الطوسي، المسؤول مع عدو الله "ابن العَلْقَمِيِّ" ومستشارِه "ابنِ أبي الحديد" عن الذبح العام الرهيب الذي ارتكبه الوثنيُّ هولاكو في أمةِ محمدٍ ﷺ عند استيلائه على عاصمة الإسلام "بغداد" سنة ٦٥٥ هـ، وكان الطُّوسيُّ قبلَ ذلك من ملاحدةِ الإِسماعيلية.
° قال ابنُ القيم: "ولما انتهت النَّوبةُ إلى نَصيرِ الشِّرك والكفرِ المُلحِدِ وزيرِ الملاحدة "النصير الطوسي" وزيرِ هولاكو، شَفَى نفسَه من أتباعِ الرسول وأهل دينه، فعَرَضهم على السيف حتى شفى إخوانَه من الملاحدة واستشفى هو، فقَتل الخليفةَ والقضاةَ والفقهاءَ والمحدِّثين .. ونَصر فى كُتبه قِدَمَ العالم وبُطلانَ المعاد .. وبالجُملة فكان هذا الملحِدُ هو وأتباعُه مات الملحِدين الكافرين بالله وملائكتِه وكتبِه ورسلِه واليوم الآخر" (١).
* الخميني الضالُّ المضِلُّ المغالي في أئمته الاثنا عَشرَ:
° فيقول: "إن للإِمام مقامًا محمودًا ودرجةً ساميةً وخلافةً تكوينيةً، تَخضعُ لولايتها وسيطرتها جميعُ ذرَّات هذا الكون" (٢).
° ويقول في (ص ٥٢): "والأئمةُ كانوا قبلَ هذا العالَم أنوارًا، فجعلهم اللهُ بعرشه مُحدِقِين، وجَعل لهم من المنزلة والزُّلفى ما لا يعلمُه إلاَّ الله، وقد قال جبرائيل -كما ورد في روايات المعراج-: لو دنوتُ أنملةً لاحترقتُ".
° ويقول: "والأئمةُ الذين لا نتصوَّرُ فيهم السهوَ أو الغفلة" (٣).
стр. 702
° ويقول في (ص ٥٢): "وإن من ضروراتِ مذهبِنا: أنَّ لأئمتنا مقامًا لا يبلغُه مَلَكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسَل".
° قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: "ومَن اعتَقَد في غيرِ الأنبياء كونَه أفضلَ منهم -أو مساويًا لهم- فقد كفر، وقد نَقل على ذلك الإجماعَ غيرُ واحدٍ من العلماء" (١).
وهذا هو مذهبُ غلاةِ الرافضة -كما قال ابن تيمية في "منهاج السنة" (١/ ١٧٧) -.
° ونحن نقول عن الخميني إمام "حزب الله": إنه إمامٌ من أئمة الكفر.
° جاء في بيان التنظيم الدولي للإِخوان المسلمين وصفُ حُكمِ الخميني بأنه "الحكم الإسلامي الوحيد في العالم" (٢).
° وقالت مجلة "الاعتصام": "إن ردودَ الفعلِ التي أحدثتها "حركة الخميني" كان مبعثُها أن حركةَ الخميني حركةٌ إسلاميةٌ مئةً في المئة" (٣).
* ونحن نقول عن الخميني: إِنه إِمامٌ من أئمَّة الكفر:
° ونُدلِّلُ على هذا بما سبق وقلناه عن عقيدته، وبالآتي أيضًا:
(١) الاتجاه الوثني عنده:
° في كتابه "كشف الأسرار" تحت عنوان "ليس من الشِّرك طلبُ
стр. 703
الحاجة من الموتى"، يقول: "يمكن أن يقال: إن التوسُّلَ إلى الموتى وطلبَ الحاجةِ منهم شرك؛ لأن النبيَّ والإمامَ ليس إلاَّ جَمَادَينِ، فلا يُتوقَّعُ منهما النفعُ والضرر؟!.
والجواب: إن الشرك هو طلبُ الحاجةِ من غيرِ الله، مع الاعتقاد بأن هذا الغيرَ هو إلهٌ وربٌ.
وأمّا إذا طَلب الحاجةَ من الغير من غيرِ هذا الاعتقاد، فذلك ليس بشرك، ولا فَرقَ في هذا المعنى بين الحيِّ والميت، ولهذا لو طَلب أحدٌ حاجتَه من الحَجَر والمَدَر لا يكون شِركًا، مع أنه قد فَعل فعلًا باطلاً!!.
ومن ناحيةٍ أخرى، نحن نستمدُّ من أرواح الأنبياءِ المقدَّسةِ والأئمةِ الذين أعطاهم الله قُدرةً.
لقد ثَبت بالبراهين القطعيةِ والأدلةِ العقليةِ المُحكمةِ: حياةُ الروح بعد الموت، والإحاطة الكاملة للأرواح على هذا العالم!! " (١).
(٢) اعتقادُه تأثيرَ الكواكبِ والأيامِ على حركةِ الإِنسان، وهو قولُ الصابئة الكفار:
° يقول الخُميني: "يُكره إيقاعُه -يعني: عقدَ الزواج- والقمر في برج "العقرب" وفي محاق الشهر، وفي أحد الأيام المنحوسة في كلِّ شهر وهي سبعة: يوم ٣، ويوم ٥، ويوم ١٣، ويوم ١٦، ويوم ٢١، ويوم ٢٤، ويوم ٢٥ - وذلك من كل شهر-" (٢).
стр. 704
° ويقول صاحبُ "التحفة الاثنا عشرية": "إن الصابئين كانوا يحترِزون عن أيامٍ يكونُ القمرُ بها في العقرب، أو الطرف، أو المحاق، وكذلك الرافضة .. وكانت الصابئةُ يعتقدون أن جميعَ الكواكبِ فاعلةٌ مختارة، وأنها هي المدبرةُ للعالَم السُّفلي، وكذلك الرافضة" (١).
(٣) قولُه بالحلول والاتحاد:
وله كتابانِ خطيران في ذلك: "مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية"، و"سر الصلاة".
* قوله بالحلول الخاص:
° يقول عن أميرِ المؤمنين عليٍّ ﵁: "خليفتُه [يعني: خليفةَ الرسول ﷺ ]، القائمُ مقامَه في المُلكِ والملكوت، والمتَّحِدُ بحقيقته في حَضرةِ الجبروت واللاهوت، أصلُ شجرةِ طوبى، وحقيقةُ سِدرةِ المنتهى، الرفيقُ الأعلى في مقامٍ أو أدنى، مُعلِّمُ الرُّوحانيين، ومؤيَدُ الأنبياءِ والمرسلين، عليٌّ أمير المؤمنين" (٢).
° ومِن منطلق دعوى حلولِ الرب بعليٍّ -كما يَفتري- يَنسبُ الخمينيُّ لأميرِ المؤمنين عليٍّ أنه يقول: "كنتُ مع الأنبياء باطنًا، ومع رسول الله ظاهرًا" (٣).
стр. 705
° ويُعلِّقُ الخميني قائلاً: "فإنه ﵇ صاحبُ الولاية المطلَقة الكُلية، والولايةُ باطنُ الخلافة .. ﵇ بمقام ولايتهِ الكليةِ قائمٌ على كلِّ نَفْسٍ بما كسبت (!!) ومع كلِّ الأشياء مَعيَّةً قيُّوميةً ظِلِّيَّةً إلهيةً، ظِلَّ المعية القيوميةِ الحقَّةِ الإلهية، إلاَّ أن الولايةَ لَمَّا كانت في الأنبياء أكثرَ، خَصَّهم بالذِّكر" (١).
* ويقول في قوله : ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: ٢]، قال: "أي: ربكُم الذي هو الإِمام" (٢).
ب: قولُه بالحلول والاتحاد الكُلِّي:
° يقول: "النتيجة لكلِّ المقاماتِ والتوحيداتِ عدمُ رؤيةِ فعلٍ وصفةٍ حتى من الله تعالى، ونَفيُ الكثرةِ بالكلية، وشهودُ الوحدةِ الصرفة" (٣).
° ثم ينقل عن أحدِ أئمته أنه قال: "لنا مع الله حالاتٌ، هو هو، ونحن نحن، وهو نحن، ونحن هو" (٤).
° ثم يُعلَّقُ على ذلك بقوله: "وكلماتُ أهل المعرفة- خصوصًا الشيخُ الكبير محي الدينَ مشحونةٌ بأمثالِ ذلك، مِثلُ قوله: الحق خَلْق، والخَلقُ حق، والحقُّ حق، والخلق خلق".
ويستدلُّ على مذهبه في "وحدة الوجود" بقول "ابن عربي"، والذي يَصِفه بالشيخ الكبير (٥)، و"القونوي"، ويَصِفه بـ "خليفة الشيخ
стр. 706
الكبير محي الدين" (١).
"وهكذا يتبيَّنُ أن الخُمينيَّ قد أخذ منهجَ أهلِ الحلول والاتحاد" (٢).
* الخُميني يُكفِّرُ صحابةَ رسولِ الله ﷺ عامةً، ويُصرِّحُ بتكفيرِ الشيخين:
° يُقرر الخميني في كتابه "تحرير الوسيلة" مشروعيةَ التبرِّي من أعداء الأئمة في الصلاة (٣) .. وأعداءُ الأئمةِ في قاموس الشيعة هم صحابةُ رسول الله ﷺ إلا ثلاثةً أو سبعةً.
وهو في كتابه "كشف الأسرار" يُصرِّحُ بتكفيرِ الشيخين (٤).
وقد ذكر الشيخ أبو الحسن الندوي في ترجمته لبعض نصوص "كشف الأسرار" ما يتضمن مجاهرةَ الخميني بهذا الكفر (٥).
* تكفيرُ الأئمةِ للإِماميَّة الاثنا عَشْريَّة الجعفرية "الرافضة":
° قال النووي: "إن المذهبَ الصحيحَ المختار الذي قاله الأكثرون والمُحقِّقون: إن الخوارجَ لا يَكفُرون كسائرِ أهلِ البدع" (٦).
° قال الشيخ مُلاَّ علي القاري: "قلت: وهذا في غيرِ حقِّ الرافضةِ
стр. 707
الخارجةِ في زماننا، فإنهم يعتقدون كُفرَ أكثرِ الصحابةِ -فضلاً عن سائرِ أهل السنة والجماعة-، فهم كَفَرةٌ بالإجماع بلا نزاع".
وذَكَر النوويُّ في "شرح مسلم" أن الإماميَّةَ لا يُكفِّرون الصحابة، ويرى أنَّ التكفير إنما هو عند غُلاة الشيعة.
فالإماميةُ في عصر النووي كانوا لا يُكفِّرون الصحابة، أو أن الإمامَ النوويَّ ﵀ لم يَعرِفْ ذلك عنهم.
° وكُتب الشيعة الاثنا عشرية الرئيسية تطفحُ بهذا الرُّكام: "الكافي" للكلِّيني، و"من لا يحضره الفقيه" لابن بابويه القُمِّي، و"بحار الأنوار" لمحمد باقر المجلسي، و"وسائل الشيعة" للحر العاملي، و"مستدرك الوسائل" للنوري الطبرسي.
° وقد ذهب إلى كُفرهم الإمامُ مالكٌ، وأحمدُ، والبخاريُّ، وغيرهم -كالقرطبيِّ وابن تيميَّةَ والألوسي-:
° الإِمام مالك: رَوى الخَلاَّلُ عن أبي بكر المَروذي قال: "سمعت أبا عبد الله يقول: قال مالكٌ: الذي يَشتُمُ أصحابَ النبي ﷺ ليس لهم اسمٌ -أو قال: نصيب- في الإسلام" (١).
* قال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ
стр. 708
الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩].
° قال: "ومِن هذه الآية انتَزعَ الإِمامُ مالك -رحمةُ الله عليه- في روايةٍ عنه تكفيرَ الروافض الذين يُبغِضون الصحابة ﵃ قال: لأنهم يَغيظونهم، ومَن غاظه الصحابةُ ﵃ فهو كافر لهذه الآية، ووافقه طائفةٌ من أهل العلم" (١).
° قال القرطبيُّ: "لقد أحسَنَ مالكٌ في مقالته، وأصاب في تأويله، فمَن انتَقَص واحدًا منهم، أو طَعَن عليه في روايته، فقد رَدَّ على الله ربِّ العالَمين، وأبطل شرائعَ المسلمين" (٢).
° الإِمام أحمد: وردت عنه رواياتٌ عديدةٌ في تكفيرهم:
فقد روى الخَلاَّل عن أبي بكر المَرُّوذي قال: "سألت أبا عبد الله عمن يشتم أبا بكرٍ وعمرَ وعائشة؟ قال: ما أراه على الإِسلام".
° وقد جاء في كتاب "السنة" للإِمام أحمد قولُه عن "الرافضة": "هم الذين يتبرؤون من أصحابِ محمد ﷺ ويَسُبُّونهم، وينتقصونهم، ويُكفِّرون الأئمةَ إلاَّ أربعة: عليٌّ وعَمَّارٌ والمِقدادُ وسَلْمان .. وليست الرافضةُ من الإسلام في شيء" (٣).
° وقال البخاري ﵀: "ما أُبالي صَلَّيتُ خَلْفَ الجهميِّ والرافضي، أم صلَّيتُ خلفَ اليهود والنصارى، ولا يُسلَّمُ عليهم، ولا
стр. 709
يُعادون، ولا يناكَحون، ولا يُشهَدون، ولا تؤكَلُ ذبائحُهم" (١).
° وقال عبدُ الرحمن بن مَهدِي: "هما مِلَّتانِ: الجهمية والرافضة" (٢).
° وسأل رجلٌ الفريابيَّ عمن يشتمُ أبا بكر؟ قال: "كافر، قال: فيُصلَّى عليه؟ قال: لا. وقال: لا تَمَسُّوه بأيديكم، ارفعوه بالخُشُب حتى تواروه في حَفرته" (٣).
ومِمَّن كَفرهم: أحمدُ بن يونس، وأبو زُرعةَ الرازي، وابنُ قُتيبة.
° قال عبدُ القاهر البغدادي: "وأما أهل الأهواء من الجارودية والهِشامية والجهمية والإِمامية -الذين أكفروا خيارَ الصحابة-، فإنا نُكفِّرُهم، ولا تجوزُ الصلاةُ عليهم عندنا ولا الصلاةُ خَلْفَهم" (٤).
° وقال القاضي أبو يَعلى: "وأما الرافضةُ، فالحكم فيهم: إن كَفَّر الصحابةَ أو فَسَّقهم بمعنى يستوجب به النار، فهو كافر".
° وقال ابنُ حزم: "وأما قولهم -يعني: النصارى- في دعوى الروافضِ تبديل القرآن، فإنَّ الروافضَ ليسوا من المسلمين .. وهي طائفةٌ تجري مجرى اليهود والنصارى في الكذب والكفر" (٥).
° ثم قال: "ومِن قولِ الاماميةِ قديمًا وحديثًا: إن القرآن مبدَّل".
° ثم قال: "القولُ بأن بين اللوحين تبديلاً كُفرٌ صريح، وتكذيبٌ
стр. 710
لرسول الله ﷺ " (١).
° وقال الإسفرايني: "ليسوا في الحال على شيءٍ من الدين، ولا مزيدَ على هذا النوع من الكفر، إذ لا بَقاءَ فيه على شيءٍ من الدين".
° وقال أبو حامد الغزالي: "فلو صَرَّح مصرِّحٌ بكفرِ أبي بكر وعمر ﵄، فقد خالفَ الإجماعَ وخَرَقه، ورَدَّ ما جاء في حقِّهم من الوعد بالجنة والثناءِ عليهم والحُكمِ بصحةِ دينهم وثباتِ يقينهم وتقدُّمِهم على سائرِ الخلق في أخبارٍ كثيرة".
° ثم قال: "فقائلُ ذلك -إنْ بَلَغَتْه الأخبارُ واعتَقَد مع ذلك كُفرَهم-، فهو كافر" (٢).
° وقال القاضي عياض ﵀: "نقطعُ بتكفيرِ غُلاةِ الرافضة في قولهم: إن الأئمةَ أفضلُ من الأنبياء".
والشِّيعةُ المعاصرون يَعُدُّون هذا من ضروراتِ مذهبِهم، ومُنكِرُ الضروريِّ كافرٌ عندهم.
° وقال السَّمعاني: "واجتمعت الأُمةُ على تكفيرِ الإمامية؛ لأنهم يعتقِدون تضليلَ الصحابة، ويُنكِرون إجماعَهم وَينسِبونهم إلى ما لا يَليقُ بهم" (٣).
° وقال شيخُ الإسلام ابن تيمية: "مَن زَعَم أن الصحابةَ ارتدُّوا بعد
стр. 711
رسولِ الله ﷺ إلاَّ نفرًا قليلاً لا يبلغون بضعةَ عَشَر نَفْسًا، أو أنهم فَسَّقوا عامتهم، فهذا لا ريبَ -أيضًا- في كُفرِه؛ لأنه مُكذِّبٌ لمَا نصَّه القرآنُ في غيرِ موضعٍ من الرضى عنهم والثناء عليهم .. بل مَن يُشكِّكُ في كفرِ مثل هذا؟ فإنَّ كُفْرَه متعيَّن" (١).
° وساق الإمامُ ابنُ كثير بعضَ الأحاديث الثابتة في السنة، والمتضمنةَ نَفْيَ دعوى النصِّ والوصيةِ التي تدَّعيها الرافضةُ لعليٍّ، ثم قال بعدَها معقِّبًا: "ولو كان الأمرُ كما زَعموا، لَمَا رَدَّ ذلك أحدٌ من الصحابة، فإنهمِ أطوعُ لله ولرسوله في حياته وبعده وفاته مِن أن يفتاتوا عليه فيُقدِّموا غيرَ من قدَّمه، ويؤخِّروا مَن قدَّمه بنصِّه، وحاشا وكلاَّ، ومَن ظن بالصحابة ﵃ ذلك فقد نَسَبهم بأجمعِهم إلى الفجور، والتواطُؤِ على معاندةِ الرسول، ومضادَّته في حُكمه ونصِّه، ومَن وَصَل من الناس إلى هذا المقام، فقد خَلَع رِبْقةَ الإسلام، وكَفَر بإجماع الأئمةِ الأعلام، وكان إراقةُ دمِهِ أحلَّ مِن إراقةِ المُدام" (٢).
° وكَفَّرهم شيخُ الإسلام ابنُ عبد الوهاب في رسالته "الرد على الرافضة"، والشيخ شاه عبد العزيز الدهلوي في "مختصر التحفة الاثنا عشرية" (ص ٣٠٠).
° وكفَّرهم الإمامُ الشوكاني: فقال: "وبهذا يتبيَّنُ أن كل رافضيٍّ خبيثٍ يصيرُ كافرًا بتكفيره لصحابيٍّ واحد، فكيف بمن كفَّر كلَّ الصحابةِ
стр. 712
واستثنى أفرادًا يسيرة" (١).
° وعندما جاء بعضُ آياتهم لمناظرةِ العالِمِ الربانيِّ الشيخ الشنقيطي صاحب "أضواء البيان" قال لهم: "لو كنَّا نتَّفقُ على أصولٍ واحدة لناظرتُكم، ولكنْ لنا أصولٌ ولكم أصول، وبصورةٍ أوضح: لنا دينٌ ولكم دين" (٢).
° وكَفَّرهم الشيخ تقيُّ الدين الهلالي في رسالته "مناظرتان بين، رجلٍ سُنِّيٍّ وإمامين مجتهدَين شيعيين" (٣).
* سَلُوا التاريخ يُخبِرْكم عن الرافضة الإِثني عشريَّة:
° "مَن الذي تآمَرَ مع التتار حتى استولَوا على بغداد وقَتلوا الخليفة المستعصِم، وقَتلوا معه غَدْرًا وفي ساعةٍ واحدة - مئتي ألفِ شخصيةٍ من العلماءِ والوجهاء والقضاة، واستمرت المذابح فيها بضعًا وثلاثين يومًا، قُتِل فيها حوالي ثمانِمِئةِ ألفِ مسلمٍ ومسلمة؟!.
° ومَن الذي تسبَّب في انحسارِ المَدِّ الإسلاميِّ العثماني في أرجاء أوربة، وطَعَن الخليفةَ العثمانيَ في ظهرِه بزحفه على عاصمةِ الخلافة، بينما كان يتغلغلُ بجيوشه في أحشاءِ "النمسا" إلى أن دَخَل قلب "فيينا"، وكادت أوروبا تدخل في حظيرة الإِسلام، لولا اضطرار الجيشِ العثماني إلى الانسحاب والرجوع إلى الرافضة لدحرهم ودفعهم؟! " (٤).
стр. 713
° ومَن الذي تحالَفَ مع مَلِكِ "المَجَر" ضدَّ الدولة العثمانية؟ (١).
° يقول شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀: "كانوا من أعظم الأسباب في استيلاءِ النصارى قديمًا على بيت المقدس، حتى أستفقَذَه المسلمون منهم" (٢).
° "ومَن الذي سَلَّم أرضَ المسلمين في "باكستان الشرقية" لُقمةً سائغةً للهندوس حتى يُقيموا عليها الدولةَ المَسْخ "بنجلاديش"؟ " (٣).
° يقول الشيخ إحسان إلهي ظهير: "وها هي باكستانُ الشرقية، ذهبت ضحية بخيانةِ أحدِ أبناء "قزلباش" الشيعة "يحيى خان" في أيدي الهندوس (٤).
° "وقد عارض شيوخُ الشيعة في باكستان تطبيقَ الشريعةِ الإِسلامية، وقد قال زعيمُ الشيعة "مفتي جعفر حسين" في مؤتمر صحفي: بأن الشيعة يرفضون تطبيقَ الحدودِ الإسلامية؛ لأنها ستكون على مذهبِ أهل السُّنَّة" (٥).
* نقولُ للمخدوعين في رافضة إِيران والعراق، ولبنان (٦):
° إن لم ترضَوا بأقوالِ هؤلاء العلماء الجهابذة من أساطين الإِسلام،
стр. 714
فاقرؤوا رسالة الشيخ "محب الدين الخطيب": "الخطوطُ العريضةُ التي قام عليها دينُ الشيعة الإمامية الاثني عشرية"، والشيخ محمد بهجة البيطار في كتابه "حياة شيخ الإسلام ابن تيمية" (ص ١٣١)، والقاسمي، ومحمد رشيد رضا، والدكتور مصطفى السباعي في مقدمة كتابه: "السنة ومكانتها في التشريع" (ص ١٧)، وهو شيخ الإِخوان في سوريا ﵀، والشيخ ابن باز، والشيخ الألباني، وشيخ علماء الجزائر البشير الإِبراهيمي، وأحمد أمين، والدكتور محمد رشاد سالم.
* الفلاسفة .. الفارابيُّ وابنُ سينا ومَن عَلَى شاكلتهم ويقولُ برأيهم:
كان أبو حامد الغزالي واحدًا من جملةِ أولئك الذين أظهروا للناس فسادَ الفلسفة، بعد أن أمضى قريبًا من سَنَتَينِ يدرسُ غَوْرَ وغوائلَ هذا المذهبِ، حتى اطلع على ما فيه من خِداعٍ وتلبيسٍ وتخييل، ومِن ثَمَّ قسَّمهم إلى ثلاثةِ أصناف:
الصنف الأول: الدهريون.
والصنف الثاني: الطبيعيَّون.
والصنف الثالث: الإِلهيُّون.
ثم قَطَعَ بتكفيرِ أصحاب الصِّنف الثالث -وهم الإِلهيُّون- وتكفير متَّبعيهم من المتفلسفة الإسلاميين -كابن سينا والفارابي وغيرهما-، حيث إن أحدًا من المسلمين لم ينقل عِلمَ "أرسطاطاليس" كقيام هذين الرجلين (١).
[على حد قوله].
стр. 715
والسببُ في تكفيرهم بالإلهيات قولُ الغزالي بأنه قد كثرت فيها أغاليطُهم، فما قُدَروا على الوفاءِ بالبراهين على ما شرطوه في المنطق، ومجموعُ ما غَلِطوا فيه يرجعُ إلى عشرينَ أصلاً، يجبُ تكفيرهم في ثلاثةٍ منها، وتبديعُهم في سبعةَ عَشر، وهذه الثلاثة هي كالآتي:
١ - قولُهم: "إن الأجسادَ لا تُحشر، وإنما المُثابُ والمعاقَبُ هي الأرواحُ المُجَرَّدة، والمثوباتُ والعقوباتُ رُوحانيةٌ لا جُسمانية".
٢ - قولهم: "إن الله يَعلمُ الكلِّيَّات دون الجزئيات" .. وهذا أيضًا كفرٌ صريح.
٣ - قولهم بقِدَمِ العالَم وأزليَّته (١).
لقد كان هذا الموقفُ عظيمًا من الغزالي، حيث استطاع مجابَهَتَهم وتفنيدَ آرائهم، ثم أظهر تهافتها في كتابه المسمَّى بـ "تهافت الفلاسفة" (٢)، في الوقت الذي لم يكن فيه الكثيرُ من النُّظَّار قادِرِين على ذلك، إذْ كان لدى الفلاسفة من الحجج الباطلةِ والقواعدِ الجدليَّة ما يُلبس ثوبَ الشكِّ لدى خَصمِهم في القُدرة على مواجهتهم بذلك، حتى جاء الغزاليُّ وأبطل هذه الحجَج بقَدَمٍ ثابتة، وثقةٍ بالغة، وجُرأةٍ نادرة، وسَجَّل له التاريخُ الإسلاميُّ هذا الفضلَ العظيم (٣)، (٤).
стр. 716
° قال شيخُ الإِسلام ابن تيمية: "إن الفلاسفةَ الإِلهيينَ المشَّائين وغيرَهم متَّفِقون على الإقرارِ بواجبِ الوجود، وببقاءِ الرُّوح بعد الموت، وبأن الأعمالَ الصالحة تنفعُ بعد الموت، ويخالفهم في ذلك فلاسفة كثيرون من الطبيعيِّين وغيرهم، بل وبين الإِلهيين من الفلاسفة خلافٌ في بعض ذلك، حتى الفارابي -وهَو عندهم المعلِّمُ الثاني- يقال: إنه اختلف كلامه في ذلك.
فقال تارةً ببقاءِ الأنفسِ كلِّها، وتارةً ببقاءِ النفوس العالِمة دون الجاهلة، كما قاله في آراء المدينة الفاضلة، وتارةً كَذَّب بالأمرْين، وزَعَم الضال الكافرُ: أن النبوَّة خاصَّتها جَودَةُ تخييلِ الحقائق الرُّوحانية، وكلامُهم المضطرب في هذا الباب كثير" (١).
° وقال ابنُ تيمية في كتابه "النبوَّات": "قد غَلِط في النبوة طوائفُ غيرُ الذين كَذَّبوا بها إما ظاهرًا وباطنًا، وإمَّا باطنًا كالمنافق المَحْض، بل الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزِل إلى الرسول وإلى مَن قَبْلَهَ، وهم خَلْقٌ كثير فيهم شُعبةُ نفاقٍ -وإن لم يكونوا مُكذِّبين للرسول مِن كلِّ وجه-، بل قد يعظِّمونه بقلوبهم، ويعتقدون وجوبَ طاعته في أمورٍ دون أمور.
وأبعدُ هؤلاء عن النبوة: المتفلسِفةُ والباطنية والملاحدة؛ فإن هؤلاء لم يَعرفوا النبوةَ إلاَّ من جهةِ القَدْرِ المشترك بين بنيَ آدم -وهو المنام-، وليس في كلام أرسطو وأتباعه كلام في النبوة، والفارابيُّ جَعَلها من جنس المنامات فقط، ولهذا يُفضلَ هو وأمثالُه "الفيلسوف" على "النبي"، وابنُ سينا عَظَّمها أكثر من ذلك، فجعل للنبيِّ ثلاث خصائص:
стр. 717
° أحدها: أن يَنالَ العلمَ بلا تَعلُّم، ويُسمِّيها "القوَّة القُدْسيَّة"، وهي "القُوَّةُ الحَدْسِيَّة" عنده.
° والثاني: أن يتخيَّل في نفسه ما يَعلمُه، فيرى في نفسه صُورًا نورانيَّةً، ويَسمعُ في نفسِه أصواتًا، كما يرى النائمُ في نومه صُورًا تكلِّمُه، ويسمع كلامَهم، وذلك موجودٌ في نفسِه لا في الخارج.
فهكذا عند هؤلاء جميعُ ما يختصُّ بالنبي مما يراه ويسمعُه دون الحاضِرين، إنما يراه في نفسِه ويسمعه في نفسه، وكذلك الممرور عندهم.
° والثالث: أن يكون له قوَّةٌ يتصرَّفُ بها في هيولَى العالم بإحداثِ أمورٍ غريبة وهي عندهم آياتُ الأنبياء.
وعندهم ليس في العالَم حادثٌ إلاَّ عن قوى نفسانيةٍ أو مَلَكيَّةٍ أو طبيعيَّةٍ، كالنفس الفلكية والإِنسانية والأشكالِ الفلكية، والطبائع التي للعناصر الأربعة والمولِّدات، لا يُقرُّون بأن فوقَ الفَلَكِ نفسِه شيءٌ يَفعلُ ولا يُحدِثُ شيئًا، فلا يتكلمُ ولا يتحرَّكُ بوجهٍ من الوجوه لا مَلَك ولا غير مَلَك فضلاً عن ربِّ العالم.
والعقولُ التي يثبتونها عندهم ليس فيها تحوُّلٌ من حالٍ إلى حالٍ ألبتة، لا بإرادةٍ ولا قولٍ ولا عملٍ ولا غير ذلك، وكذلك المبدأ الأول.
وهؤلاء عندهم جميعُ ما يحصل في نفوسِ الأنبياء إنما هو من فَيضِ "العقل الفعال"، ثم إنَهم لَمَّا سَمِعوا كلامَ الأنبياء أرادوا الجَمَع بينه وبين أقوالهم، فصاروا يأخذون ألفاظَ الأنبياء فيضعونَها على معانيهم، ويسمُّون تلك المعاني بتلك الألفاظِ المنقولة عن الأنبياء، ثم يتكلمون ويَصِفون الكتب
стр. 718
بتلك الألفاظ المأخوذةِ عن الأنبياء، فيَظنُّ مَن لم يعرف مرادَ الأنبياء ومرادَهم أنهم عَنَوا بها ما عَنَتْه الأنبياءُ .. وضَلَّ بذلك طوائفُ، وهذا موجودٌ في كلام ابن سينا ومن أخَذَ عنه، وقد ذَكَر الغزاليُّ ذلك عنهم تعريفًا بمذهبهم، وربَّما حَذَّر عنه، ووقع في كلامِه طائفةٌ من هذا في الكتب المضنون بها على غير أهلها وفي غير ذلك، حتى في كتابه "الإحياء" يقول: "الملك والملكوت والجبروت"، ومقصوده الجِسمُ والنَّفس والعَقل الذي أثبتته الفلاسفة، وَيذكُرُ اللوحَ المحفوظ، ومرادُه به النفسَ الفلكية .. إلى غير ذلك مما قد بسط في غير هذا الموضع، وهو في "التهافت" وغيرِه يُكفِّرُهم، وفي "المضنون به" يذكرُ ما هو حقيقةُ مذهبِهم، حتى يَذكرَ في النبوَّات عَينَ ما قالوه، وكذلك في الإلهيات، وهذه الصفاتُ الثلاثُ التي جَعلوها خاصةَ الأنبياء توجَدُ لعمومِ الناسِ، بل توجدُ لكثيرٍ من الكفار من المشركين وأهلِ الكتاب، فإنه قد يكونُ لأحدهم من العلم والعبادة ما يتميَّز به على غيره من الكفار، ويَحصلُ له بذلك حَدْسٌ وفراسةٌ يكون أفضلَ من غيره.
وأما التخييلُ في نفسه، فهذا حاصلٌ لجميعِ الناس الذين يَرَون في مناماتهم ما يَرَون، لكن هو يقولُ: إن خاصَّةَ النبيِّ أن يَحصلَ له في القيظةِ ما حَصَل لغيرِه في المنام، وهذا موجودٌ لكثيرٍ من الناس، قد يحصلُ له في اليقظة ما يَحصُلُ لغيرِه في المنام، ويَكفيك أنهم جَعَلوا مثلَ هذا يحصلُ للممرور وللساحر، ولكن قالوا: الساحر قَصدُه فاسد، والممرور ناقص العقل .. فجعلوا ما يَحصل للأنبياء من جنسِ ما يحصُل للمجانين والسحَرة، وهذا قولُ الكفار في الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ
стр. 719
قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥١ - ٥٣].
وهؤلاء عندهم ما يحصلُ للنبيِّ من المكاشفة والخطاب هو من جنسِ ما يحصُلُ للساحر والمجنون، لكنَّ الفَرْقَ بينه وين الساحر: أنه يأمرُ بالخير، وذلك يأمر بالشر، والمجنون ما له عقل، وهذا القَدْرُ الذي فرقوا به موجودٌ في عامةِ الناس، فلم يكن عندهم للأنبياء مَزِيَّةٌ على السحَرة والمجانين إلاَّ ما يُشاركُهم فيه عمومُ المؤمنين، وكذلك ما أثبتوه من القوَّةِ الفعَّالةِ المتصرِّفة، هي عندهم تَحصلُ للساحر وغيرِه، وذلك أنهم لا يَعرِفون الجنَّ والشياطين، وقد أَخبروا بأمورٍ عجيبة في العالَم، فأحالوا ذلك على قوَّةِ نفسِ الإنسان، فما يأتي به الأنبياءُ من الآيات، والسَّحَرةُ والكُهَّانُ وما يُخبِرُ به المصروعُ والممرورُ: هو عندهم كله من قوَّةِ نفسِ الإنسان، فالخبرُ بالغيب هو لاتِّصالها بالنفسِ الفَلَكية، ويُسمونها "اللوح المحفوظ"، والتصرُّفُ هو بالقوة النفسانية، وهذا حِذقُ ابن سينا وتصرُّفه لَمَّا أَخبر بأمورٍ في العالَم غريبة لم يُمكِنْه التكذيبُ بها، فأراد إخراجَها على أصولهم وصَرَّح بذلك في "إشاراته"، وقال: "هذه الأُمور لم نُثبتها ابتداءً، بل لَما تحققنا أن في العالَم أمورًا من هذا الجنس أردنا أن نبين أسبابها".
وأما أرسطو وأتباعُه، فلم يعرِفوا هذه الأمور الغريبة، ولم يتكلَّموا عليها ولا على آياتِ الأنبياء، ولكنْ كان السحرُ موجودًا فيهم، وهؤلاءِ من أبعدِ الأُمم عن العلوم الكلية والإلهية، فإنَّ حدوثَ هذه الغرائبِ من الجنِّ واقترانَهم بالسَّحَرةِ والكهَّان مما قد عَرَفه عامَّةُ الأمم وذكروه في كتبهم غيرُ العرب، مثل الهند والترك وغيرهم من المشركين وعُبادِ الأصنام وأصحابِ الطلاسم والعزائم، وعَرفوا أن كثيرًا مِن هذه الخوارق هو مِن الجنَّ
стр. 720
والشياطين، وهؤلاء الجهَّالُ لم يعرفوا ذلك، ولهذا كان من أصلِهم أن النبوة مُكتسَبةٌ، وكان السُّهْرَوَرديُّ المقتولُ يطلبُ أن يكون نبيًّا، وكذلك ابنُ سبعين وغيره، والنبوةُ الحقُّ هي أنباءُ الله لعبدِه، ونبيُّ الله مَن كان اللهُ هو الذي ينبِّئه، ووَحْيه من الله، وهؤلاء وحيُهم منَ الشياطين، فهم من جنسِ المتنبئين الكذَّابين كمسيلِمةَ الكذَّاب وأمثاله، بك أولئك أحذقُ منهم، فإنهم كانت تأتيهم أرواحٌ فتكلِّمُهم وتُخبرُهم بأمورٍ غائبةٍ، وهي موجودة في الخارج -لا في أنفسهم-، وهؤلاء لا يعرِفون مثلَ هذا، ووجودُ الجن والشياطين في الخارج وسماعُ كلامهم أكثرُ من أن يمكنَ سَطرُ عُشرِه هنا، وكذلك صَرعُهم للإِنس وتَكلُّمُهم على ألسنتِهم.
والفَرقُ بين النبي والساحر أعظم من الفرقِ بين الليل والنهار، والنبي يأتيه مَلَكٌ كريم من عند الله يُنبئه الله، والساحرُ والكاهن إنما معه شيطانٌ يأمرُه ويُخبرُه، قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣].
فلا الخبرُ كالخبر، ولا الأمر كالأمر، ولا مُخبِرُ هذا كمُخبِرِ هذا، ولا آمِرُ هذا كآمِرِ هذا، كما أنه ليس هذا مثلَ هذا، ولهذا قال تعالى لَمَّا ذكر الذي جاء بالقرآن إلي محمد، وأنه ملَكٌ منفصِلٌ ليس خيالاً في نفسه -كما يقوله هؤلاء-: قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢٧].
стр. 721
فالقرآنُ قولُ رسولٍ أرسله الله -لَم يرسِلْه الشيطان-، وهو مَلَكٌ كريم ذو قوةٍ عند ذي العرش مَكينٌ، مطاع ثَمَّ أمين، فهو مطاعٌ عند ذي العرش في الملأ الأعلى، والشياطين لا يُطاعون في السموات، بل ولا يَصعدون إليها" (١).
° وقال الذهبي: "قد سقت في "تاريخ الإسلام" أشياءَ اختصرتُها، وهو رأسُ الفلاسفة الإِسلامية، لم يأتِ بعدَ الفارابيِّ مثلُه، فالحمدُ لله على الإِسلام والسُّنَّة.
وله كتابُ "الشفاء" وغيرُه، وأشياءُ لا تُحتَمل، وقد كَفَّره الغزاليُّ في كتاب "المُنقِذ من الضلال"، وكفَّر الفارابي" (٢).
° وقال ابنُ كثير عن أبي عليٍّ بن سينا، الحُسينِ بن عبد الله بن سينا: "وقد لَخَّص الغزاليُّ كلامَه في "مقاصد الفلاسفة"، ثم ردَ عليه في "تهافت الفلاسفة" في عشرين مسألة، كفَّره في ثلاثِ مسائلَ مِنْهنَّ؛ وهي قوله بِقِدَم العالَم، وعدم المَعادِ الجُسْمَانيِّ، وأن اللهَ لا يَعْلمُ الجزئيات، وبَدَّعه في البواقي .. ويُقال: إنه تاب عندَ الموت .. فالله أعلم" (٣).
° يقول شيخ الإِسلام ﵀ في كتابه "درء تعارض العقل والنقل" وهو بصدد البحث عن انحراف الفلاسفة: "ولهؤلاء في نصوصِ الأنبياء طريقتان: طريقة التبديل، وطريقة التجهيل:
стр. 722
أما أهل التبديل: فهم نوعان: أهلُ الوهم والتخييل، وأهلُ التحريف والتأويل.
فأهلُ الوهم والتخييل هم الذين يقولون: إن الأنبياءَ أخبروا عن الله وعن اليوم الآخر، وعن الجنةِ والنار، وعن الملائكة، بأمورٍ غيرِ مطابقةٍ للأمر في نفسه، لكنهم خاطَبوهم بما يتخيَّلون به ويتوهَّمون به أن اللهَ جسمٌ عظيم، وأن الأبدانَ تُعاد، وأن لهم نعيمًا محسوسًا، وعقابًا محسوسًا -وإن كان الأمرُ ليس كذلك في نفسِ الأمر-، لأن من مصلحةِ الجمهور أن يخاطَبوا بما يتوهَّمون به ويتخيَّلون أن الأمرَ هكذا، وإن كان هذا كذِبًا فهو كذبٌ لمصلحة الجمهور، إذ كانت دعوتُهم ومصلحتُهم لا تُمكِنُ إلاَّ بهذه الطريق.
° وقد وَضح ابنُ سينا وأمثالُه قانونَهم على هذا الأصل، كالقانون الذي ذَكره في رسالته "الأضحوية" (ص ٤٤ - ٥١)، وهؤلاء يقولون: "الأنبياءُ قَصَدوا بهذه الألفاظ ظواهرَها، وقصدوا أن يفهمَ الجمهورُ منها هذه الظواهر، وإن كانت الظواهرُ في نفس الأمر كذِبًا وباطلاً ومخالفةً للحق، فقصدوا إفهام الجمهور بالكذب والباطلِ للمصلحة".
ثم مِن هؤلاء من يقول: "النبيُّ كان يَعلمُ الحقَّ، ولكن أظهَرَ خلافَه للمصلحة".
ومنهم من يقول: "ما كان يعلمُ الحقَّ كما يعلمُه نُظَّارُ الفلاسفة وأمثالهم".
وهؤلاء يُفضِّلون الفيلسوفَ الكاملَ على النبي، ويُفضِّلون الوَلِيَّ الكاملَ الذي له هذا المشهَد على النبي، كما يُفضِّلُ ابنُ عربي الطائى خاتَمَ الأولياء -في زعمه- على الأنبياء، وكما يُفضِّلُ الفارابي ومبشِّرُ بن فاتك
стр. 723
وغيرُهما الفيلسوفَ على النبي.
وأما الذين يقولون: "إن النبي كان يعلمُ ذلك"، فقد يقولون: "إن النبي أفضلُ من الفيلسوف؛ لأنه عَلِم ما عَلِمه الفيلسوفُ وزيادةً، وأمكنه أن يخاطِبَ الجمهورَ بطريقةٍ يَعجِزُ عن مثلها الفيلسوفُ" .. وابنُ سينا وأمثاله من هؤلاء.
وهذا في الجملة قولُ المتفلسفةِ والباطنية، كالملاحدة الإسماعيلية، وأصحابِ رسائل "إخوان الصفا"، والفارابي وابن سينا والسُّهْرَوَرْدي المقتول وابن رُشد الحفيد، وملاحدة الصوفية الخارجين عن طريقةِ المشايخ المتقدِّمين من أهل الكتاب والسنة، كابن عربي وابن سبعين وابن الطفيل صاحب رسالة "حي بن يقطان"، وخَلق كثير غير هؤلاء" (١).
° وقد خَصَّ شيخُ الإسلام قسمًا كبيرًا من هذا الكتاب العظيم في تتبعِ سقَطاتِ ابن سينا وضلالاته، وبيان ما فيها من زيفٍ وانحرافٍ بالحجة والبرهان على طريقةِ السلف الصالح من لدن صحابةِ رسول الله ﷺ ومَن تَبِعهم بإحسانٍ من الأئمة والعلماء المشهودِ لهم بالعلمِ والإيمان والاستقامة والعرفان.
° وقال ابن تيمية عن تسمية ابن سينا للَّوح المحفوظ بالنفس الفلكيَّة: "وقد بَينا أن اللوحَ المحفوظَ الذى ذَكَره الله ورسوله ليس هو "النَّفسَ الفلكية" وابنُ سينا ومَن تبعه أخذوا أسماءَ جاء بها الشرعُ، فوضعوا لها مسَمَّياتٍ مخالِفةً لمُسَمَّياتِ صاحبِ الشرع، ثم صاروا يتكلمون بتلك
стр. 724
الأسماء، فيَظنُّ الجاهلُ أنهم يقصِدون بها ما قَصَده صاحبُ الشرع .. وهؤلاء أخذوا مُخَّ الفلاسفة، وكَسَوه لِحاءَ الشريعة" (١).
° وقال ابنُ سينا: "إن الشرائع واردةٌ لخطابِ الجمهور بما يفهمون بتقريب ما لا يفهمون إلى إفهامهم بالتشبيه والتمثيل، ولو كان غيرُ ذلك لما أغنت الشرائعُ ألبتة" (٢).
وهذه الدَّعْوى من أخطر ما بنى عليه الفلاسفةُ والقرامطةُ منهجَهم في هَدم الإِسلام والإعراضِ عن القرآن والسنة، والاستغناءِ عنهما بالفلسفة وتعاليم الأئمة المعصومين.
° ويرى ابنُ سينا أن النبيَّ له ثلاثُ قوى:
الأولى: قوةٌ قُدسيَّة، وهي متابعة لقوَّةِ العقل النظري، ويَتمكَّنُ بها النبيُّ من إدراكِ الحدِّ الأوسط دَفعةً واحدة.
الثانية: قوَّةُ التخييل والحسِّ الباطن: بحيثُ يتمثَّلُ له ما يَعلمُه في نفسه فيراه ويسمعه، فيرى في نفسه صُورًا نورانيةً هي ملائكةُ الله، ويسمعُ في نفسِه أصواتًا هي -عنده- كلامُ الله، وذلك من جنسِ ما يحصلُ للنائم في منامه، ويحصلُ لغير الأنبياء بالرياضة.
الثالثة: قوةٌ نفسانيةٌ يتصرَّفُ بها في هَيولى العالَم، ويتمكَّنُ بها النبي والوليُّ في التأثير في مادة العلم، وهو يزعم أن خوارقَ العاداتِ التي للأنبياء والأولياء هي من هذا النمَط" (٣).
стр. 725
° وابنُ سينا هو أول من سَمى الله بـ "واجب الوجود" (١)، وهذا إلحادٌ منه في أسماء الله، وابن سينا وأمثالُه يُثبِتون وجودًا مطلقًا بشرط الإطلاق، والموجودُ المطلَقُ بشرط الإطلاق يُمتنعُ وجودُه خارجَ الذهن، فيكون وجودُ الربِّ وجودًا ذهنيًّا فقط (٢).
° وإنما راج كلامُ ابنِ سينا على مَن سَلَك طريقَ المتفلسفة؛ لأنَّه قرَّب لهم معرفةَ الله والنبوَّات بحسب أصولِ الصابئة، لا بحَسَبِ الحقِّ في نفسه كما فعل "نسطور"، و"يحيى بن عديٍّ" النصرانيَّان (٣).
° ولقد رَكَّب ابن سينا فلسفتَه من كلام اليونان والجهميَّة والصوفية وسَلَك طريقةَ الإسماعيلية دِينَ أصحاب "رسائل إخوان الصفا" (٤).
° يقول الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (١٧/ ٥٣١): "كان أبوه كاتبًا من دُعاة الإِسماعيلية، فقال: كان أبي تولَّى التصرُّفَ بقريةٍ كبيرة، ثم نزل "بُخاري"، فقرأتُ القرآن - وكثيرًا من الأدب ولي عشرٌ، وكان أبي ممَّن آخى داعي المصريين، ويُعَدُّ من الإسماعيلية".
° ولا يُعظِّمُ المتفلسفةَ ومذاهبَهم إلا أبعدُ الناسِ عن العقل والدين كالقرامطة والباطنية (٥).
стр. 726
° فقد قالت الفلاسفة: "إن الملائكةَ هي العقولُ العَشَرةُ، وإنها قديمةٌ أزلية، وإن العقلَ ربُّ ما سواه، وإن العقلَ الفَعَّال -وهو جبريلُ- مُبدع كلِّ ماْ تحت فَلَك القمر".
وهذا لم يَقلْ مِثلَه اليهود والنصارى ومشركو العرب ولم يَصِلْ إلَيه كفرهم (١).
* أما أبو نصر محمد بن محمد الفارابيُّ: التركي الذي من كُتبُه تَفَقَّه ابنُ سينا:
° قال عنه ابن كثير: "وكان يقولُ بالمَعادِ الرُّوحانيِّ لا الجُثمانيِّ، ويخَصِّصُ بالمَعادِ الأرْواحَ العالمةَ لا الجاهلةَ، وله مَذاهِبُ في ذلك يُخالِفُ المسلمين والفَلاسِفةَ مِن سَلَفِه الأقْدَمِين، فعليه -إن كان مات على ذلك- لَعْنَةُ ربِّ العالمين.
مات بدمشقَ - فيما قاله ابنُ الأثيرِ في "كاملِه" (٢)، ولم أرَ الحافظَ ابنَ عساكرَ ذكَره في "تاريخِه " لنَتْنِه وقَباحتِه .. فاللهُ أعْلمُ" (٣).
* نظرية النُّبُوَّة عند الفارابي:
الفارابي: محمدُ بنُ محمدِ بنِ طَرْخانَ بنِ أولغ، شيخُ الفلاسفة، أخَذَ المنطقَ عن "مَتَّى بنِ يونُس" النصراني، وسار إلى "حَرَّان"، فلزم بها "يوحنَّا ابن جيلان" النصوانى، ومُصنفاتُه مَن أبتَغى الهدى منها ضلَّ وحَارَ، ومنها
стр. 727
تخرَّج ابنُ سينا.
° يقول الدكتور "إبراهيم مدكور": "وقد كان فلاسفةُ الإسلام حريصين كل الحرصِ على أنْ يُوفِّقوا بين الفسلفةِ والدِّين، وبين العقلِ والنقل .. وبَيَّنوا الدينَ في اختصارٍ على أساسٍ عقلي، فكوَّنوا نظريةَ "النبوَّة" التي هي أهمُ محاولةٍ قاموا بها للتوفيق بين الفلسفةِ والدين .. والفارابيُّ هو أوَّلُ مَن ذَهَب إليها، وفَصَّل القولَ فيها، وقد كَتَب الفارابيُّ كتابًا سمَّاه "آراء أهل المدينة الفاضلة"، جارى فيه أفلاطون في كتابه "الجمهورية" إلى حَد كبير، وَيحوِي كثيرًا من الآراء الأفلاطونية التي ضمَّنها نظريتَه في النبوُّة" (١).
° وتظهرُ تفاصيلُ هذه النظرةِ إلى "النبوَّة" عند الفارابي فيما وَضعَه من شروطٍ لرئيسِ مدينتِه الفاضلة حيث يقول في ذلك: "وإذا جُعِلتِ الهيئةُ الطبيعيةُ (٢) مادةَ العقلِ المنفعل (٣) الذي صار عقلاً بالفعل (٤)، والمنفعلُ ماد
стр. 728
المستفاد، والمستفادُ مادةَ العقلِ الفَعَّال، وأخذت جملة ذلك كشيءٍ واحد، كان هذا الإنسانُ هو الذي يَحُل فيه العقل الفعَّال، وإذا حَصَل ذلك في كِلا جُزئَي قوته الناطقة -وهما النظرية والعَمَلية- (١)، ثم في قُوَّته المتخيِّلة، كان هذا الإنسانُ هو الذي يوحَى إليه، فيكونُ اللهُ يُوحي إليه بتوسُّطِ العقلِ الفَعَّال، فيكون ما يَفيضُ من الله ﵎ إلى العقلِْ الفَعَّال يفيضُه العقلُ الفعَّالُ إلى عقلِه المنفعل بتوسُّطِ العقل المستفاد، ثم إلى قُوَّته المتخيلة؛ فيكونُ بما يَفيضُ منه إلى عَقلِه المنفعل حكيمًا فيلسوفًا ومتعقِّلاً على التمام، وبما يَفيضُ منه إلى قُوَّتِه المتخيِّلة نَبِيًّا منذِرًا بما سيكون، ومُخبرًا بما هو الآن .. وهذا الإِنسانُ هو في أكملِ مراتبِ الإنسانية وفي أعلى درجاتِ السعادة، وتكونُ نفسُه مُتَّحدةً بالعقل الفَعَّال على الوجهِ الذي قلنا .. وهذا الإنسانُ هو الذى يَقِفُ على كلِّ فعلٍ يمكن أن يَبلغَ به السعادة، فهذا أولُ شرائطِ الرئيس" (٢).
° فمِن ها النصِّ نلاحظ الآتي:
١ - يذهبُ الفارابي إلى أنَّ الوحيَ إنما يكونُ لمن حَلَّ العقلُ الفعَّالُ في
стр. 729
قوَّتيْهِ الناطقة والمتخيلة .. ويَجعلُ هذه القوى من خصائصِ النبوةِ التي تؤثِّرُ على العالَمِ الخارجيِّ، فتكونُ بذلك المعجزاتُ.
° وفي هذا يقول الفارابي: "النبوةُ تختصُّ في رُوحها بقوةٍ قُدْسيةٍ تُذعِنُ لها غريزةُ عالَم الخَلقِ الأكبر، كما تُذعِنُ لروحِك -عالم الخلقِ الأصغر-، فتأتي بمعجزاتٍ خارجةٍ عن الحيلة" (١).
٢ - يُسَوِّي في الرتبة بين الفلاسفةِ والأنبياء من حيث الأخذ عن العقلِ الفَعَّال، ثم يُقدمُ الفلاسفةَ على الأنبياء، حيث جَعَل إفاضةَ العقلِ الفَعَّالِ إلى صاحبِ العقلِ المنفعلِ حكيمًا فيلسوفًا ومتعَقِّلاً على التمَّام، وبعد الإفاضة على العقلِ المنفعلِ -التي هي مرتبة الفلاسفة-، تأتي الإفاضةُ على القوَّةِ المُتَخيلة -التي هي مرتبة الأنبياء- مُتراخية عن رتبة الفلاسفة، كذلك الإفاضةُ إذا كانت على العقولِ، فهي أوْلَى من أن تكونَ على آلةِ الخيال.
٣ - يقول الدكتور "علي وافي" مُعَلِّقًا على قول الفارابي: "فهذا أولُ شرائطِ الرئيس": "ويلاحَظُ أنَّ هذا الشرطَ الروحيَّ قد انفرد الفارابيُّ باشتراطه في رئيسِ المدينة الفاضلةِ دونَ فلاسفةِ اليونان الذين اغتَرَف فلسفتَهم مِن مَعِينِهم، فلم يَرِدْ لمثلِ هذا الشرطِ ذِكرٌ في "جمهوريةِ أفلاطون" التي اعتَمَد عليها الفارابي اعتمادًا كبيرًا".
فظَهر بهدْا سُوءَ اعتقاد الفارابي في "النبوَّة"، وأنه إذا وُجِد شخصٌ لديْه قوَّة تخيُّلٍ سيكون نبيًّا، وسيستمَرُّ وجودُ أنبياءَ إلى قيامِ الساعة.
وهذا ردٌّ واضحٌ لعقيدةِ "خَتم النُّبوَّة" بنبيِّنا محمدٍ ﷺ بجانبِ اعتقادِه
стр. 730
عدمَ اصطفاءِ الله تعالى لأنبيائِه ورسُله -صلوات الله وسلامه عليهم-:
° وفي هذا المعنى يُعَلِّقُ ابنُ طُفيل (١) على مقالةٍ للفارابي حول السعادةِ الإنسانية قائِلاً: "فهذا قد أيأسَ الخَلقَ جميعًا عن رحمةِ الله تعالى، وَصَيَّر الفاضلَ والشِّريرَ في رُتبةٍ واحدة؛ إذ جَعَل مصيرَ الكُلِّ إلى العَدَم، وهذه زَلَّة لا تُقالَ، وعَثْرةٌ ليس بعدَها جَبْرٌ .. هذا مع ما صَرَّح به مِن سُوءِ مُعْتَقَدِهِ في "النبوة"، وأنها -بزعمه- للقوةِ الخياليَّة، وتفضِيله الفلسفةُ عليها" (٢).
* عليُّ بن مَسكُويه (٣):
وممن تأثَّر بنظرية الفارابي في النبوَّة "عليُّ بن مَسكُويه"، فنَجدُه قد فصَّل تلك النظريةَ ورتَّبها ترتيبًا زاد في وضوحها.
° حيث يقول: "يرتقي الإنسانُ مِن قوةِ الحسِّ إلى قوةِ التخيُّل، إلى قوةِ الفِكر، ومِن قوَّةِ الفِكر إلى إدراكِ حقائقِ الأمورِ التي في العقل، فيؤثِّرُ حينئذٍ العقلُ في القوةِ الفكرية، وتؤثِّرُ القوةُ الفكريةُ في القوة المُتخيِّلة، وتؤثِّرُ القوةُ المتخيِّلةُ في الحِسِّ، فيرى الإنسانُ أمثلةَ الأمورِ المعقولة -أعني حقائقَ الأشياءِ ومباديَها وأسبابَها- كأنها خارجةٌ عنه، وكأنما يَراها بنظره ويَسمعُها بأذنه، فإذا شاهد هذه الحالَ، ولاحظ تلك الأمورَ، لم يَشُكَّ في
стр. 731
صحَّتها، وخَضَعت لها نفسُه، واعتَرفت بها.
وهذه رتبةٌ واسعةُ العرض، تتفاوتُ فيها دَرَجُ الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- ومنازلُهم، فربَّما ظَهَر لهم من الأمورِ ظهورًا بينا، وربما كان فيه غموض، فيَلُوِحُ لهم ما يَلوحُ، وكأن عليه سترًا من دُونه حِجاب .. وكذلك حالُ ما يَرونه من الأمورِ المستقبَلةِ في عالمَنا هذا من الفتنِ والحروبِ وغيرِها، فإنهم ربَّما رَأَوُا الشيءَ الذي يكونُ إلى مئةِ سنةٍ فقط، وربما بَلَغ نظرُهم إلى ألفِ سَنةٍ" (١).
° قال ابن تيمية: "فهؤلاء الفلاسفةُ ما قَدَروا النبوَّةَ حقَّ قَدْرِها، وقد ضلَّ بهم طوائفُ من المتصوِّفةِ المُدَّعين للتحقيق وغيرُهم، وابنُ عربي وابنُ سبعين ضَلُّوا بهم، فإنهم اعتَقدوا مذهبَهم وتصوَّفوا عليه؛ ولهذا يقول ابنُ عربي: "إنَّ الأولياءَ أفضلُ من الأنبياء، وإن الأنبياءَ -وسائرَ الأولياء- يأخذون عن خاتَم الأنبياءِ عِلمَ التوحيد، وأنه هو يأخذُ مِن المَعدِنِ الذي يأخذُ منه المَلَكُ الذي يُوحِي به إلى الرسولِ"، فإن المَلَكَ عنده، الخيالُ الذي في النفس -وهو جبريلُ عندهم-، وذلك الخيالُ تابع للعقل، فالنبي عندهم يأخذُ عن هذا الخيالِ ما يَسمعُه من الصوتِ في نفسه" (٢).
* ابنُ الرَّاوَندي الزنديقُ المرتد:
° قال ابن الجوزي: "كم من زنديق في قلبه حِقدٌ على الإسلام، خَرَج فبالغ، واجتهد فزخرف دعاوى يَلقَى بها من يَصحبُه، وكان غَورُ قصدِه في
стр. 732
الاعتقاد الانسلالَ من الدين، وفي العمل نيلَ الملذَّات، واستباحةَ الحظورات. ومنهم مَن لم يَبْرَحْ على تعثيره، ففاتته الدنيا والآخرة؛ مثل ابن الراوَندي، والمَعرِّي.
° وعن التنوخي قال: "كان ابن الراوَندي ملازمَ الرافضة، وأهلَ الإِلحاد، فإذا عَوتب قال: انما أريد أن أعرفَ مذاهبهم، ثم كاشَفَ وناظر".
° قال ابنُ الجوزي: "مَن تأمل حالَ ابنِ الراوندي، وَجَده من كبارِ المُلحِدة، وصَنَّف كتابًا سماه "الدامغ"، زعم أنه يَدمغُ به هذه الشريعةَ؛ فسبحان مَن دَمَغه، فأخذه وهو في شرخ الشباب!! ".
وكان يعترضُ على القرآن، ويدَّعي عليه التناقضَ وعدمَ الفصاحة"، وهو يعلم أن فُصحاءَ العرب تحيَّرت عند سماعِه، فكيف بالأَلكَن؟! " (١).
° قال ابنُ كثير: "أحدُ مشاهير الزندقة، كان أبوه يهوديًّا، فأظهر الإسلام، ويقال: إنه حَرف التوراة، كما عادى ابنُه القرآن، وألحد فيه، وصَنَّف كتابًا في الرد على القرآن سماه "الدامغ"، وكتابًا في الرد على الشريعة والاعتراضِ عليها سماه "الزمردة"، وكتابًا يقال له "التاج" في معنى ذلك.
° قال الجُبَّائي: قرأتُ كتابَ هذا المُلحِدِ الجاهل السفيهِ ابنِ الراوندي، فلم أجِدْ فيه إلاَّ السَّفَةَ والكَذبَ والافتراء، قال: وقد وَضع كتابًا في قِدَم العالم، ونفيِ الصانع، وتصحيحِ مذهب الدهرية، والردِّ على أهلِ التوحيد، ووَضَع كتابًا في الرد على محمدٍ رسول الله ﷺ في سبعةَ عَشَر موضعًا، ونَسَبه إلى الكذب -يعني النبيَّ ﷺ ، وطَعَن على القرآن، ووضع
стр. 733
كتابًا لليهود والنصارى، وفَضَّل دينَهم على المسلمين والإِسلام، يَحتجُّ لهم فيها على إبطالِ نبوَّةِ محمدٍ ﷺ ، إلى غيرِ ذلك من الكُتب التي تبيَن خروجَه عن الإسلام .. نَقَل ذلك ابن الجوزي عنه.
° وقد أورد ابن الجوزي في "منتظَمه" طَرَفًا من كلامه وزندقته وطَعْنِه على الآيات والشريعة، ورَدَّ عليه في ذلك، وهو أقل وأخسُّ وأذلُّ من أن يُلتفتَ إليه وإلى جهله وكلامِه وهَذَيانِه وسَفَهِه وتموُّهِه، وقد أَسند إليه حكاياتٍ من المَسْخرة والاستهتارِ والكفرِ والكبائر؛ منها ما هو صحيحٌ عنه، ومنها ما هو مفتعَل عليه ممن هو مثله، وعلى طريقِه ومَسلكِه في الكفر والتستر في المسخرة، يُخرجونها في قوالبَ مسخرة، وقلوبهم مشحونة بالكفر والزندقة، وهذا كثيرٌ موجود فيمن يَدَّعي الإسلام، وهو منافقٌ، يتمسخرون بالرسول ودينِه وكتابه، وهؤلاء ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
وقد كان أبو عيسى الوَراق مصاحبًا لابن الراوندي -قبَّحهما الله-، فلما عَلِم الناسُ بأمرهما طَلب السلطانُ أبا عيسى، فَأُودع السجنَ حتى مات .. وأما ابنُ الراوندي؛ فلجأ إلى "ابن لاوي" اليهودي، وصَنَّف له في مدة مُقامِه عنده كتابه الذي سماه "الدامغ"، فلم يلبث بعده إلاَّ أيام يسيرةً حتى مات -لعنه الله-، ويقال: إنه أُخِذَ وصُلِب.
° قال أبو الوفاء بن عقيل: "ورأيت في كتابٍ مُحقَّقٍ أنه عاش ستًّا وثلاثين سنةً، مع ما انتهى إليه من التوغُّل في المخازي في هذا العمرِ
стр. 734
القصير -لعنه الله-، وقبحه، ولا رَحِم عظامه" (١).
° قال الذهبي عنه: "الملحد، عدوُّ الدين، الرِّويندي، صاحبُ التصانيف في الحط على المِلة".
° قال ابنُ الجوزي: "كنتُ أسمعُ عنه بالعظائم، حتى رأيتُ له ما لم يَخطُرْ على قلب، ورأيتُ له كتاب "نعت الحكمة"، وكتاب "قضيب الذهب"، وكتاب "الزمردة"، وكتاب "الدامغ"، الذي نَقَضَه عليه الجُبائي، ونَقَض عبدُ الرحمن بنُ محمدٍ الخَياط عليه كتاب "الزمردة".
° قال ابن عقيل: "عَجَبي! كيف لم يُقتل؟ وقد صَنف "الدامغ" يدمغ به القرآن، و"الزمردة" يُزري فيه على النبوات؟! ".
° قال ابنُ الجوزي عن "الزمردة": "فيه هَذَيانٌ بارد، لا يتعلَّقُ بشبهة، يقول فيه: "إن كلامَ أكثمَ بنِ صيفي فيه ما هو أحسنُ من سورة الكوثر، وإن الأنبياء وقعوا بطلاسم".
وألَّف لليهود والنصارى يحتجُّ لهم في إبطالِ نبوَّة سيِّد البشر".
° قال أبو العباس بنُ القاصِّ الفقيه: "كان ابنُ الراوندي لا يستقرُّ على مذهبٍ ولا نِحْلة، حتى صَنَّف لليهود كتابَ النصرة على المسلمين لدراهمَ أُعطيَها من يهود، فلما أَخذ المال، رام نقضَها، فأعطَوه مئتي درهم حتى سكت".
قال في بعض المعجزات: "يقول المُنجِّمُ كهذا".
وقال: "في القرآن لحن".
стр. 735
وقال. "يقولون: "لا يأتي أحدٌ بمثل القرآن"، فهذا إقليدس لا يأتي أحدٌ بمثله، وكدْلك بطليموس".
قيل: إنه اختلف إلى المُبرِّد، فقال المُبرد: لو اختلف إليَّ سنةً لاحتجتُ أن أقوم وأُجلسَه مكاني.
لعن الله الذكاءَ بلا إيمان، ورَضِي الله عن البلادة مع التقوى" (١).
فكان جزاءُ الزنديق من جنسِ عمله، ودَمَغه الله ولم يُمهِلْه بعد ما ألَّف "الدامغ" جزاءً وفاقًا.
° قال ابنُ كثير بعدَ ذِكْرِهِ شيئًا مِن مَزَاعِم ابنِ الرَّاوَنْدِيِّ وافتراءاتِهِ وتُرَّهاتِهِ: "إلى غيرِ ذلكَ مِن الكُتُبِ التي تُبَيِّنُ خُروجَهُ عن الإِسلام".
° ثم قال: "وهُو أَقلُّ وأَخَس وأَذَلُّ مِن أَنْ يُلْتَفَتَ إليهِ وإلى جَهْلِهِ وكلامِهِ وهَذيانِهِ وسَفهِهِ وتَمْويهِهِ".
وكانت نهايةُ هذا المُلحدِ الزنديقِ أَنْ أَخَذهُ أُولو الأمرِ وصَلَبوهُ؛ كما نَقَلُه ابنُ كَثير (١١/ ١١٣).
* وصدق الله تعالى القائل في أمثال ابن الراوندي: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩].
* وقال تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٢٥].
* أبو العلال المَعَرِّي المشهور بالزَّنْدقة:
أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ سُليمانَ، أبو العلاء ألمَعَرِّي التنوخِيُّ الشاعر،
стр. 736
المشهور بالزندقة، اللغوي، صاحبُ الدواوين والمصنَّفات في الشعر واللغة (١).
° قال ابن الجوزي: "كم من زنديق في قَلبِه حقدٌ على الإِسلام، خَرَج فبالغ، واجتهد فزَخرف دعاوى يَلقَى بها مَن يَصحبه، وكان غَور قَصده في الاعتقادِ الانسلالَ من الدين، وفي العمل نَيلَ المَلذَّات، واستباحةَ المحظورات.
ومنهم مَن لم يَبرحْ على تعثيره، ففاتته الدنيا والآخرة؛ مثل ابن الراوَندي والمَعرِّي" (٢).
ولد المَعَرِّي سنةَ ثلاثٍ وستِّين وثلاثِمِئة، وكانت وفاته بـ "مَعَرَّة" عن سِتٍّ وثمانينَ سنةً إلاَّ أربعةَ عَشَرَ يومًا.
° قال ابنُ الجوزي: "وأما أبو العلاء المَعَرِّي؛ فأشعارُه ظاهرةُ الإلحاد، وكان يُبالغُ في عَداوةِ الأنبياء، ولم يَزَلْ متخبِّطًا في تعثيرِه، خائفًا من القتل، إلى أن مات بخسرانه" (٣).
وكل صاحبِ فِريةٍ ذليل؛ جَزاءً وفاقًا، أعثَرُ الناس، وأَخْسَؤُهم قَدْرًا، وأردؤهم عَيشًا.
° قال ابن كثير (٤): "قال الشِّعرَ وله إحدى عشْرةَ أو ثِنْتا عشْرةَ سنةً،
стр. 737
ودخلَ بغدادَ سنةَ تسع وتسعين وثلاثِمئةٍ، فأقام بها سنة وسبعةَ أشهرٍ، ثم خَرج منها طَريدًا مُنْهزمًا؛ لأنه قال شِعرًا يَدُلُّ على قِلةِ دينِه وعلمِه وعقلِه، وهو قولُه (١):
تناقضٌ ما لنا إلاَّ السُّكوت له … وأن نَعوذَ بمَوْلانا من النارِ
يدٌ بخمسِ مئِينٍ عَسجَدٍ فدِيَتْ … ما بالها قطِعَت في ربع دينارِ!
يقول: اليدُ دِيتها خَمْسُمِئةِ دينارٍ، فما لكم تَقْطَعونها إذا سرَقَت ربعَ ديِنارٍ؟! وهذا مِن قَلَّةِ عقله وعلمِه، وعَمَى بَصيرتِه؛ وذلك أنها إذا جنِي عليها يُناسِبُ أن يكونَ دِيتها كثيرةً؛ لينْزَجِرَ الناسُ عن العدْونِ، وأما إذا جنَت بالسوقةِ فيُناسِبُ أن تَقِلَّ قيمتُها؛ ليُنْزجَرَ عن أخذِ الأموالِ، وتُصانَ أموالُ الناسِ، ولهذا قال بعضُهم (٢): "كانت ثمينةً لَمَّا كانت أمينةً، فلما خانَت هانَت".
ولَمَّا عَزَم الفُقهاءُ على أخْذِه بهذا الكلام، هَرب ورجَع إلى بلدِه، ولَزِمَ منزلَه، فكان لا يَخرج منه".
° ويقول ابن كثير: "كان ذكيًّا، ولَم يكن زكيًّا، وله مصنفاتٌ كثيرةٌ أكثرها في الشعر، وفي بعضِ أشعاره ما يَدُل على زندقةٍ وانحلال، ومن الناس من يَعتذر عنه، ويقول: "إنه إنما كان يقول ذلك مجونًا ولعبًا، ويقول بلسانهِ ما ليس في قلبه، وقد كان باطنُه مُسلِمًا".
стр. 738
° قال ابنُ عَقيلٍ (١): "وما الذي كان يُلجِؤُه أن يقول في دارِ الإِسلامِ ما يُكفرُه به الناسُ؟ قال: والمنافِقون مع قِلَّةِ عقلِهم وعلمِهم ودينِهم أجْود سِياسةً منه، حافَظوا على قَبائحِهم في الدنيا، وهذا أظهَر الكفرَ الذي تسَلَّط به عليه الناسُ، واللهُ تعالى أعلمُ أن باطِنَه كظاهِرِه".
° قال ابنُ الجوزي (٢): "وقد رأَيْتُ لأبي العَلاءِ المَعَرِّي كتابًا سماه "الفُصول والغَاياتِ في مُعارَضةِ السوَرِ والآياتِ" على حُروفِ المُعْجَمِ في آخرِ كلماتِه، وهو في نهايةِ الرَّكاكةِ والبُرودةِ، فسبحانَ مَن أعْمَى بصرَه وبَصيرتَه".
° قال: "وقد نَظَرْتُ في كتابِه المُسَمَّى "لُزومَ ما لا يَلْزَمُ" .. ".
ثم أوْرَد ابنُ الجوزيِّ مِن أشعارِه الدالةِ على اسْتِهْتارِه أشياءَ كثيرةً، فمِن ذلك قولُه (٣):
إذا كان لا يَحْظَى برِزقِك عاقلٌ … وتَرْزُقُ مَجنونًا وتَرْزُقُ أحْمقَا
فلا ذنبَ يا رب السماء على امرِئٍ … رأَى منك ما لا يَشْتَهِي فتزَنْدَقَا
° وقولُه (٤):
وهيهاتَ (٥) البَرِيَّةَ في ضَلالٍ … وقد نظَر (٦) اللَّبيبُ لِمَا اعْتَراها
تقَدم صاحبُ التَّوراةِ موسى … وأوْقَع في الخَسارِ مَن افتَراها
стр. 739
فقال رجالُه: وحْيٌ أتاه … وقال الناظرون: بلِ افْتَراها
وما حَجِّي إلى أحجارِ بيت … كؤوسُ الخمرِ تشْرب في ذُراها
إذا رجَع الحليمُ إلى حِجاة … تهاوَن بالمذاهِبِ وازْدَراها
° وقوله (١):
هَفَتِ الحَنِيفةُ والنَّصارَى ما اهْتَدَتْ … ويهودُ حارَت والمجوسُ مُضَلَّلَهْ
اثنانِ أهلُ الأرضِ: ذو عقلٍ بلا … دينٍ وآخرُ ديَنٌ لا عقلَ لهْ
° وقولُه (٢):
فلا تَحْسَبْ مَقال الرُّسلِ حقًّا … ولكن قول زورٍ سطَّروهُ
فكان الناسُ في عَيش رَغِيدٍ … فجاؤوا بالمُحالِ فكدَّروهُ
° وقلت (٣) أنا في مُعارَضةِ هذا:
فلا تَحسَبْ مَقالَ الرسلِ كِذْبًا (٤) … ولكن قولُ حَق بَلغوهُ
وكان الناسُ في جَهْل عظيمٍ … فجاؤُوا بالبَيانِ فأذهبوه (٥)
° ومن ذلك أيضًا قولُه (٦):
إن الشرائعَ ألقَت بينَنا إحَنا (٧) … وأوْرَثَتْنا أفانِينَ العَداواتِ
стр. 740
وهل أُبيحَ (١) نساءُ الروم عن عُرُضٍ … للعرْبِ إلاَّ بأحْكام النُّبُواَّتِ
° وقولُه:
وما حَمْدي لآدمَ أو بَنيه … وأَشْهدُ أنَّ كلَّهم خَسِيسُ (٢)
° ومنَ ذلك أيضًا قولُه (٣):
أَفيقوا أفيِقوا يا غُواةُ فإنا … دِياناتكم مكرٌ مِن القُدَماءِ
قضى اللهُ فينا بالذي هو كائنٌ … فتَمَّ وضاعتْ حِكمةُ الحكماءِ
° ومن ذلك أيضًا قولُه:
صَرْفُ الزمانِ مُفَرِّقُ الإلفيْنِ … فاحْكُمْ إلهي بينَ ذاك وبيني
أنَهَيْتَ عن قتل النفوسِ تَعَمدًا … وبعَثْتَ أنت لقَبضِها ملَكَيْنِ؟!
وزعَمتَ أن لها معادًا ثانيًا … ما كان أغناها عن الحالَيْن؟!
° ومن ذلك أيضًا قولُه (٤):
ضحكْنا وكان الضحْك منا سَفاهةً … وحقَّ لسُكَّانِ البَسيطةِ أن يَبْكُوا
تُحَطِّمُنا الأيامُ حتى كأننا (٥) … زُجاج ولكنْ لا يَعودُ له سَبْكُ
° ومن ذلك أيضًا قولُه (٦):
أمور تسْتَخِفُّ بها حلومٌ … وما يَدْرِي الفتى لمن الثُّبورُ
كتابُ محمدٍ وكتابُ موسى … وإنْجيل ابن مَرْيَم والزَّبورُ