← Сира

Сира · id 96964

وا محمداه إن شانئك هو الأبتر

سيد حسين العفاني

Полный текст (2 668 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فهؤلاء هم المؤرِّخون يذكرون هؤلاء الدعاةَ وعلاقتَهم بهم، فيقول ابنُ المحاسن وهو يذكر الحسن الفرغاني المعروف بالأخرم: "ثم عَنَّ له -أي: للحاكم- أن يدَّعي الربوبية، وقَرَّب رجلاً يُعرفُ بالأخرم ساعَدَه على ذلك، وضمَّ إليه طائفةً بَسَطَهم للأفعالِ الخارجة عن الديانة. فلما كان في بعضِ الأيامِ خَرَج الأخرمُ من القاهرة راكباً في خمسين رجلاً من أصحابه، وقَصَد مصر ودخل الجامع راكبًا دابَّته، ومعه أصحابُه على دوابِّهم وقاضي القضاة ابن أبي العوام جالسٌ فيه ينظرُ في الحكم، فنَهَبوا الناسَ، وسَلبوهم ثيابَهم، وسَلَّموا للقاضي رُقعةً فيها فتوى، وقد صَدَرت باسم "الحاكم الرحمن الرحيم"، فلما قرأها القاضي رَفع صوته منكِراً، واسترجع، وثار الناسُ بالأخرم، وقتلوا أصحابَه وهَرَب هو، وشاع الحديثُ في دعواه الربوبية، وتقرَّب إليه جماعة من الجهال، فكانوا إذا لقُوه قالوا: "السلام عليك يا واحدُ يا أحدُ يا محيي يا مميت"، وصار له دعاةٌ يَدْعُون أوباشَ الناس ومَن سَخِفَ عقلُه إلى اعتقادِ ذلك، فمال إليه خَلقٌ كثيرٌ طمعًا في الدنيا والتقرُّب إليه، وكان اليهوديُّ والنصرانيُّ إذا لَقِيَه يقول: "إلهي قد رغبتُ في شريعتي الأولى"، فيقول الحاكم: "افعلْ ما بدا لك"، فيرتدّ عن الإِسلام .. وزاد هذا الأمر بالناس (١). ويذكرُ الأمامُ الذهبيُّ أن حَسَن بن حيدرة الفرغاني المعروف بالأخرم لَمَّا بدأ يدعو الناسَ إلى ما كان يدعو إليه من التناسخ والحلول وألوهيةِ الحاكم استدعاه الحاكم، وخَلَع عليه، وأركبه فرساً مطهَّمًا، وسَيَّره في

стр. 457

موكبه، وأولاه عَطفَه ورعايته، ولَمَّا قتله أحدٌ من المسلمين السُّنة غَضِب الحاكمُ لذلك أيَّما غضب، وأَمر باعدامِ القاتل في الحال، وكَفَّنه الحاكمُ (١) بأكفانٍ من القصر، ودُفن في حَفلٍ رسمي، وحَمَل أهلُ السُّنة صاحبَهم، ودفنوه مكرَّمًا، وهرع الناس أيامًا لزيارة قبرِه، ولكنَّ القبرَ نُبش بعد أيامٍ واختفت جُثّته بأمرٍ من الحاكم (٢). وأما الدُّرزِيّ، فيَذكره أبو الحسن نقلاً عن الإمام الذهبيِّ أيضاً في "تاريخه": "إن رجلاً يُعرف بالدُّرزيِّ قَدِمَ مصرَ، وكان من الباطنية القائلين بالتناسخ، فاجتمع بالحاكم، وساعَدَه على ادعاءِ الربوبية، وصَنَّف له كتاباً ذَكَر فيه أن رُوحَ آدمَ ﵇ انتَقلت إلى عليِّ بنِ أبي طالب، وأن رُوحَ عليٍّ انتقلت إلى أبي الحاكم، ثم انتَقلت إلى الحاكم، فنَفَق على الحاكم وقَرَّبه وفَوَّض الأمورَ إليه، وبَلغ منه أعلى المراتب، بحيث أن الوزراءَ والقُوَّادَ والعلماء كانوا يَقِفون على بابه، ولا يَنقضي لهم شُغلٌ إلاَّ على يَدِه، وكان قَصدُ الحاكم الانقيادَ إلى الدرزيِّ المذكور فيطيعونه، فأظهر الدرزيُّ الكتابَ الذي فعله وقرأه بجامع القاهرة، فثار الناسُ عليه وقَصدوا قَتْلَه، فهرب منهم، وأنكر الحاكمُ أمره خوفًا من الرعية، وبحث إليه في السرِّ مالاً، وقال: "اخرجْ إلى الشام وانشرِ الدعوةَ في الجبال، فإنَّ أهلَها سريعو الانقياد" .. فخرج إلى الشام، ونزل بِوادِي "تَيم الله بن ثعلبة"، غربيَّ دمشق من أعمال "بانياس"، فقرأ الكتابَ على أهله، واستمالهم إلى الحاكم

стр. 458

وأعطاهم المال، وقرَّر في نفوسهم الدرزيُّ التناسخَ، وأباح لهم شُربَ الخمر والزنا، وأخذَ مالِ مَن خالفهم في عقائدهم وإباحةَ دمه، وأقام عندهم يُبيحُ لهم المحظوراتِ إلى أن انتهى (١). وأمَّا المَقريزيُ المتعاطفُ مع الإسماعيلية، وفاطميُّ النزعة -كما يُسمَيه البحَّاثةُ الكبيرُ محمد عبد الله عنان-، فقد أقرَّ اتصالَ الدُّرزيَّ بالحاكم حيث كتب: "قدم مصرَ داعٍ أعجميٌّ اسمُه محمدُ بنُ إسماعيل الدرزي، واتَّصل بالحاكم فأنعم عليه، ودعا الناس إلى القولِ بإلاهية الحاكم، فأنكر الناسُ عليه ذلك" (٢). ° "ثم ظَهَر داعٍ آخَرُ اسمُه حمزةُ بنُ أحمد، وتلقَّب بالهادي، وأقام بمسجدِ "تبر" خارج القاهرة، ودعا إلى مقالةِ الدرزي، وبَثَّ دعاتَه في أعمال مصر والشام، وترخَّص في أعمالِ الشريعة، وأباح الأمهاتِ والبناتَ ونحوَهن، وأسقط جميعَ التكاليفِ مِن الصلاة والصوم ونحو ذلك، فاستجاب له خَلقٌ كثيرٌ، فظَهر من حينئذٍ مذهبُ الدُّرزيِّ ببلاد "صيدا وبيروت" وساحل الشام" (٣). وذكره المؤرِّخون الآخَرون الكثيرون، منهم ابنُ عذارى المراكشي، والذهبي، والخزرج المصري، وابن سعيد الأنطاكي، والمكين بن عميد وغيرهم.

стр. 459

° فأما ابن عذارى المراكشيُّ، فيقول وهو يَذكر نِزارًا أبا المنصور، وبعده الحاكم بأمر الله: "ثم وَلِيَ بعدَه الحاكمُ فأظهَرَ أكثرَ مذهبِهم، ثم إنه ادعى الربوبيةَ من دون اللَّه، وجَعل داعيًا يدعو الناسَ إلى عبادته، وسمَّاه المهدي، فكتب داعِيهِ الكتاب، وكان اسمه حمزة، وذلك في سنة ٤١٠، وقُرئ بحضرة الحاكم -لعنه الله- على أهل مملكته، ذَكَر فيه -تعالى الله عن إبطالِ المبطلين علوًّا كبيراً-: "الحمد لمولاي الحاكم وحدَه! باسمِك اللهمَّ الحاكم بالحق"، ثم تمادى، فقال: "توكَّلت على إلاهي أمير المؤمنين -جل ذكره-! وبه نستعين في جميع الأمور"، ثم طَوَّل في الكتاب بالتخليط: فمرة يجعله أمير المؤمنين، ومرة يجعله الإِله، وقال فيه: "وأمرني بإسقاط ما لا يلزمكم اعتقاده من الأديان الماضية، والشرائع الدارسة". وذكر أشياءَ يَطول ذكرُها، وكانت له راية حمراء تحتَ قصرِه، فاجتمع إليه خلقٌ نحو خَمسةَ عَشَرَ ألف رجل فيما قيل" (١). ° وأما البقية، فلخَّص أقوالَهم محمد عبد الله عنان بقوله: "إن حمزةَ ابنَ عليٍّ عَكَف مدى حين على بثِّ دعوته سرّاً، ولم يِجاهِر بها إلاَّ في أواخِرِ سنةِ ٤٠٧ هـ أو أوائل سنة ٤٠٨ هـ، وعندئذٍ يبدو على مسرح الحوادث الظاهرة، ويلازم الجلوسَ في مسجدِ "ريدان" -أو مسجد "تبر"- بظاهِرِ باب النصر، ويدعو جَهراً إلى عِبادةِ الحاكم، وينادي بالتناسخ في الأديانِ الشرائع وبالحلول، ويَزعم أن الحاكمَ ليس بشراً، وإنما هو رمزٌ حَلَّ فيه الإلهُ، فاجتَمَع إليه طائفةٌ كبيرةٌ من غلاةِ الشيعةِ الإسماعيلية، وتلقَّب

стр. 460

بـ"هادي المستجيبين"، ولَقَّب الحاكم بـ "قائم الزمان"، وبَثَّ دعاتَه في أنحاءٍ مصرَ والشام، ورَخَّص في أحكامِ الشريعة، وأباح الأمهاتِ والبناتَ وسائر المحارم، وأسقَطَ جميعَ التكاليفِ في الصلاة والصوم وغيرِهما، فاستجاب له كثيرٌ من الكافة، وكثُر جَمعُه، وذاع أمره، وكان الحاكم حين يَمرُّ رَكْبُه بالمسجد، يخرجُ إليه حمزةُ، ويحادثُه طويلاً على انفراد، ولم يَلبثْ أنْ أَولاه الحاكمُ رعايتَه بصورةٍ ظاهرة، وبَعَث إليه وإلى أتباعِه بالسلاح ليدافعوا عن أنفسِهم وقتَ الحاجة، إذ كانوا يُوجِسون شرًّا من الكافَّة، ثم تمادى حمزةُ في مشروعِه، فاتَّخذ له بطانةً قويةً من الدعاةِ والرسل، وَلقَّب أحدَهم -وهو إسماعيلُ بنُ محمد التميمي- بـ "سفير القُدْرة"، وكان يُنفِذُه لأخذِ البَيعةِ من الرؤساء والكبراء للحاكم في صفته الجديدة التي أسبغها عليه حمزة وشيعتُه -أعني باعتباره "قائمَ لزمان"-، فكان الكثيرُ منهم يَضطَرُّ إلى التظاهر بالقبول خَوفًا من البطش والانتقام" (١). فهؤلاء هم مؤسِّسو المذهبِ الدرزيِّ وبُناةُ هذه النِّحلة، وهذه هي علاقتهم بالإِمام الإسماعيلي المعصوم -حسب زعم القوم- الحاكم بأمر الله. ولقد ذَكر المؤرخون أنَّ عَزْمَ الحاكم على إحراقِ مصر، وهَتكِ أعراض الناس، وخطفِ نسائهم وبناتهم، ونَهْبِ أموالهم، وسَفكِ دمائهم لم يكن إلاَّ نقمة ًمنه عليهم بأنهم لَم يَقبلوا ادعاءاته السخيفة، ولم يؤمنوا بألوهيته

стр. 461

المزعومة، ولم يَصْغَوا إلى دُعاته المجاهِرين بربوبيته والطائفين حولَ قَصْرِه بإرادة الحج، فنَكَّل بهم وبأهلهم، وعَمِل بهم ما لم يَعْمَلْه طاغيةُ الروم في الروم. وأما علاقةُ الديانة الدرزية بالديانة الإسماعيلية، فإنها علاقةٌ متَّصلةٌ وثيقة، وليس في الدرزية ما لا يوجَد في الإسماعيلية، بل إنها هي عينُها ببعضِ الفروق الزمنية وفَرْقِ الجُرَأة والمجاهرة بالمعتقدات طالَمَا خَفِيت وكُتمت عن الآخرين، ولقد صَدَقَ الدكتور محمد كامل حسين حيث عَنْوَنَ بابه الثالث في كتابه "طائفة الدروز" بعنوان "عقيدة الفاطميين أساسُ عقيدةِ الدروز"، ثم كتب تحته: "إن الباحثَ في عقيدة الدروز يجبُ أن يكون مُلِمًّا إلمامًا تامًّا بعقيدةِ الشيعة الفاطمية، ولذلك رأيتُ أن أوجِزَ هنا الحديثَ عن عقائدِ الفاطميين التي أعتَبرُها الأساسَ الأول لعقيدةِ الدروز، فالمصطلحاتُ المذهبيةُ الفاطمية تكادُ تكونُ هي المصطلحاتِ المذهبيةَ عند الدروز، وأحيانًا نَرى الذين وَضعوا عقيدةَ الدروز يستعملون مصطلحاتِ الفاطميين لمدلولاتٍ جديدة كل الجِدَّة، ومع ذلك كلِّه، فهي ليست بعيدة كلَّ البُعدِ عن آراء الفاطميين" (١). وكان بَدءُ هذه الدعوة كما تشيرُ الرسائلُ الدرزية سنة ٤٠٠ هـ، ولكن لم يُجهرْ بها حَسبَ ما ذكره المؤرخون إلاَّ سنة ٤٠٨ هـ، أو سنة ٤٠٧ هـ. ومن الطرائف أن الدرزيَّ وحَمزةَ اختلفا فيما بينهما على غنيمةِ ألوهية الحاكم وثمرتِها، وهي النبوةَّ، وأراد كلُّ واحدٍ منهما أن يكونَ هو نبيّاً

стр. 462

ورسولاً للإلهِ الجديد، وكَفَّر كلُّ واحد منهما الآخر (١). وإن الدروزَ اليوم يَنفُون نسبتَهم إلى الدرزيِّ، بل إنهم يُكفِّرون الدرزيَّ ومَن والاه، ولا يتَّبعون إلاَّ حمزةَ وتعاليمَه، ويُسمُّون أنفسَهم بالموحِّدين، ولكنهم لَم يُعرفوا في التاريخ الطويل إلاَّ بهذا الاسم واقتنعوا به. مع الملاحظة أن تعاليمَ الدرزيِّ وتعاليمَ حمزة لا تَختلفانِ في جَوهرِها، بل إنها متفقةٌ تمامَ الاتفاق، اللهمَ إلاَّ ما أراد كلُّ واحدٍ منهما من احتكارِ الزعامة والقيادة لنفسه. * مذهب الدروز: ° وتتلخَّصُ عقيدة الدروز في: ١ - ألوهية الحاكم. ٢ - التناسخ والحلول. ٣ - الغَيبة والرجعة. ٤ - إبطال الشرائع وأصولِ الإسلام. ٥ - نبوَّة ورسالة حمزة بن علي. ° فأمَّا ألوهيةُ الحاكم، فيقول فيه حمزةُ بنُ عليِّ بنِ أحمدَ الزَّوزني: "فالحذر الحذر أن يقول واحدٌ منهم بأنَّ مولانا جلَّ ذِكره: ابن العزيز، أو أبو علي؛ لأن مولانا سبحانه هو في كلّ عصرٍ وزمانٍ يَظهر في صورةٍ بشريةٍ

стр. 463

وصفةٍ مرئيةٍ كيف يشاءُ حيث يشاء .. إلى أن يقول: وهو سبحانه لا تُغيِّرُه الدهورُ ولا الأعوامُ ولا الشهور، وإنما يتغيَّرُ عليكم بما فيه صلاحُ شأنِكم، وهو تغييرُ الاسم والصِّفة لا غير، وأفعالُه جلَّ ذكره تظهرُ مِن القوَّة إلى الفعل كما يشاءُ ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، أي: كلَّ عصر في صورةٍ لا يشغلُه شأنٌ عن شأن. وأما مَن قال واعتَقد بأن مولانا جلَّ ذِكرُه سَلَّم قدرتَه ونَقَل عظمتَه إلى الأمير عليٍّ، أو أشار إليه بالمعنويَّة، فقد أشرك بمولانا سبحانه غيرَه وسَبَقه بالقول .. فمن منكم يعتقدُ هذا القولَ فليرجعْ عنه ويَسْتَقِلْ منه ويستغفرِ المولى جلَّ ذِكرُه وتقدَّسَ اسمُه من ذلك .. ولا يجوز لأحدٍ يُشركُ في عبادته ابناً ولا أباً، ولا يشيرُ إلى حجابٍ يحتجبُ مولانا جلَّ ذكرُه فيه إلاَّ بعد أن يُظهرَ مولانا جلَّ ذكره أمرَه، ويجعل فيمن يشاءُ حِكمَتَه، فحينئذٍ لا مردَّ لقضائه ولا عاصيًا لحكمه. وما أدراك ما حقيقةُ الحاكم؟ ولِمَ تسمَّى بالحاكم في هذه الصورة دون سائرِ الصور؟ ومولانا جلَّ ذكرُه غيرُ غائبٍ عن ناسوته، فِعلُه فِعلَ ذلك المحجوب عنا في نُطقِهِ ذلك النطق، لا يَغيبُ اللاهوتُ عن الناسوت إلا أنكم لا تستطيعون النظر إليه، ولا لكم قُدرةٌ بإحاطة حقيقته. وأراد بالحاكم، أي يحكمُ على جميع النطقاءِ والأسسِ والأئمَّةِ والحُجج وَيستعبدُهم تحتَ حُكمه وسلطانه، وهي عَبيدُ دولته ومماليكُ دعوتِه الحاكم بذاته .. وتركُ الاعتراض فيما يفعله مولانا جلَّ ذِكر، ولو طَلَب من أحدكم أن يَقتل ولدَه لوجب عليه ذلك بلا إكراهِ قلب؛ لأنَّ مَن فَعَل شيئاً هو غيرُ راضٍ به لم يُثَب عليه، ومَن رَضِي بأفعالِه وسَلَّم الأمرَ إليه، ولم يُراءِ

стр. 464

إمامَ زمانه، كان من الموحِّدين الذين لا خوفَ عليهم. واعلَموا أن الشركَ خَفِيُّ المدخل، دقيقُ السِّتر والمَسبل، وليس منكم أحدٌ إلاَّ وهو يُشركُ ولا يَدري، ويَكفرُ وهو يَسري، ويَجحد وهو يزدري، وذلك قولُ القائل منكم: بأن مولانا سبحانه صاحب الزمان، أو إمامُ الزمان، أو وليُّ الله، أو خليفتُه، أو ما شاكَلَ ذلك من قولكم: الحاكم بأمر الله، أو سلام الله عليه، أو صلواتُ الله عليه" (١). هذا وقد ورد في مصحفِ الدروز العهدُ الذي يقولون: إن الحاكم بأمر الله أمَرَ بكتابته على جَميع الموحِّدين الذين آمنوا به، فيقول المؤمن به: "آمنتُ بالله، ربي الحاكم، العليِّ الأعلى، ربِّ المشرقَينِ وربِّ المغربين، وإلهِ الأصلَين والفَرعين، منشئِ الناطق والأساس، مُظهِرِ الصورةِ الكاملة بنوره، الذي على العرش استوى، وهو بالأُفق الأعلى، ثم دنا فتدلَّى، وآمنت به، وهو ربُّ الرُّجعى وله الأولى والآخرة، وهو الظاهرُ والباطن. وآمنتُ به، بأولي العزمِ من الرسل، ذَوِي مشارقِ التجلِّي المبارَك حولها وبحاملي العرش الثمانية، وبجميع الحدودِ، وأُومِنُ عاملاً قائماً بكلِّ أمرٍ ومَنعٍ ينزلُ من لَدُن مولانا الحاكم، وقد سَلَّمتُ نفسي وذاتي وذواتي، ظاهرًا وباطناً، علماً وعملاً، وأن أُجاهدَ في سبيل مولانا، سرًّا وجَهراً بنفسي ومالي وولدي وما مَلَكَت يداي، قولاً وعملاً، وأشهدتُ على هذا الإِقرارِ جميع ما خُلق بمشارقي ومات بمغاربي. وقد التزمتُ وأَوجبتُ على هذا نفسي ورُوحي بصحَّةٍ من عقلي

стр. 465

وعقيدتي، وإني أُقِرُّ بهذا، غيرَ مُكرَهٍ أو منافق، وإنني أُشهدُ مولايَ الحق الحاكمَ، مَن هو في السماء إلهٌ وفي الأرض إله، وأُشهد مولايَ هادي المستجيبن، المنتقمَ من المشركين المرتدّين، حمزةَ بنَ علي بنِ أحمدَ، مَن به أشرقت الشمسُ الأزلية، ونَطقت فيه وله سُحُبُ الفضل: إني قد بَرئتُ وخرجتُ من جميع الأديانِ والمذاهبِ والمقالاتِ والاعتقاداتِ قديمها وحديثها، وآمنتُ بما أَمر به مولانا الحاكمُ الذي لا أُشرِكُ في عبادتِه أحدًا في جميع أدواري. وأُعيد فأقول: إنني قد سَلَّمتُ رُوحي وجسمي وما ملكَتْ يداي وولدي لمولانا الحاكم جل ذِكره، ورَضِيتُ بجميع أحكامه لي أو علي، غيرَ معترضٍ ولا منكِر منها شيئاً، سرَّني ذلك أم ساءني، وإذا رجعتُ أو حاولتُ الرجوعَ عن دِينِ مولانا الحاكم جلَّ ذِكره، والذي كتبتُه الآن، وأشهدتُ به على رُوحِي ونفسي، أو أشرفُ بالرجوع إلى غيره، أو جَحدتُ أو خالفتُ أمراً أو نهيًا من أوامر مولايَ جل ذكره ونواهيه: كان مولاي الحاكمُ جلَّ ذِكرُه بريئًا مني، واستُحِقَّتْ عليَّ العقوبةُ في جميع أدواري من بارئِ الأنامِ جلَّ ذكره، وعلى هذا أُشهدك ربِّي ومولاي، مَن بيدك الميثاق، وأُقِرةُ، فاجعلني من الموحِّدين الفائزين الذين جَعلتَهم في أعلى عليين، ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾، مولاي إن تشاء .. آمين" (١).

стр. 466

° وأما الحلول والتناسخُ، فيقولون: إن الجسدَ لا يرجعُ بعدَ الموت، ولكنَّ النفسَ تَحلُّ في جسدٍ آخر، فنَفسُ الموحِّدِ تنتقلُ إلى موحِّد، ونَفْسُ المُشرك إلى مشرك، ولا تتغيَّرُ الأنفس، ولكنها تُغيَّرُ قحصانها -أي: أشكالها- الخارجية" (١). ° وقال الأستاذ عبد الله نجار الدرزي نقلاً عن الرسالة الموسومة "من دون قائم الزمان والهادي إلى طاعة الرحمان": "إنَّ البَشَر، وهم عالم السواد الأعظم -سواءٌ في العالم العلوي، أعني الفلك وما فيه من المدبَّرات والنيرات والاستقصات، أم في العالم السفلي-: لم يتناقَصوا ولم يتزايدوا، مِن حيثُ الأرواح التي هي معدودةٌ من أول الأدوار، تظهر بظهوراتٍ مختلفاتِ الصور على مقدارِ إكتسابها من خير وشرٍّ" (٢). ° ويقولون: "إن اللاهوت ظَهر في صورةِ الناسوت، فظهر أولَ ما ظهر العليُّ، ثم البار، ثم أبي زكريا، ثم عليًّا، ثم المعل، ثم القائم، ثم المنصور، ثم المُعز، ثم العزيز، ثم الحاكم" (٣). وكلُّهم نَفسٌ واحدة!. ° "وكان الحاكم هو الظاهرُ فيهم جميعًا" (٤). ° وأما الغَيبةُ والرَّجعة، فيقولون بغَيبةِ الحاكم ورَجعتِه في آخِرِ الزمان

стр. 467

كما ذكر ذلك حمزة في رسالته المُعَنونة "بنسخة السِّجِلِّ الذي وُجد معلَّقًا على المشاهد في غيبة مولانا الإمام الحاكم" كتب في آخره: "فقد غَضِب الله تعالى ووليُّه أميرُ المؤمنين سلامُ الله عليه مِن عِظَمِ إسراف الكافة أجمعين، ولذلك خَرَج من أوساطكم .. فإذا أطلَّتَ عليكم الرحمةُ خَرج وليُّ الله أمامَكم باختيارِه راضيًا عنكم ظاهرًا في أوساطكم" (١). ° أما إبطالُ الشرائع ونسخُ الأديان، فقد ذكرناه سابقاً، وكما ذَكر المؤرِّخون أن الحاكمَ بأمر الله نفسَه أبطلَ بعضَ الشعائر الدينية -مِثل الجمعة وغيرها-، وكان يريدُ إبطالَ الصوم وغيرِه من العبادات، ولكنه قُتل قبل ذلك، وقد ذكر الأستاذ محمد عنان ملخصاً لمذهب الدروز بقوله: "فهم على ما دعا إليه حمزةُ منذُ أكثرَ من تسعةِ قرون، يُنكرون الألوهية في ذاتها، ويعتقِدون في ألوهية الحاكم بأمر الله، وفي رَجعته آخِرَ الزمان، ولهم في تصويرها أقوالٌ مغرقةٌ أشرنا إليها من قبل، ويُنكرون الأنبياءَ والرسلَ جميعاً، وينكرون أصولَ الإسلام والنصرانيةَ واليهودية، بَيْدَ أنهم ينتسِبون ظاهراً إلى الإسلام، ويتظاهَرون أمامَ المسلمين بأنهم مُسلِمون، وأمام النصارى بأنهم نصارى، ويبغضون في الباطن جميعَ أبناءِ الأديانِ الأخرى ولا سيَّما المسلمون، ويَستبيحون دماءَهم وأموالَهم عند المَقدِرة، ويَعتقِدون أن الشياطين هم باقي الملل، وأن العقلاءَ أو خِيارَهم هم الملائكة، ولا يأخذون بشيءٍ من أصولِ الإسلام -كالصوم والصلاة والزكاة والحج-،

стр. 468

بل يُنكرون أصولَ الإسلام جميعَها والشريعةَ الإِسلاميةَ كلَّها، والألوهيةُ البشرية -وهي لُبُّ مذهبِهم-، عندهم مِنةُ المِنَن، ونِعمةُ النِّعم" (١). ° وأما نبوةُ حَمزة ورسالتُه، فيقول صاحبُ كتاب "النقط والدوائر" الدرزي وهو يذكر حمزة: "فهو صلوات الله عليه النورُ الكُلِّي، والجوهر الأزلي، والعنصر الأوَّلي، والأصلُ الجَلِي، والجنسُ العَلِي، فيه بدأت الأنوار، ومنه بَرزت الجواهر، وعنه ظهرت العناصر، ومنه تفرعت الأصول، وبه تنوَّعت الأجناس .. إلى أن يقول: فهو الإمامُ والدليلُ على عبادة الله، والداعي إلى توحيدِ الله، والناطقُ بحقِّ الله، والبرهانُ على الله، والرسولُ الذي أرسله الله بالهدى ودينِ الحق ليظهره على الدين كله ولو كَرِه المشركون" (٢). * لعن الله الدروزَ وأسكنهم النار جزاءَ ما عَطَّلوا ونسخوا من شريعة رسول الله ﷺ وبدَّلوا دينه وعادَوه. * النُّصَيريُّون -لعنهم الله -: النُّصَيريون أو "العلويُّون" فرقةٌ انشقَّت عن الإِمامية الاثنا عَشْرية، قالوا: إن أبا شُعيب "محمدَ بنَ نُصير البَصري النُّمَيري" مؤسِّسَ النُّصيرية كان بابًا للإمام الحادي عشرَ من الشيعة الإمامية، وهو "الحسن العسكري". ° "وقد اتَّخذ محمدُ بنُ نُصير من مدينة "سامَرَّاء" مقرًّا له، وظَلَّ المرجعَ الأعلى للمذهب النُّصيري إلى أن هَلَك عام ٢٦٠ هـ، وكان قد ادَّعى

стр. 469

النُّبوَّة، وأن الذي أرسلَه هو أبو الحسن -علي بن أبي طالب- وكان يقول بالتناسخ، والغلوِّ في أبي الحسن، ويقول فيه بالربوبيَّة، والإباحة للمحارم" (١). وعند وفاةِ محمد بن نُصير حَلَّ مَحِلَّه بابٌ آخرُ هو أبو محمد "عبد الله ابن محمد الحنان الجنبلاني" صاحب الطريقة الجنبلانية الصوفية. ° والنُّصيريون يؤلهون عليًّا، ويقولون: "إن عليًّا خَلق محمدًا، ومحمدٌ متَّصلٌ بعليٍّ ليلاً، منفصلٌ عنه نهارًا، ومحمدٌ خَلَق سلمانَ الفارسيَّ، وسلمانُ خَلَق الأيتامَ الخمسةَ الذين بيدهم مقاليدُ السماوات والأرض، وهم: المقداد: ربُّ الناس وخالقُهم المُوَكَل بالرُّعود والصواعق والزلازل. وأبو الدُرِّ: أي "أبو ذرٍّ الغفاري" المُوَكَّل بدَوَران الكواكب والنجوم. وعبد الله بن رَوَاحة الأنصاري: المُوَكَّل بالرياح وقبض أرواح البشر. وعثمانُ بن مَظْعون: الموكَلُ بالمَعِدة وحرارةِ الجسد وأمراضِ الإنسان. وقَنْبَر بن كادان: الموكَّلُ بنفح الأرواح في الأجسام". ° ويقولون: "إن عَلِيًّا إمامٌ في الظاهر، إلهٌ في الباطن، لا يأكلُ ولا يشربُ ولم يَلِدْ ولم يُولَد، فأمَّا الظاهر .. فهو القسم بالبشريُّ منه "الناسوت" الذي يأكلُ ويشربُ ويلدُ ويولد". والإلهُ لم يَحُل في عليٍّ فقط -حسب مزاعم النصيريين، إنما حَلَّ في

стр. 470

الأئمَّة من بعده. ° ويؤيد ذلك ما ورد في كتابهم المقدس "الهفت الشريف" عن قصةِ مقتل الحُسين ﵁ ما نصُه: "وقامت الحربُ .. حينئذٍ دعا مولانا الحُسينُ جبريلَ، وقال له: يا أخي، مَن أنا؟ قال: أنت اللهُ الذي لا إلهَ إلا هو الحيُّ القيومُ، والمميتُ والمحيي!! أنت الذي تأمرُ السماءَ فتُطيعُك، والأرضَ فتنتهي لأمرك، والجبالَ فتجيبُك، والبحارَ فتُسارعُ إلى طاعتِك .. وأنت الذى لا يُصلُ إليك كَيدُ كائد ولا ضَرَرُ ضارٍّ! " (١). ° والإِمامُ عند النُّصيَرية أعلى منزلةً من النبي .. لأن الأنبياءَ يوحَى إليهم بواسطةِ جبريل .. والأئمةُ يُكلِّمون اللهَ تعالى بغير واسطة .. فهم -كما ورد في كتابهم المقدس "الهفت الشريف" عن لسان جعفر الصادق، وهو منه بريء-: "نحن يَدُ الله وجَنبُه، ونحن وجهُ الله ويمينُه، وأينما نَظَر المؤمنُ يقصد النصيريَّ يرانا .. إن شئنا شاءَ الله .. والحمدُ لله الذي اصطفانا من طِينةِ نورِ قدرتِه .. وَوَهبنا سِرَّ عِلم مشيئتِه" (٢). ° والأئمَّةُ في اعتقاد النُّصيريين لا يُولَدون كغيرهم من بني البشر .. بل يولَدون بكيفيةٍ خاصةٍ لا يزاحمُهم فيها غيرُهم. ° يقول كتابهم "الهفت الشريف" ما نصه: "فإذا أراد اللهُ إظهارَ الإمامِ في الظاهر، تأديبًا لهذا الخَلْق، أرسلَ رُوحاً من عنده، فيتدخَّل في المولود الذي قد يتطهَّر مِن كلِّ دَنَس ولم يُزاحِمه رَحِمٌ .. ولكن تدخلُ الروح فيه

стр. 471

تأديباً للناس، أتدري يا مُفضَّلُ ما مَثَلُ ذلك؟ قلت: لا يا مولاي. قال: إن ميلادَ الإمامِ وموتَه ليس بميلادٍ ولا موت، وإنما مَثَلُه كمَثَل رجلٍ لبس قميصاً ونَزَعه حينما شاء" (١). ° وانظر إلى هذا القَسَم النُّصيري الذي أورد نَصُّه "ابنُ فضل الله العُمري" في كتابه "التعريف بالمصطلح الشريف" ونَقَله عنه القَلْقَشندي في كتابه "صبح الأعشى" (١٣/ ٢٥٠ - ٢٥١)، وهذا نصُّه: "إنني وحقِّ العليِّ الأعلى، وما أعتقدُه في المظهر الأسنى، وحَقِّ النور وما نشأ منه، والسَّحابِ وساكنِه، وإلاَّ برئتُ من مولايَ "علي" العليِّ العظيم، وولائي له، ومظاهرِ الحق، وكَشَفتُ حجابَ سليمانَ بغير إذن، وبَرئتُ مِن دعوةِ الحُجة "نُصير" وخُضت مع الخائضين في لعنةِ ابنِ مُلجم .. وكَفَرتُ بالخطاب، وأذعتُ السِّرَّ المصون، وأنكرت دعوى أهل التحقيق، وإلاَّ قَلَعتُ أصلَ شجرةِ العنب من الأرض بيدي، حتى أجتثَّ أصولَها وأمنعَ سبيلها، وكنتُ مع قابيل على هابيل، ومع النُّمرود على إبراهيم، وهكذا مع كلِّ فرعونَ قام على صاحبه، إلى أن ألقَى العليَّ العظيم وهو عليَّ ساخط، وأبرأُ مِن قول قَنبر، وأقول: إنه بالنار ما تطهَّر". فهُم في هذا القَسَم يلقِّبون عليَّ بن أبي طالب ﵁ بالعليِّ العظيم وهما من أسماء الله، ويدَّعون أن سلمانَ هو صاحبُ الحجاب، وأن شجرةَ العنب مقدَسةٌ عندهم، بحيث لا يجوزُ اقتلاعُها؛ لأن من ثَمَرها تُصنَعُ الخَمر .. وهمُ يُعظِّمون الخمر" (٢).

стр. 472

° وهم يُسقطون التكاليف، ويُؤَوِّلونها إلى تأويلاتٍ باطنية: فالصلاةُ عندهم والزكاة كما جاء في كتابهم المقدس "الهفت الشريف": -"فأمَا معنى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُر أَهْلَه بِالصًلاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٥٥]، فالصلاة أميرُ المؤمنين .. والزكاة معرفته، أما إقامة الصلاة فهي معرفتُنا وإقامتنا" (١). حتى وإنْ صَلَّوْا أحيانًا، فصلاتهم -كما قال الدكتور مصطفى الشكعة- "ليس فيها سُجود، وإنْ كان فيها ركوع أحيانًا .. كما وأنَّهم لا يُصَلُّون الجمعةُ، ولا يعترفون بها كفَرض .. ولا يتمسَكون بالطهارة قبلَ أداءِ صلواتهم مِن وُضوء ورفع جَنابة .. فهم يقولون عن الجنابة "النجاسة": إنها موالاةُ الأضداد، والجهلُ بالعلم الباطني، و"الطهارةُ": معاداةُ الأضداد، ومعرفةُ العلم الباطني" (٢). ° "والصيامُ عندهم ليس امتناعا عن الأكل والشرب، بل هو امتناع عن معاشرة النساء فقط طوالَ شهر رمضان .. ولا يعترفون بالحج .. بل يعتبرون الحجَّ إلى بيت الله الحرام كفرًا وعبادةَ أصنام" (٣). وقد ذكر الدكتور عبد الرحمن بدوي (٤) أنه تُوجد خلاصةٌ وافية لتعاليم النُصيرية وعقائدِها في كُتيب صغير بعنوان: "كتاب تعليم ديانة النصيرية"، ومنه مخطوط في المكتبة الأهلية بباريس تحت رقم (٦١٨٢) وهو على طريقة السؤال والجواب، ويتألف من (١٠١) سؤال .. منها:

стр. 473

س ١: مَن الذي خَلَقنا؟ جـ - علي بن أبي طالب أمير المؤمنين. س ٢: مِن أين نعلم أن عليًّا إله؟. جـ: مما قاله هو عن نفسِه في خطبة البيان .. وهو واقف على المنبر، إذْ قال: "أنا سر الأسرار، أنا شجرةُ الأنوار، أنا دليلُ السماوات، أنا أنيسُ المستجاب، أنا سائقُ الدعوة، أنا شاهدُ العهد، أنا زاجرُ القواصف، أنا محرِّكُ العواصف، أنا مُزْنُ السحاب، أنا نورُ الغياهب، أنا حُجَّةُ الحُجج، أنا مُيَمِّنُ اليمْن، أنا سببُ الأسباب، أنا مُسدِّد الخلائق، أنا محقِّقُ الحقائق، أنا جوهرُ القِدم، أما مُرتِّبُ الحِكم، أنا الأولُ والآخرُ، والظاهرُ والباطن .. ". س ٥: كم مرة تحوَّل ربُّنا ليتجلى في صورةٍ إنسانية؟. جـ: سبع مرات .. فقد احتجب: (أ) في شخصِ "آدم" باسم "هابيل". (ب) وفي شخصِ "نوح" باسم "شيت". (جـ) وفي شخص "يعقوب" باسم "يوسف". (د) وفي شخص "موسى" باسم "يوشع". (هـ) وفي شخص "سليمان " باسم "آصف". (و) وفي شخص "عيسى" باسم "بطرس". (ز) وفي شخص "محمد" باسم "علي"، س ٤٣: ما أسماء أمير المؤمنين في مختلَف اللغات؟ جـ: سماه العربُ باسم "عليٍّ"، وهو نفسُه سمَّى نفسه:

стр. 474

"أرسطوطاليس"، وفي الإِنجيل اسمه "إيليا" "إلياس". س ٦٦: ما أسماءُ النجباء في العالم الصغير الأرضي؟. جـ: يورد (٢٥) إسما أولها " أبو أيوب" .. وآخرها "عبد الله بن بأ". س ٧٢: ما القرآن؟ جـ: هو المُبَشِّر بظهور مولانا في صورة بشرية. س ٧٤: ما علامة إخواننا المؤمنين الصادقين؟ جـ: ع. م. س: وَ (ع) تدل على "عليٍّ"، و (م) تَدُلّ على "محمد"، و (س) تدل على سلسل أي: "سليمان". س ٧٦: ما القدَّاس؟. جـ: تقديس الخمر التي تُشرب على صحة النقباء أو النجباء. س ٨٦: هل يحقُّ للمؤمن أن يبوحَ لإِنسانٍ آخر بِسِر الأسرار؟ جـ: لا يبوحُ به إلا لإِخوانه في الدِّين، وإلاَّ باء بسَخَط الله (١). والنُصَيريُّون يقولون بالتناسخ، وهو انتقالُ الروح من بدنِ إنسانٍ إلى بدنِ إنسان آخر .. أمَّا إذا انتقلت إلى بَدنِ حيوان، فإنهم يُسمُونه "مسخ" .. وإذا انتقلت إلى جِسم حَشرة فهو "فسخ"، وإذا انتقلت إلى الشجر والنبات فهو "رسخ" (٢). ° ويقول النصيريُّون بأن الجَنَّة هي معرفةُ ألوهِيةِ مولاهم -علي بن أبي

стр. 475

طالب- والجحيمَ هو الكفر والجهلُ بها (١). ° وفي إحدى رسائل الدروز وهي رسالة "السؤال والجواب" (٢) يقول السؤال رقم (٤٤) بالنَّص: "س ٤٤: كيف انفَصَل النُّصيرية عن الموحَدين "الدروز" وخرجوا من دين التوحيد؟. ويقول الجواب: جـ: انفَصلوا بدعوى النُّصَيْريَ لهم .. حيث زَعم أنه عَبد مولانا أميرِ المؤمنين "علي"، وأنكر لاهوت مولانا "الحاكم بأمر الله"، واعترف بلاهوت عليِّ بنِ أبي طالب، وقال: إن اللاهوت ظَهر في الأئمة الإثنى عشر" (٣)، ومسيحيُّهم الحقيقيُّ الحيُّ الأبدي. ° ويقول نبيُّ الدروز "حمزة بن علي" في رسالة تحت عنوان: "الرسالة الدامغة للفاسق، والرد على النصيريِّين "المارقة" لعنهم الله في كل كَوْرٍ ودَوْر" (٤): "وَمن اعتقد التناسخ مثل النّصَيْريَّة الملعونة .. في عليِّ بن أبي طالب، وعَبدِه، خَسِر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين". ° ويقول حمزة: "ثم إنه -أي: النصيري- إذا ذَكَر عَلِيًّا يقول: "علينا سلامُه ورحمتُه"، وإذ ذكر مولانا "الحاكم" جَلَّ ذِكره يقول: "علينا

стр. 476

سلامُه"، فيطلب الرحمةَ مات المفقود المعدوم، ويجحد الموجودَ "الحاكم" بذاته المنفرد عن مُبدِعاته .. ولا يكون في الكفر أعظم من هذا .. فصَحَ عند الموحِّد العاوف بأن الشركَ الذي لا يُغفر أبدًا هو بأن يُشرِكَ بين علي بن أبي طالب وبين مولانا جل ذكره. ويقول: عليٌّ مولانا الموجود، ومولانا: هو عليٌّ .. لا فرقَ بينهما. والكفرُ ما اعتَقدَه هذا الفاسقُ "النصيري" من العبادة في عليِّ بن أبي طالب والجحودِ بمولانا جَلَّ ذكره". فهذا يدلُّ على عُمقِ العداوة بين الطائفتين الذي يَصلُ إلى تكفيرِ كل منهما للأخرى. * ادعاء النُّبُوّة والألوهية في العصر الحديث عند النُّصيريين: ° "وقد ادَّعى الألوهيَّةَ في زماننا هذا النُصَيريُّ "سلمان المرشد" وهو من قرية "جوبة برغال" شرقي مدينةِ اللاذقية بسوريا، وآمن به واتَّبعه كثير من النصيريين .. وقد مَثَّل الدورَ تمثيلا جيِّداً، فكان يَلبَسُ ثيابًا فيها أزرار كهربية، ويحملُ في جَيبه بَطَّريةً صغيرةً متصلة بالأزرار .. فإذا أوصل التيارَ شَعَّتِ الأنوارُ من الأزرار، فيخرُّ له أنصارة ساجِدين .. ومن الطريف أن المستشار الفرنسيَّ الذي كان وراء هذه الألوهية المُزَيَّفة كان يسجدُ مع الساجدين .. ويخاطب سلمانَ المرشد بقوله: "يا إلهي"! .. ° وقد اتخذ "سلمانُ المرشد" رسولاَّ اسمه: "سلمان الميدة" وكان يَشتغلُ جَمَّالاً عند أحدِ المزارِعين في "حمص" في حين كان "سلمان المرشد" -مُدَّعي الأَّلوهية- راعيَ أبقار .. وهكذ! يكون الإله راعيا

стр. 477

والرسولُ جَمالاً!! " (١). وقد أعُدم "سلمانُ المرشد" شنقا في دمشق عام ١٩٤٦ م (٢) مِن قِبَل الحكومة السورية. ° "وقد سُئل مرة قبلَ هلاكه: أنت إلهٌ؟! و"أغاخان" -زعيم الإِسماعيلية الأغاخانية- إلهٌ؟ فكيف تَتَّسعُ الأرضُ لإلهين؟ فأجاب: إن الخالق يُبث رُوحَه فيمن يشاءُ، وقد يبثها في مئةٍ من مخلوقاته، فيُصبحون أربابا مِثلي". وظلَّ النصيريُون مُخلِصين لإِلههم المشنوق، وبعد شَنقِه أَلَّهوا ابنَه "مجيب بن سلمان المرشد"، ومع أن هذا الأخيرَ قُتِل أيضًا .. إلاَّ أنهم لا زالوا يُؤَلِّهونه" (٣) ° سُئِل شيخُ الإِسلام ابن تيمية -رحِمه الله تعالى -: ما تقولُ السادةُ العلماءُ أئمةُ الدين ﵃، وأعانهم على إظهارِ الحق المبين، وإخمادِ شَغَبِ المُبطِلين - في "النصيرية" القائلين باستحلالِ الخمر، وتناسُخ الأرواح، وقِدَمِ العالم، وإنكارِ البعثِ والنشورِ والجنةِ والنارِ في غيرِ الحياد الدنيا، وبأن "الصلوات الخمس" عبارة عن خمسةِ أسماء، وهي: "علي، وحسن، وحسين، ومُحسِّن، وفاطمة"، فذِكرُ هذه الأسماء الخمسة -على رأيهم- يُجزيهم عن الغسل من الجنابة، والوضوء، وبقيةِ شروطِ الصلوات الخمسة وواجباتها .. وبأن "الصيام" عندهم عبارة عن اسم ثلاثين رجلاً، واسم

стр. 478

ثلاثين امرأة، يَعدونهم في كتبهم، ويَضيق هذا الموضعُ عن إبرازهم، وبأن إلاهَهم الذي خَلق السماوات والأرض هو عليُّ بن طالب رضى الله عنه، فهو عندهم الإِلُه في السماء، والإمامُ في الأرض، فكانت الحكمة في ظهورِ اللاهوت بهذا الناسوت -على رأيهم- أن يؤنِسَ خَلْقَه وعبيدَه؛ ليُعلِمَهم كيف يَعرِفونه ويعبدونه. وبأن النُّصيريَ عندهم لا يصيرُ نُصيريًّا مؤمنًا يجالسونه، ويشربون معه الخمر، وُيطلعونه على أسرارهم، ويُزوِّجونه من نسائهم، حتى يخاطبَه مُعلَمُه، وحقيقةَ الخطاب عندهم أن يحلَفوه على كتمانِ دينه، ومعرفة مشائخِه وأكابر أهل مذهبه، وعلى ألاَّ ينصحَ مسلما ولا غيرَه إلاَّ مَن كان مِن أهل دينه، وعلى أن يَعرفَ ربه وإمامَه بظهوره في أنوارِه وأدوارِه، فيعرفُ انتقالَ الاسم والمعنى في كلِّ حين وزمان، فالاسم عندهم في أول الناس "آدمُ"، والمعنى هو "شيث"، والاسم "يعقوب"، والمعنى هو "يوسف"، ويستدلون على هذه الصورة -كما يزعمون- بما في القرآن العظيم حكايةً عن يعقوبَ ويوسف -عليهما الصلاة والسلام-، فيقولون: أمَا يعقوب، فإنه كان الاسم، فما قَدَر أن يتعدَى منزلته فقال: ﴿سَوفَ أَسْتَغْفرُ لَكُمْ رَبّي﴾ [يوسف: ٩٨]، وأما يوسفُ، فكان المعنى المطلوب، فقال: ﴿لا تَثْريب علَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢] فلم يُعلِّقِ الأمرَ بغيره؛ لأنه عَلِم أنه الإلُه المتصرف، ويجعلون "موسى" هو الاسم، و"يوشعَ" هو المعنى، ويقولون: "يوشع رُدَت له الشمسُ لَمَا أمرها فأطاعت أمره، وهل تُرد الشمس إلاَّ لرِّبها؟! "، ويجعلون "سليمانَ" هو الاسم، و"آصفَ" هو المعنى القادر المقتدر، ويقولون: سليمانُ عَجَز عن إحضارِ عَرش بلقيس، وقَدَر عليه

стр. 479

آصف؛ لأن سليمان كان الصورةَ، وآصفُ كان المعنى القادِرَ المقتدر، وقد قال قائلهم: هابيلُ شَيثُ يوسفُ يوشعُ … آصفُ شمعونُ الصفا حَيدرُ ويَعُدُون الأنبياءَ والمرسلينَ واحدا واحدا على هذا النمط إلى زمنِ رسول الله ﷺ ، فيقولون: "محمدٌ" هو الاسم، و"علي" هو المعنى، وُيوصِّلون العَددَ على هذا الترتيب في كل زمانٍ إلى وقتنا هذا، فمِن حقيقةِ الخطاب في الدين عندهم أن عليًّا هو الرب، وأن محمدًا هو الحجاب، وأن سلمانَ هو الباب، وأنشد بعضُ أكابرِ رؤوسائهم وفضلائِهم لنفسه في شهور سنةِ سَبْعمئة فقال: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ … حَيدرةُ الأنزعُ البطينُ ولا حجابَ عليه إلاَّ … محمدُ الصادقُ الأمينُ ولا طريقَ إليه إلاَّ … سلمانُ ذو القوة المتينُ ويقولون: إن ذلك على هذا الترتيبِ لم يَزل ولا يزال، وكذلك الخمسةُ الأيتام، والاثنا عشر نقيبًا، وأسماؤهم مشهورة عندهم، ومعلومةٌ من كتبهم الخبيثة، وأنهم لا يزالون يَظهرون مع الربِّ والحجابِ والبابِ في كلِّ كَور ودَور أبدًا سرمدًا على الدوام والاستمرار، ويقولون: إن إبليسَ الأبالسةِ هو عمرُ بن الخطاب ﵁، ويَليه في رتبةِ الإبليسيةِ أبو بكر ﵁ ثم عثمان- ﷺ وشرَّفهم وأعلى رتبهم عن أقوال الملحدين وانتحالِ أنواع الضالين والمفسدين-، فلا يزالون موجودين في كلِّ وقتٍ دائمًا حسبما ذكر من الترتيب، ولمذاهبهم الفاسدةِ شُعبٌ وتفاصيل تَرجعُ إلى هذه الأصول المذكورة.

стр. 480

وهذه الطائفةُ الملعونة استَولت على جانبٍ كبير من بلاد الشام، وهم معروفون مشهورون متظاهرون بهذا المذهب، وقد حَقَّق أحوالَهم كلُّ مَن خالَطهم وعَرَفهم من عقلاءِ المسلمين وعلمائهم، ومن عامةِ الناس أيضًا في هذا الزمان؛ لأنَّ أحوالَهم كانت مستورةً عن أكثرِ الناس وقتَ استيلاءِ الإِفرنج المخذولِين على البلاد الساحلية، فلما جاءت أيامُ الإِسلام انكشف حالُهم وظَهر ضلالُهم، والابتلاءُ بهم كثير جدًّا. فهل يجوزُ لمسلم أن يُزوَجهم، أو يتزوَّجَ منهم؟ وهل يَحِل أكل ذبائحهم والحالةُ هذه، أم لا؟ وما حُكمُ الجُبنِ العمول من إنْفِحَّةِ ذبيحتِهم؟ وما حُكم أوانِيهم وملابسهم؟ وهل يجوز دفنُهم بين المسلمين، أم لا؟ وهل يجوزُ استخدامُهم في ثغورِ المسلمين وتسليمُها إليهم؟ أم يجب على وليِّ الأمر قَطعُهم واستخدامُ غيرِهم من رجالِ المسلمين الكفاة، وهل يأثم إذا أخَّر طَردَهم؟ أم يجوزُ له التمهُّل مع أنَّ في عزمه ذلك؟ وإذا استَخدَمَهم وأقْطَعَهم أو لم يُقطِعْهم، هل يجوزُ له صَرفُ أموالِ بيتِ المالِ عليهم، وإذا صَرَفها وتأخَّر لبعضِهم بقيةٌ من معلومه المسمَّى، فأخره وليّ الأَّمر عنه وصَرَفه على غيرِه من المسلمين أو المستحقين، أو أرصده لذلك: هل يجوزُ له فِعلُ هذه الصور؟ أم يجبُ عليه؟ وهل دماءُ النصيريةِ المذكورين مباحة وأموالُهم حلال، أم لا؟ وإذا جاهَدهم وليُّ الأمر -أيَّده الله تعالى- بإخمادِ باطلهم، وقَطْعِهم من حصون المسلمين، وحَذر أهل الإسلام من مناكحتهم، وأكل ذبائحهم، وألزَمَهم بالصوم والصلاة، ومَنَعهم من إظهارِ دينهم الباطل وهم الذين يَلُونه من الكفار: هل ذلك أفضل وأكثرُ أجرًا من التصدي والترصُّد لقتال التتار في بلادهم وهدم بِلاد "سيس" وديارِ الإِفرنج

стр. 481

على أهلها؟ أم هذا أفضل من كونه يجاهد النُّصيريةَ المذكورِين مرابطًا؟ ويكونُ أجرُ مَن رابط في الثغور على ساحِل البحر خشيةَ قَصدِ الفرنج أكبرَ، أم هذا أكبر أجرًا؟ وهل يجبُ على مَن عَرَف المذكورين ومذاهبَهم أن يُشهِرَ أمرَهم ويساعدَ على إبطالِ باطِلِهم وإظهارِ الإسلامِ بينهم، فلعلَّ اللهَ تعالى أن يَهدِيَ بعضَهم إلى الإسلام، وأن يجعلَ مِن ذريتِهم وأولادهم مسلمين بعد خروجهم من ذلك الكفرِ العظيم، أم يجوز التغافُل عنهم والإِهمال؟ وما قَدرُ المجتهدِ على ذلك، والمجاهدِ فيه، والمرابطِ له والملازم عليه، ولْتَبسطوا القولَ في ذلك مثابين مأجورين -إن شاء الله تعالى-، إنه على كل شيءٍ قدير، وحسبنا الله ونعم الوكيل؟ (١). * فأجاب شيخُ الإِسلام تقيُّ الدين أبو العباس أحمد بن تيمية: الحمد لله رب العالمين، هؤلاء القومُ المسمَّون بالنصيرية هم وسائرُ أصنافِ القرامطة الباطنية أكفرُ من اليهود النصارى، بل وأكفرُ من كثير من المشركين، وضَررهم على أمةِ محمد ﷺ أعظمُ من ضررِ الكفار المحارِبين مثل كفارِ التتار والفرنج وغيرهم؛ فإن هؤلاء يتظاهَرون عند جُهَّالِ المسلمين بالتشيع، وموالاةِ أهل البيت، وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا بكتابِه، ولا بأمر ولا نهي، ولا ثوابٍ ولا عقاب، ولا جَنة ولا نار، ولا بأحدٍ من المرسلين قبل محمد ﷺ ولا بملَّةٍ من المِلل السالفة، بل يأخذون كلام الله ورسوله المعروف عند علماء المسلمين يتأوَلونْه على أمورٍ يفترونها،

стр. 482

يَدَعون أنها علمُ الباطن، من جنس ما ذكره السائل، ومِن غير هذا الجنس، فإنه ليس لهم حدٌّ محدود فيما يدَّعونه من الإلحادِ في أسماء الله تعالى وآياته، وتحريفِ كلام الله تعالى ورسوله عن مواضِعه؛ إذ مقصودُهم إنكارُ الإيمانِ وشرائع الإسلام بكلّ طريق، مع التظاهُرِ بأنَّ لهذه الأمورِ حقائقَ يعرفونها من جِنسِ ما ذَكَر السائل، ومِن جنس قولهم: إن "الصلوات الخمس" معرفة أسرارهم، و"الصيام المفروض" كتمانُ أسرارهم، و"حج البيت العتيق" زيارةُ شيوخهم، وأن "يدَا أبي لهب" هما أبو بكر وعمر، وأن "النبأ العظيم" والإمامَ المُبين هو علي بن أبي طالب، ولهم في معاداة الإسلام وأهلِه وقائعُ مشهورة وكُتب مصنَفة، فإذا كانت لهم مُكْنة سفكوا دماءَ المسلمين؛ كما قَتَلوا مرة الحُجاجَ وألقَوهم في بئرِ زمزم، وأخذوا مرةً الحَجَرَ الأسود وبَقِي عندهم مُدة، وقَتَلوا من علماءِ المسلمين ومشايخهم ما لا يُحصِي عددَه إلاَّ الله تعالى، وصنَفوا كتبًا كثيرةً مما ذكره السائلُ وغيره، وصنَّف علماءُ المسلمين كتبًا في كشفِ أسرارهم وهَتكِ أستارهم، وبيَنوا فيها ما هم عليه من الكُفرِ والزندقة والإلحاد، الذي هم به أكفرُ من اليهود والنصارى، ومِن براهمةِ الهندِ الذين يعبُدون الأصنام .. وما ذكره السائل في وصفهم قليلٌ من الكثير الذي يعرفُه العلماء في وصفهم. ومن المعلوم عندنا أن السواحلَ الشاميةَ إنما استولى عليها النصارى مِن جهتهم، وهم دائمًا مع كلِّ عدوِّ للمسلمين، فهم مع النصارى على المسلمين، ومِن أعظم المصائب عندهم فتح المسلمين للسواحل، وانقهارُ النصارى، بل ومن أعظم المصائبِ عنْدهم انتصار المسلمين على التتار، ومِن أعظم أعيادِهم إذا استولى -والعياذ بالله تعالى- النصارى على ثغور

стр. 483

المسلمين، فإن ثغورَ المسلمين ما زالت بأيدي المسلمين، حتى جزيرةُ "قبرص" يسَّر الله فتحها عن قريب، وفَتَحها المسلمون في خلافةِ أمير المؤمنين عثمانَ بنِ عفان ﵁ فَتَحها معاوية بن أبي سفيان إلى أثناء المئة الرابعة. فهؤلاء المحادُّون لله ورسوله كثُروا حينئذٍ بالسواحل وغيرها، فاستولى النصارى على الساحل، ثم بسببهم استولَوا على "القدس الشريف" وغيره؛ فإن أحوالَهم كانت من أعظم الأسباب في ذلك، ثم لما أقام الله ملوكَ المسلمين المجاهِدين في سبيل الله تعالى كنُورِ الدين الشهيد، وصلاح الدين وأتباعهما، وفَتَحوا السواحلَ من النصارى، وممن كان بها منهم، وفتحوا -أيضًا- أرضَ مصر، فإنهم كانوا مُستَوْلِين عليها نحوَ مئتي سنةٍ، واتَّفقوا هم والنصارى، فجاهَدَهم المسلمون حتى فَتَحوا البلاد، ومِن ذلك التاريخ انتشرت دعوةُ الإِسلام بالديار المصرية والشامية. ثم إنَّ التتارَ ما دَخلوا بلادَ الإِسلام وقَتلوا خليفةَ بغداد وغيرَه من ملوك المسلمين إلاَّ بمعاونتهم ومؤازرتهم؛ فإن منجِّم هولاكو الذي كان وزيرَهم -وهو "النصير الطوسي"- كان وزيرًا لهم بـ "الألموت"، وهو الذي أَمر بقتل الخليفةِ وبولاية هؤلاء. ولهم ألقابٌ معروفة عند المسلمين، تارةً يسمَّون "الملاحدة"، وتارةً يُسمَّون "القرامطة"، وتارةً يُسمَّون "الباطنية"، وتارةً يسمَّون "الإسماعيلية"، وتارةً يُسمَّون "النصيرية"، وتارةً يُسمَّون "الخُرَّمِيَّة"، وتارةً يسمَّون "المحمرة"، وهذه الأسماء منها ما يَعُمُّهم، ومنها ما يخصُّ بعضَ أصنافهم، كما أن "الإسلام والإِيمان" يعمُّ المسلمين، ولبعضِهم اسم يخصه: إما

стр. 484

لنَسَبٍ، وإما لمذهب، وإما لبلد، وإما لغير ذلك. وشَرحُ مقاصِدِهم يطول، وهم كما قال العلماء فيهم: "ظاهرُ مذهبِهم الرفضُ، وباطنُه الكفرُ المحض"، وحقيقةُ أمرِهم: أنهم لا يؤمنون بنبيٍّ من الأنبياء والمرسلين؛ لا بنوح، ولا إبراهيم، ولا موسى، ولا عيسى، ولا محمد -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-، ولا بشيءٍ من كتب الله المنزَّلة؛ لا التوراة، ولا الإنجيل، ولا القرآن، ولا يقِرون بأن للعالم خالقًا خَلَقه، ولا بأن له دينًا أَمَر به، ولا أن له دارًا يَجزِي الناسَ فيها على أعمالهم غيرَ هذه الدار. وهم تارةً يبنُون قولَهم على مذاهبِ الفلاسفة الطبيعيين أو الإلهيين، وتارةً يَبنُونه على قولِ المجوس الذين يعبُدون النور، ويضمُّون إلى ذلك الرفضَ. ويحتجُّون لذلك من كلام النبوات، إمَا بقولٍ مكذوب ينقلُونه، كما ينقُلُون عن النبي ﷺ أنه قال: "أولَ ما خَلَق الله العقل"، والحديث موضوعٌ باتفاقِ أهل العلم بالحديث، ولفظه: "إن الله لما خلق العقل، قال له: أَقبِلْ، فأقبل. فقال له: أَدبِرْ، فأدبر" (١)، فيُحرفون لفظه فيقولون: "أولُ ما خلق الله العقل"، ليوافقوا قولتَ المتفلسفة أتباع أرسطو في أن أول الصادراتِ عن واجبِ الوجود هو العقل، وإما بلفظٍ ثابث عن النبي ﷺ فيُحرِّفونه عن مواضعه كما يَصنع أصحابُ "رسائل إخوان الصفا" ونحوهم، فإنهم من أئمتهم.

стр. 485

وقد دخل كثيرٌ من باطلهم على كثير من المسلمين وراج عليهم، حتى صار ذلك في كتبِ طوائفَ من المنتسبين إلى العلم والدين، وإن كانوا لا يوافقونهم عدى أصلَ كفرهم؛ فإن هؤلاء لهم في إظهارِ دعوتهم الملعونةِ التي يُسمُّونها "الدعوة الهادية" درجاتٍ متعددةً، ويُسمُّون النهاية "البلاغ الأكبر والناموس الأعظم"، ومضمون البلاع الأكبر جَحْدُ الخالق تعالى، والاستهزاءُ به، وبمن يُقِرُّ به، حتى قد يكتبُ أحدُهم اسمَ الله في أسفل رِجله، وفيه -أيضًا- جَحدُ شرائعِه ودينِه وما جاء به الأنبياء، ودعوى أنهم كانوا من جنسهم طالِبين للرئاسة، فمِنهم من أحسن في طلبها، ومنهم مَن أساء في طلبها حتى قتل، ويجعلون محمدًا وموسى من القِسم الأول، ويجعلون المسيحَ من القسم الثاني، وفيه من الاستهزاء بالصلاة، والزكاة والصوم، والحج، ومن تحليل نكاح ذوات المحارم، وسائر الفواحش، ما يطولُ وصفه. ولهم إشاراتٌ ومخاطَباتٌ يَعرفُ بها بعضُهم بعضًا، وهم إذا كانوا في بلاد المسلمين التي يكثُر فيها أهلُ الإيمان فقد يَخفَون على مَن لا يعرفُهم، وأما إذا كثروا فإنه يعرفُهم عامةُ الناس -فضلاً عن خاصَّتهم-. وقد اتَّفق علماءُ المسلمين أن هؤلاء لا تجوز مناكحتهم، ولا يجوزُ أن يَنكح الرجل مولاتِه منهم، ولا يتزوج منهم امرأةً، ولا تُباح ذبائحهم. وأما "الجبن المعمول بإنفِحَتهم"، ففيه قولان مشهوران للعلماء، كسائر إِنفِحَّة الميتة، وكإِنْفحَّة ذبيحةِ المجوس وذبيحةِ الفرنج الذين يقال عنهم: إنهم لا يُذكُّون الذبائح، فمذهب أبي حنيفة وأحمدَ -في إحدى الروايتين-: أنه يَحِل هذا الجبن؛ لأن إنفِحَّةَ الميتةِ طاهرة على هذا القول؛ لأن الإِنفِحَّةَ لا

стр. 486

تموتُ بموتِ البهيمة، وملاقاةُ الوعاء النجس في الباطن لا ينجس. ومذهبُ مالك والشافعيِّ وأحمدَ -في الرواية الأخرى-: أن هذا الجبنَ نجس؛ لأن الإِنفحَّة عند هؤلاء نجِسة؛ لأنَّ لبنَ الميتةِ وإنفحّتَها عندهم نجس .. ومَن لا تؤكلُ ذبيحتُه فذبيحته كالميتة، وكلٌّ مِن أصحابِ القولَين يحتجُّ بآثارٍ ينقلُها عن الصحابة، فأصحابُ القول الأولِ نَقَلوا أنهم أكَلوا جبن المجوس، وأصحابُ القول الثاني نقلوا أنهم أكلُوا ما كانوا يظنون أنه من جُبنِ النصارى، فهذه مسألةُ اجتهاد؛ للمقلِّد أن يُقلِّدَ مَن يُفتي بأحدِ القولين. وأما "أوانيهم وملابسهم"، فكأواني المجوس وملابسِ المجوس، على ما عرف من مذاهب الأئمة، والصحيحُ في ذلك أن أوانيهم لا تُستعمل إلاَّ بعد غسلها؛ فإن ذبائحَهم ميتة، فلا بدَّ أن يصيب أوانيَهم المستعملةَ ما يَطبخونه من ذبائِحهم فتَنجُسَ بذلك، فأمَّا الآنية التي لا يغلِبُ على الظن وصولُ النجاسة إليها، فتُستعمل من غيرِ غَسْل كآنيةِ اللبن التي لا يَضَعُون فيها طبيخَهم، أو يغسِلونها قبلَ وضع اللبن فيها، وقد توضَّأ عمرُ بنُ الخطاب ﷺ من جَرة نصرانيةٍ، فما شُكَّ في نجاسته لم يُحكم بنجاسته بالشك. ولا يجوز دفنهم في مقابر المسلمين، ولا يُصلَّى على من مات منهم، فإن الله نهى نبيَّه ﷺ عن الصلاة على المنافقين، كعبدِ الله ابن أبي، ونحوه، وكانوا يتظاهَرون بالصلاة والزكاة والصيام والجهاد مع المسلمين، ولا يُظهرون مقالةً تخالف دينَ الإِسلامٍ، لكن يسِرُّون ذلك، فقال الله تعالى: ﴿وَلا تصَل عَلَى أَحَدٍ مِّنْهم مَاتَ أَبدا ولا تَقم عَلى قَبره إنَّهم

стр. 487

كفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسقُون﴾ [التوبة: ٨٤]، فكيف بهؤلاء -الذين هم مع الزندقة والنفاق- يظهرون الكفر والإلحاد. وأما استخدامُ مثل هؤلاء في ثغورِ المسلمين أو حُصونهم أو جُندهم، فإنه من الكبائر، وهو بمنزلةِ مَن يستخدمُ الذئابَ لرعي الغنم، فإنهم مِن أغشِّ الناس للمسلمين ولولاة أمورهم، وهم أحرصُ الناس على فسادِ المملكة والدولة، وهم شرٌّ مِن المخامِر الذي يكون في العسكر؛ فإن الخامِر قد يكونُ له غَرضٌ، إما مع أميرِ العسكر، وإما مع العدو، وهؤلاء مع المِلَّة ونبيِّها ودينِها، وملوكِها، وعلمائِها، وعامَّتِها، وخاصَّتِها، وهم أحرصُ الناس على تسليم الحصونِ إلى عدوِّ المسلمين، وعلى إفسادِ الجند على وليَ الأمر، وإخراجِهم عن طاعته. والواجبُ على ولاةِ الأمور قَطعُهم من دواوينِ المقاتِلة، فلا يُتركون في ثَغر، ولا في غير ثغر؛ فإنَّ ضَررهم في الثغرِ أشد، وأن يُستخدمَ بدَلَهم من يُحتاجُ إلى استخدامه من الرجال المأمونين على دينِ الإسلام، وعلى النُّصح لله ورسوله، ولأئمَّةِ المسلمين وعامتهم، بل إذا كان وليُّ الأمرِ لا يَستخدمُ مَن يَغُشُّه -وإن كان مسلما-، فكيف بمن يَغُشُّ المسلمين كلَّهم؟!. ولا يجوزُ له تأخير هذا الواجب مع القُدرة عليه، بل أيَ وقتٍ قَدَر على الاستبدال بهم وجب عليه ذلك. وأما إذا استُخدموا وعَمِلوا العمل المشروطَ عليهم، فلهم إمَّا المسمَّى، وإمَّا أُجْرة المِثْل؛ لأنهم عُوقدوا على ذلك، فإن كان العقد صحيحًا وجب المسمَّى، وإن كان فاسدًا وجبت أُجرةُ المِثل، وإن لم يكن استخدامُهم منْ

стр. 488

جنس الإِجارة اللازمة، فهي من جنسِ الجِعالة الجائزة، لكن هؤلاء لا يجوزُ استخدامُهم، فالعقدُ عقدٌ فاسد، فلا يستحقُّون إلا قيمةَ عملِهم، فإن لم يكونوا عمِلوا عملاً له قيمة، فلا شيءَ لهم، لكن دماؤهم وأموالهم مباحة. وإذا أظهروا التوبةَ ففي قبولها منهم نزاعٌ بين العلماء، فمَن قَبِل توبتَهم إذا التزموا شريعةَ الإِسلام أقرَّ أموالَهم عليهم، ومَن لم يَقبَلْها لم تُنقل إلى وَرَثَتهم مِن جنسهم، فإن مالَهم يكون فيئًا لبيت المال؛ لكنَّ هؤلاء إذا أُخذوا فإنهم يظهرون التوبة؛ لأن أصلَ مذهبِهم "التقيَّة" وكتمانُ أمرهم، وفيهم مَن يَعرف، وفيهم مَن قد لا يعرف. فالطريقُ في ذلك أن يُحتاطَ في أمرهم، فلا يُتركون مجتمِعين، ولا يُمكَّنون من حَمل السلاح، ولا أن يكونوا من المقاتلة، ويلزَمون شرائعَ الإِسلام، من الصلوات الخمس، وقراءةِ القرآن، ويُترك بينَهم مَن يُعلِّمُهم دين الإسلام، ويُحال بينهم وبين معلِّمهم. فإن أبا بكر الصديق ﷺ وسائرَ الصحابة لَمَّا ظهروا على أهل الردَّة، وجاؤوا إليه، قال لهم الصديق: "اختاروا: إما الحربَ المُجلِية، وإما السِّلم المخزية. قالوا: يا خليفةَ رسول الله، هذه الحرب المُجلية قد عرفناها، فما السِّلم الخزية. قال: تَدُون قتلانا، ولا نَدي قتلاكم، وتَشهدُون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، ونَقْسم ما أصبنا من أموالكم، وتردُّون ما أصبتم من أموالنا، وتُنزع منكم الحَلْقة والسلاح، وتمنعون من ركوب الخيل، وتتركون تتَّبعون أذنابَ الإِبل حتى يريَ الله خليفةَ رسولهِ والمؤمنين أمراً بعد ردَتِكم". فوافقه الصحابة على ذلك، إلاَّ في تضمين قتلى المسلمين، فإنَّ

стр. 489

عمر بن الخطاب ﷺ قال له: "هؤلاء قُتلوا في سبيل الله، فأجورُهم على الله"، يعني: هم شهداءُ، فلا دِيةَ لهم، فاتفقوا على قول عمر في ذلك. وهذا الذي اتَّفق الصحابة عليه هو مذهبُ أئمةِ العلماء، والذي تنازعوا فيه تنازعَ فيه العلماء، فمذهب أكثرِهم أنَّ مَن قَتَله المرتدُّون المجتمعون المحارِبون لا يُضمَّن، كما اتفقوا عليه آخرًا، وهو مذهبُ أبي حنيفةَ وأحمدَ في إحدى الروايتين، ومذهبُ الشافعيِّ وأحمدَ في الرواية الأخرى هو القولُ الأول. فهذا الذي فَعله الصحابة بأولئك المرتدِّين بعد عَودهم إلى الإِسلام يُفْعل بمن أظهر الإِسلامَ والتُّهمة ظاهرةٌ فيه، فيمنع أن يكونَ من أهل الخيل والسلاح والدِّرع التي تلبسُها المقاتِلة، ولا يُترك في الجند مَن يكون يهوديًّا ولا نصرانيًّا. ويُلزمَون شرائعَ الإِسلام حتى يَظهرَ ما يفعلونه من خير أو شر، ومَن كان من أئمَّةِ ضلالهم وأظهر التوبةَ أُخرج عنهم، وسُيِّر إلى بلادٍ المسلمين التي ليس لهم فيها ظهور، فإما أن يَهديَه الله تعالى، وإما أن يموت على نِفاقه من غير مضرّةٍ للمسلمين. ولا ريبَ أن جهادَ هؤلاء وإقامةَ الحدودِ عليهم من أعظم الطاعات وأكبرِ الواجبات، وهو أفضلُ من جهادِ مَن لا يُقاتِلُ المسلمين من المشركين وأهل الكتاب؛ فإن جهادَ هؤلاء من جنس جهادِ المرتدِّين، والصِّدِّيقُ وسائرُ الصحابة بدؤوا بجهاد المرتدين قبلَ جهادِ الكفار مِن أهل الكتاب؛ فإنَّ جهادَ هؤلاء حُفظ لما فتح من بلاد المسلمين، وأن يدخل فيه مَن أراد الخروج عنه، وجهاد مَن لم يقاتِلنْا من المشركين وأهل الكتاب من زيادةِ إظهارِ الدين .. وحِفظُ رأسِ المال مقدمٌ على الربح.

стр. 490

وأيضًا: فضررُ هؤلاء على المسلمين أعظمُ من ضررِ أولئك، بل ضررُ هؤلاء من جنسِ ضررِ مَن يقاتلُ المسلمين مِن المشركين وأهل الكتاب، وضررُهم في الدين على كثير من الناس أشدُّ من ضرر المحارِبين من المشركين وأهل الكتاب. ويجبُ على كل مسلم أن يقومَ في ذلك بحسب ما يَقدِر عليه من الواجب، فلا يحلُّ لأحد أن يكتمَ ما يعرفُه من أخبارهم، بل يُفشيها وُيظهِرُها ليعرفَ المسلمونَ حقيقةَ حالِهم، ولا يَحِلُّ لأحدٍ أن يعاونَهم على بقائهم في الجُند والمستخدَمين، ولا يحلُّ لأحدٍ السكوتُ عن القيام عليهم بما أَمَر الله به ورسوله، ولا يَحِلُّ لأحدٍ أن يَنهى عن القيام بما أمَرَ الله به ورسوله؛ فإن هذا من أعظم أبوابِ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله تعالى، وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِي جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم: ٩]، وهؤلاء لا يَخرُجون عن الكفار والمنافقين. والمعاوِنُ على كفِّ شرهم وهدايتهم -بحسب الإمكان- له من الأجرِ والثوابِ ما لا يعلمُه إلا الله تعالى؛ فإن المقصودَ بالقصد الأول هو هدايتُهم، كما قال الله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّه أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، قال أبو هريرة ﵁. "كنتْم خيرَ الناس للناس، تأتون بهم في القيود والسلاسل حتى تُدخِلوهم الإسلام"، فالمقصود بالجهاد، والأمرِ بالمعروف، والنهي عن المنكر: هدايةُ العبادِ لمصالح المعاش والمعادِ بحسب الإمكان، فمَن هداه الله سَعِد في الدنيا والآخرة، ومَن لم يَهْتَدِ كَف الله ضرَرَه عن غيره.

стр. 491

• ومعلومٌ أن الجهادَ والأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر هو أفضل الأعمال، كما قال ﷺ : "رأسُ الأمرِ الإسلام، وعمودُه الصلاة، وذروة سَنامه الجهاد في سبيل الله تعالى". • وفي "الصحيح" عنه ﷺ أنه قال: "إن في الجنة لمَئَةَ درجةٍ ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض، أعدَها الله للمجاهِدين في سبيله" (١). • وقال ﷺ : "رِباطُ يومٍ وليلة في سبيل الله خيرٌ من صيام شهرِ وقيامه، ومَن مات مرابطا مات مجاهدا، وجَرى عليه عَمَله، وأُجرِي عليه رِزقُه من الجنة، وأمِن الفتنة" (٢). * والجهاد أفضلُ من الحج والعمرة، كما قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِندَ الله وَالله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَائِزونَ (٢٠) يُبَشِّرَهُمْ رَبّهُم بِرَحْمَة مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فيهَا نَعِيمٌ مقيمٌ (٢١) خَالدينَ فيهَا أَبَدًا إنَّ اللهَ عندَه أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ التوبة: ١٩ - ٢٢]، والحَمد لله رب اَلَعالمينَ، وصلاته وسَلامه على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين (٣).

стр. 492

وسُئِل -رحمه الله تعالى- عن "الدُّرزية" و"النُّصيرية": ما حُكمهم؟. فأجاب: "هؤلاء "الدرزية" و"النصيرية" كفَّار باتفاق المسلمين، لا يَحِلُّ أكل ذبائحهم، ولا نكاحُ نسائهم، بل ولا يُقَرُّون بالجزية؛ فإنهم مرتدُّون عن دين الإسلام ليسوا مسلِمين، ولا يهود، ولا نصارى، ولا يُقِرُّون بوجوبِ الصلوات الخمس، ولا وجوبِ صوم رمضان، ولا وجوبِ الحج، ولا تحريم ما حريم اللهُ ورسولُه من الميتة والخمر وغيرهما .. وإن أظهروا الشهادتين -مع هذه العقائد- فهم كفارٌ باتفاق المسلمين. فأما "النصيرية" فهم أتباع أبي شعيب "محمد بن نصير"، وكان من الغلاة الذين يقولون: "إن عليا إله"، وهم ينشدون: أشهدُ ألَا إلهَ إلاَّ … حَيدرةُ الأنزعُ البطين ولا حِجابَ عليه إلاَّ … محمدُ الصادقُ الأمينُ ولاطريقَ إليه إلاَّ سلمانُ … ذو القُوَةِ المتينُ وأما "الدرزية" فأتباع "هشتكين الدُّرزي"، وكان من موالي الحاكم، أرسله إلى أهل وادي تَيم الله بن ثعلبة، فدعاهم إلى إلاهيَّةِ "الحاكم"، ويُسمُّونه "الباري، العلامِ"، ويَحلِفون به، وهم من الإسماعيلية القائلين بأن محمد بنَ إسماعيل نسخ شريعةَ محمد بنِ عبد الله، وهم أعظمُ كفرًا من الغالية، يقولون بقِدَم العالم، وإنكارِ المعاد، وإنكارِ واجباتِ الإِسلام ومحرَماته، وهم من القرامطةِ الباطنيةِ الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب، وغايتُهم أن يكونوا "فلاسفة" على مذهبِ أرسطو وأمثاله، أو "مجوسًا" .. وقولهم مركَّبٌ من قول الفلاسفة والمجوس

стр. 493

ويظهرون التشيُّع نفاقًا .. والله أعلم" (١). * وقال شيخ الإِسلام ﵀ ردًّا على طوائف من "الدروز": "كُفرُ هؤلاء مما لا يَختلفُ فيه المسلمون، بل مَن شك في كُفرهم فهو كافرٌ مِثلُهم، لا هم بمنزلةِ أهل الكتاب ولا المشركين، بل هم الكَفَرةُ الضالُّون فلا يُباحُ أكل طعامِهم، وتُسبى نساؤهم، وتؤخَذُ أموالُهم، فإنهم زنادقة مرتدُّون لا تُقبل توبتُهم، بل يُقتَلون أينما ثُقِفوا، ويُلعنون كما وُصِفوا، ولا يجوز استخدامُهم للحراسة والبوابةِ والحِفاظ، ويجبُ قتل علمائهم وصلحائهم لئلاَّ يُضِلُوا غيرَهم، ويَحرمُ النومُ معهم في بيوتهم، ورِفقتُهم، والمَشْيُ معهم، وتَشييعُ جنائِزِهم إذا عُلم موتُهم، ويحرمُ على ولاةِ أمور المسلمين إضاعةُ ما أَمَر اللهُ من إقامةِ الحدود عليهم بأيِّ شيء يراه المُقيم لا المقام عليه .. والله المستعان وعليه التكلان" (٢). * الخرْمِيَّة -لعنهم الله -: ° قال عبدُ القاهر البغدادي في "الفرق بين الفِرَق": "زعَمت الخَرْميَّةُ أن الرسل تَتْرَى لا آخِرَ لهم" (٣). فهم يُكذِّبون صريحَ القرآن في وصفِ رسول الله ﷺ بأنه ﴿خَاتَم النَّبيِّين" [الأحزاب: ٤٠]. وصَدق الله ورسوله، وكَذب الدجَّالون المرتدُّون.

стр. 494

* المُقَنَّع الخُراسانيُّ الزِّنديق -لعنه الله -: ° قال الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" في أحداث سَنَةِ إحدى وسِتِّين ومئة (١٦١ هـ): "وفيها خرج رجل يُقال له: "المقَنَّع" بخراسانَ في قرية مِن قُرَى "مَرْوَ"، وكان يقول بالتناسخ، واتبعه على ضَلَالته، خَلْق كثيرٌ، فجهَّز له المهديُّ عِدَّةً من أُمرائِه، وأنفَذَ إليه جيوشًا كثيرةً، منهم مُعاذ ابنُ مسلم أميرُ خراسان، فكان مِن أمره وأمرهم ما سنذكره" (١). * وقال ﵀ في "البداية والنهاية" في أحداث سنة ثلاث وستين ومئة (١٦٣ هـ) (٢): "فيها حُصِر "المُقَنَّع" الزنديقُ الذي كان قد نبغ بخُراسان وقال بالنتاسخ، واتَّبَعه على جَهَالتِه وضَلالتِه خَلْقُ من الطَّغَام وسُفَهاء الأنام، والسَّفِلَة من العَوامِّ، ومنعوه من الجنودِ في ذلك العام (٣)، فلما كان في هذه السّنَة لجأ إلى قَلْعَةِ كَشٍّ، فحاصَرَه سعيد الحرَشِيُّ، فألحَّ عليه في الحِصَار، فلمَّا أحَسَّ بالغَلَبة تَحَسَّى سُمًّا وَسَمَ نساءَه، فماتوا جميعًا -عليهم لعائن الله-، ودخل الجيشُ الإِسلاميُّ قَلْعَته، فاحتزُّوا رأسه، وبعثوا بها إلى المهديِّ، وكان المهديُّ حين جاءه رأسُ المُقَنَّع بحلب". ° قال ابن خَلِّكان (٤): "المُقَنَّعُ الخراساني: قيل: اسمُه "عَطاءٌ"،

стр. 495

وقيل: "حَكيمٌ"، والأول أشهرُ، وكان أوَلاً قَصَّارًا (١)، ثم ادعى الربوبية، مع أنه كان أعْوَرَ قبيحَ المَنْظَرِ، وكان يتَخذ له وَجْها من ذهب، واتَبعه على جَهَالَتِه خَلْقٌ كثيرٌ مِن الجَهَلة، وكان يُرِي الناسَ قمرًا يُرَى من مَسِيرةِ شهرَيْن، ثم يغيبُ، فعَظُم اعتقادُهم فيه، ومَنَعُوه بالسِّلاح، وكان يزْعُمُ -لعَنه الله، وتعالى عمَّا يقول الظالمون عُلُوًّا كبيرًا - أَنَّ الله ظَهَر في صورة آدم، ولهذا سَجدت له الملائكةُ، ثم في نوح، ثم في الأنبياءِ وَاحِدًا فواحدًا، ثم تحوَّل إلى أبي مسلم الخُراساني، ثم تحوَّل إليه، ولما حاصره المسلمون في قلعته التي كان جَدَّدَها بناحية "كَش" ممَّا وراء النهر، وُيقال لها: سَنَامٌ، سَقَى نسَاءَه وأهلَه سُمًّا، وتَحسَّى هو أيضا منه، فماتوا كلهم -لعنهم الله أجمعين-، واستحوذ المسلمون على حواصِلِه وأمواله كلها". ° قال الرازي عن "المقنَّع": "إنه ادَّعى بعدُ -أي: بعد أبي مسلم الخراساني- النبوة، فعَظمُ أمرُه، واجتمع عليه خلَقٌ كثير، ثم ادَّعى الألوهيَة" (٢). * مُدَّعو النُّبُوَة من زعماء البابيَّة: * المِرْزَة علي محمد (الباب) الشيرازي زعيم البابية: المِرزة عليُّ محمد الشِّيرازي المُلَقَّب بالباب، مُنشِئُ "البابية"، وعميلُ روسيا الصليبية (آنذاك)، مُدَّعي النبْوَّة ثم الربوبية .. أيُ كذبٍ وخرافة وسخافةٍ وتفاهةٍ وسفاهةٍ وبَلادةٍ انطوى عليها عقل ذلك القزم المأفون!!.
следующие страницы →