسلمُ إذا كانت له أَمَةٌ كافرةٌ حربيَّةٌ لم يَجُزْ له ولا لغيره قَتلُها لمجرَّد كونها حربيَّةً، ولا نَعلمُ بين المسلمين خِلافًا أنَّ المرأة لا يجوزُ قتلُها لمجرد الكفر إذا لم تكن معاهدة، كما لا نعلمُ أيضًا خلافًا في أن المرأة إذا ثبت في حقِّها حكمُ نقضِ العهد لا يجوزُ قتلها. الدليل الثالث: أن السَّابَّ لو صارَ بمنزلةِ الحربيَ فقط، لكان دَمُه معصومًا بأمانٍ يُعقَدَ له أو ذِمَّةٍ أو هُدْنة، ومعلومٌ أن شُبهةَ الأمانِ كحقيقتِه في حَقْنِ الدم، والنفرُ الذين أرسَلَهم النبي ﷺ إلى كعبِ بنِ الأشرفِ جاؤوا إليه إليه على أن يَستسلفوا منه، وحادَثوه، وماشَوه وقد آمَنَهم على دَمِه وماله، وكان بينه وبينهم قبل ذلك عَهدٌ وهو يعتقدُ بقاءَه، ثمِ إنهم استأذنوه في أن يَشُمُّوا ريحَ الطِّيب مِن رأسه، فأَذِنَ لهم مَرَّةً بعد أُخرى، وهذا كلُّه يُثبِتُ الأمان، فلو لم يكن في السَّبِّ إلاَّ مجرَّدُ كونِه كافِراً حَرْبيًّا لم يَجُزْ قَتلُه

стр. 2465

بعدَ أمانِه إليهم، وبعد أن أظهَروا له أنهم مُؤَمِّنون له، واستئذانهم إياه في إمساكِ يديه، فَعُلِم بذلك أنَّ إيذاءَ اللَّهِ ورسوله موجبٌ للقتلِ لا يَعِصْمِ منه أمانٌ ولا عهدٌ، ولا جزاءَ له إلاَّ القتل. الدليل الرابع: أن النبي ﷺ دعا الناسَ إلى قتل ابنِ الأشرف؛ لأنه كان يؤذِي اللهَ ورسولَه، وكذلك كان يأمرُ بقتلِ مَن يَسُبُّه ويَهجُوه، إلاَّ من عفا عنه بعد القُدرة، وأَمْرُه ﷺ للإِيجاب، فعُلِم وجوبُ قتل السَّابِّ -وإنْ لم يَجِبْ قتل غيرِه من المحاربين-، وكذلك كانت سِيرتَه، فلم يُعلَم أنه تَرك قتلَ أحدٍ من السَّابين بعد القدرةِ عليه إلاَّ مَن تاب أو كان من المنافِقين، وهذا يَصلُح أن يكونَ امتثالاً للأمرِ بالجهادِ وإقامةِ الحدود، فيكونُ على الإيجابِ، يؤيِّدُ ذلك أن في تركِ قتلِه تَرْكًا لنصرِ الله ورسوله، وذلك غير جائز. الدليل الخامس: أقاويلُ الصحابة، فإنها نصوصٌ في تعيينِ قتله: ° مثلُ قولِ عمرَ ﷺ : "مَن سبَّ الله أو سَبَّ أحدًا من الأنبياء فاقتلوه" .. فأمَرَ بقَتلِه عَيْنًا. ° ومثلُ قولِ ابنِ عباس ﵁: "أيُّما معاهَدٍ عاند فسَبَّ اللهَ أو سَبَّ أحدًا من الأنبياء ﵈، أو جَهَر به، فقد نَقَض العهدَ، فاقتلوه" .. فأمر بقتلِ المعاهَد إذا سبَّ عيْنًا. ° ومثل قول أبي بكر ﵁ فيما كتب به إلى "المهاجر" في المرأة التي سَبَّتِ النبي ﷺ : "لولا ما قد سَبَقْتَني فيها لأمرتُك بقَتلها؛ لأن حدَّ الأنبياءِ لا يُشبِهُ الحدود، فمَن تعاطى ذلك من مسلمٍ فهو مرتَدٌّ؛ أو معاهَدَ فهو محارِبٌ غادر".

стр. 2466

فبيَّن أن الواجبَ كان قتلَها عيْنًا لولا فواتُ ذلك، ولم يَجعلْ فيه خِيَرةً إلى الإمام، لا سيَّما والسَّابَّةُ امرأةٌ، وذلك وحدَه دليلٌ. ° ومثلُ قولِ ابنِ عمر "وقد مَرَّ به راهبٌ، فقِيل له: هذا يَسُبُّ النبيَّ ﷺ ، فقال ابنُ عمر: لو سمعتُهُ لقتلتُه، إنَّا لم نُعْطِهم الذِّمِّةَ على أن يَسُبُّوا نبيَّنا" (١). ولو كان كالأسير الذي يُخيَّر فيه الإمامُ، لم يَجُزْ لابن عمر اختيارُ قَتلِه، وهذا الدليلُ واضح. الدليل السادس: أن ناقضَ العهدِ بسبِّ النبيِّ ﷺ ونحوِه حالُه أغلظُ من حالِ الحربيِّ الأصليِّ، كما أن حالَ المرتدِّ أغلظُ من حالِ الكافرِ الأصلي؛ لأنَّه اجتمع فيه الحرابُ الأصليُّ، وخروجُه عمَّا عاهَدَنا عليه بالطعنِ في الدِّين وأذى اللهِ ورسولِه، ومِثلُ هذا يجبُ أن يُعاقَبَ عقوبةً تَزجُرُ أمثالَه عن مِثلِ حاله، والدليلُ عليه قولُه : ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)﴾ [الأنفال: ٥٥ - ٥٧]. فأمر اللهُ رسولَه إذا صادَفَ الناكثين بالعهدِ في الحرب أن يُشرِّدَ بهم غيرَهم من الكفار، بأن يفعلَ بهم ما يَتفرَّقُ به أولئك.

стр. 2467

* وقال تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: ١٣]. فحضَّ على قتالِ مَن نَكَثَ اليمين وهَمَّ بإخرجِ الرسولِ وبدأ بنقضِ العهد، ومعلومٌ أن مَن سبَّ الرسول ﷺ فقد نقض العهدَ وفَعَل ما هو أعظمُ من الهَمِّ بإخراج الرسول وبَدْئِنا أولَ مرة. * ثم قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥]. فعُلم أن تعذيبَ هؤلاء، وإخزاءَهم، ونَصْرَ المؤمنين عليهم، وشفاءَ صدورهم بالانتقام منهم، وذَهابَ غيظِ قلوبهم مما آذَوهم به: أمرٌ مقصودٌ للشارع، مطلوبٌ في الدِّين، ومعلومٌ أن هذا المقصودَ لا يَحصُل مِمَّن سَبَّ النبيَّ ﷺ وآذى اللهَ ورسولَه وعبادَه المؤمنين إلاَّ بقتْله، لا يَحصُلُ بمجرد استرقاقه، ولا بالمَنِّ عليه، والمفاداةِ به. وكذلك تنكيلُ غيرِه من الكفَّار -الذين قد يُريدون إظهارَ السَّبِّ- لا يَحصُلُ على سبيل التَّمام إلاَّ بذلك. الدليل السابع: أن الذِّمي إذا سبَّ النبيَّ ﷺ فقد صَدَر منه فعلٌ تضمَّن أمْرَيْن: أحدهما: انتقاضَ العهد الذي بيننا وبينه. والثاني: جنايتَه على عِرْضِ رسول الله ﷺ وانتهاكَ حُرمتِه وإيذاءَ الله تعالى ورسوله والمؤمنين وطَعْنَه في الدِّين، وهذا معنًى زائدٌ على مجرد كونِه

стр. 2468

كافِرًا قد نَقَض العهد. ونظيرُ ذلك أنْ يَنقُضَه بالزَّنى بمسلمةٍ أو بقَطع الطريقِ على المسلمين وقتلهم وأخذِ أموالهم أو بقتل مسلم، فإنَّ فِعْلَه -مع كونه نقضًا للعهد- قد تضمَّن جنايةً أُخرى، فإن الزِّنى وقطعَ الطريق والقتلَ -من حيثُ هو- هو جنايةٌ، ونقضَ العهدِ جناية، كذلك هُنا سَبُّ رسولِ الله ﷺ -من حيث هو- هو جنايةٌ منفصلةٌ عن نقضِ العهد، له عقوبةٌ تخصُّه في الدنيا والآخرة زائدةٌ على مجرَّدِ عقوبة التكذيب بنبوَّته، والدليل عليه قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧]. فعلَّق اللعنةَ في الدنيا والآخرة والعذابَ المُهينَ بنفسِ أذى الله ورسوله، فعُلِم أنه مُوجِبٌ لذلك. * وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢]. يوضِّح ذلك أن النبي ﷺ لَمَّا دَخل مكةَ آمَنَ الناسَ الذين كانوا يُقاتلونه قبلَ ذلك، والذين نَقضوا العهدَ الذي كان بينه وبينهم وخانُوه إلاَّ نفرًا، منهم القَينتانِ اللتانِ كانتا تغنِّيانِ بهجائه، وسارةَ مولاةَ بني عبد المطلب التي كانت تُؤذيه بمكة، فإذا كان قد أَمر بقَتلَ التي كانت تَهجُوه من النساء -مع أن قتلَ المرأةِ لا يجوزُ ألاَّ إذا قاتلت-، وهو ﷺ قد آمَنَ جميعَ أهلِ مكةَ مَن كان قد قاتل ونَقَضَ العهد من الرجال والنساء، عُلِم بذلك أن الهِجاءَ جنايةٌ زائدةٌ على مجرَّد القتالِ والحِراب؛ لأن التفريقَ بين المتماثِلَيْنِ لا يَقعُ

стр. 2469

من النبي ﷺ . ° إن سبَّ الرسول ﷺ جنايةٌ لها موقعٌ يزيدُ على عامةِ الجنايات، بحيثُ يَستحقُّ صاحبُها مع العقوبة ما لا يستحقُّه غيرُه -وإن كان كافرًا حربيًّا مبالِغًا في محاربة المسلمين-، وإن وجوبَ الانتصار ممن كان هذه حاله أمرٌ مؤكَّدٌ في الدين، والسَّعيُ في إهدارِ دمِه من أفضالِ الأعمال وأوجَبِها وأحَقِّهَا بالمسارعةِ إليه وابتغاءِ رضوان الله تعالى فيه، وأبلغُ الجهادِ الذي كَتبه الله على عباده وفَرَضه عليهم، ومَن تأمَّل الذين أهدَرَ النبي ﷺ دماءَهمِ يومَ "الفتح"، واشتدَّ غَضَبَه عليهم حتى قَتل بَعضَهم في نفسِ الحَرَم وأعرَض عن بعضِهم، وانتَظر قَتْلَ بعضِهم، وَجَدَ لهم جرائمَ زائدةً على الكفر والحراب من ردَّة وقتل ونحو ذلك، وجُرْم أكثرِهم إنما كان مِن سبِّ رسولِ الله ﷺ وأذاه بألسنتهم، فأيُّ دليل أوضح من هذا؟!. ° ومما يدلُّ على أن السَّبِّ كان جنايةً زائدةً على كونه كفرًا وحرابًا -وإن كان متضمِّنًا لذلك- أن النبيَّ ﷺ قد كان يعفو عمَّن يؤذيه من المنافقين، وقد كان له أن يقتلَهم، ولو كان السَّبِّ مجرَّد رِدَّةً لَوجب قتلُه، كالمرتدِّ يجبُ قتلُه، فعُلِم أنه قد يُغَلَّبُ في السَّبِّ حقُّ النبي ﷺ بحيثُ يجوزُ له العفوُ عنه. ° ومما يدل على أن السَّبَّ جنايةٌ مُفرَدةٌ أن الذِّمِّي لَوْ سَبَّ واحدًا من المسلمين أو المعاهَدين ونَقَضَ العهد، لكان سَبُّ ذلك الرجلِ جنايةً عليه يستحقُّ بها من العقوبةِ ما لا يستحقُّه بمجردِ نقْضِ العهد، أفيكون سَبُّ رسول الله ﷺ دونَ سَبِّ واحِدٍ من البشر؟!. ° ومما يدلُّ على ذلك أن سابَّ النبي ﷺ وشاتمَه يُؤْذيه شَتمُه وهجاؤُه

стр. 2470

كما يؤذيه التعرُّضُ لدمه وماله. * قال الله تعالى لما ذكر الغِيْبَة: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]. فجَعل الغِيْبةَ -التي هي كلامٌ صحيحٌ- بمنزلةِ أكلِ لحمِ المغتابِ ميتًا، فكيف ببهتانه؟ وسَبُّ النبي ﷺ -لا يكون قطُّ إلاَّ بهتانًا. • وفي "الصحيحين" عن النبي ﷺ أنه قال: "لَعْنُ المؤمنِ كقتله" (١). ° وأيضًا، فإن ذلك يُؤذي جميعَ المؤمنين، وُيؤذي الله ، ومجرَّدُ الكفرِ والمحاربةِ لا يَحصُلُ بهما مِن أذاه ما يَحصُلُ بالوقيعة في العِرْضَ مع المحاربة. ودماءُ الأنبياء وأعْراضُهم أجَلُّ مِن دماءِ المؤمنين وأعراضِهم، فإذا كان دماءُ غيرهم وأعراضُهم لا تنْدَرجُ عقوبتُها في عقوبةِ مُجَرَّدِ نقضِ العهد، فأَنْ لا تَندرجَ عقوبةُ دمائِهم وأعراضِهم في عقوبةِ نقْضِ العهدِ بطريقِ الأوْلى. ° ومما يوضِّحُ ذلك أَنَّ سبَّ النبيِّ ﷺ تَعَلَّق به عِدّةُ حقوق: ١ - حقُّ الله سبحانه، مِن حَيْثُ كَفَر برسوله وعادَى أفضل أوليائِه،

стр. 2471

وبارَزَه بالمحاربة، ومِن حيث طَعَن في كتابه ودينه، فإنَّ صحَّتهما موقوفةٌ على صحَّةِ الرسالة، ومِن حيث طَعَن في ألوهيته؛ فإن الطعنَ في الرسولِ طَعْنٌ في المُرسِل، وتكذيبَه تكذيبٌ لله ﵎ وإنكارٌ لكلامه وأمرِه وخَبَره وكثيرٍ مِن صفاته. ٢ - وتعلَّق به حق جميع المؤمنين من هذه الأمَّة ومِن غيرِها من الأمم؛ فإن جميع المؤمنين مؤمنون به -خصوصًا أمَّتُه-، فإن قيام أمرِ دنياهم ودينِهم وآخرتِهم به، بل عامَّةُ الخيرِ الذي يُصيبُهم في الدنيا والآخرة بوساطتِه وسفارته، فالسَّبُّ له أعظمُ عندهم مِن سَبِّ أنفسِهم وأولادهم وآبائِهم وأبنائِهم وسبِّ جميعِهم، كما أنَّه أحبُّ إليهم من أنفسِهم وأولادِهم وآبائِهم والناسِ أجمعين. ٣ - وتعلَّق به حقُّ رسولِ الله ﷺ مِن حيثُ خصوصِ نفسه، فإن الإنسانَ تُؤذيه الوقيعةُ في عِرضِه أكثرَ مما يُؤذيه أَخْذُ ماله، وأكثرَ مما يُؤذيه الضربُ، بل ربما كانت عنده أعظمَ من الجَرْح ونحوه، خُصوصًا مَن يجبُ عليه أن يُظهِرَ للناس كمالَ عِرْضِه وعلوَّ قَدرِه لينتفعوا بذلك في الدنيا والآخرة، فإِنَّ هَتْكَ عِرْضِه قد يكونُ أعظمَ عنده مِن قَتْله، فإنَّ قتْلَه لا يَقدحُ عند الناس في نبوَّتِه ورسالتِه وعلوِّ قدره، كما أن موتَه لا يَقدحُ في ذلك، بخلافِ الوقيعة في عِرْضِه، فإنها قد تُؤثِّرُ في نفوسِ بعضِ الناسِ من النُّفرةِ عنه وسوء الظَّن به ما يُفسِدُ عليهم إيمانَهم، ويُوجبُ لهم خسارةَ الدنيا والآخرة. فعُلِم بذلك أن السَّبَّ فيه من الأذى لله ولرسوله ولعبادِه المؤمنين ما ليس في الكُفرِ والمحارَبة.

стр. 2472

إذا ثبت ذلك نقول: هذه الجنايةُ -جنايةُ السَّبِّ- موجَبُها القتل؛ لِمَا تقدَّم من قوله ﷺ : "مَن لكعبِ بنِ الأشرف، فإنه قد آذى اللهَ ورسولَه؟ " (١). فَعلِم أنَّ مَن آذى اللهَ ورسولَه كان حقُّه أن يقتَل. ولِمَا تقدَّم من إهدارِ النبيِّ ﷺ دَمَ المرأةِ السَّابَّةِ، مع أنها لا تُقتَلُ لمجرَّدِ نقضِ العهدِ، ولِمَا تقدَّم من أَمْرِه ﷺ بقتل مَن كان يسبُّه مع إمساكِه عمّن هو بمنزلته في الدِّين، ونَدبِه الناسَ إلى ذلك، والثناءِ على مَن سارع في ذلك، ولِمَا تقدم من الحديثِ المرفوع، ومِن أقوال الصحابة ﵁: "أَنَّ من سَبَّ نبيًّا قُتِل، ومن سَبَّ غَيرَ نبيٍّ جُلِد". الدليل الثامن: أنَّ سَبَّ رسول الله ﷺ مع كونه من جنسِ الكفر والحراب -أعظمُ من مُجرد الرِّدَّةِ عن الإِسلام، فإنه من المسلم رِدًّةٌ وزيادة، فإذا كان كُفرُ المرتدِّ قد تغلَّظ لكونه قد خَرج عن الدين -بعد أن دخل فيه-، فأوجَبَ القَتلَ عيْنًا، فكُفرُ السَّابِّ الذي آذى اللهَ ورسولَه وجميعَ المؤمنين من عبادِه أولى أن يتغلَّظَ فيُوجِبَ القتلَ عَينًا؛ لأن مَفسدةَ السَّبِّ في أنواعِ الكفرِ أعظمُ من مفسدةِ مجرَّدِ الرِّدَّة. الدليل التاسع: أنَّ تَطهيرَ الأرضِ من إظهارِ سبِّ رسولِ الله ﷺ واجبٌ حَسبَ الإِمكانِ؛ لأنه من تمامِ ظهورِ الدين وعلوِّ كلمةِ الله وكونِ الدينِ كلِّه لله، فحيثما ظهر سبّه ولم يُنتَقم ممَّن فَعل ذلك، لم يكنِ الدِّينُ ظاهرًا ولا كلمةُ الله عاليةً، وهذا كما يجبُ تطهيرُها من الزُّناةِ والسُّرَّاقِ وقُطَّاعِ الطريق بحسَبِ الإمكان، بخلافِ تطهيرها من أصلِ الكُفر، فإنه

стр. 2473

ليس بواجب. وكلُّ جنايةٍ وَجَب تطهيرُ الأرض منها بحَسَبِ القُدرةٍ، تتعيَّنُ عقوبةُ فاعلِها العقوبةَ المُحَدَّدةَ في الشرع إذا لم يكن لها مستحقٌّ مُعيَّن، فوجب أن يتعيَّن قتلُ هذا؛ لأنه ليس لهذه الجنايةِ مستحقٌّ معيَّن؛ لأنه تعلَّق بها حقُّ الله ورسوله وجميع المؤمنين، وبهذا يَظهرُ الفَرقُ بين السَّابِّ وبين الكافر، لجوازِ إقرارِ ذلك على كفره مُسْتَخْفِيًا به ملتزمًا حكمَ الله ورسوله، بخلافِ المُظْهر للسَّبِّ. الدليل العاشر: أَنَّ قتلَ سابِّ النبي ﷺ وإن كان قَتْلَ كافِرٍ-، فهو حدٌّ من الحدود، ليس قتلاً على مجرَّد الكفرِ والحراب، لِمَا تقدَّم من الأحاديثِ الدالَّةِ على أنه جنايةٌ زائدةٌ على مجرَّد الكفرِ والمحاربة، ومن أنَّ النبيَّ ﷺ وأصحابَه أمَروا فيه بالقتل عيْنًا وليس هذا موجِبَ الكُفرِ والمعاينة، ولِمَا تقدَّم من قولِ الصِّدِّيقِ ﵁ في التي سبَّت النبي ﷺ : "إنَّ حدَّ الأنبياءِ ليس يُشبِهُ الحدود"، ومعلومٌ أن قَتْلَ الأسيرِ الحربيِّ ونحوِه من الكفار والمحارِبين لا يُسَمَّى "حَدًّا"، ولأن ظهورَ سبِّه في ديار المسلمين فسادٌ عظيمٌ أعظمُ من جرائمَ كثيرةٍ؛ فلابدَّ أن يُشرعَ له حدٌّ يُزجَرُ عنه مَن يتعاطاه، فإن الشارعَ لا يُهمِلُ مثلَ هذه المفاسد، ولا يُخْليها من الزواجر، وقد ثبت أن حدَّه القتلُ بالسُّنَّة والإجماع، وهو حَدٌّ لغيرِ مُعيَّنٍ حيٍّ، لأن الحقَّ فيه لله تعالى ولرسوله ﷺ وهو ميِّت- ولكلِّ مؤمن، وكُلُّ حَدٍّ يكونُ بهذه المثابةِ، فإنه يتعيَّنُ إقامتُه بالاتفاق. الدليل الحادي عشر: أنَّ نصرَ رسولِ الله ﷺ وتعزيرَه وتوقيرَه واجبٌ، وقتلَ سابِّه مشروع، فلو جاز تركُ قتلِه لَم يكنْ ذلك نَصرًا له ولا تعزيرًا ولا

стр. 2474

توقيرًا، بل ذلك أقلَّ نَصره؛ لأن السَّابَّ في أيدينا ونحن متمكِّنون منه، فإنْ لم نَقتُلْه -مع أن قَتلَه جائز-، لكان ذلك غايةً في الخُذلانِ وتركِ التعزيرِ له والتوقير .. وهذا ظاهر" (١). رَحِمَ اللهُ شيخَ الإسلام ابن تيمية، وجزاه عن الإسلامِ والمسلمين خيرًا، جزاءَ دفاعه عن نبيِّه العظيم ﷺ .. ونسأله سبحانه أن يحشُرَنا معه يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنون، إلاَّ مَن أتى اللهَ بقلبٍ سليم .. آمين. * * *

стр. 2475

وقفاتٌ شرعيَّةٌ مع جريمة الإساءة إلى مقام النبي ﷺ - ° في مقاله الطيِّب بمجلة "البيان" (١) قال الشيخ محمد بن صالح المنجد: "ساءَ كلَّ مسلمٍ غيورٍ على دينه ما قام به السفهاءُ المجرمون من الاستهزاء بنبيِّنا محمدٍ ﷺ وهو أفضل من وطئت قدماه الثرى، وهو سيد لأولين والآخِرين صلوت ربي وسلامه عليه-. وهذه الوقاحةُ ليست غريبةً عنهم؛ فهم أحقُّ بها وأهلُها؛ فقد كفروا بالله -تعالى- وسَبّوه ونَسبوا إليه الصاحبةَ والوَلَدَ. فماذا يَنقِمُ هؤلاء من سيدِ البشر محمد ﷺ ؟!: هل يَنقمون منه أنه دعا إلى توحيدِ الله -تعالى- وهم لا يؤمنون لله بالوحدانية؟. أم يَنقِمون منه أنه عَظَمَ ربَّه ﵎ ونزَّهه عما يقوله هؤلاء المفترون، وهم ينسِبون إليه النقصَ والصاحبةَ والولد؟. أم ينقمون منه أنه دعا إلى معالي الأخلاق، وتَرْكِ سفسافها، ودعا إلى الفضيلة، وسد كلّ باب يؤدي إلى الرذيلة، وهم يريدونها فوضَى أخلاقية وجنسيةً عارمةً؟. يريدون أن يَغرَقوا في مستنقع الشهواتِ والرذيلة، وقد كان لهم ما أرادوا!.

стр. 2476

أم يَنقِمون منه أنه رسولُ الله، والله -تعالى- هو الذي اصطفاه على الناس برسالته ووحيه؟. ودلائلُ نبوتِه ﷺ أكثرُ من أن تُحصَر: شقَّ الله له القمر ليُريَ الكفارَ آيةً، ونَبَع الماءُ من بين أصابعه ﷺ مراتٍ، وتكلَّمت الشاةُ المسمومةُ فأخبرته أن بذِراعها سُمًّا، وأعطاه خَمْسًا لم يُعطِهن أحدًا من الأنبياء قبلَه، منها نَصرُه بالرعب مسيرةَ شهر، وبَعثُه للناس كافَّةً: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨]. أم لم يَسمعوا عن آياته الكبرى، هذا القرآنُ الكريم، كلام ربِّ العالمين، الذي حَفِظه اللهُ -تعالى- فلم تمتدَّ إليه يدُ العابثين المحرِّفين، أما كُتُبُهم المنزَّلةُ على أنبيائهم، فتلاعبوا بها أيَّما تلاعب: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]. بل من أعظم الأدلةِ على صدقِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ بقاءُ دينِه هذه القرونَ الطويلةَ ظاهراً منصورًا، وقد كان أمرُه ﷺ في حياته دائمًا إلى ظهورٍ وعُلوٍّ على أعدائه، وحكمةُ الله تعالى تأبى أن يُمَكِّن كاذبًا عليه وعلى دينه من العلوِّ في الأرض هذه المدةَ الطويلةَ، بل في كتبهم التي كَتمها علماؤُهم وحَرَّفوها أن الكذَّاب (مُدَّعي النبوة) لا يمكن أن يَبقي إلاَّ مدةً يسيرةً ثم ينكشفُ أمرُه ويضمحل. كما ذكر عن أحدِ ملوكِهم أنه أُتِي برجل من أهل دينه (نصراني) كان يسبُّ النبيَّ ﷺ ، ويَرميه بالكذب، فجَمَع المَلِكُ علماءَ مِلَّتهِ، وسألهم: كم يبقى الكذابُ؟ فقالوا: كذا وكذا -ثلاثين سنةً أو نحوها-، فقال الملك:

стр. 2477

وهذا دينُ محمد له أكثرُ من خَمْسِمئة سنةٍ أو سِتِّمئة سنة (يعني: في أيام هذا المَلِك)، وهو ظاهر مقبولٌ متبوع؛ فكيف يكونُ هذا كذابًا، ثم ضَرَب عُنقَ ذلك الرجل (١)!!. ألم يعلموا أن كثيرًا من عُقلائهم وملوكهم وعلمائهم لَمَّا وَصلت إليهم دعوةُ الإِسلام بيضاءَ نقيَّةً، لم يَملِكوا إلاَّ الإِقرارَ بصحَّةِ هذا الدين، وعَظَّموا النبي ﷺ ، ومنهم مَن أعلن الدخولَ في الإِسلام؟!. فقد أقرَّ مَلِكُ الحبشةِ "النجاشيُّ" بذلك، ودَخل في الإِسلام. ولَمَّا أرسل النبيُّ ﷺ كتابًا إلى "هرقلَ" مَلِكِ الروم يدعوه فيه إلى الإسلام، أقرَّ هرقلُ بصحةِ نبوته، وهمَّ أن يُعلِنَ إسلامَه وتمنَّى أن يذهبَ إلى الرسولِ ﷺ ويكونَ خادمًا عنده، إلاّ أنه خافَ على نفسِه من أهل ملَّته ثم ضَنَّ بمُلكِه وأخذته شهوةُ الرئاسة، فبقي على الكفرِ ومات عليه. ولم يَزَلِ الكثيرُ من مُفكِّريهم وكُتَابهم ومؤرِّخيهم المنصفين يُعلنون الثناءَ على محمد ﷺ . ١ - "برنارد شو" الإِنكليزي، له مؤلَّف أسماه "محمد" يقول: "إن العالَم أحوجُ ما يكون إلى رجلٍ في تفكير محمدٍ، وإن رجالَ الدينِ في القرون الوسطى، ونتيجةً للجهل أو التعصُّب، قد رَسموا لدينِ محمدٍ صورةً قاتمةً، لقد كانوا يعتبرونه عدوًّا للنصرانية، لكنَّني اطلعتُ على أمرِ هذا الرجل، فوجدتُه أعجوبةً خارقةً، وتوصَّلتُ إلى أنَّه لم يكن عدوًّا للنصرانية، بل يجبُ أن يُسمَّى "منقذ البشرية"، وفي رأيي أنَّه لو تولَّى أمرَ

стр. 2478

العالَمِ اليوم، لوُفِّق في حلِّ مشكلاتِنا بما يؤمَّن السلامَ والسعادةَ التي يرنو البشر إليها". ٢ - ويقول "آن بيزيت": "من المستحيل لأي شخصٍ يدرسُ حياةَ وشخصيةَ نبيِّ العرب العظيم وَيعرفُ كيف عاش هذا النبي وكيف عَلَّم الناس، إلاَّ أن يَشعرَ بتبجيل هذا النبي الجليل، أحدِ رُسل الله العظماء". ٣ - وقال "شبرك" النمساوي: "إن البشريةَ لَتفتخر بانتسابِ رجلٍ كمحمدٍ إليها؛ إذ إنَّه رَغم أُمَّيتِه، استطاع قَبلَ بِضعَةَ عَشَرَ قرنًا أنْ يأتي بتشريع، سنكونُ -نحنُ الأوروبيين- أسعدَ ما نكون إذا توصَّلْنا إلى قِمَّته". ٤ - ويقول "جوته" المفكِّر الألماني: "إننا -أهلَ أوروبا- بجميع مفاهيمنا، لمِ نصِلْ بعدُ إلى ما وَصل إليه محمدٌ، وسوف لا يتقدُم عليه أحدٌ، ولقد بحثتُ في التاريخ عن مَثَل أعلى لهذا الإنسان، فوجدته في النبيِّ محمد، وهكذا وَجب أن يظهرَ الحق ويعلو، كما نَجَح محمدٌ الذي أخضع العالَم كله بكلمةِ التوحيد" (١). وقد ميَّز الله نبيَّنا محمدًا ﷺ وكرمه بعددٍ من المعجزاتِ الباهراتِ، خَصَّه بأشياءَ دون غيرِه من الأنبياء، ومعرفةُ هذه الخصائص تَزيدنا في معرفةِ النبي ﷺ وتَجعلنا نُحبُّه، ويزداد إيماننا به، فنزداد له تبجيلاً، ونزداد له شوقًا. والخصائصُ النبوية: "هي الفضائل والأمور التي انفرد بها النبي ﷺ

стр. 2479

وامتاز بها إما عن إخوانه الأنبياء، وإمَّا عن سائر البشر" .. فاقَ البُدورَ وَفاقَ الأنبِياءَ فكَم … بِالخُلقِ وَالخَلقِ مِن حُسْنٍ وَمِن عِظَمِ وخصائصه ﵊ التي اختُص بها دون بقية الأنبياء ﵈ كثيرة، دنيوية وأخروية (١). * فمن الخصائص الدنيوية: اختصاصُه ﷺ بأن آيته العُظمى في كتابه، وبأن كتابَه مشتمِلٌ على ما اشتَملت عليه الكتبُ السابقة، وفضل بالمفصَّل وبخواتيم سورة البقرة وببقاءِ معجزته إلى يوم الدين .. جاء النبيُّون بالآياتِ فاصَرَمَت … وجئتَنا بحكيمٍ غيرِ مُنصرِمِ ومنها: اختصاصُ النبي ﷺ بكونه خاتمَ النبيين وبإرساله إلى الثَّقَلَينِ. ومنها: اختصاصُ النبي ﷺ بأن السماءَ حُرست بمبعثه، وباختصاصِه بالإسراء والمعراج، وأنه ﵊ أَمَّهم جميعًا فكانوا وراءَه هو الإمامُ وهم المأمومون، واختصاصُه بأخذِ الميثاقِ له من جميع الأنبياء بالإيمان به ونُصرتِه، وأنه سيدُ ولد آدم، وبأنه أُوتي مفاتيحَ خزائن الأرض. * وأما خصائصَه الأخروية فمنها: اختصاصه ﷺ بأنه أولُ مَن تُشَقُّ عنه الأرضُ يوم القيامة، وبإعطائه لواءَ الحمد، وبأن الله تعالى يَبعثُه يومَ القيامة مقامًا محمودًا، وأنه أولُ مَن يدخل الجنةَ يومَ القيامة، وبأنه أولُ شفيع في الجنة، وأول مَن يَقرعُ بابها، وبأنه أكثرُ الأنبياء تابعًا يوم القيامة، ويدخلُ من أمَّته الجنةَ سبعون ألفًا بغير

стр. 2480

حساب، وبأنه أولُ مَن يجوزُ الصراطَ من الرسل بأمَّتِه، وبإعطائِه الكوثر: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]. ربَّاكَ ربُّكَ .. جلَّ من ربَّاكا … ورعاكَ في كَنَفِ الهدى وحماكا سبحانه أعطاك فَيضَ فضائلٍ … لم يُعْطِهَا في العالمين سواكا ولَمَّا كان ذلك كذلك، فإن من واجبِ العالَمِ كلِّه -ولا محيصَ له عن ذلك- أن يَجعلَ عظمةَ محمدٍ ﷺ في الخَلقِ جميعًا فوقَ كلِّ عظمة، وفَضْلَه فوقَ كلِّ فضل، وتقديرَه أكبرَ من كلِّ تقدير، ويَجبُ على العالَم أجمعَ أن يؤمِنَ برسالةِ محمد ﷺ ، وأنه خاتمُ أنبياء الله الكرام. ونحن نغتنم هذه الفرصةَ وندعو هؤلاء إلى الإِسلام، فإنَّ ما اقترفته أيديهم الآثمةُ لا يمحوه إلا الإِسلام، فإن عاندوا وكابَروا وأصرُّوا على ما هم عليه، فلْيُبشِروا بعذابِ النارِ خالدين فيها أبدًا. * قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢]. * وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. • وقال النبي ﷺ : "وَالَّذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِه لا يَسْمَعُ بي أَحَدٌ مِنْ هَذهِ الأمَّة -يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ-، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلتُ بِهِ، إلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ" (١).

стр. 2481

* ولنا مع هذا الحديثِ وقفات: أولاً: مصالح وبشارات: * قال الله تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [النساء: ١٩]. • وقال الرسول ﷺ : "عَجبًا لأمْرِ المُؤْمِنِ! إن أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَلك لأحَد إلاَّ للمُؤْمِنِ" (١). ° وقديمًا قيل: قد يُنْعِمُ اللهُ بالبلوى وإنْ عَظُمَتْ … ويَبتلي اللهُ بعضَ الخَلقِ بالنِّعَمِ ° وقيل: "وربما صَحَّت الأبدانُ بالعلل". فما وَقع من الاستهزاءِ أثار حميَّةَ المسلمين لله تعالى ولرسوله ﷺ ، وأيقظهم من سُباتهم، وبَصَّرهم بأعدائهم؛ فهي طعنةٌ آلَمَتْنا ولكنها أيقظتنا، وقد قال تعالى في حادثة الإِفك التي هي صورة من صور أذيَّته ﷺ : ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور: ١١]. فمِثل هذا الهَجَماتِ صارت سببًا في حصولِ خير كثير للمسلمين، وحصولِ الخِزي والصَّغار لأعدائِهم .. فمن ذلك: * اختلافُ الأعداء وانقسامهم: إذ حَصَل خلافٌ بين الشرِكاتِ الكبرى التي تأثَّرت من المقاطعة من جهةٍ، والجهاتِ التي نَشرت ما نشرت من جهةٍ أخرى، كما انقسم الشعبُ الدانماركيُّ على نفسه إزاءَ ما حَصل: هل هو فعلاً من حريةِ الرأي؟ أم أنه اعتداءٌ وعدوان؟.

стр. 2482

* علوُّ الصوتِ الإِسلامي: فهذه الأزمةُ أعادت الاعتبارَ للمسلمين، وجعلت لهم وزنًا، وأصبح كل حاقدٍ على الإسلام يُعيدُ حساباتِه قبلَ أن ينالَ من الإسلام وأهله. وتملَّق الكثيرُ من المنافقين للمدِّ الإسلامي، واشترك بعضُهم في المقاطعة قائلاً: "لقد تعدَّت القضيةُ الخطَّ الأحمر"، بل حتى إن بعضَ القنواتِ الهابطةِ أصبحت تُعلِنُ أخبارَ الغضبِ الإسلاميِّ وتُظهِرُ تأييده، وفَرَضت مُجرياتُ الأحداثِ على وسائل الإعلام العالمية أن تقومَ بتغطيتها تغطيةً كاملة، وتكلَّم الساسةُ الكبارُ وزعماءُ الدول وأدلَوا بتصريحاتٍ حول الموضوع. * في الأُمة خيرٌ كثير: أثبتتْ هذه الحادثةُ الدنيئة أن أمَّتنا أمَّةٌ عظيمة، وأنها إذا مَرضت فإنها لا تموت، وفيها رجالٌ يذودون بكلِّ ما أُوتوا دونَ نبيِّهم الكريم ﷺ ، وأن فيها خيرًا كثيرًا، ولكنها تعيشُ فترةً من التخديرِ والخمول، وأنها إذا استَيقظت فستتحركُ كالبركان، وهذا ما رأيناه من التسابقِ في المساهَمة والبذل، وما نسمعُه من استنفارِ الأمةِ كلِّها، والتحركِ في جميع المجالات؛ حيث شارك في هذه الحملةِ المحامون والتجارُ والصُّنَّاعُ والأكاديميون والطلابُ والصّغارُ والكبارُ والرجالُ والنساء. * توحيدُ صفوف المسلمين: فرأينا -ولله الحمد- تكاتُفَ المسلمين وتبنَّيَهم لنفسِ المواقف، وإن اختَلفت البلدانُ واللغات.

стр. 2483

ويمكنُنا القولُ: إن الأمةَ الإسلاميةَ في العصرِ الحديث قلَّما قابَلَتْ حَدَثًا كان له مِثل هذا التأثير .. عِرضي فدا عِرضِ الحبيب محمدٍ وفداه … مُهجةُ خافِقي وجَناني وفداه كلُّ صغيرِنا وكبيرِنا … وفداه ما نَظَرت له العَينانِ * إِحياءُ جَذوةِ الإِيمان في قلوب المسلمين: فقد رأينا من رَدِّ فِعل المسلمين ما يدلُّ على محبَّتَهم للنبي ﷺ ، حتى مَن عنده شيءٌ من التفريط في بعضِ واجباتِ الدين، ثار دفاعًا عن الرسول الكريم ﷺ ، ولا عجبَ في ذلك، فإن للرسول ﷺ في قلوبِ المسلمين المكانةَ العظمى والمحبةَ الكبرى. * ظهر في الأزمة أن أهلَ التوحيد الخالص هم أهلُ النصرة والمحبةِ الحقيقية: بخلاف بعضِ أهل البدع والخرافاتِ الذين ضَعُفت أصواتُهم -إلا ما قلَّ- في الذَّود عن عِرضِ النبي ﷺ في أول الأمر، فدعوى محبةِ النبي ﷺ وآلِ بيته وحدَها لا تكفي، بل لا بد من النُّصرةِ بالقولِ والعمل والمبادرةِ إلى ذلك. * تبيَّن من الأزمةِ حِرصُ عددٍ من الغيُورين على الدعوةِ إِلى الإِسلام، وبيانِ الصورةِ المُشرِقةِ الحقيقيةِ لهذا الدين: من خلالِ ما رأينا من تسابقِ الكثيرين إلى طباعةِ الكتبِ بلُغةِ أولئك

стр. 2484

وبَذلِ المالِ في سبيل هذا، وهذا مَظهرٌ يُحمَد ويَحتاجُ إلى ترشيدٍ ووَعْي. * مسايرةُ الإِعلامِ وبعضِ كبارِ المسؤولين لمواقفِ الشعوبِ الإِسلاميةِ وحركتِها المباركة. ° إرسالُ رسالةٍ واضحةٍ للغرب أننا -نحن المسلمين- لا نرضى أبدًا أن يُمَسَّ دينُنا أو يُنالَ منه، أو يُعتدَى على رسولنا؛ فكلُّنا فداءٌ له- بأبي هو وأمي ﷺ .. فإنَّ أبي ووالدَه وعِرضي … لِعِرض محمدٍ منكم فِداءُ * ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾: ° قال ابن سَعدي ﵀: "وقد فعل -تعالى-، فما تظاهر أحدٌ بالاستهزاء برسول الله ﷺ وبما جاء به، إلاَّ أهلَكه الله وقَتَله شرَّ قِتله". ° فهذه الجريمةُ النكراءُ -مع أنها تُمزِّقُ قلوبَنا، وتملؤُها غَيظًا وغَضَبًا، ونودُّ أن نفدِيَ رسولَ الله ﷺ بأنفُسِنا- إلاَّ أنها مع ذلك مما نَستبشرُ به بهلاكِ هؤلاء وقُربِ زوالِ دولتهم، إذِ اللهُ -تعالى- يَكفي نبيَّه ﷺ المستهزئين المجرمين. وقد كان المسلمون إذا حاصروا أهلَ حِصنٍ واستعصى عليهم، ثم سَمِعوهم يَقَعون في النبي ﷺ ويَسُبُّونَه، يستبشرون بقُرب الفتح، ثم ما هو إلا وقتٌ يسير، ويأتي اللهُ -تعالى- بالفتح من عنده، انتقامًا لرسوله ﷺ . وشواهدُ التاريخِ كثيرةٌ على هلاكِ وفضيحةِ المستهزئين بالنبي محمد ﷺ .

стр. 2485

* ظهورُ اتحادِ الغرب على الإِسلام: فما أنِ استَنجدت تلك الدولةُ باتحادِهم حتى وقفوا جميعًا بجانبها، وتواصَى بعضُ المجرمين على نَشرِ هذه الصور في صحافتِهم تعاونًا على الإثمِ والعدوانِ، وتفتيتًا للمقاطعة، وتأكيدًا لحريَّة النشر -بزعمهم-، وكان بعضُ ساستهم يأسفُ لإِهانةِ مشاعر المسلمين، ثم يتصلُ بكبيرِ الدانمارك ليؤيِّده ويقول: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، حتى يُعلِموا المسلمين أنهم جميعًا في خندقٍ واحد، وأننا لا نستطيعُ مواجهتهم جميعًا. * ظهور الحقد الصليبيّ الدفين: حيث عَبَّر بعضُ مسؤوليهم عن أنه لا بدَّ مِن إيقاف المقاطعة ولو أدَّى ذلك إلى شَنِّ حربٍ صليبيةٍ جديدة، وهذا -وإن لم يصرَحْ به كثيرٌ منهم-، إلا أنها زَلَّةٌ تُمثِّلُ رأيَ طائفةٍ منهم: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)﴾ [آل عمران: ١١٨]. * اتضاحُ غطرسةِ الغربِ وعنادِه: فهو يرفضُ الاعتذارَ -حُكومةً وشعبًا-، وينظرُ للمسلمين نظرة استحقار .. بل يُصرِّحُ بعضُ مسؤوليهم أنهم لا يريدون الاعتذار ولا يرغبون فيه. * اتضاح موقف المنافقين: وهم الواقفون مواقفَ الرِّيبة من هذه الجريمة، إمَّا بالسُّكوت تارةً، أو بالتَّبرير تارةً، أو بالتَّهوين تارةً، أو بالاستهزاءِ من استنكارِ المسلمين لهذه الجريمةِ تاراتٍ وتارات.

стр. 2486

* ازديادُ أهميةِ التقليلِ من الحَجمِ الهائلِ لمستورَداتِ الدول الإِسلاميةِ من العالم الغربي: والسعى للتعويض عن ذلك بمنتجاتِ دولٍ إسلاميةٍ أخرى من خلال اشتراك المواردِ مع المال مع الخبرات. * ظهورُ جدوى تلك المقاطعةِ التي قام بها المسلمون لمنتجات المعتدين على مقامِ الرسول الكريم ﷺ : فلم تتحرك دولتُهم لمطالبَ رسميةٍ أو سياسية، لكن لَمَّا قامت المقاطعة لم يَمْضِ عليها إلاَّ أيامٌ قليلة حتى هَبَّتِ الصحيفة الآثمة ورئيسُ تحريرها لتدارُكِ الأمر، وتغيَّرَ أسلوبُ رئيس وزرائهم المكابر، فَلانَ شيئًا ما مع المسلمين -لا بل مع مصالحه-، وبهذا يَظهر سلاحٌ جديدٌ للمسلمين أفرادًا وجماعات يُمكن أن يَستخدموه للتأثير على أعدائهم، وإلحاقِ الضرر بهم (١). * المقاطعة الاقتصادية (٢): لا شك أن للاقتصاد في هذا الزمن تأثيرًا كبيرًا وفعَّالاً على مواقفِ الدولِ واتجاهاتها، وقد أصبحت الدعوةُ إلى مقاطعةِ البضائع والمنتجاتِ التي تُصدِّرها الدولُ التي تحاربُ المسلمين، من وسائل الضغطِ عليها لتوقفَ أو تخفِّفَ من موقفِها المعادي للمسلمين.

стр. 2487

وسلاحُ المقاطعةِ سلاحٌ مؤثرٌ بلا شك في المواجهةِ مع الأعداء. وقد استُخدم هذا السلاح قديمًا وحديثًا. فقديماً: استخدمته قريش ضدَّ النبي ﷺ فيما يُسمَّى بـ "شِعْب أبي طالب"، واستمر ثلاثَ سنوات، وكان تأثيرُه على المسلمين بالغًا. وهدَّد به ثمامةُ بنُ أُثال قريشًا عندما مَنَعَ الحنطةَ من بلاد نجد، حتى جاءت قريشٌ وناشَدت النبي ﷺ أن ياذنَ لثمامةَ أن يبيعَهم الحنطة، والقصة في "صحيح البخاري" برقم (٤٣٧٢). وأما حديثًا: فقد استُخدمت المقاطعةُ في الحربِ العالمية بين المتحارِبين، واستُخدمت مؤخرًا ضدَّ عددٍ من البلادِ الإسلامية كالعِراق وليبيا وأفغانستان والسودان. واستخدمتها الدول الإسلاميةُ قبلَ معاهداتِ السلام ضد الشركاتِ المتعاونةِ مع إسرائيل. وفي الحقيقة إن المُتابعَ لمجرياتِ الأحداثِ يلمسُ ما لهذه المقاطعةِ من آثارٍ كبيرة تدفعُ بعضَ الشركاتِ إلى التبرُّؤِ من العدوانِ والضغطِ على الساسةِ في بلدانهم لاتخاذ ما يُوقفُها. هذا من الناحيةِ الواقعية. * أما من ناحيةِ الحُكمِ الشرعي للمقاطعة الاقتصادية: فإن الأصلَ جوازُ معاملةِ الكفار بالبيع والشراء سواءٌ كانوا أهلَ ذمَّةٍ أو عهدٍ أو محارِبين، فلا تمنع المقاطعة، ولا تُشرع، ولكنَّ هذا الحكمَ قد يتغيَّرُ بالنظر إلى ما يترتبُ على المقاطعة الاقتصادية من مصالحَ أو مفاسد: فإذا غَلب على الظن إفضاءُ المقاطعة الاقتصادية إلى الإضرار بالكفار

стр. 2488

الحربيين، من غيرِ أن يترتبَ على ذلك مفسدة تعودُ على المسلمين، فهنا يتأكدُ الأمرُ، وقد يصلُ إلى الوجوب؛ فكل ما يُلحِق الضررَ بِمَن أعلن لنا العَداءَ مطلوبٌ ومأمور به، ولا شك أن التعاملَ التجاريَّ والاقتصاديَّ الحاصلَ في هذا الزمنِ يُباينُ التعاملاتِ التجاريةَ في الأزمانِ السابقة؛ فهو الآن أوسعُ وأشملُ، ولا شك في ارتباطِ الاقتصادِ الآنَ بالسياسةِ وتأثيرِه، وقد دعا النبي ﷺ على قريش أن تُضيَّق عليهم معيشتُهم؛ فعن ابنِ مسعودٍ ﵁ قال: إن رسولَ الله ﷺ لَمَّا دعا قريشًا كذبوه واستَعصَوا عليه، فقال: "اللهم أعنِّي عليهم بسَبعٍ كسبع يوسف"، فأصابتهم سَنَةٌ حَصَّت كل شيء (أي: أذْهَبَتْه) (١)، حتى كانوا يأكلون المَيتة، وكان يقومُ أحدُهم، فكان يَرى بينه وبين السماء مِثلَ الدخان من الجَهْد والجوع، فأتاه أبو سفيان فقال: أيْ محمد، إن قومَك هَلكوا، فادعُ اللهَ أن يكشِفَ عنهم (٢). ففي هذا إشار إلى استخدام السلاح الاقتصاديِّ ضدَّ الأعداءِ المحارِبين. - وإذا كانت المقاطعةُ الاقتصاديةُ لا يترتبُ عليها إضرارٌ بالكفار، بل تعودُ على المسلمين أنفسِهم بالضرر، فهنا يتوجَّهُ القولُ بالتحريم (٣). ° قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الفعلُ إذا كان يُفضي إلى مفسدةٍ، وليس فيه مصلحة راجحةٌ: يُنْهى عنه" (٤).

стр. 2489

- وأما إذا كانت المقاطعة الاقتصاديةُ ستُوقعُ الضررَ بالكفار، لكنها في المقابل ستوقعُ ضررا بالمسلمين أيضًا؛ فهنا تعارضت مصلحةُ الإضرارِ بالكفار مع مَفسدةِ قوع الضررِ على المسلمين، فيُنظر: فإن كنت المفسدةُ على المسلمين غالبةً مُنعت المقاطعة، وإن كان المصلحةُ بمقاطعتهم غالبةً، كانت مأمورًا بها، وإن تساوت المصلحةُ والمفسدةُ، فدَرءُ المفاسد مقدَّمٌ على جلب المصالح. - وأما إذا كانت المقاطعةُ الاقتصاديةُ لا مصلحةَ فيها من حيث الإضرارُ بالكفار، ولا مفسدةَ فيها على المسلمين؛ فلا حَرَج من القولِ باستحبابها؛ لأنها تكونُ من وسائل التعبيرِ عن السُّخطِ ضدَّ ممارساتِ الكفارِ العُدوانية، فلو لم يَنتج عن هذه المقاطعة إلاَّ التعبيرُ عن عقيدةِ الولاء بين أهل الإيمان والبراءةِ من أهل الشِّرك والكفران -والتعبيرُ كذلك عن إرادة الشعوب الإسلامية- لكفى، فهي على الأقل "تسجيل موقف للشعوب الإسلامية". * دعوات وشعارات تساقطت: لقد أظهرت هذه الأزمة حقائقَ كانت خافية على جَمٍّ غفيرٍ من الناس؛ فهؤلاءِ القومُ الذين ما فَتِئوا يدَّعون أن بلادَهم رمزٌ للحرية والديمقراطية، ويتشدَّقون باحترامِهم لجميع الأديان، أظهرت هذه الأزمةُ ما تَنطوي عليه قلوبُ هؤلاء المجرمين من الحِقدِ والكُرهِ للمسلمين، وإنْ تظاهروا في كثير من الأحيان أنهم مسالمون: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨]. ومنها: انكشاف تزويرِ الغرب في معاييره؛ فهنا يحتجُّون بحريةِ الرأي

стр. 2490

والتعبير، وكلُّ عاقلٍ يَعلمُ أن حريةَ الرأي المزعومةَ تقفُ عند المِساسِ بحُرمةِ الآخرين والاعتداءِ عليهم، وهم كاذبون في دعواهم حريةَ الرأي؛ فكلُّنا يَذكرُ ما حَدَث منذ سنواتٍ قريبةٍ عندما أقدمت حكومةٌ إسلاميةٌ على تكسيرِ أوثانٍ وأصنامٍ عندها، أقاموا الدنيا وما أقعدوها!! فأين كانت حريةُ الرأي المزعومة؟! ولماذا لم يعتبروا هذا أيضًا من حرية الرأي؟!. وإذا كان الشرعُ والعقلُ -بل والقانون- يَمنعُ الإنسانَ أن يتصرفَ في بيتِه بما يؤذِي جارَه، كالأصواتِ المزعجة أو الروائحِ الكريهة؛ فكيف تقْدِمُ الصحيفةُ على هذه الجريمةِ التي فيها استهانةٌ بمشاعِرِ مليارٍ و ٣٠٠ مليون مسلم، ثم تحتجُّ بحريةِ الرأي؟. ومنها: بيانُ بطلانِ ما يدعو إليه بعضُ المتغرِّبين من أبناءِ جِلدتنا بمثل قولهم: "لا تقولوا على غيرِ المسلمين "كفارًا"، بل قولوا "الآخَر" حتى لا تشعلوا نارَ الفتنةِ بيننا وبينهم". فتبيَّن من الجريمةِ مَن الذي يَكره الآخر، ولا يُراعي حُرمتَه، ويُعلِنُ الحربَ عليه. ومنها: كَذبُ دعاويهم التي ملؤوا بها الدنيا من "حوار حضارات" القائم على احترام الآخر، وعدم الاعتداءِ عليه!! فأيّ حوارٍ يريدون؟ وأيُّ احترامٍ يزعمون؟. إنهم يريدون منا أن نحترمَهم ونوقَرَهم ونعظِّمَهم، بل ونركعَ لهم ونسجد، أما هم فلا يزدادون إلاَّ استهزاءً بنا وسخريةً وظلمًا!. ° ومِن المعاني التي تساقطت أيضًا في هذه الأزمة: انهزامية الأمة تجاهَ
следующие страницы →