← Сира

Сира · id 96964

وا محمداه إن شانئك هو الأبتر

سيد حسين العفاني

Полный текст (2 668 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

عدوَنا؟!! فقال: إن اللهَ كان قد وَعَدني ذلك، لكنه بدا له". ثم إنَّ المختارَ باشَرَ قتالَ مصعبِ بنِ الزبير بنفسه بالمَذَار من ناحيةِ الكوفة، وقَتَل في تلك الواقعة محمدَ بنَ الأشعث الكِندي؛ قال المختار، طابت نفسي بقَتْلِه، أن لم يكن بَقي من قَتَلَةِ الحسين غيره، ولا أُبالي بالموت بعد هذا، ثم وقعت الهزيمة على المختار وأصحابه. وأشار عليه جماعةٌ من أساورته؛ بأن يدخلَ القصرَ دارَ إمارته، فدخله وهو ملومٌ مذموم، وعن قريبٍ يَنفذ فيه القَدَر المحتوم، فحاصَرَه مصعبٌ فيه وجميعَ أصحابه؛ حتى أصابهم من جَهدِ العطشِ ما الله به عليم، وضَيَّق عليهم المسالكَ والمقاصد، وانسدَّت عليهم أبواب الحيِل، وليس فيهم رجلٌ رشيد ولا حليم، ثم جَعل المختارُ يُجيل فكرتَه، ويُكرًّرُ رَويّتَه في الأمر الذي قد حَلَّ به، واستشار مَن عنده هذا السبب السيء، الذي قد اتصل سببُه بسبيه من الموالي والعبيد، ولسانُ الشرع ينادي: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩]، ثم قَوِي عَزمُه قوةَ الشجاعةِ المركَّبة فيه، على أن أخرَجَتْه مِن بين مَنْ كان يحالفه وُيواليه، ورأى أن يموتَ على فَرَسه، حتى يكونَ عليها انقضاءُ آخِرِ نَفَسِه، فنزل حَميَّةً وغضباً، وشجاعةً وكَلَباً، وهو مع ذلك لا يجدُ مَناصاً ولا مَفرّاً ولا مَهرباً، وليس معه من أصحابه سوى تسعةَ عَشَر، ولعله إن كان قد استمرَّ على ما عاش عليه أنْ لا يُفارِقَه التسعةَ عشَرَ الموكَّلون بسقر، ولما خرج من القصر تقدَّم إليه رجُلانِ شقيقان أخَوَان؛ وهما طَرَفةُ وَطرَّافُ ابنا عبدِ الله بن دِجاجة من بني حنيفة، فقتلاه، وأحتزَّا رأسه، وأتيا به إلى مصعبِ بنِ الزبير، وقد دخل قصرَ الإمارة، فوضع بين يديه، كما وُضع رأسُ ابن زياد بين يدي المختار، وكما وُضع

стр. 387

رأسُ الحُسين بين يدي ابن زياد، وكما سيوضع رأسُ مصعبٍ بين يدي عبدِ الملك بن مروان. ° يقول أعشى همدان: لقدْ نبّئْتُ وَالأنْبَاءُ تَنْمِي ...... بِمَا لَاقَى الْكَوَارِثُ بِالمَذَارِ وَمَا إِنْ سَرَّني إِهْلَاكُ قَوْمِي ..... وَإِنْ كَانُوا وَحَقِّكَ فِي خَسَارِ وَلَكِنِّي سُرِرْتُ بِمَا يُلَاقِي ...... أَبُو إِسْحَاقَ مِنْ خِزْي وَعَارِ وأراح اللهُ المسلمين مِن هذا الضالِّ المضِلِّ عام ٦٧ هـ وزالت دولته، وفرح المسلمون بزوالها (١) بعدما انتقم به مِن قوم آخرِين من الظالمين، وذهب المختارُ إلى مَزبلة التاريخ، بعد أن نُعِت بـ "الكذاب" على لسانِ رسول الله ﷺ ، وكلّ صاحبِ فِريةٍ ذليل في الدارين. * الحارثُ بنُ سعيدٍ مولى أبي الجُلاَّس: الحارث بن سعيد - لعنه الله -، كان مولًى لأبي الجلاس نزل دمشق (٢) تعبَّد بها وتنسَّك وتزهَّد، ثم فكِر به، ورجع القَهْقَرى على عَقِبيه، وانسلخ من آياتِ الله تعالى، وفارقَ حزبَ الله المفلِحين، واتبع الشيطانَ، فكان من الغاوين" (٣). وكانت بدايةُ ضلاله أنه "كان متعبِّداً زاهداً لو لَبسِ جُبَّةً من ذهب

стр. 388

لرأيتَ عليه زِهادة، وكان إذا أخذ في التحميد لم يُصْغ السامعون إلى كلامٍ أحسنَ من كلامه .. فكتب إلى أبيه: يا أبتاه، عجِّل عليَّ، فإنه قد رأيتُ أشياءَ أتخوَّف منها أن تكونَ من الشيطان .. فزاده أبوه غَيّاً، وكتب إليه: يا بُني أقبل على ما أمِرت به، إن اللهَ يقول: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢]، ولستَ بأفَّاكٍ ولا أثيم، فامْضِ لما أُمِرت به، وكان يجيءُ إلى أهل المساجد رجلاً رجلاً فيَذكرُ لهم أمره، ويأخذُ عليهم العهودَ والمواثيقَ إن هو رأى ما يُرضَى قَبِل وإلاَّ كَتَم عليه" (١). ° فعَرَض على القاسم بن مُخيمِرةَ وقال له: "إني نبيٌّ، فقال له القاسم: كذبتَ يا عدوَّ الله، ما أنت بنبيٍّ" (٢). ثم أُخبر به قاضي دمشق وأَخبر بدوره الخليفةَ عبدَ الملكِ بنَ مروان. فاختفى الحارث بعد ذلك ببيت المقدس، وجَهل الناسُ خَبَره، فتسلَّط عليه رجل من أهل البصرة حتى عَرَف مَدْخَلَه ومَخْرَجه، وتظاهر له بالتصديق، وقال له: "إن كلامك لَحَسن، وقد وقع في قلبي، وقد آمنتُ بك، وهذا هو الدِّينُ المستقيم، فأَمَر ألاَّ يُحجَب عنه متى أراد الدخول عليه، فاتَّصل بعبد الملك، وأخبره الخبر، فسيَّر معه جنوداً مِن العجم، وتمَّ القبض عليه، وجيء به إلى عبد الملك، فأَمَر بخشبة فُنصِبت فصلبه، وأمر بحَرْبة، وأمر رجلاً فطَعَنه، فلما صار إلى ضِلع من أضلاعه فانكفأت الحربةُ عنه،

стр. 389

فجعل الناسُ يَصيحون ويقولون: الأنبياءُ لا يجوزُ فيهم السّلاح، فلما رأى ذلك رجلٌ من المسلمين تناوَلَ الحربةَ ثم مشى إليه، وأقبل يتحسَّسُ حتى وَافَى بيْن ضِلْعَيْن فطعنه بها فأنفذه فقتله" (١). ° "وقد كان عبدُ الملك حَبَسه قبل صَلْبِه، وأَمَر رجالاً من أهل الفقه والعلم أن يَعِظُوه ويُعلِموه أن هذا من الشيطان، فأبى أن يقبلَ منهم، فصَلَبه بعد ذلك" (٢). ° "ومن مخاريقه أنه كان يأتي إلى رُخامةٍ في المسجد فيَنقِرُها بيدِه فتُسبِّحُ تسبيحاً بليغاً حتى يضجَّ مِن ذلك الحاضرون". * "وكان يُطعِمُهم فاكهةَ الشتاء في الصيف، وفاكهةَ الصيف في الشتاء، وكان يقول لهم: اخرجوا حتى أرُيكم الملائكة .. فيَخرجُ بهم إلى دَيرِ المراق، فيُريهم رِجالاً على خَيل بُلْقٍ فيَتْبَعُه على ذلك بَشَر كثير" (٣). * بَيَانُ بنُ سَمْعان المُرْتَدُّ، شيخ البيانية الرافضةِ الخارجةِ عن الإِسلام: هو مُمَخرِقٌ، ظَهر بالعراق بعد المائة في أوائل القرن الثاني من الهجرة، يُسمَّى بيان بن سمعان النَّهْديُّ التميميَّ اليمنيَّ. ادَّعى أصحابهُ انتقالَ الإمامةِ من أبي هاشم بن محمد بن الحنفية إليه،

стр. 390

وكان يزعمُ أن جُزءً إِلهيّاً حَلَّ في عليِّ بن أبي طالب ﵁، ثم انتقل إليه الجزءُ الإِلهيُّ بنوع من التناسخٌ (١)، وكان يزعم أنه يعرفُ الاسم الأعظم، وأنه يَهزمُ به العسكرَ، وأنه يدعو به الزُّهرة فتجيبه (٢)، ثم زعم أنه هو المذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨]. وقال: "أنا البيان، وأنا الهدى، والموعظة". زعم بعض أتباعه أنه كان نبيّاً، وأنه نَسَخ بعضَ شريعةِ محمد ﷺ (٣)، بل هو كان يزعم أنه نبيٌّ، ولهذا فقد كَتب كتاباً إلى محمد بن علي بن الحسين الباقر ﵁ ودعاه إلى نفسه، وفي كتابه: "أسلم تَسْلَمْ وتَرْتَقِ في سُلَّم، فإنك لا تدري حيث يجعل الله النبوة" .. فأمر الباقر أن يأكلَ الرسولُ قِرطاسَه الذي جاء به، فأكله فمات في الحال، وقد اجتمعت طائفةٌ على بيان ابن سَمعان، ودانوا به وبمذهبه (٤) .. وطائفتُه الخارجة عن الإسلام تُسمَّى "البَيَانية"، واختلف هؤلاء في "بَيَانٍ" زعيمِهم، فمنهم: مَن زعم أنه كان نَبِيّاً، وأنه نَسَخ بعضَ شريعةِ محمد. ومنهم: مَن زعم أنه كان إلهاً، وذَكر هؤلاء أن بياناً قال لهم: "إن رُوحَ الإلهِ تناسخت في الأنبياء والأئمةِ حتى صارت إلى أبي هاشم عبدِ الله بن محمد بن الحنفية، ثم انتقلت منه إليه -يعني نفسه-"، فادَّعى لنفسه الربوبيةَ على مذاهِب الحلولية.

стр. 391

ومِن عقائد هذا الزِّنديق زَعْمُه أنَّ الإلهَ الأزليَّ رَجُلٌ من نور، وأنه يَفنَى كلُّه غيرُ وجهه، وتأوَّل على زعمه قولَه تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]، وقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] (١). ولو كان له أدنى عقلٍ أو فَهمٍ لَعَلِم أنَّ الله تعالى إنما أخبر بالفَناء عمَّا في الأرض فقط بنصِّ قوله الصادق ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (٢). ورفع خبرُ بيانٍ هذا إلى خالد بن عبد الله القَسْريِّ في زمانِ ولايته في العراق، فاحتال على بيان حتى ظَفِر به وصَلَبه، وقَال له: "إنْ كنتَ تَهزمُ الجيوش بالاسم الذي تعرفُه، فاهزمْ به أعواني عنك" (٣). ° وقال الشَّهرستاني: "صَلَبه وأحرَقه خالدُ بن عبد الله القَسْريّ مع المغيرة بن سعيد في يوم واحد، وجَبُنَ المغيرةُ بن سعيد عن اعتناق حِزمةِ الحطب جبناً شديداً حتى ضُمَّ إليها قَهراً، وبادر بيانُ بنُ سمعان إلى الحِزمة فاحتضنها من غير إكراه، ولم يظهر منه جَزعَ، فقال خالد لأصحابهما: في كلِّ شيءٍ أنتم مجانين، هذا كان ينبغي أن يكون رئيسُكم لا هذا الفَسْل" (٤). وذهب بيان إلى ذاتِ السلاسل والنَّكال، تُشيِّعُه لعناتُ الصادقين إلى يوم الدين.

стр. 392

* المغيرة بن سعيد العِجْلي -لعنه الله -: المغيرةُ بن سعيد العِجلي (١) مولى خالد بن عبد الله القَسْري (٢) وهو من أهل الكوفة (٣). ادَّعى أنه الإمامُ بعد محمدِ بن عبد الله بن الحسن المعروف بالنفس الزكية (٤)، ثم زَعَم بعد ذلك أنه رسولٌ نبيٌّ وأن جبرائيل يأتيه بالوحي من عند الله (٥)، وادَّعى علمَه بالاسم الأعظم، وزَعَم أنه يُحيي به الموتى، ويهزم به الجيوش (٦). ° ومن عقائده: أنه زعم أن معبودَه رجلٌ من نور، وله أعضاءٌ وقلبٌ

стр. 393

ينبعُ منه الحكمةُ، وأن أعضاءَه على صورِ حروفِ الهجاء، وأن "الألف" منها مِثالُ قدمَيه، و"العين" على صورةِ عينه، وشَبَّه "الهاء" بالفَرْج (١). وله في بَدءِ الخَلق كلامٌ عجيب وهذيانٌ غريب، كزعمه أن الله تعالى لمَا أراد أن يخلقَ العالَمَ تكلمَ باسمِه الأعظم، فطار ذلك الاسم ووقع تاجاً على رأسه، وتأوَّل على ذلك قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١]، وزعَم أنَّ الاسم الأعلى إنما هو ذلك التاجُ، ثم إنهَ بعد وقوع التاج على رأسه كتب بإصبَعه على كفِّه أعمالَ عباده، ثم نظر فيها فغَضب من معاصيهم، فعَرِق، فاجتمع من عَرَقه بَحْران، أحدهما مُظلِمٌ مالحٌ، والآخرُ عَذبٌ نيّر، ثم اطَّلَع في البحر فأبصَرَ ظِلَّه، فذهب ليأخذَه، فطار، فانتزع عيني ظِلِّه، فخَلَق منهما الشمسَ والقمرَ، وأفنى باقيَ ظِلِّه، وقال: "لا ينبغي أن يكون معي إلهٌ غيري .. " (٢)، إلى آخر ذلك الكلام الذي يَعجبُ منه كلُّ من قرأه أو سمعه، ولا يُصدِّقُ أن لقائله مُسْكةً من عقل، بَلْهَ أن يكون نبيّاً رسولاً. وزَعم كذلك أن الله تعالى خَلق الناسَ قبل أجسادهمِ، فكان أولَ ما خَلَق ظِلَّ محمدٍ .. قال: فذلك قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]، قال: ثم أرسل ظِلَّ محمدٍ إلى أظلال الناس (٣) .. إلخ ما ذكره من ذلك الهراء. ومن تُرَّهاته أنه كان يُحرِّمُ ماءَ الفرات، وكلَّ ماءِ نهرٍ أو عينٍ أو بئرٍ

стр. 394

وقعت فيه نجاسة، وكان من تشريعاته كذلك استحلالُ المحارم (١). وكان يزعمُ أنه "لو أراد أن يحييَ عاداً وثمودَ وقروناً بين ذلك كثيراً لأحياهم" (٢). حَكى ذلك عنه الأعمشُ (٣). وعندما اطلع عليه خالدُ بن عبد الله القَسريّ قَبض عليه، وأوقد له نارًا، وأمره أن يعتنقَها، فأبى، فقتله خالدٌ وقتل أصحابَه (٤). وقيل: بل أُحرق بالنار، أمَرَ خالدٌ بالقصب والنِّفط فأُحضِر، ثم أجَّج النارَ وأحرقه ومَن معه، وذلك في سنة ١١٩ (٥). ° قال عبد القاهر البغدادي عن المغيرة بن سعيد وطائفته "المغيرية" الغلاة الخارجة عن فرق الإسلام: "وكان جابرٌ الجُعْفيّ على هذا المذهب، وادَّعى وَصِيَّة المغيرةُ بنُ سعيد إليه بذلك .. ". ° قال عبد القاهر: "كيف يعَدّ في فِرَق الإسلام قومٌ شبَّهوا معبودَهم بحروفِ الهجاء، وادَّعوا نُبُوَّة زعيمهم؟ لو كان هؤلاء من الأُمَّة لصَحَّ قولُ مَن يزعمُ أن القائلين بنبُوَّة مسيلِمة وطُليحةَ كانوا من الأمة" (٦).

стр. 395

* أبو منصور المستنير العِجلي: أبو منصور العِجْلي، رجلٌ من أهل الكوفة من عبدِ القيس، وله فيها دارٌ، وكان منشأه بالبادية، وكان أميًّا لا يقرأ (١). ولم يَدعَّ النبوةَ من أولِ أمره، بل قَدَّم لذلك بمقدِّمات وتمهيدات، وصل بعدها إلى ما يريد. فأولَ ما ادَّعى أنه خليفةُ أبي جعفر محمدِ بنِ علي بن الحسين المسمَّى بالباقر، وأنه فَوَّض إليه أَمْرَه، وجَعَله وصيَّه من بعده (٢). ثم زَعَم أن الرسل لا تنقطع أبداً، وأن الرسالة لا تنقطع (٣). وبعد ذلك ادَّعى أن عليَّ بن أبي طالب ﵁ نبيٌّ ورسول، وكذا الحسن والحسين وأبناء الحسين، ثم لَمَّا كان هو خليفةَ الباقر محمدِ بن علي ابن الحسين -وقد كان هذا في زعمه نبيّاً-، فإن النبوَّةَ تحوَّلت إليه، وقال: أنا نبي ورسول، والنبوةُ في سِتَّةٍ من ولدي يكونون بعدي أنبياءَ آخِرهم القائم (٤). وزعم أن جبرائيل ﵇ يأتيه بالوحي من عند الله ، وأن الله بَعث محمداً بالتنزيل، وبعثه هو -يعني نفسه- بالتأويل (٥). وادَّعى أنه عُرج به إلى السماء، وأن الله تعالى مَسَح بيده على رأسه،

стр. 396

وقال له: يا بنيَّ، بلِّغْ عني .. ثم أنزله إلى الأرض، وزعم أنه الكِسْفُ الساقطُ من السماء المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)﴾ [الطور: ٤٤] (١). وزعم أنَّ أولَ ما خَلق الله تعالى هو عيسى بن مريم ﵇، ثم عليُّ بن أبي طالب كرم الله وجه (٢)، وزعم أن الله اتخذه خليلاً (٣). وهو لا يؤمن بالجنة والنار (٤)، وزعم أن الجنةَ رجلٌ أُمرنا بموالاته، وهو إمامُ الوقت، وأن النار رجلٌ أُمِرنا بمعاداته، وهو خَصم الإِمام (٥). ومن تأويلاته في الشريعة أنه تأوَّل المحرَّماتِ كلَّها على أسماءِ رجالٍ أَمَرنا اللهُ بمعاداتهم، وتأول الفرائض على أسماءِ رجالٍ أَمَرنا بموالاتهم (٦). وقد أباح المحرمات من الزنا والخمر والميتة والخنزيرِ والدم (٧). وقال: لم يُحرِّم اللهُ ذلك علينا، ولا حرَّم شيئاً تقوى به أنفسنا (٨). وأسقط الصلاة والزكاة والصيام والحج (٩).

стр. 397

° وكان يأمر أصحابَه بخَنقِ مَن خالَفَهم وقَتْلهم بالاغتيال، ويقول: "مَن خالَفكم هو كافر مُشرك، فاقتلوه، فإن هذا الجهادُ الخفيُّ". وذكر هشامُ بنُ الحكم الرافضى في كتابه المعروف بـ "الميزان"، وهو أعلمُ الناس بهمَ -لأنه جارُهم بالكوفة وجارُهم في المذهب- أن الكِسْفيةَ خاصة يقتلون مَن خالفهم (١). استمرت فتنتُهم على عادتهم، إلى أن وقف يوسفُ بنُ عمرَ الثقفيُّ والي العراق في زمانه على عَورات المنصورية، فأخذ أبا منصور العِجْلي وصَلَبه (٢)، وذلك في أيام هشام بن عبد الملك (٣). ° يقول الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد في قول عبد القاهر البغدادي في "الفَرْق بين الفِرَق" عن أبي منصور العِجْلي: "زَعْمُ أنه الكِسْفُ الساقط من السماء": "الذي ذَكره الشهرستانيّ في "الملل والنحل" أن عليًّا هو الكِسْفُ الساقط من السماء، وربما قال: الكِسفُ الساقط من السماء هو الله "، ولكن الأشعريَّ ذكر مثل ما ذكره المؤلِّفُ هنا (٤). ° قال: "وإن أبا منصور قال: آلُ محمد هم السماءُ، والشيعةُ هم الأرض، وأنه هو الكِسْفُ الساقط مِن بني هاشم".

стр. 398

° يقول عبد القاهر البغدادي عن "المنصورية" الخارجة عن فرق الإسلام وهي فرقة أبي منصور العجلي، وتُسمى أيضاً "الكِسْفِيَّة": "كَفَرت هذه الطائفةُ بالقيامة والجنة والنار، وتأوَّلوا الجنةَ على نَعيم الدنيا، والنار على مِحَنِ الناس في الدنيا، واستحلُّوا خَنْقَ مُخالفيهم، وهذه الفرقةُ أيضاً غيرُ معدودةٍ في فِرق الإسلام، لكُفرِها بالقيامة والجنة والنار" (١). * الحُسين بن أبي منصور العِجْليّ - لعنه الله -: ° قال ابن حزم في "الفِصَل": "إنه الحسن بن أبي منصور العجلي". ° قال: "وكانوا بعد موت أبي منصور يُؤدُّون الخُمُس مما يأخذون ممن خَنَقُوه إلى الحسن بن أبي المنصور" (٢). كان هذا الضالُّ الزنديقُ يَسكنُ "ألْمُوت" مع أبيه، وقد ادَّعى النّبوَّة بعدَ مقتل أبيه، وأنَّه في مرتبةِ أبيه، فأُخذَ وأُتي به إلى المَهْديِّ العباسيِّ، فأقرَّ أمامَه بما نُسِب إليه، فقَتَله وصَلَبه، وأَخذ منه مالاً عظيماً، وطلب أصحابه فقَتل منهم جماعةً وصَلَبهم (٣). * عبدُ الله بن عَمرو بن حَرْب الكِنْدِيُّ: كان أولُ أمرِه على دين "البيانية" في دعواها أن رُوحَ الإِلهِ تناسخت في الأنبياء والأئمةِ إلى أن انتهت إلى أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، ثم زعمت "الحربية" أن تلك الروحَ انتقلت من عبد الله بن محمدِ بن الحنفية

стр. 399

إلى عبد الله بن عمرِو بن حرب، وادَّعت "الحربيةُ" في زعيمها عبدِ الله بن عمرو بن حرب مثلَ دعوى البيانية في سمعانَ من دعوى النبوة أو الربوبية، وهي مرتدة عن الإسلام (١). * أبو الخَطَّاب الأسَدِيُّ زعيم الخطَّابية: أبو الخطَاب الأَسَديُّ، هو محمد بن أبي زينب، ويُكنى "أبا إسماعيل"، و"أبا الظبيان" وكان مولًى لبني أسد (٢). ° وكان -لعنه الله- يقول: "إن الإمامةَ كانت في أولاد عليِّ، إلى أن انتهت إلى جعفرِ الصادق". ويزعمُ أنَّ الأئمةَ كانوا آلهة، وكان أبو الخطاب يزعمُ أولاً أنَّ الأئمة أنبياء، ثم زعم أنهم آلهة، وأن أولادَ الحسنِ والحسينِ كانوا أبناءَ الله وأحبَّاءَه، وكان يقول: إنَّ جعفراً إلهٌ، فلمَّا بَلَغ ذلك جعفراً لَعَنه وطرده (٣). ثم "ادَّعى النبوة لنفسه" (٤)، وقد تابعه أصحابُه على ذلك، وزعموا "أنَّ الأئمة أنبياءُ محدَّثون" (٥)، و"أنَّ أبا الخطاب كان نَبِيًّا" (٦). ° وقال أتباعه: "إن جعفراً إلهٌ؛ غيرَ أن أبا الخطاب أفضلُ منه وأفضل

стр. 400

من عليٍّ" (١). والخطابية يَرَوْن شهادةَ الزُّور لموافقيهم على مخالفيهم، ثم إنَّ أبا الخطَاب نَصَب خيْمةً في كُنَاسةِ الكوفة ودعا فيها أتباعَه إلى عبادةِ جعفر (٢). وقد كان من غُلُوِّ أتباعه أنهم خَرَجوا يوماً من الأيام مُحْرِمين ينادُون بأعلى أصواتهم: لبَّيك جعفر لبَّيْك جعفر (٣). ° وأنكر أبو الخطاب الجنةَ والنارَ، وقال: "الجنةُ نعيم الدنيا، والنار آلامُها" (٤). ثم استباح هو وأتباعُه المحرَّمات، وترك الفرائض (٥). ° وأتباعُه كانوا يقولون: "ينبغي أن يكون في كلِّ وقتٍ إمامٌ ناطقٌ، وآخرُ ساكتٌ، والأئمة يكونون آلهة، ويَعرِفون الغيبَ". ° ويقولون: "إن عَليّاً كان في وقتِ النبي صامتاً، وكان النبي ﷺ ناطقًا، ثم صار عليٌّ بعده ناطقًا، وهكذا يقولون في الأئمة، إلى أن انتهى الأمرُ إلى جعفر، وكان أبو الخطاب في وقته إماماً صامتًا، وصار بعدَه إماماً ناطقًا" (٦). والخطابيةُ قد كَفروا أبا بكر وعمر وعثمان وأكثَرَ الصحابة بإخراجهم عليًّا من الإمامة في عصرِهم (٧).

стр. 401

° وقد خرج أبو الخطَّاب على والي الكوفة في أيام المنصور، فبَعَث إليه المنصور بعيسى بنِ موسى في جيش ٍكثيف، فأسَرُوه، فصُلب في كُناسة الكوفة (١). وقال الشهرستاني: "إنه قُتِل بسبخة الكوفة" (٢). * بُزَيغ الحائك زعيم البُزَيْغِيَّة: ° قال ابنُ حزم في "الفصل" عن البُزَيغِية: "وقالت فرقةٌ بنبوَّة بُزَيغ الحائك بالكوفة، وإن وقوع هذه الدعوى لهم في حائكٍ لطريفة!! " (٣). وهذه الفرقةُ من فرق الخطَّابية. ° وقال ابنُ حزم: "فإن قال قائل: فإن المجوسَ تُصَدِّق بنبوَّة "زرادشت"، وقومٌ من اليهود يُصَدِّقون بنبوَّة "أبي عيسى الأصبهاني"، وقومٌ من كَفَرة الغالية يصدِّقون بنبوَّة "بزيغ الحائك"، و"المغيرة بن سعيد"، و"بيان ابن سمعان التميمي" وغيرهم من كِلاب الغالية. فالجوابُ -وبالله تعالى التوفيق-: أن أبا عيسى، وبيان، وبُزيْغاً، وسائر من تدَّعي له الغاليةُ بنبوَّةٍ أو إلهيةٍ مِن خيار الناس وشرارهم، لم تظهر لواحدٍ منهم آيةٌ بوجهٍ من الوجوه؛ والآيات لا تصحُّ إلاَّ بنقل الكوافّ، وكل هؤلاء كانوا بعد رسول الله ﷺ ، وقد أَخبر الذي جاءت البراهينُ بِصِدْقه ﷺ أنه "لا نبي بعده"، فقد صحَّ البرهانُ ببطلان ما ادُّعي لهؤلاء من النبوة" (٤).

стр. 402

° وزعم بزيغ أن جَعفرًا كان إلهاً، ولم يكن جعفرٌ الذي يراه الناس، بل كان يظهر للناس بتلك الصورة. ° وزعموا أيضاً أن كلَّ مؤمن يُوحَى إليه، وتأوَّلوا على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥] أيْ: بوحي منه إليه، واسْتَدَلوُّا أيضاً بقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ الآية [المائدة: ١١١]، وادَّعوا في أنفسهم أنهم هم الحواريُّون، وذَكَروا قول الله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ الآية [النحل: ٦٨]، وقالوا: إذا جاز الوحيُ إلى النَّحْل فالوحي إلينا أوْلى بالجَوَاز. ° وزعموا أيضاً أنَّ فيهم مَن هو أفضلُ من جبريل، وميكائيل، ومحمد - عليهم صلوات الله وسلامه -. ° وزعموا أيضاً أنهم لا يموتون، وأن الواحد منهم إذا بلغ النهاية في دينه رُفع إلى الملكوت. ° وزعموا أنَّهم يَرَوْن المرفوعين منهم غَدوةً وعشية. اهـ (١). ألَا لعنةُ الله على الكاذِبين الظالمين. * مَعْمَرُ بائع الحنْطَة، دجَّال "المَعْمَريَّة": ° قال ابنُ حزم: "وفرقةٌ قالت بِنُبُوَّة معمر بائع الحنطة بالكوفة، وذكر الأشعريُّ هذه الفرقةَ تحت اسم "المعمريَّة"، وقال: إنها الفرقة الثانية من الخطَّابية، وهي الفرقةُ السابعة من الغالية، يزعمون أن الإمام بعد أبى الخطَاب رجلٌ يُقال له: "معمر"، وعَبَدوه كما عَبَدوا أبا الخطَّاب، واستحلُّوا

стр. 403

سائر المحرَّمات، وهم يُسَمَّون "المَعمريَّة": ويُقال: إنهم يُسَمَّوْن "اليعمرية" (١) "وكانوا يزعمُون أن الدنيا لا تفْنى، وأن الجنَّة هي التي تصيب الناسَ من خير ونِعمةٍ وعافية، وأنَّ النار هي التي تصيبُ الناسَ من شرٍّ ومشقَّةٍ وبليَّة .. ودانوا بترك الفرائض، وكانوا يُنكرون القيامة ويقولون بتناسخ الأرواح" (٢). * عُمَير بنُ بيان التبَّان العِجْلي: ° قال ابن حزم: "وقالت فرقة بنبُوَّة عمير التبَّان بالكوفة، وكان -لعنه الله- يقول لأصحابه: "لو شئتُ أن أعيدَ هذا التِّبْن تِبرًا لفعَلْتُ، وقَدِمَ إلى خالد بن عبد الله القَسْريِّ بالكوفة، فتجلَّد وسَبَّ خالداً، فأمر خَالد بضرب عُنُقه، فقتِل إلى لعنة الله" (٣). وذكر الأشعريُّ هذه الفرقةَ تحت اسم "العُمَيْرِيَّة"، وهي الفرقة الرابعة من الخطَّابية، والتاسعة من الغالية، وهم منسوبون إلى عُمَير بن بيان العجلي -ولم يذكر وَصفُه بالتبَّان-، وكان هؤلاء قد ضَربوا خيمةً في كناسةِ الكوفة، ثم اجتمعوا إلى عبادةِ جعفر، فأخذ يزيدُ بنُ عمرو بنِ هُبَيْرة عميرَ بن البيان، فقتله في الكناسة" (٤). ° وقد قالت العُمَيرْية: "بتكذيب الذين قالوا منهم: إنهم لا يموتون، وقالوا: إنا نموت، ولكن لا يزال خَلَفٌ مِنَّا في الأرض أئمةً أنبياءَ .. وعَبَدوا

стр. 404

جعفراً وسَمَّوْه ربّاً" (١) * عمَّار بن موسى الساباطي، الملقب "بخدَّاش": ° قال ابن حزم: "وقالت فرقة من أوائل شيعةِ بني العباس بنبوة عمَّار الملَقَّب بخدَّاش، فظفر به أسدُ بنُ عبد الله أخو خالدِ بن عبد الله القَسْري، فقتله إلى لعنة الله" (٢). وطائفته تسمى "العَمَّارية" وتُسمَّى "الإفْطَحِيَّة" أو "الفُطْحية"، يسوقون الإمامةَ إلى جعفر الصادق، ثم زعموا أن الإمامَ مِن بعده ولدُه عبد الله، وكان أفطَحَ الرِّجْلَين (٣). واستظهر الشيخُ محمد محيي الدين عبد الحميد أن عمَّاراً هذا هو عمارُ ابن موسى الساباطي، وله كتابٌ كبير معتمد عندهم (٤). * أحمدُ بنُ خابط، والفضلُ الحُدَثي، وأحمدُ بن نانوس ثالوثُ الكفر والزندقة: أحمدُ بن خابط، والفضلُ الحدَثيُّ البَصْريَّان، وكانا تلميذَينِ لإِبراهيمَ النَّظَّام، كانا يَزعُمانِ أن للعالَم خالقينِ، أحدهما قديم -وهو الله تعالى-، والآخرُ محدَثٌ -وهو كلمةُ الله المسيح عيسى التي خَلَق الله بها العالَمَ-، وكانا -لعنهما الله- يَطعنانِ على رسولِ الله ﷺ بالتزويج، وأن أبا ذر كان أزهدَ منه.

стр. 405

وكان أحمدُ بنُ خابط -لعنه الله- يقول: إنَّ في كلِّ نوع من أنواع الطير والسَّمك وسائرِ حيوانِ البَر حتى البقِّ والبراغيثِ والقُمَّل والقُرود والكِلاب والفيران والتيوس والحمير، والدود والوزغ والجُعْلان أنبياءَ لله تعالي رسالةً إلى أنواعهم مما ذكرنا ومن سائر الأنواع. وكان -لعنه الله- يقول بالتناسخ والكُرور، وأن الذي يَجيءُ يومَ القيامة مع الملائكة في ظُلَلٌ من الغمام إنَما هو المسيحُ عيسى بنُ مريم ﵇، وأن الذي خَلَق آدمَ على صورته إنَّما هو المسيحُ عيسى بنُ مريم ﵇، وأنَّ الذي يُحاسِبُ الناس يومَ القيامة إنَّما هو المسيحُ عيسى بنُ مريم ﵇. وكان -لعنه الله- يقول: إنَّ للثواب دارَيْنِ: أحدهما لا أكلَ فيها ولا شُرب، وهي أرفعُ قدْراً من الثانية .. والثانية فيها أكلٌ وشربٌ وهي أنقصُ قَدْراً (١). ° أما أحمد بنُ أيوب بن نانوس أو "مَانوس" فإنه تلميذ الكافر أحمدَ بن خابط وعلى مذهبه، وكان يقول بقول مُعَلِّمه في التناسخ، ثم ادَّعى النّبوَة وقال: إنه المُراد بقول الله : ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] (٢). * عليُّ بنُ الفَضل الحِمْيَريُّ: عليُّ بنُ الفضل بنِ أحمدَ الخَنْفري الحمْيَري (٣)، قيل: إنه سار ليَحُجَّ

стр. 406

ثم ليزورَ قبرَ الحُسين بكربلاء، والتقى هنالك بجَدِّ الفاطميين عُبيدِ الله بنِ ميمونَ القَدَّاح، فتفرَّس فيه الذكاءَ والنبوغَ، فانتدبه للقيام بالدعوة، وأمره بالعَودة إلى اليمنِ (١)، وبعد وصوله اليمن أظهر التنسُّكَ والعبادة، وكان الناسُ يطلبون منه الدعاءَ، ويَرَون فيه الرجلَ الصالح، ولَمَّا كثر أتباعُه أَعلَنَ التمرُّدَ واستولى على أجزاءَ كثيرةٍ في اليمن، وصل بعدها إلى "زَبيد وصنعاء"، وهناك أعلن مذهبَه ومُعتقَدَه (٢) السيئ. وبعد أن دَخل صنعاءَ، صَعِدَ المنبر، وقال قصيدتَه المشهورةَ التي صَرَّح فيها بدعوى النبوَّة، وهذا مَطلعُها: خُذِي الدُّفَّ يا هذه واضرِبي … وغنِّي هَزَاركِ ثم اطرَبِي تولَّى نبيُّ بني هاشمٍ … وجاء نبيُّ بني يَعْرُبِ أَحَلَّ البناتِ مع الأمهات … ومِن فضله زاد حِلَّ الصَّبي لكلِّ نبيٍّ مضى شِرْعةٌ … وهذي شريعةُ هذا النَّبِي (٣) لقد حَطَّ عنَّا فروضَ الصلاة … وحَطَّ الصيامَ ولم يُتعِبِ إذا الناسُ صَلَّوا فلا تنهضي … وإن صُوِّمُوا فكُلي واشربي ولا تمنعي نفسَكِ المُعَرِّسين … مِنَ الأقربين أو الأجنبي فلمْ ذا حَللتِ لهذا الغريب … وصِرْتِ مُحَرَمَة للأبِ؟! أَليس الغِراسُ لمَنْ رَبَّه … وسَقَّاه في الزمنِ المجدِبِ؟! وما الخمرُ إلاَّ كماءِ السماء … حَلالٌ فقُدِّستِ من مَذهبِ

стр. 407

° وكان يخاطبُ نُوَّابه وأمراءَه في كتبه بقوله: "مِن باسِطِ الأرضِ وداحيها، ومزلزِلِ الجبالِ ومُرسيها عليِّ بن الفضل". ثم يتبجَّحُ بالرسالة والاتِّصال بالله ، حتى كان مؤذِّنهُ يقول في أذانه: "أشهد أن عليَّ بن الفضل رسول الله" (١). فأقر الداعي الإسماعيليُّ إدريسُ عماد الدين بأن عليَّ بن الفضل "ادَّعى النبوة"، وبعد فترةٍ قاسيةٍ عاشها أهلُ اليمن في عهده، سَخِط عليه فيها أهلُ السماء وأهلُ الأرض حتى أقرباؤه وحاشيته لانغماسه في المحرمات والخروج على شريعة الإِسلام، بعد ذلك أهلكه الله على يدِ أحدِ الأطباء عام ٣٠٣ هـ (٢)، فأراح الله منه البلاد والعباد. * "الجَنَاحِيَّة" من غُلاة الشِّيعة: فرقةٌ ضالةٌ من غُلاة الشيعة، يزعمون أن عبدَ الله بنَ معاوية بنِ عبدِ الله ابنِ جعفرَ ذي الجناحيْن يَنبُتُ العلمُ في قلبه كما تَنبُتُ الكَمَأةُ والعُشْبُ، وأنَّ الأرواحَ تَنَاسخت، وأنَّ رُوحَ اللهِ جَل اسمُه كانت في آدمَ، ثم تناسخت حتى صارت فيه. وزعموا أنه ربٌّ، وأنه نبيٌّ، فعَبَده شيعتُه، وهم يَكفُرون بالقيامة، ويَدَّعون أن الدنيا لا تَفْنى، ويَستحلُّون المَيْتَة والخَمْرَ وغيرَهما من المحارم (٣) وهؤلاء - لعنهم الله - لا يَرَوْن وجوبَ الصلاةِ والصوم والزكاةِ والحج وغيرِها

стр. 408

من الطاعات، ويزعمون أن المرادَ بأسماءِ هذه العبادات جماعةٌ من أهلِ البيت أوجب اللهُ تعالى على الناس موالاتَهم وسَتَر أسماءَهم، وكنَّى عنهم بأسماءِ هذه العبادات، ويَدَّعون أن عبدَ الله بنَ معاوية -الذي ينتسِبون إليه- لم يَمُتْ، وأنه حي في جبال أصبهانَ، وأنه لا يزال حيًّا حتى يخرجَ إليهم. والثابت أن أبا مسلم الخُراساني سار إلى عبد الله بن معاوية وشيعته وقتله، ثم أظهر الدعوة العباسية (١). * "الغُرَابيَّة" مِن غُلَاة الشِّيعة: وهذه الطائفةُ مرتدة ٌكافرة. ° قال عبد القاهر البغدادي: "الغُرابية قومٌ زعموا أن اللهَ أرسل جبريلَ ﵇ إلى عليٍّ، فغَلِطَ في طريقه فذهب إلى محمدٍ؛ لأنه كان يُشبهه، وقالوا: كان أشبهَ به من الغُرَاب بالغُرَاب، والذُّباب بالذُّباب، وزعموا أن عَلِيًّا كان الرسولَ وأولادُه بعده هم الرُّسُل. ° وهذه الفرقة تقولُ لأتباعها: "العَنُوا صاحب الرِّيشَ" .. يَعْنُون جبريل ﵇" (٢). ° ثم قال: "والغُرَابية من الرَّافِضة يلعنون جبريلَ ومُحمداً ﵉، وقد قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]، وفي هذا تحقيقُ اسم الكافر

стр. 409

لمُبغِضِ بعضِ الملائكة، ولا يجوزُ إدخالُ مَن سَمَّاهُمُ اللهُ كافرين في جملة فِرَقِ المسلمين" (١). ° وقال ابنُ حزم: "الطائفة التي أوجبت النبُّوَّة بعد النبي ﷺ فِرَق، فمنهم الغُرابيةُ وقولُهم: إن محمداً ﷺ كان أشبَهَ بعليٍّ من الغُراب بالغراب، وأنَّ اللهَ بَعَث جبريل ﵇ بالوحي إلى عليٍّ، فغَلِط جبريلُ ﵇ بمحمد، ولا لومَ على جبريل في ذلك لأنه غلِط!!. وقالت طائفة منهم: بَلْ تعمَّد ذلك جبريلُ، وكفَّروه ولَعنوه -لعنهم الله-. ° قال أبو محمد بن حزم: "فهل سُمع بأضعفَ عقولاً، وأتمَ رَقَاعةً من قوم يقولون: إنَّ محمداً ﷺ كان يُشبِهُ عليَّ بنَ أبي طالب!!! فيا للناس!!! أين يقعُ شبهُ ابنِ أربعين سنةً من صبيٍّ ابنِ إحدى عشْرةَ سنة، حتى يغلَط به جبريل ﵇!!، ثم محمد ﷺ فوق الرَّبعة إلى الطُّول، قويمُ القناة، كثُّ اللحية، أدعجُ العينيْن، ممتلىُء السَّاقيْن، قليلُ شعر الجسد، أَفرعُ .. وعليٌّ دون الرَّبعة إلى القِصر، مُنْكَبٌّ شديدُ الانكباب كأنهْ كُسِر ثم جُبر، عظيم اللِّحية، قد ملأت صَدْرهُ من مَنْكِبٍ إلى مَنْكِبٍ إذا التحى، ثقيل العينيْن، دقيقُ السَّاقين، أصْلَع، عظيمُ الصَّلَع، ليس في رأسه شعر إلاَّ في مُؤخِّره يسير، كثيرُ شعر اللِّحية .. فاعجَبوا لحُمق هذه الطَّبقة. ثم لو جاز أن يَغْلَطَ جبريلُ -وحاشا لروحِ القُدُس الأمين- كيف غَفَل الله عن تقويمه وتنبيهه، فتركه على غَلَطِه ثلاثاً وعشرين سنةً!!

стр. 410

ثم أظرفُ من هذا كُلِّه: مَنْ أخبرهم بهذا الخبر، ومَن خَرَّفهم بهذه الخرافة؟ وهذا لا يعرفُه إلاَّ مَن شاهَدَ أمرَ الله تعالى لجبريلَ ﵇، ثم شاهَدَ خِلافَه، فعلى هؤلاء لعنةُ الله ولعنةُ اللاعنين، والملائكةِ والناسِ أجمعين، ما دام للهِ في عالمه خَلْق" (١). ° قال عبدُ القاهر: "وكُفْر هذه الفرقة أكثرُ من كُفْر اليهود الذين قالوا لرسول الله ﷺ : "مَنْ يأتيك بالوحي مِن الله تعالى؟ فقال: "جبريلُ"، فقالوا: إنَنا لا نُحِبُّ جبريلُ؛ لأنَّه ينزل بالعذاب، وقالوا: لو أتاك بالوحي ميكائيلُ الذي لا ينزل إلاَّ بالرحْمة لآمَنَّا بك"، فاليهودُ -مع كفرهم بالنبي ﷺ ، ومَع عَدَواتهم لجبريلَ ﵇ لا يَلعنون جبريلَ، وإنما يزعُمون أنَّه مِن ملائكة العذاب دون الرحمة" (٢). * "الذمِّيَّة" .. من غُلاة الشيعة: ° قال الشيخ عبد القاهر البغدادي في بيانه للفِرَقِ الخارجة عن هذه الأمة: "وأمَّا الذَّمَيَّة منهم: فقومٌ زعموا أن عَلِيًّا هو الله، وشتموا محمَّدًا، وزَعموا أن عَلِيًّا بَعَثه ليُنبئَ عنه، فادعى الأمرَ لنفسه. وهذه خارجَةٌ عن فِرَق الإسلام لكفرِها بنبوَّة محمدٍ ﷺ مِن الله تعالى" (٣). * فِرْقة من الكَيْسانِيَّة: ° قال الإمامُ ابنُ حزم في قوله عن الغالية من الشيعة التي أوجبت

стр. 411

النبوَّة بعد رسول الله ﷺ لغيره: "وفرقةٌ قالت بنبوَّة على وبَنِيه الثلاثة: الحسنِ والحسيْنِ ومحمد بن الحنفِيَّة فقط، وهم طائفةٌ من الكَيْسانية". والكَيْسانية من الرافضة هم أتباع المختارِ بنِ أبي عُبيد الثقفِيِّ، وكان المختارُ يُقال له: "كَيْسان"، وقيل: إنه أخذ مقالتَه عن مَوْلًى لعلي ﵁ كان اسمه "كَيْسان". وافتَرقت الكَيْسانية فِرَقاً يجمعُها شيئان: أحدهما: قولُهم بإمامةِ محمدِ بن الحنفِيَّة، وإليه كان يدعُو المختارُ بن أبي عُبَيْد. والثاني: قولُهم بجواز البَدَاء على الله ، ولهذا البدعةِ قال بتكفيرهم كل مَن لا يُجيز البداءَ على الله سبحانه. وزعم قومٌ منهم -وهم "الكَرْبية" أصحابُ أبي كرب الضرير- أن محمدَ بنَ الحنفيةِ حي لم يَمُت، وأنه في جَبَل "رَضْوَى"، وعنده عينٌ من الماء وعين من العَسَل يأخذ منهما رِزقه، وعن يمينه أسد، وعن يساره نَمِر، يحفظانه من أعدائه إلى وقت خروجه، وهو المهديُ المُنْتَظَر!! " (١). ° قال كُثيِّر عَزَّة - وكان من هذه الطائفة: ألَا إن الأئِمَّة من قُرَيْش ...... ولاةُ الحَقِّ أربعةٌ سَوَاءُ عَلِيٌ والثَّلاثَة من بنيه ...... هُمُ الأسْبَاط ليسَ بهِمْ خَفَاءُ فَسِبْطٌ سِبْط إِيمانٍ وبِر ...... وسِبْط غَيّبتْه كَرْبَلاء

стр. 412

وسبْط لا يَذوقُ الموتَ حتى ..... يقود الخَيْلَ يَقدُمها اللِّواءُ تَغَيَّبَ لا يُرَى فيهم زَمَانًا ..... بِرضْوى عنده عسَلٌ ومَاءُ (١) ° وقال كثيِّرُ عزةَ في قصيدة أيضاً: أَلَا قل للوَصِيِّ فَدَتْكَ نَفْسِي ...... أَطَلتَ بِذَلِكَ الجَبَل المُقَامَا أَضَرَّ بَمِعْشَرٍ وَالَوْكَ مِنَّا ...... وسَمَّوْكَ الخَليفةَ وَالإمَامَا وما ذاقَ أبنُ خَوْلةَ (٢) طَعْمَ مَوْتٍ ...... ولا وَارَتْ له أرضٌ عِظَامَا لقد أَمْسَى بِمَجْرى شِعْب رَضْوَى ...... تُراجِعُهُ الملائكةُ الكَلَامَا وإِنَّ لهُ لَرزْقًا كُلًّ يَوْمٍ ....... وأَشْرِبَةً يُعِلُّ بِها الطَّعَامَا ° فأجابه عبد القاهر البغدادي: لقد أَفْنَيْتَ عمرَكَ بانتظار ...... لمن وراى الترابُ له عِظَامَا فليس بشِعْبِ رَضْواءَ إِمَامٌ ..... تُرَاجِعُهُ الملائكةُ الكَلَامَ ولَا مَن عِنْدَه عَسَلٌ ومَاءٌ ...... وأشربةٌ يُعلُّ بها الطَّعَاما وقد ذاقَ ابنُ خَوْلَةَ طَعْمَ مَوْتٍ ..... كما قد ذاقَ والِدُه الحِمَامَا ولو خَلَدَ امرؤٌ لعُلُوِّ مَجْدٍ ..... لعاشَ المصطفى أبدًا ودَامَا (٣) * * *

стр. 413

* الإِسماعيليَّة (١): كل مَن كَتَب عن عقائد الخطابيَّة -كالأشعريِّ والملطيِّ والبَغدادي وابنِ حزم والشَّهْرِستانيّ والجُويني وَابنِ الأثير- يقرِّرُ أنَّ أبا الخطاب مولى بني أسد وأصحابَه كانوا يقولون: "إنَّ لكلِّ ظاهر باطنًا، وإن ظاهرَ القرآن يحتاجُ للفهم الصحيح إلى التأويل"، وقالوا بالتناسخ وتكفيرِ الصحابة، فأبو الخطَّاب هو المؤسسِّ الحقيقي للعقائد التي تبنّتها الإسماعيليةُ فيما بعد، وإن ميمونَ القَدَّاحَ وابنَه عبدَ الله كانا من دُعاته وأكابرِ علماءِ طائفته، وإن أولَ مَن قام بالدعوة الإسماعيلية أبو شاكر ميمون، كان ممن صَحِبَ أبا الخطاب محمدَ بنَ أبي زينب. والإِسماعيليةُ هم أبناءُ ميمونَ القَدَّاح، ولا صِلَةَ لهم مطلقًا بالبيت العَلَوِيِّ، وهم -كما قال أهلُ السنة-: "ظاهرهم الرفض، وباطنُهم الكفرُ المحض". ادَّعى الفاطميون -وهم الإسماعيلية- نِسْبَتَهم إلى البيت العَلَويِّ، وأنكر ذلك عليهم علماء الإِسلام من أهل السنة والعلويون أيضاً، ومنهم الشريفُ الرضي، وكتبوا وثيقةً بذلك. وأنكرَ نسْبَهم إلى بيتِ النبوة كبارُ علماء الإِسلام كالبغداديِّ وابنِ كثير وابن تيمية والذهبيِّ وابن حجر والسَّخاوي، وابن تَغْرِي بَرْدي، وابنِ

стр. 414

الجوزي والسُّيوطي وغيرِهم. فعُبيد الله الملقَّبُ بالمَهديِّ هو سعيدُ بنُ الحُسين بنِ أحمدَ بنِ عبدِ الله بن ميمون القَدَّاح بن دِيصان الثنوِي الأهوازي، وأصلُهم من المجوس. وقال هؤلاء الملاعنة بنبوَّة محمدِ بن إسماعيل بن جَعفر .. وانظر إلى كلامهم في النبوَّة ترى العَجَبَ العُجاب والكفرَ المَخض. * والإِسماعيليةُ يعتقدون بـ: أولاً: أنَّ النبوةَ مكتسَبة، وأنَّ الإِنسانَ يستطيعُ أن يُصبحَ نبيّاً بعد التحلِّي بعد الارتياض والمجاهرة. ثانياً: وهي فَيضٌ يَفيضُ من أحدِ العقول العَشَرة. ثالثاً: أن جبرئيلَ ليس من ملائكِ الرحمن. رابعاً: الرسولُ تَعلَّم من بشر، وهو المعبَّر عنه بالوحي. خامساً: وأن القرآنَ ليس بكلام الرحمن الذي تكلَّم به الربُّ جل وعلا، بل هو من كلامِ الرسول المركَّبُ من خَطَرات النفس. سادساً: أن الرسولَ أقامه أبو طالب، وهو الذي جَعله رسولاً. سابعاً: وأبو طالب هو إمامُ الزمان والربّ. ثامناً: ودعوةُ الرسول- ﷺ ومَن سَبَق من الأنبياء كانت إلى عليٍّ. تاسعاً: وعليٌّ هو مرسِلُ الرسل، باعثُ الأنبياء. عاشراً: وكان يفضِّل محمدًا ﷺ ، بل كان مولى له، وهو عبدُه (١). الحادي عشر: الاعتقادُ بإتيان رسولٍ بعد خاتمِ المرسلين وهو

стр. 415

محمدُ بن إسماعيل. الثاني عشر: انقضاءُ دَوْرِ رسول الله ﷺ ، ونَسخ شريعته بشريعة أخرى. الثالث عشر: رَفعُ التكاليف الشرعية، والاكتفاءُ بالباطن المحض (١). * فهل هناك كفرٌ فوقَ هذا الكفر؟!! وسنأتي بنصوصٍ من كُتُبهم تبيِّن ذلك .. فالنبيُّ عندهم شخصٌ يتحلَّى بالخصالِ الاثنتَىْ عشْرة: أولاً: أن يكون تامَّ الأعضاء. ثانيًا: أن يكون جيِّدَ الفهم. ثالثاً: أن يكون جيّدَ اللفظ. رابعاً: أن يكون فَطِنًا ذكيًّا. خامساً: أن يكون حَسَنَ العبارة. سادساً: أن يكون محبًّا للعلم والإفادة. سابعاً: أن يكون محبًّا للصدق. ثامناً: أن يكون غَيرَ شَرِهٍ في الأكل والشرب والنكاح. تاسعاً: أن يكون كبيرَ النفس. عاشراً: أن يكون زاهداً في الدنيا. حادي عشر: أن يكون محبًّا للعدل. ثاني عشر: أن يكون قويَّ العزيمة (٢).

стр. 416

° وقالوا: "إذا اجتمعت هذه الخصالُ في واحدٍ من البشر، في دَور من أدوار القِرانات في وقتٍ من الزمان، فإن ذلك الشخصَ هو المبعوثُ، وصاحبُ الزمان، والإمامُ للناس ما دام حيًّا .. فإذا بلَّغ الرسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونَصَح الأمة، ودَوَّن التنزيل، ولوَّح التأويل، وأحكمَ الشريعة، وأوضحَ المنهاج، وأقام السُّنة، وألف شملَ الأمة، ثم تُوفِّي ومَضَى إلى سبيله، بَقِيَتْ تلك الخِصالُ في أُمَّته وِرَاثَةً منه .. وإنِ اجتَمعت تلك الخصالُ في واحدٍ من أمته أو جُلُّها، فهو الذي يَصلُحُ أن يكون خليفة في أمته بعد وفاته" (١). ° فإذن النبوَّة مكتسبة، وبذلك صرحوا، حيث قالوا: "إنَّ العلماءَ ذَكروا أن العلومَ ثلاثُ مراتب: أولها الرياضيات، وبعدها الطبيعيات، وبعدها الإلهيات. فمن ابتدأ أولاً بتعلُّم الرياضيات وأَحكمها كما ينبغي، سَهُل عليه تعلُّم الطبيعيات، ومن أَحْكم الطبيعياتِ كما ينبغي، سَهُل عليه تعلُّم الإلهيات. فهكذا نقول: مَن يريد أَن يهذِّب نفسُه ويهيئَها لقَبول إلهامِ الملائكة إذا ابتدأ أولاً فأَصلح أخلاقَه الرديئةَ التي نشأ عليها منذ الصبا، ثم سار سِيرةً عادلةً في مُتصرَّفاته كما رُسِم له في الشريعة، ثم نظر في العلوم الحسِّية فأَحكمها كما يجب، مِثل ما ذكرنا في رسالة "الحاسَ والمحسوس"، ثم نظر في الأُمور العقليةْ فأحكَمَها كما يجبُ ليحل بها عن ضميره، والآراءِ

стр. 417

الفاسدة التي اعتقدها قبل البحث عن حقائقِ الأشياء، كما بيَّنا في رسالة "العقل والمعقول"، فأَقول: إنَّ نفسه عند ذلك متهيئةٌ لقبول إلهام الملائكة، وكلما زاد في المعارف استبصاراً، صارت نفسُهُ لقَبول إلهام الملائكة أَسهلَ طبعاً، ولطاعةِ العقل أَشدَّ تشبُّها، وإلى السمائيَّة أقربَ قُربةً .. وأعلمُ أن الحيواناتِ متفاوتةٌ في شعورها ومعارفها .. وذلك أنَّ منها ما له حاسةٌ واحدة، ومنها ما له حاسَّتان، ومنها ما له ثلاثُ حواسَّ، ومنها ما له أربعُ حواسَّ، ومنها ما له خَمسُ حواسَّ، كما بينَّا في رسالة "الحيوانات". وهكذا أيضاً الناسُ متفاوِتون في معارِفهم وعلومهم: وذلك أنَّ مِن الناس عقلاءَ وبُلَهاء، ومِن العقلاء علماءَ وجهلاء، والعلماء متفاوِتون في درجات العلوم .. وذلك أن منهم مَن يُحسِنُ عِدَّةَ علوم، ومنهم مَن هو أكثرُ منه، ومنهم دون ذلك، وأن المُفيدِين في العلوم يتفاوَتون في درجاتهم: وذلك أنَّ منهم مَن تكونُ معلوماتُه كلُّها جُسمانية، ومنهم مَن تكونُ معلوماتُه رُوحانية. وأعلمُ أنَّ كلَّ عالِم تكونُ أكثرُ معلوماته روحانيةً فهو إلى الملائكة أقربُ رتبةً، ومن أَجل هذا جَعَل اللهُ طائفةً من بني آدمَ واسطةً بين الناس وبين الملائكة، لأنَّ الواسطةَ هي التي تُناسِبُ أحدَ الطرَفين من جهةٍ، والطرفَ الآخر من جهةٍ: وذلك أن الأنبياء ﵈ كانوا يناسِبون الملائكة بنفوسهم وصفاءِ جَوهرهم، ومِن جهةٍ أخرى كانوا يناسِبون الناسَ بغِلَظِ أجسامهم. واعلم يا أخي أن كلامَ الملائكةِ إنما هو إشاراتٌ وإيماء، وكلامُ الناس

стр. 418

عبارات وألفاظ، وأما المعاني فهي مشتركةٌ بين الجميع، وكانت الأنبياءُ تأخذ الوحيَ والأنباءَ عن الملائكة إيماءً وإشارات، وذلك بلطافة ذكاءِ نفوسهم وصفاء جوهرها، وكانتْ تعبِّرُ عن تلك المعاني للناس باللسان الذي هو عضوٌ من الجسد لكلِّ أمةٍ بلُغتها وبالألفاظ المعروفة بينها. واعلم يا أخي أن نفسك مَلَكٌ بالقوَّة، ويمكن أن تصيرَ مَلَكاً بالفعل إن أنت سَلكت مَسلك الأنبياء وأصحابِ النواميس الإلهية، وعَمِلت بوصاياهم المذكورة في كتبهم المفروضةِ في سنن شرائعهم، وإنَّ نفْسَك أيضاً شيطان بالقوة، ويمكن أن تصيرَ يومًا شيطانًا بالفعل إنْ أنت سلكتَ مَسْلَكَ الأشرارِ والكفار (١). وأيضاً: إن كلَّ إنسانٍ تكونُ نفسُه أصفى جوهراً، وأذكى فهماً كما بيَّنَّا في رسالةِ "كيفية الطريق إلى الله تعالى"، فكانت أخلاقهُ وسجاياهُ لأخلاق الكرامِ أقربَ وأَشبهَ، كما بيَّنَّا في رسالة "الأخلاق"، وكان مذهبُه واعتقادُه باعتقادِ الأنبياء ومذهب الحكماء أشدَّ تحقيقاً، كما بيَّنَّا في رسالة "الناموس"، وكانت أعمالُه وسيرتُه بأفعال الملائكة وسيرتها أشدَّ تشبُّهاً، كما بينَّا في رسائل "إخوان الصفاء" .. فأقول: إن قَبول نفسِه إلهامَ الملائكة والوحيَ والأنبياءَ أَمكنُ. والدليل على صحَّةِ ما قلنا وصايا الأنبياءِ والحكماءِ بهذا الأمر، وذلك أن موسى ﵇ أوصى أولادَ هارون أن يَلزمَوا -بعد قيامهم بشريعة التوراة- خِدمةَ الهيكل المسمَّى "الزمان"، ويتعبَّدوا فيها، ويتركوا لذَّاتِ نعيم الدنيا

стр. 419

واتِّباعَ شهواتِ النفوس، ويقتصِروا على ما لا بدَّ منه من القُوت، وما يَستر العَورة من اللباس، ويَتركوا ما سوى ذلك من الفضول، كلُّ ذلك كيما تصفو نفوسُهم، وتتهذبُ أخلاقهم، وتصير نفوسهم متهيئةً لقَبول الوحي والإلهام، وقال لهم: "مَن تعبَّد منكم على ما رَسمتُ له في هذا الهيكل أربعين سنةً مُخلصاً، جاءه الوحيُ من الله ، ونزلت عليه الملائكة بالروح" (١). ° وأما الشريعةُ فقالوا: "إن الشريعةَ الإلهيةَ هي جبِلَّةٌ رُوحانية تبدو من نفسٍ جزئيةٍ في جسدٍ بشريٍّ بقوَّةٍ عقليّةٍ تَفيضُ عليها من النفس الكلية بإذن الله تعالى في دروس الأدوار، وقرآن من القرآنات، وفي وقتٍ من الأوقات" (٢). ° ويوضِّحُ السِّجستاني أبو يعقوب إسحاقُ الداعي الإسماعيلي أيامَ المُعِزِّ لدين الله: "إنَّ النبوَّةَ لا تَحدُث بغتةً في قلبِ النبي، بل جُزءٌ، وعملٌ بعد عمل، وزيادةٌ بعد نُقصان، ونُقصانٌ بعد زيادة إلى أن يكمُلَ كونُها فتظهر مصوَّرةً مُجلاَّةً، فلا تزالُ في ارتفاع إلى أن تبلغَ منتهاه في الرِّفعة" (٣). ° وأخطر مِن ذلك ما صَرَّح به السِّجستاني أيضاً تحت عنوان "كيفية قبول الرسالة من المرسِل"، فيقول: "إن القبولَ قَبولان: قبولُ سمع، وقبولُ

стр. 420

وَهْم، فالقبولُ السمعيُّ يكون بالكلام، والقبولُ الوَهْمِي يكونُ بالخطرات، والكلامُ يكونُ من المتكلِّم فيه آلاتُ الكلام، والخطرات من متفكِّر فيه خزائنُ العقل .. فصَحَّ مِن هذه الجهة أن قبولَ الرسل قبولٌ وَهْميٌّ يخطُرُ في أفئدتِهم ما أُرسلوا به، ثم يؤدُّون إلى الأمم بلسانهم ولغتهم" (١). ° ثم أجاب عن قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١]: "يعني ما كان للناطق أن يَصِلَ إليهَ خَطرٌ من كلمةِ الله تعَالى: ﴿إِلاَّ وَحْيًا﴾، يعني: إلا ما يؤيِّده من جهةِ السابق ﴿أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ يعني: أو ما يؤيِّده به من جهة السابق هن وراء التالي، فالتالي حجابٌ بين الطبيعة والعقل، إذ هو المتوسِّطُ بينهما، ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾، يعني: أن الناطقَ إذ رَقى إلى حدِّ الناطقية فقد فُرض عليه أن يُغيِّر بلسانِه كما قَذَفَ في قلبه الروحُ الأمين من صناعةِ الأشياء ليُبَلِّغَ بذلك إلى الأمة، فنظرنا في الكلام فوَجَدْنا صوتَ الموضوع بالاتفاق والاصطلاح دالاًّ على الزمان، وإذا فُرِّقت أجزاؤه لم تَدُلَّ على شيءٍ من الكلام" (٢). ° وقال أيضاً في كتابه الآخر: "هذا وَهْمٌ من العوامِّ أن الرسالة إنما هي إرادةُ الله تعالى أن يُرسِلَ رسولاً إلى خَلقِه فيُرسلَ إليه مَلَكاً من الملائكة" (٣). ° وأمَّا ما يُقالُ بأنَّ النبيَّ ﷺ كان يُوحَى إليه بواسطة جبرائيلَ هو من الملائكة، فليس الأمر كذلك، لأن جبرائيلَ عند الإسماعيلية ليس بمَلَكٍ من

стр. 421

ملائكة الرحمن، الذي خُصِّص بسفارةِ الرب إلى أنبيائه، ونزولِ كلامه إلى رسله، بل هو إما عبارةٌ عن أحد العقولِ العَشَرة أو عن الخيال، أو البَشَرِ الذي يزعمُ الإسماعيلية أنه كان يعلِّمُ اَلرسولَ ﷺ . عياذاً بالله مِن اتِّهام الكَفَرة المخالِفين لرسول الله ﷺ ، المعادِين له ولدعوته التي كان يدعو بها بأمرٍ من الله ووحيه، الذين أخبَرَ عنهم الربُّ ﵎ بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، وأنهم: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]. ° فيقولون: "إن الإمامَ نَفْس، وجبرائيلَ عَقلُ المُكنَى عنه بالخيال" (١). ° وأما السِّجستاني فيقول: "إن جبرائيلَ كنايةٌ عن ثقة الله الذي لا يُجاوِزُه ولا يَعدُوه" (٢). ° وأما كون جبرائيلَ بشراً، فصَرَّح به الداعي الإسماعيلي طاهرُ بنُ إبراهيم الحارثي اليماني: "وكان العقلُ العاشرُ هو المحتجِبُ لمحمد ﷺ ، المؤيِّد له، الناظرُ إليه، المُمْدِدُ له بواسطةِ الجدِّ والفتحِ والخيال عند كماله وبلوغه رتبةَ الحِجابية؛ لأن كلَّ ناطقٍ ووَصِيٍّ وإمامٍ لا بدَّ له من التعليم والترقِّي رُتبةً رتبةً، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، فكان محمدٌ ﷺ -آحذاً من أُبىِّ بنِ كعبٍ في حال تعليمه ابتداءً، وهو المَكنِيُّ عنه بجبرائيل" (٣).

стр. 422

ومعناه أن أُبَيَّ بنَ كعبٍ هو الذي كان يُعلِّمُ رسولَ الله ﷺ -عياذاً بالله- وليس هو فحسب. بل يقولون بكلمة الكفر اكبرَ من ذلك وأعظمَ، حيث يُصرِّحون أن رسولَ الله ﷺ كان يُعلِّمُه ويُربِّيه ويُوحِي إليه خمسةٌ، لا أُبيُّ بنُ كعب وحدَه كما صرح بذلك الحامدي وغيرُه من الدعاة الإسماعيلية الكبارِ، حيث كَذَبوا على رسول الله ﷺ أنه قال: "تَسلَّمتُ من خمسة"، وهو عَلِم ما تَسلَّمه من مراتبِ النُّطقاءِ الخمسةِ من قَبله، فأولُ مَن وقع في يدِه أبيُّ بن كعب، ورَبَّاه بحقيقةِ الوِصاية التي هي حظُّ آدم، فَعَلِمَها وقام بها، ثم رَفَعه إلى زيدِ بن عمروٍ، فربَّاه بمعاني الطهارةِ التي هي حظُّ نوح، فَعَلِمها وقام بها، ثم رَفَعه إلى عمرِو بنِ نُفيل، فربَّاه بمعاني الصلوات التي هي حظُّ إبراهيم، فعَلِمَها وقام بها، ثم رفعه عمرُو بنُ نفيل إلى زيدِ بن أسامةَ، فربَّاه بمعاني الزكاة التي هي حظُّ موسى، فَعَلِمها وقام بها، ثم رفعه إلى بحيرا الراهب، فربَّاه بمعاني الصيام الذي هو حَظُّ عيسى، فعَلِمَها وقام بها، ثم رفعه إلى حُجَّةِ صاحب الوقت التي هي خديجةُ بنتُ خويلد، وذلك بعد مزاوجته لها، وقد صار ماهراً في الشرائع ورموزها المراد بها، فرَفعت خديجةُ منزلتَه، وعَلَت رتبتُه في معاني الحجِّ وفرائضِه وسُنَنِه الذي هو حظُّه وَقِسْمُه من دعائمِ الدين. ثم أَمَرها إمامِ الوقت بتسليم وديعته إليه، من الرسالة والنبوة، فهؤلاء النُّطقاء الخمسةُ الذين تسلَّم منهم، والخمسةُ التي هي بينه وبين ربّه .. أي بينه وبين إمام زمانه مُربِّيه وكفيلِه، فهم: أُبَي بن كعب، وزيدُ بنُ عمرو، وعمرو بنُ نفيل، وزيدُ بن أسامة، وبَحِيرَا الراهب (١).

стр. 423

° ونَظَم هذا الداعي الإسماعيليُّ محمدُ بن علي الصُّوري في قصيدته تحت عنوان "القول في محمد": "ومات للحِين أبوه وأمُّهُ ....... وكان ذو الكفلِ الكريمُ عمَّهُ حتى إذا تُوِّج بالجلال ....... وصار في مرتبةِ الكمالِ زَوَّجه خديجةَ المبجَّلةْ ...... لأنَّ منها فاطمةَ المفضلةْ مِن بعدما صاحَبَ حِينًا مَيسرةْ ...... وهو الذي أفاده وأبصَرَهْ ثم أتى زيدٌ وعمروٌ بعدَهُ ....... فاض عليه الفتح والجد … " (١) وأما الربُّ وإمامُ الزمان، الذي يقول الإسماعيلية: إن الرسولَ صرَّح به في قوله: "أخذت من خمسة، وسُلِّمتُ إلى خمسة، وبيني وبين ربي خمسة"، كما روى ذلك الحارث اليماني الداعي الإِسماعيلي إبراهيم، وأشار إليه الحامدي أيضاً. فالربُّ في قوله ﵊ هو "أبو طالب"؛ لأنه هو الذي أرسله وأقامه، وهو كان إمامَ الوقت الذي كانت خديجةُ حُجَّته أيضاً كما ذكر ذلك الحارثي واضحاً وجليًّا. فقال: "قولُ ناطقِ دَوْرِنا ﷺ : "أخذتُ من خمسة، وسُلِّمتُ إلى خمسة، وبيني وبين ربِّي خمسة"، فالخمسةُ الذين أَخذ منهم هم الخمسةُ

стр. 424

المتقدِّمون عليه الذين تعلَّم كُتُبَهم المنزَّلةَ عليهم، وشرائعَهم التي شَرَعوها، وأوضاعَهم التي وضعوها، وتحقَّق تأويلاتِها ومعانيَها وحقائقَها، فالخمسةُ الذين بينه وبين ربِّه هم الحدودُ الدينية الذين أَخذ منهم، وتَعلَّم في بَدءِ أمرِه منهم، ورَقَّوه في مراتبِ الدين شيئاً بعد شيءٍ إلى أن بَلغ ذُورتَها، وهم: أُبيٌّ، وزيدُ بن عمرو، وعمرُو بن نفيل، ومَيسرة، وخديجةُ بنتُ خويلد، وهم حدود صاحب الوقت المقيم له المُعلي رُتْبَتَه، المسلِّم له وهو عمُّه أبو طالب" (١). وخلاصة ذلك أن النبي ﷺ لم يُقِمْه على مَنصبِ النبوَّة، ولَم يَبعثْه رسولاً إَلاَّ أبو طالب، كما أنه لم يُوحِ إليه، ولم يُعلِّمْه ولم يُفِدْه ويُبصِّرْه إلا أُبَيّ، وميسرة، وزيدُ بن حارثة، وعمرو بن نفيل، وبَحيرا الراهب، مع حُجَّة أبي طالب خديجة ﵂، فمحمدٌ ﷺ هو رسول الربِّ -أي أبي طالب-، وموحّى إليه من قِبَل أُبيٍّ وغيرِه، ومُعَلَّم من قبل خديجة -عياذًا بالله-. ° وهذه نصوصٌ زيادةٌ على ما ذكرناه آنفاً: ° فيقول الحامدي مفسِّرًا وشارحاً كلام المؤيَّد الذي نقله في كتابه: "وقوله -أي: المؤيَّد الشيرازي- بأربابٍ أدوارٍ تقدَّمت فيها الأنبياءُ والأسبابُ، يدلُّ على أن هذه الأربابَ المتقدِّمة على الأنبياء هم الذين أقاموهم مثل هُنيد مقيم آدم، وهود مقيم لنوح، ومثل صالح لإبراهيم، وآد لسوسي، وخُزَيمة لعيسى، ومثل أبي طالب لمحمدٍ ﷺ . فهذا معناه في أربابِ النقطاء، والأسباب هم الأوصياء والأئمة

стр. 425

القائمون مقامَهم مِن بعدِهم، وحدودهم، بيانُ ذلك قوله: أربابُ أدوارٍ فيها تقدمت الأنبياء والأسباب" (١). ° وقال الحارثيُّ اليمانيُّ ببيانٍ أوضحَ من ذلك وأظهر: "فقام أولُ نُطقاءِ دَورِ السِّتر وهو آدمُ ﵇ بأمرِ ذلك الإِمام الذي هو صاحبُ الزمان .. ولا يزالُ ذلك كذلك إلى أن يُقيمَ أساساً يَخلُفه في أمته، وانتقل إلى دارِ كرامةِ الله تعالى، وجَرَت الإمامةُ متسلسلةً من إمامٍ إلى إمام إلى وفاءِ دَورِه، وقام بعدَه الناطقُ الثاني، وهو نُوح ﵇ وقيامُه عن أمرِ إمام زمانه، وهو هود ﵇، وضِدُّه عَوْج بن عَنق، فقنَّن قوانين، وشَرعَ شرعاً غير ذلك الأول، ودعا إلى عبادةٍ ظاهرة، هي رُموزٌ واشاراتٌ إلى حدود الله الروحانية والجُسمانية، الدالة على توحيده وتنزيهه، إلى وفاءِ ما عليه من الخِدمة، ثم أقام وصية "ساما" ﵇ خَلَفاً في أمته، ومؤوِّلاً لباطنِ شريعته، ثم نَصَّ عليه، وانتَقَل إلى دارِ كرامة الله تعالى، وجَرت الإمامةُ متسلسلةً إلى تمام دَوره، وقام إبراهيمُ ﵇ عن أمرِ إمامِ زمانه، الذي هو صالح ﵇، فكان ضدَّه النمروذُ بن كنعان، فقنَّن قوانين، وشَرعَ شرعاً جَعَل فيه رموزًا وإشارات، إلى معرفةِ حدودِ الله الرُّوحانية والجُسمانية الدالةِ على معرفةِ توحيد الله وتنزيهه، إلى وفاء ما عليه من الخِدمة، وأقام وصيَّه إسماعيل ﵇ وانتَقل إلى دارِ كرامة اللًّه، وجَرَت الإمامةُ متسلسلةً في عَقِبهِ إلى وفاءِ دوره، وقام موسى ﵇ عن أمرِ إمام زمانِه الذي هو "أد" ﵇، وكان إبليسه فرعون، قائماً بإزائه، ففعل كما فَعل مَن كان قبله إلى وفاء
следующие страницы →