المشهور بالزندقة، اللغوي، صاحبُ الدواوين والمصنَّفات في الشعر واللغة (١).
° قال ابن الجوزي: "كم من زنديق في قَلبِه حقدٌ على الإِسلام، خَرَج فبالغ، واجتهد فزَخرف دعاوى يَلقَى بها مَن يَصحبه، وكان غَور قَصده في الاعتقادِ الانسلالَ من الدين، وفي العمل نَيلَ المَلذَّات، واستباحةَ المحظورات.
ومنهم مَن لم يَبرحْ على تعثيره، ففاتته الدنيا والآخرة؛ مثل ابن الراوَندي والمَعرِّي" (٢).
ولد المَعَرِّي سنةَ ثلاثٍ وستِّين وثلاثِمِئة، وكانت وفاته بـ "مَعَرَّة" عن سِتٍّ وثمانينَ سنةً إلاَّ أربعةَ عَشَرَ يومًا.
° قال ابنُ الجوزي: "وأما أبو العلاء المَعَرِّي؛ فأشعارُه ظاهرةُ الإلحاد، وكان يُبالغُ في عَداوةِ الأنبياء، ولم يَزَلْ متخبِّطًا في تعثيرِه، خائفًا من القتل، إلى أن مات بخسرانه" (٣).
وكل صاحبِ فِريةٍ ذليل؛ جَزاءً وفاقًا، أعثَرُ الناس، وأَخْسَؤُهم قَدْرًا، وأردؤهم عَيشًا.
° قال ابن كثير (٤): "قال الشِّعرَ وله إحدى عشْرةَ أو ثِنْتا عشْرةَ سنةً،
стр. 737
ودخلَ بغدادَ سنةَ تسع وتسعين وثلاثِمئةٍ، فأقام بها سنة وسبعةَ أشهرٍ، ثم خَرج منها طَريدًا مُنْهزمًا؛ لأنه قال شِعرًا يَدُلُّ على قِلةِ دينِه وعلمِه وعقلِه، وهو قولُه (١):
تناقضٌ ما لنا إلاَّ السُّكوت له … وأن نَعوذَ بمَوْلانا من النارِ
يدٌ بخمسِ مئِينٍ عَسجَدٍ فدِيَتْ … ما بالها قطِعَت في ربع دينارِ!
يقول: اليدُ دِيتها خَمْسُمِئةِ دينارٍ، فما لكم تَقْطَعونها إذا سرَقَت ربعَ ديِنارٍ؟! وهذا مِن قَلَّةِ عقله وعلمِه، وعَمَى بَصيرتِه؛ وذلك أنها إذا جنِي عليها يُناسِبُ أن يكونَ دِيتها كثيرةً؛ لينْزَجِرَ الناسُ عن العدْونِ، وأما إذا جنَت بالسوقةِ فيُناسِبُ أن تَقِلَّ قيمتُها؛ ليُنْزجَرَ عن أخذِ الأموالِ، وتُصانَ أموالُ الناسِ، ولهذا قال بعضُهم (٢): "كانت ثمينةً لَمَّا كانت أمينةً، فلما خانَت هانَت".
ولَمَّا عَزَم الفُقهاءُ على أخْذِه بهذا الكلام، هَرب ورجَع إلى بلدِه، ولَزِمَ منزلَه، فكان لا يَخرج منه".
° ويقول ابن كثير: "كان ذكيًّا، ولَم يكن زكيًّا، وله مصنفاتٌ كثيرةٌ أكثرها في الشعر، وفي بعضِ أشعاره ما يَدُل على زندقةٍ وانحلال، ومن الناس من يَعتذر عنه، ويقول: "إنه إنما كان يقول ذلك مجونًا ولعبًا، ويقول بلسانهِ ما ليس في قلبه، وقد كان باطنُه مُسلِمًا".
стр. 738
° قال ابنُ عَقيلٍ (١): "وما الذي كان يُلجِؤُه أن يقول في دارِ الإِسلامِ ما يُكفرُه به الناسُ؟ قال: والمنافِقون مع قِلَّةِ عقلِهم وعلمِهم ودينِهم أجْود سِياسةً منه، حافَظوا على قَبائحِهم في الدنيا، وهذا أظهَر الكفرَ الذي تسَلَّط به عليه الناسُ، واللهُ تعالى أعلمُ أن باطِنَه كظاهِرِه".
° قال ابنُ الجوزي (٢): "وقد رأَيْتُ لأبي العَلاءِ المَعَرِّي كتابًا سماه "الفُصول والغَاياتِ في مُعارَضةِ السوَرِ والآياتِ" على حُروفِ المُعْجَمِ في آخرِ كلماتِه، وهو في نهايةِ الرَّكاكةِ والبُرودةِ، فسبحانَ مَن أعْمَى بصرَه وبَصيرتَه".
° قال: "وقد نَظَرْتُ في كتابِه المُسَمَّى "لُزومَ ما لا يَلْزَمُ" .. ".
ثم أوْرَد ابنُ الجوزيِّ مِن أشعارِه الدالةِ على اسْتِهْتارِه أشياءَ كثيرةً، فمِن ذلك قولُه (٣):
إذا كان لا يَحْظَى برِزقِك عاقلٌ … وتَرْزُقُ مَجنونًا وتَرْزُقُ أحْمقَا
فلا ذنبَ يا رب السماء على امرِئٍ … رأَى منك ما لا يَشْتَهِي فتزَنْدَقَا
° وقولُه (٤):
وهيهاتَ (٥) البَرِيَّةَ في ضَلالٍ … وقد نظَر (٦) اللَّبيبُ لِمَا اعْتَراها
تقَدم صاحبُ التَّوراةِ موسى … وأوْقَع في الخَسارِ مَن افتَراها
стр. 739
فقال رجالُه: وحْيٌ أتاه … وقال الناظرون: بلِ افْتَراها
وما حَجِّي إلى أحجارِ بيت … كؤوسُ الخمرِ تشْرب في ذُراها
إذا رجَع الحليمُ إلى حِجاة … تهاوَن بالمذاهِبِ وازْدَراها
° وقوله (١):
هَفَتِ الحَنِيفةُ والنَّصارَى ما اهْتَدَتْ … ويهودُ حارَت والمجوسُ مُضَلَّلَهْ
اثنانِ أهلُ الأرضِ: ذو عقلٍ بلا … دينٍ وآخرُ ديَنٌ لا عقلَ لهْ
° وقولُه (٢):
فلا تَحْسَبْ مَقال الرُّسلِ حقًّا … ولكن قول زورٍ سطَّروهُ
فكان الناسُ في عَيش رَغِيدٍ … فجاؤوا بالمُحالِ فكدَّروهُ
° وقلت (٣) أنا في مُعارَضةِ هذا:
فلا تَحسَبْ مَقالَ الرسلِ كِذْبًا (٤) … ولكن قولُ حَق بَلغوهُ
وكان الناسُ في جَهْل عظيمٍ … فجاؤُوا بالبَيانِ فأذهبوه (٥)
° ومن ذلك أيضًا قولُه (٦):
إن الشرائعَ ألقَت بينَنا إحَنا (٧) … وأوْرَثَتْنا أفانِينَ العَداواتِ
стр. 740
وهل أُبيحَ (١) نساءُ الروم عن عُرُضٍ … للعرْبِ إلاَّ بأحْكام النُّبُواَّتِ
° وقولُه:
وما حَمْدي لآدمَ أو بَنيه … وأَشْهدُ أنَّ كلَّهم خَسِيسُ (٢)
° ومنَ ذلك أيضًا قولُه (٣):
أَفيقوا أفيِقوا يا غُواةُ فإنا … دِياناتكم مكرٌ مِن القُدَماءِ
قضى اللهُ فينا بالذي هو كائنٌ … فتَمَّ وضاعتْ حِكمةُ الحكماءِ
° ومن ذلك أيضًا قولُه:
صَرْفُ الزمانِ مُفَرِّقُ الإلفيْنِ … فاحْكُمْ إلهي بينَ ذاك وبيني
أنَهَيْتَ عن قتل النفوسِ تَعَمدًا … وبعَثْتَ أنت لقَبضِها ملَكَيْنِ؟!
وزعَمتَ أن لها معادًا ثانيًا … ما كان أغناها عن الحالَيْن؟!
° ومن ذلك أيضًا قولُه (٤):
ضحكْنا وكان الضحْك منا سَفاهةً … وحقَّ لسُكَّانِ البَسيطةِ أن يَبْكُوا
تُحَطِّمُنا الأيامُ حتى كأننا (٥) … زُجاج ولكنْ لا يَعودُ له سَبْكُ
° ومن ذلك أيضًا قولُه (٦):
أمور تسْتَخِفُّ بها حلومٌ … وما يَدْرِي الفتى لمن الثُّبورُ
كتابُ محمدٍ وكتابُ موسى … وإنْجيل ابن مَرْيَم والزَّبورُ
стр. 741
° ومن ذلك أيضًا قولُه (١):
قالت مَعاشرُ: لم يَبْعثْ إلهكُمُ … إلى البَرِيَّةِ عِيساها ولا مُوسَا
وإنما جعَلوا الرحمنَ مَأكَلَةً … وصيَّروا دينَهم في الناسِ ناموسَا
وذُكِر له أشياءُ غير ذلك، وكلُّ قِطْعةٍ مِن هذه تَدلُّ على كفرِه وانحلالِه وزندقتِه وضلاله، ويقال: إنه أوْصَى أن يُكْتَبَ على قبره:
هذا جَناه أبي عليَّ … وما جنَيْتُ على أحدْ
معناه أن أباه بتَزَوُّجِه لأمِّه أوْقَعه في هذه الدارِ، حتى صار بسببِ ذلك إلى ما إليه صار، وهو لم يَجْنِ على أحدٍ بهذه الجِناية، وهذا كلُّه كفرٌ وإلحادٌ، قبَّحه اللهُ، وقد زعمَ بعضُهم أنه أقْلَع عن هذا كلِّه وتاب منه، وأنه قال قصيدةً يَعْتَذِرُ فيها مِن هذا كلِّه، ويَتَنَصَّلُ منه، وهي القَصيدةُ التي يقولُ فيها:
يا مَن يَرَي مدَّ البَعوضِ جَناحَها … في ظلْمةِ الليل البَهيم الأليَلِ
ويَرَى مَناطَ عُروقِها في نحرِها … والمخ في تلك العِظام النُّحَّلِ
امْنُنْ عليَّ بتوبةٍ تَمْحُو بها … ما كان منِّي في الزمانِ الأوَّلِ
وقد كانت وفاتُه في ربيع الأولِ من هذه السنةِ بَمَعَّرةِ النُّعمانِ، عن ستٍّ وثمانين سنةً إلاَّ أربعةَ عشَرَ يومًا، وقد رَثَاه جَماعةٌ مِن أصحابِه وتَلامذتِه، وأُنْشِدت عندَ قبرِه ثمانون مَرْثاةٌ، حتى قال بعضهم في مَرْثاتِه:
إن كنتَ لم ترِقِ الدماءَ زهادةً … فلقد أرَقْتَ اليومَ من جَفْني دمَا
° قال ابن الجوزي (٢): "وهؤلاء إمَّا جُهَّال بأمرِه، وإمَّا ضُلاَّلٌ على
стр. 742
مذهبِه وطريقتِه.
وقد رأى بعضُهم في المنامِ رجلاً ضَريرًا على عاتقيه حَيتانِ مدَلَّيَتانِ إلى صَدْرِه رافعتانِ رُؤوسَهما، وهما يَنْهَشان مِن لَحْمه، وهو يَسْتَغِيثُ، وقائلٌ يقولُ: هذا المَعَريُّ المُلْحِدُ.
وقد ذكَره ابنُ خَلكانَ في "الوفيات"، فرفِع في نَسَبِه كما ذكَرْنا، وقد ذكَر له مِن التصانيفِ كتبًا كثيرةً، وذكَر أن بعضهم وقَف على المجلدِ الأولِ بعدَ المئةِ مِن كتابِه المُسَمى بـ "الأيْكِ والغُصونِ".
وهو المعروفُ بـ "الهَمْزِ والرَّدفِ" وأنه أخَذ العربيةَ عن أبيه، واشْتَغَل بحلَبَ على محمدِ بنِ عبد الله بن سعدٍ النَّحْويِّ، وأخَذ عنه أبو القاسم عليُّ ابنُ المُحَسِّنِ التَّنوخيُّ، والخطيبُ أبو زكريا يَحْيىَ بنُ عليٍّ التبرِيزيُّ، وذكَر أنه مكَث خمسًا وأربعين سنة لا يَأْكُلُ اللحمَ على طريقةِ الحكماءِ، وأنه أوصَى أن يُكتَبَ على قبرِه:
هذا جَناه أبي عليَّ … وما جَنَيْتُ على أحدْ
قال ابنُ خَلِّكانَ (١): "وهذا أيضًا مُتَعَلق باعْتِقادِ الحُكماءِ، فإنهم يقولون: إيجادُ الولدِ وإخْراجُه إلى هذا الوجودِ جِنايةٌ عليه، لأنه يَتَعَرض للحَوادثِ والآفاتِ".
قلتُ (٢): "وهذا يَدُل على أنه لم يَتَغَيَّر عن اعتِقادِ الحكماءِ إلى آخرِ وقتٍ، وأنه لم يقْلعْ عن ذلك كما ذكَره بعضُهم، واللهُ أعلمُ بظَواهِر الأمورِ
стр. 743
وبَواطنِها.
وذكَر ابنُ خَلكانَ (١) أن عينَه اليمنى كانت ناتِئةً، وعليها بَياضٌ، واليسرى غائرةٌ، وكان نَحيفًا، ثم أوْرَد مِن أشعارِه الجيِّدةِ أبياتًا، فمنها قوله:
لا تَطلُبَن بآلة لك رتبةً … قَلَمُ البَليغ بغيرِ جَدٍّ مغْزَلُ
سكَن السِّماكانِ (٢) السماءَ كلاهما … هذا له رُمحٌ وهذا أَعزَلُ
° يقول عنه الذهبي: أبو العلاء، شيخُ الآداب، اللغويُّ الشاعر، صاحبُ التصانيف السائرة، والمتَّهمُ في نِحْلَتِه.
ومِن أراد تواليفه: "رسالة الغفران" -في مجلد-، وقد احتَوَتْ على مَزْدَكةٍ وفراغٍ .. و"رسالةُ الملائكةَ"، و"رسالة الطير" على ذلك الأنموذج.
° قال الباخرزي: أبو العلاء ضرير ما له ضَريب، ومكفوفٌ في قَميصِ الفضل ملفوف، ومَحجوب خَصْمُه الألدُّ مَحجوج، قد طال في ظِلِّ الإسلام آناؤه، ورَشَحَ بالإلحاد إناؤهُ، وعندنا خَبَرُ بصره، واللهُ العالمُ ببصيرته، والمطَّلعُ على سريرته، وإنما تحدثَّتِ الألسُنُ بإساءته، بكتابِه الذي عارَضَ به القرآن، وعَنْوَنَه بـ "الفصول والغايات في معارضة السور والآيات".
وقال غرس النعمة محمدُ بنُ هلال بن المحسن: له شِعرٌ كثير، وأَدبٌ
° ومنه (١):
وِإنَّمَا حَمَّلَ التورَاةَ قَارِئَهَا … كَسْبُ الفَوَائد لا حُب التِّلاوَاتِ
وهَلْ أُبِيحَتْ نِسَاءُ الرُّوم عَنْ عُرُضٍ (٢) … للعُرْبِ إلاَّ بِأحْكَام النبُوَّاتِ
° وعن التِّبريزي قال: لَما قرأتُ على أبي العلاء:
تَنَاقُضٌ مَا لَنَا إلاَّ السكُوتُ لَهُ … وأَنْ نَعُوذَ بِمَولَانَا منَ النارِ
يَد بِخَمْسِ ميءٍ (٣) مِنْ عَسْجَدٍ وُديَتْ … مَا بَالُهَا قُطِعَتْ في ربَع دِينَارِ
سألته فقال: هذا كقولِ الفقهاءِ: "عبادةٌ لا يعَقلُ معناها".
قال كاتبه: لو أراد ذلك، لقال: "تعبُّدٌ"، ولَمَا قال: "تناقضٌ"، ولَمَا أردفه بيتٍ آخَرَ يَعترضُ على ربِّه.
وبإسنادي: قال السلَفي: إنْ كان قاله معتقِدًا معناه، فالنارُ مأواه، وليس له في الإسلامِ نصيب، هذا ما يُحكى عنه في كتاب "الفصول والغايات"، فقيل له: "أين هذا من القرآن؟ فقال: لم تَصْقلْهُ المحاريبُ أرْبَعَمِئة سنة".
° قال الذهبيُّ: "ويَظهرُ لي من حال هذا المخذولِ أنَّه متحيِّر، لم يَجزمْ بنِحلةٍ .. اللهم فأحفظ علينا إيمانَنا".
° قال الذهبي: "قد طال المَقالُ، وما على الرجلِ أُنْسُ زُهَّادِ المؤمنين، واللهُ أعلم بما خُتم له .. ومن خبيث قوله (٤):
أتَى عيِسَى فَبَطَّل شَرع موسى (٥) … وَجَاءَ محَمدٌ بِصَلَاةِ خَمْسِ
стр. 746
وَقَالوا لَا نَبِيٌّ بَعْدَ هَذَا … فَضَلَّ النَّاسُ بَينَّ غَدٍ وأمسِ (١)
ومَهْمَا عِشْتَ مِنْ دُنيَاكَ هَذي … فَمَا تُخْليكَ مِنْ قَمَرٍ وَشَمْسِ
إِذَا قُلتُ المُحَالَ رَفَعْتُ صَوْتِي … وإنْ قُلتُ اليَقينَ أطَلتُ هَمْسِي (٢)
[أَبو العلاء كان مُنكِرًا للنبوَّات]
° قال طه حسين في "تجديد ذكرى أبي العلاء": "أَبو العلاء كان مُنكِرًا للنبوَّات، جاحدًا لصحَّتها، وقد نَصَّ على ذلك في "اللزوميات" صراحةً غيرَ مَّرة، فَطوْرًا يُثبِتُ أنها "زُور"، وطورًا يجعلها "مصدر الشرور"، وافتَنَّ في ذلك افتنانًا عجيبًا، فلم يَكتفِ بإنكارِ النبوَّات، حتى أنكر الدياناتِ عامةً.
° ويقول في التعريض بالإسلام خاصَّةً:
تَلَوْا بَاطِلاً وَجَلَوْا صارِمًا … وَقَالُوا صَدَقْنَا فَقُلنَا نَعَمْ
° ويقول في التعريض بالنبي ﷺ :
وَلَسْتُ أقُولُ إنَّ الشُّهْبَ يَوْمًا … لِبَعْثِ مُحَمَّدٍ جُعِلَتْ رُجُومَا
° ويقول في ذلك معرِّضًا بقصةِ "خيبر":
ومحمدٌ وهو المُنَبَّأ يَشتكي … لِمكانِ أَكْلَتِهِ انقطاعَ الأبْهَرِ
° ويقول:
وَإذَا مَا سَألتَ أصْحَابَ دِينٍ … غيرُوا بِالقِياسِ مَا رَتبوهُ
لَا يَدِينُونَ بِالعُقُولِ وَلَكِنْ … بِأبَاطِيلِ زُخْرُف كَذبوهُ
° ويقول
بنَتِ النَّصَارَى للمسِيح كَنَائِسًا … كادَتْ تَعِيبُ الفِعْلَ مِنْ مُنتَابِهَا
стр. 747
وَمَتَى ذَكَرْتَ مُحَمدًا وَكِتَابَهُ … جَاءَتْ يَهُودُ بِجَحْدِهَا وَكتَابِهَا
° وانظر إلى السخرية في قوله:
أفَمِلَّةَ الإسْلَامِ ينكِرُ منكِرٌ … وَقَضَاءُ ربِّكِ صَاغَهَا وَأَتَى بِهَا
° ويقول:
غَدَا أهْلُ الشَّرَائِع في اخْتلَافٍ … تُقَضُّ بِهِ المَضاجِعُ وَالمُهُودُ
فَقَدْ كَذَبَتْ عَلَى عِيسَى النَّصارَى … كمَا كَذَبتْ عَلَى موسَى اليَهُودُ
° وانظر إلي تعريضه بالإسلام:
وَلَمْ تَسْتَحْدِثِ الأيَّامُ خَلقًا … وَلَا حَالَتْ مِنَ الزَّمَنِ العُهُودُ
ومثلُ هذا كثيرٌ في "اللزوميات"، لم نَشَأْ أن نُسرِفَ في روايتِه اتقاءَ الإطالة، وخشيةَ الإملال، وهو يدلُّ على أن رُوحَ الرجل لم يكن روحَ مؤمن بالنبوَّات، ولا مصدقٍ للأنبياء" (١).
° وقال أيضًا: "وقال في إنكار ما في القرآن من تقسيم فرائض الميراث:
حَيْرَانُ أنْتَ فَأيَّ النَّاسِ تَتَّبعُ … تَجْرِي الحُظُوظُ وَكُلٌّ جَاهِلٌ طَبِعُ
وَالأمُّ بِالسُّدْسِ عَادَتْ وَهِيَ أرْأفُ من … بِنْتٍ لَهَا النِّصْفُ أوْ عِرْسٍ لَهَا الرُّبعُ
وقد أجمع المؤرِّخون على أنَّ أبا العلاء، عارَضَ القرآنَ بكتابٍ سماه:
"الفصول والغايات في محاكاةِ السور والآيات"، وأبو العلاء نفسه لم يُنكِرْ هذا الكتاب، بل أثبته في ثَبَتِ كتبه، الذي رواه القِفْطيُّ والذهبي، والناسُ يُكفِّرون أبا العلاء بهذا الكتاب، وبما في "رسالة الغفران" من سخريةٍ، وبما
стр. 748
في "اللزوميات" من إنكار النبوات" (١).
* أمَّا مَوْقِفُهُ مِنَ الْبَعْثِ:
° فيقول طه حسين: "اضطرب رأيُ أبي العلاءِ في البَعْثِ اضطرابًا شديدًا، فمرةً أثبَتَه، فقال:
قال المُنَجِّمُ وَالطبِيبُ كِلَاهُما … لا تُحْشَرُ الأجْسَامُ قُلتُ إِلَيكُمَا
إن كَانَ رَأيُكمَا فَلَستُ بِخَاسِرٍ … أو صَحَّ قَوْلِي فَالخَسَارُ عَلَيْكمًا (٢)
وتَارةً يُنكِرُه نصًّا، بل نفاه أكثَرَ من ستينَ مرةً في "اللزوميات" ومِن أشنع قوله في ذلك:
وزَعَمْتَ أنَّ لَهَا مَعَادًا ثَانِيًا … مَا كَانَ أَغْنَاهَا عَنِ الحَالَيْنِ
وتَارةً يقفُ في أمرِ البعثِ موقفَ الشك فيقول:
يا مَرحَبًا بِالمَوْتِ مِن مُتَنَظَّرٍ … إنْ كَانَ ثَمَّ تَعَارُفٌ وتَلَاقِ (٣)
* الجن والْمَلائِكَةُ:
قال طه حسين: "أبو العلاء أنكر الجِنَّ والملائكةَ في "اللزوميات" نصًّا، فقال:
قد عِشْت عُمْرًا طَوِيلاً ما عَلِمْتُ بِهِ … حِسًّا يُحَسُّ لِجِنِّيٍّ ولَا مَلَكِ
وقال:
فاخشَ المَليكَ ولا تُوجَدْ علي رَهَبٍ … إن أَنْتَ بِالجِنِّ في الظَّلمَاءِ خُشِّيتَا
стр. 749
فَإِنَّما تِلكَ أخبَارٌ مُلفَّقَةٌ … لخِدعةِ الغَافِلِ الحَشَوِيِّ حُوشِيتَا
و"رسالة الغفران" مملوءةٌ بالسخرية المؤلمةِ من الجنِّ والملائكةِ جميعًا، وقد نَظَم الشِّعرَ في "رسالة الغفران" على ألسِنَةِ الجنِّ الذين دَخلوا الجنة، فقال: -وإنما يُريدُ الهُزْءَ والسخرية-:
مَكَّةُ أقْوَتْ من بَنِي الدَّرْدبسْ … فَمَا لِجِنِّيٍّ بِهَا حَسِيسْ
* أصل الإِنسان: "شكَّ في أصل الإنسان، فقال:
جَائِزٌ أن يَكُونَ آدَمُ هَذَا … قَبْلَهُ آدَمٌ عَلَى إِثْرِ آدَمْ
ثم جزم بذلك، فقال:
وما آدَمٌ في مَذْهَبِ العَقْلِ وَاحِدٌ … وَلَكِنَّهُ عِنْدَ القِيَاسِ أَوَادِمُ
وتمنَّى أبو العلاء لو أنَّ الإِنسانَ لم يُوجَد؛ لأنه شرير مفسِد في الأرض، فقال:
يا ليتَ آدَم كَانَ طَلقَ أُمَّهُمْ … أو كانَ حَرَّمَهَا عَلَيْه ظهَارُ
وَلَدَتْهُمُ في غَيْرِ طُهْر عَارِكًا … فَلذَاكَ تُفْقَدُ فِيهِمُ الأَطَهَارُ
وهو لا يُفرِّقُ في حُكم العقل بين ابنِ الحَرةُ وابنِ الزانية، فيقول:
وسِيَّانِ مَنْ أُمُّهُ حرَّةٌ … حَصَان ومَنْ أُمُّهُ زَانِيَهْ
ويقول:
ما مَيَّزَ الأَطفالَ في أشبَاحِهَا … للعَينِ حِل وِلَادَةٍ وَظهَارُ
وبَالَغ أبو العلاء في كُرهِ الوجودِ حتى استَحسَن من وَأْد البنات ما حَرمه الله:
ودفْن والحَوَادِثُ فَاجِعَاتٌ … لإِحْدَاهنَّ إِحدى المَكرُماتِ
стр. 750
واستَحسَنَ غيرَ مرةٍ تحريقَ الهند موتاهم وأحبَّه، وفي ذلك يقول:
فَاعْجَبْ لِتَحْرِيقِ أهْلِ الهِنْدِ ميتهُمْ … وَذَاكَ أرْوَحُ من طُولِ التَّبَارِيحِ
إنْ حَرَّقوه فَمَا يَخْشَوْنَ من ضَبُعٍ … تَسْرِي إِلَيْهِ ولا خَفي وتَطرِيحِ
والنَّارُ أطيَبُ مِنْ كَافُورِ ميِّتِنَا … غِبًّا وأذهَبُ لِلنَّكراءِ والرِّيحِ
وذَهَب المَعرِّي إلى تحريم أكلِ الحيوان وما يَخرجُ منه، فمن ذلك قوله:
غَدَوْتَ مَرِيض العَقْلِ والدينِ فَالقَنِي … لِتَسْمَعَ أنبَاءَ الأمُورِ الصَّحَائِحِ
فَلَا تأكلَنْ ما أخْرَجَ البَحْرُ ظَالِمًا … ولا تَبغْ قُوتًا من عَرِيضِ الذبائِحِ
ولا بَبْضَ أُمَّات أرَادَتْ صَرِيحَهُ … لأطفَالِهَا دُونَ الغَوَانِي الصَّرَائِحِ
ولا تَفْجَعَنَّ الطَّيْرَ وهي غَوَافِلٌ … بِمَا وَضَعَتْ فَالظُّلمُ شرُّ القَبَائِحِ
وَدع ضَرَبَ النَّحلِ الَّذي بَكَرَتْ لَهُ … كَوَاسِبَ من أزهَارِ نَبْتٍ فَوَائِحِ
فَمَا أحرَزَتْهُ كَيْ يَكُونَ لِغَيرِهَا … ولا جَمَعْتَهُ لِلنَّدَى والمَنائِحِ
مَسَحْتُ يَدِي مِنْ كُلِّ هَذَا فَلَيْتَنِي … أَبَهْتُ لشَانِي قَبْلَ شَيْبِ المَسَائِحِ
وجازاه اللهُ بنِحْلَتِه، وبما قال عن مِلَّتِه بحَبسِ الدنيا قبل الآخرة، فحَبَسَه في جَسَده، وهذا أشدُّ الحَبْس.
واللفظُ الذي اختاره لنفسه، وكان أن ينادَى به "رهينَ المَحْبَسَينِ"، وإنما أراد بالمحسبين منزلَه الذي احتَجَب فيه، وبَصَرَه، على أنه ذكر لنفسه في "اللزوميات" سجونًا ثلاثةً.
أحدها: منزله، والآخر: ذَهابُ بصره، والثالث: جِسمُه الماديُّ الذي احتَبَست فيه نَفْسُه أيامَ الحياة، وذلك حيث يقول:
أُرَانِي في الثَّلَاثَةِ من سُجُونِي … فَلَا تَسْألْ عنِ الخَبَرِ النَّبِيثِ
стр. 751
لِفَقْدِي نَاظِرِي ولُزُومُ بَيْتِي … وَكَوْنُ النَّفْسِ في الجِسمِ الخَبِيثِ
فهذه صورةُ الأديبِ الفليسوفِ الذي خُدع الناسُ به طويلاً، والذي أنكر النبَّوات، وعَرَّض بالتكليف، وعارض القرآن، وهَزَء بشيء من أحكامه (١):
سَيسْألُ قَوْمٌ مَا الحَجِيجُ ومَكَّة … كما قال قَوْمٌ ما جَدِيسٌ وما طَسَمْ
هذا الذي رأى التَّقِيَّة:
لا تُخْبِرَنَّ بِكنهِ دِينِكَ مَعْشَرًا … شُطُرًا وإنْ تَفْعَلْ فَأنْتَ مُغَرَّرُ
وقال:
فَاكْتُمْ حَدِيثَكَ لا يَشْعُرْ بِهِ أحَدٌ … مِنْ رَهْطِ جبْرِيلَ أو مِنْ رَهْطِ إبْلِيس
لقد حُبس في جسده ذليلاً في دارِ الدنيا، واللهُ الموعد، ويَكفيك أنه رأى أنَّ مِنَ الظلم أن يُضافَ إلى التصعيد والعُلو، وإنما العَدلُ أن يُضافَ إلى السقوطِ والهبوط، وبها نَطَقَ جزاءً وِفاقًا، فقال:
دُعِيتُ أَبَا العَلَاءِ وذَاكَ مَيْنٌ … ولَكِنَّ الصَّحِيحَ أَبَا النُّزُولِ
* في "أباطيل وأسمار" يفنِّد الشيخ محمود محمد شاكر خَبَرَ لقاء المَعَرِّيِّ بالراهب:
يَذهب الشيخ محمود شاكر إلى أنَّ خَبر لقاءِ المَعَرِّيِّ بالراهب الذي أفسَدَ عليه دِينَه خبر باطل، واستعان على ذلك بقولِ ثلاثةٍ من المعاصِرِين لأبي العلاء، وهم "الثعالبي" مُسنِدًا ذلك إلى أبي الحسن الدُّلفيِّ المِصِّيصِي
стр. 752
الشاعر، و"الخطيب البغدادي"، والمعاصر الثالث وهو "الباخَرزيُّ" (٤٦٧ هـ): القائل عن المعري: "وقد طال في ظلالِ الإسلام آناؤه، ولكن ربَّما رَشَحَ بالإلحاد إناؤه".
ويَذهبُ الشيخ محمود شاكر إلى أنه "إلى أن كانت سنة ٣٩٨ من الهجرة على الأقلِّ، لم يكن دِينُ أبي العلاء موضعَ تُهَمةٍ، ولا كانت مقالةُ السُّوء قد سارت عنه في الناس، وهو يومئذٍ في الخامسةِ والعشرين شابًّا ملءَ شبابِهِ رُجولته، وفي أوَّل الطريقِ الأعظم إلي الشهرة التي سوفَ تتردَّد في جَنَباتِ بلادِ الإِسلام.
° قال الثعالبيُّ في "تَتِمَّة يتيمة الدهر" (٣٥٠ - ٤٢٩ هـ): "كان حَدثني أبو الحسن الدُّلفيُّ المِصِّيصِيُّ الشاعر "والمِصِّيصة التي ينسب إليها ببلاد الشام"، وهو ممَّن لقيتُه قديمًا وحديثًا في مدةِ ثلاثين سنةً، قال: لقيتُ بالمَعَرَّةِ عجبًا من العجب! رأيتُ أعمى شاعرًا، ظريفًا، يكنى "أبا العلاء"، يَلعبُ بالشِّطْرنج والنَّرْدِ، ويدخُل في كلِّ فنٍّ من الجِدِّ والهَزْل، وسمعتُه يقول: أنا أحمدُ الله على العمى، كما يَحمَده غيري على البصَر، فقد صنع لي وأحسَنَ بي إذْ كفاني رؤيةَ الثقلاءِ البُغَضاء .. قال: وحضرتُه يومًا وهو يُملي في جوابِ كتابٍ وردَ عليه من بعضِ الرؤساء، ثم ذكر ثلاثةَ أبياتٍ أملاها الشاعرُ الأعمى، ولم يزدْ على ذلك شيئًا، وهو خلو "أي خالٍ خلوًّا تامًّا" من كل إشارةٍ إلى اتهام الرجُل في دينه (١).
وتحليل خبر الثعالبي المعاصر الأوَّل له مسندًا إلى أبي الحسن الذي رآه
стр. 753
بعينيهِ في "مَعَرَّة النعمان" مرارًا، قد دلَّ دلالةً قاطعة على أن هذه القالَة لم تكن إلاَّ بعدَ عودتِه من العراق، واعتزالهِ، وتأليفه ما كَثرت عليه فيه المآخذ، كلزوم ما لا يَلزم، و"استغفر واستغفري" بعد (سنة ٤٠٠ من الهجرة) (١).
والعلم عند الله تعالى، وقد أفضى الرجل إلى ما قدَّم.
* ابنُ المُقفَّع .. المشهورُ بالزندقة:
أَعلى من شأنِه طه حُسين وأحمد أمين وبطرس البستاني، ويُقرِّرُ طه حسين كتابَ "كليلة ودمنة" مع ما فيهِ من سمومٍ على طلاَّبِ المدارس الثانوية.
° قال الخليفة "المهديُّ" عن ابن المقفَّع: "ما وجدتُ كتابَ زندقة قطُّ إلاَّ وأصلُه ابن المقفَّع".
ووصف دُعاةُ التغريب ابنَ المقفَّع بأنه من أعلام الفِكر الحُر، وأنه مُصلحٌ اجتماعيٌّ (!!) .. وهم يَعلمون أنه أكبرُ طاعن على الإسلام، قدَّم أولَ ما قَدَّمَ -للقضاء على نظام الإسلام الاجتماعي- "كتاب مَزْدك"، ثم كتاب "بروزيه"، لِيُثبِتَ تناقضَ الأديانِ -وبخاصةٍ الإِسلام-.
وكشف إبراهيمُ أبو القاسم في كتابه "الردُّ على اللعين عبدِ اللهِ بن المقفَّع" أنه كان يُعارض القرآن.
ويكفي لزندقته "باب بروزيه" الذي أضافه أضافه إلى كتاب "كليلة ودمنة" قاصدًا به تشكيك الناسِ في دينهم.
стр. 754
ثم اتصالاتُه بخلفاء الشعوبيِّين والمُجانِ المتَّهمين بالزندقة من أمثالِ "إقبال البقلي" الذي أنكر البعثَ والقيامة، و"عَمَّارِ بن حمزة"، و"أبانَ اللاحقي"، و"سهل بن هارون"، و"حماد عجرد" .. ولقد ارتبط اسمُ ابن المقفع بالزندقة عند ابن خَلكان والبَيروني والصَّفَدي (١).
* أبو بكر الرَّازي الزنديق:
نَبَش المستشرق "باول كراوس" في كتابات "أبي بكر الرازي" وهي تفوقُ الحَصْرَ في الطب والعلوم حتى عثر فيها على أقوالٍ فيها زندقة، فنَشَرها سنةَ ١٩٣٩ م في القاهرة تحت عنوان "رسائل فلسفية" تحدَّث فيها عن كتابَينِ من الميراثِ الإلحادي للرازي هما "مخاريق الأنبياء" و"نقض الأديان".
° يقول أبو بكر الرازي مشككًا في الدين: "من أين أوجَبتم أن اللهَ اختَصَّ قومًا دون قوم، وفَضَّلهم على الناس، وجَعَلهم أدلَّةً لهم، وأحوَجَ الناسَ إليهم؟ ومن أين أجَزْتُم في حكمةِ الحكيم أن يختارَ لهم ذلك وُيعلي بعضَهم على بعض، ويؤكدُ بينهم العداوات، ؤيكثِر المحارَبات، وُيهلِك بذلك الناسَ؟! ".
° ويقول أبو بكر الرازي أيضًا: "إنكم تَدعون أن المعجزةَ قائمة موجودة وهي القرآن، وتقولون: من أنكر ذلك فليأتِ بمِثلِه".
° ثم قال: "إن أردتم "مِثلِه" في الوجوه التي يتفاضل بها الكلام، فعلينا أن نأتيَكم بألفٍ مِثلِه من كلام البُلغاء والفُصَحاءِ والشعراء، وما هو
стр. 755
أطلقُ منه ألفاظًا، وأشد اختصارًا في المعاني، وأبلغ أداءً وعبارةً، وأشكَلُ سَجعًا؛ فإن لم تَرضَوا بذلك، فإنا نُطالبكم بمِثل الذي تطالبونا به".
° ويقول: "وأيمُ الله، وأقسِمُ بالله لو وَجَبَ أن يكونَ كتاب حجةً لكانت كتبُ أصول الهندسة والمجسطي "كتاب الفلك تأليف بطليموس" الذي يؤدِّي إلى معرفةِ حركاتِ الفَلَكِ والكواكب، وكتبُ المنطق، وكتب الطبِّ التي فيها علومُ مصلحةِ الأبدان: أولى بالحُجة ممَّا لا يُفيدُ نَفعًا ولا ضَرًّا، ولا يَكشِفُ مَستورًا" .. "يعني القرآن الكريم".
° ويقول أيضًا: "مَن ذا يَعجِر عن تأليفِ الخرافاتِ بلا بيانٍ ولا برهان إلاَّ دعاوَى أن ذلك حُجَّةٌ؟! وهذا بابٌ إذا دعا إليه الخَصْم سَلَّمناه وتركناه وما قد حَل به من سَكْرةِ الغَفلةِ والهوى، مع أننا نأتيهِ بأفضلَ منه من الشِّعر الجيِّد، والخطَب البليغة، والرسائل البديعة ممَّا هو أفصحُ وأطلقُ وأسجع منه، وهذه معاني تفاضل الكلام في ذاته، فأما تفاضل الكلام على الكتاب، فلأمورٍ كثيرةٍ، فيها منافع كثيرة وليس في القرآن شيءٌ من ذلك الفضل، إنما هو في باب الكلام والقرآن خِلْوٌ من هذه التي ذكرناها".
لولا أن ناقلَ الكفرِ ليس بكافر، ولولا أن كَشفَ ما يفعلُه المستشرقون يستلزم تقديمَ نماذجَ ممَّا يقولون وما يَستنِدون إليه من كتاباتِ الزنادقةِ المسلمين، لَمَا وجدتُ في نفسي الجرأةَ على كتابةِ مثل هذا الكلام السفيه، وتعالى الله عما يصفون.
* قسطا بن لوقا:
ولكن مسيلِمة الكذاب وابنُ المقفع والرازي لم يكونوا وحدَهم،
стр. 756
ولكن هناك غيرُهم مثل "قسطا بن لوقا" (٨٢٠ - ٩١٢).
° يقول ابن أبي أُصيبعة عنه في كتابه "عيون الأنباء في طبقات الأطباء": "قسطا بن لوقا البَعْلُبَكِّيُّ، قال سليمانُ بنُ حسانَ: إنه طبيبٌ حاذقٌ نبيلٌ، فيلسوفٌ، مُنجِّمٌ عالِمٌ بالهندسةِ والحسابِ، وكان في أيام "المقتدر بالله" .. ونَقَل كُتبًا كثيرةً من كُتبِ اليونانيين إلى اللغة العربية، وكان جيِّدَ النقل، فصيحًا باللسان اليونانيِّ والسُّريانيِّ والعربيِّ، وأصلح نقولاً كثيرةً، وأصلُه يونانيٌّ، وله رسائلُ كثيرةٌ في صناعةِ الطبِّ وغيرها، وكان حَسَنَ العبارةِ جَيِّدَ القريحة. وكَتَب أبو عيسى "يحيى بن المنجِّم" إلى قسطا بن لوقا وحنين بن إسحاق رسالةً في إثباتِ نبوَّةِ محمد ﷺ ، فكيف كان رَدُّ قسطا بن لوقا على هذه الرسالة؟ لقد سعى إلى التشكيك في أُسسِ الإسلام متهكِّمًا على نظريةِ إعجازِ القرآن، مهاجمًا لغةَ الوحي، طاعنًا في صِحَّة الإسلام".
° يُقارِنُ قسطا بن لوقا بين النصِّ القرآنيِّ من ناحية وشِعر "هوميروس" من ناحيةٍ أخرى، في محاولةٍ للتشكيك في إعجازِ القرآن، ويقول: "لَمَّا كان "لهوميروس" قدرةٌ على تأليفِ الشِّعر، ولا يمكنُ لأحدٍ أن يأتيَ بمثلِ شِعر "هوميروس"، يكون هوميروس عندك نبيًّا، سيما وقد أتى فيه بمعانى جليلةِ القَدْرِ جدًّا، ومِن أجلِّ الصناعات، حتى ذَكَر فيه معانيَ في الطبِّ عجيبةً".
° إلى أن يقول: "ولم أرَ الأمرَ في كتابك -القرآن- جاريًا على هذا المجرى، فإنك لا تَرجعُ فيه إلى صنعةٍ من الصناعات، فيقول مِن حِفظِه وفهمِه أقصى فهم. إنَّ أخبارَه جَعَلته في تلك الصناعةِ رئيسًا، فإنك إن
стр. 757
ذَكَرتَ الإعرابِ كان الذي يُفادُ عن الأعراب من كتاب سيبويه وغيره من كتب العرب أكثرَ ممَّا يُفاد منه "أي: من القرآن"، وإن ذَكَرت الفقه كان الذي يُعلَمُ من كتبِ أبي حنيفة وابن عُلَّيةَ وغيرِهما من الفقهاءِ أكثرَ مِن الذي يُفادُ منه "القرآن"، وإن ذَكَرت الشِّعرَ والخُطَبَ كان الذي يُفادُ مِن علمهما من الكتبِ بهما أكثرَ مِن الذي يُفاد منه "القرآن"، وإن ذكَرت الأخبارَ كان في التوراةِ والمسنَد وغيرِ ذلك من كتبِ الأخبارِ أكثرُ ممَّا فيه "القرآن" .. ".
° ويواصِل طَعْنَه في القرآن، فيقول قسطا بن لوقا: "على أني رأيتُ قومًا يأتون بلفظٍ من هذا الكتاب "القرآن"، ويُقيمون لفظًا آخَرَ بحِذائِه، ويقولون: لو حَصَلت هذه اللفظةُ لكان أحسَنَ وأليقَ بالمعنى، مِن ذلك قولُهم: "لو كان مكان قوله "تعالى" ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾، يقول: "والنجم إذا علا" لكان ذلك أقربَ إلي المعنى، لأن ذلك حَلِفٌ، ولا يُحلَفُ بالنجم في هُوِيه، بل في أحسنِ حالاته، أعني علوَّه وارتفاعَه".
ومثل هذه الأقوالُ يَبحثُ عنها المستشرِقون ليستخدموها في تعميقِ الكراهيةِ والعِداءِ للإِسلام في الغرب.
* إِبراهيمَُ الفزَاريُّ، الشاعرُ الزنديق، عدوُّ رسول الله ﷺ ، يتحوَّلُ عن القِبلة عند الموت:
° نقَل القاضي عياض من كتاب "المُعرِب عن أخبار المغرب" أنه في أيام أبي العبَّاسِ عبدِ الله بنِ طالبٍ التَّميمي -قاضي "القيرُوان"-، تمَّ إعدامُ إبراهيمَ الفزاريِّ".
° ثم قال: "وكان إبراهيمُ شاعرًا متفننًا في كثيرٍ من العلوم، مع استهزاءٍ
стр. 758
وطَيشٍ، وكان يَحضرُ مجلسَ ابنِ طالبٍ لِمناظرةِ الفقهِ، فقِيل: إنه كان يُزرِي به، ويتضاحكُ بأمره، ونَمَتْ عنه أمورٌ منكَرة، فانتهى ذلك إلى ابنِ طالب، فطَلَبه وحَبَسه، وشَهِد عليه أكثرُ من مِئتينِ بالاستهزاء بالله وبكتابِ الله وأنبيائِه وبنبيِّنا ﷺ .. قيل: وكان منهم ثلاثون عدلاً.
فجَلَس له ابنُ طالب، وأحضَرَ العلماءَ -يحيى بنَ عُمرَ وغيرَه-، وأُمَر بقَتله، فطُعِن بسكِّينٍ في حَنجرته، وصلِب مُنَكَّسًا، ثم أُنزِل بعد ذلك، وأُحرِق بالنار.
وحكى بعضُهم أنَّه لَما رُفِعت خَشبتُه، وزالت عنه الأيدي استدارت وتحوَّلتْ عن القِبلةِ، فكانت آيةً للجميع، فكَبَّر الناس، وجاء كَلبٌ فوَلَغ في دَمِه، فقال يحيى بنُ عمر: صَدَق رسولُ الله ﷺ .. وأسند حَديثًا عنه ﷺ أنه قال: "لا يَلِغُ الكلبُ في دَمِ المُسْلم" .. " (١).
* * *
* الحَلاَّج، زنديق الصوفية، ورأسُ أهلِ الحلول والاتحاد:
هو الحُسينُ بن منصورِ بنِ مَحْمِيٍّ الحَلاَّجُ أبو مُغيث، رأسُ أهل الحلول والاتحاد.
° قال سفيان بن عيينة: "مَن فَسَد من علمائنا كان فيه شَبَةٌ من اليهود، ومَن فسَد من عُبادِنا كان فيه شَبَهٌ من النصارى".
ولهذا دَخَل على الحلاَّج الحُلول، فصار من أهل الانحراف.
стр. 759
° صَحَّ عنه أنه دَخَل إلى الهند، وتعلَّم بها السِّحر، وقال: "أدعو به إلى الله".
° وكان أهلُ الهند يكاتبونه "بالمُغيث"، ويكاتبُه أهلُ سركسان بـ "المُقيت"، وأهلُ خراسان بـ "المميز"، وأهل فارس بـ "أبي عبد الله الزاهد"، وأهل خُوزستان بـ "حلاَّج الأسرار"، وكان بعضُ البغاددة يقولون له: "المصطلَم"، وأهل البصرة يقولون له: "المحيَّر".
° ومن شعره:
سبحَانَ مَنْ أظهَرَ نَاسُوتَهُ … سِرُّ سَنَا لَاهُوتِهِ الثَّاقِبِ
ثُمَّ بَدَا فِي خَلقِهِ ظَاهرًا … فِي صُورَة الآكلِ وَالشَّارِبِ
حَتَّى لَقَدْ عَايَنَهُ خَلَقُهُ … كلَحْظَةِ الحَاجٍِب بالحَاجِبِ
° قال عمرُو بن عثمان المكي: "كنت أُماشي الحلاَّج في بعض أزِقَّةِ مكة، وكنتُ أقرأُ القرآن، فسمع قراءتي، فقال: يمكنني أن أقولَ مثلَ هذا؛ ففارقته".
° وقال القُشيري في "رسالته" في باب "حفظ قلوب المشايخ": "إن عمرو بن عثمان دخل على الحلاَّج، وهو بمكة، وهو يكتبُ شيئًا في أوراق، فقال له: ما هذا؟ فقال: هو ذا أُعارِضُ القرآن".
وكَتب عمرو بن عثمان إلى الآفاق كتبًا كثيرةً يلعنه فيها، ويُحذِّرُ الناسَ منه، فشَرَد الحلاَّجُ في البلاد، فعاث يمينًا وشِمالاً، وجَعَل يُظهرُ أنه يدعو إلى إلله، ويستعينُ بأنواعٍ من الحِيَل، ولم يَزَلْ ذلك دَأَبَه وشأنَه حتى أحَلَّ اللهُ به بأسَه الذي لا يُردُّ عن القوم المجرمين، فقتله بسيف الشرعِ الذي
стр. 760
لا يقعُ إلاَّ بين كَتِفَيْ زنديق"، واللهُ أعدلُ مِن أن يُسلِّطه على صِدِّيق، فكيف وقد تَهجَّم على القرآن العظيمِ، وقد أراد معارضتَه في البلد الحرام؛ حيث نزل به جبريل، وقد قال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]! ولا إلحادَ أعظمُ من هذا.
وقد أشبه الحلاجُ كفارَ قريش في معاندتهم، كما قال تعالى عنهم:
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١) [الأنفال: ٣١].
° قال الذهبي: "كان يُصحِّحُ حالَه ابنُ عطاء، ومحمدُ بنُ خفِيف، وإبراهيمُ أبو القاسم النصر آباذي، وتبرأ منه سائرُ الصوفية والمشايخ والعلماء؛ لسُوءِ سيرته ومروقِه، ومنهم مَن نَسَبه إلى الحلول، ومنهم من نَسَبه إلى الزندقة، وإلى الشعبذة والزُّوكرة، وقد تستَّر به طائفة من ذَوِي الضلال والانحلال، وانتحلوا ورَوَّجوا به على الجهال.
° وقال له الجُنيد يومًا: "أيُّ خشبةٍ تفسدها؟ يريدُ أنه يصلب".
° وقال عنه إبراهيم بن شيبان: "مَن أحبَّ أن ينظرَ إلى ثمراتِ الدعاوَى الفاسدة، فلينظرْ إلى الحلاج، وما صار إليه".
° وكان يقول: "ما انفصلت البشرية عنه، ولا اتَّصلت به".
لمَّا أحضَره الوزير عليُّ بن عيسى فلم يجده يحسِنُ القرآنَ والفقهَ ولا الحديث، فقال: تعلُّمك الفرضَ والطهور، أجدى عليك من رسائلَ لا
стр. 761
تدري ما تقول فيها، كم تكتبُ -ويلك- إلى الناس: "تباركُ ذو النور الشعشعاني"؟! ما أحوجَك إلى أدب! وأمر به فصلب، ووُجد في كتبه:
"إني مُغرِقُ قوم نوح، ومُهلِك عادٍ وثمود".
° وكان يقول للواحد من أصحابه: "أنت نوح"، ولآخر: "أنت موسى"، ولآخر: "أنت محمد".
° قال ابن عقيل: "قد قتل بإجماع فقهاء عصره، فأصابوا، وأخطأ هو وحده".
* صِفَةُ مَقْتَلِ الْحَلاَّجِ:
° قال الخطيبُ البغدادي: "كان الحلاج قد قَدِمَ آخِرَ قَدْمةٍ إلى بغداد، فصَحِبَ الصوفيةَ وانتسب إليهم، وكان الوزير إذ ذاك "حامدَ بن العباس"، فبَلَغه أن الحلاجَ قد أضلَّ خلقًا مِن الحَشَم والحجَّاب في دارِ السلطان، ومِن غلمانِ "نصر القشوري" الحاجب، وجعل لهم في جُملةِ ما ادعاه أنه يحيي الموتى، وأن الجنَّ يَخدِمونه، ويحضِرون له ما شاء، وقال: إنه أحيا عدةً من الطير، وسُلِّمِ إلى الوزير حامد بن العباس، فحَبَسه في قيودٍ كثيرة في رِجليه، وجَمع له الفقهاء، فأجمعوا على كُفره وزندقته، وأنه ساحر مُمَخْرِق.
ولما كان آخرُ مجلس، أَحضر الوزير حامدُ بنُ العباس القاضي أبا عمر محمدَ بنَ يوسف وجِيء بالحلاج، وقد أَحضر له كتابًا من دُورِ بعض أصحابه، وفيه: "ومَن أراد الحج، ولم يتيسر له، فلْيَبْنِ في داره بيتًا، لا ينالُه شيءٌ من النجاسة، ولا يُمَكِّنْ أحدًا من دخوله، فإذا كان في أيام
стр. 762
الحج، فليَصُمْ ثلاثةَ أيام، ولْيَطُفْ به كما يُطافُ بالكعبة، ثم يَفعلُ في دارِه ما يفعله الحجيجُ بمكة، ثم يستدعي بثلاثين يتيمًا؛ فيُطعِمُهم من طعامه، ويتولَّى خِدمتَهم بنفسه، ثم يكسوهم قميصًا قميصًا، وُيعطِي كلَّ واحدٍ منهم سبعةَ دراهم، فإن فَعَل ذلك قام له مَقامَ الحج .. وإن مَن صامَ ثلاثة أيام لا يُفطِرُ إلاَّ في اليوم الرابع على وَرقاتِ هُندُبا أجزأه ذلك عن صيام رمضان .. ومَن صلَّى في ليلةٍ ركعتين مِن أول الليل إلى آخِرِه أجزأه ذلكِ عن الصلاةِ بعد ذلك .. وأن مَن جاور بمقابِرِ الشهداء، وبمقابرِ قريشٍ عَشَرة أيام يُصلي ويدعو ويصوم، ثم لا يُفطِرُ إلاَّ على شيءٍ من خُبزِ الشعير، والمِلح الجريش، أغناه ذلك عن العبادة في بقية عمره.
فقال له القاضي أبو عمر: مِن أين لك هذا؟ فقال: من كتاب "الإخلاص" للحسن البصري".
فقال له: كذبتَ يا حَلالَ الدم، قد سمعنا كتاب "الإخلاص" للحسن بمكة، ليس فيه شيءٌ من هذا، فأقبل الوزيرُ على القاضي، فقال له: قد قلتَ: "يا حلال الدم"، فاكتب ذلك في هذه الورقة، وألَح عليه، وقَدَّم له الدواةَ، فكتب ذلك في تلك الورقة، وكَتب مَن حَضَر خُطوطَهم فيها، وأنفذها الوزيرُ إلى المقتدر.
فجاء الجواب بأن يُسلَّمَ إلى محمدِ بنِ عبدِ الصمد، صاحبِ الشرطة، ولْيَضْرِبه ألف سَوط، فإن مات، وإلاَّ ضُربت عُنقه.
وبعث به إليه، وهو راكب على بَغلٍ عليه إكاف، وحَولَه جماعةٌ من السيَّاسة، على مثل شَكله، فاسْتقرَّ منزله بدارِ الشرطة في هذه الليلة، فذُكر أنه بات يُصلِّي تلك الليلة، ويدعو دعاءً كثيرًا.
стр. 763
وقالوا: ولَمَّا أُخرج الحلاج من المنزل الذي بات فيه لِيذهبَ إلى القتل أَنشد:
طَلَبْتُ المُسْتَقَر بِكُلِّ أرْض … فَلَمْ أرَ لِي بِأرْض مُسْتَقرَّا
وَذُقْتُ مِنَ الزمَانِ وَذَاقَ مِنِّي … وَجَدْتُ مَذَاقَهُ حَلْوًا وَمُرَّا
أطَعْتُ مَطَامِعِي فَاسْتَعْبَدَتْنِي … وَلَوْ أنِّي قَنِعْتُ لَعِشْتُ حُرَّا
فلمَّا أُخرج للصَّلْب مَشى إليه، يتبختر في مشيته، وفي رِجليه ثلاثةَ عَشَر قيدًا وجعل ينشد ويتمايل:
نَدِيمِي غَيْرُ مَنْسُوبِ … إِلَى شَيْء مِنَ الحَيْفِ
شَرِبْنَا مِثْلَ مَا يَشْرَبُ … فِعْلُ الضَّيْف بِالضِّيْفِ
فَلَمَّا دَارَتِ الكأسُ … دَعَا بالنِّطع وَالسَيْفِ
كَذَا مَنْ يَشْرَبُ الرَّاح … َ مَعَ التِّنِّينِ فِي الضَيْفِ
ثم قُدِّمَ، فضرب ألفَ سوط، ثم قُطعت يداه ورِجلاه، وهو في ذلك كلِّه ساكت، ما نَطَق بكلمة، ولم يتغيَّر لونه.
وقال الخطيب: قال لنا أبو عمر بن حيُّويه: "لَمَّا أُخرج الحسينُ بنُ منصور الحلاَّج؛ ليُقْتَلَ مَضَيْتُ في جُملة الناس، ولم أزل أزاحِمُ عليه حتى رأيتُه، فدنوتُ منه، فقال لأصحابه: "لا يَهولَنََّكم هذا الأمرُ، فإني عائدٌ إليكم بعد ثلاثينَ يومًا" .. ثم قُتل فما عاد!.
قال الذهبي: "هذه حكايةٌ صحيحة، توضِّحُ لك أن الحلاجَ مُمَخْرِقٌ كذَّاب، حتى عند قتله (١) .. ثم قُطعت يداه ورجلاه، وحُزَّ رأسه، وأُحرقت
стр. 764
جُثَّتُه، وأُلقي رَمادُها في "دِجْلة"، ونصب الرأسُ يومين ببغداد على الجِسر، ثم حُمل إلى خُراسانَ، وطِيف به في تلك النواحي".
° قال الإِمامُ الفقيه المُحَدِّثُ بقية السلف -كما يقول الذهبي- ابن أيوب: "لا شك أن الحَجَّاجَ قَتَل من العلماء خلائقَ يتعسَّرُ حَصْرُهم، وشَتَّت شملَهم وأبادهم، وقَتل سعيدَ بن جبير، وأهلُ الأرض محتاجون إلى عمله، وخَلَعه العلماء، وخَرَجوا عليه، وقاتلوه، ومع هذا كلِّه لم يَقُلْ أحدٌ منهم: "إنه كافر"، بل قالوا: إنه من عُصاة المسلمين؛ لا تَحِلُّ إمرتُه لذلك، والحَلاَّجُ ما تعرَّض لأحدٍ من أهل العلم بأذى في دنياه، وأجمع أهلُ زمانه منهم على كُفره، واستباحةِ دمه، فلو كان العلماءُ يقولون بالهوى، لقالوا في الحجاج الذي ما تَرك نوعًا من الأذى حتى رماهم به، فثبت أنهم لا يقولون بالهوى" اهـ.
° وَرَد في "الطواسين" للحلاج أنه قال:
ألَا أبْلِغََّ أَحِبَّائِي بِأَنِّي … رَكبْتُ البَحْرَ وَانكسَرَ السَّفِينَهْ
عَلَى دِينِ الصَّلِيبِ يَكُونُ مَوْتِي … فَلَا البَطحَا أُرِيدُ وَلَا المدَينَهْ
فَصُلِبَ؛ جزاءً وفاقًا.
° مِن كلمات هذا الزنديق: "أُنََزِّهُك عما قَرَفَك به عِبادُك، وأَبرأُ إليك مما وَحَّدك به الموحدون".
° قال الذهبي: "هذا عينُ الزندقة".
° وجدوا كتابًا للحلاَّج عنوانه: "من الرحمن الرحيم إلى فلان بن فلان"، فوجِّه إلى بغداد، فأُحضِر وعُرض عليه، فقال: "هذا خَطِّي وأنا
стр. 765
كتبته، فقالوا: كنتَ تدَّعي النبوة، صِرتَ تدَّعي الربوبية؟! قال: لا، ولكن هذا عَينُ الجَمعِ عندنا، هل الكاتبُ إلاَّ اللهُ وأنا؟ فاليدُ فيه آلة".
بات الحلاَّجُ في جامع "الدينَور" ومعه جماعة، فسأله واحدَّ منهم، فقال: "يا شيخُ، ما تقول فيما قال فرعون؟ قال: قال كلمةَ حقٍّ، قال: فما تقولُ فيما قال موسى ﵇؟ قال: قال كلمةَ حق؛ لأنهما كلمتان جَرَتا في الأبد، كما أُجرِيَتَا في الأزل" (١).
° وقال: "ما وَحَّد اللهَ غيرُ الله".
° وقال: "الكفرُ والإِيمان يفترقانِ من حيث الاسم، فأما من حيثُ الحقيقة، فلا فرقَ بينهما".
° عن جُندبِ بنِ زاذانَ تلميذِ الحلاَّج قال: "كتب الحسينُ إليَّ: السلام عليك يا وَلَدي، سَتَر اللهُ عنك ظاهرَ الشريعة، وكَشف لك حقيقةَ الكفر، فإن ظاهرَ الشريعة كفر، وحقيقةَ الكفرِ معرفةٌ جليلة، وإني أُوصيك ألاَّ تغترَّ بالله، ولا تيأسَ منه، ولا ترغبَ في محبَّته، ولا تَرْضَ أن تكونَ غيرَ مُحِب، ولا تقلْ بإثباته، ولا تَمِلْ إلى نَفيهِ، وإياك والتوحيد، والسلام" (٢).
* ابنُ عربيٍّ، دَجَّالُ الصوفية، القائل بتفضيل خاتم الأولياء (٣) على خاتم الأنبياء ﷺ -:
مُحيي الدين بنُ عربي الحاتمي الذي تُطلِق عليه الصوفية لقبَ "الشيخ
стр. 766
الأكبر" (١) والذي "كانت ولايته أعلى قمةٍ بلغها التصوفُ" (٢) عندهم، حتى عُدَّ رئيسَ مدرسةِ التصوف المتأخر (٣).
وقد كانت ولادته بـ "مَرَسية" في الأندلس عام ٥٦٠ هـ، وانتقل إلى "أشبيلية"، وقام برحلةٍ زار فيها الشامَ وبلادَ الروم والعراقَ والحجازَ، واستقر أخيرًا بدمشق، وتوفي بها عام ٦٣٨ (٤).
° يقول ابن عربي في "الفتوحات المكيَّة": "وخَتم بمحمدٍ ﷺ الرسل ﵈، وخَتم بشرعه جميعَ الشرائع، فلا رسولَ بعده يُشَرعِّ، ولا شريعةَ بعد شريعتِه تنزلُ من عند الله" (٥).
ونلاحظُ في هذه الجمل الأربع التي عَرَض بها عقيدته أنه يحتاطُ في كلِّ جملةٍ منها بلفظ يوهِم مشاركتَه للأمة في عقيدتها، ولكنه في الواقع غيرُ ذلك، وبتحليل ذلك يتضح الأمر في الأذهان:
(١) قوله: "وختم بمحمد ﷺ جميع الرسل"، نعم هذا صحيح، ولكنه هنا يَستبدل لفظ "الرسل" بلفظ "النبيين" الذي وَرَد في الآية ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وقد ورد كما سبق في حديث رسول الله ﷺ : "وخُتم بي النبيون" فلماذا يفعل ابن عربي ذلك؟ يفعلُه لأن النبي أعمُّ من الرسول، ونَفْيُ النبوة يعني: نَفْيَ الوحي -كما تقدم-، أما نفى الرسالة فلا
стр. 767
يلزمُ منه نَفيَ الوحي؛ لأنه قد يَنزلُ الوحيُ فيُكسِبُ صاحبَه صفةَ النبوة، ولا يُكسِبُه صفةَ الرسالة، وذلك إذا لم يطالَبْ بالتبليغ، وابنُ عربي يفهمُ ذلك وُيدرِكُه حقَّ الإدراك، فلو التزم باللفظ القرآني لَقَطع على نفسِه منزلة الولاية كما يتصوَّرها هو، والتي يتلقَّى صاحبُها الوحيَ من الله سبحانه.
(٢) قوله: "وختم بشرعه جميع الشرائع"، وهذه كذلك لازمةٌ للخَتم الذي انقطع به الوحي، فكأنه يُكثِّرُ العباراتِ للدلالة على إيمانه بالختم -كما يريده هو-، لأنه لا يدَّعي هو نزولَ شرعٍ جديد.
(٣) قوله: "فلا رسول بعده يُشرِّع"، وهذا تأكيدٌ ثالثٌ لصورةِ تلك العقيدة التي يؤمن بها، فيكررُ نفيَ الرسالة مرةً أخرى، ثم يؤكد بصفةٍ أخرى يُغني عنها لفظُ الرسول؛ لأن الرسول لا يكونُ إلا مشرِّعًا، ولكنْ لعله يريدُ أن يدَّعي الرسالةَ التي لا شَرعَ معها -كذلك-، فيُمهِّدُ بهذا القَيد.
° فقد قال في "الفتوحات": "اعلم -وفقنا الله وإياك- أنه من كرامةِ محمدٍ ﷺ على ربه أنْ جَعَل مِن أُمته رُسلاً، ثم إنه اختص من الرسل مَن بَعُدت نسبتُه من البشر، فكان نصفه بشرًا، ونصفُه الآخرُ رُوحًا مطهَرةً مَلَكًا؛ لأن جبريلَ وَهَبه لمريمَ بشرًا سويًّا .. " (١) إلخ قوله ذلك الذي بدأه بإثباتِ الرسل بعد رسول الله ﷺ .
فهذه هي عقيدتُه، لم يَنْف نزولَ الوحي، بل كل عبارةٍ فيها تُمهدُ لِمَا سيدَّعيه من الاتصال بخبر السماء.
وبعد هذه المقدمة لعقيدته في "ختم النبوة"، نعرضُ طريقتَه في فهم
стр. 768
النصوص النبوية المتعلقةِ بهذه العقيدة، لنرى مدى محاولاتِه المتنوِّعة في تطويع كلِّ شيءٍ في هذه العقيدة لفكره الصوفي، فهو عندما يَرَى النصَّ النبوي: "لا نبيَّ بعدي" يُسارعُ في تقييده بقوله: "إنما ارتفعت نبوة التشريع" (١).
° ويؤكِّدُ ذلك وَيزيدُه إيضاحًا بقوله: "أي: لا شرعَ خاصة، لا أنه لا يكون بعدَه نبيٌّ" (٢).
وكأنه يستدركُ على اللفظ النبويِّ في صورةِ النفي التي وَردت باستعمالِ نفي النبوة، وقد صرح بأن هذا الحديثَ قد أزعج إخوانَه الأولياء، فقال: "إن حديثَ "لا نبي بعدي" قد قَصَم ظهورَ الأولياء" (٣).
فلماذا يقصم ظهورْهم؟ ألَا يَرضَون ما رَضِيَه اللهُ لهم ورسولُه؟ ألَا يكفيهم ما تركه لهم رسولُ الله ﷺ من الكتاب والسنة؟ ولكنَّ الفيلسوفَ الصوفيَّ يُطمئنُهم، ويخفِّفُ من انزعاجهم بإخبارهم: "أنَّ الله لَطَف بعباده، فأبقى لهم النبوةَ العامةَ التي لا تشريعَ فيها" (٤).
° والمرادُ بعباده هنا هم الأولياء، كما ذكر ذلك في موطنٍِ آخَرَ بقوله:
"أعلم أن الولايةَ هي الفَلَكُ المحيطُ العامُّ، ولهذا لم تنقطعْ، ولها الإِنباءُ العام، أما نبوةُ التشريع والرسالة، فمنقطعة" (٥).
стр. 769
فالأولياء هم الذين لهم الإِنباءُ العام، وبهذا يتضحُ أنه يعتقدُ بقاءَ النبوة بعد رسول الله ﷺ .
وليس لأحدٍ أن يسألَه؛ لأن علومَ الأولياء لها مَصدرٌ فوق النقدِ، كما وَرَد عن أحدِ أسلافه من أقطابِ الصوفية وهو يَزيدُ البِسْطامي، حيث قال: "أخذتم علمَكم ميتًا عن مَيْتٍ، وأخذنا عِلمنا عن الحيِّ الذي لا يموت" (١).
° وبعد هذا التقرير النظري الذي انتهى منه ابنُ عربي إلى إثباتِ النبوة العامة، يَشْرعُ هو في دعوى الاتصال بالله، وأنه كَتب كتابه "فصوص الحكم" "تحت تأثير من الوحي والإِلهام فأنزل في سطورها ما أُنزل به عليه، لا ما قَضى به منطقُ العقل" (٢) كما ورد نصُّ ذلك في مقدمة "الفصوص" حيث قال: "فما أُلقي إلاَّ ما يُلقَى إليَّ، ولا أُنزل في هذا المسطور إلاَّ ما يُنزل به عليَّ" (٣).
° ولَمَّا كان يدَّعي أن الولاية كالنبوة لها خاتم "واحد لا في كلِّ زمان، بل هو واحدٌ في العالَم يَختمُ به الله الولاية المحمدية، فلا يكونُ في الأولياء المحمَّديين أكبرُ منه" (٤).
° فإنه يزعمُ أنه هو ذلك الخاتمُ بقوله: "فإني أنا الخَتمُ، لا وَلِيَّ بعدي ولا حاملَ لعهدي بفقدي، تذهبُ الدول وتلتحقُ الأُخريات بالأول" (٥).
стр. 770
° ثم يدَّعي أنهَ مصدرُ عِلم الرسل، وأنهم لا يقتبسونه "إلاَّ من مشكاة خاتمِ الأولياء" (١)؛ وذلك لأنه أخذ عِلمَه "من المعدنِ الذي يأخد منه المَلَكُ الذي يوحَى به إلى الرسل" (٢).
ولذلك فإن الوليَّ بَلَغ درجةً من العلم الصحيح دونه كلُّ الرسل، بل حتى خاتمُ الرسل محمدٌ ﷺ ؛ لأن الوليَّ يَرى العلومَ على صُورتها الصحيحة كما هي في عِلم الله، أما الرسلُ، فقد يَرَون الظواهرَ ولا يَصِلُون إلى بواطنِ الأمور، حتى لو كان ذلك سيِّدَ البشر ﷺ !! .. وذلك يتضح بما يأتي:
• قال ﷺ : "مَثَلي ومَثَلُ الأنبياء قَبْلي كَمَثلِ رجلٍ بني بيتًا، فأحسَنه وأَجمَله إلا موضعَ لَبِنة من زاوبة، فَجعَل الناسُ يَطوفون به ويتعجَّبون له، ويقولون: هلاَّ وُضِعَتْ هًذه اللبنةُ! قال: فأنا اللبنةُ، وأنا خاتمُ النبيين" (٣).
فهو يُقرِّرُ في هذا الحديثِ أن الدارَ التي مَثل بها كَمُل بناؤها، ولم يَبْقَ فيها إلا موضعٌ واحدٌ فقط لا يتَّسعُ إلاَّ للبنةٍ واحدة، ثم كان ﷺ هو تلك اللبنةَ.
° وابنُ عربي يرى أن تلك الرؤيةَ منه ﷺ رؤيةٌ ناقصة -وحاشاه ﷺ ، وأن الواقع أن الدارَ بَقِيَ فيها موضعُ لبنتينِ: إحداهما فضة، والأخرى ذهب .. والرسول هو اللبِنة الأقل ثمنا وقيمةً، والوليُّ هو اللبنةُ
стр. 771
الأكثر ثمنًا وقيمةً، وهذا هو كلامُه بعد ذِكر الحديث ورؤية النبيِّ ﷺ لها، قال: "والولي يراها مَوضعَ لبنتينِ! لبنةَ فضةٍ -وهو النبيُّ ﷺ ، وأخرى ذهب -وهو الوليُّ-" (١).
° ولذلك فالوليُّ مستقلٌّ في الشريعة وإن كان يبدو "أنه تابعٌ لشرعِ خاتمِ الرسل في الظاهر" (٢)؛ لأنه -بناءً على تلك النظرةِ السابقة- أعلى مكانًا من الرسل وأصحُّ عِلمًا منهم، وإنْ بدا للناس أن متَّبعٌ للشرع ظاهرًا، فالصحيحُ أنه "أخذ عن الله في السرِّ ما هو بالصورة الظاهرة متَّبعٌ فيه" (٣).
وهكذا ينتهي ابن عربي في تدرُّجه ذلك إلى "الخروج على عقيدةِ ختم النبوة" التي قَرَّرها اللهُ ورسوله ﷺ ، وأجمعت الأمةُ عليها، ثم لا يكتفي بذلك الخروج فقط، بل ويَصِل به الأمرُ إلى أنْ جَعَل الأولياءَ يستدركون على الأنبياء، ويصحِّحون علومَهم؛ لأن رؤيةَ الأولياء هي المطابِقَة للواقع الذي خَفِيَ على الرسل؛ وذلك لأنَّ الأولياءَ يتلقَّون العلومَ تلقِّيًا مباشرًا .. أما الأنبياء، فيأتيهم بالعلوم وُسطاءُ بينهم وبين اللوح المحفوظ .. ولذلك، فإنَّ الوليَّ -وإنْ بدا أنه متبعٌ في الظاهر للرسول ﷺ ، فهو في الحقيقة مستقِلٌّ في التشريع لاستقلالِه في تلقِّي العلوم .. وأما المتابعة، فإنما هي للعوامِّ الذين لم يَبلُغوا ذلك، فيكفيهم تلك الظواهرُ التي أخذوها عن الأموات، ومرةً أخرى ندرك معنى "أخذتم علمَكم ميتًا عن
стр. 772
مَيتٍ، وأخذنا عِلمَنا عن الحيِّ الذي لا يموت"!!.
° وذلك التدرجُ وتلك النهايةُ التي وصل إليها ابن عربي هي التي جَعلت ابنَ تيمية ﵀ يقول: "ففي هذا الكلام من أنواعِ الإِلحاد والكفرِ وتنقيصِ الأنبياء والرسل ما لا تقولُه لا اليهودُ ولا النصارى، وما أشبَهَه في هذا الكلام بما ذُكر في قول القائل: "فخرَّ عليهم السقف من تحتهم": "إنَّ هذا لا عَقْلَ ولا قرآن"، وكذلك ما ذكر هنا من أن الأنبياءَ تستفيدُ من خاتم الأولياء الذي بعدَهم هو مخالفٌ للعقل، فإنَّ المتقدِّمَ لا يستفيدُ من المتأخِّر، ومخالفٌ للشرع، فإنه معلومٌ بالاضطرار من دينِ الإِسلام أن الأنبياءَ والرسلَ أفضلُ من الأولياء الذين ليسوا أنبياءَ ولا رُسلاً" (١).
* مناقشة ابنِ عربي:
في هذا العَرضِ الموجَز لكلام ابن عربي تتبيَّن لنا عقيدتُه في بقاءِ النبوة بعد رسول الله ﷺ ، حيث يَرى أن النبوَّةَ لا تزالُ باقيةً، ولا يزالُ هناك أنبياء .. ولما كانت تلك العقيدةُ تتعارضُ مع عقيدةِ ختم النبوة بنبوةِ محمدٍ ﷺ -كما رأينا ذلك من قبل-، فإنه لا بد من وقفةٍِ مع عقيدةِ ابن عربي تلك التي تخالفُ عقيدةَ الإسلام وتُناقضُه.
أولاً: العبارة التي يُبَّينُ بها ابن عربي عقيدتَه في ختم النبوة، حيث قال: "وخَتَم بمحمد ﷺ جميع الرسل" عبارةٌ قاصرةٌ عن أداءِ المعنى الشرعي كما وردت به النصوص، ففي القرآن الكريم: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:
стр. 773
٤٠]، وفي الحديث: "وخُتم بي النبيون"، إذ في هذه النصوص أن الرسولَ ﷺ خاتمُ النبيين، والنبوَّةُ أعم من الرسالة، ونفيُها نَفي لها وللرسالة ..
ولهذا فالنصوص الشرعيةُ لا تتركُ مَنفذًا لدعوى نبوةٍ جديدة أو رسالةٍ جديدة .. أما ابنُ عربي، فلا يَنفي النبوةَ، وإنما ينفي الرسالة، فيبقى احتمالُ وجودِ النبوة، وهذا ما أراده هو بهذه العبارة، وذلك ليتسنَّى له فيما بعدُ أن يدَّعيَ بقاءَ النبوة -وقد فعل-، حيث زَعَم بقاءَ النبوة العامة.
ثانيًا: تقييدُه نصَّ الحديث النبوي: "لا نبيَّ بعدي" بنفي النبوةِ التشريعية تقييدٌ باطل، وذلك أن نفيَ النبوة -كما رأينا من قبلُ مِرارًا- أعمُّ من نفي الرسالة، والذي يتلقَّى النبوةَ قد يؤمرُ بتبليغ ما أُوحى إليه من تشريعٍ أو غيره، فيصبح نبيًّا رسولاً، وقد لا يؤمرُ بذلك، فيكون نبيًّا فقط، والنصوصُ الشرعية قد نَفَت كِلتا الحالتين، وذلك بنفي الأعمِّ -وهو النبوةَ- وانتفاءُ النبوة يعني انقطاعَ الوحي، وهذه هي عقيدةُ الأمة الإسلامية من عهدِ ﵃ ولما قيل لابن عمر: "إن المختار يزعمُ أنه يوحَى إليه. قال: صدق: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] "، فهو يَرى أن الوحيَ الربَّانيَّ قد انقطع، وإنما هو الوحيُ الشيطانيُّ .. ولو لم يكن كذلك لَمَا سارعَ بذلك الرد.
ثالثًا: قولُ ابن عربي: "إن حديث: "لا نبيَّ بعدي"، قد قَصَم ظهورَ الأولياء"، يكشفُ لنا عن موقفِ أولياء الصوفية من النصوص الشرعية، وهو موقفٌ لا يتفقُ مع الولايةِ الصحيحة .. وإلاَّ فأيُّ ولايةٍ تلك التي لا تَرضى ما قَضَى الله به ؟ واللهُ يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ
стр. 774
إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، والله يقول كذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، فهو التحكيمُ إلى رسول الله ﷺ ، ثم انتفاءُ الحرج من النفس، وأخيرًا لتسليمُ الكاملُ الذي ينتفي معه حَظُّ النفسِ، وإلاَّ فقد عَرَّض نفسَه لنقصِ الإيمان أو نقضِه، وقد كان ينبغي عليهم -وهم يزعمون الولاية- أن يستقبِلوا شرعَ الله وقضاءَه بقلوبٍ طائعةٍ راضية، وذلك ما يستقيمُ مع دعوى الولاية.
ثم إن ابن عربي يُخفِّفُ على الأولياء بأن الله لَطَفَ بعباده فأبقى لهم النبوة العامة!! يا لها من جرأةٍ تلك التي أقدم عليها ابنُ عربي!! فمِن أين له تلك القَولة؟! فالقرآنُ والسنةُ وإجماعُ الأمة، كلُّها تثبث انقطاعَ النبوةِ مطلقًا، فكيف أقدم ابنُ عربي على هذه القولةِ العظيمة التي تُعارضُ كلامَ الله وكلامَ رسوله ﷺ ؟! إذ يخبرُنا الله ورسولُه بانقطاعِ النبوة، وابنُ عربي يدَّعي بقاءَها واستمرارَها! فهل استجدَّ في علم الله جديدٌ، ثم أخبر به ابنَ عربيٍّ بعد أن قَضَى على لسانِ رسولِه ﷺ أنْ لا نبوةَ بعدَه، وأنه آخرُ الأنبياء؟! اللهم إنها قَولةٌ كاذبة لا تصدرُ مِن مُسلِمٍ عاقل، بَلْهَ أن يكون وليًّا يزعم أنه خاتم الأولياء.
رابعًا: ادَّعى أنه كَتب كتابه "الفصوص" بوحيٍ من الله، حيث قال: "فما أُلقِي إلاَّ ما يُلقى إليَّ، ولا أُنزل في هذا المسطور إلاَّ ماُ ينزَلُ به عليَّ".
فهذا الكتاب المذكور أأُنزل موافقًا للقرآن أم مخالفًا له؟ فإنْ كان موافقًا فما الحاجة إليه؟ وإن كان مخالفًا، فهل هو مخالفٌ للأحكام أم للأخبار؟ فإنْ كان مخالفًا للأحكام فهذا نَسخٌ، وقد ادَّعى هو أنه يعتقدُ أنْ لا شرعَ بعد
стр. 775
شرع الإسلام .. وإن كان في الأخبار، اقتضى تكذيبَ القرآن والقرآنُ وحيُ الله إلى محمد ﷺ ، والوحيانِ الثابتانِ لا يتناقضان.
ثم ما يُدرينا صِدقَ تلك الدعوة؟ وما الفرقُ بينها وبين دعوى أيِّ كاتبٍ آخَرَ ادَّعى أن كتابَه وحيٌ من الله؟ فلا بدَّ إذن من برهانٍ مُعجِز ليضمنَ لنا صِدقَ دعواه .. وذلك لم -ولن- يتمَّ، لأنه من خصائصِ الأنبياء فقط، والنبوةُ قد انقطعت، والمعجزةُ هي التي تؤكَد لصاحبها ولغيرِه صِدقَ دعواه تلك .. وإلا فما يُدرينا أن ذلك الوحيَ من وحيِ الشياطين .. وهو الوحيُ الذي لم يُختَمْ بعد.
خامسًا: ابتدع ابنُ عربي اصطلاح "خاتم الأولياء"، وأحاطه بهالاتٍ من التقديس والتعظيم حتى جَعَله مصدرَ علوم الرسل .. وتلك بدعة لا أصلَ لها في شرع الله ، وهو إحدى حلقاتِ تلك السلسلة من الأدِّعاءات المجرَّدة من الأدلة الشرعية، ويكفي ذلك إبطالاً لها، ثم إن دعواه تلك تعني انتهاءَ بقاءِ أولياءِ بعده كما صرَّح بذلك بنفسه، حيث يقول: "بفقدي تذهبُ الدولُ، وتَلحقُ الأُخرَياتُ بالأول".
يعني أن تنتهي الحياةُ وتنتهي الولاية، وهذا واضحُ البطلان، إذ لم تذهب الدول، ولم تَنتهِ الولاية، وذلك تحقيقًا لنبوةِ نبينا محمدٍ ﷺ الذي يقول: "لا تزال طائفة من أمتي يُقاتِلون على الحقِّ ظاهرين إلى يوم القيامة"، أي: تبقى طائفةٌ من المؤمنين المجاهدين إلى انتهاءِ العالَم، فالعالمُ موجود، والمجاهدون في سبيل الله في كل مكان، وكلُّ مؤمن متَّقٍ فهو من أولياءِ الله، كما أخبر الله بذلك، حيث يقول: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]، ولم