° "ثم إن النظام -مع ضلالاته التي حكيناها عنه- طَعَن في أخيار الصحابة والتابعين من أجل فتاويهم بالاجتهاد، فذكر الجاحظُ عنه في كتاب "المعارف" وفي كتابه المعروف بـ "الفتيا" أنه عَابَ أصحابَ الحديث ورواياتِهم أحاديثَ أبي هريرة ﵁، وزَعم أن أبا هريرة كان أكْذَبَ الناسِ، وطَعَن في الفاروق عمر ﵁، وزعمِ أنه شكَّ يوم الحُدَيْبية في دينه، وشكَّ يومَ وفاةِ النبي ﷺ ، وأنه كان فيمن نفَر بالنبي ﷺ ليلةَ العقبة، وأنه ضَرَب فاطمة، ومَنَع ميراث العِترة، وأنكر عليه تغريبَ نَصْرِ بنِ الحجاج من المدينة إلى البصرة، وزعم أنه ابتدع صلاة "التراويح"، ونهى عن مُتْعَة الحج، وحرَّم نكاح الموالي للعربيات.
وعاب عثمانَ ﵁ بإيوائه الحكَمَ بنَ العاص إلى المدينة واستعمالِه الوليدَ بنَ عُقْبةَ على الكوفة حتي صَلَّى بالناس وهو سكران.
وعابه بأن أعان سعيدَ بنَ العاص بأربعين ألف درهم على نكاح عَقَده، وزعم أنه استأثر بالحِمى.
ثم ذكر عليًّا ﵁، وزعم أنه سُئِل عن بَقرةٍ قَتلت حمارًا، فقال: "أقول فيها برأيي"، ثم قال بجهله: "مَنْ هو حتى يَقضيَ برأيه؟ ".
وعاب ابنَ مسعود ﵁ في قوله في حديث تزويج بِرْوَعِ بنتِ واشق: "أقول فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله ، وإن كان خطأ فمني".
وكذَّبه في روايته عن النبي ﵇ أنه قال: "السعيدُ مَنْ سَعد في بطن أمه، والشقِيَّ مَن شَقِيَ في بطنِ أْمْه".
وكذَّبهْ أيضًا في روْايته انشقاقَ القمر، وفي رُؤْية الجنِّ ليلة الجن.
стр. 632
* فهذا قولُه في أخيار الصحابة وفي أهل بَيْعَةِ الرضوان الذين أنزل الله تعالى فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا في قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨].
ومَنْ غَضِب على من ﵁ فهو المغضوبُ عليه دونه.
ثم إنه قال في كتابه: "إن الذين حَكموا بالرأي من الصحابة إمَّا أن يكونوا قد ظَنُّوا أن ذلك جائزٌ لهم، وجَهِلوا تحريمَ الحكم بالرأي في الفتيا عليهم .. وإما أنهم أرادوا أن يُذْكَرُوا بالخلاف وأن يكونوا رؤساءَ في المذاهب، فاختاروا لذلك القولَ بالرأي".
فنَسَبهم إلى إيثارِ الهوى على الدين، وما للصحابة ﵃ عند هذا الملحدِ الفرِيِّ (١) ذنبٌ غيرُ أنهم كانوا موحدِينَ لا يقولون بكفرِ القَدَريَّة الذين ادعَوْا مع الله تعالى خالِقِينَ كثيرين.
وإنما أنكر على ابن مسعود روايته: "إن السعيد مَن سَعِد في بطنِ أُمِّه، والشقيَّ مَن شَقِيَ في بطنِ أمه"؟ لأن هذا خلافُ قول القَدريَّةِ في دعواها في السعادة والشقاوة، ليستأمنَ قضاءَ الله وقَدَرَه.
وأما إنكارُه انشقاقَ القمر، فإنما كَره منه ثبوتَ معجزةٍ لنبينا ﷺ ، كما أنكر معجزتَه في نظم القرآن، فإن كان أحال انشقاقَ القمرِ -مع ذِكرِ الله ذلك في القرآن مع قوله مِن طريق العقل-، فقد زَعَم أن جامعَ أجزاءِ القمر لا يُقْدَرُ على تفريقها، وإن أجاز انشقاقَ القمر في القُدْرة والإمكان، فما الذي أوجب كَذبَ ابنِ مسعود في روايته انشقاقَ القمر مع ذِكرِ الله -عز
стр. 633
وجل- ذلك في القرآن في قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢]؟! فقول النظَّام بأن انشقاقَ القمرِ لم يكن أصلاً، شرٌّ من قول المشركين الذين قالوا لما رأوا انشقاقه: "إن ذلك واقع بسِحر"، ومنكِرُ وجودِ المعجزة شرٌّ ممن تأولهَا على غيرِ وجهها.
وأما إنكارُه رؤيَةَ الجن أصلاً، فيلزمه أن لا يَرى بعضُ الجن بعضًا، وإن أجاز رؤيتَهم، فما الذي أوجب تكذيبَ ابنِ مسعود في دعواه رؤيتَهم؟.
ثم إن النظَّام -مع ما حكيناه من ضلالاته- كان أفْسَقَ خلقِ الله ، وأجْرَأَهم على الذنوب العِظام، وعلى إدْمانِ شرب المُسكِر، وقد ذكر عبدُ الله بن مُسْلم بن قتيبة ﵀ في كتاب "مختلف الحديث" أن النظَّام كان يغدو على مُسكر، ويروحُ على مسكر، وأنشد قوله في الخمر:
ما زلتُ آخُذُ رُوحَ الزقِّ في لُطفٍ … وأسْتَبِيحُ دَمًا مِنْ غَيْرِ مَذْبُوحِ
حَتَّى انْتَشَيْتُ وَلِي رُوحَانِ في بَدَنٍ … وَالزِّق مُطَّرحٌ جِسْم بِلَا رُوحِ
ومَثَلُه في طعنِه على أخيارِ الصحابة -معِ بدعتِه في أقواله وضلالته في أفعاله-، كما قيل في الأمثال السائرة: "إن منْ كان في دينه ذَميمًا، وفي أصله لئيمًا، لم يترك لنفسه عارًا يُتَّهمُ به إلاَّ نَحَلَه كريمًا، واستباح به حريمًا"، وهل يَضُرُّ السحابَ نُبَاحُ الكلاب؟ وكما لا يضرُّ السحابَ نباحُ الكلاب، كذلك لا يضر الأبرارَ ذمُّ الأشرار، وما مَثَله في طعنه على أخيار الصحابة -مع بدعته وضلالته- إلاَّ كما قال حسان بن ثابت:
مَا أُبالِي أنَبَّ بِالحزنِ تَيْسٌ … أمْ لحَانِي بِظَهْرِ غَيْبٍ لَئِيمُ
стр. 634
° وقال غيرهُ (١):
مَا ضَرَّ تَغْلِبَ وَائلٍ أَهَجَوْتَهَا … أمْ بُلتَ حَيْثُ تَنَاطَحَ البَحْرَانِ" (٢)
° وصَدَق:
هل يَضُرُّ البحرَ أمسى زاخرًا … أنْ رَمَى فيه غلامٌ بحَجَرْ
لعن اللهُ مَن أنكر المعجزات، وطعَنَ في الصحابةِ الأبرار.
* أبو هاشم الجُبَّائي:
هو أبو هاشم، عبدُ السلام بنُ محمدِ بنِ عبد الوهاب، الجُبائي شيخُ المعتزلة "البهشِميَّة"، ويُقال لهم "الذَّمِّية" لقولهم باستحقاقِ الذَّمِّ لا على فِعل، وقد شاركوا المعتزلةَ في أكثرِ ضلالاتها، وانفردوا عنهم بفضائحَ لم يُسبَقُوا إليها.
وقد كفره سائرُ المعتزله لمواضعَ ثلاثةٍ عنده:
أحدها: قولُه باستحقاق الذمِّ والعقاب لا على فعل.
والثاني: استحقائقُ قِسْطيْنِ من العذاب إذا تغيَّر تغيرًا قبيحًا، أحدهما: للقبيح الذي فعله، والثاني: لأنه لم يَفعل الحسنَ الذي أُمِر به.
والثالث: قوله: إنه لو تغير تغيرًا حَسَنًا وأطاع بمثلِ طاعةِ الأنبياء ﵈، ولم يفعل شيئًا واحدًا ممَّا أمَره اللهُ تعالى به ولا ضِدَّه، لاستحقَّ الخلودَ في النار (٣).
стр. 635
° قال ابن حزم: "وكان أبو هاشم أيضًا يقول: إنه لو طال عُمُرُ المسلمِ المحسنِ، لَجاز أن يَعملَ من الحسناتِ والخيرِ أكثرَ ممَّا عَمِل النبيُّ ﷺ .
° قال أبو محمد: لا واللهِ ولا كرامة، ولو عُمِّر أحدُنا الدهرَ كلَّه في طاعاتٍ متَّصلةٍ ما وازى عملَ امرئٍ صَحِبَ رسولَ الله ﷺ -من غير المنافقين والكافرين المجاهرين- ساعةً فما فوقها، مع قوله ﷺ : "إنه لو كان لأحدنا مثلُ أُحُد ذهبًا فأنفَقَه، ما بَلَغ مُد أحدِهم ولا نَصِيفه" (١) .. فمتى يطمعُ ذو عقل أن يُدرِك أحدًا من الصحابة مع هذا البون الممتنع إدراكُه قطعًا؟ " (٢).
ولقد كفَّره أبو محمد بنُ حزم في "الفِصَل" (٣).
° قال عبد القاهر البغدادي: "وكان أبو هاشم -مع إفراطِه في الوعيد- أفْسَقَ أهل زمانه، وكانَ مُصِرًّا على شُربِ الخمر، وقيل: إنه مات في سكْرِه، حتى قال فيه بعض المُرْجِئِة:
يَعِيبُ القولَ بالإرْجَاءِ حَتَّى … يَرَى بعضَ الرَّجاءِ من الجَرَائرْ
وأعظمُ مِن ذَوِي الإرجاءِ جُرْمًا … وعِيدِيٌّ أصَرَّ على الكبائرْ (٤)
* ثُمامةُ بنُ الأشرس النُّميريُّ المعتزليُّ القَدَريُّ:
° هو أبو مَعنٍ -ويُقال أبو بِشْر-، ثمامةُ بنُ الأشرس النُّميريُّ، من
стр. 636
مواليهم، وهو شيخُ "الثمامِيَّة"، "وكان زعيمَ القدرية في زمانِ المأمون والمعتصم والواثق، وقيل: إنه هو الذي أَغْوَى المأمونَ بأَنْ دعاه إلى الاعتزال.
° وانفرد عن سائرِ أسلاف المعتزلة ببدعتين أكْفَرَتْه الأُمةُ كلُّها فيهما:
إحداهما: أنه -لَمَّا شارَكه أصحاب المعارف في دعواهم أن المعارف ضروريةٌ- زعم أن مَنْ لم يضطرَّه اللهُ إلى معرفتِه لم يكن مأمورًا بالمعرفة ولا منهيًّا عن الكفر، وكان مخلوقًا للسُّخْرة والاعتبارِ فحسب، كسائر الحيواناتِ التي ليست بمكلفة.
وزَعم لأجلِ ذلك أن عَوَامَّ الدهريةِ والنصارى والزنادقة يَصيرون في الآخرة ترابًا.
وزعم أن الآخرةَ إنما هي دارُ ثوابٍ أو عقابٍ، وليس فيها لمن ماتَ طفلاً ولا لَمِن لا يعرفُ اللهَ تعالى بالضرورة طاعةٌ يستحقُّون بها ثوابًا، ولا معصيةٌ يستحقون عليها عقابًا؛ فيصيرون حينئذٍ ترابًا؛ إذ لم يكن لهم حظٌّ في ثوابٍ ولا عقاب.
والبدعة الثانية من بدع ثمَامة: قوله بأن الأفعالَ المتولِّدةَ أفعالٌ لا فاعلَ لها .. وهذه الضلالةُ تجرُّ إلى إنكارِ صانعِ العالَم؛ لأنه لو صحَّ وجودُ فعلٍ بلا فاعل، لَصحَّ وجود كل فعلٍ بلا فاعل، ولم يكن حينئذٍ في الأفعال دلالةٌ على فاعلها، ولا كان في حدوثِ العالم دلالةٌ على صانعه، كما لو أجاز إنسانٌ وجودَ كتابةٍ لا من كاتب، ووجودَ مبنيٍّ أو منسوخٍ لا من بانٍ أو ناسخ.
ويقال له: إذا كان كلامُ الإنسان عندكْ متولِّدًا ولا فاعلَ له عندك، فلِمَ
стр. 637
تَلُومُ الإنسانَ على كَذِبه وعلى كَلِمةِ الكفر؟ وهو عندك غيرُ فاعلٍ للكذب ولا لكلمةِ الكفر؟.
ومن فضائح ثمامةَ أيضًا: أنه كان يقول في دارِ الإسلام: "إنها دارُ شِرك"، وكان يحرِّم السَّبي؛ لأنَّ المسبِي عنده ما عَصى ربَّه إذ لم يعرِفْه، وإنما العاصي عنده مَن عَرَف ربه بالضرورة ثم جَحَده أو عصاه.
وفي هذا إقرارٌ منه على نفسه بأنه ولد زنى؛ لأنه كان من الموالي، وكانت أمه مسبيةً، ووَطء مَن لا يجوزُ سبيُها على حُكم السبيِ الحرام زنى، والمولود منه ولدُ زنى .. فبدعةُ ثمامةَ على هذا التقديرِ لائقةٌ بنَسَبه.
° وقد حكى أصحابُ التواريخ عن سخافة ثمامة ومُجونه أمورًا عجيبة:
منها: ما ذكره عبدُ الله بن مسلم بن قتيبة في كتاب "مختلف الحديث"، ذَكَر فيه أن ثمامةَ بنَ أشرس رأى الناسَ يومَ جُمعةٍ يتعادَوْنَ إلى المسجد الجامع لِخَوفهم فَوْتَ الصلاة، فقال لرفيقٍ له: "انظر إلى هؤلاء الحَمير والبقر! "، ثم قال: "ماذا صنع ذاك العربيُّ بالناس؟ " .. يعني: رسول الله ﷺ (١).
° "وذكر الجاحظُ أيضًا أن غلامَ ثُمَامةَ قال يومًا لثمامة: "قُمْ صَلِّ"، فتغافَل، فقال له: "قد ضاق الوقت، فقم وصَلِّ واسترح"، فقال: "أنا مستريحٌ إِن تركتَني".
وذكر صاحب "تاريخ المَرَاوزة" أن ثمامةَ بنَ أشرس سَعى إلى الواثق بأحمدَ بنِ نصرٍ المَرْوَزيَ، وذَكَر له أنه يُكفر من يُنكرُ رؤيةَ اللهِ تعالى، ومَن
стр. 638
يقول بخَلق القرآن، فاعتصَمَ المعتصِمُ ببدعةِ القدريَّة فقتله (١)، ثم نَدِمَ على قتلِه، وعاتَبَ ثمامة، وابن أبي دُواد، وابنَ الزيات في ذلك، وكانوا أشاروا عليه بقتله.
° فقال له ابنُ الزيَّات: "وإن لم يكن قتلُه صوابًا، فقَتَلني اللهُ بين الماء والنار".
° وقال ابن أبي دُؤَاد: "حَبَسَني الله في جِلْدِي إن لم يكن قتلُه صَوَابًا".
° وقال ثمامة: "سَلَّط اللهُ تعالى عَليَّ السيوفَ إن لم تكن أنتَ مصيبًا في قتله".
فاستجاب الله تعالى دعاءَ كلِّ واحدٍ منهم في نفسه:
أمَّا ابنُ الزيَّات، فإنه دخل في الحمَّام وسَقَط في أتونه، فمات بين الماء والنار (٢).
وأمَّا ابنُ أبي دُوَاد، فإن المتوكِّلَ ﵀ حَبَسه، فأصابه في حبسه الفالجُ، فبَقِيَ في جلده محبوسًا بالفالج إلى أن مات.
وأما ثمامةُ، فإنه خرج إلى مكة، فرآه الخزاعيُّون بين الصفا والمروة، فنادى رجلٌ منهم فقال: "يا آلَ خُزَاعة، هذا الذي سَعى بصاحبكم أحمدَ بنِ نصر، وسعى في دمِهِ" .. فاجتمع عليه بنو خزاعة بسيوفهم حتى قتلوه، ثم أخرجوا جِيفتَه من الحرَم فأكلته السِّباع خارجًا من الحرم، فكان كما قال الله
стр. 639
تعالى: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ [الطلاق: ٩] ".
* يَزيدُ بنُ أبي أُنيسةَ الخارجيُّ، زعيم اليَزيدية من الخوارج:
° في "الملل والنحل" وفي "مقالات الإسلاميين"، وفي "أصول الدين" لعبد القاهر البغدادي: "يزيدُ بن أُنَيْسَة"، وفي "الفَرق بين الفِرق": "يزيد بن أبي أُنيسَة الخارجيُّ"، وتُنسَب إليه "اليزيديَّة" من الخوارج الخارجة عن فِرَق الإسلام، "وكان من البصرة، ثم انتقل إلى "جُورَ" من أرض فارس، وكان على رأي الإباضيَّة من الخوارج، ثم إنه خرج عن قولِ جميعِ الأمة؛ لدعواه أن الله يبعث رسولاً من العَجَم، ويُنْزِل عليه كتابًا من السماء، ويَنسخُ بشَرْعِه شريعةَ محمدٍ ﷺ ، وزعم أن أتباعَ ذلك النبيِّ المنتظَرِ هم الصابئون المذكورون في القرآن، فأما المُسَمَّوْنَ بالصابئة من أهل واسطَ وحَرَّان، فما هم الصابئون المذكورون في القرآن. وكان -مع هذه الضلالة- يتولَّى مَنْ شهِد لمحمدٍ ﷺ بالنبوَّة من أهل الكتاب وإن لم يدخلْ في دينه، وسَمَّاهم بذلك مؤمنين، وعلى هذا القول يجبُ أن يكون العيسوية والموشكانية من اليهود مؤمنين؛ لأنهم أقَرُّوا بنبوة محمد ﵇ ولم يدخلوا في دينه.
وليس بجائز أن يُعَدَّ في فِرَقِ الإسلام مَن يَعُدُّ اليهود من المسلمين، وكيف يُعدُّ من فِرق الإسلام من يقول بنسخِ شريعة الإسلام؟! " (١).
стр. 640
* الميمونيَّة من الخوارج، أتباع ميمونَ بنَ خالد (أوْ ابن عمران):
° "هؤلاء أتباعُ رجلٍ من الخوارج العجاردة، كان اسمُه "ميمونًا" (١)، وكان على مذهب العَجَاردة من الخوارج، ثم إنه خالَفَ العجاردة في الإرادة والقَدَر والاستطاعة، وقال في هذه الأبواب الثلاثة بقول القَدَريةِ المعتزلة عن الحق، وزعم -مع ذلك- أن أطفالَ المشركين في الجنة.
ولو بَقِيَ ميمونُ هذا على هذه البِدَع التي حكيناها عنه ولم يَزدْ عليها ضلالةً سواها لنسبناه إلى الخوارج؛ لقوله بتكفيرِ عليٍّ وطلحةَ والزبيرِ وعائشةَ وعثمانَ، وقولِه بتكفيرِ أصحابِ الذنوب، وإلي القَدَرية لقوله في باب الإرادة والقَدَر والاستطاعة بأقوال القَدَرية فيها.
ولكنه زاد على القَدَرية وعلى الخوارج، بضلالةٍ اشتقَّها من دينِ المجوس، وذلك أنه أباح نكاحَ بناتِ الأولاد من الأجداد، وبناتِ أولادِ الأخوة والأخوات، وقال: "إنما ذَكَر اللهُ تعالى في تحريم النساءِ بالنسب الأمهاتِ، والبناتِ، والأخواتِ، والعمَّاتِ، والخالاتِ، وبناتِ الأخ، وبناتِ الأخَوَات .. ولم يذكر بناتِ البنات، ولا بناتِ البنين، ولا بناتِ أولادِ الإخوة، ولا بناتِ أولادِ الأخوات".
فإن طَرد قياسه في أمهاتِ الأمهاتِ وأمهاتِ الآباء والأجداد، انمحض في المجوسية، وإن لم يُجِز نكاحَ الجدَّات وقاسَ الجداتِ على الأمهات لزِمه قياسُ بناتِ الأولاد على بنات الصلب.
стр. 641
وإن لم يُطَرِّهْ قياسَه في هذا الباب نقض اعتلاله.
وحَكى الكرابيسيُّ عن "الميمونيَّة" من الخوارج أنهم أنكروا أن تكون سورةُ "يوسف" من القرآن، ومُنكِرُ بعضِ القرآنِ كمنكرِ كلِّه.
ومَن استحل بعضَ ذواتِ المحارم فهو في حُكم المجوسِ، ولا يكونُ المجوسيُّ معدودًا في فِرَقِ الإسلام" (١).
وكيف لا يكونُ من شانِئي الرسولِ ﷺ مَن أنكر بعضَ ما نُزِّل إليه من ربه؟!.
* بَابَك الخُرَّمي وأتباعُه " البَابَكِية":
"البابَكية" و"مازيَّارية"، كِلتاهُما معروفة بـ "المُحَمرَة" وهم من الإباحِيِّين، ظهروا في دولةِ الإسلام.
فالبابكيَّةُ منهم: أَتباع بَابَك الخُرَّمِي، وهو رجلٌ فارسيُّ الأصل، دَخل في الإسلام، وتسمَّى "الحسن"، (وفي بعض الأصول: الحسين)، وكان قويَّ النفس، شديدَ البطش، وصعبَ المِراس، وحَدَّثته نفسُه الخبيثةُ بأن يسترجعَ مُلكَ فارس ودينَها.
وللبابكية في جَبَلهم لَيلةُ عيدٍ لهم يجتمعون فيها على الخَمرِ والزمْر، وتختلطُ فيها رجالُهم ونساؤهم، فإذا أطْفِئَتْ سُرُجُهم ونِيرَانهم افتَضَّ فيها الرجالُ النساءَ على تقدير "مَن عَزَّ بَزَّ".
والبابكيةُ يَنسِبون أصْلَ دينهم إلى أميرٍ كان لهم في الجاهلية اسمه
стр. 642
"شروين"، ويزعمون أن أباه كان من الزنج، وأمة بعضُ بناتِ ملوك الفرس، ويزعمون أن "شيروين" كان أفْضَلَ من محمدٍ ﷺ ومن سائر الأنبياء، وقد بَنَوْا في جبلهم مساجدَ للمسلمين يؤذِّن فيها المسلمون، وهم يعلِّمون أْولادَهم القرآن، لكنهم لا يُصَلُّون في السرِّ، ولا يصومون في شهر رمضان، ولا يَرَوْنَ جهادَ الكفرة.
ظَهَر بابك الخُرَّمِي في جبل "اليدين" من أصل الران بناحية أذربيجان، وكثر بها أتباعُه، واستباحوا المحرمات، وقتلوا الكثيرَ من المسلمين، وجَهَّز إليه خلفاءُ بني العباس جيوشًا كثيرةً مع "أفشين" الحاجب، ومحمدِ بنِ يوْسفَ الثَّغْرِيِّ، وأبي دُلَفَ العِجْليِّ وأقرانِهم، وبَقِيت العساكرُ في وجهه مقدارَ عشرين سنةً.
ففي سنة ٢١٢ هـ جهز له المأمونُ جيشًا بقيادة "محمد الطُّوسي"، والتقي الجيشانِ في سنة ٢١٤ هـ، فَهَزم بابَكُ جيشَ الخليفة، وقُتل محمدُ بن حميد الطوسي.
وفي سنة ٢٢٠ هـ جَهَّز المعتصمُ جيشًا بقيادةِ "الأفشين"، فالتقي الجيشان، فهزم بابك جيشَ بابك، وقُتِل من الخُرَّمية -أتباع بابك- نحوُ الألف، ثم هَرَب بابكُ إلى "موقان".
ثم التقيا مرةً أخرى في سنة ٢٢٢ هـ فهزمهم الأفشينُ هزيمةً منكرة، ونجا بابكُ، فلم يزل الأفشينُ يتحيَّلُ له حتى أَسَره في جبال "أرمينيَّة"، ثم أخَذه إلى المعتصم.
وفي سنة ٢٢٣ أمو المعتصم بقطعِ أطرافه وصَلبه في مواضعَ شتى هو
стр. 643
وأخوه إسحاقُ بنُ إبراهيم.
° وقال عبدُ القاهر: "صُلِبا بـ "سُر مَن رأى" في أيام المعتصم".
أما "المَازيارية"، فهم أتباعُ "مَازِيار بن قارن بن بندار"، ودَخل في الإسلام، وتسمَّى "محمدًا"، وأظهر بعد ذلك دين "المحمَّرة" بجرجان، وكانت فتنتُه قد عَظُمت في ناحية جُرجان، وكان يعتقدُ دينَ الثنَوية والمجوس، وكان يُظهرُ الإسلامَ ويُبطِنُ الكُفر، فكتب المعتصمُ إلى عبدِ الله ابن طاهر بن الحسين يأمرُه بحَربِه في سنة ٢٢٤ هـ بعد أن أظهر العصيان بـ "طَبَرستان"، فكتب المعتصمُ إلى عبد الله بن طاهر بن الحسين يأمره بحربه، فسير إليه عمه الحسنَ بنَ الحسين، فكانت له معه حروبٌ كثيرة، وما زال حتى أسَرَه، وحَمَله إلى "سامرَّا"، فأقرَّ على "الأفشين" أنه حَرَّضه على الخروج والعصيان، وزعم أنهما -هو والأفشين- كانا اجتمعا على مذهبٍ من مذاهبِ الثنوية والمجوس، فضُرب "المازيَّارُ" بالسوط حتى مات بعد أن شُهر، وصُلب إلى جانب بابك، وفيه يقول أبو تمام:
ولقد شَفى الأحشاءَ مِن بُرَحائِها … أن صار بابكُ جارَ مازيارْ
ثانيه في كبدِ السماءِ ولم يكن … لاثنين ثانٍ إذ هما في الغارْ (١)
* الإِمامية الإِثنا عَشْرية الجَعفريَّة، وقولهم باستمرارِ الوحي وعدمِ انقطاعِه بعد موت ﷺ ، وتنقُّصهم للأنبياء، وقولهم بتحريف القرآن:
الإماميةُ الإثنا عشرية الجعفرية، هم الرافضة الذين رَفَضوا إمامةَ
الصِّديق والفاروق وذي النورين، وقالوا بتكفيرِ عامةِ الصحابة ما عدا عليًّا
стр. 644
وثلاثةً أو أربعةً من شيعته كسلمانَ والمِقدادِ وأبا ذرٍّ.
وقد غالت الإماميةُ في أئمتهم، وأسبغوا عليهم صفاتِ التعظيم والتقديس التي تخرجُهم عن دائرةِ البشر العاديين، فادَّعَوا لهم عِلمَ الغيب (١)، وأنهم يحيطون بكِلِّ شيءٍ عِلمًا، وأن الله يشاورهم عندما يطرأُ على علمِه جديد (٢) - كما يزعمون-، تعالى الله عما يقول الكافرون الظالمون عُلوًّا كبيرًا.
وسنذكر أقوالَهم من أهمِّ مراجعهم، وهو كتابُ "أصول الكافي" والذي له من المكانة عندهم ما لـ "صحيح البخاري" عند أهل السُّنة، ونذكرُ تجويزَهم نزولَ الوحي على الأئمة بعد رسول الله ﷺ ، ونذكر بعده ما ورد في أهم كتبهم من تصريحهم حولَ منزلةِ الإِمام، وأنه أعلى منزلةً من جميعِ الأنبياء وأنه رسولُ رسولِ الله ﷺ (٣).
* ادِّعاء نزولِ الوحي عند الإِمامية:
° أول وحيٍ ادَّعت الإماميةُ وقوعَه بعد رسول الله ﷺ هو لـ "فاطمة" بنت رسول الله ﷺ ، فقد أُسند في كتاب "أصول الكافي" إلى أبي عبد الله -جعفر الصادق- أنه قال: "وإن عندنا لَمصحفُ فاطمةَ ﵍، وما
стр. 645
يُدريهم ما مصحف فاطمة". قال: مصحفٌ فيه مثلُ قرآنكم هذا؟! -ثلاثَ مرات-، واللهِ ما فيه مِن قرآنكم حرفٌ واحد" (١).
ثم ذكر أن الله أرسل إليها جبرائيلَ يُسليها ويُحدثها، وأن ذلك المصحفَ كان عبارةً عن ذلك الحديث، كتبه عليُّ بن أبي طالب ﵁" (٢).
فقد أُثبت في هذا الأثر أن فاطمةَ ﵂ كان ينزلُ عليها جبرائيلُ، وكَتبت عنه مصحفًا أكبرَ من مصحفِ أبيها، وفيه ما ليس فيه كذلك، وأُسند إليه كذلك أنه قال: "إن عِلْمَنا غابرٌ ومزبور، ونُكت في القلوب، ونُقر في الأسماع .. فقال: أما الغابر، فما تقدم من علمنا .. وأما المزبور، فما يأتينا .. وأما النَّكتُ في القلوب، فإلهام .. وأما النَّقْرُ في الأسماع، فأَمْرُ المَلَك" (٣).
° وأورد بسنده كذلك أن الحسنَ بنَ العباس المعروفيَّ كَتَب إلى الرضا: "جُعلتُ فداك، أخبرني ما الفرقُ بين "الرسول" و"النبيِّ" و"الإمام"؟ فكتب -أو قال-: الفرقُ بين "الرسول" و"النبي" و"الإِمام" أن "الرسول" الذي يَنزلُ عليه جبرائيل فيراه ويسمعُ كلامه وينزل عليه الوحي، وربَّما رأى في منامِه نحوَ رؤيا إبراهيم، و"النبيُّ" ربما سمَع الكلام، وربما رأى الشخصَ ولم يَسمع، و"الإمام" هو الذي يَسمعُ الكلام ولا يرى الشخص".
стр. 646
ولقد استَشهد على ذلك بآية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] (١).
ففي هذين الأثرين إثباتُ سماع المَلَكِ لأئمتهم، ولا شك أن المَلَك إنما ينزلُ بأمرٍ من الله ، كما قال الله في الملائكة: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤].
° وفي الأثر الثاني أكثرُ توضيحًا من الأول، إذ فيه أن الوحيَ للنبيِّ على طريقين:
الأول: السَّماع من المَلَك مع رؤية شخصه.
والثاني: السَّماع دون الرؤية، و"الإِمام" يشارك "النبيَّ" في هذه الطريق من الوحي.
وبذلك يُسمى "نبيًّا"، يشهدُ لذلك الأثر الآتي عن أبي عبد الله الذي قال فيه: الأنبياء والمرسلون على أربع طبقات:
- فنبيٌّ مُنبِئٌ في نفسه لا يعدوها.
- ونبيٌّ يَرى في النوم، ويَسمعُ الصوت، ولا يعاينه في اليقظة، ولم يبعثه إلى أحدٍ، وعليه إمامٌ مثلُ ما كان إبراهيمُ على لُوط ﵉.
- ونبيٌّ يرى في منامه، ويسمعُ الصوت، ويعاين المَلَك، وقد أُرسل إلى طائفةٍ قلُّوا أو كثروا -كيونسْ- قال الله ليونس: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، قال: يزيدون ثلاثين ألفًا، وعليه إمام.
- والذي يَرى في نومه، ويَسمعُ الصوت، ويعاينُ في اليقظة، هو إمامٌ
стр. 647
مثل أولي العزم (١).
ففي الأثر السابق قبل هذا أن الإِمام يَسمعُ صوتَ الملائكة، ولا يرى أشخاصهم .. وفي هذا الأثر أن السماعَ للصوت دون الرؤية للشخص إحدى درجاتِ النبوة عندهم.
ٍفالأئمة إذن أنبياءُ؛ لأنهم يسمعون أصواتَ الملائكةِ من غيرِ أن يروهم.
° ولما كانت هذه هي مرتبةُ الإمام في عُرفِ الإمامية، فقد أَلزمت الناسَ بطاعته، كما ورد ذلك عن أبي عبد الله، حيث قال: "أُشرِكَ بين الأوصياء والرسل في الطاعة" (٢) مما جعل بعضَ الشيعة يستفسرُ من جعفر الصادق عن مكانةِ الإِمام الذي قد أمر بطاعته: أيوحَى إليه أم لا؟ فأجاب أبو عبد الله -جعفر الصادق- بأنْ: نعم، كما رواه الكليني، حيث قال: "إن المُفضَّلَ سأل أبا عبد الله بقوله: "جُعلتُ فداك، يَفرضُ اللهُ طاعةَ عبدٍ على العباد، ويَحجُبُ عنه خَبَر السماء؟ قال أبو عبد الله: لا، اللهُ أكرمُ وأرحمُ وأرأف بعباده من أن يفرضَ طاعةَ عبدٍ على العباد، ثم يحجبُ عنه خبر السماء صباحًا ومساء" (٣).
° ويقول الشارح "للكافي": "كيف يَفرضُ الله على الناس طاعةَ عبدٍ، وهو ليس له من العلم ما يحتاجونه؟! بل اللهُ أعزُّ وأكرمُ
стр. 648
من أن يَحجُبَ عنه عِلمَ سمائِه وأرضه".
ولذلك الإمامية ذهبوا إلى أن الإمامةَ لا تصلحُ إلا لمن له منزلةُ النبوة" (١).
° وفي أثرٍ آخَرَ أن رجلاً سأل أبا عبد الله عن كيفية العلم الذي يأتيهم؟! فقال أبو عبد الله: "كما كان رسولُ الله ﷺ يعلمُ، إلا أنهم يَرَون ما كان رسول الله ﷺ يَرى؛ لأنه كان نبيًّا وهم محدَّثون" (٢).
° ولهذا فإن الأنبياءَ والأوصياءَ متساوون في علومهم لتساويهم في مصدرِ التلقِّي، كما ورد ذلك في مخطوطة بعنوان "كتاب أنوار الإسلام في علم الإمام"، حيث قال مؤلفها: "أما العلم الحق، فهو علمُ الأنبياء والأوصياء، إذ لا يعتريه الخطأ ولا السهو ولا النسيان، فهو علم لَدُنِّيٌّ شهوديٌّ صادرٌ عن الوحي والحَدْسِ والإلهام، والله ضامن لصحةِ هذا العلم؛ لأنه مِن لَدنْه، وكل ما يحصل لغير المعصومين والأوصياء فِكرًا، يحصل لهم حَدْسًا أو بداهةً، وما يحصل للناس بالحواس يتم لهم بالشهود والقياس.
وليس المقصود القياسُ العقلي، وإنما الانتقال من الظاهر إلى الباطن، وليس علمُهم وَقفًا على شرائع الدين وأحكامِه، وإنما شؤون الدنيا كذلك، غيرَ أن الشريعةَ تصدر عنهم عن وحيٍ وما يتعلقُ بمسائل الدنيا عن إلهام" (٣).
стр. 649
° وقد ادَّعَوا لأئمتهم أمورًا غيبيةً لا يعرفُها البشر إلاَّ بالوحي، وذلك تحت عناوين عِدَّةٍ في كتابهم ذلك -"أصول الكافي"-، وهذه بعض تلك العناوين:
- باب: أنَّ الأئمةَ يعلَمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلاَّ باختيارٍ منهم (١).
- باب: أنَّ الأئمةَ إذا شاؤوا أن يعلموا علِموا (٢).
- باب: أن الأئمةَ ﵈ يعلمون ما كان وما يكون، وأنه لا يخفى عليهم الشيءُ -صلوات الله عليهم- (٣).
ونحن نعلمُ أن معرفةَ الغيب خاصة بالله ، ولا يصلُ إلى معرفته إلا صِنفٌ واحدٌ من الخلق وهم "الرسل"، وذلك لإطْلاعِ الله لهم، فإما أن يكون هؤلاء -أي: أئمَّتهم- آلهةً أو رسلاً، وهم لا يَدَّعون لهم الألوهية -كالغلاة-، فإذن يكونون رسلاً، والرسل لا يعلمون ذلك إلا بالوحي، فأئمتهم إذن يوحَى إليهم علي أقلِّ تقدير (٤).
* يقول الله- ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٨].
стр. 650
ولتكتملَ صفات الأنبياء في أئمتهم، فقد زعم بعضُهم أن الأئمةَ تَظهرُ على أيديهم المعجزات (١).
* هذه هي عقائدُهم من أهمِّ مصادرهم:
فقد رأينا أنهم بدؤوا بإثباتِ الوحي لفاطمةَ حتى ادَّعوا لها مصحفًا خاصًّا نزل به عليها جبرائيل، ونَسَخه عليُّ بن أبي طالب، وهذا المصحفُ مستقلٌّ عن القرآن، وليس فيه ممَّا في مصحفِ المسلمين الذي أنزل الله على محمدٍ ﷺ ولا حرفٌ واحد .. إلى آخِرِ تلك الدعاوى السابقة.
ثم لَمَّا مَهَّدوا لتلك العقيدة -نزول الوحي- بوقوعه لفاطمةَ بنتِ رسول الله ﷺ ورضي الله عنها، سَهُل عليهم أن يَصِلوا إلى إثباتِه للأئمة الذين هم الأوصياءُ على الشيعة بعد عليٍّ ﵁، وذلك عن طريقِ سماعِ صوتِ المَلَك دون رؤيةِ شخصه.
° وهذه الطريقُ هي إحدى طُرق الوحي في درجاتِ النبوة، كما تقدم في تقسيمهم الأنبياء إلى طبقات، قالوا فيها: "ونبيٌّ يَرى في النوم، ويسمعُ الصوت، ولا يعاينه في اليقظة"، وكانت حُجتهم على ذلك -كما سبق آنفًا- أن الله لا يأمرُ بطاعةِ عبدٍ لا يأتيه الخبرُ من السماء، ولا شكَّ أن الخبرَ الذي يأتيهم من السماء هو وحيٌ يأتي به المَلَك، "لأن الإمامةَ لا تصلحُ إلا لمن له منزلةُ النبوة"، كما يقول شارح "الكافي".
стр. 651
° وأخيرًا، فإنَّ "الشريعة تصدرُ عنهم عن وحيٍ، وما يتعلق بمسائل الدنيا عن إلهام"، كما في المخطوطة السابقة.
هذه هي عقيدتُهم في نزول الوحي على الأئمة كما صَوَّرتْها مصادرُهم، وليست تلك العقيدةُ عند الإمامية من الأمور الخفيَّة التي لم تَظهر إلا اليوم، بل هي أمرٌ واضح من قديم الزمن، فقد تحدَّث عنها أبو الحسن الأشعريُّ ﵀ في أواخِرِ القرن الثالث، حيث ذَكَر أنه يوجدُ في طائفةِ الروافض -الإِمامية- مَن يزعمُ نزولَ الملائكة على أئمَّتهم بالوحي، كما يَذكر أن فيهم مَن جَوَّز نَسخَ الشرائع وتبديلَها على أيديهم (١)، ممَّا يؤكِّدُ لنا أن هذه العقيدةَ قد عُرفت عنهم من قبلُ، ثم لا تزالُ مراجعُهم -كما رأينا- تحتفظُ بها وترويها.
* وانظر إِلى ما خَلَعوه على الأئمة من أمور:
أولاً: تصريح الإِمامية بأنَّ مرتبةَ "الإِمامة" أعلى وأسمى من مرتبة "النبوَّة":
وقد صَرَّح علماؤهم -بكلِّ جُرأةٍ وتطاولٍ- بذلك .. فممن قال بذلك:
١ - يقول آيتُهم العظمى "ناصر مكارم الشيرازي" عند تفسيره للآية (١٢٤) من سورة البقرة في تفسيره "الأمثل": "يتبيَّن من الآيةِ الكريمة أن
стр. 652
مَنزلةَ "الإِمامة" الممنوحةَ لإِبراهيم -بعدَ كلِّ هذه الاختبارات- تَفُوقُ منزلةَ "النبوة" و"الرسالة" .. فمنزلة "الإِمامة" أسمى مِمَّا ذُكر، بل أسمى من النبوة والرسالة".
° وقال في "نفحات القرآن" (٩/ ١٩): "ما هو هذا المَقامُ الذي ناله إبراهيمُ في آخِرِ عمره بعد نَيلِه مقامَ النبوة والرسالة، وبعدَ ذلك الجهادِ الطويل؟ .. من المُسلَّم به أنه كان أسمى وأرفع منهما جميعًا".
° وقال أيضًا (ص ١٧): "كما يعيرُ القرآنُ أهميةَّ خَاصةً للإِمامة، ويعتبرُها آخِرَ مرحلةٍ من مسيرةِ تكامُلِ الإِنسان".
° وقال أيضًا (٧/ ٨١): "على أيةِ حال، إنه -مقام الإِمامة- مقامٌ يَفوقُ النبوة".
٢ - يقول آيتهم العظمى "السيد كاظم الحائري" في "الإِمامة وقيادة المجتمع" (ص ٢٦): "إن الذي يبدو من الروايات أن مقامَ "الإِمامة" فوقَ المقامات الأخرى -ما عدا مقام الربوبية قطعًا- التي يمكن أن يَصِل إليها الإِنسان".
° وقال (ص ٢٨): "وكذا قولُه ﵇: "إن الله اتَّخذه خليلاً قبل أن يَتَّخذ إمامًا"، يدلُّ في ظاهره على تفوُّقِ مقام "الإِمامة" على مقام " العبودية، النبوة، الرساله، الخلَّة" .. ".
° وقال (ص ٢٩): "فمقامُ "الإِمام " إذن فوقَ مقام النبوة".
٣ - يقول "كمال الحيدري" في "العصمة" (ص ١٧): "ومِن خلال هذه الشواهد يَتَّضح لنا أن مقامَ "الإِمامة" يختلفُ عن "النبوة والرسالة"،
стр. 653
بل هي أسمى منهما وأرفع" .. ونسبه إلى الطباطبائي في "الميزان" (١/ ٢٦٧).
٤ - قال "هادي الطهراني" في "ودائع النبوة" (ص ١١٤): "الإمامةُ أجلُّ من النبوة، فإنها مرتبة ثالثة شرَّفه الله تعالى بها بعد النبوة والخُلَّة" ..
نقلًا عن "أصول مذهب الشيعة" للقفازي (ص ٦٥٦).
٥ - ذكر "ابن بابويه" في "إكمال الدين" (ص ٦١٧ - ٦١٨) "والنبوة والرسالة من الله ﷻ سُنن، والإِمامة فريضة، والسنن تنقطع ويجوزُ تركها في حالات، والفرائض لا تزولُ ولا تنقطعُ بعد محمدٍ ﷺ ..
فالرسالةُ والنبوة سُنن، والإِمامة فرض".
٦ - ذكر الحِلِّي فيَ "الألفين" (ص ٣): "الإِمامة لُطف عام، والنبوة لطف خاص، لإِمكان خلوِّ الزمان من نبيٍّ حيٍّ -بخلافِ الإِمام-، وإنكارُ اللطفِ العامِّ شرٌّ من إنكارِ اللطف الخاص".
ثانيًا: تصريحهم بأن الأئمةَ أفضلُ من الأنبياء:
° وهذه أقوالُ علمائِهم في ذلك:
١ - ذكر الشيخ "المفيد" في "أوائل المقالات"، باب "القول في المفاضلة بين الأئمة والأنبياء" (ص ٨٥): "قد قَطع قوم من أهل الإِمامة بفضل الأئمَّة (ع) من ال محمد ﷺ على سائر من تقدم من الرسل والأنبياء سوى نبينا محمد ﷺ ، وأوجب فريقٌ منهم الفضلَ على جميع الرسل والأنبياء سوى أولي العزم".
٢ - ذكر العلامة السيد "نعمة الله الجزائري" في "الأنوار النعمانية"
стр. 654
(١/ ٢٠ - ٢١): "اعلمْ أنه لا خلافَ بين أصحابنا -رضوان الله عليهم- في أشرفية نبينا محمدٍ ﷺ على سائر الأنبياء ﵈ للأخبار التواتر، وإنما الخلافُ بينهم في أفضيلة أميرِ المؤمنين والأئمة الطاهرين ﵈ على الأنبياء ما عدا جدَّهم ﷺ ، فذهب جماعة إلى أنهم أفضلُ من باقي الأنبياء ما خلا أولي العزم، فإنهم أفضلُ من الأئمَّة ﵈، وبعضُهم إلى المساواة، وأكثرُ المتأخِّرين إلى أفضليةِ الأئمةِ ﵈ على أولي العزم وغيرهم، وهو الصواب".
٣ - ذكر محدِّثكم "الحر العاملي" في كتابه "الفصول المهمة في أصول الأئمة" (١/ ٤٠٣) بابًا يثبت هذا التفضيل وهو الباب رقم (١٠١) بعنوان: "إن النبي والأئمة الاثني عَشَر أفضلُ من سائر المخلوقات من الأنبياء والأوصياء السابقين والملائكة وغيرهم، وأن الأنبياء أفضلُ من الملائكة"، وذكر روايتين تُرجِّحان عنوان الباب.
٤ - ذكر "ابن بابويه" في "عيون أخبار الرضا" (١/ ٢٦٢) فصلاً بعنوان "أفضلية النبيِّ والأئمة على جميعِ الملائكة والأنبياء ﵈".
٥ - قال السيد "أمير محمد كاظم القزويني" في كتابه "الشيعة في عقائدهم وأحكامهم" (ص ٦٦): "فإنك تجدُ أن عليًّا كان جامعًا لجميع هذه الصفات المتفرقة في هؤلاء الأنبياء ﵈ من أولي العزم، وأنه ﵇ أفضلُ منهم".
° وقال (ص ٧٣) تحت عنوان "الأئمة من أهل البيت عليهم السلام
стр. 655
أفضلُ من الأنبياء ﵈ بنص القرآن": "وأما تفضيل الشيعةِ لأئمتهم على الأنبياء ﵈ إلاَّ رسول الله ﷺ .. لذا وجب أن يكونوا أفضلَ منهم".
٦ - يقول آيتهم العظمى "الميرزة جواد التبريزي " تحت عنوان "التفضيل بين الأئمة والأنبياء" حول سؤالٍ وُجِّه إليه:
"س: هل هناك تفضيل بين الأئمة ﵈ والأنبياء باستثناء رسول الله ﷺ ؟ وإذا كان، فما هو الدليل على ذلك؟
جـ: باسمه تعالى: أئمَّتُنا أفضل من الأنبياء ما عدا الرسولَ ﷺ ، والله العالم" (١).
٧ - وخَتَمها "الخميني" في "الحكومة الإِسلامية" بقوله: "وإن مِن ضروريات مذهبِنا أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغُه مَلَك مقرَّب ولا نبيٌّ مرْسلْ" (٢).
ثالثًا: المَلَك الذي ينزلُ على الأئمة دون الأنبياء هو أعظمُ من جبريل:
دَّعت الإمامية أن هناك مَلَكًا يدْعى "الرُّوح"، كان مع الأئمة يسدِّدهم ويخبرُهم بأخبارِ السماء، ولهذا المَلَكِ مِيزتان، كلُّ واحدةٍ منهما تدلُّ بصراحةٍ على تفضيل الأئمة على الأنبياء هما:
أ- أنه أعظمُ من جبريل:
فبما أنهم يعتقدون بتفضيل الأئمة على الأنبياء، فيجبُ أن يكونَ المَلَكُ
стр. 656
النازلُ عليهم أعظمَ من المَلَكِ النازلِ على الأنبياء.
ب - أن هذا المَلَك لم يكن مع الأنبياء، بل فقط مع الأئمة:
أي أن ما عند الأئمةِ أفضلُ مما عند الأنبياء؛ لأن هذا المَلَكَ -وهو الروح- كان مع الأئمة فقط، ولم يكن مع الأنبياء، وهو ما نَصَّت عليه الرواية الرابعة التالية بقوله: "لم يكن مع أحدٍ ممن مضى، غيرِ محمدٍ ﷺ وهو مع الأئمة يسدِّدُهم". فهو غير موجودٍ مع الأنبياء السابقين لِتستيقِنَ بأنكم تُنزِّهون مرتبةَ الإِمامة من أن تنحدرَ مِن عِزها ورِفعتِها إلى مرتبةِ النبوة.
° وإليك نصَّ الروايات من أصحِّ كتبهم ألَا وهو "الكافيَ" للكِليني:
١ - عن أبي بَصير قال: "سألت أبا عبد الله ﵇ عن قول الله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢].
قال: خَلقٌ مِن خَلقِ الله أعظمُ من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسولِ الله ﷺ يُخبِرُه ويُسددُه، هو مع الأئمَة مِن بعده".
٢ - عن أسباطِ بنِ سالم قال: "سأله رجل من أهل "هِيت" -وأنا حاضر- عن قول الله : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾.
فقال: منذ أَنزل الله ذلك الروحَ على محمد ﷺ ما صَعِدَ إلي السماء وإنه لفينا".
٣ - عن أبي بصير قال: "سألت أبا عبد الله ﵇ عن قول الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥].
قال: خَلق أعظمُ من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله ﷺ ،
стр. 657
وهو مع الأئمة، وهو من المَلكوت".
٤ - عن أبي بصير قال: "سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥].
قال: خَلقٌ أعظم من جبرئيل وميكائيل، لم يكن مع أحدٍ ممن مضى، غيرِ محمدٍ- ﷺ ، وهو مع الأئمة يُسدِّدُهم، وليس كلُّ ما طُلب وُجد" (١).
رابعًا: تصريحُهم بأن الأنبياءَ مع عُلُوِّ منزلتهم مأمورون باعتقادِ إِمامةِ الأئمة الاثني عشر:
وقد ذكروا لذلك عِدَّةَ رواياتٍ صريحةٍ، ذكرها خاتمة مُحدِّثيهم "محمدُ باقر المجلسي" في كتابه "بحار الأنوار" منها:
١ - ابن يزيد، عن ابن محبوب، عن محمدِ بن الفضيل، عن أبي الحسن ﵇ قال: "ولايةُ عليٍّ مكتوبة في جميع صُحف الأنبياء، ولن يَبعثَ الله نبيًّا إلاَّ بنبوةِ محمدٍ ووصيةِ عليٍّ صلوات الله عليهما".
٢ - أحمد بن محمد، عن العباس، عن ابن المغيرة، عن أبي حفص عن أبي هارونَ العبديِّ، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا عليُّ، ما بَعث اللهُ نبيًّا إلاَّ وقد دعاه إلى ولايتك طائعًا أو كارهًا".
٣ - الحسن بن عليِّ بنِ النعمان، عن يحيى بنِ أبي زكريا، عن أبيه، ومحمد بن سَماعة، عن فيض بنِ أبي شيبة، عن محمد بن مسلم قال:
стр. 658
سمعت أبا جعفر ﵇ يقول: "إن الله ﵎ أخذ ميثاقَ النبيين على ولايةِ عليٍّ، وأخذ عهدَ النبيين بولايةِ عليٍّ".
٤ - أحمد بنُ محمدِ بنِ علي بنِ الحكم، عن ابنِ عميرة، عن الحضرميِّ، عن حذيفةَ بنِ أسيد قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما تكامَلَتِ النبوةُ لنبيٍّ في الأظلة حتى عُرضت عليه ولايتي وولايةُ أهل بيتي، ومَثُلوا له، فأقرُّوا بطاعتِهم وولايتهم".
٥ - السِّنديُّ بن محمد، عن يونسَ بنِ يعقوب، عن عبدِ الأعلى قال: قال أبو عبد الله ﵇: "ما نُبِّئ نبيٌّ قطُّ إلاَّ بمعرفةِ حقِّنا وبفضلنا على مَن سوانا".
٦ - محمدُ بنُ عيسى، عن محمدِ بنِ سلمان، عن يونسَ بنِ يعقوب، عن أبي بَصير، عن أبي عبد الله ﵇ قال: "ما مِن نبىٍّ نُبئ، ولا مِن رسْولٍ أُرسل، إلاَّ بولايتنا وتفضيلنا على مَن سوانا".
٧ - ابن يزيد، عن يحيى بنِ المبارك، عن ابن جَبَلة، عن حُميد بن شعيب، عن جابر قال: قال أبو جعفر ﵇: "ولايتُنا ولايةُ الله التي لم يَبعث نبيًّا قطُّ إلاَّ بها".
٨ - محمدُ بنُ أحمد، عن ابنِ يزيدَ، عن ابنِ محبوب، عن محمدِ بنِ الفضيل، عن أبي الحسن ﵇ في قول الله : ﴿يوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ قال. "يُوفون بالنذر الذي أُخذ عليهم في الميثاق مِن ولايتنا".
٩ - أحمد بنُ محمدِ بنِ عليِّ بنِ الحكم، عن داودَ العِجلي، عن
стр. 659
زُرارةَ، عن حُمران، عن أبي جعفر ﵇ قال: "إن الله ﵎ أَخذ الميثاقَ على أولي العزم أني ربُّكم، ومحمدٌ رسولي، وعليٌّ أمير المؤمنين، وأوصياؤه من بعده وُلاةُ أمري وخُزَّانُ عِلمي، وأن المهديَّ أنتصرُ به لِدِيني" (١).
فإمامةُ الأئمةِ إذًا عندهم من ضرورياتِ الأديان السماوية التي لم يُبعثْ نبي إلاَّ بالدعوة إليها، بل إن الأنبياءَ جميعَهم كانوا مأمورِين بالإيمان بإمامةِ عليٍّ وأولاده التي لا تُدانيها النبوةُ في الفضلِ والشرف، ولا تَصِلُ إلى عُشْرِ معشارِها، بل ولا إلى قَطرةٍ من بحارها.
خامسًا: تصريحهم بأنَّ الأنبياء ما نالوا الفضلَ والرِّفعةَ من جهةِ نبوَّتهم واصطفائهم من الله تعالى، بل من جهةِ إِقرارِهم بإِمامةِ الأئمةِ والخضوعِ لهم:
° وإليك روايتانِ تَذكُرانِ هذا المعنى، هما:
١ - ذكر شيخُهم "المفيد" في كتابه "الاختصاص" (ص ٢٥٠): "ابن سنان، عن المفضل بن عمر قال: قال لي أبو عبد الله ﵇: إن اللهَ ﵎ تَوحَّد بمُلِكه، فعَرَّفَ عبادَه نفسَه، ثم فَوَّض إليهم أمَره، وأباِح لهم جَنَّتَه، فمن أراد اللهُ أن يُطهِّرَ قلبَه من الجنِّ الإِنس عَرَّفه ولايتَنا، ومن أراد أن يطمس على قلبه أمسك عنه معرفتنا.
ثم قال: يا مفضَّل، واللهِ ما استوجب آدمُ أن يخلقَه الله بيده وينفخَ
стр. 660
فيه من رُوحه إلاَّ بولايةِ عليٍّ ﵇، وما كَلَّم الله موسى تكليمًا إلاَّ بولايةِ عليٍّ ﵇، ولا أقام اللهُ عيسى ابن مريم آيةً للعالين إلاَّ بالخضوع لعليٍّ ﵇.
ثم قال: أجملُ الأمر ما استأهل خَلق من الله النظر إليه إلاَّ بالعبودية لنا".
٢ - ذكر "المجلسي" في "بحار الأنوار" (٢٦/ ٢٨٢): "عن حَبَّةَ العُرنيِّ قال: قال أميرُ المؤمنين ﵇: إن الله عَرَض ولايتي على أهل السماوات وعلى أهل الأرض، أَقَرَّ بها مَن أَقَر، وأنكرها مَن أنكر، أنكرها يونسُ فحَبَسه اللهُ في بطنِ الحوت حتى أقرَّ بها".
فانظر إلى هذه المرتبة الخيالية للإمامة التي بفضلِ انحناءِ الأنبياء لها وخضوع أعناقِهم أمامَها نالوا ما نالوا من المراتب؛ لأن النبوةَ التي أنعم الله بها عليهم -وبكلِّ بساطة- لا قيمةَ لها بدون إمامةِ الأئمة، حتى إن نبيَّ الله تعالى يونسَ ﵇ لما أبى الإِقرارَ بها وأنكرها -ظنًّا منه بأنَّ النبوة أعلى منها بالشرف والأهمية- حَبَسه الله تعالى في بطنِ الحوت عقوبة له، ولم يُخرِجْه منها إلاَّ بعد خضوعِه لها واعترافِه بفضلها على نبوته المسكينة الخاضعة!!! (١).
فهذه خمسُ مجموعاتٍ صَرَّح بها علماءُ الإماميَّة بتفضيل مرتبةِ "الإِمامة" على "النبوة"، وأنهم لن يرضَوا أبدًا بأن يَهبِطوا بمرتبة الإمامة إلى مرتبةِ النبوَّة؛ لأن في هذا حَطًّا من قَدْرِها ورِفعتها.
° قال محمد باقر المجلسي: "وبالجملة لا بُدَّ لنا من الإِذعان بعدمِ كونهم ﵈ أنبياءَ، وبأنهم أشرفُ وأفضلُ من غيرِ نبيِّنا ﷺ من
стр. 661
الأنبياء والأوصياء" (١).
حتى إنه أورد بابًا في كتابه "المذكور" (٢٦/ ٢٦٧). بعنوان "تفضيلهم ﵈ على الأنبياء وعلى جميع الخلق".
° ودعوى الإمامية التفريقَ باختصاصِ النبيِّ بصفةِ الوحي وتكليمِ المَلَك دون الإِمام: لم يقفوا عندها، بل نسوق مَرْويَّات ونصوصَ علمائِهم التي أَثبتت هذه الصفة للإِمام صراحةً أوْ ضِمنًا:
أولاً: أن المَلَك يُحَدِّثُ الإِمام ويُكلِّمه:
° ومن رواياتهم التي أثبتت هذا: ما ورد في أصحِّ الكتب عندهم وهو "الكافي" للكليني:
١ - عن محمد بن مسلم قال: ذُكر "المُحدَّث" عند أبي عبد الله ﵇ فقال: "إنه يَسمعُ الصوتَ، ولا يرى الشخص. فقلت له: جُعلتُ فداك، كيف يَعلمُ أنه كلامُ المَلَك؟ قال: إنه يُعطَى السكينةَ والوقارَ حتى يعلمَ أنه كلامُ مَلَك".
٢ - عن حُمرانَ بنِ أعيَنَ قال: "قال أبو جعفر ﵇: إن عليًّا ﵇ كان مُحدَّثًا، فخرجتُ إلى أصحابي فقلت: جئتكم بعجيبةٍ، فقالوا: وما هي؟ فقلت: سمعتُ أبا جعفر ﵇ يقول: كان عليٌّ ﵇ محدَّثًا! فقالوا: ما صنعتَ شيئًا، ألَا سألتَه مَن كان يُحدِّثُه؟ فرجعتُ إليه، فقلت: إني حَدَّثتُ أصحابي بما حدثتَني، فقالوا: ما صنعتَ شيئًا، ألا سألتَه مَن كان يُحدِّثُه؟، فقال لي: يُحِّدثُه مَلَك" (٢).
стр. 662
٣ - عن زُرارةَ قال: "سألت أبا جعفر ﵇، قلت: الإمامُ ما منزلته؟ قال: يسمعُ الصوت، ولا يرى، ولا يُعاينُ المَلَك" (١).
٤ - عن بُريد العِجلي قال: "سألت أبا عبد الله ﵇ عن الرسول والنبي والمحدَّث، قال: المحدَّث الذي يَسمعُ كلامَ الملائكة، ويُنقَرُ في أذنه، ويُنكَتُ في قلبه" (٢).
٥ - عن أبي عبد الله أنه قال: "إنَّ عِلَمنا غابرٌ ومزبور، ونَكْتٌ في القلوب، ونقرٌ في الأسماع، فقال: أما "الغابر"، فما تقدم مِن عِلمنا .. وأما "المزبور"، فما يأتينا .. وأما "النَّكْت" في القلوب فإلهام .. وأما "النَّقْر" في الأسماع، فأمر المَلَك" (٣).
وهذه الروايات متضمِّنةٌ لمعنى الوحي؛ لأن نُزولَ المَلَك وتكليمَه للإِمام لا يكونُ من تلقاءِ نفسه، وإنما بأمر من الله تعالى، كما قال تعالى على لسان الملائكة: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤].
ثانيًا: أن المَلَكَ الذي يُكلِّمُ الإِمامَ هو جبريل ﵇ -:
وهذا يُثبِتُ صفةَ الوحي للإِمام بوضوحٍ أقوى من سابقِه؛ لأن مَلَكَ الوحي هو جبريل ﵇، وهو أمينُ السماء، وقد أَثبت الشيعةُ أنه هو المَلَكُ الذي يُكلِّمُ الإمامَ، ويسمعُ الإمامُ كلامَه وحديثه، فمِن نصوصهم في ذلك:
стр. 663
١ - لقد اعترف آيتهم العظمى "جعفر سبحاني" بأن المَلَك الذي يُكلِّمُ الإمامَ في الروايات هو جبريل ﵇، حيث قال في "مفاهيم القرآن" (٤/ ٣٩٠): "الظاهر أن المراد من المَلَك في هاتيك الروايات هو جبرائيل".
٢ - يقول فيلسوفُهم "صدر الدين الشيرازي" في كتابه "الحجة" بأن جبريل هو رُوح القدس، وذلك (ص ٩١): "جبرائيل هو المسمَّى بـ "روح القدس" .. ".
ثم أثبت بأن الإمامَ يسمعُ كلامَ الله تعالى بواسطةِ رُوح القدس -أي بواسطة جبريل-، فقال (ص ٩٣): "قوله: "والإمام هو الذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص"، أي: يَسمعُ كلامَ الله بواسطةِ الروح القدسي سماعًا في اليقظة لكن بصورةِ الألفاظ، ولا يَرى الواسطةَ متمثلةً متشخِّصةً، لا في اليقظة ولا في النوم أيضًا".
٣ - نستطيعُ أن نتيقَّنَ بأنه جبريل؛ لأن نَفْسَ المَلَكِ الذي كان يُكَلِّم الأنبياء والمرسلين كان يكلِّم الإمامَ؛ لأن الروايات أثبتت أنه نفس المَلَك لا غيره، وهو جبريل ﵇.
٤ - هناك رواياتٌ عديدةٌ تُثبت أن جبريلَ ﵇ كان يَنزلُ على الإِمام ويكلِّمُه أكثرَ من مرةٍ، وفي أكثرَ مِن حادثة، فمنها:
أ- عن حُمران بنِ أعينَ قال: "قلت لأبي عبد الله ﵇: جعلتُ فداك، بَلَغني أن الله ﵎ قد ناجي عليًا ﵇. قال: أجل، قد كان بينهما مناجاة بالطائف، نزل بينهما جبرائيل" (١).
стр. 664
ب - عن عبد الله بن أبي يعفور قال: "قلت لأبي عبد الله ﵇: إنا نقول: إن عليًّا لَيُنكتُ في قلبه أو يُوقَرُ في صدره، فقال: إن عليًّا كان محدَّثًا.
قال: فلما أكثرتُ عليه قال: إن عليًّا لَمَّا كان يومَ بني قريظة وبني النضير، كان جبرائيلُ عن يمينه وميكائيلُ عن يساره يُحدِّثانِه" (١).
ج- عن رفاعة بن موسى، عن أبي عبد الله ﵇ "أن رسول الله ﷺ كان يُملي على عليٍّ ﵇ صحيفةً، فلمَّا بَلغ نصفَها وضع رسولُ الله رأسَه في حِجر عليٍّ ﵇، ثم كتب عليٌّ ﵇ حتى امتلأت الصحيفة، فلما رَفع رسولُ الله رأسه قال: مَن أملى عليك يا علي؟ فقال: أنت يا رسولَ الله، قال: بل أملى عليك جبرائيل" (٢).
د- عن ابن سدير، عن أبي عبد الله ﵇ قال: سمعته يقول: "دعا رسولُ الله ﷺ عليًّا ﵇ ودعا بدفتر، فأملى عليه رسولُ الله ﷺ بَطنَه، وأُغمي عليه، فأملى عليه جبرائيلُ ظهره، فانتبه رسولُ الله ﷺ فقال: مَن أملى عليك هذا يا عليُّ؟ فقال: أنت يا رسول الله، فقال: أنا أمليتُ عليك بطنه، وجبرائيل أملى عليك ظَهَره، وكان قرآنًا يُملى عليه" (٣).
والروايةُ الأخيرةُ تصرِّحُ بأن الذي أملاه جبريل على علي ﵁ كان قرآنًا فهل يوجدُ أصرحُ من ذلك على أن الوحيَ حاصلٌ للإِمام.
стр. 665
ثالثًا: مفهوم النبوَّةِ والوحي متحقِّقٌ في الإِمام، ولم يُنفَ عنه إلاَّ اسمُها:
° وهذا ثابت -وبكل صراحةٍ - في الرواية الثابتة في "نهج البلاغة"، وهذا نصُّها: "ولقد كنتُ أَتبعهُ اتِّباعَ الفصيل أثَرَ أُمِّه، يَرفع لي في كلِّ يومٍ من أخلاقِه علمًا، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاورُ في كلِّ سَنةٍ بحِراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يَجمع بيتٌ واحدٌ يومئذٍ في الإسلام غيرَ رسولِ الله ﷺ وخديجةَ وأنا ثالثهما، أرىَ نورَ الوحي والرسالة، وأشُمُّ ريحَ النبوة، ولقد سمعتُ رَنَّةَ الشيطان حين نزل الوحيُ عليه ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، ما هذه الرَّنة؟ فقال: هذا الشيطانُ أيِس من عبادته، إنك تسمعُ ما أسمع، وترى ما أرى، إلاَّ أنك لستَ بنبيٍّ، ولكنك وزيرٌ، وإنك لعلى خير" (١)، ويمكن إثبات ذلك من وجهين:
الأول: وهو المتعلِّق بقوله: "إنك تسمعُ ما أسمع، وترى ما أرى"، فهي تُثبت بأن الإِمام يسمعُ ويرى الوحيَ كالنبي ﷺ حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذّة دون أدنى فرقٍ بينهما، وهذا يبطلُ زَعْمَك بأن الوحيَ هو الفارقُ بين النبيِّ والإِمام؛ لأنه متحقَقٌ في الإِمام بنصَ الرواية" وإليك اعترافَ علمائِك عند شرحهم لهذه العبارة:
١ - يقول ابن مِيثم البحراني: "وروي عن الصادق ﵇ أنه قال: كان عليٌّ ﵇ يَرى مع النبي ﷺ قبلَ الرسالة الضوءَ، ويسمعُ الصوت".
وقال في نفس الصفحة: "ويؤيدُ ذلك قولُه ﷺ حين سأله عن ذلك:
стр. 666
"إنك تسمعُ ما أسمع، وتَرى ما أرى، إلاَّ أنك لستَ بنيٍّ"، فإنه شَهِد له في ذلك بالوصول إلى مقام سماع الوحي وكلام المَلَك وصوتِ الشيطان وسائرِ ما يراه ﷺ ويسمعه" (١).
فهو يُصرِّحُ بوصولِ الإِمام إلى مَقام يسمعُ فيه كلامَ الوحي والمَلَكِ والشيطان، ولم يَحصُرِ السماعَ في ذلك، بل زاد عليه وأطلقه بكلِّ ما يراه ويسمعُه النبيُّ ﷺ دون أدنى فَرقٍ، فأين الفَرقُ بالله عليكم يا مُنصِفين؟!!.
٢ - يقول حبيب الله الهاشمي الخوئي: "ما أشار إليه بقوله: "إنك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى"، ظاهرُ هذا الكلام يُفيد أن الإمامَ يسمعُ صوتَ المَلَك ويُعاينه كالرسول" (٢).
٣ - يقول الحسيني الشيرازي: "ثم قال الرسول ﷺ لعليٍّ ﵇: "إنك تسمعُ ما أسمع" من صوتِ الوحي ورَنَّةِ الشيطان، وما أشبه .. "وترى ما أرى" من صُورةِ الملائكة والشيطان" (٣) (٣/ ٢٢٥).
الثاني: بالإضافة لِمَا تقدَّم من نصِّ الرواية وتصريحِ العلماء، فإن الذي يؤكِّدُ أن مفهومَ النبوة متحقِّقٌ في الإِمام هو النفيُ الوارد في الرواية بقوله: "إلاَّ أنك لست بنبي"، وهذا يؤكِّدُ أن الوصفَ المتقدِّمَ ينطبقُ على مفهومِ النبوة تمامًا، مِمَّا اضطره لنفيِ الاسم عنه بعد ثبوت الوصفِ له، فيقول حبيب الله الخوئي حولَ النفي الوارد: "ولَمَّا كان ظاهر قوله ﷺ : "إنك
стр. 667
تسمع ما أسمع، وترى ما أرى" موهِمًا للمساواة (١) بيَنه ﵇، وبيَنه ﷺ ، استدرك ذلك بقوله: "إلا أنك لست بنبي" .. " (٢).
° ويقول الموسوي: "ثم لَمَّا أشار إلى أن الإمامَ يسمعُ كما يسمع النبي ويَرى مِثلَما يرى، ولَمَّا كان يَخشى أن يظنَّ أحدٌ بتساويهما، نَفى عنه النبوة" (٣).
بمعنى أدقَّ: إن نفيَ النبوة عن الإِمام ليس من جهةِ عدم اتصافه بالنبوة وعدم تحقُّقِ مفهومها فيه، بل من جهةٍ أخرى، وهي كونه ﷺ خاتمَ النبيين فلا يجوزُ أن يُطلَقَ اسم "النبي" على أحدٍ بعده (٤)، وإلاَّ فوصفُ النبوَّة متحقِّقٌ في عليٍّ ﵁ بنصِّ الرواية وتصريحِ العلماء من سماعه ورؤيته للوحي وكلامِ المَلَك.
وهكذا تبيَّن لنا من خلالِ الوجهين أن مفهومَ "النبوة" متحقِّقٌ في الإِمام بنصِّ الرواية" ولم يُنْفَ عنه إلاَّ اسم النبوة دونَ حقيقتِها.
رابعًا: إنَّ الاتصال بالسماء لم ينقطع بعد موتِ النبي ﷺ ؛ لأنه ثابتٌ للأئمة، وهذا قد صرَّح به عالِِمُهم "محسن الخرازي" معتمدًا على ما ورد
стр. 668
عندهم من روايات، وذلك حين أورد اعتراضًا على "خَتمِ النبوة" بأن فيه حِرمان البشر من رحمة الاتصال بالملأ الأعلى، فقال: إن هذا الاتصالَ ثابتٌ للأئمة بعد النبي ﷺ ، ولم ينقطع، حيث قال في كتابه "بداية المعارف الإلهية" (١/ ٢٨١): "ومنها أنَّ لازمَ خَتمِ النبوة هو قَطعُ ارتباطِ الأمة مع المبدأ الأعلى، وفيه أن الارتباطَ بالمبدإِ الأعلى لا ينحصرُ في النبوة، إذ الارتباط بواسطةِ الأئمة ميسور وممكن -بل واجب-، إذ الإِمامةُ غيرُ منقطعة إلى يوم القيامة، والإِمامُ محدَّث، والملائكة تتنزل إليهم وتُخبرُهم بما يكونُ في السَّنة من التقديرِ والقضاءِ والحوادث وبأعمال العباد وغير ذلك، لتواترِ الروايات الدالَّةِ على ذلك، مِن جُملتِها ما رُوي عن الباقر ﵇: "إن أوصياءَ محمدٍ عليه وعليهم السلام محدَّثون" .. " .. "أصول الكافي" (١/ ٢٧٠).
فهو يُثبتُ الوحيَ للأئمة بكلِّ صراحةٍ؛ لأنه نَفَى حصولَ انقطاعِ الاتصال بالسماء بعد رحيلِ النبي ﷺ مؤكِّدًا استمرارَه وثبوتَه للأئمة، وبما أن الاتصالَ الذي كان للنبي ﷺ في السماء هو الوحيُ، فهو إذًا بعينه ثابتٌ للأئمة، ولم ينقطع بموتِ النبي ﷺ .
خامسًا: أن الأئمةَ يَعلمون أخبارَ السماءِ صباحًا ومساءً عن طريق المَلَك:
لقد صرَّحوا بأن الإِمام يعرفُ أخبارَ السماء صباحًا ومساءً، وهذا إمَّا أن يكونَ عن طريق وحيٍ ظاهرٍ وهو المَلَك، أو باطنٍ وهو الإلقاءُ في القلب، ولكنهم قد أثبتوا له الوحي الظاهر، وهو تكليمُ المَلَكِ للإِمام (١)،
стр. 669
وهذا هو معنى الوحي الذي ينزلُ على الأنبياء، ولكنهم لم يُثبتوا هذا للإِمام فحسب، بل جعلوا مَنْعَ اللهِ تعالى لهذا الوحي -وهو إخبارُ الإِمامِ بأخبار السماء والأرض صباحًا ومساءً عن طريق الملَك- عن الإِمام منافٍ لرحمته ولطفه بعباده، وبالتالي يكون القولُ بانقطاع الوحي بعد النبي ﷺ ينافي رحمةَ الله تعالى بعباده ولُطفَه بهم .. فمِن رواياتهم التي أثبتوا فيها نفس المعنى الذي نقول به ما يلي:
أ- ذكر الكِلِّيني في "الكافي" (١/ ٢٦١) الحديث (٣): "عن جماعة ابن سعد الخثعمي أنه قال: كان المفضَّلُ عند أبي عبد الله ﵇ فقال له المفضَّل: جُعلت فداك، يَفرضُ اللهُ طاعةَ عبدٍ على العباد ويَحجُبُ عنه خبرَ السماء؟ قال: لا، اللهُ أكرمُ وأرحمُ وأرأفُ بعباده من أن يفرضَ طاعةَ عبدٍ على العباد، ثم يَحجُبُ عنه خَبَرَ السماء صباحًا ومساءً".
ب - ذكر أيضًا (ص ٢٦٢) الحديث (٦): "عن أبي حمزة قال: سمعتُ أبا جعفر يقول: لا واللهِ لا يكونُ عالم (العالم الذي افترض الله طاعته) جاهلاً أبدًا، عالمًا بشيء جاهلاً بشيء، ثم قال: اللهُ أجلُّ وأعزُّ وأكرمُ أن يَفرضَ طاعةَ عبدٍ يَحجبُ عنه عِلمَ سمائه وأرضه، ثم قال: لا يَحجبُ ذلك عنه".
وهذا هو بعينه الذي أثبته "الرازي"، إذ أثبت أن الاتصالَ بالسماء عن طريق الملائكة حاصل للأئمة، وهذا بلا شك هو مفهوم الوحي.
سادسًا: إنَّ "روحَ القدس" الذي به تَحمَّل النبوة، ينتقل من النبي إِلى الإِمام:
وقد أثبتوا هذه الروحَ -أي: روح القدس- في رواياتهم والتي ميَّزوها
стр. 670
عن باقي الأرواح بأنها لا تسهو ولا تلهو، وبها يَعلمُ النبيُّ والإِمامُ أنباءَ الغيب من تحت عرشِ الرحمن إلى ما تحت الثرى - كما عَبَّر عنه شارح "الكافي "عند تعليقه على الرواية الثانية الآتية.
وهناك مَزِيَّةٌ أخرى لروح القدس، وهي أن النبوةَ تُحمل بها، فبروح القدس تحمل النبوة -حيث صرَّح بذلك في الرواية الثالثة-.
والفاجعةُ التي سيُصاب بها القارئُ حين يعلم أن هذه الروحَ التي تُحمل بها النبوة قد إنتقلت إلى الإِمام، كما ورد في الرواية الثالثة بقوله:
"وروح القدس فبه حَملُ النبوة، فإذا قُبض النبي ﷺ ، انتَقل رُوحُ القدس، فصار إلى الإِمام".
بمعنى أن الإِمام سيحمل النبوةَ عن طريق روح القدس التي انتَقلت إليه، فكيف يزعمون بأنهم لم يُثبتوا النبوة للإِمام.
° ومن الروايات حول "روح القدس" هذه ما رواه الكليني في "الكافي" (١/ ٢٧١ - ٢٧٢):
١ - عن جابر الجُعْفيِّ قال: "قال أبو عبد الله ﵇: يا جابر، إن الله ﵎ خَلق الخلقَ ثلاثةَ أصناف، وهو قولُ الله :
﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ٧ - ١١].
فالسابقون: هم رسل الله ﵈ وخاصَّةُ الله من خلقه، جَعل فيهم خَمسةَ أرواحٍ أيَّدهم بروح القدس، فبه عَرفوا الأشياء، وأيَّدهم بروح