• ومعلومٌ أن الجهادَ والأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر هو أفضل الأعمال، كما قال ﷺ : "رأسُ الأمرِ الإسلام، وعمودُه الصلاة، وذروة سَنامه الجهاد في سبيل الله تعالى".
• وفي "الصحيح" عنه ﷺ أنه قال: "إن في الجنة لمَئَةَ درجةٍ ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض، أعدَها الله للمجاهِدين في سبيله" (١).
• وقال ﷺ : "رِباطُ يومٍ وليلة في سبيل الله خيرٌ من صيام شهرِ وقيامه، ومَن مات مرابطا مات مجاهدا، وجَرى عليه عَمَله، وأُجرِي عليه رِزقُه من الجنة، وأمِن الفتنة" (٢).
* والجهاد أفضلُ من الحج والعمرة، كما قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِندَ الله وَالله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَائِزونَ (٢٠) يُبَشِّرَهُمْ رَبّهُم بِرَحْمَة مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فيهَا نَعِيمٌ مقيمٌ (٢١) خَالدينَ فيهَا أَبَدًا إنَّ اللهَ عندَه أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ التوبة: ١٩ - ٢٢]، والحَمد لله رب اَلَعالمينَ، وصلاته وسَلامه على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين (٣).
стр. 492
وسُئِل -رحمه الله تعالى- عن "الدُّرزية" و"النُّصيرية": ما حُكمهم؟.
فأجاب: "هؤلاء "الدرزية" و"النصيرية" كفَّار باتفاق المسلمين، لا يَحِلُّ أكل ذبائحهم، ولا نكاحُ نسائهم، بل ولا يُقَرُّون بالجزية؛ فإنهم مرتدُّون عن دين الإسلام ليسوا مسلِمين، ولا يهود، ولا نصارى، ولا يُقِرُّون بوجوبِ الصلوات الخمس، ولا وجوبِ صوم رمضان، ولا وجوبِ الحج، ولا تحريم ما حريم اللهُ ورسولُه من الميتة والخمر وغيرهما .. وإن أظهروا الشهادتين -مع هذه العقائد- فهم كفارٌ باتفاق المسلمين.
فأما "النصيرية" فهم أتباع أبي شعيب "محمد بن نصير"، وكان من الغلاة الذين يقولون: "إن عليا إله"، وهم ينشدون:
أشهدُ ألَا إلهَ إلاَّ … حَيدرةُ الأنزعُ البطين
ولا حِجابَ عليه إلاَّ … محمدُ الصادقُ الأمينُ
ولاطريقَ إليه إلاَّ سلمانُ … ذو القُوَةِ المتينُ
وأما "الدرزية" فأتباع "هشتكين الدُّرزي"، وكان من موالي الحاكم، أرسله إلى أهل وادي تَيم الله بن ثعلبة، فدعاهم إلى إلاهيَّةِ "الحاكم"، ويُسمُّونه "الباري، العلامِ"، ويَحلِفون به، وهم من الإسماعيلية القائلين بأن محمد بنَ إسماعيل نسخ شريعةَ محمد بنِ عبد الله، وهم أعظمُ كفرًا من الغالية، يقولون بقِدَم العالم، وإنكارِ المعاد، وإنكارِ واجباتِ الإِسلام ومحرَماته، وهم من القرامطةِ الباطنيةِ الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب، وغايتُهم أن يكونوا "فلاسفة" على مذهبِ أرسطو وأمثاله، أو "مجوسًا" .. وقولهم مركَّبٌ من قول الفلاسفة والمجوس
стр. 493
ويظهرون التشيُّع نفاقًا .. والله أعلم" (١).
* وقال شيخ الإِسلام ﵀ ردًّا على طوائف من "الدروز":
"كُفرُ هؤلاء مما لا يَختلفُ فيه المسلمون، بل مَن شك في كُفرهم فهو كافرٌ مِثلُهم، لا هم بمنزلةِ أهل الكتاب ولا المشركين، بل هم الكَفَرةُ الضالُّون فلا يُباحُ أكل طعامِهم، وتُسبى نساؤهم، وتؤخَذُ أموالُهم، فإنهم زنادقة مرتدُّون لا تُقبل توبتُهم، بل يُقتَلون أينما ثُقِفوا، ويُلعنون كما وُصِفوا، ولا يجوز استخدامُهم للحراسة والبوابةِ والحِفاظ، ويجبُ قتل علمائهم وصلحائهم لئلاَّ يُضِلُوا غيرَهم، ويَحرمُ النومُ معهم في بيوتهم، ورِفقتُهم، والمَشْيُ معهم، وتَشييعُ جنائِزِهم إذا عُلم موتُهم، ويحرمُ على ولاةِ أمور المسلمين إضاعةُ ما أَمَر اللهُ من إقامةِ الحدود عليهم بأيِّ شيء يراه المُقيم لا المقام عليه .. والله المستعان وعليه التكلان" (٢).
* الخرْمِيَّة -لعنهم الله -:
° قال عبدُ القاهر البغدادي في "الفرق بين الفِرَق": "زعَمت الخَرْميَّةُ أن الرسل تَتْرَى لا آخِرَ لهم" (٣).
فهم يُكذِّبون صريحَ القرآن في وصفِ رسول الله ﷺ بأنه ﴿خَاتَم النَّبيِّين" [الأحزاب: ٤٠].
وصَدق الله ورسوله، وكَذب الدجَّالون المرتدُّون.
стр. 494
* المُقَنَّع الخُراسانيُّ الزِّنديق -لعنه الله -:
° قال الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" في أحداث سَنَةِ إحدى وسِتِّين ومئة (١٦١ هـ): "وفيها خرج رجل يُقال له: "المقَنَّع" بخراسانَ في قرية مِن قُرَى "مَرْوَ"، وكان يقول بالتناسخ، واتبعه على ضَلَالته، خَلْق كثيرٌ، فجهَّز له المهديُّ عِدَّةً من أُمرائِه، وأنفَذَ إليه جيوشًا كثيرةً، منهم مُعاذ ابنُ مسلم أميرُ خراسان، فكان مِن أمره وأمرهم ما سنذكره" (١).
* وقال ﵀ في "البداية والنهاية" في أحداث سنة ثلاث وستين ومئة (١٦٣ هـ) (٢): "فيها حُصِر "المُقَنَّع" الزنديقُ الذي كان قد نبغ بخُراسان وقال بالنتاسخ، واتَّبَعه على جَهَالتِه وضَلالتِه خَلْقُ من الطَّغَام وسُفَهاء الأنام، والسَّفِلَة من العَوامِّ، ومنعوه من الجنودِ في ذلك العام (٣)، فلما كان في هذه السّنَة لجأ إلى قَلْعَةِ كَشٍّ، فحاصَرَه سعيد الحرَشِيُّ، فألحَّ عليه في الحِصَار، فلمَّا أحَسَّ بالغَلَبة تَحَسَّى سُمًّا وَسَمَ نساءَه، فماتوا جميعًا -عليهم لعائن الله-، ودخل الجيشُ الإِسلاميُّ قَلْعَته، فاحتزُّوا رأسه، وبعثوا بها إلى المهديِّ، وكان المهديُّ حين جاءه رأسُ المُقَنَّع بحلب".
° قال ابن خَلِّكان (٤): "المُقَنَّعُ الخراساني: قيل: اسمُه "عَطاءٌ"،
стр. 495
وقيل: "حَكيمٌ"، والأول أشهرُ، وكان أوَلاً قَصَّارًا (١)، ثم ادعى الربوبية، مع أنه كان أعْوَرَ قبيحَ المَنْظَرِ، وكان يتَخذ له وَجْها من ذهب، واتَبعه على جَهَالَتِه خَلْقٌ كثيرٌ مِن الجَهَلة، وكان يُرِي الناسَ قمرًا يُرَى من مَسِيرةِ شهرَيْن، ثم يغيبُ، فعَظُم اعتقادُهم فيه، ومَنَعُوه بالسِّلاح، وكان يزْعُمُ -لعَنه الله، وتعالى عمَّا يقول الظالمون عُلُوًّا كبيرًا - أَنَّ الله ظَهَر في صورة آدم، ولهذا سَجدت له الملائكةُ، ثم في نوح، ثم في الأنبياءِ وَاحِدًا فواحدًا، ثم تحوَّل إلى أبي مسلم الخُراساني، ثم تحوَّل إليه، ولما حاصره المسلمون في قلعته التي كان جَدَّدَها بناحية "كَش" ممَّا وراء النهر، وُيقال لها: سَنَامٌ، سَقَى نسَاءَه وأهلَه سُمًّا، وتَحسَّى هو أيضا منه، فماتوا كلهم -لعنهم الله أجمعين-، واستحوذ المسلمون على حواصِلِه وأمواله كلها".
° قال الرازي عن "المقنَّع": "إنه ادَّعى بعدُ -أي: بعد أبي مسلم الخراساني- النبوة، فعَظمُ أمرُه، واجتمع عليه خلَقٌ كثير، ثم ادَّعى الألوهيَة" (٢).
* مُدَّعو النُّبُوَة من زعماء البابيَّة:
* المِرْزَة علي محمد (الباب) الشيرازي زعيم البابية:
المِرزة عليُّ محمد الشِّيرازي المُلَقَّب بالباب، مُنشِئُ "البابية"، وعميلُ روسيا الصليبية (آنذاك)، مُدَّعي النبْوَّة ثم الربوبية .. أيُ كذبٍ وخرافة وسخافةٍ وتفاهةٍ وسفاهةٍ وبَلادةٍ انطوى عليها عقل ذلك القزم المأفون!!.
стр. 496
ولد هذا الملعونُ بـ "شِيراز" في أول المحرم سنة ١٢٣٥ هـ الموافق ٢٠ أكتوبر سنة ١٨١٩ م من بيت يَدَّعي زورًا الانتسابَ إلى البيت النبويِّ، وهذا كَذِبٌ ظاهر، فلَقب "المرزة" لا يُطلَق على من ينتسب إلى أهل بيت النبوة.
تلقى هذا المأفون ديانتَة من طائفة "الشيخيَّة" إحدى الطوائف الشيعية الغلاة التي أحدثها الشيح أحمد الإحسائي المتوفى سنة ١٢٤٢ هـ (١٨٢٦ م) ورَوَّجها تلميذه كاظمُ الرشتي المتوفي عام ١٢٥٩ هـ (١٨٤٣ م) .. وأخذ تعاليمَ "الشيخية" من شيخه "الرشتي"، وكان من تلامذةِ الرشتي البارزين، وكان الرشتيُّ يُكرِّم الشيرازيَ ويُجلُّه، وفي حياة الرشتي بدأ هذا الملعونُ يقول للخاصة: "إنه سيكونُ المهدي المعهودَ والموعود، بَيْد أن الوقتَ المناسِبَ لهذه الدعوى لم يأتِ بعدُ، وكان في مجالس الرشتي التي يُظهرُ فيها كل الحفاوةِ بالشيرازي، ويَجعلُ كل الحاضرين يظنُون أنه الموعودُ، وأنه القائم المنتظَر.
وكان هناك في تلك المجالس جاسوسٌ روسيٌّ "كنياز دالغوركي" المُتظاهِر باسم الشيخ "عيسى النكراني"، يبحث عن عميل يستعملُه للتفرقة بين المسلمين وتوهين قواهم وتشتيتِ شملهم، فكان هو الحائزَ الآخرَ على مراده ومَرامه، ولقد نشَر هذا الجاسوس مذكِّراته باسم "مُذَكِّرات دالغوركي" في مجلةٍ روسية "الشرق" عام ١٩٢٤ م بعث زوال القيصرية وانقلاب "بالشويك"، ذَكَر فيها تلك الحوادثَ والوقائعَ بالتفصيل، وأنه كيف دَفَع هذا الغِرَّ المأفونَ إلى المَهدوِيَّة، ومنها إلى الرسالة والربوبية!!.
° وبحسب الخطة المرسومة -التي أُحْكِمَتَ خيوطُها مِن قَبْل في
стр. 497
كربلاء-، أَعلن الشيرازيُّ سنة ١٢٢٦ هـ في ٥ جُمادى الأولى الموافق ٢٣ مارس ١٨٨٤ م - "أنه الباب المُوَصِّل إلى الإمام الغائب المنتظَرِ عند الشيعة، أن "المَلاَّ حسين البشروئي" (١) هو "باب الباب" (٢).
وسَلَّم أكثرُ "الشيخية" له بالزعامة والسيادة، واعترفوا بأنه هو الركنُ الرابعُ لهم بعد "الرشتي"، كما اجتمع حولَه ثمانيةَ عَشَر شخصًا من كبارِ تلامذة الرشتي، وزعماءِ الشيخية سماهم "حروف حي"؛ لأن "ح" و"ي" يعادل الثمانية عَشَرَ من العدد بحسابِ الحروف الأبجدية، وآمَن بالباب أغلبُ "الشيخية" وتَسَمَّوا بالبَابِيِّين.
"فتلاميذ "الباب" الثمانيةَ عشَرَ -وبإضافةِ الباب عليهم يكونون تسعةَ عشر-، عُرفوا بحروف "الحي" وهم الذين أرسلهم البابُ إلى جهاتٍ مختلفة في إيران وتركستان لنشر أخبارِ مجيئه وظهوره".
* تطاولُه على النبي الكريم ﷺ ، وادعاؤه النُّبُوَة:
° وبعد ذلك تطاوَلَ هذا القزمُ على مَقام النبوَّة، واجترأ على رسول الله ﷺ ، وادَّعى النبوَّةَ، فقال: "إنه هو النبيُّ، وإن الله قد أنزل عليه كتابًا يسمَّى بـ "البيان"، وإنه المُشارُ إليه بقوله تعالى: ﴿خَلقَ الإِنسَان (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَان﴾ [الرحمن: ٣ - ٤]، والإنسانُ هو عليُّ محمد، والبيان هو هذا الكتاب المنزَّل عليه" (٣).
стр. 498
وتلقب بـ "النقطة، والنقطة العليا، ونقطة البيان" (١).
وما دام الناسُ أقروا واعترفوا بإمكانِ حلولِ رُوح المهديَ والقائم فيه ورُوح عليٍّ أيضًا، فأيُ مانع من أن يَحُل فيه رُوحُ النبي محمدٍ ﷺ ؟!.
° وقال عمرُ عنايت: "وعندهم "الشيخية" الشخصيةُ الإنسانيةُ التي تُميِّزُ الأفرادَ عن بعضهم ليست أكثرَ من مجموعةِ صفاتٍ وأخلاقٍ، إنْ وُجدت تامةً في شخصيةٍ أخرى في أيَ زمانٍ ومكان، دَلَّت على رجوع الشخصيةِ السابقِ وجودُها إلى الوجود" (٢).
فلم يكتفِ هو الآخَرُ بُرتبةٍ دونَ رتبة ومنصبٍ دون منصبَ ما دام المعطُون راضين، والمطيعون مستسلمين.
° فيقول في "بيانه" الفارسي: "محمد ﷺ نقطةُ الفرقان، وأنا نقطة البيان، وكلانا واحد" (٣).
وإن النبيَّ بصفته -حسبَ زعمه- حَل فيه رُوحُ الأنبياء السابقين (٤).
° فحلَّ فيه أرواحُهم أيضًا: "كنتُ في يوم نوح نوحًا، وفي يوم إبراهيمَ إبراهيمَ، وفي يوم موسى موسى، وفي يوم عيسى عيسى، وفي يوم محمدٍ محمدًا، وفي يوم (عليٍّ قبل نبيل) عليًّا، ولأَكُونَنَّ في يوم مَن
стр. 499
يُظهِرُه الله مَن يُظهرُه الله، وفي يوم مَن يُظهرُه مِن بعدِ مَن يظهر الله من بعد من يظهره الله .. إلى آخِرِ الذي لا آخِرَ له قبل أول الذي لا أول له .. كنتُ في كل ظهور حُجةَ اللهِ على العالَمين" (١).
° ويقول في "البيان الفارسي": "في كلِّ الظُّهورات من آدمَ إلى محمد -وقبلَ آدمَ- لم يكن مَظهرُ المشية إلاَّ نقطةَ البيان ذاتُ الحروفِ السَّبعة، إلا أنه كان طِفلاً في وقتِ آدم، والآن شاب وسيم" (٢).
° ويقول "اسلمنت" الداعية البهائيُّ الكبير: "ولكنَّ البابَ لم يكتفِ بدعوة المهدويَّة، بل تلقَّب بلَقَب "النقطة الأولى"، وهذا لَقَبٌ لَقَّبه المسلمون لحضرةِ محمدٍ ﷺ ، حتى إن الأئمَّة أنفسَهم كان يُعِدُّون لأنفسهم مقامًا بعد مقام النقطة، وكانوا يستمدُّون منها قوَّتهم وأحكامَهم، وباتخاذِ هذا اللقبِ ادَّعى البابُ أنه من عِدادِ كبارِ مؤسسي الأديان كمحمد" (٣).
° ويقول الشيرازي في "البيان العربي" عن نفسه: "إنه ما خُلق له من كُفْءٍ وعَدل، ولا شَبَهٍ، ولا قرينٍ، ولا مثال" (٤).
° وإن ما نَزَل عليه فهو أعظمُ وأفضلُ ممَّا نَزَل مِن قبلُ مِن القرآنِ وغيره، "ما ينزل عليك في آخِرِيِّك أعظمُ عما نزَّلنا عليك في أوَّليك -كذا-، فكنْ من الشاكرين، وإنَّ فَضْلَ ما نَزَّلنا عليك على ما نزلنا عليك من قبلُ
стр. 500
كفضل القرآنِ على الإنجيل" (١).
° ويقول حسين علي المازندراني الملقب بالبهاء وهو يذكر الشيرازي وكتابه: "يا قوم، اتَّبعوا حدودَ الله التي فُرضت في "البيان" من لدُن عزيزٍ حكيم، قل إنه -أي: الشيرازي- لَسلطانُ الرسل، وكتابه لأَمُّ الكتاب، إن أنتم من العارفين" (٢).
وكان ذلك سنة ١٢٦٣ هـ و ١٢٦٤ هـ أيامَ حَبسِه في قلعة "ماهكو" في ولاية آذربيجان، وهناك ألَّف كتابَه "البيان" الفارسي و"دلائل السبعة" أيضًا.
ومن لوازم النبوةِ والرسالةِ كان نَسخُ الشريعة الإِلهية الأخيرة إلى الناس كافةً، فكان كالآتي:
عَقَد أقطابُ البابيين الذين عددُهم واحد وخمسون، أو واحد وثمانون شخصًا -مِن بينهم المَلاَّ حُسين البشروئي "باب الباب"، ومحمدُ علي البارفروشي الملقب "بالقدوس"، والمِرزة يحيى اللقَّب "بالوحيد" وصبح الأزل، وقرة العين زرين تاج الملقَّبة "بالطاهرة" (بطلة المؤتمر)، والمرزة حسين علي المازندراني- مؤتمرًا في بيداء "بدشت" على شاهرود بين خراسان ومازندران في شهر رجب سنة ١٢٦٤ هـ، الموافق يونيو ١٨٤٨ م، فعملوا فيه المنكر، وارتكبوا الفواحش والإباحيات، حتى قال "باب الباب" البشروتي
стр. 501
مرةً: "أنا أقيم الحَدَّ على البدشتيين" (١) -وهو منهم-، وفعلوا غير ما فعلوا.
إنهم بحثوا في الأمرين الرئيسيين:
١ - انقاذ الباب من معتَقلِه، ونقلُه إلى مكان آمن.
٢ - نسخ الشريعة المحمدية، وإنشاءُ دين جديد باسم "البابية".
° "ففيما يتعلق بالأمر الأول: تقرر إرسالُ المبلِّغين إلى النواحي والأكنافِ ليَحثُّوا الأحباب على زيارةِ الباب في "ماه كو" مستصحِبين معهم مَن يتسنَّى استصحابُه مِن ذَوِي قُرباهم ووُدِّهم، وأن يجعلوا مركزَ اجتماعهم "ماه كو"، حتى إذا تمَّ منهم العددُ القيم الكافي، طَلبوا من محمد شاه الإِفراجَ عن حضرةِ الباب، فإذا لبَّى الشاهُ طلبَهم فبها ونِعْمت، وإلَا أنقذوه بصارم القوةِ وحَدِّ الاقتدار".
وأما فيما يتعلق بالأمر الثاني: فقد ظَهَر بعدَ المُذاكراتِ الطويلةِ أن مُعظمَ المؤتمِرِين "يعتقد بوجوبِ النَّسخ والتجديد، ويرى أن مِن قوانين الحكمةِ الإِلهية في التشريع المديني أن يكون الظهور اللاحقُ أعظمَ مرتبةً وأعم دائرةً من سابقه، وأن يكون كلُّ خَلَفٍ أرقى وأكملَ من سَلَفِه، فعلى هذا القياس يكون البابُ أعظمَ مقامًا وآثارًا من جميع الأنبياء الذين خَلَوا من قَبله، ويَثبُتُ أن له الخيارَ المطلَقَ في تغييرِ الأحكام وتبديلِها، وذهب قلائلُ إلى عدم جوازِ التصرف في الشريعةِ الإسلامية مستندِين إلى أن حَضرةَ الباب ليس إلاَّ مُروِّجًا لها ومُصلِحًا لأحكامها .. وكانت "قُرةُ العين الطاهرة" من القسم الأول، لذا أصرَّت على وجوبِ إفهام جميع الأحبَّاء
стр. 502
وإشعارِهم بأنَّ للقائم مقامَ المشرع وحقَّ التشريع، وعلينا وجوبُ الشروع فِعلاً في إجراء بعضِ التغييرات كإفطارِ رمضانَ ونحوه" (١).
وخَطَبت "قُرة العين" في الحاضرين، ودَعت إلى نَسخ الشريعة الإسلاميَّة بأحكام الشريعة البابية الجديدة، وأُرسلت قراراتُ هذا المؤتمرِ إلى المِرزة علي محمد الشِّيرازي إلى مُعتقَلِه، فوافق على هذه القرارات، وخاصةً على نسخ الشريعة الإسلامية.
° فقال في "بيانه العربي": "لا تتعلَّمُنَّ إلاَّ بما نزل في "البيان" أو ما يُنشَى فيه من عِلم الحروف وما يتفرع على البيان .. لا تتجاوَزُنَّ على حدودِ البيان فتحزنون .. ومَنْ يتجاوزْ لن يُحكمَ عليه بالهدى، قلْ أنْ يا أولو الهدى بهدايَ تهتدون" (٢).
° ويَذكرُ محمدُ مهدي خان عنه أنه قال مخاطبًا العلماء: "ألم يأنِ لكم أيها العلماءُ أن تنبِذوا الهواء، وتتَّبِعوا الهدى، وتتركوا الضلال؟! إنَّ نبيَكم لَم يُخلِّفْ بعدَه غيرَ القرآن، فهاكم كتابي "البيان"، فاتلُوه واقرؤوه، تجِدوه أفصحَ عبارةً من القرآن وأحكامَه ناسخةً لأحكام القرآن" (٣).
° وقال الشيرازي أيضًا: "والبابُ السادس في حُكم مَحوِ الكتب كلها، إلا ما أنشأت أو تنشأ في ذلك الأمر" (٤).
стр. 503
° وقال تلميذه المِرزة حسين علي المازندراني في كتابه "الإيقان " الذي كتبه إثباتًا لدعاويه ومزاعمه: "ففي عهدِ موسى كانت التوراةُ، وفي زمن عيسى كان الإنجيلُ، وفي عهد محمدٍ كان الفرقان، وفي هذا العصر البيان" (١).
° وقال عباسُ بنُ المازندراني: "إن النسخَ والفسخَ لم يكن مِن قِبَل الباب، بل كان مِن قِبل أبيه والقُدُوس والطاهرة" -أي قرة العين-.
* كتابه "البيان" ومحاكاة القرآن:
انظر إلى هذا القِزم المأفون يحاولُ محاكاةَ القرآن في كتاب البابية المقدَّس "البيان" الذي يقول عنه: إنه أفضلُ من القرآن .. فانظرْ إلى مهازِل "البيان" الذي نَسَخ به القرآن حسب زعمه: "ولا تكتُبُنَّ السور إلاَّ وأنتم في الآيات على عددِ المستغاثِ لا تتجاوزون، ومِن أولِ العَدَد أُذن لكم يا عبادي لتدُقُّون، وأذِنتُ أن يكون مع كل نفسِ ألفِ بيتٍ مما يشاء ليتلذَّذون، حينما يتلو وكان من المحرَزين، قل: إنما البيتُ ثلاثين (٢) حرفًا إن أنتم تَعرِبون، لتحسبون (٣) على عدد الميم ثم على أحسَنِ الحَسِن تكتبون وتحفظون، ذلك واحدُ الأول أنتم بالله تسكنون، ثم الثاني أنتم في كل أرضِ بيت حرٍّ تبنيون، ولْتَلْطَفَنَّ كلُّ أرضِكم وكلُّ شيء على أحسنِ ما أنتم مقتدرون، لئلاَّ يشهدَ عينْي على كُرهٍ أنْ يا عبادي فاتقون" (٤).
стр. 504
وقد قيل قديمًا في الفارسية: "النقل "المُحاكاة" يحتاجُ إلى العقل".
ولقد كان أبلَهَ الناسِ وأضعفَهم وأجهلَهم من جميع الدجَّالين الذين حاولوا مقابلةَ القرآن ومنافسته، مِن مُسيلِمةَ الكذَّاب، والأسودِ العنسي إلى يومنا هذا.
هذا وأمَّا من ناحيةِ المعاني والمقصود، فإنه في كلتا اللغتين العربية والفارسية اللتين ألَّف فيهما ففقيرٌ محض ومفلسٌ خالص -كما يقوده العامة - حيث لا يُدرِكُ ولا يعرفُ القارئُ وهو يقرأُ الصفحات أنه ماذا يقصدُ مِن ورائها وماذا يريد؟! فعباراته مهملة، غامضة، معقدة، لا يُدرَكُ منها مطلوب.
وأجزمُ وأُوقن أنه هو نفسُه ما كان يعرف ماذا يقول ويكتب، وماذا يهدف من ورائها؟!.
° فمثلاً يقود أيضًا: "تبارك الله من شَمخ، مُشْمَخ، شَمِيخ، تبارك الله من بَذخ مُبذخ، بذيخ، تبارك الله من بَدء، مبتدئ، بَدِيء، تبارك الله من فَخِر، مفتخِر، فخير، تبارك الله من ظَهِر، مُظهِر، ظهير، تبارك الله من قَهِر، مُقهِر، قهير، تبارك الله من غَلِب، مغتلب، غليب، تبارك الله من عَلِمٍ، معتلم، عليم" (١).
° وأيضًا. "تبارك الله مِن سَلطِ مُستلِطٍ رفيع، تبارك الله من وَزِر مؤتزرٍ وزير، تبارك الله من حكَم محتكِم بديع، تبارك الله من جَمِل مُجتمل جميل" (٢).
стр. 505
° ومثله في "بيانه العربي": "ولا تُضيِّعَن خَلْقَ أحدٍ بعدما أكمل اللهُ خَلْقه لِمَا تُريدون مِن عزِّ أيام معدودة، فإنَّ كلتاهما ينقطعُ عنكم وأنتم من بعدِ موتِكم في النار تدخلون، تتمنَّون كأنكم ما خُلقتم وما اكتَسبتم في حقّ نفس من حُزن، وإن تتعقَّلون تتمنَّون كأنكم ما قد خلقتم" (١).
هذا نص ما قاله، فهل هناك عربيٌّ أو متعَلِّم اللغةَ العربيةَ يفهمُ ويُبيِّنُ ماذا يريدُ بهذا الخَلْطِ والخَبْط والعَمَهِ والجَهل، صاحبنا الجَهولُ المجهول المجعول هذا؟ .. فعدلاً يا عباد الله!.
° وأيضًا: "إنني أنا الله الأسلطُ الأسلط، والأثبتُ الأثبت، والأغيثُ الأغيث" (٢) .. وغيرها من الخرافات.
° ولْننظُرْ ما كتب الشيخ عبد الرحمن الوكيل: "إن القارئَ لكتبِ الباب "الشيرازي" يشعر شعورًا صادقًا يطابقُ الحقيقةَ والواقعَ أنه رجل خُولط في عقلِه، وأن ما في هذه الكتب أمشاج متباينةٌ متناقضة اختارها غلامٌ يتنازعُهُ فكرٌ مضطرب، وخيالاتٌ هاذِية، فلا ترى فيها فكرةً نابهة، أو عاطفةً صادقة، أو تصويرًا جميلاً، أو أسلوبًا مشرقًا. وإنما ترى جُمَلاً ينفِرُ بعضُها من بعض، وأشدُّ ما يُثير الدهشةَ والسخرية تلك السَّجَعاتُ التي يختمُ بها فقراته، فهي حروف مركَّبة تركيبًا لا يُوحي بمعنًى، ولا يُومئُ إلى دلالة" (٣).
стр. 506
ولا أدري كيف استساغ لرجالٍ يدَعون العقلَ والفهمَ أن يتَبعوا مِثل هذا المجنون ويعتنقوا أفكاره وآراءه، ويعتقدوا بمهدويته ونبوَّته بلَ وألوهيته؟!.
* قال تعالى: ﴿لهمْ قُلوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبصِرونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعون بِهَا أُولْئَكَ كَالأَنْعَامِ بلْ هُم أضلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
* لُغتُه وجَهلُه:
وأما لغته فتنضَحُ جَهلاً، وكان قليلَ العلم، كثيرَ الجهل، فاقدَ البصيرة والفِكرة، غزيرَ السفاهةِ والبلاهة، مغترًّا مغرورًا، وكان يَرى نفسَه مع وَفرَةِ بلادتِه وجَوْدةِ حُمقِه أنه أعقل الناس وأفقههم، ومع غفلته وعدم إلمامه بالعلوم العربية والشرعية أنه أعلم الناس وأمهرُهم، فلم يَكَدْ يتكلم بكلمةٍ إلاَّ وقد أظهر "عُمقَ علمه" و"غَورَ معرفته" مع تلك الدعاوى الفارغةِ الكبيرة، والمزاعم الموهومة الرفيعة، فلقد ادَّعى الرسالةَ والنبوة، وأخيرًا الألوهيَّة، والربوبيَّة، واستَدلَّ عليها واستند بقوله: "إن أقوى دليل وأقنَعَه على صحةِ دعوةِ رسول الله هو كلامه"، كما دَلَّل على ذلك بقوله: "ألَم يكفِهم أنا أنزلنا عليك الكتاب (١)، ولقد آتاني الله هذا البرهان، ففي ظرفِ يومين وليلتين أُقرِّر أني أَقدِرُ أن أُظهِرَ آياتٍ تُوازي في الحجم جميعَ القرآن" (٢).
° وأيضا: "إنني أفضل من محمدٍ، كما أن قرآني أفضل من قرآن
стр. 507
محمد، وإذا قال محمد بعجزِ البشرِ عن الإتيان بسورةٍ من سور القرآن، فأنا أقولُ بعجزِ البشر عن الإِتيان بحرفٍ مثل حروف قرآني" (١).
° وقال مخاطبًا علماء المسلمين: "إنَّ نبيَّكم لَم يُخلَّفْ بعده غيرَ القرآن، فهاكم كتابي "البيان" فاتلوه واقرؤوه تجِدوه أفصحَ عبارةً من القرآن، وأحكامَه ناسخةً لأحكام الفرقان" (٢).
فلنفْحَصْ كلامَه. ونُلْقِ عليه نظرةً -ولو عابرة طائرة-، حتى نَرى صدقَ دعواه أو كَذِبَه، ونعرفَ حقيقةَ تطاوُلِه أو بطلانه.
° ولْنبدأْ مِن أولِ كتابه الذي كتبه -حسبَ زعمهم- تحقيقًا لرغبة الملاَّ حسين البشروئي، دليلاً على دعواه المهدوية، فيكتب فيه: "ولا يقولوا: كيف يُكلِّمُ عن الله مَن كان في السن خَمسةً وعشرونَا، فوربِّ السماء والأرض إني عبدُ الله آتاني البينات من عندِ بقيةِ الله المنتظَرِ إمامكم، هذا كتابي قد كان عند الله في أُمِّ الكتاب بالحقّ على الحق مسطورًا، وقد جَعَلني اللهُ مباركًا أينما كنتُ وأوصاني بالصلاة والصبر ما دمتُ فيكم على الأرض حيًّا، وإن الله قد أنزلَ له بصورة من عنده والناسُ لا يقدِرون بحرفه على المِثل دون المثل تشبيرا" (٣).
ويدركُ القارئ أنه جَمَع عباراتِ القرآن المختلِفة، وكلَّما خَرج عنه بدأ ينزلقُ على قدميه، ويعثَرُ على وجهه، وإلاَّ فأيُّه لغةٍ هذه؟! "والناسُ لا
стр. 508
يقدرون بحرفه على المثل دون المِثل تشبيرا"؟ - وما معناها؟!.
ويقول مفسرًا قوله تعالى: ﴿إِذ قالَ يُوسُفُ لأبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْت أَحَدَ عَشَرَ كَوْكبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾.
° يقول: "وقد قَصَد الرحمن من ذِكْر يوسف نَفْسَ الرسول، وثَمَرةَ البَتول حسين بن علي بن أبي طالب مشهودًا، وقد أراد الله فوق العرش مُشعِرُ الفؤاد أن الشمسَ والقمرَ والنجومَ قد كانت ساجدةً لله الحق مشهودا" (١).
ويلاحَظُ في هذه العبارة القصيرة ما يدل على ركاكة التأويلَ، ووضاعة التفكير، ورداءة التركيب واللغة، وتفاهةِ الأسلوب والنطق، وإتيانِ الكلمات المهمَلة التي لا علاقةَ لها بالمعنى.
° وأما كتابه الثاني الذي يُعِدّه بمنزلة القرآن وأفضلَ منه -عياذًا بالله- في الفصاحة والبلاغة والبيان، ويُعِدُّه معجزةً من معجزاته، ألَا وهو تفسير سورة الكوثر يقول فيه: "فانظر لطرفِ البَدءِ إلى ما أردتُ أرشحناك من آياتِ الختم إن كنتَ سكنتَ في الأرض إلاهوت، قرأت تلك السورة المباركة في البحر الأحدية وراءَ قلزم الجبروت، فأيقن كلُّ حروفها حرفٌ واحدة، وكلٌّ يغاير أنقاظها ومعانيها ترجع إلى لفظة واحدة؛ لأن هنالك المقامَ والفؤادَ ورتبةَ مشعِر التوحيد .. وإن ذلت هو الأكسير الأحمر الذي مَن مَلكَه يَملِكُ ملكَ الآخرة والأولى، فوربِّ السماوات والأرض لَم يعدل كلُّها كتبُ كاظم ﵇، وقبل أحمد صلوات الله عليه في معارف الإلهية،
стр. 509
والشؤونات القدسية، والمكفهرات الإفريدوسية بحرف، أنَّا إذا ألقيت إليك بإذن اللهِ فاعرفْ قَدْرها، واكتمها بمثل عينيك على أرض الجبروت، وتقرأُ تلك السورَ المباركةَ فاعرفْ في الكلمة الأولى من الألف ماءَ الإبداع، ثم من النون هواءَ الاختراع، ثم مَن الألف الظاهر ماءَ الإنشاء، ثم ركن المخزون المقدَّم لظهورِ الأركان الثلاثة حَرْفَ الغيب بعنصر التراب .. وإني لو أردتُ أن أُفضِّل حرفًا من ذلك البحر المواج الزَّاخر الأجاج، لَنَفِدَ المداد، وانكسر الأقلام لا نفاد لما ألهمني الله في معناه" (١).
° ويقول في حرف "الألف" مبينا ومفسِّرًا لكل جُزءِ من أجزائه في تفسير هذه السورة: "ثم الألفُ القائمةُ على كل نفس التي تعالت واستعالت، ونَطَقت واستنطقت، ودارت واستدارت، وأضاءت فاستضاءت، وأفادت واستفادت، وأقامت واستقامت، وأقالت واستقالت، وسُعِّرت واستسعرت، وتشهَّقت واستشهقت، وتصعَّقت واستصعقت، وتبلبلت واستبلبت، وإنَّ في الحينِ أَذِنَ الله لها فتلجلجت ثم فاستلجلجت، وتلألأت ثم فاستلألأت، وقالت بأعلى صوتها تلك شجرة مباركة طابت وطَهُرت، وزَكَت وعَلَت، نبتت بنفسها من نفسها لنفسها إلى نفسها" (٢).
وربِّي لا يتكلَّمُ بمثل هذا الكلام حتى المجانين والصبيان!.
أبهذه السخريةِ والأضحوكة يريدون أن يُضاهِئوا كلامَ الله المنزل من السماء رحمة للعالمين على الحبيب محمدٍ ﷺ وساطةِ الرّوح الأمين ﵇؟
стр. 510
وإن كانت المعجزاتُ مثلَ هذه الكلمات المهمَلة التافهة، فما كان للمعجزات معنًى ولا قيمة.
ويَعلم أهلُ العلم، وغيرُ أهل العلم أيضًا من العرب وأطفالهم
ونسائهم وشيبانهم أن المتفوِّهَ بمثل هذا الكلام لا يقال له "عاقل" دون العالم والبصير والمتفقه، ولا يمكنُ لطبيعةٍ عربية، وقريحةٍ مهذَّبةٍ أدبية، أن تَعُدَّه مقبولاً للسماع فضلاً عن الإِصغاء والانتباه.
وأكرِّر قولي -وأنا على ثقةٍ ويقين-: إن بلهاءَ العرب وسفهاءَهم، وحَمْقاهم ومجانينَهم لا يتكلَّمون بمثل هذا الكلام المهمَل الرديء الذي لا معنَى له ولا مفهوم أصلاً، وحتى لا يوجدَ فيه الرونقُ اللفظيُّ ولا الابتهاج السَّماعي، فلا لفظَ ولا معنى.
فهل هناك شك لشاكٍّ وريبٌ لمرتابٍ أن الشيرازي لم يكن إلاَّ الأفيوني الحشَّاش من الذين يُعمِيهم الأفيون، ويسلُب عقلَهم البِنج، ويُخِل بحواسِّهم الحشيش.
وهل يُتصور صدور مثل هذه الخرافات والهذيان من طالبٍ مستبصر، ودارس متنوِّرٍ دون مَن يدَّعي المَهدوية والنبوةَ والرسالةَ بل والربوبيةَ والألوهية؟.
ولقد كان الشيرازي أجهلَ المتنبئين، وأغبى الدجَّالين الكذابين، وأسفل السافلين من مدعي الألوهية والربوبية -وهي الغباوة والسفاهة- منذ اليوم الذي بدأ الكذّابون والدجَّالون يظهرون على وجهِ هذه البسيطة الغَبراء.
стр. 511
ويثير عَجَبي وحيرتي أناسٌ يعتقدون بمثل هذا البليد، ويؤمنون بمثل هذه السخافات، رجلاً سطحيَّ الثقافة، مُعوجَّ التفكير، جاهلاً عن قواعد اللغة ومعانيها، بعيدًا كلَّ البعدِ عن أساليب الكلام ومواقعه، وصياغةِ الجُمل والكلماتِ والحروف، كثيرَ الأخطاء واللحن، غيرَ عارفٍ مقتضياتِ العصر ومتطلَّباته، ويَزدادُ التعجُّبُ عندما نَسمعُ من مبلِّغيهم أو نقرأُ في كتبهم: "إن أكثر المؤمنين بالشيرازي في أولِ الأمر كانوا علماء، والملاَّ (١) حُسين البشروئي سمع تفسير سورة "يوسف" وآمن به، ولُقِّب بـ "أول من آمن" و"باب الباب"، والمُلاَّ يحيى الدارابي الملقب بـ "الوحيد" قرأ تفسير سورة "الكوثر" واعتنق دينه، والملاَّ حسين اليزدي الملقب بـ "كاتب الوحي" والمُلاَّ يحيى النوري الملقب بـ "صبح الأزل" والمُلاَّ محمد علي البرفروشي المقلب بـ "القدوس"، والمُلاَّ علي الزنجاني الملقب بـ الحُجة" والمُلا حسين علي المازندراني الملقب بـ "البهاء" وابنة المُلاَّ قرة العين الملقبة بـ "الطاهرة" وغيرهم.
ويدرَك من كلام الشيرازي، وقيمتِه ومقامه، مدى عِلم هؤلاء الجَهَلة المغرورين بألقابٍ فخمة، وأسماءٍ ضخمة، ويُدرَكُ حقيقتُهم وأصلُهم، فإن كان هؤلاء علماءَ فخلت الأرض من الجهل والسفه.
وما ندري عن الملا الدارابي جَذبه أيَّ شيءٍ من هذا التفسير الذي يسمونه تفسيراً حتى رَهَن نفسَه لإشارته، ودفعه إلى البابية إن كان عالمًا؟.
وأيةُ فصاحةٍ وبلاغة، وأيُّ جمال في قوله في "الألف": "وأقالت
стр. 512
واستقالت "أي الألف" وسُعِّرت واستسعرت، وتشهَّقت واستشهقت، ونَطقت واستنطقت، وتبلبلت واستبلبت، وإن في الحين إذنَ الله لها فتلجلجت ثم فاستلجلجت".
نعم هناك أناس علماءُ في اللغة، وفقهاءُ في الفهم والتعبير والمعنى، سمعوا من رسول الله ﷺ الصادق الأمين كلام ربه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِن شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [سورة الكوثر].
فاضطروا إلى القول: "ما هذا بكلام البشر".
نعم وإن هناك رجالاً هم أشدُّ أعداء الله ورسوله، وأكبر المعاندين والمخالفين للشريعة السماوية الإلهية، وألدُّ خصوم الإسلام ومَن جاء به، قالوا في كلام البارئ المتعال: "إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لَمُغدِق، وإن فَرْعَه لَجُناة" (١) -ولقد قال هذا الوليدُ بنُ المغيرة أحد سادة قريش-.
وحتى اليومَ مع مُضِيِّ أربعةَ عَشَرَ قرنًا على نزوله من لُدُنْ عليم خَبير لم يستطع كُفَّار الشرق والغرب أن يأتوا كتابًا مِثلَه في عُذوبةِ البيان ونُدْرةِ الخيال والتفكير، وقوَّةِ المنطق والبرهان، وسلامةِ الأسلوب، ورَوعةِ الخيال، وغزارةِ العلم والحكمة، وعَظمةِ الأحكام، ومُرونةِ الشريعة، وسلامةِ القواعد والأصول، ومتانةِ اللغة ورصانتها، وكرامةِ التعليم وشرافته، ولَبَاقةِ القولِ ولياقته، فما أعظمَه شأنًا، وما أعلاه مَقامًا، وما أجمَلَه، وما أحسَنه، وما أكملَه!.
يَزيدك وجهُه حُسنًا … إذا ما زِدتَه نَظرَا
стр. 513
فسبحانَ ذي المُلكِ والملكوت الذي أنزله هدايةً للبشر كافةً، وحُجةً على الخلق إلى يوم النشور: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذنبِ وَقَابِلِ التَوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطٌوْلِ لا إِلَهَ إلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) [غافر: ٢ - ٣].
وصَدَق اللهُ مولانا العظيم، ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرٌتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسيرٌ﴾ [الملك: ٣ - ٤].
° وأخيرًا نتكلَّمُ على كتابه "البيان" الذي يدَّعي فيه حُسينُ علي المازندراني البهاء "أنه هو كتاب العصر" كما قال في كتابه "الإِيقان" الذي ألفه ببغداد تأييدًا لأستاذه الشيرازي ودعاويه، وحمايةً له ولها كأحد المخلِصين له والمؤمنين به، قال فيه: "فمثلاً في عهد عيسى كان الإنجيل، وفي زمن موسى كانت التوارة، وفي عهد محمدٍ رسول الله كان القرآن، وفي هذا العصر البيان" (١).
° وقال فيه الشيرازي نفسه: "إن الله يبعثُ في كل زمان كتابًا وحُجةً للخَلق وفي سنة ١٢٧٠ هـ مِن بعثة محمد رسول الله أنزل الكتاب "البيان" وجَعل حجته ذات الحروف السبعة - ع ل ي م ح م د-" (٢).
° وأيضًا: "إنما البيان حُجّتنا على كل شيء، يَعجِزُ عن آياتِه كل العالَمين" (٣).
стр. 514
° وأيضا: "إن فَضلَ ما نزلنا عليك على ما نزلنا عليك من قبل، كفضل القرآن على الإنجيل" (١).
° وأيضًا: "قد نزَّلتُ "البيان" وجعلتُه حجةً من لدُنَّا على العالَمين، فيه ما لَم يكن له كُفْوَ ذلك آياتُ الله قلْ كل منها يعجِزون، فيه ما لم يكن له عَدلُ ذلك ما أنتم به تدَّعون، فيه ما لم يكن له شَبَهُ ذلك ما كنَّا فيه لمَفسرين، فيه ما لَم يكن له قرين ذلك جوهر العلم والحكمة أنتم به تجيبون، فيه ما لم يكن له مِثلُ ذلك ما ينطق به الفارسيون وأنتم في الواحد لتنظمون" (٢).
° وأكثر من ذلك: "فلتمحُوُنَّ كل ما كتبتم، ولَتستدِلُّنَ بـ "البيان" وما أنتم في ظِلِّه تُنشِئون" (٣).
° وقال: "لا يجوزُ التدريس في كتبٍ غير البيان، ولا تتعلمون إلاَّ بما نزل في البيان، أو ما ينشئُ فيه من علم الحروف وما يتفرعُّ على البيان .. ولا تتجاوزون عن حدودِ البيان فتحزنون" (٤).
° وأيضًا: "اعرفْ قُدرةَ ربِّك في الآيات، ثم اشهد ذِكرًا لا نهايةَ في كل شيء، ثم عَجْزَ الناسِ عما نزل في البيان، فإنَّ به يَثبُتُ ما تُريد" (٥).
هذا فلْنَرَ ما فيه من العجائبِ والغرائب، والمضحِكات والمُبكِيات من السخريات والتُّرَّهات.
стр. 515
° فيقول في هذا الكتاب -وبأسلوبٍ- لم يعرفْه العرب منذ ما خُلقوا، ولن يعرفوه إلى أبدِ الدهر عن غير هذا المنتحِل الكذاب، فيقول في بدايته: "وإنَّا قد فَرَضْنا في باب الأول -كذا- ما قد شَهِد الله على نفسِه -كذا- على أنه لا إلهَ إلاَّ هو ربُّ كل شيءٍ، وأن ما دونه خُلق له .. وأن ذاتَ حروفِ السبع -كذا- بابُ الله لمن في ملكوتِ السماوات والأَرَضين .. ثم كل بابٍ ذِكْرُ اسم حق -كذا- من لدُنَّا، وذكرُ أحدٍ من حروفِ الحيِّ بما رجعوا -كذا- إلى الحياة الأولى محمدٍ رسول الله -كذا- والذين هم شُهداءُ مِن عند الله ثم أبوابُ الهدى وخُلقوا في النشأة الأخرى -كذا- بما وَعَد اللهُ في القرآن إلى أن يظهرَ عدد الواحد، ذلك واحد الأول -كذا- من الواحد المعدد يذكر في شهرِ البهاء قد بدأنا ذلك الخَلق به ولنعيدَنَّ كلاًّ به وعدًا علينا" (١).
والعبارةُ غنية عن النقد والتبصرة، وناطقة بتفاهةِ عقل المتفوِّه بها وجهلِه بأبسط القواعدِ اللغوية وأسهلِها التي يعرفُها حتى الأطفالُ والصبيان.
ثم وماذا يقصدُ من هذا الكلام المبهَم المعقَّد الفضولي؟!.
° وهناك مُضحك أكثرَ وأكثرَ ومثيرُ السخرية والهُزْء، فانظره ماذا يقول وكيف يقول: "لا تسألُنَّ في أولاي ولا في أخراي -كذا- إلاَّ في كتاب، ولَتَعْلَمُنَّ كل واحدٍ في مسالككم -كذا- لعلكم تتأدَّبون .. قل إنه لشمس أم نجعلنكم وآثارَكم مرآتا -كذا- تَرَونْ فيها ما أنتم تحبُّون إذا أنتم بالحق تقابلون" (٢).
стр. 516
° وكذلك: "من ينشئُ كلماتا -كذا- لله، قلْ خُذْ لنفسك على أجذبِ خط -كذا- ثم تَهَبُ من تشاء، فإن ذلك قِسطاسُ حق مبين" (١).
وهل يُتصوَرُ من مبتدئٍ في تعلم اللغة العربية أن يلحن مثلَ هذا اللحنِ الفاحش؟!.
° ومِثُله كثيرٌ في هذا الكتابِ الذي يَعُدُه أفصحَ عبارةً من القرآن -عياذًا بالله- كقوله: "يا محمدُ معلَّمي، فلا تَضرِبْني قبل أن يمضيَ عليَّ خمسُ سنة -كذا- ولو بطرف عين" (٢).
° وأيضًا: "قل أنْ يا أولو الهدى -كذا- بهداي تهتدون" (٣).
° وأيضًا: "فلَتقرأُن آيةَ الأولى -كذا- إن أنتم تقدرون" (٤).
° "وأنتم في الرضوان خالدون، وإلا أنتم فانيون -كذا-" (٥).
° و: "قل إنما البيت ثلاثين -كذا- حرفًا، ذلك واحدُ الأول -كذا- أنتم بالله تسكنون .. أنتم في أرض بيتٍ حرٍّ تبنيون -كذا-" (٦).
° ويجتمع رداءةُ اللغة، وجهلُ القواعد النحوية، وضَعف التركيب، وقصور التعبير، والتعقيدُ اللفظي والمعنوي، والإبهام في كلمةٍ مختصرة في مقدمةِ "البيان العربي": "وإنا قد جعلنا أبوابَ ذلك الدينِ عدد "كل شيء"
стр. 517
عددُ الحَول، لكل يوم بابا -كذا- ليدخُلَن كل شيءٍ في جنةِ الأعلى -كذا- وليكونَن في كل عدد واحدٍ ذَكَر حرفٌ من حروف الأول -كذا- لله رب السماوات" (١).
° وبهذه المناسبة نذكرُ أيضًا جملة من "بيانه الفارسي" التي جاء فيها ببعض العبارت العربية فيقول: "لَم تَرَ عينُ الوجود بمثلِه لا من قبلُ ولا مِن بعد، ذلك اسم الألوهيةِ وطَلعةُ الربوبية -كذا- المستقرة في ظلِّ وِجهةِ الألوهية -كذا- والمستدلَّة على سلطان الوحدانية -كذا-، ولو علمت أن يذوقَنَّ كلُّ شيء حبَّه ما ذكرت ذكرنا؟ وإذا أنها لَمَّا لَم تسجد لها -كذا- خُلقت كينونتها بما هي فيها وعليها؟ وإلاَّ كما لَمَّا يذوقَنَّ -كذا- من حُبه نور في نور من نورٍ إلى نور يَهدي الله لنوره من يشاء ويرفعنَّ الله -كذا- لنوره من يريد أنه هو المبديء المعيد" (٢).
فهذه العبارةُ المشحونةُ بالأخطاء الفاحشة، والأغلاطِ الظاهرة الصريحة، والإبهام في المعنى والمقصود، وغموضِ الفكرة، وعدم المقدرة على التعبير لِمَا يريد تعبيرَه، والعبارةُ السابقة من مقدِّمة "البيان العربي" تعطي فكرةَ واضحة لعقلية الرجل وثقافته، وعن عدم معرفتهِ بقواعد اللغة وأسلوبِ البيان، غير الأدب الرفيع، وسموِّ المعاني، وقوةِ المنطق والفكر، ورزانةِ العقل، ومتانةِ الحِجَى، وإن تدل على شيء تدل على أن المتكلِّمَ بها والمتفوّهَ ليس إلاَّ رجلٌ جاهل صرف، وكان مسكينًا مستكينا خالطه
стр. 518
الوسواسُ ففعل أفعالَ المجانين، وتكلَم مثلَ كلامهم.
وهل هناك شيء أدلُّ على ما قلناه من قوله لَمَّا اعتُرض عليه في مثل هذه الأخطاء اللغوية والنحوية، وفي كثرةِ لحنِه وغلطِه مع ادعاءاته الكبيرةِ من الرسالة والنبوة والألوهية، والحال أن النبي والرسول، والإِلهَ والربَّ لا يخطيء ولا يلحن، وحاشا للهِ أن يَلْحَنَ هذا اللحنَ الفاحش؟!.
° أجاب بقوله المضحِكِ والمبكِي معًا، مزدرياً العقولَ التافهةَ السخيفةَ التي تؤمن بهذا المخبولِ المجنون المأفون، أجاب: "إن الحروفَ والكلماتِ كانت قد عُصمت، واقتَرفت خطيئةً في الزمن الأول، فعوقبت على خطيئتها بأنْ قيِّدت بسلاسل الإعراب، وحيث إن بَعثتنا جاءت رحمةً للعالمين فقد حَصَل العفو من جميع المذنبين والمخطئين حتى الحروف والكلمات، فأُطلقت من قَيدِها تذهبُ إلى حيث تشاء من وجه اللحن والغلط" (١).
° وأيضًا: "إن الله أجلُّ من الخضوع إلى هذه القواعدِ التي إنْ هي إلا صفات بشرية ونقص من نواقص الإنسانية" (٢).
° ومؤِّرخُ البهائية "عبد الحسين آواره" يذكر في كتابه: أن الباب (الشيرازي) قرأ الخُطبةَ بحضرةِ وليِّ العهد "ناصر الدين شاه القاجار" "بتِبريز"، وفي بداية الخطبة قال: "الحمد لله خلق السماواتَ والأرضين"، -ونَصَب التاء في "السماواتَ"-، فاعترض عليه وليُّ العهد -وهو ليس من علماء اللغة الغربية- قائلاً: إن تاء السماوات لا تكون إلا مكسورة في موقع
стр. 519
الجرِّ والنصب، واستشهد بابن مالك في "ألفيته":
وما بتاء وألف قد جُمِعا … يُكسَرُ في الجرِّ وفي النصب معا (١)
° فمن يقول للجهل المركَّب هذا: "إن كلامَ الله لا يكون إلا محكمًا بليغًا متقنًا وواضحًا جليًّا، يقفُ أمامه فطاحل الشعراءِ وأئمَةُ الفصحى والبلغاء مشدوهين متحيِّرين، ولا يَسَعُهم في ذلك المقام إلاَّ الإِظهارُ بالعجز وقصورِ الباع، ولقد كان نزول القرآن في عصرِ الفصحاء الذين كانوا لا يَعُدُّون أحدًا مقابلهم ومُنازِلهم في ميادين الفصاحة والبلاغة، وإتقانِ اللغة وإحكامِها مع السلاسة في الأسلوب، والدقَّةِ في التفكير، والروعةِ في التعبير، والجمالِ المنطقي، والحُسنِ المعنوي، والتصويرِ الفني، ورونقِ العبارة، وبهجةِ العلم، وبهاءِ المعرفة، فلما سمع هؤلاء كلامَ الله وفي لُغتهم وبَعْدَ التحدي: ﴿أَمْ يَقُولُون افْتَرَاة قُل فَأْتوا بِسْورةٍ مِّثلِهِ وَادْعوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِن دونِ اللهِ إِن كنتمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨].
وأيضًا: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَت الإِنسُ وَالجِن عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْل هَذَا الْقرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضهُمْ لِبَعَضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإِسراء: ٨٨].
ما استطاعوا مع هذه التحديات -ورَغْمَ المخالفاتِ والعِداءِ الشديدِ له وللذي نزل عليه- أن يأتوا ولو بآيةٍ لمنافسته ومعارضته.
وأما هذا الأعجميُّ الجهول، فلم يَستح من أن ينسِبَ هذا الكلامَ الملحونَ- المحشوَّ من الأغلاظ والأخطاءِ اللفظيةِ والمعنوية والخالي عن المقصد والمعنى، والمهمل المبهم الصبياني، والمثيرِ للهُزءِ والسخرية- إلى
стр. 520
الوحي والإلهام، وليس هذا فحسب، بل يَعُدُّه أفصحَ وأفضل من ذلك الكتابِ القيم المهيمن على كتب الأولين والآخرين!!.
° ولْنُلق نظرة أخرى على بيانه وأسلوب بيانِه والمقاصدِ التي يُضمنها، فيقول في الواحد العاشر: "إنما السابع، فلتبلُغن إلى مَن يُظهره اللهُ كلُّ نفس منكم بلَّوْر عطر ممتنع -كذا- رفيع -كذا- من عندِ نقطةِ البيان، ثم بين يدي الله تسجدون بأيديكم -كذا- لا بأيدي دونكم -كذا- وأنتم لا تستطيعون -كذا- فلا تسجدون إلاَّ على البلَّور -كذا- فيها من ذرَاتِ طين الأولى -كذا- والآخر -كذا- ذكراً من الله (يا الله!) في الكتاب لعلكم شيء -كذا- غيرُ محبوب لا تشهدون، فلَيَمْلِكُن من كل نفس -كذا- من أسباب بلور -كذا- ممتنع رفيع عدد الواحد -كذا- على قَدْرِ ما يتمكن" (١).
فهل تحتاجُ هذه الجملُ المتفككّةُ المتنافرة بعضها من بعض، والمفعمةُ من الأخطاء والأغلاط، والخارجةُ عن حدود اللغة العربية، قواعدِها وأصولِها، والباغيةُ على صاحبها ومتكلِّمها، والمهمَلُة الأطفاليةُ الصبيانيةُ، والمضحِكةُ الجنونية، إلى النقد والتبصرة؟!.
فهل لأولي الأبصارِ أن يعتبروا؟! وأولي الأحلام أن يتَّعظوا؟!.
° ومثل هذه العبارة عبارةٌ أخرى تجمعُ جميعَ السيئات في طياتها، وهي: "ولتأمرن كلَّ أرض -كذا- أن ينتظمون -كدا- بيوتَها وأسواقَها وأماكنَها -كذا- وتميز كل صِنف -كذا- في مقعده -كذا- عن الآخَرِ حيث لا يختلط اثنين -كذا- منهم إلا في مكانهما؟ وكلُّ صنف كانوا -كذا- في مكان
стр. 521
واحدٍ على أحسنِ نَظمٍ محوب، ولتأمرن أن يكونَ كل صنفٍ في خان، فإن ذلك أقربُ للنفع والتقوى -يا للتقوى- .. ولا تأمرُون ولا ترضيون -كذا-" (١).
° أهذا هو الكتابُ المقدَّس للبابية لمهديِّها الموعود، والقائم المُنتظَر، والنبي الأعظم، والرسول الأكبر من جميع الأنبياء والمرسلين؟! وقال فيه إلهُ البهائية حسين علي البهاء: "إنه لسلطان الرُّسُل، وكتابه "البيان" لأمُّ الكتاب" (٢).
بل وأكثرُ من ذلك، يعتقدون فيه "أنه إلهٌ ورب" كما أثبته بالأدلةِ الثابتة والبراهين القاطعة -حَسْبَ زعمه- المازندراني في كتاب "لوح ابن ذئب" و"الإيقان" وغيرهما.
فسبحان الله ذي العرش المجيد، الذي أظهر كَذِبَ الدجَّالين المُفتَرِين عليه ببهتان من كلامهم أنفسِهم.
ويا أسفَا على السَفْلةِ الذين يَجعلون مثلَ هؤلاء المهابيل والأفَّاكينَ رسلاً وآلهةً، ويظنون هذه الخزعبلاتِ والترَّهاتِ كلامَ الرب المتعال، تعالى الله عما يأفِكون.
وهل مِثلُ هذا المأفونِ المعتوهِ الذي لا يَقدِر على تعبيرِ ما يختلجُ في صدره وما يريدُ أداءه، ولا يعرفُ الفَرقَ بين "أن ينتظمون" و"أن ينتظِموا" وبين "كل أرض" وصيغتها، أو إعادة الضمير في "بيوتها وأسواقها
стр. 522
وأماكنها"، ولا يجدُ المقدرةَ على التعبير لقوله على حدِّه: ويستعملُ لها "مقعد" ولا يدركُ معناه، ولا يُفرق بين الفاعل والفعول في "لا يختلط اثنين"، وإعادة الضمير في "منهم"، ولا يشعر استعمال أداة الاستثناء في قوله: "إلا في مكانهما" ومواضع استعمالها، ولا يفرَقُ بين الأسماء والأفعال في "كل صنف كانوا في مكان"، ولا ينتبه لمعنى "النفع والتقوى"، حيث يجعلُهما مقارنًا لوضع الأصناف في مَحِلِّها، فأيُّ التقوى فيه؟!
ويجهلُ العمل لأداةِ الطلب والنهيَ في "لا تأمرون ولا تفعلون" وتصريف الأفعال في "لا ترضيون".
أوَ مِثل ذلك الجهولِ المفتري الكذابِ الدجَّال يريدُ منافسةَ القرآن كلام الله ربِّ العالمين؟!.
هذا مِن قِبَل الألفاظ والقواعد.
وأما من جهة المعاني، فهل مِثل هذا يكونُ كلام الله؟ معاذَ الله أن يكونَ كلامُه تلك الخرافاتِ والهذيانات.
فانظر كلامَ الله، ومعاذَ الله أن نُورِدَه للموازنة بتلك البذاءة والتفاهة، بل لتعطيرِ الأذهان، وتزكيةِ القلوب، وطهارةِ الأرواح بعد أدرانها وتلوُّثِها بتلك النجاسة الظاهرة والباطنة، ولانشراح الأنفس وابتهاجها بعدما انقبضت بسماع تلك المهمَلات والبَشِعات واشمئزازها.
* فيقول الله في كتابه الخالد الذي: ﴿لا يأتيه البَاطل مِن بين يًدَيه وَلا مِنْ خَلْفهِ﴾ [فصلت: ٤٢] يقول فيه: ﴿وَهذا كتَاب أَنزَلنَاه مبَارَك مصدق الذي بين يَدَيْهِ وَلتُنذرَ أُمَّ القُرَى ومًنْ حوْلها وَالَّذِينَ يُؤمنون بالآخرة
стр. 523
يؤمِنُون به وهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافظُونَ (٩٢) وَمَنْ أَظلَمُ مِمنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كذِبًا أَو قَال أوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شيْءٌ ومَن قالَ سَأُنزِلُ مثلَ مَا أنزَلَ اللهُ وَلوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ والْمَلائِكَة بَاسِطُوا أَيدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَق وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٢ - ٩٣].
وصدق الله مولانا العظيم.
ولْنُعِرْ الانتباهَ أنَّ النبي والرسولَ لا يتكلَّم بكلام إلا لِيَفهمَه السامعون والحاضرون، وإنْ لَم يفهموه -أو لا يكون ذلك الكلام قابلاً للفهم-، فما الفائدة بالتكلم به والتلفظ؟!.
* وإليه أشار الله في كلامه المجيد: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَان قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إِبراهيم: ٤].
* وقال تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلنا عَلَيكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِن فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكرَى لقِوْمٍ يُؤْمِنُون﴾ [العنكبوت: ٥١].
فكلامُ الله يَنزِلُ لهدايةِ البشر، والهداية لا تتأتَّى إلا بعد فَهمِه وإدراكِ مطالبِه، ولكنَّ الأمورَ منعكسةٌ عند الشيرازي تمامًا، فالكتابان اللذان يَعُدُّهما معجزةً من معجزاته منافستَينِ للقرآن في الفصاحة والبلاغة والمتفِّوقتين عليه من حيث المعاني والمطالب هما "تفسير سورة الكوثر" و"البيان" وكلاهما في اللغة العربية غيرُ لغة القوم، قومه.
ولَم يختَر هذه اللغةَ إلا لجهل الإِيرانيين بها وإرعابهم وتهديدهم بغزارةِ علمِه وكثرةِ فهمه، ونفاذِ بصيرته، وإظهارِ تفوُّقِه عليهم، وتغطيةَ
стр. 524
على عيوبه، وجهلِه، ونقصِه، حيث أكثرُهم لا يدرِكون ماذا يقول؟ وكيف يقول؟ ومِن أين يقول؟.
لأنه لو قال في الفارسية ما قاله في العربية لَعَرف القوم الحقيقةَ من الجهل البادئ المتدفق من كلامه الضئيل الضعيف، ولذلك كلَّما تكلَّم في مجلس في لغته -أي الفارسية- أُدرك وأُفحم، ثم لم يَجِدِ النجاةَ إلا في السكوت والصمت، وأما في العربية، فأطلق عنانا يذهبُ أينما يشاء، ويروحُ أينما يريدُ، لا القوم ترتعدُ عند سماع الفقرات الفخمة المكبرة "لا إله إلا هو البهي البهي، لا إله إلا هو هو المبتهي، ولله بهي بهيان بهاء السماوات والأرض" (١).
فكان السُّذُّجُ من الناس والأعاجم يَسمعون هذه الكلماتِ المُهمَلة في ملبوس عربي، وُيعظِّمونها متوهَمين أنها تدل على جلالةِ قَدْرِ المتكلِّم، غيرَ عارفين أنْ لا معنى لها على الإطلاق، وليست إلا صنيعةَ الماكرِ الخدَّاع الكذوب الهارب من مواجهة الحقيقة، والمتستِّر والمتقنِّع بسِتارِ الباطل وقناع الزور.
° وخيرُ دليل على ما قلنا: إن البهائيين -وَرَثَةَ الباب- يكتمون كُتب الباب ويمحونها إنْ وَجَدوها خوفَ الفضيحة والذلة، وشَهِد بذلك أكبر المحبِّين لهم من المستشرقين، برفسور "براؤن" في "مقدمة نقطة حرف ك" وكتبِه الأخرى عنهم -كما ذكرنا سابقًا-، وحتى الآن لَم يَطبع البهائيون والبابيون كتابا واحدا من كتب الشيرازي ومؤلفاته.
стр. 525
° ولله درّ من قال: "إن أقوى الدليل على صِدقِ رجل وكَذِبِهِ هو
كلامُه".
وشاء الله أن يُذِلَّ هذا الدجال المفتري على الله ببهتان مرَّةً أخرى، وبعد أن ادَّعى هذه الدعاوَى الكبيرةَ والمزاعمَ الفارغة الكاذبة.
* توبته مرةً ثانية:
ويذكر المؤرِّخون أن الأنباء عن هذا المؤتمر وصلت إلى مسامع الحكومة، فأمرت بنقل الشيرازي من قلعة "ماه كو" إلى قلعة "جهريق"، وفي أثناء السفر مرُّوا "بتِبريز"، ومكثوا فيها أيامًا جرى فيها نِقاش مشهور بين العلماء وهذا الدجَّال بحضرةِ ولي العهد "ناصر الدين شاه القاجاري"، "ضُرب بعدَه ثماني عشْرةَ ضربةً في رجليه" (١).
اللهم إلا أنه اضطرب بالضربات هذه، ورجع إلى الصواب، وقدَّم الاعتذارَ والمعذرةَ عن دعاوِيه، وتاب مرةً أخرى عن النبوة والمَهْدَوِيَّة والقائمية وغيرها.
* وثيقة توبته التاريخية:
وأثبت البروفسور "براؤن" المُوالي للبابية ورَاوِيتُهم في الغرب توبتَه هذه بوثيقتين تاريخيتين، وإبقاءً على تلك الوثيقتين التاريخيتين نُورِدُ واحدةً منها بنصِّهما وترجمتِها من الفارسيَة حرفيًّا.
° فلقد كَتب الشيرازي علي محمد إلى وليِّ العهد ناصر الدين شاه ما نصه: "فداك روحي، الحمدُ لله كما هو أهلُه ومستحقُّه، فالحمدُ لله الذي
стр. 526
يحيطُ كافةَ عبادِه بظهوراتِ فضله ورحمتهِ، ثم الحمد لله أنه جَعَلك يُنبوعَ الرأفة والرحمة، وعَطوفًا على المجرمين، ورحيمًا على العصاة المذنبين، أُشهِدُ الله أنه لَم يكن لهذا العبدِ الضعيف -الذي وجودُه الذنبُ المحضُ -أيُّ قصدٍ خلافَ رضا الله وأهل ولايته، وبما أن قلبي موقِنٌ بوحدانية الله ونبوَّةِ رسوله وولايةِ أهل الولاية، ولساني مُقِرٌّ بكل ما نزل مِن عند الله أرجو رحمته، ولَم أُرِدْ مخالفةَ الحقِّ مطلقًا -وإن صَدَر عني وعن قَلَمي كلماتٌ تخالف الحقَّ-، فلم يكن قصدي المعصية، ففي كلِّ الأحوال أنا مستغفر وتائبٌ، وأنه ليس لي أيُّ ادعاءٍ وزَعْم، وأستغفرُ اللهَ ربي وأتوبُ إليه من أن يُنسَبَ إليَّ أمر، وأما بعضُ الكلمات أو المناجاة التي جَرَت من لساني لا تدلُّ على أيِّ شيء، وأنا لا أدَّعي لا النيابة عن حضرة "المَهديِّ" وغير النيابة، ولن أدعيَ أيضًا، وأنا أرجو من ألطافِ حضرةِ الشاهنشاه وحضرتِكم أن تجعلوني مَوْرِدَ ألطافِكم ورأفتِكم ورحمتِكم، والسلام" (١).
فهذه حقيقةُ المفتري الدجَّال، ولكنَّ افتراءآته لم تكن مقصورةً إلى هذا الحد -ولا حدَّ للجنون-، فإنه بعد هذه الفضائح والويلات والصرخات ارتقى مرةً أخرى إلى درجةٍ أخرى، ولَم تكن تلك الدرجةُ بعد ادِّعائه النبوة والرسالة إلاَّ درجةً واحدةً وهي الربوبية والألوهية.
* دعواه الألوهيَّة والربوبيَّة:
فاعتلى منْبرَها، ومَن كان يمنعه عن ذلك ما دام لم يَمتنع مع التوبات
стр. 527
والرجوعات عن النبوة والمهدوية؟! وما دامت البقيةُ الباقيةُ من الباطنية والهمجيةِ الشيعيةِ موجودة في حواليه وحوله، فالقومُ منهم مَن كان يؤلِّه "عليًّا"، ومنهم مَن يجعل "الحاكمَ" ربًّا وغيرَه -كما مر بالتفصيل-.
فهل يُستبعد مِن أولئك الأنعام من الناس الذي اتخذوه نبيا ورسولا ونَسَخوا بخرافاته وهفواته القرآن المجيد، أنْ لا يجعلوه ربًّا ينصرهم وهو خَذلان، ويَسقيهم وهو عطشان، ويَهديهم وهو حَيران في تِيهِ الضلالة وسكران؟!.
وما دام تجلَت فيه رُوحُ باب المهدي أولاً، ورُوحُ المهديِّ ثانيًا، ثم روح عليٍّ، وروحُ النبي الأُمي أخيرًا، فلم لا تتجلَّى فيه روحُ الله نفسه؟!.
° فلم يَكًدْ أن يُرمى في غياهب قلعة "جهريق" إلا وقد اكتملت ألوهيَّته وانتضجت ربوبيتُه، وبدأ يقول: "كنتُ في يوم نوح نوحًا، وفي يوم إبراهيم إبراهيم .. " إلى آخر ما ذكرناه قبل ذلك قريبًا.
° وأيضا: "أنا قيُّومُ الأسماء، مَضىَ من ظُهوري ما مضى، وصَبَرت حتى يُمَحَّصَ الكلُّ ولا يَبقى إلاَّ وجهي، وأعلمُ بأنه لست أنا، بل أنا مرآة فإنه لا يُرى فيَّ إلاَّ الله" (١).
° وقال عنه بروكلمان: "وبينْا لَم يرغب أولَ الأمر إلاَّ أن يعتبر الإِمام المهدي .. فإننا نجدُه يدعو نفسَه بعد ذلك "المرآة" التي يستطيع المؤمنون أن يشاهدوا بها الله نفسه" (٢).
стр. 528
° وعلى ذلك الأساس ولقوله بأنَّ: "أرفعَ المراتبِ الحقيقيةِ الإِلهيةِ حَلَّت في شَخصه حُلولاً ماديًّا وجسمانيا" (١).
° كتب وصيته إلى المرزة يحيى "صبح الأزل" كالرب والإله، ووصيُّ الرب والإلهِ لا يكونُ إلا إلها، فهو رب أيضًا. وهذا نصُّ الوصية بألفاظها العربية نَقَلها بروفسور "براؤن" في مقدمة "نقطة الكاف": "الله أكبر تكبيرًا كبيراً، هذا كتابٌ من عند الله المهيمنِ القيوم، قلْ كلٌّ من الله مبدَؤون، قلْ كلٌّ إلى الله يعودون، هذا كتاب مِن عليٍّ قبل نبيل (٢). ذِكرُ الله للعالمين إلى مَن يَعدِلُ اسمُه اسمَ الوحيد (٣)، ذِكرُ الله للعالَمين، قلْ كلٌّ مِن نقطةِ البيان ليبدؤون أنْ يا اسمَه الوحيد فاحفظْ ما نزل في البيان وأمُرْ به، فإنك لَصراطُ حق عظيم" (٤).
وكان البابيون يسمُونه "الرب" كما ورد عدةَ مراتٍ في كتاب التاريخ البابي "نقطة الكاف"، وفي غيره "حضرة الرب الأعلى" (٥).
وحُسين علي البهاء أيضًا كان يسميه "الرب والإله"، وكان يستدلُّ من الآية القرآنية على ألوهيته: ﴿إِلاَّ أَن يَأْتيَهُمُ اللهُ في ظُلَلٍ منَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وقضِيَ الأَمرُ﴾ كما كان يطلق عليه اسم "مالك الغيب والشهود" (٦).
стр. 529
° وذُكر في "دائرة المعارف للأديان والمذاهب": "أن البابيين كانوا يعتقدون في الشيرازي الربوبيةَ، ويخاطبونه بحضرة الربِّ الأعلى .. ويَظهرُ أيضًا من بيانه وما كَتب عنه المِرزة الكاشاني أنه كان فائزًا على مقام الأُلوهية ومرتبته" (١).
° ويقول داعيةُ البهائيين "أبو الفضل الجلبائيجاني" في مقدمة كتابه "الفرائد": "نحن لا نعتقدُ في المِرزة علي محمد الباب إلاَّ أنه ربٌّ وإله" (٢).
فهذه هي القصةُ بكاملها، بدأت من الشوقِ إلى رؤية المهدي المنتظَرِ الموعود الغائب الموهوم بناءً على الأساطير البالية القديمة، وانتهت من البابية إلى المهدوية، ومِن المهدوية إلى المسيحية، وإلى النبوة المستقلة، ثم أخيرًا إلى الألوهية والربوبية.
* شريعةُ البابية الناسخةُ للشريعة الإِسلامية -كما يزعم الدَّجالون -:
° تقول البابيةُ بلسانِ مؤسِّسها وبانيها الشيرازي، وفي أقدس كتاب لها "البيان" الذي قيل فيه: "إنه ناسخٌ للقرآن، وإن الله كان ولا يزال، وفي كلِّ زمانٍ يُقدِّر اللهُ كتابًا وحُجَّةً لِخَلْقِه، وفي سنة ١٢٧٠ هـ بعد بَعثةِ محمدٍ رسول الله قَرَّر اللهُ أن يكونَ كتابُه "البيان" وحُجّتَه على محمد" (٣).
° والذي قال فيه: "وإذا قال محمدٌ: "يعجِزُ البشر عن الإتيان بسورةٍ
стр. 530
من سور القرآن"، فأنا أقول: يعجِزُ البشرُ عن الإِتيان بحرفٍ مثل حروف قرآني" (١).
° يقول الشيرازي على محمد الباب: "قد فُرض على كُلِّ مَلَك يُبعث في دين "البيان" أن لا يجعلَ أحد -كذا!! - على أرض ممن لم يَدِن بذلك الدين، وكذلك فُرِض على الناس كلِّهم أجمعون -كذا- إلاَّ مَن يتَّجِرُ تجارةً ينتفع به -كذا- الناس" (٢).
° ولقد أقر بهذا "عباس أفندي بن حسين المازندراني" في مكاتيبه: أن الباب والبابيين كانوا يأمرون بقَتل جميع مَن لا يعتنقُ البابية، فيقول: "وفي يوم ظهور حضرة الأعلى كان منطوقُ البيان ضربُ الأعناق، وحَرقُ الكتب والأوراق، وهَدْمُ البقاع، وقتلُ الجميع إلاَّ مَن آمن به وصَدَّقه" (٣).
* أين هذا مِن قول الله تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكونُوا مؤْمنينَ﴾ [يونس: ٩٩].
° ليس هذا، بل وزيادةً على ذلك أَمَرَ هذا المأفونُ المجهولُ بمحوِ كل الكتب المقدسة "فلَتَمْحُوُنَّ كلَّ ما كتبتم، ولَتْستَدِلُّنُ بالبيان وما أنتم في ظِلِّه تنشأون" (٤).
° ويدَّعي هذا الكافرُ أن اللهَ ليس هو خالقَ كل شيءٍ، بل الخالقُ