• وعن ابن عمر ﵁ قال: قال النبي ﷺ يوم الأحزاب: "لا يُصَلِّينَّ أحدٌ العصرَ إلاَّ في بني قريظة"، فأدرك بعضُهم العصرَ في الطريق، فقال بعضهم: لا نُصلِّي حتى نأتيَهم، وقال بعضُهم: بل نُصلِّي، لم يُرِدْ مِنَا ذلك، فذُكر ذلك للنبي ﷺ ، فلم يُعَنَف واحدًا منهم" (١).
• وفي حديث عائشة ﵂: " .. فلما رَجَع رسول الله ﷺ من الخندق وَضع السلاحَ واغتسل، فأتاه جبريل ﵇ وهو يَنفُضُ رأسَه من الغُبار، فقال: وقد وضعتَ السلاح! واللهِ ما وَضَعتُه، اخرجْ إليهم. قال النبي ﷺ : "فأين؟ "، فأشار إلى بني قريظة. فأتاهم رسول الله ﷺ فنزلوا على حُكمِه، فرَدَّ الحُكمَ إلى سعدٍ. قال: فإني أحكمُ فيهم أن تُقتَلَ المقاتِلةُ، وأن تُسبَى النساء والذُّرِّيةُ، وأن تُقَسَّم أموالُهم .... " (٢).
° وعن أبي سعيد الخُدْري ﵁ قال: نزل أهلُ قريظةَ على حُكمِ سعدِ ابنِ معاذ، فأرسل النبيُّ ﷺ إلى سعد، فأتى على حمارٍ، فلما دَنا من المسجد قال للأنصار: "قوموا إلى سيدكم -أو خَيركم-"، فقال: "هؤلاء نَزَلوا على حُكمك"، فقال: تُقتَل مُقاتِلُتهم، وتُسبَى ذَراريُّهم. قال: "قَضَيتَ بحُكمِ الله" .. وربما قال: "بحُكم المَلِك" (٣).
ولقد نَصَح عمرُو بنُ سُعدى -وهو من كبارِ زعماء بني قريظة-
стр. 317
قومَه، وأَنَّبهم ووبَّخهم على نقضِهم العهدَ الذي بينهم وبين المسلمين، ونَصَحهم: "يا بني قريظة، لقد رأيتُ عِبَرًا، رأيتُ دارَ إخوانِنا خاليةً بعد العزِّ والشرفِ والرأسِ الفاضل، تركوا أموالَهم قد تَمَلَكها غيرُهم، وخَرجوا خُروج ذُلٍّ".
ثم أكَّد لهم -كعالم من علماء التوراة- أنه لا يُعادِي أحدٌ محمدًا ﷺ إلاَّ كان مصيرُه الخُسران، فقال: "لا والتوراة، ما سُلِّط هذا (١) على قومٍ قطُّ ولله بهم حاجةٌ، وقد أوقع ببني قينقاع، وكانوا أهلَ عُدَّةٍ وسلاح ونخوة، فلم يُخرجْ أحدٌ منهم رأسَه حتى سباهم، فكُلِّم فيهم فتركهم على إجلائِهم من يثرب".
ثم دعا عمرو بن سُعْدى قومَه إلى الدخول في الإسلام، ليحقِنوا دماءَهم، ويتَّبعوا الحق، قائلاً: "يا قوم، قد رأيتُم ما رأيتم، فأطيعوني، وتعالَوا نتَّبعْ محمدًا، فواللهِ إنكم لَتعلمون أنه نبي، وقد بَشَّرَنا به علماؤنا".
° ثم لا زال ابنُ سُعدى يخوِّفهم بالحربِ والسَّبي، وأقبل على سيدهم كعبِ بنِ أسد، وقال له: "والتوراةِ التي أُنزلت على موسى ﵇ يومَ طورِ سيناء، إنه العزُّ والشرف في الدنيا".
° وبينما عمرُو بن سعْدَى يتحدَّثُ إلى قومه في ذلك الاجتماع، إذا بطلائع الجيش النبويِّ تظهرُ عليهم زَاحفةً نحو حُصونهم، وهنا قَطَع الزعيمُ اليهوديُّ ابنُ سعدى حديثه قائلاً: "هذا الذي قلتُ لكم".
° ومع هذا فقد رفض بنو قريظة نصيحةَ عمرِو بنِ سُعدى -الذي دعاهم إلى الدخول في الإِسلام-، فتقدَّم إليهم بمحاولةٍ أخيرة، باقتراح
стр. 318
آخر، فقال لهم: "لقد خالفتم محمدًا، ولم أُشرِككم في غَدركم، فإن أبيتم أن تدخلوا معه في دينه، فاثْبُتوا على اليهودية، وأعطُوا الجزيةَ، فواللهِ، ما أدري أيقبلُها منكم أم لا؟ "، ولكنهم رفضوا أيضًا هذا الاقتراح؛ حيث كان جوابُهم -والغرور لَمَّا يزل يشحن رؤوسهم-: "نحن لا نُقِرُّ للعرب بخَراج في رقابنا يأخذونه، القتلُ خير من ذلك".
وهنا أعلن عمرو بن سعدى مفارقتَه لقومه، وخرج من حصون قومه بني قريظة، بعد أن طوَّقها الجيشُ الإسلاميُّ من كلِّ مكان، وكان خروجُه ليلاً.
وعندما خرج هذا الزعيمُ اليهودي من حصون قومه، مفارقًا لهم -وكان خروجه ليلاً - التقى به رجالُ الحَرَس النبوي، الذين كانوا يقومون بأعمال الدورية: فأتَوا به إلى قائِدِهم محمدِ بنِ مَسْلَمةَ الأنصاري. قال ابن إسحاق: "خرج عمرُو بنُ سُعدى القُرظيُّ، فمر بحَرَسِ رسول الله ﷺ وعليه محمدُ بنُ مسلمةَ الأنصاريُّ تلك الليلة، فلما رآه ابنُ مسلمة استوقفه قائلاً: مَن هذا؟ قال: أنا عمرو بن سعدى -وكان عمرو قد أبى أن يدخلَ مع بني قريظة في غَدْرهم برسول الله ﷺ وقال: لا أغدِرُ بمحمدٍ أبدًا-. فقال ابنُ مسلمة -حين عرف أنه ابن سعدى-: اللهم لا تَحرِمْني إقالةَ عثراتِ الكرام، ثم خَلَّى سبيله، فخرج على وجهه حتى بات- مستأمَناً - في مسجد رسول الله ﷺ تلك الليلةَ بالمدينة، ثم خرج فلم يُدْرَ أين توجَّه من الأرض".
• ولقد وصف النبي ﷺ عمرو بن سعدى بالوفاءِ، وذلك أنه لَمَّا ذُكرت له قِصةُ إلقاءِ الحرس القبضَ عليه، ثم إخلاءِ محمدِ بنِ مسلمةَ
стр. 319
سبيله، قال: "ذلك رجلٌ نجاه الله بوفائه" (١).
° أما يهودُ بني قريظة، فإنهم لَمَّا نظروا إلى طلائع الجيش النبويِّ تتقدم -بقيادةِ عليِّ بن أبي طالب- فاضت نفوسُهم الشريرةُ ببعض ما تختزِنُه من خُبثٍ ودناءةٍ ووَضاعة، وأَسْمَعوا ابنَ عمِّ رسولِ الله ﷺ في نبيِّ الله ﷺ ونسائه الطاهراتِ الطيباتِ من السبّ والشتم والقذف، ما لم يَسْمَحْ أحدٌ من المؤرِّخين لنفسه أن يُورِدَ نصَّه؛ لفظاعته وبشاعته، وكلُّ الجواب الذي سَمِعوه من عليٍّ: "السيفُ بيننا وبينكم"، وأشفق عليٌّ -وهو أولُ مَن سَبَق باللواء إلى بني قريظة- مِن أن يَسمعَ الرسولُ ﷺ في نفسه وفي نسائه ذلك السبَّ القبيح.
وأناب عليٌّ في حَمل اللواء أبا قتادةَ الأنصاري، وانطلق مسرِعًا نحو رسول الله ﷺ ، واستوقفه عَلَى بُعدٍ من حصون اليهود، وطلب منه أن يقفَ بعيداً عن هذه الحصون؛ لئلاَّ يتأذَّى بسماع ما فاه به اليهودُ من سبٍّ وقذف، فقال عليٌّ: لا عليك يا رسول الله أن تدنوَ من هؤلاء الأخابث، فقال النبي ﷺ : "لعلَّك سمعتَ منهم فيَّ أذًى؟ " قال: نعم يا رسول الله، فقال ﷺ : "لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئًا".
ثم واصل الرسولُ القائدُ ﷺ تقدُّمَه نحوَ حصونِ اليهود، حتى إذا دنا من حصونِ قريظةَ الغادرة، نادى نَفَرًا من قادتهم، فلمَّا ظَهروا في أبراج حصونهم قال لهم: "يا إخوانَ القردة وعَبَدَةَ الطاغوت، هل أخزاكم الله، لأُنزل بكم نِقمتَه؟! "، وهنا أُسقط في أيدي اليهود، فأنكروا أن يكونوا
стр. 320
شَتموه ونساءَه، وانطلقوا يَحلِفون كذبًا، أنهم ما فاهوا بشيءٍ مما بَلَغه بهذا الشأن، ثم اندفعوا في لُيونةِ الأفاعي يُسمِعون رسولَ الله ﷺ من ليِّن القول، وطيبِ الكلام، وجميل الإطراء، ما ظنوا أنه سيُساهم في تخفيفِ عقوبةِ خيانتهم العظمى، فقالوا: يا أبا القاسم، ما كنتَ جهولاً.
واشتدَّ حصارُ المسلمين لليهود، وطلبوا المفاوضةَ والسماحَ لهم بالخروج من يثربَ مع نسائهم وذراريِّهم، وما تَقْدرُ الإبل على حَمْله من متاع -سوى السلاح- على أن يتركوا بقيةَ كلَّ ما يملكون في يثربَ للمسلمين .. ورُفض طلبهم.
وحاصَرَهم المسلمون خمْسَ عشْرةَ ليلةً -كما يقول ابن سعد- أو خمسًا وعشرين ليلةً -كما يقول ابن إسحاق-: حاصرهم خمسًا وعشرين ليلةً حتى أجهَدَهم الحصارُ، وقُذف في قلوبهم الرعب، فعَرض عليهم رئيسُهم كعبُ ابنُ أسد أن يؤمِنوا، أو يَقتلوا نساءَهم وأبناءَهم ويخرجوا مستقتلين، أو يُبيِّتوا المسلمين ليلة السبت. فقالوا: لا نؤمن، ولا نستحل ليلةَ السبت، وأيُّ عيشٍ لنا بعد أبنائنا ونسائنا؟!.
وقَرر الصحابةُ اقتحامَ حصونِ اليهود، مهما كان الثمن، وصاح عليُّ اَبن أبي طالب حاملُ لواء الجيش، وابنُ عمِّه الزبير بنُ العوام، صاح: واللهِ "لأذوقَنَّ ما ذاقَ حمزةُ، ولأفتَحَن حِصنَهم".
ولما سمع اليهود هذا الإنذارَ من حامل لواءِ الجيش علي بن أبي طالب ﵁، وأيقنوا أن الهجومَ على حصونهم أمرٌ لا مفرَّ منه، طلبوا إيقافَ الهجوم، وأعلنوا الاستسلام والنزولَ على حكم الرسول ﷺ دونما قَيدٍ أو شرط.
стр. 321
وسارع اليهود إلى فتح أبواب معاقِلهم وحُصونهم فورًا، بعد أن ألقَوا سلاحَهم، وأخذوا في مغادرة الحصنِ مستسلمين، وأمر النبيّ ﷺ باعتقالِ الرجال ووَضْع القيود في أيديهم، وقد تم ذلك تحتَ إشرافِ محمدِ بنِ مَسْلمة -قائدِ الحرسِ النبوي-، وقد حَبس الرجال من بني قريظة، وعددهم حوالَي ثمانمِئةِ مُقاتِل في دارِ أسامةَ بنِ زيد (١)، وذكر ابن إسحاقَ أنهم حُبسوا في دار بنتِ الحارث، وفي رواية عُروة: في دارِ أسامة بن زيد، ويجَمَع بينهما بأنهم جُعِلوا في بيتيْن (٢). وعند ابن إسحاق أنهم كانوا سِتَّمئة، وبه جَزَم أبو عمر في ترجمة "سعد بن معاذ"، وفي حديث جابر عند الترمذي والنسائي وابن حِبَّانَ بإسنادٍ صحيحَ أنهم كانوا أرْبَعَمئةِ مُقاتِل، فيَحتمل في طريق الجمع أن يقال: إن الباقين كانوا أتباعًا، وقد حكى ابنُ إسحاقَ أنه قيل: إنهم كانوا تِسْعَمئة (٣) أمَّا النساء والأطفال؛ فقد رأى النبيُّ ﷺ بعد أن أَوْكَلَ أمرَهم إلى عبد الله بن سَلَام، أن يحفظوا في مكانٍ ليس فيه صِفةُ الحبس والتضييق، وأُنزلوا دارَ الضيافة؛ وهي دارُ ابنةٍ الحارث النجَّارية المُعدًّةُ لنزول الوفود التي تقصِدُ المدينة، وكان عددُ هؤلاء النساء والذراريِّ يناهزُ الألف.
وشَفَع الأوسُ لحلفائهم يهودِ بني قريظة عند رسول الله ﷺ ، ففوَّض أمرَ هؤلاء اليهود إلى سيِّد الأوس سعد بن معاذ، قال رسول ﷺ : "ألا
стр. 322
تَرضَون -يا معشرَ الأوس- أن يحكمَ فيهم رجلٌ منكم؟ ". قالوا: بلى، قال: "فذاك سعدُ بن معاذ".
وروى الإِمام أحمد في "مسنده" عن جابر بن عبد الله ﷺ أنه قال: "رُمي سعدُ بن معاذ، فقطعوا أكْحَلَه، فحَسَمه رسولُ الله ﷺ بالنار، فانتفخت يدُه، فحَسَمه أخرى فانتفخت يدُه فنزف، فلما رأى ذلك قال: اللهم لا تُخرجْ نَفْسي حتى تُقِرَّ عيني من بني قريظة .. فاستَمسَك عِرقُه فما قَطَر، حتى نزلوا على حُكم سعد، فحَكَم أن تُقتلَ رجالُهم، وتُسَبى نساؤهم وذراريُّهم، فلما فَرغ منهم انفتق عِرقُه فمات.
رضي اليهود، ونزلوا على حكم اللهِ أولاً، ثم على حكم سعدِ بنِ معاذٍ ثانيًا، لَمَّا قال لهم: أترضون بحُكمي، قالوا: نعم، قال سعد: فإني أحكمُ فيهم أن تُقتَلَ المقاتلة، وتُسبَى النساءُ والذرية، وأن تُقسَمَ أموالُهم.
فأخذهم من الغمِّ ما أخَذَهم، وصُعق اليهودُ لهذا الحُكم الصارم، وعلاهم الذهول، وخَيَّم عليهمُ الوجوم.
وأُمر بحَفرِ خنادقَ عميقةٍ في سوق المدينة، وأَمر رسول الله ﷺ بإحضارِ الرجال المحكوم عليهم، وأمَرَ بإعدامهم، فأُعدموا دَفْعةً بعد دفعة، حتى لم يَبْقَ منهم أحدٌ، وكان الصحابةُ كلَّما تَمَّ إعدامُ دفعةٍ من هؤلاء اليهود قُذفوا في الخنادق، ووارَوهم بالتراب.
واختلف المؤرِّخون في عدد اليهود الذين تَمَّ إعدامُهم، فالبعض يقول: إنهم ما بين سِتِّمئة إلى سَبْعِمئة، والبعض الآخر يقول: إنهم ما بين الثمانمئة إلى التِّسعمئة.
ولقد أُعدم هؤلاء اليهودُ في ليلةٍ واحدة، وجَرَت عمليةُ الإعدام على
стр. 323
ضَوءِ مشاعل سَعَفِ النخيل (١)، وتولى عمليةَ قتل اليهود الْخَوَنَةِ عليُّ بنُ أبي طالب، والزبيرُ بنُ العوام، وكان بنو قريظةَ المحتَجَزون في السِّجن مع سيِّدهم كعبِ بنِ أسد، كلما استدعى الحرسُ جماعةً منهم لإعدامهم، لاذُوا بسيِّدهم كعبٍ يسألونه في جزع وارتباك: "ما تراه يُصنع بنا؟ فيجيبهم: أفي كلِّ موطنٍ لا تعقِلون؟! هو اللهِ القتلُ".
فكان جزاؤهم من جنسِ ما أرادوا للمسلمين.
وأبى اللهُ إلاَّ أن يَصِلوا هم إلى النهاية المريبة، التي أرادوا للمسلمين الوصولَ إليها، ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣].
وهنا أمر آخر: أن الحكم الذي أصدره سعدُ بنُ معاذ على يهودٍ بني قريظة، وأقرَّه النبيُّ ﷺ وقام بتنفيذه، قد جاء تمامًا وِفق الشريعةِ المُوسَوِية عند اليهود أنفسِهم، كما في التوراة عندهم، فقد نصَّ "الإِصحاح العشرون" من "سِفْر التثنية": "وإن تُسالمِك أيُّ قرية، بل حاربتك فحاصِرْها، وإذا دَفَعَها الربُّ إلهُك إلى يَدِك، فاضربْ جميعَ ذكورِهم بحدِّ السيف، وأما النساءُ والأطفالُ والبهائمُ وكل ما في المدينة كلّ غنيمتها، فتَغتنِمُها لنفسك، وتأكلُ غنيمةَ أعدائك التي أعطاك الربُّ إلهك" (٢).
وهذا النصُّ الصريحُ في كتابِ اليهود المقدَّس، يجعل هؤلاء يَرَون أن مِن حقهم تنفيذَ حُكمِ الإعدام فيمَن وَقع في أيديهم من أعدائهم الرجال،
стр. 324
وسَبْيَ نسائهم وذراريِّهم، ومصادرةَ كل ممتلكاتهم، وهذا يعني أن اليهودَ لو نَجحوا في مؤامرتهم، وتم لهم ولأحلافِهم التغلُّبُ على المسلمين، لَمَا تردَّدوا لحظةً في إبادةِ المُحارِبين منهم، وسَبْي نسائهم وذراريهم، ومصادرةِ أموالِهم تمشيًا مع حُكم كتابهم المقدس، الذي جاء صريحًا في "سِفْر التثنية".
وهكذا جاءت العقوبةُ التي أنزلها المسلمون باليهود، هي نَفسُ العقوبةِ التي كان هؤلاء اليهودُ يَنوُون إنزالَها بالمسلمين، لو وَقعوا في أيديهم.
فالحكمُ النازل باليهود إنما جاء وِفقًا لشريعتهم، فهو إذًا جزاءٌ وفاقٌ (١).
* وصَدَق اللهُ إذ يقول: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾ [الأحزاب ٢٦ - ٢٧].
شيطان اليهود حُييُّ بن أخطب -لعنه الله -:
إذا تَجَمَّع خُبْثُ اليهود ودَنَسُهم وخِسَّتُهم وكَيدُهم ومَكرُهم في شخصٍ أو شيطانٍ من شياطينِ الإنس، لكان هو حُيَيُّ بن أخطب .. فهو عدوُّ رسولِ الله ﷺ .... وله من ذلك بين يهود موقعُ الصَّدَارة.
° كان حُيَي بنُ أخطبَ على رأسِ الشياطين اليهود الذين حَزَّبوا الأحزاب على رسول الله ﷺ وهم: سَلاَّمُ بن أبي الحُقيق النَّضْري، وكنانةُ ابنُ أبي الحُقيق النَّضري، وهَوذةُ بنُ قيس الوائِليُّ، وأبو عُمَّارٍ الوائليَّ .. خرجوا حتى قدمِوا على قريش في مكة، فدَعَوهم إلى حربِ رسولِ الله ﷺ
стр. 325
وقالوا: إنا سنكونُ معكم عليه حتى نستأصِلَه، فقالت لهم قريشٌ: يا معشر يهود، إنكم أهلُ الكتاب الأول والعلمِ بما أصبحنا نختلفُ فيه نحن ومحمدٌ، أفديننا خيرٌ أم دِينُه؟ قالوا: بل دينُكم خيرٌ من دينه، وأنتم أوْلى بالحقِّ منه، فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ إلى قوله ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء:٥١ - ٥٥] فلما قالوا ذلك لقريشٍ سَرَّهم ونَشِطوا لِمَا دَعَوهم إليه من حَرب رسول الله ﷺ .
° ثم خرج هذا الشيطانُ حُييٌّ في أولئك النفر من يهود، حتى جاؤوا غَطَفانَ -من قَيسِ عَيْلان- فدَعَوهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشًا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
° وخَرج عدوُّ الله حييُّ بنُ أخطبَ حتى أتى كعبَ بنَ أسدٍ اِلقُرَظِي -صاحبَ عَقدِ بني قريظة وعَهدِهم مع رسول الله ﷺ ، فلم يَزَلْ حييٌّ بكعبٍ يَفتِلُه في الذِّروةِ والغارب (١) حتى نَقَض كعبُ بنُ أسدٍ عهدَه مع رسول الله ﷺ .
° وأيُّ موقفٍ خانت فيه يهود رسول الله ﷺ أو حاولت خداعَه والغَدْرَ به، كان على رأسهم حُيَيٌّ الذي كان يَعلمُ صِدْقَ رسول الله ﷺ
стр. 326
ونُبُوتَه حتى مَكَّن اللهُ مِن رقبته.
° وأراح اللهُ المسلمين من شَرِّ، فقد أصاب ما أصابَ بني قريظة لأنه كان معهم في حصونهم، وشَمِله حكمُ سعدِ بن معاذ ﵁، فقُتل هو ومقاتِلةُ بني قْريظة .. وذهب إلى مَزبلة التاريخ .. وبَرِئت منه ابنتُه صفيةُ بنتُ حُييٍّ التي صارت أمًّا للمؤمنين .. ولله درُّ من قال عن اليهود:
هم قومُ البُهت ويا طيري ...... ذي قوله حبر الإيمانِ (١)
وصفيَّة أمُّ الأبرارِ ....... هارون وموسى عمرانِ
برآءُ منهم هُمْ منَّا ...... صاحوا: يا حكمَ القرآنِ
يَذَرون الدمْعَ لغيبته ..... ولغيبة سعدِ الفرسانِ
سعدُ بنُ معاذ تعرِفْهُ ..... واهتز سريرُ الرحمنِ (٢)
* مَلِك خَيْبَر أبو رافع سلاَّم بن أبي الحقيق -لعنه الله -:
كان سَلاَّمُ بن أبي الحُقَيْق من يهود بني النَّضير ومِن أحبار اليهود الذي ناصَبوا رسول الله ﷺ العداوة من أول يوم، وهو من أحبارِ يهود الذين نزل فيهم القرآن لحِقدهم على رسول الله ﷺ ، ولكونهم كانوا يتعنَّتونه (٣)، ولكذبهم وزورهم وقولهم: "إنَّ دينَ قريشٍ خيرٌ من الإسلام" (٤).
وحين حاصَرَ النبيُّ ﷺ بني النضير وأجلاهم عن المدينة، كان
стр. 327
سَلاَّمٌ يُهدِّدُ المسلمين قائلاً: "إنَّ حلفائي بِخَيْبرَ لَعشرةُ آلافِ مقاتِل"، فبَلَغ رسولَ الله ﷺ قولُه، فتبسَّم (١)، ثم دارت الدائرةُ على بني النضِيْر، فاستسلموا للمسلمين.
وكان سلاَّمٌ من التُّجار الكبارِ الذين يتعاطَون الربا، وكان له على أُسَيْدِ ابن حُضَير عشرون ومئةُ دينارٍ إلى سَنَة، فلما أجلاهم النبيُّ ﷺ صالَحَه سَلاَّمٌ على أخذِ رأسِ مالِه ثمانين دينارًا، وأبطَلَ ما فَضَل (٢)، وصَنَع يهودُ المرابون صَنيعَه مُكْرَهين.
وأعطى النبيُّ ﷺ سعدَ بنَ مُعَاذ سيفَ سلاَّمِ بنِ أبي الحُقَيْق، وكان سيفًا له ذِكرٌ عندهم (٣)، وكان من جُملة غنائمِ بني النضِيْر.
وكان سلاَّمٌ وحييُّ بنُ أخطبَ على رأس مَن حَزَّبوا الأحزاب من قريش وغَطَفان لحرب رسول الله ﷺ .
° عن عروة: "أنه كان ممَّن أَعَان غَطَفانَ وغيرَهم من مشركي العرب بالمال الكثير على رسول الله ﷺ " (٤).
وكانت غزوةُ الخندق ثمرةً من ثمرات حِقده وكيدِه الدائب للإِسلام هو وحُييُّ بن أخطب.
ولسلاَّمٍ أخَوانِ مشهورانِ من أهل خيبر: أحدهما كِنانةُ -وكان زوجَ صفيةَ بنتِ حييٌّ قبل النبي ﷺ ، وأخوه الرَّبيع بن أبي الحُقيق، وقتلهما
стр. 328
النبي ﷺ جميعًا بعد فتح خيبر (١).
لقد كان سلاَّمُ بنُ أبي الحُقَيْق من أخطرِ أعداءِ النبي ﷺ والإسلام والمسلمين، وكان لا بد من وضع حدٍّ لنشاطِه المخرِّب، فقد كان لا يُريحُ ولا يَسْتَريح، ولكنَّ القضاءَ عليه لم يكن سهلاً ميسورًا، وبخاصةٍ وهو في حِصْنه الحصين، بين أهله وذَوِيه الأقوياء، في وَسَطِ خَيْبرَ المُحصّنَةِ ذاتِ الحصون والقلاع، التي يحميها عشرةُ آلاف مقاتل (٢)، والتي تستطيعُ إرسالَ ثلاثةِ آلافِ مقاتل فورًا (٣)، فلابدَّ من أن يوكِّلَ أمرَه إلى بَطلٍ مقدام، وكان هذا البطل هو عبدُ الله بن عَتِيك.
° قال ابن إسحاق: "لما قَتلت الأوسُ كعبَ بنَ الأشرف استأذنت الخزرجُ رسولَ رسول الله ﷺ في قَتل سَلاَّم بنِ أبي الحُقيق وهو بخيبر، فأَذِن لهم، قال: فحدَّثني الزُّهريُّ عن عبد الله بن كعبِ بنِ مالك قال: كان ممَّا صَنَع اللهُ لرسوله أن الأوسَ والخزرجَ كانا يتصاوَلانِ تصاوُلَ الفَحْليْن، لا تَصنعُ الأوسُ شيئًا إلاَّ قالت الخزرَجُ: واللهِ لا تذهبون بهذه فضلاً علينا -وكذلك الأوس-، فلمَّا أصابت الأوسُ كعبَ بنَ الأشرف تذاكرت الخزرجُ: مَن رجلٌ له من العداوة لرسول الله ﷺ كما كان لكعب؟ فذكروا ابنَ أبي الحقيق وهو بخيبر" (٤).
стр. 329
* سَرِيَّةُ عبدِ الله بنِ عَتيك لقَتلِ أبي رافع عبد الله (١) بن أبي الحُقيق، أو سَلاَّم ابنِ أبي الحقيق:
كانت هذه السَّريةُ المباركة -كما قال ابن سعد (٢) - في رمضانَ سنةَ سِتٍّ على الرأي الأرجح، وهي من أبطال الخزرج، وقائدها هو عبد الله بن عَتيك ابنِ قيس الخَزْرجيِّ من بني غَنْم بن سلمة.
وبقيَّةُ أبطالِ السَّرِية هم:
عبد الله بن أُنيس الجُهَني حليفُ بني سلمة من الخزرج، وحليفُ بني سَوَاد بن سلمة على الأخصّ.
وعبدُ الله بن عتبة.
ومَسعود بن سِنَان الأسلمي حليف بني سلمة.
وأبو قتادة الحارث بن رِبعي.
وخُزاعي بن أسود (٣).
° قال ابنُ حجر "فإنْ كان عبدُ الله بنُ عتبة محفوظًا (٤) فقد كانوا ستةً.
وأكثر أصحاب المغازي والسِّير -وعلى رأسِهم إمامُهم محمدُ بن
стр. 330
إسحاقَ- يَرَون أن الفدائيِّين الخمسة أو السِّتة كلُّهم اشتركوا مع قائدِهم عبدِ الله ابن عَتيك في القضاء على الطاغيةِ اليهودي، وأن الذي أثبَتَ أبا رافع وقَضَى عليه هو "عبدُ الله بن أُنيْس"، وكلُّ أصحابِ الكتب السِّتةِ والسير -ما عدا الأمام البخاري- يتَّفقون مع ابنِ إسحاق في رأيه، إلاَّ أن الإمامَ البخاريَّ يختلفُ مع أصحاب الكتب السِّتة وأصحابِ السِّير، فرَوى أن قاتلَ أبي رافع هو قائدُ الفدائيين عبدُ الله بنُ عَتيك لا عبد الله بن أنيس (١).
° عن البَرَاء بنِ عازب ﵁ قال: "بَعث رسولُ الله ﷺ رهْطًا إلى أبي رافع، فدخل عليه عبدُ الله بن عَتيكٍ بيتَه ليلاً وهو نائم فقَتَله" (٢).
° وعن البراء بن عازب ﵁ قال: "بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع اليهوديِّ رجالاً من الأنصار، فأَمَّر -عليهم عبدَ الله بن عَتِيك، وكان أبو رافع يُؤْذي رسولَ الله ويُعين عليه، وكان في حِصنٍ له بأرضِ الحجاز، فلمَّا دَنَوا منه وقد غَرَبَت الشمسُ ورَاحَ الناس بِسَرحِهم (٣)، فقال عبد الله لأصحابه: اجلِسوا مَكانَكم، فإني منْطَلِقٌ ومُتَلَطِّفٌ للبَوَّابِ لعَلِّي أن أدخلَ، فأقبلَ حتى دَنا من الباب، ثم تَقَنَّعَ (٤) بثوبه كأنه يَقضي حاجةً -وقد دخلَ الناسُ-، فهتف به البوابُ: يا عبدَ الله، إِن كنتَ تريدُ أن تدخلَ فأدخل، فإني أريدُ أن أغلِقَ
стр. 331
البابَ، فدخلتُ، فكَمُنْتُ (١)، فلما دخل الناسُ أَغلقَ البابَ ثم عَلَّقَ الأغاليق على وَدٍّ (٢). قال: فقمتُ إلى الأقاليد (٣) فأخذتُها ففتحتُ الباب، وكان أبو رافع يُسْمَرُ عندَه (٤)، وكان في عَلاليَّ (٥) له، فلما ذهب عنه أهل سَمَرِهِ صَعِدتُ إليه، فجعلتُ كلما فَتحتُ بابًا أَغلقتُ عليَّ من داخل، قلتُ: إن القوم إن نَذِرُوا (٦) بي لم يَخلُصوا إلي حتى أقتلَه، فانتهيتُ إليه، فإذا هو في بيتٍ مُظلِم وَسَطَ عياله لا أدري أينَ هَو من البيت، فقلت: أبا رافع. قال: مَن هذا؟ فأهوَيْتُ نحوَ الصوتِ (٧) فأضربُه ضربةً بالسيف وأنا دهِشٌ، فما أغنيتُ (٨) شيئًا، وصاحَ فخرجتُ من البيت، فأمكثُ غيرَ بعيدِ، ثم دخلت إليه فقلتُ: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ (٩) فقال: لأُمِّكَ الوَيلُ (١٠)،
стр. 332
إن رجلاً في البيت ضَرَبني قَبْلُ بالسيف. قال: فأضربه ضربةٌ أثخنَتْهُ ولم أقتُله، ثم وضعت ضبِيب (١) السيف في بطنه حتى أخذ في ظَهِره؛ فَعَرفت أَني قَتلته، فجعلت أفتح الأبوابَ بابًا بابًا حتى انتهيت إلى درجةٍ له، فوضعتُ رجلي وأنا أُرى (٢) أني قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلةٍ مقمرة، فانكسرَت ساقي (٣) فعَصَبْتها بعمامة، ثم انطلقتُ حتى جلستُ على الباب، فقلت: لا أخرج الليلةَ حتى أعلمَ أقتَلته؟ فلما صاحَ الدِّيكُ قام الناعي عَلَى السُّور، فقال: أنعَى (٤) أبا رافع تاجرَ أهل الحجاز، فانطلقتُ إلى أصحابي، فقلت: النَّجاءَ النجاءَ (٥)، فقد قَتل اللهُ أبا رافع، فانتهيتُ إلى النبي ﷺ فحدَّثته، فقال لي: "ابسُطْ رِجلَك"، فبسطتُ رِجلي، فمَسَحَهَا فكأني لم أشتَكِها قط" (٦).
стр. 333
° وعن البراء بن عازب ﵁ قال: "بَعَث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع عبدَ اللَّه بنَ عَتيك وعبدَ الله بن عتبة في ناسٍ مَعهم، فانطلقوا حتى دَنَوا مِن الحِصن، فقال لهم عبدُ الله بنُ عَتيك: امكُثوا أنتم حتى أنطلق أنا فأنظر … قال: فتَلَطَّفُتُ أن أدخلَ الحِصنَ، ففَقُدوا حِمارًا لهم، قال: فخرجوا بقبَسٍ يطلبونه قال: فخشيتُ أن أُعرَفَ، قال: فغَطّيت رأسي كأني أقضِي حاجةً، ثم نادى صاحبُ الباب: مَن أراد أن يدخلَ فَلْيَدْخُل قبل أن أُغلِقه. فدخلتُ، ثم اختبأتُ في مَربط حِمارٍ عند بابِ الحصن، فتعشَّوا عند أبي رافع وتحدَّثوا حتى ذهبت ساعةٌ مَن الليل، ثم رجعوا إلى بيوتهم، فلمَّا هدأت الأصواتُ ولا أسمعُ حَركةً خرجتُ، قال: ورأيتُ صاحبَ الباب حيث وَضَع مفتاحَ الحصين في كُوَّة، فأخذتُه ففتحتُ به بابَ الحصن، قال: قلت: إن نَذِر بي القومُ انطلقتُ على مَهَل، ثم عَمَدتُ إلى أبوابِ بيوتهم، فغلَّقتُها عليهم من ظاهر، ثم صعدت إلى أبي رافع في سُلَّم، فإذا البيتُ مُظلم قد طُفِيء سِراجُه، فلم أدرِ أين الرَّجُلُ.
فقلت: يا أبا رافع. قال: مَن هذا؟ قال: فعمدتُ نحوَ الصوت فأضربُه، وصاحَ، فلم تُغْنِ شيئًا. قال: ثم جئتُ كأني أُغيثُه، فقلت: ما لكَ يا أبا رافع -وغيَّرتُ صوتي-؟. فقال: ألا أُعجِبك، لأمِّكَ الوَيْل، دخل علي رَجُل فضربني بالسيف. قال. فعمدتُ له أيضًا فأضربُه أخرَى، فلم تُغْنِ شيئًا فصاح، وقام أهله، قال: ثم سمعت صوتَ العَظْم، ثمَّ خرجت دَهِشًا حتى أتيتُ السلَّم أُريدُ أن أنزل، فأسقطُ منه، فانخلعَتْ رِجلي، فعصَبْتُها، ثم أتيتُ أصحابي أحجُل، فقلت: انطلقوا فبَشَروا رسولَ الله ﷺ ، فإني لا أبرَحُ حتى أسمعَ الناعية. فلمَّا كان في وجه الصُّبح صَعِد
стр. 334
الناعيةُ فقال: أنعَى أبا رافع. قال: فقمتُ أمشي ما بي قَلَبة (١)، فأدركتُ أصحابي قبل أن يأتوا النبي ﷺ ، فبَشَّرتُه" (٢).
° قال اللواء محمود شيت خَطَّاب عن هذه السَّرِيَّة: "وأمَّر رسولُ الله ﷺ عليهم عبدَ الله بن عَتِيك، ونهاهم عن قتل النساء والصبيان، فنهضوا حتى أتَوا خيبرَ ليلاً.
وكان سَلاَّمٌ ساكنًا في دارٍ في جماعة من يهود، فلم يَدَعُوا بيتًا في الدار إلا أغلَقوه على أهلِه، وكان سَلامٌ في عِلِّيةٍ له إليها عَجَلَة (٣)، فأسندوا فيها (٤) حتى قاموا على بابه، فاستأذنوا عليه، فخرجت إليهم امرأتُه، فقالت: "مَنْ أنتم؟ "، قالوا: "ناسٌ من العَرَب نلتمسُ المِيْرَة"، قالت: "ذاكم صاحبُكم، فادخلوا عليه".
فلما دخلوا أغلَقوا البابَ على أنفُسهم تخوُّفًا أن تكون دونَه مُجَاولة (٥) تَحول بينهم وبينه، فصاحت امرأتُه فهمُّوا بقَتلها، ثم ذَكَروا نَهْيَ النبي ﷺ عن قتل النساء، فأمسَكوا عنها، ثم تعاوروه بأسيافهم وهو راقدٌ على فراشه، أبيضَ في سوادِ الليل كأنه قُبْطِيةٌ (٦) مُلْقَاة، ووضع عبدُ الله بنُ عَتِيك
стр. 335
سيفَه في بطنِه حتى أنفذه، كما تحامَلَ عليه بالسيف عبدُ الله بنُ أُنيس في بطنه حتى أنفذه، وسلامٌ يقول: قَطْنِي .. قَطْنِي، أي حَسْبي حَسْبي.
وخرج أفرادُ السَّرية من حُجرة سَلام، وكان عبدُ الله بن عَتِيك سَيِّئ البصر، فوقع من الدرجة فَوُثِئَتْ (١) رِجلُه وثئًا شديدًا، فحَمَله أصحابُه حتى أتوا منْهَرًا من مناهِرِهم (٢)، فدخلوا فيه واستتروا.
وخَرَج أهلُ الآطام، وأوقدوا النيرانَ في كلِّ وجهٍ، فلما يئِسوا رجعوا إلى آطامهم.
وقال أفرادُ السَّرية: "كيف لنا بأنْ نعلمَ بأنَّ عدوَّ اللهِ قد مات؟ "، فرجع أحدُهم ودخل بين الناس، فوجد امرأتَه ورجالَ يهود حولَه، وفي يدها المصباح تنظرُ في وجهه وتحدَثهم وتقول: "أمَا واللهِ لقد سمعتُ صوتَ ابنِ عَتِيك، ثم أكذبتُ نفسي وقلت: أنَّى ابنُ عَتِيك بهذه البلاد؟ "، قال: "ثم أقبلَتْ عليه تنظرُ في وجهه، ثم قالت: فاظ (٣) وإلهِ يهود! فما سمعتُ من كلمةٍ كانت ألذَّ إلى نفسِي منها".
وقد حَدَّث الذي ذهب يستطلعُ موتَ سَلام أصحابَه بحديثه هذا بعدَ عودته إليهم من مُهمته الاستطلاعية، فأيقنت السَّريةُ بهلاكه.
واحتمل أفرادُ السَّرية عبدَ الله بن عَتِيك، وقَدِموا على رسول الله
стр. 336
- ﷺ ، فأخبروه بقتل سَلام، واختلفوا عنده في قتله، فكلُّهم يدعيه، فقال رسولُ الله ﷺ : "هاتوا أسيافَكم"، فانظر إليها، فقال لسيف عبد الله بن أُنَيْس: "هذا قَتَله، أرى فيه أثرَ الطعام" (١).
° قال حَسَّانُ بنُ ثابت وهو يَذكُر قتلَ كعبِ بنِ الأشرف وَقتْلَ سَلاَّم بنِ أبي الحُقَيْق:
لِلِه دَر عِصَابةٍ (٢) لاقَيْتَهُمْ ....... يا ابنَ الحُقَيْقِ وأنْتَ يا ابنَ الأشْرَفِ
يَسْرون بالبِيضِ الخفَافِ إليكُمُ ..... مَرَحًا كأُسد في عَرِيْنٍ مُغْرِفِ (٣)
حتى أتوكُم في مَحَل بلادِكُمْ ...... فَسَقَوْكُمُ حَتْفًا بِبِيضٍ ذُفَّفِ (٤)
مُسْتَنْصِرِينَ لِنَصْر دِينِ نَبِيِّهم ...... مُسْتَصْغِرين لكل أمرٍ مُجْحِفِ (٥)
وهكذا تخلَّص المسلمون مِن عدوٍّ لدود (٦)، وكان إقدامُ عبد الله
стр. 337
وإقدامُ سَرِيَّتِه إقدامًا فذًّا بمعنى الكلمة.
وكما قلنا من قبل: إن أكثرَ أصحابِ المغازي والسِّير -وعلى رأسهم محمدُ بن إسحاق- يَرَون أن الفدائيين الخمسةَ كلَّهم اشتركوا مع قائدهم عبدِ الله بنِ عتيك في القضاء على الشيطان اليهودي، وأن الذي أثبت أبا رافع وقَضى عليه هو عبدُ الله بن أُنيْس.
وعلى هذا كلُّ أصحابِ الكتبِ السِّتة والسِّير عدا البخاريَّ الذي ذَكر أن قاتل أبي رافع هو عبدُ الله بن عتيك، لا عبدُ الله بن أنيس، ولم يذكر البخاريّ أن بقيةَ الفدائيين لم يدخلوا الحصن.
وليس هناك تناقضٌ بين الروايتين في اشتراك الفدائيين الخمسة في قتله "أما ما جاء في "صحيح البخاري" من أن ابنَ عَتيك قال لبقيةِ رجاله: "ابقُوا مكانَكم حتى انظر"، فليس فيه ما يَنفي اشتراكَهم معه في العملية، إذ يَحتملُ أنه بعدَ أن نظرَ وقام بالاستكشاف رَجَع وأخذَهم معه كقائدٍ مسؤول، وأنه كان يَتحدَّثُ بلسانِ القائد الذي يُنسَبُ إليه فِعلُ كلِّ شيءٍ -حتى وإن لم يكن هو الذي فَعَل كلَّ شيء-.
كما أنَّ عدمَ ذِكرِ دَورِ بقيةِ الفدائيين في روايةِ البخاري لا يَنفي اشتراكَهم، إذ يحتمل أن يكونوا ظلُّوا كالحرس يَحْمُون ظَهرَ قائدِهم حتى قام بالقضاءِ على أبي رافع.
أما قول ابن عتيك في رواية البخاري: "ثم أتيتُ أصحابي أحجل .. " إلخ، فلا ينفي -أيضًا- اشتراكَهم مع قائدِهم في العملية؛ إذ لا يُستبعد أن يكونوا قد سَبَقوه، فخرجوا قبلَه وتأخَّر هو بسب ما حَدَث له من كَسرٍ في
стр. 338
رجله، ولأن القائدَ عند الانسحاب عادة يكونُ آخِرَ مَن ينسحب.
بهذا يتَّضحُ أنه لا تناقضَ ولا تباينَ يُذْكر بين الروايتين" (١) إلاَّ في اسمِ قاتل أبي رافع؛ أي: مَن أجهز عليه في النهاية.
° قال ابنُ سعد يَصفُ مطاردةَ اليهود للفدائيين الخمسة: "وصاحت امرأتُه، فتصايَحَ أهلُ الدار، واختبأ القومُ في بعضِ مناهِرِ خيبر .. وخرج الحارثُ أبو زينب (٢) في ثلاثةِ آلافٍ في آثارهم يطلبونهم بالنيران -أي: بالمشاعل في ظلام الليل-، فلم يروهم، فرجعوا، ومَكَث القومُ -أي الفدائيون- في مكانهم يومين حتى سَكن الطلب، ثم خرجوا مُقبِلين إلى المدينة" (٣).
أبَا رافع لا يَرفعُ اللهُ طاغيًا ...... ولا يَدَعُ الخَصْمَ المُشاغِبَ نَاجيَا
جمعتَ من الأحزابِ ما شِئتَ تَبتغي ..... لنفسِكَ من تلكَ العقابيلِ شَافيا (٤)
ورُحتَ تَصُبُّ المالَ في غيرِ هِينةٍ ..... تُرِيدُ بدِينِ المسلمين الدواهيا (٥)
هو ابنُ عتيكٍ إنْ جَهِلتَ وصَحبُه ..... فلستَ بلاقٍ من حمامِكَ واقيا (٦)
يَدُبُّ وقد جَنَّ الظلامُ مُقنعًا ...... يُريدُك مُغتالاً وَيلقاكَ غازيا
كأن حِمارَ الحصنِ أُوتيَ رُشدَهُ ...... فأجمعَ ألاَّ يصحبَ الدهرَ غاويا
стр. 339
أعان عليكَ السيفَ يكرهُ أن يرى ..... دمًا فاجرًا في مَسْبَح الكُفر جاريًا
يقول له البوابُ: ما لك جالسًا ..... وقد دخل الرهطُ الذي كُنتَ رائيا؟ (١)
إلى الحصنِ فادْخُلْ لَسْتُ تاركَ بابِه ..... لأجلِكَ مفتوحًا ودَعْنِي لِمَا بيا
فقامَ ولو يدرِي خَبِئةَ نَفسه ...... أعضَّ وَرِيدَيْهِ الحُسامَ اليمانيا (٢)
ولاحت لِعيَنْيه الأقاليدُ فَانْتَحى ...... يَضُمُّ عليها مِخلَبَ الليثِ ضَاريا (٣)
فلما عَفا السُّمَّارُ أقبلَ صَاعِدًا ...... إلى الأخرقِ المغرور يَعلو المَراقيا (٤)
سَقاه بِحَدِّ الهَنْدوَانِي حَتْفَهُ ...... فَبُورِكْتَ من سيفٍ وبُورِك ساقيا
* * *
هَوتْ رِجلُه من زَلةٍ قَذفت بهِ ....... إلى الأرضِ في ظَلماءَ تُخفي الدرارِيا (٥)
فما برحتْ حتى أُصِيبَ صَميمُها ....... بِصَدْعٍ فأمَسى وَاهِنَ العَظم واهيا
وباتَ يُواري نَفسَهُ في مكانِه ...... ويَزْوَر في بُردَيهِ يَخشَى الأعاديا (٦)
стр. 340
تَنادَوْا فقالوا: فاتكٌ من عَدُوِّنا ...... رَمى السَّند الأعلى فلا كان راميا
مَتى جاءَ؟ كيفَ انسل في غَسَقِ الدجَى؟ ...... وماذا جَرى مَن كان للحصنِ حاميا؟ (١)
مِنَ الجِنِّ هذا أم من الإِنس يا لَهُ ...... مُصابًا يُنسِّينا الخُطوبَ الخواليا؟
وراحوا سِراعًا مُهطِعينَ يَهيجُهم ....... طِلاب الذي ما زال في الحِصْنِ ثاويا (٢)
فما تركوا في أرضِ خَيبرَ بقعةً ....... ولا غادروا مما هُنالكَ واديا
وعادُوا يَعَضُّونَ البنان ولو رَأَوْا ..... مكانَ الردى المجتاحَ ألفَوْهُ جَاثيا
فما زالَ حتى أذَّنَ الديكُ وانْبَرى ....... مِنَ القومِ داعٍ يَرفعُ الصوتَ ناعيا
هنالِك وافى صحبه فتحدَّبُوا ...... عليه وكان الظنُّ أنْ لا تلاقيا (٣)
فتًى يركبُ الأهوالَ لا يتَّقِي الردى ..... ولا يتوقَّى الحتفَ يَلقاه عاديا
قُصارَاهُ أن يَرْعَى رَبَّه ........ ويلقى رسولَ الله جَذْلانَ راضيا (٤)
شَفَى رِجلَه مما بها فكأنها ...... بِخَيبرَ لم تُكْسَرْ ولم يَكُ شاكِيا
* * *
أبا رافع ماذا لَقِيتَ بحُفرةٍ ...... طَوَتْ منكَ جبارًا قضَى العُمر َعاتيا؟
عَكفتَ على البَغي المُذمَّم والأذَى ..... فَذُبْ أسفًا واعْكُفْ على النارِ صَاليا
° قال الحافظ ابن حجر بعد ذِكره أحاديث قتل أبي رافع: "وفي هذا الحديث من الفوائد: جوازُ اغتيالِ المشرِك الذي بلَغَتهُ الدعوةُ وأَصَرَّ، وقتل
стр. 341
من أعان على رسول الله ﷺ بيده أو ماله لسانه، وجوازُ التجسُّس على أهل الحرب وتطلُّبِ غِرَّتهم، والأخذِ بالشدَّة في محاربة المشركين" (١).
رضي الله عن بطلَيِ الإسلام -عبد الله بن عَتيك، وعبد الله بن أُنيس- وإخوانِهم الذين أراحوا المسلمين من اليهوديِّ الخبيث أبي رافع الطاغية اللعين.
الشيطان خالدُ بن سفيان الهُذَلي -لعنه الله -:
هو خالدُ بنُ سفيانَ بن نُبَيْح الهُذَلي، كان عدوًّا لله ولرسوله ﷺ ، وكان يجمعُ الجموعَ لحربِ النبي ﷺ ، فأخذه اللهُ أخذَ عزيرٍ مُقتدِر على يَدِ بطلٍ من أبطال الخزرج، وهو عبد الله بن أُنيْس الجُهَنيّ الأنصاريُ .. وكان عبدُ الله وحدَه هو السَّرِية المسمَّاة في المغازي لقتل خالد بن سفيان الهذلي (٢).
خَرَج عبد الله من المدينة يومَ الإِثنين لخمسِ ليالٍ خَلَوْن من شهرِ المحرم، على رأسِ خمسةٍ وثلاثين شهراً من الهجرة -أي: من السنة الرابعة الهجرية-، فغاب عنها ثمانيَ عشْرةَ ليلةً، وقَدِم يومَ السبت لسبعٍ بَقِينَ من المحرم (٣)، بعد أن أدَّى واجبَه الذي أمره به النبي ﷺ .
стр. 342
فقد بَعَثه النبي ﷺ في سَريةٍ مؤلَّفةٍ منه وحده إلى خالدِ بن سُفيان بن نُبَيْح الهُذَلي الذي كان بِعُرَنة (١) يجمعُ الجموعَ لرسول الله ﷺ ؛ ليغزوَه، فقتله عبدُ الله وعاد برأسه إلى المدينة المنورة.
• قال عبدُ الله: "دعاني رسول الله ﷺ ، فقال: "إنه قد بَلَغني أن ابنَ سفيان بن نُبَيْح الهُذَلِي يجمعُ لي الناسَ ليَغزوَني، وهو بنَخْلَة (٢) أو بعُرَنة، فأتِهِ فاقتله". قلت: يا رسول الله، انْعِتْه لي حتى أعرِفَه، فقال: "إنك إذا رأيتَه أذكَرَك الشيطانَ، وآيةُ ما بينك وبينه أنك إذا رأيته وجدتَ له قُشَعْرِيرَة" (٣).
° فخرجتُ متوشِّحاً سيفي، حتى دَفعتُ إليه وهو في ظُعُنٍ (٤) يرتادُ (٥) لهنَّ منزلاً (٦)، وحيث كان وقتُ العصر، فلمَّا رأيته وجدتُ ما قال لي رسول الله ﷺ من القُشَعْرِيرَة، فأقبلت نحوه، وخَشِيتُ أن تكون بيني وبينه مجاولةٌ تَشغَلُني عن الصلاة، فصلَّيتُ وأنا أمشي نحوه أومِئُ برأسي، فلمَّا انتهيت إليه قال: مَنْ الرجل؟ قلت: رجلٌ من العَرَب سَمع بك وبجَمْعك لهذا الرجل، فجاءك لذلك، قال: أَجَلْ (٧) إني لفي ذلك.
فمشَيتُ معه شيئًا، حتى إذا أمكنني حَمَلتُ عليه بالسيف، فقتلتُه، ثم
стр. 343
خرجت وتركتُ ظَعائِنَه مُنْكَبَّاتٍ عليه.
فلمَّا قدمتُ على رسول الله ﷺ فرآني قال: "أفْلَحَ الوجهُ"، قلتُ: قد قتلتُه يا رسول الله (١)، ووضعتُ رأسَه بين يديه، وأخبرتُه خبري" (٢).
وهكذا استطاع عبدُ الله وحده، ببطولته الفذَّة، وإقدامِه النادر، أن يقضيَ على فِتنة الهُذَلي التي كان يُعِدُّها ويستعدُّ لها، ويُنهي خُطَطَه في حربِ الإسلام والمسلمين.
قال عبد الله بن أنيس في ذلك:
تركتُ ابنَ ثَوْرٍ كالحُوار وحولَه ..... نوائحُ تَفْرِي كل جَيْبٍ مُقَددِ (٣)
تناولتُهُ والظُّعْن خَلفي وخَلفَهُ ...... بأبيضَ من ماءِ الحديد مُهَنَّدِ (٤)
عَجُومٍ لِهَامِ الدار عَينَ كأنه ...... شِهابُ غَضًا من مُلهَب مُتَوَقِّدِ (٥)
أقول له والسيفُ يَعْجُمُ رأسَه ..... أنا ابنُ أُنَيْس فارسًا غيرَ قُعْدَدِ (٦)
стр. 344
أنا ابنُ الذى لم يُنزِل الدهرُ قِدْرَهُ ...... رَحِيْبُ فِنَاءِ الدار غيرُ مُزَندِ (١)
° ولله درُّ القائل مثنيًا على البطل ابن أنيْس:
سَرِيةٌ أنتَ وَحْدَكْ ...... فَاجْعَلْ سَجَاياكَ جُنْدَكْ
لَا تَخْشَ يا ابنَ أَنيس ...... فليس سُفيانُ نِدَّكْ
احْشُدْ قُواكَ وَخُدْهُ ...... فليس يَسْتطِيعُ حَشْدَكْ
إنْ غَرَّهُ حَدُّ عزم ....... فَسَوفَ يَعرِفُ حَدَّك
يَهولُ في الوصفِ جِدًّا ...... حَتى لَيَعْظُمُ عِنْدَكْ
لَكِنهُ اللهُ أعلى ...... عليهِ في البأسِ جَدَّكْ
أَقْبِلَ فتى البأسِ أَقْبِل ...... وَاعْمَلْ لربكَ جُهْدَكْ
* * *
أَخَذْتَهُ بِخِلابٍ ...... كَذَبْتَهُ فيه وُدَّكْ (٢)
أوردتَهُ القَولَ حُلوًا ...... ولو دَرى عَافَ وِرْدَكْ (٣)
وَيْلُمِّهِ من غَبي ...... لو كان يعرف قصدَكْ (٤)
أحْبِبْ بِهِ من رسولٍ ..... لِقَتْلِه قد أعدَّكْ
يَظن أنك ضِدٌّ ..... له فَدُونَكَ ضِدَّكْ (٥)
стр. 345
بُورِكْتَ يا ابن أُنيس ..... من فارسٍ ما أشدَّكْ!
ضرَبْتَهُ فَتَرَدَّى ...... وكان ذلك وَكْدَكْ (١)
وَعُدْتَ لا مَجدَ إلا ..... أراه يَحْسُدُ مَجْدَكْ
* * *
سُفيانُ هل كنتَ طَودًا .... فمن رماكَ فهَدَّكْ؟
أم كنْتَ للشرِّ ذُخرًا ...... تَخشى الطواغيتُ فَقْدَكْ؟ (٢)
أوْدَى بِكَ ابنُ أنيسٍ ...... فَأقفَرَ الحيُّ بَعْدَكْ
وَرَدَّ عِزَّكَ ذُلاًّ ...... فما تُصَعِّرُ خَدَّكْ (٣)
مَلأتَ صدركَ حِقدًا ...... فهل شَفَى السيفُ حِقْدَكْ؟
وَمِتَّ مِن قَبلُ وَجدًا ....... فهل مَحَا الموتُ وَجْدَكْ؟
أين الجموعُ؟ أتَدرِي ....... مَن خَطَّ في التُرْبِ لَحْدَكْ
وأين رأسُك؟ هلاَّ ...... صَدقْتَ نفسَكَ وَعْدَكْ؟
أَغواك جَهلُكَ حَتى ..... لَقِيتَ في النارِ رُشْدَكْ
أنضَجتَ نفسَكَ غَيظًا ..... فاليومَ تُنضِجُ جِلدَكْ
يَغيظُك الدينُ حَقًّا ..... فأنت تَقْدَح زَنْدَكْ (٤)
هَيَّجْتَ للشر وَقْدًا ...... فأين غادرتَ وَقْدَكْ؟ (٥)
стр. 346
ياصاحِبَ الغارِ مَن ذَا ...... بِنَصرِهِ قد أمَدَّكْ (١)؟
أليس ربَّكَ؟ فَاجْعَلْ ..... لهُ على الدهرِ حَمْدَكْ
رَدَّ العِدَى لم يفوزوا ...... وأنتَ بالفوزِ رَدَّكْ
ألقِ الهديةَ (٢) وَاسْحَبْ ..... في ساحَةِ الفَخرِ بُرْدَكْ
دَعَا الرسول وأَثْنى ...... فَاحْمَدْ لكَ الخَيرُ رِفْدَكْ (٣)
وقلْ: تباركتَ ربي ..... يَسَّرْتَ للخيرِ عَبْدَكْ
* المُجرم مَلِك خيبر: أُسَيْر بن رازم -لعنه الله- "اليُسيْر بن رزام":
اسُمه الذي اشتُهر به هو "اليُسير بن رزام"، واسمُه عند الواقديِّ: "أسَيْر بن رازم" (٤).
كان هذا المجرُم قائدًا من كِبار قوَّاد اليهود، وكان مِلَكًا على خيبر بعد قتل أبي رافع سَلاَّمِ بن أبي الحُقيق، وكان يَجمعُ غَطَفانَ لغزوِ رسول الله ﷺ في المدينة المنورة.
° قال هذا اللعينُ لقومه: "واللهِ ما سَاحَ محمدٌ إلى أَحَدٍ من يهود، ولا بَعَث أحدًا من أصحابه إلا أصابَ منهم ما أراد، ولكني أصنعُ ما لم يَصنعْ أصحابي. قالوا: وما عَسَيتَ أن تصنعَ؟ قال: أسِيرُ في غطفان؛
стр. 347
فأجمعُهم، ونسير إلى محمد في عُقرِ داره؛ فإنه لم يُغْزَ أحدٌ في عقر داره إلاَّ أدرك منه عدوّه ما يريد".
انتدب له رسولُ الله ﷺ ثلاثين، على رأسهم عبدُ الله بنُ رواحة، قَدِموا على أُسيْر، فقالوا: "نحن آمنون حتى نعرِضَ عليك ما جئنا له؟ ". قال: "نعم، ولي منكم مثل ذلك؟ "، فقالوا: "نَعَمْ". فقالوا لأُسَير: "إن رسول الله ﷺ بعثنا إليك لتخرجَ إليه؛ فيستعمِلَك على خيبر ويحسِن إليك" فطَمع في ذلك وخَرَج، وخر معه ثلاثون رجلاً من يهود، مع كل رجل رديفٌ من المسلمين، حتى إذا كانوا بـ "قَرْقَرة ثِبار"، ندِم أُسير، وفكَّر بالخيانة، قال عبدُ الله بن أُنيس -وكان في السَّرية -: "وأهوى بيده إلى سيفي، ففطِنتُ له، ودفعتُ بعيري، وقلتُ: غَدْرًا -أيْ عدوَّ الله -!! فعل ذلك مرتين، فنزلتُ، فسُقْتُ بالقوم حتى انفرد لي أُسير، فضربته بالسيف، فأنذرت عامَّةَ فخِذه وساقه، وسَقَط عن بعيره وبيده مِخْرَش (١) من شَوْحَط (٢)، فصرَبني فشجَّني، ومِلْنا على أصحابه، فقتلناهم كلَّهم غيرَ رجل واحد أعجَزَنا شدَّا، ولم يُصَبْ من المسلمين أحدٌ، ثم أقبلنا إلى رسول الله ﷺ فحدَّثناه الحديث، فقال: "نجّاكم اللهُ منَ القوم الظالمين" (٣).
فبُورك عبدُ الله بن أنيس من بطلٍ مغوار، يُورد ثلاثةً من كبارِ شانئي الرسول ﷺ النار.
стр. 348
° ولله درُّ أحمد محرم حين يقول:
أأنت يا ابنَ رِزامٍ تَغلِبُ القَدَرا؟ ...... جَرِّبْ لك الويلُ من غِرٍّ وسوف تَرى
جَرِّبْ أُسَيْرُ ولا تجزعْ إذا عَثَرَتْ ..... بك التجاريبُ إنَّ الحُرَّ مَنْ صبرَا
كذبتَ قومَك إن الحقَّ ليس له ...... من غالبِ فَاعْتَبِرْ إن كنتَ مَعتَبِرا
هيهاتَ ما لكَ إلاَّ الغَيُّ تتبعُه ...... والغيُّ يتبعُه في الناسِ مَن فجرا
بِئسَ الأميرُ وبئسَ القومُ إذ جعلوا ...... لك الإِمارةَ كيما يُدركوا الظفَرا
الظافِرونَ بنو الإِسلام لا فَزَعًا ...... يرى العِدَى في الوغَى منهم ولا خَوَرا (١)
هم الأُلي يُلبِسونَ الحربَ زِينتهَا ...... إذا تَعَرَّتْ وَولَّى الذادةُ الدُّبُرَا
ماذا تُحاوِلُ بالأشياعِ تَنْدُبُهم ...... حاولت يا ابن رِزامٍ مطلبًا عَسِرَا
ظَنَنْتَها غزوةً تَخْفَى مكائدها ....... فما احتيالُك في السر الذي ظَهَرا؟
لو لم يُوافِ رسولَ الله مُخْبِرُهُ ........ وافاهُ مِن ربِّه مَن يحملُ الخَبَرَا
كم فَضَّ جِبريلُ من صَمَّاءَ مُغْلَقَةِ ....... أَنْحَى على سِرِّها المكنونِ فاشتُهرا (٢)
* * *
على أبي رافعٍ فَلتَبْكِ من أسَف ..... وَاسْتَبْقِ نفسَك إِنْ كُنْتَ امْرأً حَذِرَا
ذَلَّتْ يهودُ فما يُرْجَى لها خَطَرٌ ...... عَلَى يَدَيْ مَن نهى فيها ومَن أمَرَا
دَعْهَا أسيرُ لكَ الويلاتُ من رَجُلٍ ...... ضَلَّ السبيلَ فأمسى يَرْكَبُ الغَرَرَا (٣)
ألستَ تُبصِرُ عبدَ الله في نَفَرٍ ....... أَعْظِمْ به وبهم مِن حَوْله نَفَرا؟
стр. 349
جاؤوك يا ابنَ رِزَام لو تُطاوِعُهم ...... لأذهبَ اللهُ عنك الرِّجْسَ والوَضَرَا (١)
لكنك المرءُ لو ترميهِ صاعقةٌ ....... تنهاهُ عن نَزعات الغَيِّ ما ازْدَجَرا
رَدُّوا لك الخيرَ تُسدِيهِ إليك يدٌ ...... ما مِثلُها من يد نفعًا ولا ضررا
قالوا انطلقْ معنا إِنْ كنتَ منطَلقًا ...... فَأتِ الرسولَ وسَلْهُ تبلغِ الوَطَراَ
ما شئِتَ مِن سُؤْدُدٍ عالٍ ومِن شَرَفٍ ....... على اليهود، ويَجْزِي اللهُ مَن شكرًا
أبَى وراجَعَهُ مِن نفسه أَمَلٌ ....... أغراه بالسير حتى جَدَّ مُبتَدِرَا
ثم انْثنى يتمادَى في وَسَاوِسِه ...... يظن ذلك رأيًا منه مُبتَسَرَا
واختارَها خُطةً شنعاءَ ماكرةً ....... فحاق بالجاهلِ المأفونِ ما مَكَرا
أرادَ شَرًّا بعبد الله فانبعثتْ ........ منه صَرِيمةُ عادٍ ينقضُ المِرَرَا (٢)
رآهُ أخونَ من ذئبٍ فعاجَلَهُ ...... بالسيف يُورِدُه منه دَمًا هَدَرَا (٣)
وانْقضَ أصحابُه يَلْقُونَ مَن مَعَه ..... من قومه فاسْتَحر القتلُ واسْتَعَرا
لم يَتركِ السيفُ منهم وَهْوَ يأخذُهم ...... إلا حُشَاشةَ هافٍ يَسبقُ البَصَرَا (٤)
مضى مع الريح لا يأسَى لمهلكِهم ........ ولا يُبالي قضاء الله كيفَ جَرَى
كذلك الغدرُ يَلقَى الويلَ صاحِبُه ........ وكيف يأمن عُقْبَى السوءِ مَن غَدَرا
* * *
стр. 350
* عَدُوَّةُ اللهِ ورسوله بوادي القرى، أمُّ قِرْفة -لعنها الله -:
كانت العرب تقول: "لو كانت أعزَّ من أم قِرفة"؛ لأنها كانت يُعَلَّق في بيتها خمسون سيفًا كلُّهم لها ذو محرم. واسم أمِّ قرفة: فاطمة بنت ربيعة بن بدر الفَزَارية بوادي القرى على سَبعِ ليال من المدينة، وهي سيِّدةُ قومها، ضُرب بها المثل في المَنَعة: "أمنِع من أمِّ قرفة" .. جَهَّزت -لعنها الله، وقد فعل- ثلاثين راكبًا مِن ولدها وولَدِ ولدها، وقالت لهم: "اغزُوا المدينةَ واقتلوا محمدًا" .. فأرسل النبيّ ﷺ زيدَ بنَ حارثة ﵁ على رأسِ سَرِيةٍ إلى أمِّ قِرفة في شهر رمضان في السنة السادسة الهجرية إلى وادي القرى، وخرج المسلمون من المدينة يَكمُنون النهار ويسيرون الليل، وقصدوا فَزارةَ في الليل حتى صَبَّحوهم، ثم أحاط زيدٌ ومَن معه بفزارة في بيوتهم، وكبَّر زيدٌ وكبَّر الصحابة، وقَتل قيسُ بنُ المُحَسِّر أمَّ قرفة، وعاد زيدٌ إلى المدينة، فقرع بابَ النبي ﷺ ، فخرج إليه مسرعًا واعتنقه وقبَّله، فأخبره زيدٌ بانتصارِه وغَنائمه.
وأما جاريةُ بنت أم قرفة، فوهبها النبي ﷺ لخاله حَزْنِ بن أبي وهب، فولدت له امرأةً ليس له منها ولدٌ غيرها (١).
وحاقَ بأمِّ قِرْفَةَ ما أرادتْ ...... بأَكرمِ مَن تُفَدَّى الأُمَّهاتُ
أرادت قَتْلَه فَجَرَى عليها ...... قَضَاءُ القتل، وانْتَصَفَ القُضَاةُ
فيا لكَ منظرًا عَجَبًا تناهتْ ...... به الصُّوَرُ الرَّوائِع والصِّفَاتُ
أُحيطَ بها وبابنتها جميعًا ....... فما نَجَتِ العجوزُ ولا الفتاةُ
стр. 351
لِتِلكَ جزاؤهُا المُرْدِي، وهذي ....... لها الأَسْرُ المُبَرَّحُ والشَّتَاتُ
حَباها خالَه في غير ضنٍّ ....... وأين من الضَّنينِ المَكْرُمَاتُ؟
تَأمَّلتُ الحياةَ وكيفَ تبقى ....... حقائِقُها وتمضي التُّرَّهَاتُ
وقيل: أُخذت أم قِرفة ورُبطت رجلاها بحبليْن شُدَّا إلى بعيريْن؛ فشقّاها.
* عَدُوَّةُ رسولِ الله ﷺ : عَصماءُ بنتً مروان- لعنها الله -:
كانت عصماءُ بنتُ مروانَ من بني أُمَيَّة بن زيد، وكانت عند يزيدَ بن زيد بن حِصْنِ الخَطْمِي، وكانت تَعيبُ الإسلام وتُؤذِي النبي ﷺ ، وتقولُ الشِّعْر (١). فقالت تَعيبُ الإسلامَ وأهْلَه:
بإسْتِ بَنِي مالكٍ والنَّبِيبِ ....... وعَوْفٍ وَبِاسْتِ بني الخزْرجَ
أًطَعْتُمْ أَتَاوِيَّ (٢) مِنْ غَيْرِكمُ ..... فلا من مِرُادٍ ولا مَذْحِجِ (٣)
ترَجُّونَه بَعْدَ قتْلِ الرؤُوسِ (٤) ...... كما يُرْتَجَى مَرَقُ المُنْضِجِ
أَلَا أَنِفُ (٥) يبتغي غِرَّةً (٦) ...... فيقطَعَ مِن أَمَل المُرتَجِى!
فقال رسول الله ﷺ حينَ بلغه ذلك: "ألآ آخِذٌ لي من ابنة مَرْوان؟ ".
стр. 352
وكان ذلك لخمسِ ليالٍ بَقِينَ من رمضان على رأسِ تسعةَ عشَرَ شهرًا من هجرة النبي ﷺ -أي: في السنة الثانية الهجريَّة-، فسَمع ذلك من قول رسول الله ﷺ عُمَيرُ بنُ عَدِيٍّ الخَطْمِيُّ الأَوسيُّ وهو عنده، فلَّما أمسى من تلك الليلة سَرَى عليها في بيتها، فقتلها.
وأصبح عميرٌ مع رسول الله ﷺ ، فقال: "يا رسول الله! إني قد قتلتُها"، فقال: "نصرتَ اللهَ ورسولَه يا عُمَيْر"، فقال: "هل عليَّ مِن شأنها يا رسول الله؟ ". فقال: "لا يَنتطحُ فيها عَنْزَان" (١).
ورَجَع عميرٌ إلى قومه، وبنو خَطْمةَ يومئذ مَوْجُهُم (٢) كثيرٌ في شأنِ بنت مروان، ولها يومئذٍ بنون -خمسةُ رجال-، فلما جاءهم عميرٌ من عند رسول الله ﷺ قال: "يا بني خطمة! أنا قتلتُ ابنةَ مروان، فكِيدوني جميعًا ثم لا تنظرون" .. فذلك اليوم أولَ ما عزَّ الإسلام في دار بني خَطمْة، وكان يَستخفي بإسلامه فيهم مَن أسلم، وأسلمَ يوم قُتِلت ابنةُ مروان رجالٌ من بني خَطمة، لِمَا رأوه مِن عزِّ الإسلام (٣).
ويبدو أن سكوت أبناءِ عصماء وإخوتها عن أخذِ الثأر منَ عمير؛ لأن عُمَيرًا كان من أشرافهم، ولأنَّ الإسلامَ فشا فيهم، ولأنهم خافوا المسلمين الذين أصبحوا قوةً ضاربةً بعد انتصارهم في غزوة بدر.
стр. 353
وفي عصماءَ -لعنها الله- قال حسَّانُ بن ثابت:
بنو وائل وبنو واقفٍ ....... وخَطمَةَ دونَ بني الخزرجِ
متى ما دَعَتْ سَفَهًا وَيْحَها ..... بَعَوْلَتِها والمنايا تَجِي (١)
فَهَزَّت فتًى مَاجِدًا عِرْقُه ...... كَريمَ المداخِل والمَخْرَجِ
فَضَرَّجها من نَجيع الدِّمَا ....... ء بعدو الهدو فلم يَحْرَجِ (٢)
فأورَدَك اللهُ بَرْدَ الجِنان ....... جَذْلَانَ في نعمة المَوْلَجِ
° فلله درُّ عميرٍ من غيورٍ على رسوله ﷺ .. وقد رُوي أنه قتل أخته؛ لأنها شتمت رسولَ الله ﷺ (٣).
* * *
стр. 354
مُدَّعو النُّبُوَّة والألُوهِيَّة
стр. 355
مُدَّعُو النّبوَّة والأُلُوهيَّة
عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قاَل رسول اَلله ﷺ : "لا تقومُ الساعةُ حتى يقتتلَ فئتانِ، فيكونَ بينهما مَقْتَلةٌ عظيمة، دعواهما واحدة، ولا تقومُ الساعةُ حتى يُبعث دجَّالون كذَّابون قريبًا من ثلاثين، كلُّهم يزعُمُ أنه رسولُ الله" (١).
• وعن ثوبانَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"لا تقومُ الساعة حتى تَلحَقَ قبائلُ من أمَّتي بالمشركينَ، وحتى تُعبدَ الأوثانُ، وإنه سيكون في أمَّتي ثلاثون كذَّابًا، كلُّهم يزعُمُ أنه نبيٌّ وأنا خاتَمُ النبيين، لا نبيَّ بعدي" (٢).
• وعند أبي داود: " … وإنما أخافُ على أمتي الأئمةَ المضلِّين، وإذا وُضِع السيفُ في أمتي لم يُرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعةُ حتى تلحقَ قبائلُ من أمتي بالمشركين، وحتى تَعبُدَ قبائلُ من أمتي الأوثانَ، وإنه سيكون في أمتي كذَّابون ثلاثون، كلُّهم يزعُم أنه نبيٌّ، وأنا خاتمُ النبيين لا نبيَّ بعدي، ولا تزال طائفةٌ من أمَّتي على الحقِّ ظاهرين لا يَضُرهم مَن خالَفَهم حتى يأتيَ أمرُ الله تعالى".
• وعن جابرِ بن سَمُرةَ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّ بيْن يَدَيِ الساعةِ كذَّابين، فاحذروهم" (٣).