← Сира

Сира · id 96964

وا محمداه إن شانئك هو الأبتر

سيد حسين العفاني

Полный текст (2 668 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

لِتِلكَ جزاؤهُا المُرْدِي، وهذي ....... لها الأَسْرُ المُبَرَّحُ والشَّتَاتُ حَباها خالَه في غير ضنٍّ ....... وأين من الضَّنينِ المَكْرُمَاتُ؟ تَأمَّلتُ الحياةَ وكيفَ تبقى ....... حقائِقُها وتمضي التُّرَّهَاتُ وقيل: أُخذت أم قِرفة ورُبطت رجلاها بحبليْن شُدَّا إلى بعيريْن؛ فشقّاها. * عَدُوَّةُ رسولِ الله ﷺ : عَصماءُ بنتً مروان- لعنها الله -: كانت عصماءُ بنتُ مروانَ من بني أُمَيَّة بن زيد، وكانت عند يزيدَ بن زيد بن حِصْنِ الخَطْمِي، وكانت تَعيبُ الإسلام وتُؤذِي النبي ﷺ ، وتقولُ الشِّعْر (١). فقالت تَعيبُ الإسلامَ وأهْلَه: بإسْتِ بَنِي مالكٍ والنَّبِيبِ ....... وعَوْفٍ وَبِاسْتِ بني الخزْرجَ أًطَعْتُمْ أَتَاوِيَّ (٢) مِنْ غَيْرِكمُ ..... فلا من مِرُادٍ ولا مَذْحِجِ (٣) ترَجُّونَه بَعْدَ قتْلِ الرؤُوسِ (٤) ...... كما يُرْتَجَى مَرَقُ المُنْضِجِ أَلَا أَنِفُ (٥) يبتغي غِرَّةً (٦) ...... فيقطَعَ مِن أَمَل المُرتَجِى! فقال رسول الله ﷺ حينَ بلغه ذلك: "ألآ آخِذٌ لي من ابنة مَرْوان؟ ".

стр. 352

وكان ذلك لخمسِ ليالٍ بَقِينَ من رمضان على رأسِ تسعةَ عشَرَ شهرًا من هجرة النبي ﷺ -أي: في السنة الثانية الهجريَّة-، فسَمع ذلك من قول رسول الله ﷺ عُمَيرُ بنُ عَدِيٍّ الخَطْمِيُّ الأَوسيُّ وهو عنده، فلَّما أمسى من تلك الليلة سَرَى عليها في بيتها، فقتلها. وأصبح عميرٌ مع رسول الله ﷺ ، فقال: "يا رسول الله! إني قد قتلتُها"، فقال: "نصرتَ اللهَ ورسولَه يا عُمَيْر"، فقال: "هل عليَّ مِن شأنها يا رسول الله؟ ". فقال: "لا يَنتطحُ فيها عَنْزَان" (١). ورَجَع عميرٌ إلى قومه، وبنو خَطْمةَ يومئذ مَوْجُهُم (٢) كثيرٌ في شأنِ بنت مروان، ولها يومئذٍ بنون -خمسةُ رجال-، فلما جاءهم عميرٌ من عند رسول الله ﷺ قال: "يا بني خطمة! أنا قتلتُ ابنةَ مروان، فكِيدوني جميعًا ثم لا تنظرون" .. فذلك اليوم أولَ ما عزَّ الإسلام في دار بني خَطمْة، وكان يَستخفي بإسلامه فيهم مَن أسلم، وأسلمَ يوم قُتِلت ابنةُ مروان رجالٌ من بني خَطمة، لِمَا رأوه مِن عزِّ الإسلام (٣). ويبدو أن سكوت أبناءِ عصماء وإخوتها عن أخذِ الثأر منَ عمير؛ لأن عُمَيرًا كان من أشرافهم، ولأنَّ الإسلامَ فشا فيهم، ولأنهم خافوا المسلمين الذين أصبحوا قوةً ضاربةً بعد انتصارهم في غزوة بدر.

стр. 353

وفي عصماءَ -لعنها الله- قال حسَّانُ بن ثابت: بنو وائل وبنو واقفٍ ....... وخَطمَةَ دونَ بني الخزرجِ متى ما دَعَتْ سَفَهًا وَيْحَها ..... بَعَوْلَتِها والمنايا تَجِي (١) فَهَزَّت فتًى مَاجِدًا عِرْقُه ...... كَريمَ المداخِل والمَخْرَجِ فَضَرَّجها من نَجيع الدِّمَا ....... ء بعدو الهدو فلم يَحْرَجِ (٢) فأورَدَك اللهُ بَرْدَ الجِنان ....... جَذْلَانَ في نعمة المَوْلَجِ ° فلله درُّ عميرٍ من غيورٍ على رسوله ﷺ .. وقد رُوي أنه قتل أخته؛ لأنها شتمت رسولَ الله ﷺ (٣). * * *

стр. 354

مُدَّعو النُّبُوَّة والألُوهِيَّة

стр. 355

مُدَّعُو النّبوَّة والأُلُوهيَّة عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قاَل رسول اَلله ﷺ : "لا تقومُ الساعةُ حتى يقتتلَ فئتانِ، فيكونَ بينهما مَقْتَلةٌ عظيمة، دعواهما واحدة، ولا تقومُ الساعةُ حتى يُبعث دجَّالون كذَّابون قريبًا من ثلاثين، كلُّهم يزعُمُ أنه رسولُ الله" (١). • وعن ثوبانَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"لا تقومُ الساعة حتى تَلحَقَ قبائلُ من أمَّتي بالمشركينَ، وحتى تُعبدَ الأوثانُ، وإنه سيكون في أمَّتي ثلاثون كذَّابًا، كلُّهم يزعُمُ أنه نبيٌّ وأنا خاتَمُ النبيين، لا نبيَّ بعدي" (٢). • وعند أبي داود: " … وإنما أخافُ على أمتي الأئمةَ المضلِّين، وإذا وُضِع السيفُ في أمتي لم يُرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعةُ حتى تلحقَ قبائلُ من أمتي بالمشركين، وحتى تَعبُدَ قبائلُ من أمتي الأوثانَ، وإنه سيكون في أمتي كذَّابون ثلاثون، كلُّهم يزعُم أنه نبيٌّ، وأنا خاتمُ النبيين لا نبيَّ بعدي، ولا تزال طائفةٌ من أمَّتي على الحقِّ ظاهرين لا يَضُرهم مَن خالَفَهم حتى يأتيَ أمرُ الله تعالى". • وعن جابرِ بن سَمُرةَ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّ بيْن يَدَيِ الساعةِ كذَّابين، فاحذروهم" (٣).

стр. 356

• وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ بين يَدَي الساعةِ ثلاثين دَجَّالاً كذَّابًا" (١). • وعن أبي سعيد الخُدْريِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقومُ الساعةُ حتى يخرجَ ثلاثون كَذَّابًا رِجالاً كلُّهم يَكذِبُ على الله ورسوله" (٢). وكلُّ هذه الدعاوَى الباطلةِ وهذا الزورُ لا يَنطَلِي على مَن لديه أدنى نور ببصيرته، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] .. مَن ليس يَفتحُ للضياء عيونَه ...... هيهاتَ يومًا واحدًا أن يُبصرَا * وصَدَق الله تعالى إذ يقول: ﴿ .. فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧]. وهذه سنة الله في خلقه. وسنشرعُ في ذِكرهم بحول الله وقوَّته. * ابن صَيّاد مُدّعِي النّبوّة: * عن ابن عمر ﵁ "أن عُمَرَ انطَلَق مع النبي ﷺ في رَهْطٍ قِبَلَ ابنِ صيَّاد، حتى وجدوه يلعبُ مع الصبِّيان عند أُطُم بني مَغالة، وقد قارب ابنُ صيادٍ الحُلُمَ، فلم يَشعُرْ به حتى ضَرَب النبيُّ ﷺ بيده، ثم قال لابن صيَّاد: "تَشْهَد أني رسولُ الله؟ " فنظر إليه ابنُ صياد فقال: أشهدُ أنك رسولُ الأميِّين (٣). فقال ابنُ صيَّاد للنبي ﷺ : أتشهدُ أني رسول الله؟ فرَفَضَه،

стр. 357

وقال: "آمنتُ بالله وبرُسُله" (١). "فقال له: "ماذا ترى؟ " قال ابن صياد: يأتيني صادقٌ وكاذب (٢)، فقالَ له النبي ﷺ : "خُلِّط عليك الأمر" (٣)، ثم قال له النبي ﷺ : "إني قد خبَّأتُ لك خَبيئًا" (٤). فقال ابنُ صيَّاد: هو "الدُّخ"؟

стр. 358

فقال: "اخسأ، فلن تعدوَ قَدْرَك" (١). فقال عمر ﵁: دَعْني يا رسول الله أضربُ عُنقَه. فقال النبي ﷺ : "إِن يَكُنْه فلن تُسَلَّط عليه (٢)، وإن لم يَكُنْه فلا خيرَ لك في قَتْله" (٣). • وعن أبي سعيدٍ ﵁ قال: لَقِيه رسولُ الله ﷺ وأبو بكر وعمرُ في بعض طرقِ المدينة، فقال له رسولُ الله ﷺ : "أتشهدُ أنى رسولُ الله؟ ". فقال هو: أتشهدُ أني رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "آمنتُ بالله وملائكتِه وكُتبه، ما ترى؟ " قال: أرى عَرشًا على الماء، فقال رسول الله ﷺ : "ترى عرشَ إبليس على البحر. وما ترى؟ " قال: أرى صادِقِينَ وكاذبًا -أو: كاذِبِين وصادقًا- .. فقال رسول الله ﷺ : "لُبِّس عليه. دعوه" (٤).

стр. 359

وعن أبي سعيد الخُدريِّ ﵁ قال: "قال لي ابنُ صائد -وأخذَتْني منه ذمامةٌ (١) -: هذا عَذَرْتُ الناسَ .. ما لي وما لكم يا أصحابَ محمد؟! ألم يقُل نبيُّ الله ﷺ : "إنه يهوديٌّ"، وقد أسلمتُ؟ قال: "ولا يولَدُ له"، وقد وُلدِ لي؟ وقال: "إنَّ الله قد حَرَّم عليه مكةَ"، وقد حججتُ؟!. قال: فما زال حتى كاد أن يأخذَ فيَّ قولُه. قال: فقال له: أمَا واللهِ إني لأعلم الآن حيث هو، وأعرفُ أباه وأُمَّه، قال: وقيل له: أيَسُرُّك أنك ذاك الرَّجُل؟ فقال: لو عُرض عليَّ ما كَرِهتُ" (٢). ° فابنُ صياد لا يكره أن يكونَ هو الدجَّال، ويزعم أنه يَعرفُ مولدَ الدجَّال ومكانه: فعن أبي سعيد الخدري قال: "صحبتُ ابنَ صائد إلى مكة، فقال: أمَا قد لقيتُ من الناس! يزعمون أنِّي الدجَّال، ألستَ سمعتَ رسول الله ﷺ يقول: "إنه لا يُولَدُ له"؟ قلت: بلى، قال: فقد وُلِد لي، أو ليس قد سمعتَ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا يدخلُ المدينةَ ولا مكة"؟ قلت: بلى. فقال: فقد وُلِدت بالمدينة، وها أنذا أريد مكة. قال: ثم قال لي في آخِرِ قولِه: أمَا واللهِ إني لأعلمُ مولدَه ومكانَه وأين هو؟ قال: فلبَّسني (٣) " (٤). ° وكان عمرُ بنُ الخطاب وابنُه وأبو ذرٍّ وابنُ مسعود يقولون: "إنَّ ابن صيَّاد المسيحُ الدجال". ° فعن محمدِ بنِ المنكدر قال: "رأيتُ جابرَ بنَ عبد الله يحلفُ باللهِ: إن ابنَ صياد الدجُّال. قلت: تحلف بالله؟ قال: إني سمعتُ عمرَ يحلفُ

стр. 360

على ذلك عند النبي ﷺ ، فلم يُنكِرْه النبيُّ ﷺ " (١). ° وعن زيدِ بنِ وهبٍ، قال: قال أبو ذرٍّ: "لأَنْ أحلفَ عشْرَ مِرارٍ أن ابنَ صائدٍ هو الدَّجال أَحَبُّ إليَّ مِن أن أحلفَ مرةً واحدةً أنه ليس به" (٢). ° وعن نافع قال: كان ابنُ عمر ﵁ يقول: "واللهِ، ما أشكُّ أن المسيحَ الدَّجال ابنُ صياد" (٣). ° وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لأَنْ أحلفَ باللهِ تِسعًا أنَّ ابن صيَّادٍ هو الدجال أحبُّ إلي من أحلفَ واحدةً، ولأن أحلفَ تسعةً أنَّ رسول الله ﷺ قُتِل قتلاً أحبُّ إلي مِن أحلفَ واحدة، وذلك بأن الله اتَّخذه نبيًّا وجعله شهيدًا" (٤). * قال الخَطَّابيُّ في "معالم السنن": "وقد اختلف الناسُ في ابن صيَّاد اختلافًا شديدًا، وأُشكل أمرُه حتى قيل فيه كلُّ قول، وقد يُسأل عن هذا فيُقال: كيفُ يُقِر النبي ﷺ رَجُلاً يدَّعي النبوَّة كاذبًا، ويتركُه بالمدينة يساكنُه في دارِه، ويجاورُه فيها؟ وما معنى ذلك؟! ". * ثم قال: "والذي عندي أن هذه القصةَ إنما جَرَت معه أيامَ مهادنةِ

стр. 361

رسولِ الله ﷺ اليهودَ وحلفاءَهم، وذلك أنه بعدَ مَقدَمِهِ المدينةَ كتب بينه وبين اليهود كتابًا صالَحهم فيه على أنْ لا يُهاجُوا وأن يترَكوا على أمرهم، وكان ابنُ صيَّاد منهم أو دخيلاً في جُملتهم، وكان يَبلغُ رسولَ الله ﷺ خبرُه وما يَدَّعيه مِن الكِهانة ويتعاطاه من الغَيب، فامتحنه ﷺ بذلك ليزوِّرَ به أمرَه، ويَخبُرَ به شأنَه، فلما كلَّمه عَلِم أنه مُبْطِلٌ، وأنه من جُملة السَّحَرة أو الكهنة، أو ممن يأتيه رِئْيٌ من الجنِّ، أو يتعاهدُه شيطان، فيُلقِي على لسانه بعضَ ما يتكلَّمُ به" (١). ° وقال النوويّ: "باب ذكر ابن صيَّاد: يُقال له: "ابن صيَّاد"، و"ابن صائد"، واسمه "صافٍ" .. قال العلماء: وقصَّتُه مُشكِلة، وأمرُه مُشتبه في أنه هلَ هو المسيحُ الدجَّالُ المشهور أم غيره؟ ولا شك في أنه دجَّالٌ من الدجاجلة. قال العلماء: وظاهرُ الأحاديث أن النبي ﷺ لم يُوحَ إليه بأنه المسيحُ الدجَّال ولا غيره، وإنما أُوحِيَ إليه بصفاتِ الدجَّال، وكان في ابنِ صياد قرائنُ مُحتمِلة؛ فلذلك كان النبي ﷺ لا يقطعُ بأنه الدجَّال ولا غيرُه، ولهذا قال لعمرَ ﵁: "إن يكن هو فلن تستطيعَ قتلَه"، وأمَّا احتجاجُه هوَ -أي: ابن صياد بأنه مسلم والدجَّالُ كافرُ، وبأنه لا يُولَدُ للدجَّال، وقد وُلِد له هو، وألاَّ يدخل مكة والمدينة وأن ابنَ صيادٍ دَخَل المدينة وهو متوجِّهٌ إلى مكة، فلا دلالة له فيه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ إنما أخبر عن صفاتِه وقت فتنتِه وخروجه في الأرض.

стр. 362

ومِن اشتباه قَصَّته وكونه أحدَ الدجاجلة الكذَّابين: قوله للنبي ﷺ : "أتشهدُ أني رسولُ الله؟ " ودعواه: أنه يأتيه صادقٌ وكاذب، وأنه يرى عرشًا فوق الماء .. ". ° ثم نقل كلامًا للبيهقي قاله في كتاب "البعث والنشور" قال: "وليس في حديث جابر أكثرُ من سكوتِ النبي ﷺ لقول عمر، فيحتمل أنه ﷺ -كان كالمتوقِّف في أمرِه، ثم جاءه البيانُ أنه غيرُه كما صرَّح به في حديثِ تميم" اهـ. فإن قيل: كيف لم يَقتُلْه النبي ﷺ مع أنَّه ادَّعى بحضرته النبوة؟!. فالجواب من وجهين -ذكرهما البيهقيُّ وغيره من العلماء-: أحدهما: أنه كان غيرَ بالغ .. واختار القاضي عياضٌ هذا الجواب. والثاني: أنه كان في أيام مهادنةِ اليهود وحلفائهم .. وجزم الخطابي في "معالم السنن" بهذا الجواب الثاني. * مسيلمة الكذاب دجَّال اليمامة -لعنه الله، وقد فعل -: هو عدوُّ اللهِ مُسيلِمة بنُ ثُمامة بنِ كبير بن حبيب الحَنَفي الوائلي. • قال عبيدُ الله بن عبد الله: "سألتُ عبدَ الله بنَ عباس ﵁ عن رؤيا رسول الله ﷺ التي ذَكَر؟ فقال ابنُ عباس: ذُكِرَ لي أن رسولَ الله ﷺ قال: "يينا أنا نائمٌ، رأيتُ أَنَّه وُضِع في يَدَيَّ سِوارانِ من ذهبٍ، فقطعتُهما وكرِهتُهما، فأُذن لي، فنفختُهما فطارَا، فأوَّلتْهما كَذَّابانِ يخرجان" (١). فقال عُبيد الله: أحدهما: "العَنْسِيُّ" الذي قتله فيروزٌ في اليمن، والآخر: "مُسيلِمة".

стр. 363

° قال الحافظ في "الفتح" (١): "قوله: "فنفختُهما فطارا": في ذلك إشارةٌ إلى حقارة أمرهما؛ لأن شأن الذي يُنفَخُ فيذهبُ بالنفخ أن يكون في غايةِ الحقارة، ورَدَّه ابنُ العربي بأن أمرهما كان في غايةِ الشدَّة ولم ينزل بالمسلمين قبلَه مِثلُه. قلت: وهو كذلك، لكن الإِشارةَ إنما هو للحقارة المعنوية لا الحسيَّة، وفي طَيَرانِهما إشارةٌ إلى اضمحلالِ أمرهما -كما تقدم-. وقوله: "فأوَّلتُهما الكذَّابَيْنِ": قال القاضي عياض: لما كان رؤيا السِّوَارين في اليديْن جميعًا من الجهتيْن، وكان النبيُّ ﷺ حينئذ بينهما، فتأوَّل السواريْنِ عليهما لِوَضْعِهما في غير موضِعِهما؛ لأنه ليس من حِليْة الرجال، وكذلك الكذَّابُ يضعُ الخبرَ في غيرِ موضعه، وفي كونهما مِن ذهبٍ إشعارٌ بذهابِ أمرِهما". • وعن ابن عباس ﵁، قال: "قَدِم مسيلِمةُ الكذَّابُ على عهد رسول الله ﷺ ، فجعل يقول: إِنْ جَعَل لي محمدٌ الأمرَ من بعده تَبِعْتُه، وقَدِمَها في بَشَرٍ كثير مِنْ قومه، فأقبل إليه رسولُ الله ﷺ ومعه ثابتُ بن قيسِ بنِ شمَّاس، وفي يد رسول الله ﷺ قطعةٌ من جَريد، حتى وقف على مسيلِمة في أصحابه، فقال: "لو سألتَني هذه القطعةَ ما أعطيتُكها، ولن تَعْدُوَ أمرَ الله فيك، ولئن أدبرتَ ليَعقِرَنَّك الله، وِإني لأراك الذي أُريتُ فيه ما رأيتُ، وهذا ثابتٌ يجيبك عني"، ثم انصرف عنه" (٢).

стр. 364

• وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا نائمٌ، إذْ أُتيتُ خزائنَ الأرض، فوُضِع في يدي سِوارانِ من ذهب، فكَبُرا عليَّ وأهمَّاني، فأُوحي إليّ: أنِ انْفُخْهما، فنَفختُهما فطارا، فأوَّلتُهُما الكذَّابَيْن اللَّذيْنِ أنا بينهما: صاحبُ صنعاء، وصاحبُ اليمامة" (١). ° قال الحافظ في "الفتح" (٢): "قوله: "اللذيْن أنا بينهما" ظاهرٌ في أنهما كانا حين قصَّ الرؤيا موجودَيْن، وهو كذلك، لكن وقع في روايةِ ابن عباس: "يخرجانِ بعدي". والجمعُ بينهما: أنَّ المرادَ بخروجهما بعده: ظهورُ شوكتِهما ومحاربتُهما ودعواهما النُّبوَّة .. نقله النووي عن العلماء، وفيه نظر؛ لأن ذلك كلَّه ظَهَر للأسود بصنعاءَ في حياته ﷺ ، فادَّعى النُّبُوَّة، وعَظُمت شوكتُه، وحارب المسلمين وفَتَك بهم، وغَلَب على البلد، وآلَ أمرُه إلى أنْ قُتِل في حياة النبي ﷺ ، وأمَّا مُسيلِمة فكان ادَّعى النبوَّة في حياةِ النبي ﷺ ، لكنْ لم تَعظُمْ شوكتُه، ولم تقعْ محاربتُه إلاَّ في عهد أبي بكر، فإمَّا أن يُحمَل ذلك على التغليب، وإمَّا أن يكونَ المرادُ بقوله: "بعدي"، أي: بعد نُبُوَّتي". • وعن وهبِ بن منبِّهٍ، عن جابر بن عبد الله قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "إنَّ بيْن يَدَيِ الساعةِ كذابِينَ، منهم صاحبُ اليمامة، ومنهم صاحبُ صنعاء العَنسيُّ، ومنهم صَاحِبُ حِمْيَر، ومْنهم الدجَّال وهو أعظمُهم فتنة" (٣).

стр. 365

قال: وقال أصحابي: "همُ قريبٌ من ثلاثين كذَّابًا". مسيلمة الكذَّاب، "كَذَّابُ اليمامة"، وكان يُدعى "رحمان اليمامة"، ادَّعى النبوةَ في عهدِ رسول الله ﷺ ، قَصَدَتْه سَجَاح -لَمَّا ادَّعَتِ النبوة- بجنودها، لأخذِ اليمامة منه، فهابه قومُها، وقالوا: إنه قد استَفْحَل أمرُه وعَظُم، فقالت لهم فيما تقوله: "عليكم باليمامة، دُفُّوا دفيفَ الحمامة، فإنها غزوةٌ صَرَّامة، لا تَلحقُكم بعدها ملامة". قال: فعَمَدوا لحربِ مسيلمة، فلما سمع بمسيرها إليه، خافَها على بلاده، فبعث إليها يستأمنُها، ويضمنُ لها أن يُعطيَها نصفَ الأرض الذي كان لقريشٍ لو عَدَلت، "فقد رَدَّه اللهُ عليكِ فحباكِ به" .. وراسلها، ليجتمعَ بها في طائفةٍ من قومه، فركب إليها في أربعينَ من قومه، فلما خلا بها عَرَض عليها ما عَرض من نصف الأرض، وقَبِلت ذلك، قال مسيلمة: "سَمع اللهُ لمن سمع، وأطعمه بالخير إذا طمع، ولا يزالُ أمرُه في كلّ ما يَسُرُّ مجتمع، رآكم ربُّكُم فحيَّاكم، ومِن وحشته أخلاكم، ويومَ دينهِ أنجاكم فأحياكم" .. إلى آخِرِ الهراء، وإلى آخِرِ ما فعل اللعين، مما يَعِفُّ القلمُ عن ذِكره. فلما رجعت سَجاحُ إلى قومها قالوا: "ما أَصْدَقَكِ؟ فقالت: لم يُصدِقْني شيئًا، فقالوا: إنه قبيح على مِثلِكِ أن تتزوجَ بغيرِ صَداق"، فبعثت إليه تسأله صداقًا، فقال: "أرسلي إليَّ مؤذنَكِ"، فبعثته إليه -وهو شَبَثُ بن رِبعي- فقال: "نادِ في قومك أن مسيلمة بنَ حبيب رسول الله: قد وضع عنكم صلاتيْن، مما أتاكم له محمد -يعني صلاة الفجر وصلاةَ العشاء الآخرة" (١) -"،

стр. 366

ثم أسلمت بعد ذلك سجاحُ. هذا الكذَّابُ الذي كَذَب على الله ورسوله، فشانَه اللهُ وفَضَحه بكَذِبه، فما يُسمَّى إلاَّ مسيلِمة "الكذَّاب"، وكفى به جزاءً في الدنيا، فكيف بالقتل وقد قَتَله وحشيٌّ العبد؟ فكيف بيوم القيامة، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠]، ويقول تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]. وكان مؤذِّنَه "عبدُ الله بن النوَّاحة"، والذي يقيم الصلاة له "حُجر بن عمير"، وكان يقول أثناءَ الإِقامة: "أشهد أن مسيلمةَ يزعم أنه رسول الله"، فقال مسيلمة: "أفْصح حُجَيْر، فما في المجمجة خير" (١). وجاء في قرآنِ مسيلِمة الكذابِ مما يثير الضحكَ والعجبَ العُجاب: * قال الحافظُ ابن كثير: "لَمَّا قَدِمت وفودُ بني حنيفة على الصِّدِّيق (٢) قال لهم: أَسْمِعونا شيئًا من قرآنِ مُسيلِمة. فقالوا: أَوَ تُعفينا يا خليفةَ رسولِ الله؟ فقال: لابُدَّ من ذلك. فقالوا: كان يقول: يا ضِفْدع بنتَ الضِّفْدَعين، نِقِّي كمْ تَنقِّين، لا الماءَ تُكدِّرينْ، ولا الشاربَ تَمْنَعِين، رأسُك في الماء، وذَنبُك في الطِّين". وكان يقول: "والمُبَذرَات زَرْعاً، والحاصِداتِ حصداً، والذَّارياتِ قمحاً، والطاحِناتِ طَحْناً، والخابزات خُبْزاً، والثارِداتِ ثَرْداً، واللاقماتِ

стр. 367

لقْماً، إهالةً وسَمْنًا، لقد فُضِّلتُم على أهل الوَبَر، وما سَبَقكم أهلُ المَدَر، رفيقَكم فامنعوه، والمُعْتَرَّ فآوُوه، والناعي (١) فواسوه". واللهِ، إنها لَخرافاتٌ يأنفُ من قولها الصبيان، وهم يلعبون. ° قال الصِّدِّيق لوفد بني حنيفة: "ويحكم، أين كان يذهبُ بعقولكم؟ إن هذا لم يخرج من إلٍّ" (٢). ° وكان الكذَّابُ يقول: "والفيلِ، وما أدراك ما الفيل، له زَلُّومٌ طويل". ° وكان يقول: "والليلُ الدامس، والذئبِ الهامس، ما قَطَعَت أسَدٌ من رَطْبٍ ولا يابس". ° وكان يقول: "لقد أنعم اللهُ على الحُبْلى، أخرج منها نَسَمةً تَسْعى، من بين صِفاقٍ وحَشَا". وأشياء من هذا الكلام السَّخيف الرَّكيك البارد السَّمج .. وقد أورد أبو بكر بنُ الباقِلاَّني ﵀ في كتابه "إعجاز القرآن" (٣) أشياءَ من كلام هؤلاء الجَهَلة المُتنبِّئين كمسيلمة، وطُلَيْحة، والأسودِ، وسَجاح، وغيرهم، مما يدلُّ على ضعْف عقولهم وعقولِ من اتّبعهم على ضلالهم ومِحالهم، وقد رُوِّينا عن عمرِو بن العاص أنه وَفَد إلى مسيلمة في أيام جاهليته. فقال له مُسيلِمة: "ماذا أُنزل على صاحبكم في هذا الحين؟ فقال له عمرو: لقد

стр. 368

أُنزل عليه سورةٌ وجيزةٌ بليغة، فقال: وما هي؟ قال: أنزل عليه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ .... ﴾ [العصر:١ - ٢]، قال: ففكر مسيلِمة ساعة، ثم رفع رأسه، فقال: ولقد أُنزل على مثلُها، فقال له عمرو: وما هي؟ فقال مسيلمة: "يا وَبَر يا وبر، إنما أنت إيرادٌ وصَدَر، وسائرُك حُفَرٌ نُقَر". ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: واللهِ، إنك لَتعلمُ أني أعلمُ أنك تكذب". وذكر علماء التاريخ أنه كان يتشبَّه بالنبي ﷺ ، فبَلَغه أن رسولَ الله ﷺ بصَق في بئرٍ فغَزَر ماؤه، فبَصَق في بئر، فغاض ماؤه بالكلية، وفي أخرى فصار ماؤه مِلْحًا أُجاجًا. وتوضَّأ وسقى بوضوئه نخلاً، فَيبُست وهَلَكت. وأُتي بوِلْدانٍ يُبرِّكُ عليهم، فجعل يمسحُ رؤوسهم، فمنهم من قَرعَ رأسه، ومنهم من لُثغ لسانه!!. * جَزاءُ هذا الكذَّاب اللعين: فُضوح الدنيا قبل الآخرة، وتكذيبُ الناس له، ويقال: إنه دعا لرجلٍ أصابه وجع في عينيه فمَسَحها فعمي. ° وعن عُمير بنِ طلحةَ، عن أبيه أنه جاء إلى اليمامة، فقال: "أين مسيلمة؟ فقال: مه رسول الله، فقال: لا، حتى أراه، فلما جاء قال: أنت مسيلِمة؟ قال: نعم. قال: مَن يأتيك؟ قال: رِجس، قال: أفي نورٍ أم في ظُلمة؟ فقال: في ظُلمة، فقال: أشهد أنك كذَّاب وأن محمدًا صادق، ولكنَّ كذابَ ربيعةَ أحبُّ إلينا من صادقِ مُضَر".

стр. 369

واتبعه هذا الأعرابيُّ الجِلْفُ -لعنه الله- حتى قُتل معه "يوم عقربا" -لا ﵀ (١). ذهب الكذَّابان، وذهب أمرُهُما .. أما الأسود، فذُبح في داره .. وأمَّا مسيلمة، فعَقَره الله على يدِ وَحْشيِّ بنِ حرب، رماه بالحَربةِ، فأنفَذَه كما تعقَرُ الإبل، وضَرَبه أبو دجانة على رأسه ففَلَقه -وذلك بعُقرِ داره في "حديقة الموت"-، وقد قُتل قبلَه وزيراه: "مُحكَّمُ بن الطُّفيل" و"الرَّجَّالُ بنُ عُنْفُوَة". • رَوى البخاريُّ أنَّ مسيلَمةَ كَتب إلَى رسول الله ﷺ : "بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم .. من مسيلمة رسولِ الله، إلى محمدٍ رسولِ الله، سلامٌ عليك، أمَّ بعد، فإنِّي قد أُشرِكتُ معك في الأمر، فلك المَدَرُ، ولِي الوَبَر (٢) .. ولكنَّ قريشًا قومٌ يَعتدون". • فكتب إليه رسول الله ﷺ : "بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم، من محمدٍ رسول الله ﷺ إلى مسيلِمة الكذاب، سلامٌ على مَنِ اتَّبع الهدى. أما بعد: فإن الأرض لله، يُورِثُها مَن يشاءُ من عباده، والعاقبة للمتقين". ولَمَّا مات رسول الله ﷺ زعَم أنه استَقَلَّ بالأمر من بعده، واستخفَّ قومَه فأطاعوه، وكان يقول: خُذِى الدُّفَّ يَا هذه والعَبي ....... وَبُثِّي مَحَاسنَ هذَا النَّبي تَوَلَّى نَبِيُّ بَنِي هَاشِمٍ ....... وَقَامَ نَبِيُّ بَنِي يَعرب فلم يُمهِلْه الله بعد وفاةِ رسول الله ﷺ ، حتى سَلَّط اللهُ عليه سَيفًا من

стр. 370

سيوفه، وحَتْفًا من حُتوفه، فعَجَّ بطنَه، وفَلَق رأسَه، وعَجَّل الله بُروحه إلى النار، فبئس القرار. * قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام:٩٣]، َ فمسيلِمة والأسود وأمَثالُهما -لعنها الله- أحقُّ الناس دخولاً في هذه الآية الكريمة، وأولاهم بهذه العقوبة العظيمة (١) اهـ. ° أنزل اللهُ عظيمَ عذابه في الدنيا على كذَّابِ اليمامة في معركةِ اليمامة، ولَعذابُ الآخرة أشدُّ وأنكى وأخْزَى. وكانت وقعةُ اليمامة في سَنةِ إحْدَى عشرةَ كما قال خليفةُ بنُ خَيَّاط ومحمدُ بن جرير وخَلْقٌ من السَّلف (٢). ° وقال ابنُ قانع (٣): "في آخِرِها". ° وقال الواقدي (٤) وآخرون: "كانت في سَنة ثِنْتَي عَشْرة". والجمع بينهما أن ابتداءَها في سنة إحدى عشْرَةَ، والفراغَ منها في سنةِ ثنْتيْ عشرة. رماه وَحشيّ بحَرْبته، وعلاه أبو دُجانة -سِماكُ بنُ خَرَشة الساعديُّ الخَزْرَجيُ الأنصاريُّ البَدْرِيُّ- بالسَّيف، قال وَحشىٌّ: فربُّك أعلم أَيُّنا قَتَله!.

стр. 371

* الأسودُ العَنْسِيُّ كذابُ اليمن -لعنه الله -: الأسودُ العَنسيُّ، واسمه "عَبْهَلة بنُ كعب"، وهو من بني عَنْس، وعَنسٌ بطنٌ من مِذْحَج، وكان يقال له: "ذو الخِمار" لأنه كان يُخَمِّر وجهَه أبدًا، وكان معه شيطانانِ يُقال لأحدهما "سُحَيق" والآخر "شُقيق"، وكانا يُخبرانه بكلِّ شيءٍ يحدثُ من أمور الناس (١). وكان النبي ﷺ قد جَمَع لباذانَ -حين أسلم وأسلم أهلُ اليمن- عَمَلَ اليمنِ جميعَه، وأمَّرَه على جميعِ مَخاليفه، فلم يزل عاملاً عليه حتى مات، فلما مات جَعل على اليمن شهر بنَ باذان. وكان الأسودُ العنسيُّ لما عاد رسولُ الله ﷺ من حَجَّةِ الوداع وتمرَّض من السفر غيرَ مرضِ موته، بَلَغه ذلك فادَّعى النبوة، وكان مُشعبِذًا يُريهم الأعاجيب، فاتبعته مَذحج، وكانت رِدَّةُ الأسود أولَ رِدةٍ في الإسلام على عهد رسول الله ﷺ ، وغزا نَجرانَ، فأخرج عنها عمرَو بن حزم، وخالدَ بن سعيد، ووثب قيسُ بنُ عبدِ يغوثَ بنِ مشكوح على فَروةَ بنِ مُسيك وهو على "مراد"، فأجلاه ونزل منزله، وسار الأسودُ عن نجرانَ إلى صنعاء، وخرج إليه شهرُ بنُ باذان (٢)، فلقيَه، فقُتِل شَهرٌ لخمس وعشرين ليلةً من

стр. 372

خروجِ الأسود، وخرج معاذ حتى لَحِقَ بأبي موسى وهو بمأربَ، فلَحقا بحَضْرموتِ. ولَحِقَ بفَروةَ مَن تمَّ على إسلامه من مَذحج، واستتبَّ للأسود مُلْكُ اليمن، ولَحِق أمراءُ اليمن بالطاهر بن أبي هالةَ، إلاَّ عمرًا وخالدًا، فإنهما رَجَعا إلى المدينة والطاهرُ يومئذٍ بجبال عَكٍّ وجبالِ صنعاء، وغَلَب الأسودُ على ما بين مفازةِ حَضْرَمَوْتَ إلى الطائف إلى البحرين والإِحساءِ إلى عَدَن، واستطار أمرُه كالحريق، وكان معه سَبعُمِئة فارس يومَ لَقِي شهرًا سوى الركبان، واستَغْلَظَ أمرُه، وكان خليفتُه في مذحج عمرُو بن مَعدِيكرب، وكان خليفتُه على جُنده قيسَ بنَ عبدِ يغوث، وأمرُ الأبناء إلى فيروز وداذويه، وكان الأسودُ تزوج امرأةَ شهرِ بنِ باذان بعد قَتْلِه، وهي ابنةُ عمِّ فيروز، وخاف مَن بحَضْرَمَوْتَ من المسلمين أن يبعثَ إليهم جيشًا أو يَظهرَ بها كذَّابٌ مثل الأسود، فتزوَّج معاذٌ إلى السَكُون فعطفوا عليه. وجاء إليهم وإلى مَن باليمن من المسلمين كتابُ النبي ﷺ يأمرُهم بقتالِ الأسود، فقام معاذٌ في ذلك، وقَوِيت نفوسُ المسلمين، وكان الذي قدم بكتاب النبي ﷺ وبْرُ بنُ يُحَنَّسَ الأزديُّ، قال جشنس الدَّيلميُّ: فجاءتنا كُتُب النبي ﷺ يأمرنا بقتاله، إما مصادمةً، أو غِيلةً؛ يعني إليه وإلى فيروز (١) وداذويه، وأن نُكاتِبَ من عنده دين، فعملنا في ذلك، فرأينا أمراً

стр. 373

كثيفاً، وكان قد تغيَّر لقيس بنِ عبدِ يغوث، فقلنا: إن قيساً يخافُ على دمِه فهو لأولِ دعوةٍ فدعوناه، وأبلغناه عن النبي ﷺ ، فكأنما نزلنا عليه من السماء، فأجابنا وكاتَبْنا الناسَ، فأخبره الشيطانُ شيئاً من ذلك، فدعا قيساً أن شيطانَه يأمُره بقَتله لميله إلى عدوِّه، فحَلف له قيسٌ: لأنْت أعظمُ في نفسي من أن أُحدِّث نفسي بذلك. ثم أتانا فقال: يا جشنسُ، ويا فيروزُ، ويا داذويه، فأخبَرَنا بقول الأسود، فبينا نحن معه يحدثنا إذ أرسل إليه الأسود فتهدَّدَنا، فاعتذَرْنا إليه ونجونا منه ولم نَكَدْ، وهو مرتابٌ بنا ونحن نَحذَرُه، فبينا نحن على ذلك إذ جاءتنا كتبُ عامرِ بنِ شهر، وذي زود، وذي مران، وذي الكَلاع، وذي ظلم يبذلون لنا النصر، فكاتبناهم وأمرناهم أن لا يَفعلوا شيئاً حتى نُبرمَ أمرَنا، وإنما اهتاجوا لذلك حين كاتَبَهم النبيُّ ﷺ ، وكتب أيضاً إلى أهل نجرانَ فأجابوه، وبلغ ذلك الأسودَ وأحسَّ بالهلاك، قال: فدخلت على آزاد- وهي امرأتُه التي تزوَّجها بعد قتل زوجها شهرِ بن باذان-، فدعوتُها إلى ما نحن عليه، وذكَّرتها قتلَ زوجِها شهر وهلاكَ عشيرتِها وفضيحةَ النساء، فأجابت وقالت: واللهِ ما خَلَق اللهُ شخصاً أبغضَ إليَّ منه، ما يقومُ لله على حقٍّ، ولا ينتهي عن مُحَرَّم، فأعلِموني أمرَكم أُخبِرْكم بوجهِ الأمر. قال. فخرجتُ وأخبرتُ فيروز وداذويه، وقيْساً. قال: وإذْ قد جاء رجلٌ فدعا قيساً إلى الأسود، فدخل في عَشَرةٍ من مَذْحج وهَمدان، فلم

стр. 374

يَقْدِرْ على قتلِه معهم، وقال له: ألم أُخبِرْك الحقَّ وتخبِرْني الكَذِبَ؟ إنه -يعني شيطانه- يقول لي: إن لا تَقطعْ من قيسٍ يَدَه يقطعْ رقبتك. فقال قيس: إنه ليس من الحق أنْ أَهْلِكَ وأنت رسولُ الله، فمُرْني بما أحببتَ أو اقتلْني، فموتةٌ أهون من مَوتات .. فرقَّ له وتركه، وخرج قيسٌ فمرَّ بنا وقال: اعمَلوا عَمَلكم. ولم يقعدْ عندنا، فخرج علينا الأسودُ في جَمعٍ، فقمنا له وبالباب مئةٌ ما بين بَقرةٍ وبَعير، فنحرها، ثم خلاَّها، ثم قال: أحقٌّ ما بلغني عنك يا فيروز -وبوَّأ له الحَربة- لقد هممتُ أن أنْحَرَك. فقال: لقد اختَرْتَنا لصِهْرِك، وفَضَّلْتَنا على الأبناء، فلو لم تكن نبيّاً لَمَا بِعْنا نَصيبَنا منك بشيء، فكيف وقد اجتمع لنا بك أمرُ الدنيا والآخرة؟!. فقال له: اقسِمْ هذه .. فقَسَمها ولَحِقَ به، وهو يسمعُ سِعايةَ رجُلٍ بفيروز وهو يقول له: أنا قاتلُه غداً وأصحابه. ثم التفت، فإذا فيروز، فأخبره بقَسْمتها، ودخل الأسودُ، ورجع فيروز، فأخبَرَنا الخبر، فأرسلنا إلى قيسٍ، فجاءنا، فاجتَمَعْنا على أن أعودَ إلى المرأة فأُخبِرَها بعزيمتنا، ونأخذُ رأيها، فأتيتُها فأخبرتُها فقالت: هو متحرِّز، وليس من القصر شيءٌ إلا والحرسُ محيطون به، غير هذا البيت، فإنَّ ظَهْرَه إلى مكانِ كذا وكذا، فإذا أمسيتم فانقبوا عليه، فإنكم من دونِ الحرسِ وليس دون قتلِه شيء، وستجدون فيه سِراجاً وسلاحاً. فتلقاني الأسودُ خارجاً من بعضِ منازله فقال: ما أدخلَك علىَّ؟ ووجأ رأسي حتي سقطت، وكان شديداً، فصاحت المرأةُ فأدهَشَتْه عني، ولولا ذلك لقتلني، وقالت: جاءني ابنُ عمي زائراً ففعلتَ به هذا!! فتركني، فأتيتُ أصحابي فقلتُ: النجاءَ، الهربَ، وأخبرتُهم الخبر، فإنَّا على ذلك

стр. 375

حيارى إذ جاءنا رسولها يقول: لا تَدَعَن ما فارقتُك عليه، فلم أزل به حتى اطمأن. فقلنا لفيروز: ائتها فتثبَّت منها. ففعل، فلما أخبرته قال: نَنْقَبُ على بيوتٍ مبطنة، فدخل، فاقتَلَع البِطانة، وجلس عندها كالزائر، فدخل عليها الأسودُ، فأخذته غيرةٌ، فأخبرته برَضاعٍ وقرابةٍ منها محرم، فأخرجه، فلما أمسينا عَمِلنا في أمرِنا، وأعمَلْنا أشياعَنا، وعَجِلنا عن مراسلة الهمدانيين والحِمْيريين، فنَقَّبْنا البيتَ من خارج، ودخلنا وفيه سراجٌ تحت جَفنة، واتَّقينا بفيروزَ وكان أشدَّنا فقلنا: انظر ماذا ترى؟ فخرج ونحن بينه وبين الحرسِ معه في مقصورة، فلما دنا من بابِ البيت سَمع غطيطاً شديداً والمرأةُ قاعدة؛ فلما قام على بابٍ أجلسه الشيطانُ وتكلَّم على لسانه وقال: ما لي وما لك يا فيروز؟ فخَشِي إنْ رجع أن يَهْلِكَ وتَهلِكَ المرأة، فعاجَلَه وخالَطه وهو مِثل الجَمَل، فأخذ برأسِه فقَتَله ودَقَّ عنقه، ووضع رُكبتَه في ظهرِه فدقَّه، ثم قام ليخرجَ، فأخذت المرأةُ بثوبه وهي ترى أنه لم يقتلْه، فقال: قد قتلتُه وأرحتُكِ منه .. وخرج فأخبرنا، فدخلنا معه فخار كما يخورُ الثور، فقَطعتُ رأسَه بالشفرة، وابتدر الحرسُ المقصورةَ يقولون: ما هذا؟ فقالت المرأة: النبيُّ يوحَى إليه .. فخَمَدوا، وقَعَدْنا نأتمرُ بيننا -فيروز وداذويه وقيس-: كيف نخبِرُ أشياعَنا؟ فاجتمعنا على النداء، فلما طَلَع الفجرُ نادَيْنا بشعارِنا الذي بيننا وبين أصحابنا، ففَزع المسلمون والكافرون، ثم نادَينا بالأذان فقلت: أشهدُ أن محمداً رسول الله، وأن عَبهلةَ كذَّاب .. وألقينا إليهم رأسَه، وكتبنا إلى رسول الله ﷺ بخبره وذلك في حياته، وأتاه الخبرُ من ليلته، وقَدِمت رسلُنا وقد تُوفِّي رسول الله ﷺ ، فأجابنا أبو بكر. قال ابنُ عمر: أتى الخبرُ من السماء إلى النبي ﷺ في ليلته التي قُتِل

стр. 376

فيها فقال: "قُتل العنسيُّ، قتله رجلٌ مبارَكٌ من أهلَ بيت مباركِين"، قيل: وَمَن قتله؟ قال: "فيروز" (١). ° فلله درُّ فيروز الدَّيلمي ﵁ من صحابيٍّ مبارَكٍ ودرُّ ابنةِ عمِّه آزاد التقية التي كان لها فضل كبير في تمكين فيروز من قتل الأسود العنسي .. وشَكَر اللهُ لها حُسنَ صنعها. * كرامةٌ لأبي مسلمٍ الخَوْلاني، وذُلٌّ للأسود كذَّاب اليمن: قَبْلَ مقتل الأسود العنسيِّ، أذلَّه اللهُ على يد وليٍّ من أبناءِ الإِسلام وهو أبو مسلم الخَوْلاني؛ أُتي به إلى الأسود العنسيِّ، فقال له الأسود: أتشهدُ أني رسولُ الله؟ فقال أبو مسلم: ما أسمعُ شيئاً. فقال الأسود: أتشهدُ أن محمدًا رسولُ الله؟ قال أبو مسلم: بأبي هو وأمي، هو رسول الله حقّاً. فألقاه في النار، فخرج منها سالماً، فقال مَن حوله: انفِهِ من اليمن لئلاَّ يؤلِّبَ عليك العامة. فنفاه إلى المدينة، فأتى أبو مسلم المسجدَ، فقال له عمر -وكان مُحدّثًا- أنت أبو مسلم الذي خرج من النار سالماً؟ فقال له: أنا عبدُ الله بنُ ثُوَب، فقال له عمرُ: ناشَدتُك اللهَ أنت صاحبُ الكذَّاب، فقال أبو مسلم: أنا هو. فأجلَسَه عمرُ بينه وبين أبي بكر الصديق وقال: الحمد لله الذي لم يُمِتْ عمرَ حتى أراه الله من أمةِ محمد ﷺ مَن صَنَع اللهُ به صُنْعَه بخليله إبراهيم. ° ونقل الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٨/ ٩٣) عن عروة أنه قال: "أُصيب الأسود قبل وفاة النبي ﷺ بيومٍ وليلة فأتاه الوحيُ، فأخبَرَ به

стр. 377

أصحابَه، ثم جاء الخبرُ إلى أبي بكر ﵁". ° وقيل: "وصل الخبرُ بذلك صبيحةَ دَفْنِ النبي ﷺ ". * لَقِيطُ بنُ مالكٍ الأَسَديُّ .. مُدَّعي النبوَّة: بعد وفاةِ النبيِّ ﷺ نبَغَ في أهل "عُمان" رجلٌ يقال له: "ذو التاج - لَقيطُ بنُ مالكٍ الأَسَدَيُّ"، وكان يُسامِي في الجاهلية "الجَلَندي" مَلِكَ عُمان (١)، فادَّعى النبوة، وتابَعَه الجَهَلةُ مِن أهل عمان، فتَغلَّب عليها، وقَهَر "جَيْفرًا وعَبَّادَا ابني الجَلَندي" (٢)، وألجأهما إلى أطرافِها من نواحي الجبالِ والبحرِ، فبَعَث "جيفر" إلى الصِّدِّيق، فأخبَرَه الخبر -واستجاشه-، فبعث إليه الصِّدِّيقُ بأميرَينِ هما "حذيفةُ بنُ مِحصَنٍ الحِمْيَريُّ " و"عَرْفَجةُ البارقي" من الأزد -حذيفةُ إلى عُمان، وعَرْفجةُ إلى مُهْرة -، وأمَرَهما أن يَجتمعَا ويتَّفِقَا ويبتدئا بعمان، وحذيفةُ هو الأمير، فإذا سارا إلى بلادِ مُهْرة، فعَرفجةُ الأمير، وأَمَر الصديقُ "عكرمةَ بنَ أبي جهل" أن يَلحقَ بحذيفةَ وعَرفجةَ إلى عُمان، وكلٌّ منكم أمير على جيشِه، وحذيفةُ -ما دمتم بعمان- فهو أميرُ الناس، فإذا فرغتم، فاذهبوا إلى مُهْرة، فإذا فرغتم منها، فاذهبْ إلى اليمن وحَضْرَمَوْتَ، فكن مع "المهاجرِ بنِ أبي أُميَّة"، ومَن لَقِيتَهُ منَ المُرتدَّةِ بين عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ، فنَكِّلْ به. فسار عكرمةُ لمَا أَمَره الصِّديقُ، فلَحِقَ بحذيفةَ وعَرْفجةَ قبل أن يَصِلَا إلى عُمان، وقد كَتب إليهما الصِّديقُ أن ينتهيا إلى رَأيِ عكرمةَ بعد الفراغ منَ السَّيرِ من عُمان -أو المُقام بها-، فساروا، فلمَّا أقتربوا من عمانَ راسلوا

стр. 378

جَيْفراً، وبَلَغ لَقِيطَ بنَ مالكٍ مَجيءُ الجيش، فخَرَج في جُموعِه، فعَسْكَرَ بمكانٍ يُقال له "دبا" -وهي مِصر تلك البلاد وسوقها العظمى-، وجَعل الذراريَّ والأموالَ وراءَ ظهورهم -ليكونَ أقوى لحربهم-، واجتمع جيفرٌ وعبَّادٌ بمكانٍ يقال له: "صَحَار"، فعَسكرا به، وبَعَث إلى أُمراءِ الصِّديق، فقَدِموا على المسلمين، فتقابَلَ الجيشانِ هنالك، وتقاتَلوا قتالاً شديداً، وابتُلِي المؤمنون، وكادوا أن يُوَلُّوا، فمَنَّ الله بكَرمِه ولُطفِه أنْ بَعَثَ إليهم مَدداً في الساعةِ الراهنةِ من "بني ناجِية" و"عبد القَيس" في جماعةٍ من الأُمراء، فلمَّا وَصَلوا إليهم كان الفتحُ والنصر، فوَلَّى المشركون مُدبِرِين، ورَكِب المسلمون ظهورَهم، فقتلوا منهم عشرةَ آلافِ مقاتل، وسَبَوْا الذراريَّ، وأَخذوا الأموالَ والسوق بحذافيرها، وبَعَثوا بالخُمُسِ إلى الصِّديق ﵁ مع أحدِ الأمراء -وهو عَرفجةُ-، ثم رَجَع إلى أصحابه (١). * * *

стр. 379

* ادِّعاءُ طُلَيحةَ بنِ خُوليدٍ الأسَدِيِّ النُّبُوَّةَ، ثم عودتُه إِلى الإِسلام وموته شهيداً في سبيل الله، وادّعاءُ سَجَاحٍ النبَّوة، ثم إِسلامها وموتُها على الإِسلام: أخبرنا النبي ﷺ عن تنبؤ مُسيلمة الكذَّاب والأسود العنسيِّ باسمهما، وأما المختار بن أبي عُبيد الثَّقفي، فلم يُصرِّح باسمه، بل ذَكَره بصفِته وبلدته. وكذلك خرج طليحةُ وسَجَاح، وقُضِي على فتنتهما، وعدمُ ذِكرهما من رسول الله ﷺ وذِكْرُ الآخرِين فقط عَلَمٌ من أعلام نُبُوَّته، إذ إن هذيْن الشخصيْن قد أسلَمَا وحَسُن إسلامهما، بخلاف الآخرِين الذين قُتلوا على الرَّدَّة (١). * المختارُ الكَذَّاب .. المختارُ بن أبي عُبَيد الثَّقَفيُّ: هو الكَذابُ الذي أخبر عنه رسولُ الله ﷺ . • عن أسماءَ ذاتِ النطاقين ﵂ قالت للمختار: "أمَا إن رسولَ الله ﷺ حدَّثنا: "إنَّ في ثقيف كذابًا ومُبيراً" (٢)، فأما الكذَّابُ فرأيناه، وأمَّا المُبير، فلا إخالُكَ إلا إيَّاه" (٣). • وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقومُ الساعةُ

стр. 380

حتى يخرجَ ثلاثون دَجَّالاً، كلُّهم يَكذِبُ على الله وعلى رسوله" (١). ° عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ قال: "قال عَبيدةُ السَّلمانيُّ بهذا الخبر، فذَكَر نحوه، فقلتُ له: أترى هذا -يعني المختارَ- قال: فقال عَبيدةُ: أمَا إنه من الرؤوس". وقد كان في بداية أمرِه ناصبيّاً، يُبغِضُ عليًّا بغضاً شديداً، ثم ادعى التشيُّع، وتَتبَّعَ قَتَلَةَ الحُسينِ ومَن شَهد الوقعةَ بكربلاء، وطابت نفس المختار بالمُلك، وظنَّ أنه لم يَبْقَ له عدوٌّ ولا مُنازع. وكان هذا الكذَّابُ يقول بإمامةِ محمدِ بنِ الحَنَفية، وكان يدعو الناسَ إليه، ويذكر علوماً مزخرفةً بترَّهاته ينوطُها به .. ولَمَّا وقف محمدُ بنُ الحنفيَّة على ذلك تبرَّأ منه (٢). ولم يكن المختارُ في نفسه صادقاً، بل كان كاذباً، يزعمُ أن الوحيَ يأتيه على يد جبريل، وأن "جبريل ﵇ ينزل عليه" (٣). ورَوى الأمامُ أحمدَ عن رفاعةَ الفِتْيانيِّ، قال: دخلتُ على المختار، فألقى لي وسادةً، وقال: لولا أن أخي جبريلَ قام عن هذه، لألقيتُها لك. قال: فأردت أنَ أضربَ عُنقَه، قال: فذكرت حديثاً حدَّثنيه أخي عمرو بن

стр. 381

الحَمِق قال: قال رسول الله ﷺ : "إيُّما مؤمن أمَّن مؤمناً على دَمِه فقتله، فأنا من القاتل بريءٌ" (١). وقد قيل لابن عمر: "إن المختار يزعمُ أن الوحيَ يأتيه، فقال: صدق؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] (٢). * ورَوى ابنُ أبي حاتم عن عكرمةَ قال: قَدِمتُ على المختارِ فأكْرَمَني، وأنزلني عنده، وكان يتعاهدُ مَبِيتي بالليل، قال: فقال لي: اخرجْ فحدِّثِ الناس، قال: فخرجتُ، فجاء رجل فقال: ما تقولُ في الوحي؟ فقلت: الوحيُ وحيانِ، قال الله تعالى: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] قال: فهمُّوا أن يأخذوني، فقلت: ما لكم وذاك! إني مُفتيكم وضيفُكم، فتركوني، وإنما أرادَ عكرمةُ أن يعرِّض بالمختار وكَذِبِه في ادِّعائه أن الوحيَ ينزلُ عليه. ° ورَوى الطبرانيُ من طريق أُنيسةَ بنتِ زيدِ بنِ الأرقم أن أباها دخل على المختار بن أبي عبيد، فقال له: "يا أبا عامر، لو سبقتَ رأيتَ جبريل وميكائيل، فقال له زيد: خسرتَ وتَعِستَ، أنت أهونُ على الله من ذلك، كذَّابٌ مفترٍ على الله ورسوله". وقد ذكر العلماءُ أنَّ المختار كان يُظهِر التشيُّع ويُبطِنُ الكِهانه، وأسرَّ

стр. 382

إلى أخَصَّائه أنه يُوحَى إليه، وكان قد وُضع له كرسيٌّ يُعَظَّم ويَحُفُّ به الرجال، ويُستر بالحرير، ويُحمل على البغال، وكان يضاهَى به تابوتُ بني إسرائيل المذكورُ في القرآن. ° من تُرَّهاته: أنه كان عنده كُرسيٌّ قديم قد غَشَّاه بالدِّيباج وزَينه بأنواع الزينة، وقال: "هذا من ذخائر أميرِ المؤمنين عليٍّ كَرَّم الله وجههَ، وهو عندنا بمنزلةِ التابوت لبني إسرائيل". ° وكان إذا حارب خصومَه يَضعُه في براح الصفِّ ويقول: "قاتِلوا ولكم الظفَرُ والنُصرة، وهذا الكرسيُّ مَحِلُّه فيكم محلُّ التابوت في بني إسرائيل، وفيه السَكينةُ والبقيةُ، والملائكةُ، من فوقكم ينزلون مدداً لكم" (١). ° أمَّا مبدأُ هذا الكرسي، فقد رَوى ابنُ جرير بإسناده إلى طُفيل بن جَعْدةَ ابنِ هُبيرة قال: "أُعدِمتُ مرةً من الورق، فإني كذلك إذ مَررتُ ببابِ رجل هو جار لي، له كرسيّ قد رَكِبه وسخٌ شديد، فخَطر في بالي أنْ لو قِلتُ في هذا، فأرسلت إليه أن أرسِل إليَّ بالكرسي، فأرسل به، فأتيتُ المختارَ فقلتُ له: إني كنتُ أكتُمُك شيئاً، وقد بدا لي أن أذكرَه إليك، قال: وما هو؟ قلتُ: كرسيٌّ كان جَعْدةُ بنُ هبيرة يجلسُ عليه؛ كأنه كان يرى أن فيه أثارةً من عِلم، قال: سبحان الله! فلمَ أخرتَ هذا إلى اليوم؟ ابعثه إليَّ، قال: فجئتُ به، وقد غُسل فخرج عُوداً ناضِراً وقد شَرِب الزيت، فأمر لي باثني عَشَر ألفاً، ثم نودي في الناس: الصلاةُ جامعة، قال: فخَطب

стр. 383

المختار، فقال: إنه لم يكن في الأمم الخالية أمرٌ إلاَّ وهو كائنٌ في هذه الأمةِ مِثلُه، وإنه قد كان في بني إسرائيل تابوتٌ يستنصرون به، وإن هذا مِثْلُه، ثم أَمَر فكَشف عنه أثوابَه، وقامت السَّبئية، فرَفَعوا أيديَهم، وكبَّروا ثلاثاً، فقام شِبْث بن رِبعيٍّ فأنكر على الناس، وكاد أن يكفِّرَ مَن يصنعُ بهذا التابوت هذا التعظيم، وأشار بأن يُكسر، ويُخرجَ من المسجد، ويُرمى في الخنس، فشكرها الناسُ لشبث بن رِبعي، فلما قيل: هذا عُبيد الله بن زياد قد أقبل، وبَعَث المختارُ ابنَ الأشتر، بعث معه بالكرسي، يُحمل على بَغلٍ أشهبَ قد غشِّي بأثواب الحرير، عن يمينه سَبعةٌ، وعن يساره سبعة، فلمَّا تواجَهوا مع الشاميين، وغَلبوا الشاميين، وقَتلوا ابن زياد، ازداد تعظيمهم لهذا الكرسيِّ حتى بلغوا به الكفر. ° قال الطفيلُ بن جعدة: "فقلت: إنا للهِ وإنا إليه راجعون، وندمت على ما صنعت". ° وقد قال في هذا الكرسي أعشى همدان: شَهِدْتُ عَلَيْكُمْ أَنَّكُمْ سَبَئِيَّةٌ ....... وَأنّي بِكُمْ يا شُرْطَةَ الشِّرْكِ عَارِفُ وَأُقْسِمُ مَا كُرْسِيّكُمْ بِسَكِينَةٍ ...... وَإنْ كانَ قَدْ لُفَّتْ عَلَيهِ اللَّفَائِفُ وَأنْ لَيْسَ كالتَّابُوتِ فِينَا وَإنْ سَعَتْ ...... شَبَامُ حَوَالَيْهِ وَنَهْدٌ وَخَارِفُ (١) وَإِنِّي امرُؤٌ أحْبَبتُ آل مُحَمَّد ...... وَتَابَعْتُ وَحْياً ضُمَنّتَهُ المَصَاحفُ ° وقال المتوكل الليثي: أَبْلِغْ أبَا إِسْحَاقَ إِنْ جِئْتَهُ ....... أَني بِكُرْسِيِّكُمْ كَافِرُ

стр. 384

تَنْزُوا شَبَامٌ حَوْلَ أعْوَادِهِ ...... وَتَحْمِلُ الَوَحْيَ لهُ شَاكِرُ محمَرَّةً أَعْيُنُهُمْ حَوْلَهُ ...... كأنَّهُنَّ الحُمُّصُ الحَادِرُ وهذا وأمثالُه مما يدلُّ على قِلَّةِ عقل المختار وأتباعه، وضعفه وقِلةِ عِلمه، وكثرةِ جهله، ورَدَاءةِ فَهمه، أو ترويجِه الباطلَ على أتباعه، وتشبيهِه الباطل بالحق، ليُضِلَّ به الطَّغام، ويَجمعَ عليه جُهَّالَ العوام. ° قال عبدُ القاهر البغدادي: "لما تَمَّت ولايةُ الكوفة والجزيرة والعراقَين إلى حدودِ أرمينية تكهَّن بعد ذلك، وسَجَع كأسجاع الكهنة. ثم إنَّ المختارَ خَدَعَتْه السبئيةُ الغلاةُ من الرافضة؛ فقالوا له: "أنت حُجَّةُ هذا الزمان"، وحَمَلوه على دعوى النبوة، فادعاها عند خواصِّه، وزعم أن الوحيَ ينزلُ عليه. ثم إنَّ أهلَ الكوفة خرجوا على المختار لَمَّا تكهَّن، واجتَمعت السبئيةُ إليه مع عبيد أهل الكوفة؛ لأنه وَعَدهم أن يعطيَهم أموالَ ساداتهم، وقاتل بهم الخارجين عليه، فظَفِر بهم، وقَتَل منهم الكثير، وأسَرَ جماعةً منهم، وكان في الأُسَرَاء رجلٌ يقال له: "سُراقة بن مِرداس البارقي"، فقُدِّم إلى المختار، وخاف البارقيُّ أن يأمرَ بقتله، فقال للذين أسَروه وقدَّموه إلى المختار: ما أنتم أسرتمونا، ولا أنتم هزمتمونا بعُدَّتكم، وإنما هَزَمنا الملائكة الذين رأيناهم على الخيل البُلْق فوقَ عَسكركم، فأَعجبَ المختارَ قوله هذا، فأطلق عنه، فلَحِق بمصعبِ بنِ الزبير بالبصرة، وكتب منها إلى المختار هذه الأبيات: أَلَا أَبْلِغ أَبَا إِسْحَاقَ عَنِّي ...... رَأَيتُ البُلق دُهْمًاً مُصمَتَاتِ أرَى عَيَنَيَّ مَا لمْ تَنْظُرَاهُ ...... كِلَانَا عَالمٌ بِالتُّرَّهاتٍ

стр. 385

كفَرْتُ بِوَحْيِكُمْ وَجَعَلتُ نَذْراً ..... عَلَيَّ قِتَالَكُمْ حَتَّى المَمَاتِ وفي هذا الذي ذكرناه بيانُ سببِ كِهانة المختار، ودَعْوَاه الوحيَ إليه. ° ومِن أسجاع هذا الكذَّاب قوله: "أما والذي أنزل القرآن، وبيَن الفرقان، وشرع الأديان، وكرَّه العِصيان، لأقتُلنَّ اَلبُغاةَ مِن أَزدِ عُمان، ومَذْحج وهَمْدان، ونهد وخَوْلان، وبكر وهَزَّان، وثُغل ونَبْهان، وعَبْسٍ وذُبيان، وقَيس عيلان" (١). ° وقال: "أمَا ومُمشِي السحاب، الشديدِ العقاب، السريع الحساب، العزيز الوهَّاب، القديرِ الغلاَّب، لأنبِشَنَّ قبرَ ابنِ شهاب، المفترِي الكذَّاب، المجرِم المرتاب، ثم وربِّ العالمين، وربِّ البلد الأمين، لأقتلَنَّ الشاعرَ المَهين، وراجزَ المارِقين، وأولياءَ الكافرين، وأعوانَ الظالمين، وإخوانَ الشياطين، الذين اجتمعوا على الأباطيل، وتقوَّلوا عليَّ الأقاويل، وليس خِطابي إلاَّ لذَوِي الأخلاق الحميدة، والأفعالِ السديدة، والآراءِ العتيدة، والنفوس السعيدة" (٢). * وقد قال هذا الكذابُ بجواز البَداءِ على الله، تعالى الله عما يقول الكاذبون. وأما سببُ قوله بجوازِ البَداء على الله؛ أنه قد وَعَد أصحابَه بالنصر على جيشِ مصعب، فلما هُزموا، قالوا له: "لماذا تَعِدُنا بالنصر على

стр. 386

عدوَنا؟!! فقال: إن اللهَ كان قد وَعَدني ذلك، لكنه بدا له". ثم إنَّ المختارَ باشَرَ قتالَ مصعبِ بنِ الزبير بنفسه بالمَذَار من ناحيةِ الكوفة، وقَتَل في تلك الواقعة محمدَ بنَ الأشعث الكِندي؛ قال المختار، طابت نفسي بقَتْلِه، أن لم يكن بَقي من قَتَلَةِ الحسين غيره، ولا أُبالي بالموت بعد هذا، ثم وقعت الهزيمة على المختار وأصحابه. وأشار عليه جماعةٌ من أساورته؛ بأن يدخلَ القصرَ دارَ إمارته، فدخله وهو ملومٌ مذموم، وعن قريبٍ يَنفذ فيه القَدَر المحتوم، فحاصَرَه مصعبٌ فيه وجميعَ أصحابه؛ حتى أصابهم من جَهدِ العطشِ ما الله به عليم، وضَيَّق عليهم المسالكَ والمقاصد، وانسدَّت عليهم أبواب الحيِل، وليس فيهم رجلٌ رشيد ولا حليم، ثم جَعل المختارُ يُجيل فكرتَه، ويُكرًّرُ رَويّتَه في الأمر الذي قد حَلَّ به، واستشار مَن عنده هذا السبب السيء، الذي قد اتصل سببُه بسبيه من الموالي والعبيد، ولسانُ الشرع ينادي: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩]، ثم قَوِي عَزمُه قوةَ الشجاعةِ المركَّبة فيه، على أن أخرَجَتْه مِن بين مَنْ كان يحالفه وُيواليه، ورأى أن يموتَ على فَرَسه، حتى يكونَ عليها انقضاءُ آخِرِ نَفَسِه، فنزل حَميَّةً وغضباً، وشجاعةً وكَلَباً، وهو مع ذلك لا يجدُ مَناصاً ولا مَفرّاً ولا مَهرباً، وليس معه من أصحابه سوى تسعةَ عَشَر، ولعله إن كان قد استمرَّ على ما عاش عليه أنْ لا يُفارِقَه التسعةَ عشَرَ الموكَّلون بسقر، ولما خرج من القصر تقدَّم إليه رجُلانِ شقيقان أخَوَان؛ وهما طَرَفةُ وَطرَّافُ ابنا عبدِ الله بن دِجاجة من بني حنيفة، فقتلاه، وأحتزَّا رأسه، وأتيا به إلى مصعبِ بنِ الزبير، وقد دخل قصرَ الإمارة، فوضع بين يديه، كما وُضع رأسُ ابن زياد بين يدي المختار، وكما وُضع

стр. 387

رأسُ الحُسين بين يدي ابن زياد، وكما سيوضع رأسُ مصعبٍ بين يدي عبدِ الملك بن مروان. ° يقول أعشى همدان: لقدْ نبّئْتُ وَالأنْبَاءُ تَنْمِي ...... بِمَا لَاقَى الْكَوَارِثُ بِالمَذَارِ وَمَا إِنْ سَرَّني إِهْلَاكُ قَوْمِي ..... وَإِنْ كَانُوا وَحَقِّكَ فِي خَسَارِ وَلَكِنِّي سُرِرْتُ بِمَا يُلَاقِي ...... أَبُو إِسْحَاقَ مِنْ خِزْي وَعَارِ وأراح اللهُ المسلمين مِن هذا الضالِّ المضِلِّ عام ٦٧ هـ وزالت دولته، وفرح المسلمون بزوالها (١) بعدما انتقم به مِن قوم آخرِين من الظالمين، وذهب المختارُ إلى مَزبلة التاريخ، بعد أن نُعِت بـ "الكذاب" على لسانِ رسول الله ﷺ ، وكلّ صاحبِ فِريةٍ ذليل في الدارين. * الحارثُ بنُ سعيدٍ مولى أبي الجُلاَّس: الحارث بن سعيد - لعنه الله -، كان مولًى لأبي الجلاس نزل دمشق (٢) تعبَّد بها وتنسَّك وتزهَّد، ثم فكِر به، ورجع القَهْقَرى على عَقِبيه، وانسلخ من آياتِ الله تعالى، وفارقَ حزبَ الله المفلِحين، واتبع الشيطانَ، فكان من الغاوين" (٣). وكانت بدايةُ ضلاله أنه "كان متعبِّداً زاهداً لو لَبسِ جُبَّةً من ذهب

стр. 388

لرأيتَ عليه زِهادة، وكان إذا أخذ في التحميد لم يُصْغ السامعون إلى كلامٍ أحسنَ من كلامه .. فكتب إلى أبيه: يا أبتاه، عجِّل عليَّ، فإنه قد رأيتُ أشياءَ أتخوَّف منها أن تكونَ من الشيطان .. فزاده أبوه غَيّاً، وكتب إليه: يا بُني أقبل على ما أمِرت به، إن اللهَ يقول: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢]، ولستَ بأفَّاكٍ ولا أثيم، فامْضِ لما أُمِرت به، وكان يجيءُ إلى أهل المساجد رجلاً رجلاً فيَذكرُ لهم أمره، ويأخذُ عليهم العهودَ والمواثيقَ إن هو رأى ما يُرضَى قَبِل وإلاَّ كَتَم عليه" (١). ° فعَرَض على القاسم بن مُخيمِرةَ وقال له: "إني نبيٌّ، فقال له القاسم: كذبتَ يا عدوَّ الله، ما أنت بنبيٍّ" (٢). ثم أُخبر به قاضي دمشق وأَخبر بدوره الخليفةَ عبدَ الملكِ بنَ مروان. فاختفى الحارث بعد ذلك ببيت المقدس، وجَهل الناسُ خَبَره، فتسلَّط عليه رجل من أهل البصرة حتى عَرَف مَدْخَلَه ومَخْرَجه، وتظاهر له بالتصديق، وقال له: "إن كلامك لَحَسن، وقد وقع في قلبي، وقد آمنتُ بك، وهذا هو الدِّينُ المستقيم، فأَمَر ألاَّ يُحجَب عنه متى أراد الدخول عليه، فاتَّصل بعبد الملك، وأخبره الخبر، فسيَّر معه جنوداً مِن العجم، وتمَّ القبض عليه، وجيء به إلى عبد الملك، فأَمَر بخشبة فُنصِبت فصلبه، وأمر بحَرْبة، وأمر رجلاً فطَعَنه، فلما صار إلى ضِلع من أضلاعه فانكفأت الحربةُ عنه،

стр. 389

فجعل الناسُ يَصيحون ويقولون: الأنبياءُ لا يجوزُ فيهم السّلاح، فلما رأى ذلك رجلٌ من المسلمين تناوَلَ الحربةَ ثم مشى إليه، وأقبل يتحسَّسُ حتى وَافَى بيْن ضِلْعَيْن فطعنه بها فأنفذه فقتله" (١). ° "وقد كان عبدُ الملك حَبَسه قبل صَلْبِه، وأَمَر رجالاً من أهل الفقه والعلم أن يَعِظُوه ويُعلِموه أن هذا من الشيطان، فأبى أن يقبلَ منهم، فصَلَبه بعد ذلك" (٢). ° "ومن مخاريقه أنه كان يأتي إلى رُخامةٍ في المسجد فيَنقِرُها بيدِه فتُسبِّحُ تسبيحاً بليغاً حتى يضجَّ مِن ذلك الحاضرون". * "وكان يُطعِمُهم فاكهةَ الشتاء في الصيف، وفاكهةَ الصيف في الشتاء، وكان يقول لهم: اخرجوا حتى أرُيكم الملائكة .. فيَخرجُ بهم إلى دَيرِ المراق، فيُريهم رِجالاً على خَيل بُلْقٍ فيَتْبَعُه على ذلك بَشَر كثير" (٣). * بَيَانُ بنُ سَمْعان المُرْتَدُّ، شيخ البيانية الرافضةِ الخارجةِ عن الإِسلام: هو مُمَخرِقٌ، ظَهر بالعراق بعد المائة في أوائل القرن الثاني من الهجرة، يُسمَّى بيان بن سمعان النَّهْديُّ التميميَّ اليمنيَّ. ادَّعى أصحابهُ انتقالَ الإمامةِ من أبي هاشم بن محمد بن الحنفية إليه،

стр. 390

وكان يزعمُ أن جُزءً إِلهيّاً حَلَّ في عليِّ بن أبي طالب ﵁، ثم انتقل إليه الجزءُ الإِلهيُّ بنوع من التناسخٌ (١)، وكان يزعم أنه يعرفُ الاسم الأعظم، وأنه يَهزمُ به العسكرَ، وأنه يدعو به الزُّهرة فتجيبه (٢)، ثم زعم أنه هو المذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨]. وقال: "أنا البيان، وأنا الهدى، والموعظة". زعم بعض أتباعه أنه كان نبيّاً، وأنه نَسَخ بعضَ شريعةِ محمد ﷺ (٣)، بل هو كان يزعم أنه نبيٌّ، ولهذا فقد كَتب كتاباً إلى محمد بن علي بن الحسين الباقر ﵁ ودعاه إلى نفسه، وفي كتابه: "أسلم تَسْلَمْ وتَرْتَقِ في سُلَّم، فإنك لا تدري حيث يجعل الله النبوة" .. فأمر الباقر أن يأكلَ الرسولُ قِرطاسَه الذي جاء به، فأكله فمات في الحال، وقد اجتمعت طائفةٌ على بيان ابن سَمعان، ودانوا به وبمذهبه (٤) .. وطائفتُه الخارجة عن الإسلام تُسمَّى "البَيَانية"، واختلف هؤلاء في "بَيَانٍ" زعيمِهم، فمنهم: مَن زعم أنه كان نَبِيّاً، وأنه نَسَخ بعضَ شريعةِ محمد. ومنهم: مَن زعم أنه كان إلهاً، وذَكر هؤلاء أن بياناً قال لهم: "إن رُوحَ الإلهِ تناسخت في الأنبياء والأئمةِ حتى صارت إلى أبي هاشم عبدِ الله بن محمد بن الحنفية، ثم انتقلت منه إليه -يعني نفسه-"، فادَّعى لنفسه الربوبيةَ على مذاهِب الحلولية.
следующие страницы →