° قال القرطبي: "اصدَعْ بما تُؤمر ولا تَخَفْ غيرَ الله؛ فإن الله َ كافيك مَن آذاك كما كفاك المستهزئين؛ وكانوا خمسةً من رؤساءِ أهل مكة، وهم الوليدُ بنُ المغيرة -وهو رأسهم-، والعاصُ بن وائل، والأسودُ بن المطلب بن أسد -أبو زمعة-، والأسودُ بن عبد يغوث، والحارثُ بن الطُّلاطِلة، أهلَكَهم اللهُ جميعًا قبلَ يومِ بدرٍ في يوم واحد، لاستهزائهم برسول الله ﷺ وسببُ هلاكهم -فيما ذَكَر ابن إسحاق-: أن جبريلَ أتى رسول الله ﷺ وهم يَطوفون بالبيت، فقام وقام رسول الله ﷺ ، فمرَّ به الأسودُ بن المطلب فرمى في وجهه بورقةٍ خضراء، فعَمِيَ ووجعت عينه، فجعل يضربُ برأسه الجدار.
ومَرَّ به الأسودُ بن عبد يَغُوث فأشار إلى بطنه فاستقى بطنه فمات حَبَنًا (١).
ومر به الحارثُ بن الطُّلاطِلة، فأشار إلى رأسه فامتَخَط (٢) قيحًا فقتله.
وقد ذُكِر في سبب موتهم اختلافٌ قريبٌ من هذا.
وقيل: إنهم المرادُ بقوله تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦]، شَبَّه ما أصابَهم في موتهم بالسَّقفِ الواقع عليهم" (٣).
* القُرَطاءُ البَكْرِيُّون:
بعث رسول الله ﷺ إلى القُرَطاءِ البكريِّين، بناحيةِ "ضرية" في نجد شرقيَّ المدينة، بكتابٍ يدعوهم فيه إلى الإسلام، فاستهزؤوا به وبكتابه،
стр. 282
فأخذوا الصَّحيفةَ التي تحمل دعوتَهم إلى التوحيد، فغَسَلوها من الحِبر، ثم رَقَّعوا بها استْ دلوٍ لَهُم، وأبَوا أن يجيبوا الرسول ﷺ إلى ما دعاهم إليه، فأنكرت امرأةٌ عاقلة منهم ما فعلوا بكتاب الرسول ﷺ وهي أمّ حبيبٍ بنتُ عامرِ بنِ خالدِ بنِ عمرو ابنةُ ابنِ أخي سيِّد القوم حارثةَ بنِ عمرو -، واستهجنت ما صنعوا، فقالت- وقولُها يدلُّ على أنها مسلمة -:
إِذَا مَا أَتَتْهُمْ أَيةٌ مِنْ مُحَمَّدٍ … مَحَوْهَا بِمَاءِ الْبِئْرِ فَهْيَ عَصِيرُ
فَانظُرْ كَيفَ كَانَ جَزَاؤُهُمْ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهم.
يذكر أصحابُ السِّير أن القُرَطاء لما فعلوا بكتابِ رسول الله ﷺ ما فعلوا؛ صاروا دائمًا أهلَ رِعْدةٍ وعَجَلةٍ وكلامٍ مختلِطٍ وأهلَ سَفَهٍ، وكان الذي جاءهم بالكتاب رجلٌ من عُرَينة، يقال له: عبد الله بن عَوْسَجة.
° قال الواقدي: "رأيت بعضَهم عييًّا لا يبِين الكلامَ" (١).
جَرَّد رسول الله ﷺ حملةً عسكريةً بقيادة الضحاك بن سفيان الكِلابي، في شهر ربيع الأول، سنةَ تسعٍ هجرية، فهزمهم في مكانٍ بنجد، يقال له: "زَجُّ لاوة".
* مَن خادَع النبي ﷺ -:
° عن أنسٍ ﵁ قال: "كان رجل نصرانيُّ، فأسلم وقرأ البقرةَ وآل عمران، فكان يكتبُ للنبي ﷺ ، فعاد نصرانيًّا، فكان يقول: ما يَدرِي محمدٌ إلاَّ ما كتبتُ له، فأماته الله، فدفنوه، فأصح ولقد لَفَظَتْه الأرضُ، فقالوا: هذا فِعْل محمدٍ وأصحابِه، لمَّا هرب مْنهم نَبَشوا عن صاحبنا
стр. 283
فألقَوه .. فحَفَروا له فأعمَقوا، فأصبح وقد لَفَظَتْه الأرض، فقالوا: هذا فعلُ محمدٍ وأصحابه، نَبَشوا عن صاحبنا لما هرب منهم فألْقَوْه خارجَ القبر .. فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبح قد لفظته الأرض، فعلموا أنه ليس من الناس فألقَوه" (١) ..
ماذا لَقيتَ ببطن القبر نبِّينا؟ … إن الحياةَ بظهر الأرض تُلهِينَا
تلقاك في عَمَهِ الأجداث ماثلةً … أعمالُك السُّودُ قد صارت ثعابينَا
سَجِّلْ بكفِّك في القرطاسِ ما كتبتْ … كلتا يديْك به أمسيتَ مرهونَا
لَفَظَتْه الأرضُ لِنَتْنِهِ وخُبْثِه وخِداعه وكُفْره، وليبقى آية لن بعدَه.
* عامر بن الطفيل مُعاند رسول الله ﷺ -:
° عن أنسٍ- ﵁ أن النبي- ﷺ بَعَث خالَه -أخٌ لأم سليم- في سبعين راكبًا، وكان رئيسُ المشركين عامر بن الطفيل خيِّر بين ثلاث خصال فقال: "يكون لك أهلُ السَّهل ولي أهلُ المَدَر، أو أكونُ خليفتَك، أو أغزوك بأهل عطَفان بألفٍ وألف".
فطُعِن عامرٌ في بيتِ أمِّ فلان: غدَّةً كغُدَّةِ البَكْرِ في بيتِ امرأة من آل بني فلان فقال: ائتوني بفَرَسِي .. فمات على ظَهرِ فرسه .. فانطلق حرامٌ -أخو أم سليم، وهو رجلٌ أعرج- ورجلٌ من بني فلان قال: كونَا قريبًا حتى آتيَهم، فإن آمنوني كنتم، وإن قتلوني أتيتم صاحبَكم، فقال: أتؤمَّنوني أُبلِّغ رسالةَ رسول الله ﷺ ؟ فجعل يُحدَّثُهم، وأومؤوا إلى رجلٍ، فأتاه من خَلْفِه فطَعَنه -قال همام أحسبه حتى أنفَذَه بالرمح- قال: اللَّه أكبر، فزتُ وربِّ
стр. 284
الكعبة، فلَحِقَ الرجلُ، فقُتلوا كلُّهم غيرُ الأعرج كان في رأسِ جبلٍ، فأنزل الله علينا، ثم كان من المنسوخ: "إنا قد لَقِينا ربَّنا فرَضي عنَّا وأرضانا"، فدعا عليهم النبي- ﷺ ثلاثين صباحًا على رِعْلٍ وذَكْوانَ وبني لحيان وعُصَيَّة الذين عَصَوُا الله ورسولَه ﷺ (١).
* مَن عاندَ رسول الله ﷺ وسَخِر بالله:
• عن أنسٍ ﵁: "بَعَث رسولُ الله ﷺ رجلاً من أصحابه إلى رجلٍ من عظماء الجاهلية يدعوه إلى الله ﵎، فقال: أيشٌ ربُّك الذي تدعوني إليه: مِن حديد هو؟ من نُحاسٍ هو؟ مِن فضةٍ هو؟ من ذهبٍ هو؟ فأتى النبي- ﷺ فأخبَرَه، فأعاد النبيُّ ﷺ الثانية، فقال مثل ذلك، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فأرسله الثالثة، فقال مثلَ ذلك، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فأرسل اللهُ ﵎ عليه صاعقة فأحرقته، فقال رسولُ الله ﷺ : "إن الله ﵎ قد أرسل على صاحبك صاعقةً فأحرقته"، فنزلت هذه الآية ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣] " (٢).
стр. 285
* رأسُ المنافقين عبدُ الله بن أُبَيِّ بنِ سَلُول - لعنه الله -:
° قال البخاري في باب قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨].
• عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كنَا في غزاة، فكَسَعَ (١) رجلٌ من المهاجرين: رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاريّ: يا للأنصار، وقال المُهاجري: يا لَلمهاجرين. فسَمَّعَها اللهُ رسولَه ﷺ قال: "ما هذا؟ "، فقالوا: كَسَع رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فقال- ﷺ : "دعوها فإنها مُنْتِنَةٌ".
قال جابر: وكانت الأنصارُ حين قَدِم النبي ﷺ أكثرَ، ثم كَثُر المهاجرون بعدُ، فقال عبدُ الله بنُ أُبَي: أوَ قَدْ فعلوا؟! واللهِ لئن رَجَعْنا إلى المدينة ليُخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ" (٢).
° وفي البخاري من حديث زيدِ بن أرقمَ قال: "كنتُ في غَزاةٍ، فسمعت عبدَ الله بن أُبي يقول: لا تُنفِقوا على من عندَ رسولِ الله حتى ينفضُّوا مِن حوله، ولئن رجعلنا ليُخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ .. " الحديث.
كان ذلك في غزوة "بني المصطلِق" من خزاعة، وهي غزوة "المُريسيع"، وهو ماءٌ من مياهِهِم.
° قال ابنُ إسحاق: "فبينا الناسُ على ذلك الماء، وَرَدَتْ وأردةُ
стр. 286
الناس، ومع عمرَ بنِ الخطاب أجيرٌ له من بني غِفار، يقال له: "جهجاه بن مسعود" يقودُ فَرَسَه، فازدحَمَ جهجاه وسِنان بن دبر الجهَنيُّ- حليفُ بني عوفٍ من الخزرج- على الماء، فاقتتلا، فَصَرخ الجهني: يا معشرَ الأنصار.
وصرخ جهجاه: يا معشرَ المهاجرين، فغضب عبدُ الله بن أبي بن سلول، وعنده رَهطٌ من قومه، فيهم زيدُ بنُ أرقم، غلامٌ حَدَث، فقال: أوَ قَدْ فعلوها؟! قد نافَرونا وكاثَرونا في بلادنا، واللهِ ما أُعِدُّنا وجلابيبَ قريش (١) هذه إلا كما قال الأول: "سمِّنْ كَلْبَك يأكلْك"، أَما واللهِ لئن رجعنا إلى المدينة، ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ .. ثم أقبل على مَن حَضَره من قومه، فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسَمتموهم أموالكم، أَما واللهِ لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم، لَتحوَّلوا إلى غيرِ دارِكم، فسمع ذلك زيدُ بنُ أرقم، فمشى به إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبَرَ وعنده عمرُ بن اخطاب، فقال عمرُ: مُر به عبَّادَ بنَ بِشْر فلْيقتله، فقال رسولُ الله ﷺ : "فكيف يا عمر إذا تَحدَّثَ الناسُ أن محمدًا يقتلُ أصحابه؟ لا، ولكن أَذِّنْ بالرحيل"، وذلك في ساعةٍ لم يكن رسولُ الله ﷺ يرتحلُ فيها، فارتحل الناسُ، وقد مَشى عبدُ الله بن أبي بن سَلول إلى رسول الله ﷺ ، حين بلغه أن زيدَ بنَ أرقم بَلَّغه ما سمع منه، فحَلَف بالله: "ما قلتُ ما قال، ولا تكلمتُ به"، وكان في قومه شريفًا عظيمًا، فقال مَن حضر رسولَ الله ﷺ من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله، عسى أن يكون الغلامُ أَوْهَمَ في حديثه، ولم يَحْفظ ما قال الرجلُ -حَدَبًا على ابنِ أُبيٍّ ودفعًا عنه-، فلما
стр. 287
استقلَّ رسولُ الله ﷺ وسار، لَقِيَه أُسيد بن حُضير، فحيَّاه بتحيةِ النبوة، وسَلَّم عليه، وقال: يا رسول الله، واللهِ لقد رُحتَ في ساعةٍ منكرة، ما كنتَ تروحُ في مِثلها!!.
فقال له رسولُ الله ﷺ : " أوَ ما بلغك ما قال صاحبك؟ "، فقال: أيّ صاحب يا رسول الله؟ قال: "عبد الله بن أبي"، قال: وما قال؟، قال: "زعم أنه إنْ رَجَع إلى المدينة أَخْرَجَ الأعزّ منها الأذلَّ"، قال: فأنتَ واللهِ يا رسول الله، تُخرِجُه إن شئتَ، هو واللهِ الذليل، وأنت العزيز، قال: يا رسول الله، ارفُقْ به، فواللهِ لقد جاءنا اللهُ بك، وإنا لَننظِمُ له الخَرْزَ لِنُتَوِّجَه، فإنه يرى أنْ قد سَلَبْتَه مُلكًا.
ثم مشى رسولُ الله ﷺ بالناس يومَهم ذلك حتىَ أَمسى، وليلتَهم حتى أصبح، وصَدْرَ يومِهم ذلك حتى آذَتْهمُ الشمسُ، ثم نزل بالناس، فلمِ يَلبثوا أنْ وجَدوا مسَّ الأرض فوقعوا نيامًا، وإنما فعل ذلك؛ ليُشغِلَ الناس عن الحديث الذي كان بالأمس، من حديث عبد الله بن أبي".
* فكيف كان جزاؤه؟
° قال ابن إسحاق: "حدثني عاصمُ بنُ عمرَ بنِ قتادة: أن عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول أتى رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريدُ قَتْلَ عبد الله بن أُبي فيما بلغك عنه، فإنْ كنتَ فاعلاً، فمُرنْي به، فأنا أحملُ إليك رأسَه، فوالْلَّهِ، لقد عَلِمَتِ الخزرجُ ما كان بها من رجلٍ أبرَّ بوالدِه مني، وإنى أخشى أن تأمرَ به غيري فيقتلَه، فلا تَدَعَنى نفسي أن أنظرَ إلى قاتِل عبد الله بنِ أُبيٍّ يمشي في الناس، فأقتلَه، فأقتل مؤمنًا بكافر،
стр. 288
فأدخلَ النارَ، فقال رسول الله ﷺ : "بل نترفَّقُ به، ونُحسِنُ صحبتَه ما بقي معنا"، وجعل بعد ذلك إذا أحدثَ الحَدَث كان قومُه هم الذين يعاتبونه، ويأخذونه، ويُعنِّفونه، فقال رسولُ الله ﷺ لعمرَ بن الخطاب حين بَلَغه ذلك من شأنهم: "كيف ترى يا عمر؟ أمَا واللهِ، لو قَتلتُه يومَ قلتَ لي، لأرْعَدَتْ له أنوفٌ، لو أمرتُها اليوم بقتله لقتلته"، فقال عمر: قد واللهِ علمتُ لأَمرُ رسولِ الله ﷺ أعظمُ بركةً من أمري".
° وقد ذكر عكرمةُ وابنُ زيد وغيرهما، أن ابنَه عبدَ الله ﵁ وقف لأبيه عبدِ الله بن أبي بن سلول عند مَضِيقِ المدينة، فقال: "قِفْ، فواللهِ لا تدخُلُها حتى يأذنَ رسولُ الله ﷺ في ذلك"، فلما جاء رسولُ الله ﷺ استأذنه في ذلك، فأذن له، فأرسله حتى دخل المدينة (١).
° وفي "التفسير" عند ابن كثير: "ذكر عكرمةُ وابنُ زيد وغيرهما: أن الناس لما قَفَلوا راجعين إلى المدينة، وقف عبدُ الله بنُ عبدِ الله هذا على بادٍ المدينة، واستلَّ سيفه، فجعل الناسُ يمرُّون عليه، فلما جاء أبوه عبدُ الله بن أبيٍّ، قال له ابنُه: وراءَك، فقال: مالك وَيْلَك؟ فقال: واللهِ لا تجوزُ من هنا حتى يأذنَ لك رسولُ الله ﷺ ، فإنه العزيزُ وأنت الذليل، فلما جاء رسولُ الله ﷺ ، وكان يسيرُ ساقةً (٢)، فشكا إليه عبدُ الله بنُ أبيٍّ ابنَه، فقال ابنُه عبدُ الله: واللهِ يا رسول الله، لا يدخُلُها حتى تأذنَ له، فأذِنَ له رسول الله ﷺ فقال: أمَّا إذْ أَذِنَ لك رسولُ الله ﷺ فجُزِ الآن.
стр. 289
° وقال أبو بكر بن عبد بن الزبير الحميدي في "مسنده": قال هارون المَدَني: قال عبد الله بن عبدِ الله بنِ أُبَي بنِ سلول لأبيه: واللهِ لا تدخلُ المدينةَ أبدًا حتى تقول: رسول الله الأعز، وأنا الأذل، قال: وجاء النبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله، إنه بلغني أنك تريدُ أن تقتلَ أَبِي، فو الذي بعثك بالحقِّ ما تأملتُ وجهَه قطُّ هيبةً له، ولئن شئتَ أن آتيَك برأسه لَاتينَّك، فإني أكرهُ أن أرى قاتلَ أبي".
فانظر إلى رأس النفاق، الذي لم يَهْدِ اللهُ قلبَه للإِيمان، ولم يكتبْ له هذه الرحمةَ، وهذه النعمة، وتقفُ دونَ هذا الفيضِ المتدفِّق من النور والتأثير إحْنةٌ في صدره، أن لم يكن مَلِكًا على الأوس والخزرج، بسبب مَقْدِم رسولِ الله ﷺ إلى المدينة، فتَكُفُّه هذه وحدَها عن الهدى، ويقول ما قال، قولةً يتجلَّى فيها خُبثُ الطبع، ولؤمُ النحيزة، فيكونُ جزاؤه من جنس عمله وقوله، على يدِ ابنه، ليتقرَّر بالتجربةِ الواقعة مَن هو الأعزُّ، ومَن هو الأذلُّ، في نفسِ الواقعة، وفي ذاتِ الأوان، ولم يَدخُلها الأذلُّ إلاَّ بإذن الأعز.
ويضمُّ اللهُ -سبحانه- رسولَه والمؤمنين إلى جانبه، ويضفِي عليهم من عِزَّته، وهو تكريم هائل لا يُكرِمُه إلاَّ الله، وأيُّ تكريمٍ بعدَ أن يوقِفَ اللهُ - سبحانه - رسولَه والمؤمنين معه إلى جواره، ويقول: "ها نحن أولاء، هذا لواءُ الأعزاء، وهذا هو الصفُّ العزيز".
عِزةٌ مستمَدَّةٌ من عِزَّته، لا تهونُ ولا تهان، ولا تنحنى ولا تلين، ولا تُزايلُ القلبَ المؤمن في أَوجِ اللحظات، إلا أن يتضعضعَ فيه الإِيمان، فإذا
стр. 290
استقرَّ الإيمانُ ورَسَخ، فالعزَّةُ معه مستقِرَّةٌ راسخة.
° انظر إلى هذا الذي كان وجيهًا عند قومه، جاء إليه رسولُ الله ﷺ وهو على حِمارةٍ، مرَّ بها على طريق سَبِخةٍ، وجعل يدعوه إلى الإيمان، وهو يقول له: "ابعُدْ عني يا محمد، فإن رائحةَ حمارِك تؤذيني، فيقول له ابن عمًّ له: والله لرَيحُ حمارِ رسول الله أطيبُ من رِيحك".
أيَّ هوانٍ كان هذا!! وصَدَق الله العظيم إذ يقول عن المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] أشباحٌ وقوالب، ليس وراءَهم ألبابٌ وحقائقُ، كالجَوز الفارغ، مُزيَّنٌ ظاهره، ولكنه لِلَعِبِ الصِّبيان.
هذا الذي تولَى كِبْرَه، وخاض في عِرضِ أمَ المؤمنين عائشة في قصةِ الإفك، فقال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٣ - ٢٤]، جزاء وفاقًا، كما استطالت.
وظلَّ رأسُ المنافقين على نِفاقِه إلى أن مات، وأُخذ به إلى أُمِّه الهاوية إلى الدَّرْكِ الأسفلِ من النار، تُشَيَعُه لَعنةُ الله والملائكةِ والناسِ أجمعين.
* * *
стр. 291
* كَسرى (١) مَلِكُ الفردس، يُمزِّق كتابَ النبي ﷺ إِليه، فيمزِّق اللهُ مُلْكَه:
° عن أنس ﵁: "أن النبي- ﷺ كتب إلى كِسرى وإلى قيصرَ وإلى النجاشيِّ وإلى كلّ جبَّارٍ عنيدٍ يدعوهم إلى الله عالى" (٢).
وكسرى هو ابنُ برويز بن هُرْمز بن أنو شِرْوان، وهو كسرى الكبير المشهور.
° وعن عُبيدِ الله بن عبدِ الله أنَّ ابنَ عباس أخبره "أن رسول الله ﷺ بَعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حُذافةَ السَّهْمِيِّ" (٣).
وجَزَم ابنُ سعدٍ أنَّ بَعْثَ عبدِ الله بن حذافة إلى كسرى كان في سنةِ سبع، وصنيعُ البخاري يقتضي أنه كان في سنة تسِع، ورَوى محمدُ بنُ إسحاق بسنده عن أبي سلمة أن رسول الله ﷺ بَعث عبدَ الله بنَ حذافة السَّهْمِيَّ بكتابه إلى كسرى، فلما قرأه مَزَّقه، فلمَّا بَلَغ رسولَ الله ﷺ قال: "مَزَّق الله مُلكَه"، وقع في جميع الطرق مرسلاً، ويُحتمل أن يكون ابنُ السيَّب سَمِعه من عبد الله بن حذافةَ صاحِبِ القصة، فإنَّ ابنَ سعدٍ ذَكر من حديثه أنه قال: "فقرأ عليه كتابَ رسول الله- ﷺ ، فأخذه فمزَّقه" (٤).
стр. 292
• وعند ابن جريرٍ: عن أيِّد بنِ أبي حبيبٍ قال: "وبَعَث عبدَ الله بنَ حذافةَ بن قيس إلى كسرى بن هرمز مَلِكِ فارس، وكتب معه: بسم الله الرحمن الرحيم .. من محمد رسول الله، إلى كسرى عظيم فارس .. سلامٌ على مَنِ اتَبع الهدى، وآمَنَ باللهً ورسوله، وشَهِد أَنْ لا إلهَ إلاَّ الله، وحدَه لا شريك له، وأنَ محمدًا عبدُه ورسوله، أدعوك بدُعاء الله، فإني أنا رسولُ الله إلى الناس كافَّةً؛ لأُنذرَ مَن كان حيًّا، ويَحِقَّ القولُ عَلى الكافرين، فإن تُسلمْ تَسْلَمْ، وإن أبَيْتَ، فإنَّ إثمَ المجوسِ عليك".
قال: فلما قرأه شَقَّه، وقال: يَكتب إلي بهذا وهو عبدي!! قال: ثم كَتب كِسرى إلى باذان -وهو نائبه على اليمن- أنِ ابعَثْ إلى هذا الرجل بالحجاز رجُلَينِ من عندك، جَلْدَينِ، فلْيأتياني به .. فبعث باذان قَهرمانَه -وكان كاتبًا حاسبًا بكتاب فارس-، وبَحَث معه رجلاً من الفرس يقال له: "خُرخُرة"، وكَتب معهما إلى رسول الله ﷺ يأمرة أن ينصرفَ معهما إلى كسرى، وقال لباذَوَيه: ائتِ بلادَ هذا الرجل، وكَلِّمْه وائتني بخبره .. فخرجا حتى قَدِما الطائفَ، فوجدَا رجلاً من قريشٍ في أرضِ الطائف، فسألوه عنه، فقال: هو بالمدينة، واستبشَرَ أهل الطائف -يعني وقريش- بهما وفرِحوا، وقال بعضهم لبعض: أبشِروا، فقد نَصَبَ له كسرى مَلِكُ الملوك، وكُفيتمُ الرجل، فخرجا حتى قَدِما على رسول الله ﷺ فكَلَّمه باذَويه، فقال: شاهنشاه -مَلِكُ الملوك- كسرى قد كتب إلى المَلِكِ باذانَ؛ يأمرُه أن يَبعث إليك من يأتيه بك، وقد بَعَثني إليك؛ تنطلقَ معي، فإن فعلتَ كَتَب لك إلى مَلكِ الملوك يَكُفُّه عنك، وإنْ أبيتَ، فهو مَن قد علمتَ، فهو مُهلِكُك ومهلِكٌ قومَك، ومُخرِّبٌ بلادَك .. ودخلَا على رسول الله ﷺ -
стр. 293
وقد حَلَقا لِحاهما، وأعفَيا شواربَهما، فكره النظرَ إليهما، وقال: "ويلكما، مَن أمركما بهذا؟ " قالا: أَمَرنا ربُّنا -يعنيانِ كسرى-. فقال رسول الله ﷺ : "ولكن ربي أمرني بإعفاءِ لِحيتي وقصِّ شاربي"، ثم قال: "أرجعا حتى تأتياني غدًا"، قال: وأتى رسولَ الله الخبرُ من السماء، بأنَّ الله َ قد سَلَّط على كسرى ابنَه "شِيرويه"، فقَتَله في شهرِ كذا وكذا، في ليلةِ كذا وكذا من الليالي، سَلَّط عليه ابنَه شيرويه فقتله.
قال: فدعاهما، فأخبرهما، فقالا: هل تدري ما تقول؟ إنا قد نَقَمْنا عليك ما هو أيسرُ من هذا، فنكتبُ عنك بهذا، ونخبِر الملك باذان؟ قال: "نعم، أخبِراه ذلك عنِّي، وقُولَا له: إن دِيني وسُلطاني سيبلغُ ما بَلَغ كسرى، وينتهي إلى الخُفِّ والحافر، وقولَا له: إن أسلمْتَ أعطيتُك ما تحتَ يديك، ومَلَّكتُك على قومك من الأبناء"، ثم أعطى "خُرخرةَ" مِنطقةً فيها ذهبٌ وفضة كان أهداهاَ له بعضُ الملوك، فخرجا من عنده حتى قدما على باذان، فأخبراه الخبر، فقال: واللهِ، ما هذا بكلامِ مَلِلكٍ، وإني لأرى الرجلَ نبيًّا كما يقول، ولَيكونَنَّ ما قد قال، فلَئنْ كان هذا حقًّا فهو نبيُّ مرسل، وإنْ لم يكن فسنرى فيه رأيًا، فلم يَنْشَبْ باذانُ أن قَدِمَ عليه كتابُ شيرويه: أما بعد، فإني قد قتلتُ كسرى، ولم أقتلْه إلاَّ غضبًا لفارس، لِمَا كان استَحَل مِن قتل أشرافهم، ونَحْرِهم في ثغورهم، فإذا جاءك كتابي هذا، فخُذْ لي الطاعةَ ممن قبِلك، وانطلِقْ إلى الرجل الذي كان كسرى قد كَتَب فيه، فلا تَهْجِهِ حتى يأتيَك أمري فيه، فلما انتهى كتاب شِيرويه إلى باذان، قال: إن هذا الرجلَ لرسول .. فأسلم، وأَسلمتِ الأبناءُ من فارس، مَن كان منهم باليمن.
стр. 294
قال: وقد قال باذويه لباذان: ما كَلَّمتُ أحدًا أهيبَ عندي منه، فقال له باذان: هل معه شُرَطٌ؟ قال: لا ..
وَكسْرَى إِذْ تَقَاسَمَهُ بَنُوهُ … بِأَسْيَافٍ كمَا اقْتُسِمَ اللَّحَامُ
تَمَخَّضَتِ المَنُونُ لَهُ بِيَوْمٍ … أتَى وَلِكُلِّ حَامِلَةٍ تَمَامُ
° قال الشافعيُّ: لما أُتي كسرى بكتابِ رسول الله ﷺ مَزَّقه، فقال: رسول الله ﷺ : "يُمزَّقُ مُلكُه"، وحَفِظنا أن قيصرَ أكرمَ كتابَ رسولِ الله ﷺ ووضعه في مَسْك (١)، فقال رسول الله ﷺ : "ثُبَّت مُلكُه"، ولَمَّا كانت العربُ تأتي الشامَ والعراقَ للتجارة، فأسلم مَن أسلم منهم، شكَوْا خوفَهم من مَلِكي العراقِ والشام إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "إذا هَلَك كسرى فلا كسرى بعده؟ إذا هلك قيصرُ فلا قيصرَ بعده". فباد مُلكُ الأكاسرة بالكلية، وزال ملكُ قيصرَ عن الشام بالكلية، وإن ثَبَت لهم مُلكٌ في الجملة، ببركةِ دعاءِ النبي ﷺ لهم حين عَظَّموا كتابه، والله أعلم" (٢).
• عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا هَلَك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصرُ فلا قيصرَ بعده، والذي نفسي بيده لتُنْفَقَنَّ كنوزُهما في سبيل الله" (٣).
• وعن جابرِ بنِ سَمُرةَ ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول:
стр. 295
"لَتَفْتَحَن عصابةٌ من المسلمين -أو مِنَ المؤمنين- كنْزَ آلِ كسرى الذي في الأبيض" (١).
• وعن جابر بن سَمُرةَ قال: قال رسول الله ﷺ : "عُصبةٌ من المسلمين يَفتحون البيتَ الأبيض بيتَ كسرى" (٢).
* شيطانُ يهود: كعبُ بنُ الأشرف -لعنه الله-، عدوُّ الله ورسوله:
° لَمَّا اتَّصل بكعْبِ بنِ الأشرف -وهو رجل يهودي من نَبْهانَ مِن طَيئ، وأمُّه من بني النَّضِير- قَتْلُ صناديدِ قريشٍ ببدرٍ قال: "بطنُ الأرض خير من ظهرها".
• ونَهَض ابن الأشرف إلى مكةَ، فجعل يَرْثي قَتلى قريش، ويُحرِّضُ على قتالِ النبيِّ ﷺ ، ويُشبِّب بنساءِ المسلمين؛ قصدًا لإِيذاءِ أزواجِهنَّ، وكان شاعرًا، ثم عاد من مكةَ إلى المدينة، فلم يَزَلْ يُؤذي رسولَ الله ﷺ ويدعو إلى خلافِه، ويَسُبُّ المسلمين حتى آذاهم أعظمَ الأذى، فقال رسول الله ﷺ : "مَنْ لي بابن الأشرف، فإنه يُؤذي اللهَ ورسولَه والمؤمنين؟ "، فقال له محمد بن مَسْلَمةَ: أنا له يا رسول الله، أنا أقتله إن شاء الله، فقال: "فافعل إنْ قَدَرْتَ على ذلك".
ومَكَث محمدُ بن مَسْلَمةَ أيامًا مشغولَ النفس بما وَعَد رسولَ الله ﷺ من نفسه في قتل أبن الأشرف، فانتدبه رسول اللَّه ﷺ ، وانتدب معه سِلْكانَ
стр. 296
ابنَ سلَامةَ بنِ وَقْشٍ أبا نائلةَ -أحدَ بني عبد الأَشْهَل، وكان أخَا كعبِ بنِ الأشرف من الرضاعة-، وعَبَّادَ بنَ بِشْرِ بنِ وَقْش، والحارثَ بنَ أَوْسِ بنِ مُعَاذ -وهما من بني عبد الأشهل-، وأبا عَبْس بنَ جَبْر أخا بني حارثة (١)، وأَذِن لهم رسولُ الله ﷺ -أن يقولوا غيرَ ما يعتقدون (٢)، على سبيل جوازِ ذلك في الحرب.
وقدَّموا إلى ابن الأشرف سِلْكَانَ بنَ سَلَامة، فقَصَد له وأظهَرَ له موافقتَه على الانحراف عن رسول الله ﷺ ، وشكا إليه ضِيْق حالهم، وكَلَّمَه في أن يَبيعَه وأصحابَه طعامًا، فَيَرْهَنُوه سِلاحَهم، فأجابهم إلى ذلك.
ورجع سِلْكَانُ إلى أصحابه، فخرجوا إلى ابنِ الأشرف اليهوديِّ، وشيَّعهم رسولُ الله ﷺ إلى بَقيع الغَرْقَد (٣) في ليلةٍ مُقْمِرَة، فأتَوا كعبًا، فخرج إليهم من حِضنِه، فَتَماشَوا، فوضعوا عليه سيوفهم، ووضع محمدُ ابنُ مَسْلَمةَ مِغْوَلاً (٤) كان معه في ثُنَّتِه (٥) فقتله.
وصاح ابنُ الأشرف صيحةً شديدةً انذعر بها أهلُ الحصون حوالَيه، فأوقدوا النيرانَ دون جدوى.
стр. 297
وجُرح الحارثُ بن أَوْسٍ في رِجْلِه ببعض سيوفِ أصحابه أو في رأسه، فَنَزَفَهُ الدمُ، وتأخَّر قليلاً عن أصحابه الذين سَلَكوا على بني أُمَية بن زيد إلى بني قُرَيْظَة، إلى "بُعَاث" (١)، إلى "حَرَّة العُرَيْض" (٢)، فانتظروا صاحبَهم الحارثَ هناك حتى وافاهم، فأتَوا به رسولَ الله ﷺ في آخِرِ الليل وهو يُصلِّي، فأخبروه بقتل ابن الأشرف؛ وكان ذلك في شهرِ ربيعٍ الأول من السَّنةِ الثالثةِ من الهجرة (٦٢٤ م).
وهكذا انتهت حياةُ أحدِ أعداء المسلمين الذين آذاهم وحَرَّض عليهم كثيرًا.
• عن سفيانَ، عن عمرِو قال: سمعت جابرَ بن عبد الله ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ لي بكعب بنِ الأشراف؟ فإنه قد آذى اللهَ ورسوله؟ " فقام محمدُ بنُ مسلمة فقالَ: يا رسولَ الله، أتحبُّ أن أقتله؟ قال: "نعم" قال: فأْذَنْ لي أقل شيئًا. قال: "قل".
فأتاه محمد بنُ مَسْلَمةَ، فقال: إنَّ هذا الرجلَ قد سأَلَنا صدقةً، وإنه قد عنَّانا (٣)، وإني قد أتيتُك أستسلفُك. قال: وأيضًا واللهِ لَتَمَلُّنَهُ. قال: إنا قد اتَّبعناه، فلا نحبُّ أن نَدَعَه حتى ننظرَ إلى أيِّ شيءٍ يصيرُ شأنُه، وقد أردنا أن تُسلِفَنا وَسْقًا أو وَسْقَينِ -فقال: نعم، ارهَنوني. قالوا: أيَّ شيء تريد؟ قال: ارهنوني نساءَكم. قالوا: كيف نَرهنُك نساءَنا وأنت أجملُ العرب؟ قال:
стр. 298
فارْهَنوني أبناءَكم. قالوا: كيف نرهنُك أبناءَنا، فيُسَبَّ أحدُهم فيُقال: رُهِن بوَسْقٍ أو وسقَيْن!!، هذا عارٌ علينا، ولكنا نَرهنُك اللأْمَةَ -قال سفيان: يعني السلاح-، فواعَدَه أن يأتيَه، فجاءه ليلاً ومعه أبو نائلة-وهو أخو كعبٍ من الرضاعة-، فدعاهم إلى الحِصن، فنزل إليهم، فقالت له امرأتُه: أين تخرجُ هذه الساعةَ؟ فقال: إنما هو محمدُ بن مَسلمةَ وأخي أبو نائلة -وفي رواية: قالت: أسمعُ صوتًا كأنه يَقْطُرُ منه الدم، فقال: إنما هو أخي محمد ابن مسلمة ورضيعي أبو نائلة-، إنَّ الكريمَ لو دُعي إلى طَعنةٍ بليلٍ لأجاب.
قال: ويدخلُ محمدُ بنُ مَسلمةَ ومعه أبو عبس بنُ جبر والحارثُ بن أوس وعَبَّادُ بنُ بشر. فقال محمدُ بن مَسْلمة: إذا ما جاء فإني قائلٌ بشَعره فأشمُّه، فإذا رأيتُموني استمكنتُ من رأسه، فدونَكم فاضرِبوه -وقال مرة: ثم أُشِمُّكم-.
فنزل إليهم متوشِّحًا وهو يَنفحُ منه ريحُ الطيب، فقال: ما رأيتُ كاليوم ريحًا -أيْ أطيب-. قال: عندي أعطرُ نساءِ العرب وأكملُ العرب. فقال محمدُ بن مَسْلمة: أتأذنُ لي أن أشمَّ رأسك؟ قال: نعم .. فشمه، ثم أشمَّ أصحابَه، ثم قال: أتأذنُ لي؟ قال: نعم، فلما استمكن منه قال: دونكم .. فقتلوه .. ثم أتوا النبي ﷺ فأخبروه" (١).
° قال عَبَّادُ بنُ بِشر في هذه الواقعة -وفيها وصفُ شجاعةِ محمدِ بنِ مسلمة ﵁:
صَرَخْتُ بِهِ فَلَمْ يَعْرِضْ لِصَوْتِي … وَوَافَى طَالعًا مِن رَأسِ خِدرِ (٢)
إِنَّ الوَلِيمةَ أخْزَى اللهُ صَانِعَها … كَانَتْ ضِرَارًا فَلَا وُدٌّ وَلَا لَطَفُ
أتحسَبونَ رسولَ اللهِ يَجهلُها … مَكِيدةٌ لا فَضَحَتْ أسرارَها السُّجُفُ (١)
بل أظهرَ اللهُ مَا تُخفونَ فانكشفَتْ … يا وَيَلكم أيُّ خاف ليس يَنكشِفُ؟
لقد هَممتُمْ بمن لاحَيَّ يَعدِلُه … إن نُوزِعَ المجدُ بين الناسِ والشرفُ
يا ويلَ من ظن أن الله يَخذُلُه … أنه من يمينِ اللهِ يُختَطَفُ
يا كعبُ ما لَكَ تُؤذيهِ وتُنكِرُه … ما الوُلوعُ بقولِ الزورِ والشغَفُ
جعلتَ مالَكَ للأحبارِ مفسدةً … يُمتاحُ فيها الأذَى حينًا ويُغتَرفُ (٢)
رَمَوْك بالحق لما رُحتَ تسألُهم … وأعلنوا من يقينِ الأمرِ ما عَرَفوا
فقلتَ: عُودوا فما عندِي لكم صِلَة … جَفَّ المَعِينُ فلا قَصْدٌ ولا سَرَفُ
حَسْبِي الحقوقُ فمالِي لا يجاوزُها … إلى الفُصولِ وما عن ذاكَ مُنصرَفُ
عادوا يقولونَ: ما أشقاهُ من رَجُلٍ … لا يرتضِي القولَ إلا حينَ ينحرِفُ
ثم انثَنَوا ينطقون الزورَ فانقلبوا … بالمالِ يَصدِفُ عنه المعشرُ الأُنُفُ (٣)
بئسَ العطاءُ وبِئسَ القومُ أمرُهُم … وأمرُ سيدهم في الغَي مُؤتلِفُ
هُمُ اليهودُ، لَو أنَّ المالَ لاح لهم … في عَيْنِ مُوسى كليم اللهِ ما صَدَفوا
стр. 301
هبَّ ابنُ مسلمة للحق يَنصرُه … وللرسولِ يُريه كيفَ يَزدهِفُ (١)
فقال: دُونكَ سعدًا إن هممتَ بها … شَاوِرْهُ فيها فِنِعمَ الحاذقُ الثقِفُ (٢)
قَضى ثلاثةَ أيامٍ على سَغَبٍ … وللمُجَرِّبِ ذي التدبيرِ ما يَصِفُ
وجاءَ في صَحْبهِ يستأذنون على … تَقْوَى من الله ما مالوا ولا جَنَفُوا
قال الرسولُ لكمُ في القولِ مأرِبُكم … ماذا على الدار مما يُوهِمُ الصدَفُ
هيَ القلوبُ فإن طابتْ سَرائرُها … فما بأفواهِكم عَيْبٌ ولا نَطَفُ (٣)
* * *
مَضوا فقالوا لكعبٍ: أنت مَوئلنا … أنت الحِمى المُرتجى في الأزْل والكَنَفُ (٤)
أما ترانا جِياعًا لا طعامَ لنا … حتى لقد كادَ يَغْشَى أهلَنا التلَفُ
لم يُبقِ صاحِبُنا شيئًا نَعيشُ بهِ … فالزادُ مَنتَهبٌ والمالُ مُجتَرَفُ (٥)
إن أنتَ أسلفتَنا ما نَستعيدُ به … رُوحَ الحياةِ فَغَيْثٌ ودْقُهُ يَكِفُ (٦)
قال: الحلائلُ رَهْنٌ لا طعامَ لكم … إلا بهن فقالوا: مطلبٌ قُذُفُ (٧)
стр. 302
تأبَى علينا سَجايانا ويمنعُنا … هذا الجَمالُ أُوتيتَ والترَفُ
قال: البنونَ فقالوا: لا تَكُنْ عَسِرًا … البؤسُ أهونُ مما رُمْتَ والشظَفُ
خُذِ السلاحَ وإن كلفتنا شَططًا … إن الشدائدَ فيها تَسْهُلُ الكُلَفُ (١)
لم يَدْرِ مأربَهم إذ يسخرونَ بهِ … وإذ يُريدونَها دَهماءَ تُلتَحَفُ (٢)
قال: ارتضيتُ فقالوأ: غُمةٌ ذَهبت … عنا غياهِبُها وَانْجَابت السدُفُ (٣)
وَأَرْجَؤُو إلى إبانِ مَوْردِه … يَعُبُ من سُمِّهِ المُردِي ويَرتشِفُ (٤)
جاؤوه بالليلِ مَسرورًا بغرفته … وليس يُنْجِي الفتى من حَتفِه الغُرَفُ
وَرَنَّ صَوتُ أخيهِ عندَ مضجعهِ: … اخْرج إلينا أما تَنْفَكُّ تَعْتَكِفُ؟
فَهبَّ يركضُ، وَارْتاعتْ حَلِيلَتُه: … مَهْلاً فإن فؤادِي خائِفٌ يَجِفُ (٥)
أنت امرؤٌ ذُؤ حروبٍ لا يُلائِمُه … أن يستجيبَ ذَوِي الأضغانِ إن دَلفوا
إني لأسمعُ صَوْتًا لستُ آمَنهُ … كأنه الدمُ يَجرِي أو هُوَ الجَدَفُ (٦)
قال: اسكنِي ودَعِيني إنه لأخي … يَخْشَى عليَّ فَيرعانِي وينعطِفُ
وراحَ يلقاهُ والإسلامُ مُبتسِمٌ … والشركُ مُتسِمٌ بالحزنِ مُرتجِفُ
стр. 303
وَافَاهُ في صَحْبَهِ يُدنِي الخُطَى عَبِقًا … كأنه ذاتُ دَلٍّ زَانها هَيَفُ (١)
قالوا أتمشِي إلى شِعبِ العجوزِ ففي … هذا الخلاء جنًى للنفس يُخْتَرفُ (٢)
وَانْظُرْ إلى القمرِ الزاهِي وبَهجتِه … وَاعْجَبْ له بعد هذا كيفَ يَنكسِفُ
* * *
ساروا إلى الشِّعبِ والأقدارُ تَتبعُهم … على هُدى اللهِ ما زَاغْت ولا اعْتَسَفوا
حتى إذا قعدوا ظَلتْ بموقِفها … وَأَقْبَلَ الموتُ عن أيمانِها يَقِفُ
وتِلكَ كفُّ أخيهِ فَوْقَ مَفْرقِه … كأنها من جَنيِّ الزهرِ تَقتَطِفُ
يَشُمها ويقولُ القولَ يَخدَعُه … في الطيبِ وَهْوَ له من خلفهِ هَدَفُ
ظَلتْ سيوفُ رسولِ اللهِ تأخذُهُ … تَشُقُّ ما ضربت منه وتَنْتَقِفُ (٣)
يا حُسنَها صَيحةً مِن فيه يُرسِلُها … كادتْ تَخِرُّ لها من دارهِ السقُفُ
لم تستطع عُرْسُه صَبْرًا فجاوَبها … صَوْتٌ يُجِلجِلُ أودَى السيدُ اللقِفُ (٤)
بَنِي قَريظةَ هُبُّوا من مَضَاجِعكم … بني النضيرِ انْفِرُوا للثأرِ وَازْدَلِفُوا
عَدا الرجالُ على كعبٍ فوالهفا … أين الحُماةُ وماذا يَصنع اللهَفُ
تَبكِي عليه وماذا بعدَ مصرعِه … إلا البكاءُ وإلا الأدمعُ الذُّرُفُ
إن الذي كان يَثْنِي عِطفَهُ صَلَفًا … أمسى صَرِيعًا فلا كبْرٌ ولا صَلَفُ
стр. 304
عادوا بهامتِه تُلقَى مُذْممةً … عندَ الرسولِ ومنه الصَّدُّ والنكَفُ (١)
طار اليهودُ على آثارهم فأبَتْ … أنَ يُدركوا همَمٌ تَرْمِي بهم عُصُفُ
الله أكبرُ والحمدُ الجزيلُ له … نَصرٌ جديدٌ وفضلٌ منهُ مؤتَنَفُ (٢)
رِيعَتْ يهودُ فجاءَتْ تَبتغِي حِلفًا … عُودِي يَهودُ فنعمَ العهدُ والحَلِفُ (٣)
هَيهاتَ مالكِ من عهدٍ ولو حَمَلَتْ … مِلءَ البسيطةِ من أيْمانِكِ الصحفُ
عَبَّادُ قُلْ إن في الأشعارِ تذكرةً … وإن أحسنها ما أورثَ السلَفُ (٤)
غَنِّ الرفاقَ بِوَحي الحق تُنشِدُه … مَضَى النعيبُ وأودَى الشاعِرُ الخَرِفُ (٥)
* المنافق الخبيث أبو عَفَك:
شيطانٌ من شياطينِ المنافقين، ألدُّ أعداءِ المسلمين هو أبو عفك -لعنه اللهَ- هو أحد بني عمرو بن عوف، ثم من بني عبيدة (٦)، وكان قد نَجَمَ (٧) نفاقُه حين قَتَلَ رسولُ الله ﷺ الحارثَ بنَ سُوَيْد بن صامِت، فقال:
لقد عِشْتُ دهراً وما إنْ أَرى … منَ الناس دارًا ولا مَجْمَعَا
أبَرُّ عهُودً وأُوفي لمن … يُعاقِدُ فيهم إذا ما دعا
من أولادِ قَيْلةَ في جَمْعِهم … يَهُدُّ الجبالَ ولن يخضعا
стр. 305
فصدَّعهم راكبٌ جاءهم … حلالٌ حرامٌ لَشَتى معا
فلو أن بالعزِّ صدَّقْتُمُ … أو المُلكِ تابعتُمُ تُبَّعا
• فقال رسول الله ﷺ : "مَنْ لي بهذا الخبيث؟ " (١).
وكان أبو عَفَك شيخًا كبيرًا بلغ عشرين ومئةَ سنة، حين قَدِم النبيُّ- ﷺ المدينةَ، وكان يُحرِّضُ على عداوةِ النبي ﷺ ، ولم يدخلْ في الإسلام، فلما خَرج رسولُ الله ﷺ إلى "بدرٍ"، ورَجَع وقد انتصر على المشركين، حَسَده أبو عَفَك وبَغَى، وقال في هجائه وهجاء المسلمين شعرًا (٢).
وأراح الله البشريةَ مِن دنَسِه وخُبثِه على يَدِ الصحابيِّ البطل سالِم بن عُمَيْر العَوْفيِّ الأوسيِّ الأنصاريّ ﵁.
° قال سالم: "عليَّ نذرٌ أن أقتلَ أبا عَفَك أو أموت دونَه".
وأمهل سالمٌ، وطَلَب له غِرَّةً، حتى كانت ليلةٌ صائفة، فنام أبو عَفَك بالفِناء في الصيف في بني عمرو بن عوف، فأقبل سالمٌ، فوضع السيفَ على كَبدِه، حتى خشَّ في الفراش، وصاح أبو عَفَك، فسارع إليه ناسٌ ممن هم على قوله، فأدخلوه منزلَه وقَبَروه، وقالوا: مَنْ قتله؟ واللهِ لو نعلم مَنْ قتله لقتلناه به! فقالت أمامةُ المُزَيْرِية (٣) في ذلك:
تَكَذِّبُ دينَ اللهِ والمرءَ أحمدَا … لَعَمرُ الذي أمْنَاكَ إذْ بئس ما يُمْنِي (٤)
стр. 306
حَبَاكَ حَنِيْفٌ آخِرَ الليل طعنةً … أبا عَفَك خذها على كِبَر السِّن
فإِني وإنْ أعلمْ بقاتلك الذي … أبَاتَكَ حِلسَ الليلِ إِنْسي أو جِنِّي
وكان قتلُ أبي عَفَك في شوالٍ على رأسِ عشرين شهرًا من الهجرة، من السَّنة الثانية الهجرية (١).
ويذكرُ التاريخُ للصحابيِّ البطل سالمٍ ﵁ أنه قَتَل أخته؛ لأنها قالت في النبي ﷺ ما لا يرضاه ولا يرضاه المسلمون الصادقون، ويَذكرُ له أن أراح الناس من خُبْث أبي عَفَك، ويذكر التاريخُ لسالِم بن عُمَير العَمْريِّ الأوسيِّ الأنصاريِّ أنه كان أحدَ البَكَّائين الذين نزل في أمرِهم قرآنٌ يُتلى.
* بنو قَيْنُقاع -لَعَنهم الله- أولُ يهود أجلاهم النبي ﷺ عن المدينة:
حالَفَهم رسولُ الله ﷺ عند قدومه المدينة فيمن حالَفَ من اليهود، وكانوا أشجعَ يهود، وقد حَقَدوا على المسلمين انتصارَهم ببدر، وأخذوا يتحرَّشون ويتنكَرون للعهدِ الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ ، خِيفةً أن يَستفحِلَ أمرة فلا يَعودون يملِكون مقاومتَه، بعدما انتصر على قريشٍ في أولِ اشتباكٍ بينه وبينهم.
° وذكر الواقديُّ أن إجلاءَهم كان في شوالٍ سنهَ اثنتيْن، يعني بعد بدر بشهر .. ويؤيِّدُه ما رواه أبنُ إسحاق -بإسنادٍ حسن- عن ابن عباسٍ قال: "لمَاَّ أصاب رسولُ اللَّه ﷺ قريشًا يومَ بدر جَمع يهودَ في سوقِ بني قينُقاع،
стр. 307
فقال: "يا يهودُ، أسلِموا قبل أن يُصيبَكم ما أصاب قريشًا يوم بدر"، فقالوا: إنهم كانوا لا يعرفون القتال، ولو قاتَلْتَنا لعرفت أَنَّا الرجالُ .. فأنزل الله تعالى: ﴿قُل لِّلَذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَالله يؤَيِّد بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٢ - ١٣] " (١).
° وذكر ابنُ هشام من طريقِ عبدِ الله بن جعفر قال: "كان من أمرِ بني قينقاع أن امرأةً من العرب قَدِمت بجَلَبٍ لها، فباعَتُه بسُوقِ بني قينقاع، وجَلَست إلى صائغٍ بها، فجعلوا يريدونها على كشفِ وجهها فأبت، فعَمَد الصائغُ إلى طَرَفِ ثوبها، فعَقَده إلى ظَهرها، فلما قامت انكشفت سوءتُها، فضحِكوا بها، فصاحت، فوثب رجلٌ من المسلمين على الصائغ فقتله -وكان يهوديًّا-، وشَدَّت يهودُ على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهلُ المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشرُّ بينهم وبين بني قينقاع".
° وأكمل ابنُ إسحاق سياقَ الحادث قال: "فحاصَرَهم رسولُ الله ﷺ حتى نَزَلوا على حُكمه، فقام عبدُ الله بن أبيِّ بنِ سَلول -حين أمكنه اللهُ منهم-، فقال: يا محمدُ، أحسِنْ إليَّ في مَوَالىَّ -وكانوا حلفاءَ الخزرج- قال: فأبطأ عليه رسولُ الله ﷺ ، فقال: يا محمدُ، أحسِنْ إليَّ في مَواليَّ قال: فأعرَضَ عنه، فأدخل يَدَه في جَيبِ درع رسول الله ﷺ ، فقال له
стр. 308
رسولُ الله ﷺ : "أرسلني" -وغضب رسول الله ﷺ حتى رأوا لوجهه ظللاً-.
ثم قال: "ويحك! أَرسِلني". قال: لا واللهِ لا أُرسِلُك حتى تحسِنَ في مَواليَّ: أربَعُمئةِ حاسِر، وثلاثُمئة دارع، قد مَنَعوني من الأحمر والأسود، تحصُدُهم في غداةٍ واحدة!!، إني واللهِ امرؤ أخشى الدوائر. فقال رسولُ الله ﷺ :"هُم لك". وكان عبدُ الله بن أُبيٍّ لا يزالُ صاحبَ شأنٍ في قومه، فقَبِل رسولُ الله ﷺ شفاعتَه في يهودِ بني قينقاع على أن يَجلُوا عن المدينة، وأن يأخذوا معهم أموالَهم عدا السلاح".
وبذلك تَخلَّصت المدينةُ من قِطاع يهوديٍّ خبيثٍ ذي قوةٍ عظيمةٍ أساؤوا الأدب مع رسول الله ﷺ ، فأدَّبهم اللهُ أدبًا يَليقُ بهم في الدنيا وبأمثالهم، ومآلهم في النهاية إلى أمِّهم الهاوية.
° قال ابن حجر: "أولُ مَن نقض العهد من اليهود بنو قينقاع، فحاربهم في شوالٍ بعد وقعة بدر، فنزلوا على حُكمه، وأراد قتلهم، فاستوهبهم منه عبدُ اللهِ بن أُبيٍّ وكانوا حلفاءَه، فوهبهم له، وأخرجهم من المدينة إلى أذرِعات" (١).
* بنو النَّضِير ومحاولتهم قتل النبي ﷺ -:
° بَوَّب البخاريُّ في كتاب "المغازي": "باب حديث بني النضير، ومَخْرَج رسولِ الله ﷺ في ديَةِ الرَّجُلين، وما أرادوا مِن الغَدر برسول الله ﷺ ".
° قال الزهريُّ عن عُروة: "كانت على رأسِ سِتةِ أشهرٍ من وقعةِ "بدر"
стр. 309
قبلَ وقعة "أُحُد"، وجَعَله ابنُ إسحاقَ بعد "بئر معونة وأُحُد".
° عن ابن عمرَ ﵁ قال: "حاربت قريظةُ والنَّضيرُ، فأجلى بني النَّضِير، وأَقَرَّ قريظةَ ومَنَّ عليهم حتى حارَبت قُريظةُ، فقَتل رجالَهم، وقَسَمَ نساءَهم وأولادَهم وأموالَهم بين المسلمين، إلاَّ بعضُهم لَحِقوا بالنبي ﷺ ، فأمّنَهم وأسلموا، وأجلى يهودَ المدينة كلَّهم: بني قينقاع -وهم رَهط عبد الله ابن سلام-، ويهودِ بني حارثة، وكلِّ يهود المدينة" (١).
° خرَج رسول الله ﷺ إلى بني النضير (٢) يستعينهم في دِيَةِ رجُليْنِ قَتَلهما عمر بن أميَّة الضَّمْرِيُّ، قال ابنُ إسحاق: "فلمَّا أتاهم يستعينهم قالوا: نعم. ثم خلا بعضُهم ببعضٍ، فقالوا: إنكم لن تجدوه على مثل هذه الحال. قال: وكان جالسًا إلى جانبِ جِدارٍ لهم، فقالوا: مَن رجلٌ يعلو على هذا البيتِ فيُلَقِيَ هذه الصخرةَ عليه فيقتلَه ويُريحَنا منه؟ فانتدب لذلك عمرُو بن جِحاشِ بنِ كعب، فأتى النبيَّ الخبرُ من السماء، فقام فظهرًا أنه يَقضِي حاجة، وقال لأصحابه: لا تَبْرَحوا، ورجع مُسرِعًا إلى المدينة، واستبطأه أصحابُه، فأُخبِروا أنه توجَّه إلى المدينة، فلحِقوا به، فأمر بحَربهم والمسير إليهم، فتحصَّنوا، فأمر بقَطع النخيل والتحريق".
° وذكر ابنُ إسحاق: "أنه حاصَرهم سِتَّ ليالٍ، وكان ناسٌ من المنافقين بَعثوا إليهم أنِ اثبتوا وتمنَّعوا، فإنْ قُوتلتم قاتلنا معكم، فتربَّصوا،
стр. 310
فقَذَف اللهُ في قلوبهم الرعبَ فلم يَنصروهم، فسألوا أن يُجْلَوْا عن أرضهم على أنَّ لهم ما حَمَلتِ الإِبلُ، فصُولحوا على ذلك".
° وروى البيهقي في "الدلائل" من حديث محمد بن مَسْلمَة: "أن رسولَ الله ﷺ بَعَثه إلى بني النضير، وأمَرَه أن يُؤجِّلَهم في الجَلاء ثلاثةَ أيامِ، قال ابنُ إسحاق: فاحتَملوا إلى خيبرَ وإلى الشام. ولم يُسلِمْ منهم إلاَّ يامينُ بنُ عُمير، وأبو سعيد بن وهب، فأحرزَا أموالَهما".
• وروى ابنُ مردويه قصَّةَ بني النضير -بإسنادٍ صحيح إلى معمرِ عن الزهري-: "أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجلِ من أصحابِ النبي ﷺ قال: كتب كفارُ قريش إلى عبد الله بن أُبيٍّ وغيرِه -ممن يَعبدُ الأوثانَ- قَبْل بدر يُهدِّدونهم بإيوائهم النبيَّ ﷺ وأصحابَه، ويتوعَّدونهم أن يغزوهم بجميع العرب، فَهَمَّ ابنُ أُبيٍّ ومَن معه بقتال
المسلمين، فأتاهم النبيُّ ﷺ ، فقال: "ما كادكم أحدٌ بمثل ما كادتكم قريشٌ يُريدون أن تُلقوا بأسَكم بينكم"، فلما سَمِعوا ذلك عَرَفوا الحقَّ فتفرَّقوا. فلما كانت وقعةُ بدرٍ كَتبت كفارُ قريشٍ بعدَها إلى اليهود: إنكم أهلُ الحَلْقة والحُصون، يتهدَّدونهم، فأجمع بنو النضير على الغَدْر، فأرسلوا إلى النبي ﷺ : اخرجْ إلينا في ثلاثةٍ من أصحابك، ويَلقاك ثلاثةٌ من علمائنا، فإن آمنوا بك اتبعناك، ففعل، فاشتمل اليهودُ الثلاثةُ على الخناجر، فأرسلَتِ أمرأةٌ من بني النضير إلى أخٍ لها من الأنصار مُسلمِ تخبرُه بأمرِ بني النضير، فأخبر أخوها النبيَّ ﷺ قبلَ أن يَصِلَ إليهم، فرجع، وصَبَّحهم بالكتائب، فحَصَرهم يومَه، ثم غَدَا على بنى قريظة، فحاصرهم فعاهدوه، فانصرف عنهم إلى بني النضير، فقاتَلَهم حتى نزلوا على الجَلاء، وعلى أنَّ لهم ما
стр. 311
أقلَّتِ الإِبلُ إلاَّ السلاح، فاحتَملوا حتى أبوابِ بيوتهم، فكانوا يُخرِبون بيوتَهم بأيديهم فيَهدمونها، ويَحمِلون ما يُوافقُهم من خَشَبها، وكان جَلاؤهم ذلك أولَ حشرِ الناسِ إلى الشام".
° قال ابنُ حجر: "فهذا أقوى مما ذَكر ابنُ إسحاقَ من أن سببَ غزوة بنى النضير طَلَبُه ﷺ أن يُعينوه في دِية الرجليْن، لكنْ وافق ابنَ إسحاق جُلُّ أهل المغازي، فالله أعلم" (١).
° وقال ابنُ حجر أيضًا: "ذَكَر موسى بنُ عُقبة في "المغازي" قال: كانت النضيرُ قد دَسُّوا إلى قريشٍ وحَضُّوهم على قتالِ رسول الله ﷺ ، ودَلُّوهم على العَوْرة .. ثم ذكر نحوًا مما تقدم عن ابن إسحاق من مَجيءِ النبي ﷺ فى قصَّة الرجليْن قال: وفي ذلك نزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكَمْ إِذ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية [الائدة: ١١].
وعند ابن سعد أن رسول الله ﷺ أرسل إليهم محمدَ بنَ مَسْلَمة أنِ "اخرجوا من بَلَدي فلا تُساكنوني بعد أن هممتم بما هممتم به من الغَدر، وقد أجَّلتُكم عَشْرًا" .. " (٢).
° وفي "مغازي الواقدي" أن النبي ﷺ حاصَرهم خَمسةَ عَشَر يومًا، فأجلاهم رسولُ الله ﷺ ، ووَلِيَ إخراجَهم محمدُ بنُ مَسلمة (٣)، كما وَليَ قبضَ أموالهم وسِلاحهم (٤).
стр. 312
وكان منهم مَن سار إلى خيبر، ومنهم مَن سار إلى الشام، وكان مِن أشرافهم ممَّن سار إلى خيبر سَلاَّمُ بن أبي الحقيق، وكِنانةُ بنُ الربيع بنِ أبي الحُقيق، وحُيَيُّ بنُ أخطبَ ممن ألَّبوا المشركين على المسلمين في غزوة الأحزاب ووقعة بني قريظة.
* قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤)﴾ [الحشر: ٢ - ٤].
نكالٌ منَ الله، وإخراجٌ لهم في دار الدنيا، وعذاب النار ينتظرهم في الآخرة؛ لأنهم شاقُّوا اللهَ ورسولَه، فموقفُهم فيه تبجُّحٌ قبيحٌ حين تقفُ المخاليق الضئيلةُ الهزيلة تتعرَّضُ لغضبِ اللهِ وعِقابه وهو شديدُ العقاب.
وهكذا تستقر في القلوب حقيقةُ مصائرِ المشاقِّين لله ورسوله في كلِّ أرضِ وفي كلِّ وقت.
* بنو قريظة -لعنهم الله- الخائنون لعهدهم مع رسول الله- ﷺ -:
كان يهودُ بني قريظة إِلبًا على المسلمين مع المشركين، بتحريضٍ من زعماءِ بني النصير، وحُيَيُّ بنُ أخطب على رأسهم، وكان نَقضُ بني قريظةَ لعهدهم مع رسول الله ﷺ في هذا الظرف أشقَّ على المسلمين من هجومِ الأحزاب من خارج المدينة .. ولذلك قصةٌ نَقَصُّها: قد كان للمسلمين حِلفٌ
стр. 313
مع بني قريظة قبل مَجيءِ الأحزاب، ولكنهم غَدَروا بالمسلمين، وقد كانوا خَلْفَهم، وقَوَّاهم على ذلك شيطانُ بني النضير حُيَيّ بنُ أخطب.
ذَهَب شيطانُ خيبر -حُييُّ بنُ أخطب - إلى حِصنِ بني قريظةَ قائلاً: "ويحكَ يا كعبُ، افتحْ لي، فقال له كعبٌ -وقد تَمنَّع-: يا حُيي، إنك امرؤٌ مشؤوم، وإني عاهدتُ محمدًا، فلستُ بناقضٍ ما بيني وبينه، ولم أرَ منه إلاَّ وفاءً وصِدقًا، فقال له حييٌّ: ويحك، افتحْ لي أُكلِّمْك، فقال: ما أنا بفاعل، فغاظَ ذلك حُييًّا، فقال لكعب: والله ما أغلقتَ دوني إلاَّ تخوُّفاً على حَشيشتك (١) أن آكُل معك منها، فخَجِل منه كعبٌ، ففتح له.
فقال له حييٌّ: جئتُك بعِزِّ الدهر، جئتك بقريشٍ حتى بجمع الأسيال، وبغطفان حتى أنزلتهم بجانبِ "أُحُد"، قد عاهدوني وعاقدوني أنْ لا يَبْرَحوا حتى يستأصِلوا محمدًا ومَن معه، فقال له كعبٌ: جئتَني واللَّهِ بذُلِّ الدهر وكلِّ ما يُخْشى، فإني لم أرَ في محمدٍ إلاَّ صدقًا ووفاءً، جئتَني -يا حيي- بجهامٍ قد هَراق ماؤه، فهو يَرْعَدُ وَيبرُق ليس فيه شيء (٢).
ثم أردف كعبٌ قائلاً: ويحَك يا حيي، فدَعني وما أنا عليه، فإني لم أرَ من محمدٍ إلاَّ صدقًا ووفاءٌ، وما زال به حييٌّ وبقومه، يَفْتِلُ في الذِّروةِ والغارب، حتى أجابوه إلى ما طَلب، فوافَقوا على نَقضِ العهد، والغَدْرِ بالمسلمين، والانضمام إلى جيش الأحزاب، ولم يَشُذَّ إلاَّ الزعيمُ القَرَظيُّ -عمرُو بن سُعدَى - وقال: واللَّهِ لا أغدِرُ بمحمدٍ أبداً .. وَبقِيَ على عهدِه،
стр. 314
وسانَده في موقفِه النبيلِ هذا ثلاثة من اليهود وهمِ: ثعلبةُ، وأُسيد -ابنا سَعْيه- وأسدُ بنُ عبيد، وأخذ كعبُ بنُ أسد الصحيفةَ ومزَّقها.
غدروا برسول الله ﷺ وجيوشُ الأحزاب تُوشِكُ الفَتْكَ بالمدينة، وبَلَغتِ القلوبُ الحناجر.
أوفَدَ إليهم النبيُّ ﷺ وفدًا من الأنصار، على رأسه سعدُ بن معاذ، وسعدُ بن عبادة، فقالوا للوفد -وقد تملَّكهم الغرورُ-: الآن جئتُم تطلبون منا الوفاءَ بالعهد الذي بيننا وبين محمد، وهو الذي كَسَر جَناحنا، وأخرج إخوانَنا بني النضير، اذهبوا، لا عهدَ بيننا وبين محمد ولا عَقْدَ، مَن هو رسولُ الله هذا؟! فغضب سيِّدُ الخزرج، وأخذ يُشاتِمُ اليهودَ، فشاتموه، وأغضبوه كثيرًا.
غيرَ أن سَيِّدَ الأوسِ سعدَ بن معاذ -وهو حليفُ هؤلاء اليهود- قد دخل في الأمر، وقال لسعدِ بن عبادة: دعْ عنك مُشاتَمَتَهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة، وأقبل عليهم ناصحًا ومحذِّرًا: إنكم قد عَلِمتم الذي بيننا وبينكم يا بني قريظة، وأنا أخافُ عليكم مِثلَ يوم بني النضير أو أَمَرَّ منه، فقالوا لسعدٍ: أكلتَ أَيْرَ أبيك، فقال لهم سعدُ -وكان حليمًا-: غيرَ هذا من القول كان أجملَ بكم وأحسنَ يا بني قريظة .. فتمادى بنو قريظة في غَيِّهم، وصاروا ينالون من النبيّ ﷺ ويَقَعون فيه، وهنا يئس سعد بنُ معاذ من عَودةِ حلفائه إلى جادَّةِ الصواب، فعاد الوفدُ يحمِلُ إلى النبي ﷺ بواسطةِ كلمةِ سرٍّ: "عَضَل والقارَة"، أن القوم قد غدروا، دون أن يعلمَ أحد مِن المعسكر هذا الخبرَ المزعجَ.
стр. 315
وحين أخزى اللهُ الأحزابَ، أتى وقتُ حساب بني قريظة:
عن عائشة ﵂ قالت: "لَمَّا رَجع النبيُّ ﷺ من الخندق ووَضَع السلاحَ واغتَسَل، أتاه جبريلُ ﵇، فقال: قد وضعتَ السلاح! واللهِ ما وضعناه، فاخرجْ إليهم. قال: "فإلى أين"؟ قال: ها هنا -وأشار إلى قريظة-، فخرج النبي ﷺ إليهم" (١).
وكان توجُّهُ النبي ﷺ إليهم لسبع بَقِينَ من ذي القَعدة، وأنه خرج إليهم في ثلاثةِ آلاف (٢).
وعن أنسٍ ﵁ قال: "كأني انظر إلى الغُبار ساطعًا (٣) في زُقاقِ بني غَنْم، مَوْكب جبريل حين سار رسولُ الله ﷺ إلى بني قرِيظة" (٤).
وعن عُبيدِ الله بنِ كعب: "أن رسول الله ﷺ لَمَّا رجع من طَلَبِ الأحزاب وجَمَع عليه اللأْمَةَ واغتسل واستجمر، تَبدَّى له جبريلُ، فقال: عذيرك من مُحارب، فوثب فَزِعًا، فعَزَم على الناس ألاَّ يُصلُّوا العصرَ حتى يأتوا بني قريظة، فلَبسَ الناسُ السلاحَ، فلم يأتوا بني قريظة حتى غربتِ الشمسُ، قال: فاختصموا عند غروب الشمس، فصلَّتْ طائفةٌ العصرَ، وتركتها طائفةٌ، وقالت: إنا في عَزْمة رسول الله ﷺ ، فليس علينا إثمٌ، فلم يُعنِّف واحدًا من الفريقين" (٥).
стр. 316
• وعن ابن عمر ﵁ قال: قال النبي ﷺ يوم الأحزاب: "لا يُصَلِّينَّ أحدٌ العصرَ إلاَّ في بني قريظة"، فأدرك بعضُهم العصرَ في الطريق، فقال بعضهم: لا نُصلِّي حتى نأتيَهم، وقال بعضُهم: بل نُصلِّي، لم يُرِدْ مِنَا ذلك، فذُكر ذلك للنبي ﷺ ، فلم يُعَنَف واحدًا منهم" (١).
• وفي حديث عائشة ﵂: " .. فلما رَجَع رسول الله ﷺ من الخندق وَضع السلاحَ واغتسل، فأتاه جبريل ﵇ وهو يَنفُضُ رأسَه من الغُبار، فقال: وقد وضعتَ السلاح! واللهِ ما وَضَعتُه، اخرجْ إليهم. قال النبي ﷺ : "فأين؟ "، فأشار إلى بني قريظة. فأتاهم رسول الله ﷺ فنزلوا على حُكمِه، فرَدَّ الحُكمَ إلى سعدٍ. قال: فإني أحكمُ فيهم أن تُقتَلَ المقاتِلةُ، وأن تُسبَى النساء والذُّرِّيةُ، وأن تُقَسَّم أموالُهم .... " (٢).
° وعن أبي سعيد الخُدْري ﵁ قال: نزل أهلُ قريظةَ على حُكمِ سعدِ ابنِ معاذ، فأرسل النبيُّ ﷺ إلى سعد، فأتى على حمارٍ، فلما دَنا من المسجد قال للأنصار: "قوموا إلى سيدكم -أو خَيركم-"، فقال: "هؤلاء نَزَلوا على حُكمك"، فقال: تُقتَل مُقاتِلُتهم، وتُسبَى ذَراريُّهم. قال: "قَضَيتَ بحُكمِ الله" .. وربما قال: "بحُكم المَلِك" (٣).
ولقد نَصَح عمرُو بنُ سُعدى -وهو من كبارِ زعماء بني قريظة-
стр. 317
قومَه، وأَنَّبهم ووبَّخهم على نقضِهم العهدَ الذي بينهم وبين المسلمين، ونَصَحهم: "يا بني قريظة، لقد رأيتُ عِبَرًا، رأيتُ دارَ إخوانِنا خاليةً بعد العزِّ والشرفِ والرأسِ الفاضل، تركوا أموالَهم قد تَمَلَكها غيرُهم، وخَرجوا خُروج ذُلٍّ".
ثم أكَّد لهم -كعالم من علماء التوراة- أنه لا يُعادِي أحدٌ محمدًا ﷺ إلاَّ كان مصيرُه الخُسران، فقال: "لا والتوراة، ما سُلِّط هذا (١) على قومٍ قطُّ ولله بهم حاجةٌ، وقد أوقع ببني قينقاع، وكانوا أهلَ عُدَّةٍ وسلاح ونخوة، فلم يُخرجْ أحدٌ منهم رأسَه حتى سباهم، فكُلِّم فيهم فتركهم على إجلائِهم من يثرب".
ثم دعا عمرو بن سُعْدى قومَه إلى الدخول في الإسلام، ليحقِنوا دماءَهم، ويتَّبعوا الحق، قائلاً: "يا قوم، قد رأيتُم ما رأيتم، فأطيعوني، وتعالَوا نتَّبعْ محمدًا، فواللهِ إنكم لَتعلمون أنه نبي، وقد بَشَّرَنا به علماؤنا".
° ثم لا زال ابنُ سُعدى يخوِّفهم بالحربِ والسَّبي، وأقبل على سيدهم كعبِ بنِ أسد، وقال له: "والتوراةِ التي أُنزلت على موسى ﵇ يومَ طورِ سيناء، إنه العزُّ والشرف في الدنيا".
° وبينما عمرُو بن سعْدَى يتحدَّثُ إلى قومه في ذلك الاجتماع، إذا بطلائع الجيش النبويِّ تظهرُ عليهم زَاحفةً نحو حُصونهم، وهنا قَطَع الزعيمُ اليهوديُّ ابنُ سعدى حديثه قائلاً: "هذا الذي قلتُ لكم".
° ومع هذا فقد رفض بنو قريظة نصيحةَ عمرِو بنِ سُعدى -الذي دعاهم إلى الدخول في الإِسلام-، فتقدَّم إليهم بمحاولةٍ أخيرة، باقتراح
стр. 318
آخر، فقال لهم: "لقد خالفتم محمدًا، ولم أُشرِككم في غَدركم، فإن أبيتم أن تدخلوا معه في دينه، فاثْبُتوا على اليهودية، وأعطُوا الجزيةَ، فواللهِ، ما أدري أيقبلُها منكم أم لا؟ "، ولكنهم رفضوا أيضًا هذا الاقتراح؛ حيث كان جوابُهم -والغرور لَمَّا يزل يشحن رؤوسهم-: "نحن لا نُقِرُّ للعرب بخَراج في رقابنا يأخذونه، القتلُ خير من ذلك".
وهنا أعلن عمرو بن سعدى مفارقتَه لقومه، وخرج من حصون قومه بني قريظة، بعد أن طوَّقها الجيشُ الإسلاميُّ من كلِّ مكان، وكان خروجُه ليلاً.
وعندما خرج هذا الزعيمُ اليهودي من حصون قومه، مفارقًا لهم -وكان خروجه ليلاً - التقى به رجالُ الحَرَس النبوي، الذين كانوا يقومون بأعمال الدورية: فأتَوا به إلى قائِدِهم محمدِ بنِ مَسْلَمةَ الأنصاري. قال ابن إسحاق: "خرج عمرُو بنُ سُعدى القُرظيُّ، فمر بحَرَسِ رسول الله ﷺ وعليه محمدُ بنُ مسلمةَ الأنصاريُّ تلك الليلة، فلما رآه ابنُ مسلمة استوقفه قائلاً: مَن هذا؟ قال: أنا عمرو بن سعدى -وكان عمرو قد أبى أن يدخلَ مع بني قريظة في غَدْرهم برسول الله ﷺ وقال: لا أغدِرُ بمحمدٍ أبدًا-. فقال ابنُ مسلمة -حين عرف أنه ابن سعدى-: اللهم لا تَحرِمْني إقالةَ عثراتِ الكرام، ثم خَلَّى سبيله، فخرج على وجهه حتى بات- مستأمَناً - في مسجد رسول الله ﷺ تلك الليلةَ بالمدينة، ثم خرج فلم يُدْرَ أين توجَّه من الأرض".
• ولقد وصف النبي ﷺ عمرو بن سعدى بالوفاءِ، وذلك أنه لَمَّا ذُكرت له قِصةُ إلقاءِ الحرس القبضَ عليه، ثم إخلاءِ محمدِ بنِ مسلمةَ
стр. 319
سبيله، قال: "ذلك رجلٌ نجاه الله بوفائه" (١).
° أما يهودُ بني قريظة، فإنهم لَمَّا نظروا إلى طلائع الجيش النبويِّ تتقدم -بقيادةِ عليِّ بن أبي طالب- فاضت نفوسُهم الشريرةُ ببعض ما تختزِنُه من خُبثٍ ودناءةٍ ووَضاعة، وأَسْمَعوا ابنَ عمِّ رسولِ الله ﷺ في نبيِّ الله ﷺ ونسائه الطاهراتِ الطيباتِ من السبّ والشتم والقذف، ما لم يَسْمَحْ أحدٌ من المؤرِّخين لنفسه أن يُورِدَ نصَّه؛ لفظاعته وبشاعته، وكلُّ الجواب الذي سَمِعوه من عليٍّ: "السيفُ بيننا وبينكم"، وأشفق عليٌّ -وهو أولُ مَن سَبَق باللواء إلى بني قريظة- مِن أن يَسمعَ الرسولُ ﷺ في نفسه وفي نسائه ذلك السبَّ القبيح.
وأناب عليٌّ في حَمل اللواء أبا قتادةَ الأنصاري، وانطلق مسرِعًا نحو رسول الله ﷺ ، واستوقفه عَلَى بُعدٍ من حصون اليهود، وطلب منه أن يقفَ بعيداً عن هذه الحصون؛ لئلاَّ يتأذَّى بسماع ما فاه به اليهودُ من سبٍّ وقذف، فقال عليٌّ: لا عليك يا رسول الله أن تدنوَ من هؤلاء الأخابث، فقال النبي ﷺ : "لعلَّك سمعتَ منهم فيَّ أذًى؟ " قال: نعم يا رسول الله، فقال ﷺ : "لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئًا".
ثم واصل الرسولُ القائدُ ﷺ تقدُّمَه نحوَ حصونِ اليهود، حتى إذا دنا من حصونِ قريظةَ الغادرة، نادى نَفَرًا من قادتهم، فلمَّا ظَهروا في أبراج حصونهم قال لهم: "يا إخوانَ القردة وعَبَدَةَ الطاغوت، هل أخزاكم الله، لأُنزل بكم نِقمتَه؟! "، وهنا أُسقط في أيدي اليهود، فأنكروا أن يكونوا
стр. 320
شَتموه ونساءَه، وانطلقوا يَحلِفون كذبًا، أنهم ما فاهوا بشيءٍ مما بَلَغه بهذا الشأن، ثم اندفعوا في لُيونةِ الأفاعي يُسمِعون رسولَ الله ﷺ من ليِّن القول، وطيبِ الكلام، وجميل الإطراء، ما ظنوا أنه سيُساهم في تخفيفِ عقوبةِ خيانتهم العظمى، فقالوا: يا أبا القاسم، ما كنتَ جهولاً.
واشتدَّ حصارُ المسلمين لليهود، وطلبوا المفاوضةَ والسماحَ لهم بالخروج من يثربَ مع نسائهم وذراريِّهم، وما تَقْدرُ الإبل على حَمْله من متاع -سوى السلاح- على أن يتركوا بقيةَ كلَّ ما يملكون في يثربَ للمسلمين .. ورُفض طلبهم.
وحاصَرَهم المسلمون خمْسَ عشْرةَ ليلةً -كما يقول ابن سعد- أو خمسًا وعشرين ليلةً -كما يقول ابن إسحاق-: حاصرهم خمسًا وعشرين ليلةً حتى أجهَدَهم الحصارُ، وقُذف في قلوبهم الرعب، فعَرض عليهم رئيسُهم كعبُ ابنُ أسد أن يؤمِنوا، أو يَقتلوا نساءَهم وأبناءَهم ويخرجوا مستقتلين، أو يُبيِّتوا المسلمين ليلة السبت. فقالوا: لا نؤمن، ولا نستحل ليلةَ السبت، وأيُّ عيشٍ لنا بعد أبنائنا ونسائنا؟!.
وقَرر الصحابةُ اقتحامَ حصونِ اليهود، مهما كان الثمن، وصاح عليُّ اَبن أبي طالب حاملُ لواء الجيش، وابنُ عمِّه الزبير بنُ العوام، صاح: واللهِ "لأذوقَنَّ ما ذاقَ حمزةُ، ولأفتَحَن حِصنَهم".
ولما سمع اليهود هذا الإنذارَ من حامل لواءِ الجيش علي بن أبي طالب ﵁، وأيقنوا أن الهجومَ على حصونهم أمرٌ لا مفرَّ منه، طلبوا إيقافَ الهجوم، وأعلنوا الاستسلام والنزولَ على حكم الرسول ﷺ دونما قَيدٍ أو شرط.