ملائكة الرحمن، الذي خُصِّص بسفارةِ الرب إلى أنبيائه، ونزولِ كلامه إلى رسله، بل هو إما عبارةٌ عن أحد العقولِ العَشَرة أو عن الخيال، أو البَشَرِ الذي يزعمُ الإسماعيلية أنه كان يعلِّمُ اَلرسولَ ﷺ .
عياذاً بالله مِن اتِّهام الكَفَرة المخالِفين لرسول الله ﷺ ، المعادِين له ولدعوته التي كان يدعو بها بأمرٍ من الله ووحيه، الذين أخبَرَ عنهم الربُّ ﵎ بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، وأنهم: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠].
° فيقولون: "إن الإمامَ نَفْس، وجبرائيلَ عَقلُ المُكنَى عنه بالخيال" (١).
° وأما السِّجستاني فيقول: "إن جبرائيلَ كنايةٌ عن ثقة الله الذي لا يُجاوِزُه ولا يَعدُوه" (٢).
° وأما كون جبرائيلَ بشراً، فصَرَّح به الداعي الإسماعيلي طاهرُ بنُ إبراهيم الحارثي اليماني: "وكان العقلُ العاشرُ هو المحتجِبُ لمحمد ﷺ ، المؤيِّد له، الناظرُ إليه، المُمْدِدُ له بواسطةِ الجدِّ والفتحِ والخيال عند كماله وبلوغه رتبةَ الحِجابية؛ لأن كلَّ ناطقٍ ووَصِيٍّ وإمامٍ لا بدَّ له من التعليم والترقِّي رُتبةً رتبةً، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، فكان محمدٌ ﷺ -آحذاً من أُبىِّ بنِ كعبٍ في حال تعليمه ابتداءً، وهو المَكنِيُّ عنه بجبرائيل" (٣).
стр. 422
ومعناه أن أُبَيَّ بنَ كعبٍ هو الذي كان يُعلِّمُ رسولَ الله ﷺ -عياذاً بالله- وليس هو فحسب.
بل يقولون بكلمة الكفر اكبرَ من ذلك وأعظمَ، حيث يُصرِّحون أن رسولَ الله ﷺ كان يُعلِّمُه ويُربِّيه ويُوحِي إليه خمسةٌ، لا أُبيُّ بنُ كعب وحدَه كما صرح بذلك الحامدي وغيرُه من الدعاة الإسماعيلية الكبارِ، حيث كَذَبوا على رسول الله ﷺ أنه قال: "تَسلَّمتُ من خمسة"، وهو عَلِم ما تَسلَّمه من مراتبِ النُّطقاءِ الخمسةِ من قَبله، فأولُ مَن وقع في يدِه أبيُّ بن كعب، ورَبَّاه بحقيقةِ الوِصاية التي هي حظُّ آدم، فَعَلِمَها وقام بها، ثم رَفَعه إلى زيدِ بن عمروٍ، فربَّاه بمعاني الطهارةِ التي هي حظُّ نوح، فَعَلِمها وقام بها، ثم رَفَعه إلى عمرِو بنِ نُفيل، فربَّاه بمعاني الصلوات التي هي حظُّ إبراهيم، فعَلِمَها وقام بها، ثم رفعه عمرُو بنُ نفيل إلى زيدِ بن أسامةَ، فربَّاه بمعاني الزكاة التي هي حظُّ موسى، فَعَلِمها وقام بها، ثم رفعه إلى بحيرا الراهب، فربَّاه بمعاني الصيام الذي هو حَظُّ عيسى، فعَلِمَها وقام بها، ثم رفعه إلى حُجَّةِ صاحب الوقت التي هي خديجةُ بنتُ خويلد، وذلك بعد مزاوجته لها، وقد صار ماهراً في الشرائع ورموزها المراد بها، فرَفعت خديجةُ منزلتَه، وعَلَت رتبتُه في معاني الحجِّ وفرائضِه وسُنَنِه الذي هو حظُّه وَقِسْمُه من دعائمِ الدين.
ثم أَمَرها إمامِ الوقت بتسليم وديعته إليه، من الرسالة والنبوة، فهؤلاء النُّطقاء الخمسةُ الذين تسلَّم منهم، والخمسةُ التي هي بينه وبين ربّه .. أي بينه وبين إمام زمانه مُربِّيه وكفيلِه، فهم: أُبَي بن كعب، وزيدُ بنُ عمرو، وعمرو بنُ نفيل، وزيدُ بن أسامة، وبَحِيرَا الراهب (١).
стр. 423
° ونَظَم هذا الداعي الإسماعيليُّ محمدُ بن علي الصُّوري في قصيدته تحت عنوان "القول في محمد":
"ومات للحِين أبوه وأمُّهُ ....... وكان ذو الكفلِ الكريمُ عمَّهُ
حتى إذا تُوِّج بالجلال ....... وصار في مرتبةِ الكمالِ
زَوَّجه خديجةَ المبجَّلةْ ...... لأنَّ منها فاطمةَ المفضلةْ
مِن بعدما صاحَبَ حِينًا مَيسرةْ ...... وهو الذي أفاده وأبصَرَهْ
ثم أتى زيدٌ وعمروٌ بعدَهُ ....... فاض عليه الفتح والجد … " (١)
وأما الربُّ وإمامُ الزمان، الذي يقول الإسماعيلية: إن الرسولَ صرَّح به في قوله: "أخذت من خمسة، وسُلِّمتُ إلى خمسة، وبيني وبين ربي خمسة"، كما روى ذلك الحارث اليماني الداعي الإِسماعيلي إبراهيم، وأشار إليه الحامدي أيضاً.
فالربُّ في قوله ﵊ هو "أبو طالب"؛ لأنه هو الذي أرسله وأقامه، وهو كان إمامَ الوقت الذي كانت خديجةُ حُجَّته أيضاً كما ذكر ذلك الحارثي واضحاً وجليًّا.
فقال: "قولُ ناطقِ دَوْرِنا ﷺ : "أخذتُ من خمسة، وسُلِّمتُ إلى خمسة، وبيني وبين ربِّي خمسة"، فالخمسةُ الذين أَخذ منهم هم الخمسةُ
стр. 424
المتقدِّمون عليه الذين تعلَّم كُتُبَهم المنزَّلةَ عليهم، وشرائعَهم التي شَرَعوها، وأوضاعَهم التي وضعوها، وتحقَّق تأويلاتِها ومعانيَها وحقائقَها، فالخمسةُ الذين بينه وبين ربِّه هم الحدودُ الدينية الذين أَخذ منهم، وتَعلَّم في بَدءِ أمرِه منهم، ورَقَّوه في مراتبِ الدين شيئاً بعد شيءٍ إلى أن بَلغ ذُورتَها، وهم: أُبيٌّ، وزيدُ بن عمرو، وعمرُو بن نفيل، ومَيسرة، وخديجةُ بنتُ خويلد، وهم حدود صاحب الوقت المقيم له المُعلي رُتْبَتَه، المسلِّم له وهو عمُّه أبو طالب" (١).
وخلاصة ذلك أن النبي ﷺ لم يُقِمْه على مَنصبِ النبوَّة، ولَم يَبعثْه رسولاً إَلاَّ أبو طالب، كما أنه لم يُوحِ إليه، ولم يُعلِّمْه ولم يُفِدْه ويُبصِّرْه إلا أُبَيّ، وميسرة، وزيدُ بن حارثة، وعمرو بن نفيل، وبَحيرا الراهب، مع حُجَّة أبي طالب خديجة ﵂، فمحمدٌ ﷺ هو رسول الربِّ -أي أبي طالب-، وموحّى إليه من قِبَل أُبيٍّ وغيرِه، ومُعَلَّم من قبل خديجة -عياذًا بالله-.
° وهذه نصوصٌ زيادةٌ على ما ذكرناه آنفاً:
° فيقول الحامدي مفسِّرًا وشارحاً كلام المؤيَّد الذي نقله في كتابه:
"وقوله -أي: المؤيَّد الشيرازي- بأربابٍ أدوارٍ تقدَّمت فيها الأنبياءُ والأسبابُ، يدلُّ على أن هذه الأربابَ المتقدِّمة على الأنبياء هم الذين أقاموهم مثل هُنيد مقيم آدم، وهود مقيم لنوح، ومثل صالح لإبراهيم، وآد لسوسي، وخُزَيمة لعيسى، ومثل أبي طالب لمحمدٍ ﷺ .
فهذا معناه في أربابِ النقطاء، والأسباب هم الأوصياء والأئمة
стр. 425
القائمون مقامَهم مِن بعدِهم، وحدودهم، بيانُ ذلك قوله: أربابُ أدوارٍ فيها تقدمت الأنبياء والأسباب" (١).
° وقال الحارثيُّ اليمانيُّ ببيانٍ أوضحَ من ذلك وأظهر: "فقام أولُ نُطقاءِ دَورِ السِّتر وهو آدمُ ﵇ بأمرِ ذلك الإِمام الذي هو صاحبُ الزمان .. ولا يزالُ ذلك كذلك إلى أن يُقيمَ أساساً يَخلُفه في أمته، وانتقل إلى دارِ كرامةِ الله تعالى، وجَرَت الإمامةُ متسلسلةً من إمامٍ إلى إمام إلى وفاءِ دَورِه، وقام بعدَه الناطقُ الثاني، وهو نُوح ﵇ وقيامُه عن أمرِ إمام زمانه، وهو هود ﵇، وضِدُّه عَوْج بن عَنق، فقنَّن قوانين، وشَرعَ شرعاً غير ذلك الأول، ودعا إلى عبادةٍ ظاهرة، هي رُموزٌ واشاراتٌ إلى حدود الله الروحانية والجُسمانية، الدالة على توحيده وتنزيهه، إلى وفاءِ ما عليه من الخِدمة، ثم أقام وصية "ساما" ﵇ خَلَفاً في أمته، ومؤوِّلاً لباطنِ شريعته، ثم نَصَّ عليه، وانتَقَل إلى دارِ كرامة الله تعالى، وجَرت الإمامةُ متسلسلةً إلى تمام دَوره، وقام إبراهيمُ ﵇ عن أمرِ إمامِ زمانه، الذي هو صالح ﵇، فكان ضدَّه النمروذُ بن كنعان، فقنَّن قوانين، وشَرعَ شرعاً جَعَل فيه رموزًا وإشارات، إلى معرفةِ حدودِ الله الرُّوحانية والجُسمانية الدالةِ على معرفةِ توحيد الله وتنزيهه، إلى وفاء ما عليه من الخِدمة، وأقام وصيَّه إسماعيل ﵇ وانتَقل إلى دارِ كرامة اللًّه، وجَرَت الإمامةُ متسلسلةً في عَقِبهِ إلى وفاءِ دوره، وقام موسى ﵇ عن أمرِ إمام زمانِه الذي هو "أد" ﵇، وكان إبليسه فرعون، قائماً بإزائه، ففعل كما فَعل مَن كان قبله إلى وفاء
стр. 426
دَوره، وقام عيسى ﵇ عن أمرِ إمام زمانِه الذي هو حُزيمة ﵇، ففعل كفِعل مَن كان قبلَه إلى وفاءِ دَوره، وقام محمدٌ ﵇ عن أمرِ إمام زمانه الذي هو أبو طالب وكان له ضِدَّان أبو لهب وأبو جهل، إلى أن أوفى ما عليه من الخِدمة، وأكمَلَ قوانينَ شريعتِه التي هي رموزٌ وإشاراتٌ إلى حدودِ الله تعالى الرُّوحانية والجسمانية الدالةُ على توحيد الله تعالى وتنزيهه، ثم أقام وَصيَّه عليَّ بنَ أبي طالب ﵇، وانتقل إلى دارِ كرامةِ الله تعالى" (١).
° وذكر الحامديُّ أيضاً في كتابه مفصِّلاً ما أجمَلَه في شرح وتفسير كلام المؤيد: "وذلك أنَّه لَمَّا آنَ قيامُ الناطقِ السادسِ الذي هو ممثولُ اللحم في الشرائع، وزَوَّجه صاحبُ الوقتِ بخديجةَ بنتِ خويلد ﵍ وهي حُجّته، فزاوجها على الظاهرِ والباطن، كما زاوَجَ إبراهيم سارة، فرَفعت "خديجة" منزلته -كما ذكرنا- بأمرِ وليِّ الأمر، وسَلَّمت إليه رُتبةَ النبوةِ والرسالة، وهو ما رُوي أن خديجة أسلمت يوم الإثنين وقتَ الظُّهر، وهو اليومُ الذي بُعث فيه، والوقتُ الذي قام به مرسَلاً، وقولهم: "إن عليًّا أسلم يوم الثلاثاء وقتَ الظهرِ بعد مَبْعثهِ بيوم، فكان بين إسلام خديجةَ وإسلامِ على خمسُ صلوات في خمسةِ أوقات"، والمعنى في ذلك أنَّه لَمَّا تَسلَّم من خديجةَ رتبةَ النبوَّةِ والرسالة في الظاهرِ المحض، الذي هو حَظُّ النّطقاء قبلَ إسلام عليٍّ، ومعنى "إسلام علي" يعني أن المَقامَ -الذي هو صاحب الوقت- لمَا كان في كهفِ التقيَّة وحُجُب الاستتار من قريشٍ وغيرهم، لحَسَدهم وتكبُّرِهم، وانكتام الأمرِ من إسماعيلَ بنِ إبراهيم
стр. 427
-﵇، تَنَبَّه، فأَمر حُجتَه "بنت خويلد خديجة" بإحضارِها، والخمسة حدود الذين هم بينه وبين ربَه -الذين تقدَّم ذكرهم- بأمرِ الله له ووحيهِ إليه، أن يَستكفلَ محمدًا لعليٍّ رُتبةَ الوِصايةِ والإمامةِ، ويستودعَها فيهم له، فشَرَحت خديجةُ عليه ما أُمرت، وبَيَّنت له أنَّه وصيُّه ووارث عِلمِه، والذي تجتمعُ إليه المراتب، وهو مستقَرُّ الباطنِ ومركزُه، وأساسُ الدين، وأَخذت عليه عَهدَ الكَفالة والوفاءِ بالوديعة لوصيِّه مِن بعدِه، لأنه مقامُ النور، والحجابُ المشهور، والبابُ المستور، الذي اسمُه في العصور والدهور: نهايةُ النهايات، وغايةُ الغايات، صاحبُ الظهورِ اللطيف المتسلسل معناه من أولِ السُّلالةِ الشرعيةِ إلى ظهورِه مع الرتبة اللحمية، فبَسَط يَدَه للعهد على ذلك، وأقرَّ بما هنالك، فرضي عليٌّ بكفالته ووديعته، وسَلَّم الأمرَ لصاحبِ الأمر، واستسلم بالدخول تحتَ طاعتِه وخِدمته، إلى وفاءِ مُدَّته، فذلك معنى "إسلام علي"، وهو الرضاء والتسليم بالحقيقة" (١).
° وأما الداعي الإسماعيليُّ عليُّ بن الوليد، فقد ذكر في هذا المعنى: "كان رسولُ الله ﷺ مَجْمَعًا لعلومه تلك الظاهرة، ونَفَخ فيه مُقيمُه ومؤيِّدهُ الذي هو عمُّه الروحَ الحياةَ التي مَن نُفِخت فيه فقد نال ثوابَ الدنيا وحُسنَ ثوابِ الآخرة، وأعلى قَدْرَه على جميع العالَمين، وجَعَله دونَ الناس مبلِّغاً، لمَا يَنزلُ به الروحُ الأمينُ على قلبه، ليكون من المُنذِرين، بلسانٍ عربيٍّ مُبين، فصار للكل مَجمعاً، ولمتفرِّقاتِ الفضائِل مَحِلاًّ وموضِعاً، ﷺ " (٢).
стр. 428
° وبصراحةٍ أكثرَ ما ذكره المفسر الإسماعيليُّ ضياءُ الدين في سورة "القصص" تحت آية: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ [القصص: ٨٥]: "يعني المولى عِمْران (١) بدعائِك إلى العين عليٍّ ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]، يعني: لَمُرقِّيك بالانضمام إلى العين، وأيضاً إن الحجابَ النبويَّ المقيمَ لحجابه الوصيِّ رادُّه العين ينضمُّ إلى ذلك الحجاب الذي أقامه، وذلك كائنٌ في كل دَورٍ لموجَبِ الأسباب الأصلية" (٢).
° وأيضاً ما ذكره تحت قول الله : ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩١]، قال: " ﴿إِنَّمَا أمِرتُ﴾، أي: من عمران ﴿أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾، يعني: أن أتوجَّهَ بالدعاء إلى العين -يعني: عليَّا- والبلدة هي دائرتُه الذي حَرَّمها، يعني: دخولَها على أهلِ البغي، ﴿وَلَهُ كلُّ شَيْءٍ﴾، يعني: من التدبير والإنشاء والتصوير" (٣).
° وعلى ذلك قال شهابُ الدين أبو فراس: "ولما كانت الأعدادُ مبدؤها من الواحد، وعودتها إليه عند انحلالها، كذلك الرسلُ مبدؤهم من الإِمام القائم بدَوره في الابتداء، ومنتهاهم إليه في الانتهاءِ في دَور الكشف، فالإمامُ عِلَّةُ المخترعات، وبه تَرتَّبَ الخَلقُ والدِّين، وعندما تنتهى مُدُّته وتَحين فَترته، ينتقلُ الأمرُ إلى شخصٍ آخَرَ من دعوته وهو الذي ينصُّ
стр. 429
عليه ويشير إليه" (١).
° والجديرُ بالذِّكر أن أبا طالب هو الثاني بعدَ نبيِّ الله إبراهيم، الذي اجتمع فيه الرتبُ الأربع: "الوصاية، والإِمامة، والنبوة، والرسالة": "وقام أبو طالب بالرُّتبِ الأربع، إلى أن بَلَغَ محمدٌ أشدَّه" (٢).
هذا وإن الأنبياءَ لا تكونُ دعوتُهم إلا إلى عليٍّ، وخاصةً نبيُّنا محمدٌ ﷺ لم تكن دعوتُه حَسْبَ زعمِ الإِسماعيلية- إلا إليه.
° وبذلك صرَّح جعفرُ بنُ منصور اليمن باب الأبواب للإِمام الإسماعيلي المعزِّ لدين الله، في كتابه الباطني المشهور تحت قوله الله : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: "معنى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾، أي: على الله سبحانه يتعبَّدُ الخَلق بما يختارون لأنفسِهم ﴿وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ﴾، يعني: رسول الله ﷺ يَدعُوه إلى اتِّباع عليٍّ، وهو أولُ مَن أسلم، فاسمه وطاعتُه الإِسلام" (٣).
° وبمثل ذلك قال المفسر الإِسماعيلي: "قال تعالى للميم "محمد"، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، يعني: ادعُ إلى المَقام العُلويِّ، حَمدُ الربِّ لك وهو المقام العمراني ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾، يعني: قبل اتصال النصِّ عليه من العاشر" (٤).
стр. 430
وأيضًا: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾، "يعني: إيضاحَ مقامٍ العينَ "عليٍّ" في كلِّ دور لكونك الداعى إليه" (١).
° وأيضًا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، "يعني: بإيضاح مقامٍ "العين"، وكذلك الرحمة لمن اعتَرف بمَقامه في القديم، فجرى على ذلك في الحديث، ثم قال تعالى "للميم": ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ﴾، يعني: "العين"، ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، يعني: متوحِّدٌ في مقام العظمة" (٢).
ولو أنه قَصَّر في الدعوة إليه لَهَبطت منزلته، وسُلبت منه نبوّتُه ورسالته، كما قال الصوري:
"فأنزل الله على نبيِّهْ ....... أن يُظهرَ النصَّ على وَصيِّهْ
فخاف مِن أصحابِه لعِلمِه ..... بكيدِهم وما نَوَوْا مِن ظُلمهْ
وقيل: لا تُشرك فإن أشركتْ ...... ليُحْبِطنَّ اللهُ ما عَمِلتْ
فقُمْ وبَلِّغْ لا تَخَفْ فرحمتي ...... تنالُك اليومَ وكنْ في عصمتي" (٣)
° وأما أنه إليه الدعوةُ في كلّ عصرٍ وزمان، فكما قاله صاحب "الكشف": "قال النبي ﵇: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ [الأنبياء: ٢٤]، أراد بذلك أن الذِّكرَ الذي معي هو الذِّكرُ الذيَ كان يدعو إليه مَن كان قبلي، العلم الذي قام به أميرُ المؤمنين صلواتُ الله عليه الذي إليه
стр. 431
الدعوة في كلِّ عصرٍ وزمان ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٤] أراد بذلك أصحابَ العَقَبة، لأنهم أعرَضوا عن الحقِّ وعن الأقرارِ به، وهو الإمام صلوات الله عليه عنده عِلم ما يحتاج الناس إليه من جميع البلايا والمنايا والوصايا والأسباب والأقسامِ والآجال" (١).
° ونَقل إبراهيمُ الحامدي أيضاً عن جعفر بنِ منصور اليمن أنه قال: "إن الله لا يقبل توبةَ نبيٍّ، ولا اصطفاءَ وَصِيٍّ، ولا إمامةَ وليً، ولا عَملَ طاعةٍ من عاملٍ -ولو تقطَّع في العبادة واجتهد- إلا بولاية علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وآله، فمَن أتى بغيرِ ولايةِ علي بن أبي طالب صلوات الله عليه أُسقطت نبوَّته ووصايتُه وولايته وصالحُ عمله، ولم يَقبل اللهُ منه، ولا زَكَى عَمَلَه، وعليٌّ منه السلام مِن وَلَدِ إسماعيلَ بن إبراهيم، لا مِن ولد إسحاق صلى الله عليهم أجمعين، وأيّ فضلٍ أعظم من هذا الذي ما له شَريك فيه - بل هو مخصوصٌ به وحده؟!.
فكما أن الله واحدٌ أحدٌ فردٌ صَمَد، لا شَريكَ معه في مُلكه، ولا صاحبةَ ولا ولد، كذلك مولانا عليٌّ ﵇ واحدٌ في فَضله، أحدٌ فَردٌ صَمدٌ لا شريكَ له فيه، ليس له كفواً أحد" (٢).
وبمثل ذلك قال الحارثي اليماني (٣).
ومعنى هذا كله أن الأصلَ هو عليٌّ، لا محمدٌ.
стр. 432
° لأنَّ الرّتبَ الأربعَ لمَ تجتمعْ في أحدٍ بعد أبي طالب إلاَّ في عليٍّ ابنه: "والذي تجتمعُ إليه المراتبُ الأربع، هو مستقَر الباطن ومركزُه وأساسُ الدين .. وأنه مقامُ النور، والحجاب المشهور، والبابُ المستور، الذى اسمه في العصور والدهور: نهايةُ النهايات وغاية الغايات" (١).
° وقال الحارثي: "ولما كان أمير المؤمنين بهذه الحالةِ التي لَم يَبلُغْها أحدٌ غيره، اتَّصل به العقلُ العاشر اتصالاً كليّاً، ولَحِظَتْه القُوى الإِبداعية لحظًا سرمديًّا، ورَمَته بأشعتها، واتصلت به الموادُّ الإِلهيةُ فوقَ ما اتَّصلت بكلِّ مقامٍ قبلَه" (٢).
° "وعليٌّ هو الحائزُ لرتبةِ الظاهر والباطن" (٣).
° "ومعلومٌ أن محمدًا ﷺ لَم يَحُز إلا رتبةَ الظاهرِ فقط .. وأكثرُ من ذلك أن محمدًا كان مؤيَّدًا بعلي" (٤).
° "ومنصوراً به" (٥).
° وبه عَظُم شأنُه كما قال القاضي النعمان: "وإنما عظُم فضله، وعَلَمت منزلتُه بوصيِّهِ علي إمام المتقين، صاحب التأويل، ومبيَنِ الشرائع للمرسلين" (٦).
стр. 433
ولِمَ لا يكون كذلك؟.
° لأنه هو الذي أنبأ النبيِّين، وأرسل المرسَلين، وهو بكلِّ شيءٍ عليم -عياذًا بالله - كما قالوا: "وإنه هو مَجْمَعُ الأنبياءِ والأولياءِ والأئمَّةِ مِن أولِ الأدوار إلى قيامه" (١).
° و"هو الأول والآخر والظاهرُ والباطن، وهو الذي سَمَك السماء، وسطَح الأرض، وأجرى الأنهار، وأنبَتَ الأشجار، وبسببه دارتِ الأفلاك، وتناظَرت الأملاك، وتمخَّدت الطبائع والأمهات، أُذنُ الله الراعية، ويدُه المبسوطة، والمَخرجُ لهم من الظلمات إلى النور" (٢).
° "وهو الذي كان يَنزِلُ على قلبه" (٣).
° وهو الذي قال عنه الرسولُ ﵇ كما يكذبون عليه-: "علي أبو عِترتي، وساترُ عَورتي، ومُفَرِّجُ كربتي، وغافرُ خطيئتي" (٤).
° "وأنه كان مولَى رسول الله، ورسولُ الله عبده " اهـ.
° اللهم إني أعوذُ بك من نَقل هذه الكلماتِ الكفرية، كما ذكر ذلك الحارثيّ اليمانيُّ في كتابه بعد ذِكر كلامِ جعفر بن منصور اليمن الذي ذكرناه سابقاً "أن عليًّا هو مَجْمَعُ الأنبياء والأولياء والأئمَّةِ من أول الأدوار إلى قيامه".
° قال: "ومِن هذه الجهة والحالة صَحَّ قولُ الداعي عَبدان: إن الجمعةَ
стр. 434
على خِدمة المولى لعبده في هذا الدَّور؛ لأن أصحابَ الدعوةِ الظاهرةِ في الأدوار الماضية - الذين هم أولاد إسحاق ﵇ كانوا حُجَجًا ودُعاةً وخَدَماً لأربابِ الدعوات الباطنية - الذين هم أولاد إسماعيل ﵇، واجتمعت أولاد إسحاقَ عند ناطق الدور ﷺ ، وَجَب في مزيَّةِ عدلِ الله تعالى خِدمةُ أميرِ المؤمنين لمحمد ﷺ قضاء بما سبق من خِدمةِ أولاد إسحاق، ولأولاد إسماعيل ميزانُ العدل قائم، وهذا معنى خدمةِ المولى لعبده، وقيامِه معه بين يديه، وسَعيه معه، ومحاربتِه لأضداده، وقَتلِه لمن أنكر منزلتَه، وجانَبَ عن طاعته وجهادِه لأهل الكفر المعانِدين له، كما كان خادمًا له في دَور إبراهيم وموسى وعيسى، حَذْوا بحذوٍ، لا يغادرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها" (١).
° وإليه أشار الصُّوري في قصيدته عند ذِكرِ النبيِّ ومحاولةِ الأعداء قتله:
واقتَرَنَ المُبغِضُ بالحسودِ ....... به مِن الكفار واليهودِ
واجتَهدوا في قَتلِه واشتركوا ...... ولو استطاعوا قتلَه لَفَتَكوا
لكن حَمَاه منهم مولاهُ ....... فقام بالفِديةِ واجتباه" (٢)
° فهذه هي العقائدُ الإسماعيلية في النبوة والأنبياء، وفي رسول الله الصادق الأمين، المخالفة لنصوص القرآنِ وصريح السُّنة، والمبنيَّةُ على الكفر المحض، حيث أن الله يقول:
* ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥].
"المستظهري" تحت عنوان "الطرف الخامس في اعتقادهم في التكاليف الشرعية": "والمنقولُ عنهم الإباحةُ المطلقة، ورفعُ الحجاب، واستباحة المحظورات واستحلالُها وإنكارُ الشرائع، إلاَّ أنهم بأجمعِهم يُنكرون ذلك إذا نُسب إليهم، وإنما الذي يَصحُّ من معتقَدِهم فيه أنهم يقولون: لا بدَّ مِنَ الانقيادِ للشرع في تكاليفه -على التفصيل الذي يُفصِّلُه الإِمام-، من غير متابعةٍ للشافعيِّ وأبي حنيفة وغيرهما؛ وإن ذلك واجبٌ على الخَلق والمستجيبين إلى أن ينالوا رُتبةَ الكمال في العلوم، فإذا أحاطوا من جهةِ الإِمام بحقائقِ الأمور، واطَّلَعوا على بواطنِ هذا الظواهر، انحلَّت عنهم هذه القيودُ، وانحطَّت عنهم التكاليفُ العَمَلية، فإنَّ المقصودَ من أعمال الجوارح تنبيهُ القلبِ لينهضَ لطلب العلم، فإذا ناله استعدَّ للسعادة القُصوى، فيَسقطُ عنه تكليفُ الجوارح، وإنما تكليفُ الجوارح في حق مَن يَجري بجهلِه مَجرى الحُمُرِ التي لا يمكنُ رياضتُها إلاَّ بالأعمالِ الشاقَّة، وأمَّا الأذكياء والمدركون للحقائق فدرجتُهم أرفعُ من ذلك.
وهذا فنٌّ من الإِغواء، شديدٌ على الأذكياء، وغرضُهم هدمُ قوانين الشرع، ولكنْ يخادعون كلَّ ضعيفٍ بطريقٍ يُغويه ويليقُ به، وهذا من الإِضلال البارد، وهو في حُكم ضربِ المثال، كقول القائل في الاحتماء عن الأطعمة المُضِرَّة: "إنما يجبُ على مَن فسَد مزاجُه؛ فأمَّا مَنِ اكتَسَب اعتدالَ المِزاج، فليُواظب على أكل ما شاء أىَّ وقتٍ شاء"، فلا يلبث المُصغي إلى هذا الضلال أن يُمعن في المطعومات المضرَّة إلى أن تتداعى به إلى الهلاك" (١).
стр. 438
والإسماعيليةُ يقولون برفع التكاليف العَملية، ونسخ الشريعة المحمديَّة .. وعندهم أنَّ النطقاءَ السَّبعةَ في دَور السِّتر: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وقائم الزمان.
وأكبرُ دليلٍ على ما قلناه هو دُعاءُ "المعزِّ لدين الله" الإِمام الإسماعيليِّ الرابع في دَور الظهور، الذي له منزلةٌ كبيرة في أعينِ الإِسماعيلية، حيث إنه هو الرابعُ من الظهور، والسابعُ من محمد بن إسماعيل، والسابعُ هو مُتِمُّ الدَّور، وله منزلةٌ عالية ودرجةٌ سامية في الفلسفة الإسماعيلية، وكذلك هو الرابعُ من الهدي الإِسماعيلي، وللرابع مكانةٌ كبيرة أيضاً لدى الإسماعيلية، إضافةً إلى أنه هو الذي فَتح مصر، وأقامَ فيها الدعوةَ الإسماعيلية، والمذهبَ الإسماعيلي، ونشر هذا المذهبَ من مصرَ إلى أطرافِ الأرض وأكنافها، كما أن "المعِزَّ" هذا صرَّح نفسُه بأنه يَسبقُ جميعَ مَن تقدَّمه من الأئمة والوَصِي، وحتى الناطق محمد صلوات الله وسلامه عليه (١).
° يقول "المعِزُّ" هذا، في دعاءِ يومِ السبت، من أدعية الأيام السبعة:
"اللهم صلِّ على أبينا آدمَ الذي شرَّفتَه وكرَّمتَه .. وصلِّ على بابه ووصيه شَيثِ بن آدم، وعلى أئمَّة دَوره وهم ستة .. اللهمَّ صل على رسولك نوح .. الذي شرفتَه وكرًّمتَه، وعطلَّلت ظاهرَ شريعةِ آدم، وجعلتَه ثانيَ النطقاء .. اللهم صلِّ على خَليك إبراهيمَ بنِ تارخ الذي شرَّفتَه وكرَّمتَه، وعَطَّلتَ به ظاهرَ شريعة نوح، وجعلتَه ثالثَ النطقاءِ .. اللهمَّ صلِّ على نَجِيِّك موسى بنِ عمران الذي شرَّفتَه وكرَّمتَه، وعَطَّلتَ به ظهرَ شريعةِ إبراهيم، وصيَّرته رابعَ النطقاء .. اللهم صلِّ على رُوحِك المسيح عيسى ابن
стр. 439
مريم الذي شرَّفتَه وكرَّمتَه، وعَطَّلتَ به ظاهرَ شريعةِ موسى، وصيَّرته خامسَ النطقاء .. واخصُصِ اللَهمَّ محمدَ بنَ عبدِ الله من ولدِ إسماعيلَ الذي شرَّفتَه وكرمتَه، وعَطَّلتَ به ظاهرَ شريعةِ عيسى، وصيَّرتَه سادسَ النطقاء .. وعلى القائم بالحقِّ والناطقِ بالصِّدقِ، التاسع من جدِّه الرسول، والثامنِ من أبيه الكوثر، السابع من آبائه الأئمَّة من البررة .. الذي شرفتَه وعظَّمتَه وكرَّمتَه، وخَتَمتَ به عالَمَ الطبائع، وعطلتَ بقيامه ظاهرَ شريعةِ محمد ﷺ ، وتملأ به الأرض عدلاً وقِسطًا كما مُلِئَتْ جَورًا وخَبْطًا كالذي قال النبي: "المهديّ منا أهل البيت، رجلٌ أشمُّ الأنف، أقنى اكحل، يملأُ الأرضَ عدلاً كما مُلئت جورًا وخَبْطًا"، وهو مُترجِمُ القرآن ومفسرُه ومُظهِرُ بيانِه ومنوِّرُه، وهو قائمٌ يومَ القيامةِ والفصل والتغابُنِ والبعثِ والنشر: يومَ لا ينفع الظالمين معذرتُهم .. وصلِّ على الخلفاءِ الراشدين الذين يقضُون بالعدل وبه يعدلون" (١).
وذَكَر المُعِزُّ هذا في دعاءِ يوم السبت؛ لأنه دليل على القائم، كما أن يوم الأحدِ دليلٌ على آدم، والإِثنين على نوح، والثلاثاءِ على إبراهيم، والأربعاءِ على موسى، والخميسِ على عيسى، والجمعةِ دليل على محمدٍ صلوات الله عليهم (٢).
стр. 440
وعباراتُ هذا الدعاءِ صريحةٌ في معناها، ظاهرةٌ في مفهومها، لا تحتاج إلى توضيحٍ وبيان بأنَّ محمدَ بن إسماعيل نَسِخَ شريعةَ محمدٍ رسول الله الذي جَعَله اللهُ خاتَمَ النبيين، وأكمَلَ به الدين، كما أن محمداً صلوات الله وسلامه عليه نَسخ بمجيئه شريعةَ عيسى ﵇، وكما أن عيسى نَسخ شريعةَ مَن قَبله .. وهلمَّ جرًّا.
واستعمَلَ المُعزُّ -وهو إمامٌ معصومٌ لدى الإسماعيلية لا يخطىُء ولا يَلحَن، ولا يَنطِقُ عن الهوى إن هو إلاَّ وحيّ يوحَى- نفسَ العبارة، وعَيَّن الألفاظَ لمحمدِ بنِ إسماعيل، التي استعملها لمحمدِ بن عبد الله وغيرِه من النطقاء الخمسةِ الذين نسخوا شريعةَ مَن قبلَهم من الأنبياء والنطقاء.
ثم إنَّ هذا لم يُنقل عن المعزِّ وحدَه، ولو كان منه وحدَه لكان كافياً للحُجة والتدليل؛ لأنه إمامٌ معصوم -حسب زعم القوم-، وحائزٌ على مرتبة الألوهيَّة والربوبيَّة -كما مرَّ بيانُه في مبحث الإِلهيات ومبحثِ الإِمامة-، بل وصرَّح بهذه الحقيقة الآخرون أيضاً، كما أنه لَم يَرِدْ ولم يُنقل في كتابٍ واحد، ولا من كتابٍ واحد، بل وَرَد هذا الدعاءُ في الكتب الكثيرة الإِسماعيلية.
هذا ولقد ذَكر هذه الحقيقةَ كثير من الدعاة الإسماعيلية، وأثبتوها في كتبهم الباطنية بأساليبَ متعددةٍ وطرقٍ مختلفة.
° فيقول الداعي إدريسُ عماد الدين المتوفَّى سنة ٨٧٢ هـ: "وقام محمد بن إسماعيل صلوات اللَّه عليه وهو سابعُ الأئمَّة وقائمُهم مقابل لجده عليٍّ أمير المؤمنين تمام الدَّور الرّوحاني، والخلق الآخر الذي هو نفس الشيء ورُوحُه ومعناه، وهو تمامُ الدَّور الأول، ومنه ابتدأ الدورُ الثاني .. فقام
стр. 441
محمدٌ باللسان، وصَمَت عنه السيفُ إلى بلوغ الكتاب أجَلَه، فأظهر العلومَ، وبيَّن الحقائق، وكَشَف لخلفائِه منها السرَّ المكتوم، فظَهَرت منه حقائقُ معجزاتٌ ودلائلُ وآياتٌ لَم تَظهر في الأئمَّة من قبله، ولا قام أحدٌ منهم كمِثله لأنه السابعُ صاحبُ القوَّةِ والظهور، والضياءِ والنور، ومبيِّن العلم المستور.
وكان محمدُ بنُ إسماعيل مُتِمَّ الدَّور المنتهيةَ إليه غايةُ الشرائعِ المختومة به، المشتملَ على مراتبِ حدودها، المحيطَ بعلومهم، وهو قائمٌ بالقوة، صاحبُ الكشفة الأولى؛ لأن القائمَ بالفعل هو القائمُ الكلِّي الذي هو صاحبُ الكشفة الأخرى، والبطشةِ العظمى، وقائمُ القيامةِ الكبرى؛ لأن القياماتِ كثيرة .. وإنما وقع عليه "محمد بن إسماعيل" اسمُ الناطق السابع لنُطقه بالأمرِ الإِلهي، وجَمْعِه للفضل الذي هو إليه متناهي، وليس بمتمٍّ ولا رسول، بل هو منفردٌ برتبةِ الوحدة، وقد تمَّ التمام واتَّسق النظام. وإنما خُصَّ "محمد بنُ إسماعيل" بذلك لانتظامِه في سِلك مقاماتِ دَورِ السِّتر، لأنك إذا عَدَدْتَ آدمَ ووصيَّه وأئمةَ دَورِه كان خاتمهم الناطقُ وهو نوحٌ ﵇ .. وإذا عددت عيسى ووصيَّه وأئمَّةَ دوره، كان محمدٌ ﷺ متسلِّماً لمراتبهم، وهو الناطق الخاتم للنطقاء، وكان وصيُّه ﵇ بالفضل منفرداً، وإذا عددتَ الأئمَّة في دَوره كان "محمدُ بنُ إسماعيل" سابعُهم، وللسابع قوةٌ على من تقدَّمه، فلذلك صار ناطقاً وخاتماً للأسبوع وقائماً، وهو ناسخُ شريعةِ صاحبِ الدَّور السادس" (١).
стр. 442
فالعبارةُ صارخةٌ بمدلولها، ناطقةٌ بمنطوقها ومفهومها، لا تحتاجُ إلى توضيح وتبيين.
° وقال أيضاً في الباب السابع عشر من هذا الكتاب: "إسماعيلُ بنُ جعفر خاتمُ الأتماء والخَلقِ الآخر، ولدُه محمد ﷺ قد كان ظَهَر شخصُه، وبان رَسمُه، وهو في رُتبةِ القِائم سابع النطقاء ﷺ روح الحياة" (١).
° وبمثل ذلك قال داعٍ إسماعيلي أقدمُ منه وهو طاهرُ بنُ إبراهيمَ الحارثيُّ المتوفَّى سنة ٥٨٤ هـ: "ولما قام الناطقُ السادسُ الذي هو محمدٌ ﷺ بالأمر، وأعلن بالشهادتين، وأقام دعوتَه الظاهرة دون الباطنة، أسلم له مَن أسلم، وجاهَد معه مَن جاهد .. فلما كَمُلت فاطمةُ زوَّجها أبوها أميرَ المؤمنين ﷺ بأمرِ الله تعالى ووحيِه، فتمَّ التمام، واتَّسق النظام، وازدوج الإِيمانُ والإِسلام، وجَرَت الدعوة الظاهرة على حالتها، والدعوةُ الباطنة في ضمنه، واستمرَّ أمرُها إلى أن استَخرج من الدعوة الظاهرة الحَسَن، ومن الدعوة الباطنة الحسين، وكانت الدعوةُ الظاهرة قِسطَ الناطق، والدعوةُ الباطنة قِسطَ الوصِيِّ .. وانساق الأمرُ بعد مولانا الحسين ﵇، كذلك في باقي الأئمَّة المتمِّين، إلى أن انتهى الأمرُ إلى مولانا "محمدِ بنِ إسماعيل"، فكان "محمدُ بن إسماعيل" مُتِمَّ الدورِ وخاتمَ الرسل المنتهيةَ إليه غايةُ الشرائع المختومة به، المشتمل على مراتب حدوده، المحيط بعلومهم، وهو القائمُ بالقوة، صاحبُ الكشفة الأولى … وإنَّما وقع عليه اسمُ الناطقِ السابع لنُطقِه بالعلم الإِلهي، وقوله: "أنا" لأنه غير منتظم في مَسلكِ نطقاءِ دَور الستر، إذ هو بخلافهم، وليس له مُتِمٌّ ولا رُتَبٌ بحدوده، ولا هو برسول، بل هو
стр. 443
منفردٌ برُتبة الإلهية، وإنما مولانا محمدُ بنُ إسماعيل المخصَّصُ بذلك لانتظامِه في سِلك مقاماتِ دَوْرِ السِّتر ونطقائه، فإذا أعددت آدم ﵇ ووصيَّه ومُتِمُّ دُورِه السَّبعة، كان سابعُهم ناطقاً .. وإذا عددت محمداً ووَصيَّه ومتمِّي دَورِه السِّتة، كان سابعُهم ناطقاً، وهو "محمدُ بن إسماعيل". ومُتمِّي دَوره السِّتةُ الثلاثةُ الأئمةُ المستوِّرون وأبوابُهم الثلاثة، الذي أَمَر كلُّ إمام بابه الذي هو أَخذ عنه هذه الثلاثةَ الأبواب أن يتسمَّى بالإِمام لهذا المعنى، إذ بقيامه تمامُ الدَّور الستر، واعتقادُ دَورِ الكشف، ونَسْخ شريعةِ الرسول السادس" (١).
* وهل هناك أكثر من ذلك؟!.
° نعم، هناك أكثرُ من ذلك وأصرح، يقول الداعي الإسماعيلي الآخرُ في كتابه "مسائل مجموعة من الحقائق العالية والدقائق والأسرار السامية، التي لا يجوزُ الاطِّلاع عليها إلا بإذنِ مَن له العقد والحَل"، في هذا الكتاب، العريض العنوان، يقول في جواب سائلٍ سأله في المسألةِ الحادية والعشرين عن معنى تسليم الرسول: "ولما كان محمدُ بنُ إسماعيل ﵉ سابعَ الأئمة وخاتمَ دَورِ الأتماء، وكان كلُّ سابعٍ يقومُ مقامَ الناطق، إن أوجب الوقتُ ذلك كان ناطقًا، وإلاَّ كان حافظًا لرتبته، وقد قيل: إن شهادةَ رسولِ الله لمحمدٍ بالرسالة إشارةٌ بها إلى محمدِ بن إسماعيل صلوات الله عليهما، وذلك معنى تسليمِه إليه" (٢).
стр. 444
° هذا ولقد عَقَّب الداعي المذكور جوابَه هذا بعدما لاحظ فيه التعقيد والإِجمال، فقال: "بَقِيَ من معاني هذه الألفاظ ما لا يُسَطَّرُ في القراطيس .. وهذا سؤالٌ يُمتنع جوابُه لكونه لا يتحققُ ما يشيرُ إليه مَن أعلى اللهُ قُدسَه لاتساع المعاني، وكثرةِ الفنون فيها وفيما ورد من الأجوبة مُقنعٌ إن شاء الله" (١).
° ولكنَّ الداعيَ الإِسماعيليَّ الآخَرَ القديمَ كان أصرحَ منه وأوضحَ في كلامه حين قال: "وتسليمه -أي: رسول الله ﷺ لمحمد بنِ إسماعيل شهادتَه له بالأذان عند قوله: "أشهد أن محمداً رسول الله "؛ لأن شهادته لنفسه غيرُ جائزة، وإنما كانت شهادتُه لمحمد بن إسماعيل ﵇ ما أصرَحَه وأقبَحَه- وأما شهادةُ الأئمَّة وسائرُ المسلمين فهي له -أي: لرسول الله ﷺ ؛ لأنه الناطقُ السادس، وكونُ الشهادة مُثنَاةً في الأذان لَمَّا كانت الشهادةُ الأولى له، والثانية لمحمد بن إسماعيل الذي هو مُتِمُّ دَورِه، وهو سابعُ الرسل، وإليه أشار مولانا المُعِزُّ في دعائه يوم السبت إذ هو الناطقُ السابع" (٢).
* ولا أظنُّ أنه خَفِيَ المعنى والمطلوب بعد هذا التصريح والتوضيح، والصراحة التي بلغت حدَّ الوقاحة.
* يقول هؤلاء الدَّجَّالون الكافرون: إن محمدَ بنَ إسماعيل أفضلُ من
стр. 445
رسول الله ﷺ ، قالوا: "إنَّ كلَّ خَلَفٍ يكونُ أفضلَ من كلّ سَلَف، فنوحٌ أفضلُ من آدم، وإبراهيمُ أفضلُ من نوح، إلى أن تهيّأَ ظهورُ مَن هو أفضلُ من إبراهيم -وهو موسى-، ثم ظَهَر مَن هو أفضلُ من موسى -وهو عيسى-، إلى أن تهيّأَ ظهورُ مَن هو أفضلُ من عيسى -وهو محمد-، إلى أن تهيَّأ ظهورُ من هو أفضل من محمد -وهو القائم-" (١).
ولا عجبَ مِن ذا، أليس هو الناسخَ لشريعته!!!.
* ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥].
° يقول جعفرُ بنُ منصور داعي دعاةِ الإسماعيلية -وهي أكبرُ منزلةٍ يحصلُ عليها واحدٌ من الإسماعيلية بعدَ الإمام-: "القائمُ لا شريعةَ له، بل هو يُزيلُ كلَّ الشرائع وينسخُها بإقامةِ التأويل المحض" (٢).
* الفاطميون والأغاخانية والبَهَرة:
* هذه العقائدُ السوداءُ للإِسماعيليةِ المرتدَّةِ عن الإسلام حتى لا يَنطلِيَ بَهْرَجُها وزَيفُها على دعاةِ الإسلام .. هذه هي الفاطمية.
ثم انقسمت الإسماعيلية إلى:
١ - الإِسماعيلية النِّزارية - أو الأغاخانية - أتباع أغاخان.
٢ - الإسماعيليَّة المُسْتعلية- أو البَهرة.
стр. 446
لعنهم الله في الدنيا ويومَ يقومُ الأشهاد بما كَذَبوا على ربِّهم وعلى رسله وأنبيائه، ألَا لعنة الله على الكافرين.
* القَرَامطة -لعنهم الله -:
فرقةٌ تفرَّعت من الإسماعيلية.
° قال ابنُ حزم عنهم: "وفرقةٌ قالت بنبوَّة محمدِ بن إسماعيل بنِ جعفر فقط، وهم طائفة من القرامطة" (١).
وهم منسوبون إلى "حَمْدان الأشعث" المعروف بـ "قِرمط" لقِصَرِ قامتِه ورِجليه وتقاربِ خَطْوِه، في سَنَة ٢٦٤ هـ، وكان ظهورُه بسَوَادِ الكوفة، فاشتُهر مذهبُه بالعراق، وقام ببلاد الشام صاحب الحال، والمدثِّر المطوَّق، وقام أبو سعيد الجُنَّابي بالبحرين، وعَظُمت دولته ودولة بنيه حتى أوقعوا بعساكر الخلفاءِ العباسيِّين، وغَزَوْا بغدادَ والشامَ ومِصرَ والحجاز، وانتشر دعاتُهُم بأقطارِ الأرض.
° أوَّلَ هؤلاء المارقون المرتدُّون شرائعَ الإِسلام، وصَرَفوها عن ظواهرها إلى أمورٍ زعموها مِن عند أنفُسِهم، ويَرى ابنُ كثير "أنَّ ظهورَهم كان في سنة ٢٧٨ هـ في سواد الكوفة، وأن الرجُلَ الذي دعاهم إلى مذهبه كان شيخاً، وقد تمرَّض بقريةٍ من سواد الكوفة، فحَمَله رجلٌ من أهل القرية يُقال له "كرميته" لحمرة عينيه، وهو بالنبطية اسمٌ لحُمرة العَين، فلمَّا تعافَى الشيخُ المذكور سُمِّى باسم ذلك الرجل الذي آواه ومَرَّضه، ثم خُفِّف، فقالوا: "قِرْمَط" بكسْر القاف، ودعا قومًا مِن أهل البادية ممَّن ليس لهم دينٌ
стр. 447
ولا عقل إلى دينه، فأجابوه".
وزعم هؤلاء أنَّ محمدَ بنَ إسماعيل حيٌّ إلى اليوم، ولم يَمتْ، ولا يموت حتى يَملِكَ الأرضَ، وأنه هو المهديُّ الذي تقدَّمت به البشارة (١).
وقد حارَبَ "المعزّ الفاطميّ" وقائدُه "جوهرٌ" القرامطةَ حروباً داميةً سنةَ ٣٦٢ هـ.
° دخل قائدُهم أبو طاهر بن أبي سعيد الجنَّابي مكةَ في ذي الحجة سنةَ سبع وثلاثِمِئة، وقَتَل فيها ثلاثةَ عشَرَ ألفًا، وقطَعَ الرُّكن يومَ النحر، وهو القائل - لعنه الله -:
فلو كان هذا البيتُ للهِ ربِّنا ..... لصَبَّ علينا النارَ فوقَنا صَبَّا
لأننا حَجَجْنا حَجةً جاهِليَّةً ..... مُجلَّلةً لم تُبق شرْقًا ولا غَرْبا
وأَنا تركْنا بين زمزمَ والصَّفا ..... كتائبَ لا تبغي سِوى ربِّها رَبَّا
ولكنَّ ربَّ العرشِ ﷻ ...... لم يتَّخذْ بيْتًا ولَمْ يتخْذ حُجُبا (٢)
قَتل اللعينُ في المسجد الحرام نحوَ ألفٍ وسَبْعِمِئةٍ من الرجال والنساء، وهم متعلِّقون بالكعبة، ورَدَمَ بها زمزم، وفَرَش بهم المسجد وما يليه.
وقَتَل في سِكك مكة وشِعابها من أهل خراسانَ، والمغاربةِ وغيرهم زهاءَ ثلاثين ألفاً، وسَبَى من النساء والصِّبيانِ مثلَ ذلك.
واقتَلع الحجرَ الأسودَ من موضعِه يومَ الإثنين لأربعَ عشْرةَ ليلةً خَلَتْ
стр. 448
من ذي الحِجَّة، وذَهَب به معه إلى "هَجَر"؛ فأقام عند القرامطة، إلى أن رُدَّ في يوم الثلاثاء يوم النحر من سنة تسعٍ وثلاثين وثلاثِمِئة (٣٣٩ هـ)، وبَطَل الحجُّ من العراق بسببِ هذا القرمطيِّ اللعين ثلاثَ سنين متواليةً من هذه السنة" (١).
* هذا اللعينُ الذي كان يقولُ عند الكعبة: "أين الطير الأبابيل؟! ".
° وفي هذا كان يقول شاعرُهم على منبر الجامع في الجند:
خُذي الدُّفَّ يا هذه والعَبِي ...... وغنّي هزاريكِ ثم اطرَبي
تولَّى نبيُّ بني هاشمٍ ...... وهذا نبِيُّ بني يعرُبِ
لكلِّ نبيٍّ مَضى شِرْعَةٌ ...... وهذي شرائعُ هذا النبي
فقط حطَّ عنا فروضَ الصلاة ...... وحَطَّ الصيامَ ولم يُتعِبِ
إلى آخر القصيدة المذكورة من قبل:
وما الخمرُ إلاَّ كماءِ السماء ..... حَلَالاً فقُدِّستِ مِن مَذْهَبِ
° وقد ذَكَر الذهبيُّ في حوادثِ سنةِ ٣١١ أن أبا طاهر سليمان بن الحسن الجَنَّابي دخل البصرة ليلاً في ألفٍ وسَبْعمئة فارس، نَصَبوا السلالم على السُّور، ثم نزلوا فوضعوا السيف في أهل البلد، وأحرقوا الجامع وسَبَوا الحريم "العبر" (٢/ ١٤٧)، ثم ذكر في حوادث سنة ٣١٢ هـ أن أبا طاهر هذا عارض رَكبَ العراق، فوضع السيفَ واستباح الحجيجَ، وساق الجِمالَ بالأموال والحريم "العبر" (٢/ ١٥٠)، ثم ذكر أحداثه في كلِّ سنة، وذكر في حوادث سنة ٣١٦ هـ: أنه بني داراً سمَّاها "دار الهجرة" ودعا إلى
стр. 449
المهدي، وتسارَعَ إليه كل مريب "العبر" (١٦٣/ ٢)، وفي سنة ٣١٧ هـ وافى الحُجَّاج يومَ التروية بمكة، فقتلهم قتلاً ذريعاً في المسجد الحرام وفي فِجاج مكة، وقَتَل أميرَ مكة، وقَلَع بابَ الكعبة، وقَلَع الحجرَ الأسود، وأخذه إلى "هَجَر" "العبر" (٢/ ١٦٧)، ثم ذكر إفسادَه في سنة ٣٢٣ هـ، وأخْذَه رَكْبَ الحُجَّاج العراقي، ودخوله الكوفة في سنة ٣٢٥ هـ وضَرْبَه إتاوةً على ركب الحجاج في سنة ٣٢٧ هـ، إلى أن ذكر وفاته في شهر رمضان من سنة ٣٣٢ بهجر من جُدَرِيٍّ نزل به فأهلكه، وقام بأمر القرامطة بعده أبو القاسم الجَنَّابي "العبر" (٢٢٩/ ٢).
° وقال عبدُ القاهر البغدادي في "الفَرْق بين الفِرَق" عن سليمان بن الحسنِ بنِ سعيدٍ الجَنَّابي: "تعرَّض للحجيج، وأسرفَ في القتل منهم، حتى دَخَل مكة، وقَتَل من كان في الطَّواف، وأغار على أستارِ الكعبة، وطَرَح القتْلى في بئر زمزم، وكَسَر عساكرَ كثيرةً من عساكر المسلمين، وانهزم في بعضِ حُروبه إلى "هجر"، فكتب للمسلمين قصيدةً يقول فيها:
أَغَرَّكُمُ منِّي رُجوعي إلى هَجَرْ ...... وعمَّا قليل سوف يأتيكُمُ الخَبَرْ
إذا طَلَع المَرِّيخُ في أرض بابلٍ ....... وقارنه النَّجمانِ فالحَذَرَ الحَذَرْ
ألستُ أنا المذكورَ في الكُتبِ كلِّها ...... ألستُ أنا المبعوثَ في سورة الزُّمَرْ
سَأمْلِكُ أهل الأرض شرقًا ومَعرِبًا ..... إلى قيروانِ الروم والتُّرْك والخَزَرْ
وأراد بالنَّجميْن "زُحَل والمشترى"، وقد وُجد هذا القِرانُ في سِنِي ظهوره، ولم يملِك من الأرض شيئاً غير بلدته التى خرج منها، وطَمع في أن يَملِكَ سبعَ قِرانات وما مَلَك سبع سنين، بل قُتِلْ بـ "هيِت"، ورمته امرأةٌ
стр. 450
من سَطحِها بلبنة على رأسه فدَمَغته، وقتيلُ النساءِ أخسُّ قتيل وأهْوَنُ فقيد" (١).
وانتهت بقتله شوكةُ القرامطة، وذُبح على فراشه ممَّن تولَى بعده وهو "ابن أبي زكريا الطامي" الذي أسَن اللواط، وأوجَبَ قتل الغلامِ الذي يمتنع على من يريد الفجور به.
° قال عبد القاهر البغدادي في كتابه القيم "الفَرق بين الفِرق" عن الباطنية -ويعني بذلك دعوةَ ميمون بن القَدَّاح وحَمدان قِرمطَ من الإسماعيلية والقرامطة-: "ومنهم مَن نَسَب الباطنيةَ إلى الصابئين الذين هم بحَرَّان، واستدلَّ على ذلك بأن حَمْدان قِرْمِط داعيةَ الباطنية بعد ميمونَ بنِ ديصان كان من الصابئة الحرَّانية، واستدلَّ أيضاً بأن صابئةَ حَرَّان يكتمون أديانَهم ولا يُظهرونها إلاَّ لمن كان منهم، والباطنيةُ أيضاً لا يُظْهرون دينَهم إلاَّ لمن كان منهم بعدَ إحْلَافهم إياه على أن لا يَذكر أسرارَهم لغيرهم".
° قال عبد القاهر: "الذي يصحُّ عندي من دِينِ الباطنية أنهم دُهْرية زَنَادقة، يقولون بقِدَم العالم، ويُنكرون الرسلَ والشرائعَ كلَّها، لِميلها إلى استباحةِ كلِّ ما يَميل إليه الطبع.
والدليلُ على أنهم كما ذكرناه ما قرأته في كتابهم المترجم بـ "السياسة والبلاغ الأكيد، والناموس الأعظم"، وهي رسالة عبَيْد اللَّه بن الحسين القَيْرَوَاني (٢) إلى سليمانَ بنِ الحسنِ بن سعيد الجَنَّابي، أوْصَاه فيها بأن قال
стр. 451
له: "ادعُ الناسَ بأن تتقرَّبَ إليهم بما يَمِيلون إليه، وأوْهِمْ كلَّ واحدٍ منهم بأنك منهم، فمن آنَسْتَ منه رُشْدًا فاكشِفْ له الغِطاء، وإذا ظَفِرتَ بالفلسفيِّ فاحتفِظْ به، فعلى الفلاسفة مُعَوَّلُنا، وإنا وإياهم مُجْمِعُون على رد نَوَاميس الأنبياء، وعلى القول بقِدَمِ العالم، لولا ما يخالفنا فيه بعضهم من أن للعالَم مُدبِّراً لا نعرفه".
وذَكَر في هذا الكتاب إبطالَ القول بالمَعَاد والعقاب، وذَكَر فيه أن الجنةَ نعيمُ الدنيا، وأن العذابَ إنما هو اشتغالُ أصحابِ الشرائع بالصَّلاةِ والصيام والحجَ والجهاد.
° وقال أيضاً في هذه الرسالة: "إنَّ أهلَ الشرائع يَعْبُدون إلهًا لا يعرفونه ولا يَحضلون منه إلاَّ على اسمٍ بلا جسم".
° وقال فيها أيضاً: "أكْرِم الدُّهْرِيَّةَ فإنهم منَّا ونحن منهم"، وفي هذا تحقيق نسبة الباطنية إلى الدهرية، والذي يؤكِّد هذا أن المجوس يَدَّعون نبوَّة "زرادشت" ونزولَ الوحيِ عليه من الله تعالى، وأن الصابئين يَدَّعون نبوةَ "هَرمس، وواليس، وذروثيوس، وأفلاطن" وجماعةٍ من الفلاسفة، وسائرُ أصحاب الشرائع كلّ صنفٍ منهم مقِرّون بنزولِ الوحي من السماء على الذين أقرَّوا بنبوتهم، ويقولون: إنَّ ذلك الوحيَ شاملٌ للأمر والنهي والخبرِ
стр. 452
عن عاقبة بعد الموت، وعن ثوابٍ وعقاب، وجنةٍ ونار، يكون فيها الجزاءُ عن الأعمال السالفة .. والباطنيةُ يرفضون المعجزات، وُينكِرون نزولَ الملائكة من السماء بالوَحْي والأمر والنهي، بل ينكرون أن يكون في السماء مَلَك، وإنما يتأوَّلون الملائكةَ على دُعَاتهم إلى بِدْعَتهم، ويتأوَّلون الشياطين على مخالفيهم، والأبالسةَ على مخالفيهم.
ويزعُمون أن الأنبياءَ قومٌ أحَبُّوا الزعامةَ، فساسُوا العامة بالنواميس والحيل طلباً للزعامة بدعوى النبوة والإمامة، وكل واحد منهم صاحبُ دَورٍ مسبَّعٍ إذا انقضى دَورُ سبعة، تَبِعهم في دَورٍ آخر، وإذا ذكروا النبيَّ والوحي قالوا: إن النبي هو الناطق، والوحيَ أساسُه الفاتق، وإلى الفاتق تأويلُ نطقِ الناطق على ما تراه يميلُ إليه هواه، فمَن صار إلى تأويله الباطنِ فهو من الملائكة البَرَرَة، ومَن عَمِل بالظاهر فهو من الشياطين الكَفَرة.
ثم تأوَّلوا لكلِّ ركنٍ من أركانِ الشريعة تأويلاً يُورِثُ تضليلاً، فزعموا أن معنى "الصلاة" موالاةُ إمامهم، و"الحجَ" زيارتُه وإدمانُ خِدمته، والمرادُ "بالصوم" الإمساكُ عن إفشاءِ سرّ الإمام دون الإمساكِ عن الطعام، و"الزِّنى" عندهم إفشاءُ سرهم بغير عهدٍ وميثاق.
وزَعَموا أنَّ مَنْ عرف معنى العبادة سَقَط عنه فرضُها، وتأوَّلوا في ذلك قوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]، وحَمَلوا "اليقينَ" على معرفةِ التأويل.
° وقد قال القَيرواني في رسالته إلى سليمانَ بنِ الحسن: "إني أوصيك بتشكيك الناسِ في القرآنِ والتوراة والزبورِ والإنجيل، وبدَعوتِهم إلى إبطال الشرائع، وإلى إبطالِ المعاد والنشور من القبور، وإبطالِ الملائكة في
стр. 453
السماء، وإبطالِ الجنِّ في الأرض، وأوصيك بأن تدعوَهم إلى القول بأنه قد كان قبلَ آدم بَشَر كثيرٌ، فإن ذلك عَوْنٌ لك على القول بقدم العالم".
وفي هذا تحقيق دعوانا على الباطنية أنهم دُهْرِية يقولون بقِدَمِ العالَم، ويَجحدون الصانع، ويدلُّ على دعوانا عليهم القولَ بإبطال الشرائع أن القيرواني قال أيضاً في رسالته إلى سليمان بن الحسن: "وينبغي أن تُحِيطَ علماً بمخاريقِ الأنبياء ومُناقضاتِهم في أقوالهم، كعيسى ابنِ مريم قال لليهود: "لا أَرفعُ شريعةَ موسى"، ثم رَفَعها بتحريم الأحدِ بدلاً من السبت، وأباح العملَ في السبت، وأبدل قِبلةَ موسى بخلافِ جهتها، ولهذا قَتَلَتْه اليهودُ لَما اختلفت كلمته".
° ثم قال له: "ولا تكن كصاحبِ الأُمةِ المنكوسة حين سألوه عن الروح فقال: ﴿الروحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ لمَا لَم يعلم ولم يَحْضُره جوابُ المسألة، ولا تكن كموسى في دعواه التي لم يكن له عليها برهانٌ سوى المَخرقةِ بحُسنِ الحِيلة والشعبذة، ولما لم يجد المحقّقُ في زمانه عنده برهانًا قال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي﴾، وقال لقومه: ﴿أَنَا رَبّكُم الأَعْلَى﴾؛ لأنه كان صاحب الزمان في وقته".
° ثم قال في آخِرِ رسالته: "وما العَجَبُ من شيءٍ كالعجب من رجلٍ يدَّعي العَقْلَ ثم يكون له أختٌ أو بنتٌ حَسْناء وليست له زوجةٌ في حُسنها فيحرِّمُهَا على نفسه ويُنْكِحها من أجنبي، ولو عَقَل الجاهلُ لَعَلم أنه أحقّ بأختهِ وبنته من الأجنبي، وما وَجهُ ذلك إلاَّ أن صاحبَهم حَرَّم عليهم الطيِّبات، وخَوَّفهم بغائبٍ لا يعقل، وهو الإلهُ الذي يزعمونه، وأخبرهم بكَوْنِ ما لا يَرَونه أبداً من البعْث من القبورِ والحسابِ والجنةِ والنار، حتى
стр. 454
استَعبدهم بذلك عاجلاً، وجَعَلهم له في حياتِه ولذريَّته بعد وفاته خَوَلاً (١)، واستباح بذلك أموالهم بقوله: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، فكان أمرُه معهم نَقْدًا وأمرُهم معه نَسِيئة، وقد استَعجل منهم بَذْلَ أرواحِهم وأموالِهم على انتظار موعودٍ لا يكون، وهل الجنةُ إلاَّ هذه الدنيا ونعيمُها؟ وهل النارُ وعذابُها إلاَّ ما فيه أصحابُ الشرائع من التعبِ والنصَبِ في الصلاة والصيام والجهاد والحج؟ ".
° ثم قال لسليمانَ بنِ الحسن في هذه الرسالة: "وأنت وإخوانُك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس، وفي هذه الدنيا ورثتم نعيمَها ولذَّاتِها المحرمةَ على الجاهلين المتمسكّين بشرائعِ أصحابِ النواميس، فهينئاً لكم ما نِلْتُم من الراحة عن أمرهم".
وفي هذا الذي ذكرناه دلالةٌ على أن غَرضَ الباطنيةِ القولُ بمذاهبِ الدهرية واستباحة المحرَّمات وترك العبادات" (٢).
فانظرْ ما يقول المنتسِبُ زُورًا إلى أولاد النبي -وهو عدوُّهم على الحقيقة-، المُكفِّرُ للصحابة -وعلى رأسهم الصِّديق- إلى تلميذه الشقيِّ، في هذه الرسالة التي فضحت شأنَ الإِسماعيلي والقِرْمطي -وكلاهما غبيّ-:
أتطمَعُ أنتَ في جنَّات عدنٍ ...... وأنت عَدُوُّ أولادِ النبيْ
وهُمْ تركوك أَشْقى من ثمودٍ ...... وهُم تركوك أفصحَ مِن دَعي
وفي نار الجحيم غداً سَتَصلي ..... إذا عَادَاك سيدِّنا النبيْ
стр. 455
* الدُّروز -لعنهم الله -:
° يقول الشيخ إحسان إلهي ظهير (١) ﵀ وطيَّب ثراه- فاضحاً هذه الفرقةَ اللعينة، ومُبَيِّناً عداوتَهم للرسول ﷺ ودينه: "إن الباحثَ لا يستغربُ -بعدما يدرسُ المذهبَ الإِسماعيليَّ دراسةً متعمقة- أن ينشأ فيه طوائفُ، وأن يخرجَ منه فِرَقٌ تَدينُ بألوهيةِ الرجال، وتركِ الأعمال، وإلغاءِ الشرائع، واستباحةِ المحظورات، مِثل الدروز، والبديعية (٢)؛ لأن الديانةَ الإِسماعيلية لم تُبْنَ إلاَّ على مثل هذه المعتقدات، ولم تُروِّجْ إلاَّ نظيرَ هذه الأفكار كما بَسَطنا القول فيها في الأبواب السابقة، ولكنَّ الفَرقَ بينها وبين هذه الفِرَقِ المتفرِّعة عنها أنها حافظت على خفاياها وبواطنِ أمورِها وصانت أسرارَها، وكَتَمت حقيقتَها، وأخفَتْ أصليَّتها في ألفاظٍ وعباراتٍ فلسفية غامضة، واصطلاحاتٍ أفلاطونيةٍ معقدة، حيث إن هؤلاء جاهَروا بمعتقداتهم، وأعلَنوا عقائدَهم أمامَ الملأِ بدون تحفُّظٍ وتورُّع، وبدون حزمٍ واحتياط، ودون لُجوءٍ إلا الألفاظِ المنمَّقة والعباراتِ المزوَّرة.
فإنَّ حَمْزة بنَ على الزُّوزني، والحسنَ بنَ حَيدرة الفرغاني الأخرم، ومحمدَ بنَ إسماعيل الدُّرزي -بُناةَ المذهبِ الدُّرزيِّ-، لم يكونوا إلاَّ من دعاةِ الإِسماعيليَّة البارزين، والمقرَّبين إلى الإِمام الإسماعيلي الحاكم بأمرِ الله، والمدعَّمين منه هو، وما قالوا فيه، وما أظهروا من الآراء إلاَّ ما أخذوها من الديانة الإسماعيلية نفسِها، وبإيعازٍ من الإمام الإِسماعيلي "المعصوم" وتأييدٍ منه، بل وبتحريصِه وتشجيعه إيَّاهم كما ذكره المؤرِّخون وصَرَّحوا به،
стр. 456
فهؤلاء هم المؤرِّخون يذكرون هؤلاء الدعاةَ وعلاقتَهم بهم، فيقول ابنُ المحاسن وهو يذكر الحسن الفرغاني المعروف بالأخرم: "ثم عَنَّ له -أي: للحاكم- أن يدَّعي الربوبية، وقَرَّب رجلاً يُعرفُ بالأخرم ساعَدَه على ذلك، وضمَّ إليه طائفةً بَسَطَهم للأفعالِ الخارجة عن الديانة. فلما كان في بعضِ الأيامِ خَرَج الأخرمُ من القاهرة راكباً في خمسين رجلاً من أصحابه، وقَصَد مصر ودخل الجامع راكبًا دابَّته، ومعه أصحابُه على دوابِّهم وقاضي القضاة ابن أبي العوام جالسٌ فيه ينظرُ في الحكم، فنَهَبوا الناسَ، وسَلبوهم ثيابَهم، وسَلَّموا للقاضي رُقعةً فيها فتوى، وقد صَدَرت باسم "الحاكم الرحمن الرحيم"، فلما قرأها القاضي رَفع صوته منكِراً، واسترجع، وثار الناسُ بالأخرم، وقتلوا أصحابَه وهَرَب هو، وشاع الحديثُ في دعواه الربوبية، وتقرَّب إليه جماعة من الجهال، فكانوا إذا لقُوه قالوا: "السلام عليك يا واحدُ يا أحدُ يا محيي يا مميت"، وصار له دعاةٌ يَدْعُون أوباشَ الناس ومَن سَخِفَ عقلُه إلى اعتقادِ ذلك، فمال إليه خَلقٌ كثيرٌ طمعًا في الدنيا والتقرُّب إليه، وكان اليهوديُّ والنصرانيُّ إذا لَقِيَه يقول: "إلهي قد رغبتُ في شريعتي الأولى"، فيقول الحاكم: "افعلْ ما بدا لك"، فيرتدّ عن الإِسلام .. وزاد هذا الأمر بالناس (١).
ويذكرُ الأمامُ الذهبيُّ أن حَسَن بن حيدرة الفرغاني المعروف بالأخرم لَمَّا بدأ يدعو الناسَ إلى ما كان يدعو إليه من التناسخ والحلول وألوهيةِ الحاكم استدعاه الحاكم، وخَلَع عليه، وأركبه فرساً مطهَّمًا، وسَيَّره في
стр. 457
موكبه، وأولاه عَطفَه ورعايته، ولَمَّا قتله أحدٌ من المسلمين السُّنة غَضِب الحاكمُ لذلك أيَّما غضب، وأَمر باعدامِ القاتل في الحال، وكَفَّنه الحاكمُ (١) بأكفانٍ من القصر، ودُفن في حَفلٍ رسمي، وحَمَل أهلُ السُّنة صاحبَهم، ودفنوه مكرَّمًا، وهرع الناس أيامًا لزيارة قبرِه، ولكنَّ القبرَ نُبش بعد أيامٍ واختفت جُثّته بأمرٍ من الحاكم (٢).
وأما الدُّرزِيّ، فيَذكره أبو الحسن نقلاً عن الإمام الذهبيِّ أيضاً في "تاريخه": "إن رجلاً يُعرف بالدُّرزيِّ قَدِمَ مصرَ، وكان من الباطنية القائلين بالتناسخ، فاجتمع بالحاكم، وساعَدَه على ادعاءِ الربوبية، وصَنَّف له كتاباً ذَكَر فيه أن رُوحَ آدمَ ﵇ انتَقلت إلى عليِّ بنِ أبي طالب، وأن رُوحَ عليٍّ انتقلت إلى أبي الحاكم، ثم انتَقلت إلى الحاكم، فنَفَق على الحاكم وقَرَّبه وفَوَّض الأمورَ إليه، وبَلغ منه أعلى المراتب، بحيث أن الوزراءَ والقُوَّادَ والعلماء كانوا يَقِفون على بابه، ولا يَنقضي لهم شُغلٌ إلاَّ على يَدِه، وكان قَصدُ الحاكم الانقيادَ إلى الدرزيِّ المذكور فيطيعونه، فأظهر الدرزيُّ الكتابَ الذي فعله وقرأه بجامع القاهرة، فثار الناسُ عليه وقَصدوا قَتْلَه، فهرب منهم، وأنكر الحاكمُ أمره خوفًا من الرعية، وبحث إليه في السرِّ مالاً، وقال: "اخرجْ إلى الشام وانشرِ الدعوةَ في الجبال، فإنَّ أهلَها سريعو الانقياد" .. فخرج إلى الشام، ونزل بِوادِي "تَيم الله بن ثعلبة"، غربيَّ دمشق من أعمال "بانياس"، فقرأ الكتابَ على أهله، واستمالهم إلى الحاكم
стр. 458
وأعطاهم المال، وقرَّر في نفوسهم الدرزيُّ التناسخَ، وأباح لهم شُربَ الخمر والزنا، وأخذَ مالِ مَن خالفهم في عقائدهم وإباحةَ دمه، وأقام عندهم يُبيحُ لهم المحظوراتِ إلى أن انتهى (١).
وأمَّا المَقريزيُ المتعاطفُ مع الإسماعيلية، وفاطميُّ النزعة -كما يُسمَيه البحَّاثةُ الكبيرُ محمد عبد الله عنان-، فقد أقرَّ اتصالَ الدُّرزيَّ بالحاكم حيث كتب: "قدم مصرَ داعٍ أعجميٌّ اسمُه محمدُ بنُ إسماعيل الدرزي، واتَّصل بالحاكم فأنعم عليه، ودعا الناس إلى القولِ بإلاهية الحاكم، فأنكر الناسُ عليه ذلك" (٢).
° "ثم ظَهَر داعٍ آخَرُ اسمُه حمزةُ بنُ أحمد، وتلقَّب بالهادي، وأقام بمسجدِ "تبر" خارج القاهرة، ودعا إلى مقالةِ الدرزي، وبَثَّ دعاتَه في أعمال مصر والشام، وترخَّص في أعمالِ الشريعة، وأباح الأمهاتِ والبناتَ ونحوَهن، وأسقط جميعَ التكاليفِ مِن الصلاة والصوم ونحو ذلك، فاستجاب له خَلقٌ كثيرٌ، فظَهر من حينئذٍ مذهبُ الدُّرزيِّ ببلاد "صيدا وبيروت" وساحل الشام" (٣).
وذكره المؤرِّخون الآخَرون الكثيرون، منهم ابنُ عذارى المراكشي، والذهبي، والخزرج المصري، وابن سعيد الأنطاكي، والمكين بن عميد وغيرهم.
стр. 459
° فأما ابن عذارى المراكشيُّ، فيقول وهو يَذكر نِزارًا أبا المنصور، وبعده الحاكم بأمر الله: "ثم وَلِيَ بعدَه الحاكمُ فأظهَرَ أكثرَ مذهبِهم، ثم إنه ادعى الربوبيةَ من دون اللَّه، وجَعل داعيًا يدعو الناسَ إلى عبادته، وسمَّاه المهدي، فكتب داعِيهِ الكتاب، وكان اسمه حمزة، وذلك في سنة ٤١٠، وقُرئ بحضرة الحاكم -لعنه الله- على أهل مملكته، ذَكَر فيه -تعالى الله عن إبطالِ المبطلين علوًّا كبيراً-: "الحمد لمولاي الحاكم وحدَه! باسمِك اللهمَّ الحاكم بالحق"، ثم تمادى، فقال: "توكَّلت على إلاهي أمير المؤمنين -جل ذكره-! وبه نستعين في جميع الأمور"، ثم طَوَّل في الكتاب بالتخليط: فمرة يجعله أمير المؤمنين، ومرة يجعله الإِله، وقال فيه: "وأمرني بإسقاط ما لا يلزمكم اعتقاده من الأديان الماضية، والشرائع الدارسة".
وذكر أشياءَ يَطول ذكرُها، وكانت له راية حمراء تحتَ قصرِه، فاجتمع إليه خلقٌ نحو خَمسةَ عَشَرَ ألف رجل فيما قيل" (١).
° وأما البقية، فلخَّص أقوالَهم محمد عبد الله عنان بقوله: "إن حمزةَ ابنَ عليٍّ عَكَف مدى حين على بثِّ دعوته سرّاً، ولم يِجاهِر بها إلاَّ في أواخِرِ سنةِ ٤٠٧ هـ أو أوائل سنة ٤٠٨ هـ، وعندئذٍ يبدو على مسرح الحوادث الظاهرة، ويلازم الجلوسَ في مسجدِ "ريدان" -أو مسجد "تبر"- بظاهِرِ باب النصر، ويدعو جَهراً إلى عِبادةِ الحاكم، وينادي بالتناسخ في الأديانِ الشرائع وبالحلول، ويَزعم أن الحاكمَ ليس بشراً، وإنما هو رمزٌ حَلَّ فيه الإلهُ، فاجتَمَع إليه طائفةٌ كبيرةٌ من غلاةِ الشيعةِ الإسماعيلية، وتلقَّب
стр. 460
بـ"هادي المستجيبين"، ولَقَّب الحاكم بـ "قائم الزمان"، وبَثَّ دعاتَه في أنحاءٍ مصرَ والشام، ورَخَّص في أحكامِ الشريعة، وأباح الأمهاتِ والبناتَ وسائر المحارم، وأسقَطَ جميعَ التكاليفِ في الصلاة والصوم وغيرِهما، فاستجاب له كثيرٌ من الكافة، وكثُر جَمعُه، وذاع أمره، وكان الحاكم حين يَمرُّ رَكْبُه بالمسجد، يخرجُ إليه حمزةُ، ويحادثُه طويلاً على انفراد، ولم يَلبثْ أنْ أَولاه الحاكمُ رعايتَه بصورةٍ ظاهرة، وبَعَث إليه وإلى أتباعِه بالسلاح ليدافعوا عن أنفسِهم وقتَ الحاجة، إذ كانوا يُوجِسون شرًّا من الكافَّة، ثم تمادى حمزةُ في مشروعِه، فاتَّخذ له بطانةً قويةً من الدعاةِ والرسل، وَلقَّب أحدَهم -وهو إسماعيلُ بنُ محمد التميمي- بـ "سفير القُدْرة"، وكان يُنفِذُه لأخذِ البَيعةِ من الرؤساء والكبراء للحاكم في صفته الجديدة التي أسبغها عليه حمزة وشيعتُه -أعني باعتباره "قائمَ لزمان"-، فكان الكثيرُ منهم يَضطَرُّ إلى التظاهر بالقبول خَوفًا من البطش والانتقام" (١).
فهؤلاء هم مؤسِّسو المذهبِ الدرزيِّ وبُناةُ هذه النِّحلة، وهذه هي علاقتهم بالإِمام الإسماعيلي المعصوم -حسب زعم القوم- الحاكم بأمر الله.
ولقد ذَكر المؤرخون أنَّ عَزْمَ الحاكم على إحراقِ مصر، وهَتكِ أعراض الناس، وخطفِ نسائهم وبناتهم، ونَهْبِ أموالهم، وسَفكِ دمائهم لم يكن إلاَّ نقمة ًمنه عليهم بأنهم لَم يَقبلوا ادعاءاته السخيفة، ولم يؤمنوا بألوهيته