الأكثر ثمنًا وقيمةً، وهذا هو كلامُه بعد ذِكر الحديث ورؤية النبيِّ ﷺ لها، قال: "والولي يراها مَوضعَ لبنتينِ! لبنةَ فضةٍ -وهو النبيُّ ﷺ ، وأخرى ذهب -وهو الوليُّ-" (١).
° ولذلك فالوليُّ مستقلٌّ في الشريعة وإن كان يبدو "أنه تابعٌ لشرعِ خاتمِ الرسل في الظاهر" (٢)؛ لأنه -بناءً على تلك النظرةِ السابقة- أعلى مكانًا من الرسل وأصحُّ عِلمًا منهم، وإنْ بدا للناس أن متَّبعٌ للشرع ظاهرًا، فالصحيحُ أنه "أخذ عن الله في السرِّ ما هو بالصورة الظاهرة متَّبعٌ فيه" (٣).
وهكذا ينتهي ابن عربي في تدرُّجه ذلك إلى "الخروج على عقيدةِ ختم النبوة" التي قَرَّرها اللهُ ورسوله ﷺ ، وأجمعت الأمةُ عليها، ثم لا يكتفي بذلك الخروج فقط، بل ويَصِل به الأمرُ إلى أنْ جَعَل الأولياءَ يستدركون على الأنبياء، ويصحِّحون علومَهم؛ لأن رؤيةَ الأولياء هي المطابِقَة للواقع الذي خَفِيَ على الرسل؛ وذلك لأنَّ الأولياءَ يتلقَّون العلومَ تلقِّيًا مباشرًا .. أما الأنبياء، فيأتيهم بالعلوم وُسطاءُ بينهم وبين اللوح المحفوظ .. ولذلك، فإنَّ الوليَّ -وإنْ بدا أنه متبعٌ في الظاهر للرسول ﷺ ، فهو في الحقيقة مستقِلٌّ في التشريع لاستقلالِه في تلقِّي العلوم .. وأما المتابعة، فإنما هي للعوامِّ الذين لم يَبلُغوا ذلك، فيكفيهم تلك الظواهرُ التي أخذوها عن الأموات، ومرةً أخرى ندرك معنى "أخذتم علمَكم ميتًا عن
стр. 772
مَيتٍ، وأخذنا عِلمَنا عن الحيِّ الذي لا يموت"!!.
° وذلك التدرجُ وتلك النهايةُ التي وصل إليها ابن عربي هي التي جَعلت ابنَ تيمية ﵀ يقول: "ففي هذا الكلام من أنواعِ الإِلحاد والكفرِ وتنقيصِ الأنبياء والرسل ما لا تقولُه لا اليهودُ ولا النصارى، وما أشبَهَه في هذا الكلام بما ذُكر في قول القائل: "فخرَّ عليهم السقف من تحتهم": "إنَّ هذا لا عَقْلَ ولا قرآن"، وكذلك ما ذكر هنا من أن الأنبياءَ تستفيدُ من خاتم الأولياء الذي بعدَهم هو مخالفٌ للعقل، فإنَّ المتقدِّمَ لا يستفيدُ من المتأخِّر، ومخالفٌ للشرع، فإنه معلومٌ بالاضطرار من دينِ الإِسلام أن الأنبياءَ والرسلَ أفضلُ من الأولياء الذين ليسوا أنبياءَ ولا رُسلاً" (١).
* مناقشة ابنِ عربي:
في هذا العَرضِ الموجَز لكلام ابن عربي تتبيَّن لنا عقيدتُه في بقاءِ النبوة بعد رسول الله ﷺ ، حيث يَرى أن النبوَّةَ لا تزالُ باقيةً، ولا يزالُ هناك أنبياء .. ولما كانت تلك العقيدةُ تتعارضُ مع عقيدةِ ختم النبوة بنبوةِ محمدٍ ﷺ -كما رأينا ذلك من قبل-، فإنه لا بد من وقفةٍِ مع عقيدةِ ابن عربي تلك التي تخالفُ عقيدةَ الإسلام وتُناقضُه.
أولاً: العبارة التي يُبَّينُ بها ابن عربي عقيدتَه في ختم النبوة، حيث قال: "وخَتَم بمحمد ﷺ جميع الرسل" عبارةٌ قاصرةٌ عن أداءِ المعنى الشرعي كما وردت به النصوص، ففي القرآن الكريم: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:
стр. 773
٤٠]، وفي الحديث: "وخُتم بي النبيون"، إذ في هذه النصوص أن الرسولَ ﷺ خاتمُ النبيين، والنبوَّةُ أعم من الرسالة، ونفيُها نَفي لها وللرسالة ..
ولهذا فالنصوص الشرعيةُ لا تتركُ مَنفذًا لدعوى نبوةٍ جديدة أو رسالةٍ جديدة .. أما ابنُ عربي، فلا يَنفي النبوةَ، وإنما ينفي الرسالة، فيبقى احتمالُ وجودِ النبوة، وهذا ما أراده هو بهذه العبارة، وذلك ليتسنَّى له فيما بعدُ أن يدَّعيَ بقاءَ النبوة -وقد فعل-، حيث زَعَم بقاءَ النبوة العامة.
ثانيًا: تقييدُه نصَّ الحديث النبوي: "لا نبيَّ بعدي" بنفي النبوةِ التشريعية تقييدٌ باطل، وذلك أن نفيَ النبوة -كما رأينا من قبلُ مِرارًا- أعمُّ من نفي الرسالة، والذي يتلقَّى النبوةَ قد يؤمرُ بتبليغ ما أُوحى إليه من تشريعٍ أو غيره، فيصبح نبيًّا رسولاً، وقد لا يؤمرُ بذلك، فيكون نبيًّا فقط، والنصوصُ الشرعية قد نَفَت كِلتا الحالتين، وذلك بنفي الأعمِّ -وهو النبوةَ- وانتفاءُ النبوة يعني انقطاعَ الوحي، وهذه هي عقيدةُ الأمة الإسلامية من عهدِ ﵃ ولما قيل لابن عمر: "إن المختار يزعمُ أنه يوحَى إليه. قال: صدق: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] "، فهو يَرى أن الوحيَ الربَّانيَّ قد انقطع، وإنما هو الوحيُ الشيطانيُّ .. ولو لم يكن كذلك لَمَا سارعَ بذلك الرد.
ثالثًا: قولُ ابن عربي: "إن حديث: "لا نبيَّ بعدي"، قد قَصَم ظهورَ الأولياء"، يكشفُ لنا عن موقفِ أولياء الصوفية من النصوص الشرعية، وهو موقفٌ لا يتفقُ مع الولايةِ الصحيحة .. وإلاَّ فأيُّ ولايةٍ تلك التي لا تَرضى ما قَضَى الله به ؟ واللهُ يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ
стр. 774
إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، والله يقول كذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، فهو التحكيمُ إلى رسول الله ﷺ ، ثم انتفاءُ الحرج من النفس، وأخيرًا لتسليمُ الكاملُ الذي ينتفي معه حَظُّ النفسِ، وإلاَّ فقد عَرَّض نفسَه لنقصِ الإيمان أو نقضِه، وقد كان ينبغي عليهم -وهم يزعمون الولاية- أن يستقبِلوا شرعَ الله وقضاءَه بقلوبٍ طائعةٍ راضية، وذلك ما يستقيمُ مع دعوى الولاية.
ثم إن ابن عربي يُخفِّفُ على الأولياء بأن الله لَطَفَ بعباده فأبقى لهم النبوة العامة!! يا لها من جرأةٍ تلك التي أقدم عليها ابنُ عربي!! فمِن أين له تلك القَولة؟! فالقرآنُ والسنةُ وإجماعُ الأمة، كلُّها تثبث انقطاعَ النبوةِ مطلقًا، فكيف أقدم ابنُ عربي على هذه القولةِ العظيمة التي تُعارضُ كلامَ الله وكلامَ رسوله ﷺ ؟! إذ يخبرُنا الله ورسولُه بانقطاعِ النبوة، وابنُ عربي يدَّعي بقاءَها واستمرارَها! فهل استجدَّ في علم الله جديدٌ، ثم أخبر به ابنَ عربيٍّ بعد أن قَضَى على لسانِ رسولِه ﷺ أنْ لا نبوةَ بعدَه، وأنه آخرُ الأنبياء؟! اللهم إنها قَولةٌ كاذبة لا تصدرُ مِن مُسلِمٍ عاقل، بَلْهَ أن يكون وليًّا يزعم أنه خاتم الأولياء.
رابعًا: ادَّعى أنه كَتب كتابه "الفصوص" بوحيٍ من الله، حيث قال: "فما أُلقِي إلاَّ ما يُلقى إليَّ، ولا أُنزل في هذا المسطور إلاَّ ماُ ينزَلُ به عليَّ".
فهذا الكتاب المذكور أأُنزل موافقًا للقرآن أم مخالفًا له؟ فإنْ كان موافقًا فما الحاجة إليه؟ وإن كان مخالفًا، فهل هو مخالفٌ للأحكام أم للأخبار؟ فإنْ كان مخالفًا للأحكام فهذا نَسخٌ، وقد ادَّعى هو أنه يعتقدُ أنْ لا شرعَ بعد
стр. 775
شرع الإسلام .. وإن كان في الأخبار، اقتضى تكذيبَ القرآن والقرآنُ وحيُ الله إلى محمد ﷺ ، والوحيانِ الثابتانِ لا يتناقضان.
ثم ما يُدرينا صِدقَ تلك الدعوة؟ وما الفرقُ بينها وبين دعوى أيِّ كاتبٍ آخَرَ ادَّعى أن كتابَه وحيٌ من الله؟ فلا بدَّ إذن من برهانٍ مُعجِز ليضمنَ لنا صِدقَ دعواه .. وذلك لم -ولن- يتمَّ، لأنه من خصائصِ الأنبياء فقط، والنبوةُ قد انقطعت، والمعجزةُ هي التي تؤكَد لصاحبها ولغيرِه صِدقَ دعواه تلك .. وإلا فما يُدرينا أن ذلك الوحيَ من وحيِ الشياطين .. وهو الوحيُ الذي لم يُختَمْ بعد.
خامسًا: ابتدع ابنُ عربي اصطلاح "خاتم الأولياء"، وأحاطه بهالاتٍ من التقديس والتعظيم حتى جَعَله مصدرَ علوم الرسل .. وتلك بدعة لا أصلَ لها في شرع الله ، وهو إحدى حلقاتِ تلك السلسلة من الأدِّعاءات المجرَّدة من الأدلة الشرعية، ويكفي ذلك إبطالاً لها، ثم إن دعواه تلك تعني انتهاءَ بقاءِ أولياءِ بعده كما صرَّح بذلك بنفسه، حيث يقول: "بفقدي تذهبُ الدولُ، وتَلحقُ الأُخرَياتُ بالأول".
يعني أن تنتهي الحياةُ وتنتهي الولاية، وهذا واضحُ البطلان، إذ لم تذهب الدول، ولم تَنتهِ الولاية، وذلك تحقيقًا لنبوةِ نبينا محمدٍ ﷺ الذي يقول: "لا تزال طائفة من أمتي يُقاتِلون على الحقِّ ظاهرين إلى يوم القيامة"، أي: تبقى طائفةٌ من المؤمنين المجاهدين إلى انتهاءِ العالَم، فالعالمُ موجود، والمجاهدون في سبيل الله في كل مكان، وكلُّ مؤمن متَّقٍ فهو من أولياءِ الله، كما أخبر الله بذلك، حيث يقول: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]، ولم
стр. 776
يقل: "إن أولياءَ الله الذين كان يُوحَى إليهم" .. فالمؤمنون المجاهدون في الحديث لا شك أنهم متَقون، وهم على الحق، وقد وَعَد الرسول ﷺ ببقائهم، وهي نبوةُ صدق وحقٍّ.
° يقول ابنُ تيمية ﵀: "وخاتمُ الأولياء كلمةٌ لا حقيقةَ لفضلها ومرتبتها، وإنما تكلم أبو عبد الله الترمذي بشيءٍ من ذلك غلطًا لم يُسبق إليه، ولم يتابَعْ عليه، ولم يَستندْ فيه إلى شيءٍ، ومسمَّى هذا اللفظِ هو آخِرُ مؤمنٍ يبقى، ويكون بذلك خاتمَ الأولياء، وليس ذلك أفضلَ الأولياء باتفاقِ المسلمين، بل أفضل الأولياء سابقُهم وأقربُهم إلى الرسول، وهو أبو بكر، ثم عمر، إذ الأولياءُ يستفيدون من الأنبياء، فأقربُهم إلى الرسول أفضلهم، بخلاف خاتم الرسل، فإن الله أكرمه بالرسالة ولم يُحِلْها على غيره، فقياسُ مسمَّى أحدِ اللفظين على الآخَرِ في وجوب كونه أفضلَ، من أبعد القياس" (١).
سادسًا: وأما زَعمُه بأن الرسلَ لا يقتبسون عِلمَهم إلا من مشكاته فهذا في غايةُ السَّفَةِ والأزراء بمقام الأنبياء، كما أنه مخالفٌ للعقل أن يَتلقَّى الحيُّ الموجود من إنسان لم يُخلق بعد، ويَكفي ردًّا على هذا الادعاء ما سبق من قول ابن تيمية ﵀.
سابعًا: دعواه أن سيدَ الخَلق محمدًا ﷺ لم يَرَ إلا موضعَ لبنةٍ واحدة، مع أنه موضعُ لبنتين -كما يراها الوليُّ-، بل ويدَّعي أنه لبنةُ الذهب والنبيَّ لبنة الفضة.
стр. 777
دعوى ابنِ عربي هذه يَصِلُ بها إلى آخِرِ درجاتِ الهبوط العقلي التي يصاب بها كلُّ مَن تجارت به الأهواء وعَبَثت بخياله الشياطين .. إذ كيف يكونُ أشرفُ البشر على الإِطلاق وسيدُ ولد آدم وقائدُ الأنبياء وأكرمُهم على الله، والذي أُعِدَّ له في أعلى الجنة مكانٌ لا يَصِلُ إليه سواه؛ لِمَا له عند الله من المكانة والتكريم: كيف يكونُ أقلَّ من أحدِ أتباعه مِمَّن يزعُمون لأنفسِهم الولاية والتي لا تنالُ إلاَّ بمتابعته ﷺ ، فلا يَرى الأمورَ على حقيقتها حتى يأتي ابنُ عربي في أعقابِ الزمن ينعى عليه ﷺ رؤيته ويتَّهمُه بفسادها .. وإنها تهمةٌ تتعدَّى مقامَ النبي ﷺ إلى مقام الله الذي أخفى عن رسوله الصورةَ الصحيحة وأراه خلافَها.
وإن ذلك الاتهامَ ليهدمُ الإسلامَ من أساسه، إذ مَن يَعجِزُ عن رؤيةِ أحد أصول العقيدة على حقيقته عاجزٌ عن أن يَرى بقيةَ أمورِ الشريعة على حقيقتها، فلا يؤمَنُ جانبُه في تبليغ شرع الله .. هذا ما تَعنيه تلك القولةُ الآثمةُ التيَ تَحُطُّ من قَدرِه ﷺ -وحاشاه عن ذلك-.
ثامنًا: يدَّعي ابنُ عربي أن الوليَّ متبعٌ ظاهرًا مستقلٌّ باطنًا، حيث قال: "أخذ عن الله في السر ما هو بالصورة الظاهرة متبعٌ فيه"، وهذه نتيجةٌ طبيعيةٌ يَصِلُ إليها ابنُ عربي بعد تلك الضلالات المتراكمة، فما دام أن الوليَّ يتْلقَّى الوحيَ من الله، وأن رؤيته أصحُّ من رؤيةِ النبي، فلا حاجةَ له إلى الأخذِ عن النبي؛ لأنه أصحُّ رؤيةً وأصدقُ تصورًا منه.
تاسعًا: إن جميعَ هذه المصطلحات التي جاء بها ابن عربي: "من قوله: "إنما ارتفعت نبوةُ التشريع"، وقوله: "لا شَرع خاصة، لا أنه يكون بعده نبي"، وقوله: "إن الله لطف بعباده فأبقى لهم النبوَّةَ العامةَ التي لا تشريع
стр. 778
فيها"، وقوله: "إني أنا الختمُ لا وليَّ بعدي"، بعد أن ذَكَر أن هناك خاتمًا للأولياء، وزَعْمِه أن الرسلَ لا يقتبِسون علومَهم "إلا من مشكاةِ خاتم الأولياء"، وزعمه أن الوليَّ يرى موضعَ لبنتينَ لا كما رآها النبيُّ موضعَ لبنةٍ واحدةٍ، وأن أحدهما فضةٌ -هي النبي-، والأخرى ذهب -وهي الولي-.
ثم أخيرًا الوليُّ مستقلٌّ بـ "أخذ عن الله في السرِّ ما هو بالصورة الظاهرة متبعٌ فيه" .. إن هذه المصطلحات التي أحدثها ابن عربي، وبَنى عليها مذهبه في القول بتجدُّدِ الوحي باطلةُ الأساس لا يثبت عليها بناء ..
وهي مصطلحات مبتدَعة دخيلة على التصوُّر الإِسلامي لا تصدرُ عن مسلمٍ يحترمُ عقلَه ودينه .. إذ كل واحدةٍ منها تكفي لتكفيرِ صاحبها وإخراجه من دينِ الإِسلام؛ لأنها تعارضُه فيما قرَّره من الأصول الثابتة التي تعرفُ من دينِ الإِسلام بالضرورة، فكيف بها إذا اجتمعت؟!.
° ولابن عربي بعضُ العبارات الأخرى التي توحِي لقارئها بأنه سَلَفيٌّ متبع يقفُ عند كلِّ حدِّ من حدودِ الله لا يتجاوزُه ولا يتعدَّاه، ومِن ذلك قوله في أول كتاب "الفصوص": "ومن الله أرجو أن أكونَ ممن تأيَّد فتأيَّد، وقُيِّد بالشرع المحمدي المطهَّر فتقيد وقُيِّد" (١).
ولكنه لم يُقيَّد ولم يتقيَّد، وإلا لَمَا اشتَط به الفكرُ والهوى إلى تلك الضلالات المخالفةِ لعقيدة الإسلام .. وإن هذا التناقضَ قد يؤيِّدُ قوله الذهبيِّ فيه: إنه "أثَّرت فيه تلك الخَلَواتُ والجوعُ فسادًا وخيالاً وَطَرف جُنون" (٢).
стр. 779
إذ الرجل كان من أربابِ التصوف والرياضاتِ النفسيه.
وإنا لنرجو أن يكونَ قد تاب مِن هذه الشطحات، ومات على حالِ أخرى (١).
° قال شيخُ اليمن الإمامُ ابنُ المُقِرئِ الشافعيُّ مبينًا حالَ ابنِ عربيٍّ زنديقِ الصوفية وإمامِ القائلين بوحدة الوجود:
ألَا يا رسولَ الله غَارَةَ ثائرٍ … غَيُورٍ على حُرُمَاتِهِ والشَعائِرِ
يُحاطُ بها الإسلامُ مِمَّن يَكِيدُهُ … ويَرمِيهِ مِن تلبيسِهِ بالفواقِرِ
فقد حَدَثَتْ بالمسلمين حَوادثٌ … كبارُ المعاصي عندها كالصغائرِ
حَوَتهُنَّ كتبٌ حارَبَ اللهَ ربها … وغَرَّ مَن غُرَّ بين الحواضِرِ
تجاسَرَ فيها ابنُ عربي واجتَرَى … على الله فيما قال كلَّ التجاسُرِ
فقال بأن الرب والعَبدَ … واحدٌ فربِّي مربوبي بغير ِتغايُرِ
وأنكر تكليفًا، إذ العبدُ عندَه … إلهٌ وعبدُه، فهو إنكارُ فاجِرِ
وخَطأَ إلاَّ مَن يَرى الخَلقَ صورةً … وهُوِيةً لله عندَ التناظُرِ
وقال: وتَجلَّى الحق في كلِّ صورةٍ … تجلَّى عليها فهى إحدى المَظاهِرِ
وأنكر أنَّ الله يَغنى عن الورى … ويَغْنَون عنهْ لاستواءِ المقادِرِ
كما ظلَّ في التهليلِ يَهزءُ بنَفيِهِ … وإثباتِهِ مستجمِلاً للمغايرِ
وقال: الذي يَنفيهِ عينُ الذي … أتى به مثبِتًا لا غيرَ عند التجاورِ
فأفسدَ معنىْ ما بِهِ الناسُ أسلموا … وألغاه إلغًا بيناتِ التهاترِ
стр. 780
فسبحان ربِّ العرشِ عما يقولُه … أعاد به من أمثالِ هذي الكبائرِ
ْفقال: عذابُ الله عَذبٌ وربنا … يُنَعِّمُ في نيرانِه كل فاجِرِ
وقال بأنَ اللهَ لَم يُعصَ في الورى … فما ثَمَّ مُحتاج لعافٍ وغافرِ
وقال: مرادُ الله وِفقٌ لأمرِهِ … فما كافر إلاَّ مُطيعُ الأَوامِرِ
وكل امرئ عند المهيمِنِ مرتَضى … سعيد فما عاصٍ لديه بخاسِرِ
وقال: يموت الكافرون جميعُهم … وقد آمنوا غيرَ المفاجَأِ المبادَرِ
وما خَصَّ بالإيمان فرعونَ وحدَه … لدى موتِهِ بل عمَّ كل الكوافِرِ
فكذِّبْه يا هذا تكنْ خيرَ مؤمنٍ … وإلاَّ فصَدِّقْه تكنْ شرَّ كافِرِ
وأثنى على مَن لَم يُجِبْ نُوحًا إذ دعا … إلى تَركِ وُدٍّ أو سُواعَ وناسِرِ
وسَمَى جهولاً مَن يطاوِعُ أمرَه … على تركها قولَ الكفور المُجاهِرِ
ولم يَرَ بالطوفان إغراقَ قومِه … ورَدَّ على مَن قال رَدَّ المُناكِرِ
وقال: بلى قد أغرِقوا في معارفَ … مِن العلم والباري لهم خيرُ ناصِرِ
كما قال: فازت عاد بالقُربِ واللِّقا … مِنَ الله في الدنيا وفي اليومِ الآخِرِ
وقد أخَبَر البارِي بلعنتِه لهم … وإبعادِهم فاعجَبْ له من مُكابرِ
وصَدَّق فِرعونًا وصَحَّح قولَه … أنا الربُّ الأعلى وارتَضَى كل سامِر
وأثنى على فرعون بالعلم والذكا … وقال: بموسى عَجلَةُ المتبادِرِ
وقال: خليل الله في الذبح واهمٌ … ورؤيا ابنِهِ تحتاجُ تعبيرَ عابِرِ
يُعظِّمُ أهلَ الكفرِ، والأنبياءُ لا … يعامِلهم إلاَّ بحطِّ المقادرِ
ويُثني على الأصنام خيرًا ولا يَرى … لها عابدًا ممن عَصَى أمرَ آمرِ
وكم من جَرَاءاتٍ على الله قالها … وتحريف آياتٍ لسوءِ تفاسرِ
ِ
стр. 781
ولَم يَبْقَ كفرٌ لَم يُلابِسْه عامِدًا … ولَم يتورَّطْ فيه غيرَ مُحاذِرِ
وقال: سيأتينا مِنَ الهين خاتَمٌ … من الأولياءِ للأولياءِ الأكابرِ
له رُتبةٌ فوقَ النبيِّ ورُتبةٌ … له دُونَه فاعْجَبْ لهذا التنافرِ
فرُتبتُه العَليا تقولُ لأخذِهِ … عن الله لا وحيًا بتوسيطِ آخَرِ
ورُتبتُه الدنيا تقول لأنه … من التابعيَّةِ في الأمور الظواهِر
وقال اتِّبِاعُ المصطفى ليس واضعًا … لمقداره الأعلى وليس بحاقِرِ
فإن تدْن منه لاتِّباعٍ فإنه … يرى منه أعلى من وجوهٍ أواخِرِ
ترى حالَ نقصانٍ له في اتَباعه … لأحمدَ حتى جاء بهذي المعاذِرِ
فلا قدَّس الرحمنُ شخصًا يُحِبُّه … على مَن يَرى مِن قبحِ هذه المَخابِرِ
وقال بأنَّ الأنبياءَ جَميعَهم … بمشكاة هذا تستضيء في الدياجِرِ
وقال: فقال الله لي بعدَ مُدةٍ … بأنك أَنت الخَتمُ ربُّ المَفاخِرِ
أتاني ابتدأ بيضاء سطَّر ربُّنا … بإنقاذِه في العالَمين أوامِري
وقال: فلا تَشْغَلك عني ولايةٌ … وكنْ كل شهرٍ طُول عُمرِك زائري
فرِفْدُك أجزَلنا وقَصدك لَم يَخِبْ … لدينا، فهل أبصرتَ يا ابنَ الأخايِرِ
بأكذبَ مِن هذا وأكفَرَ في الورى … وأجرأَ على غَشَيانِ هذي الخواطِرِ؟!
فلا يدعو مَن صدَّقوه ولايةً … وقد خُتمت فليؤخَذوا بالأقادِرِ
فيا لعباد الله ما ثَمَّ ذو حِجًى … له بَعض تمييزٍ بقلبٍ وناظِرِ؟!
إذا كان ذو كفر مطيعًا كمؤمنٍ … فلا فَرق فينا بين برٍّ وفاجِرِ
كما قال هذا: إن كل أوامرٍ … منَ الله جاءت فهى وفِق المقادرِ
فلِمَ بُعثت رسْلٌ وسُنَّت شرائعٌ … وأنزل قرآنٌ بهذي الزواجِرِ؟!
стр. 782
أيخلَعُ منكم رِبْقةَ الدينِ عاقلٌ … بقَولِ غريقٍ في الضلالة جائرِ
ويَتركُ ما جاءت به الرسلُ من هُدى … لأقوالِ هذا الفيلسوفِ المُغادِرِ
فيا مُحسِني ظنًّا بما في "فصوصه" … وما في "فتوحات" الشرورِ الدوائرِ
عليكم بدينِ الله لا تُصبحوا غدًا … مساعِر نارٍ قبحت من مساعِرِ
فليس عذابُ الله عذابًا كمثلِ ما … يُمنِّيكم بعض الشيوخِ المَدابرِ
ولكنْ أليم مِثلُ ما قال ربُّنا … به الجِلدُ إن يَنْضَجْ يُبدَلْ بآخِرِ
غدًا يعلمون الصادقَ القولَ منهما … إذا لَم يتوبوا اليومَ عِلمَ مُباشِرِ
ويَبدُو لكم غيرُ الذي يَعِدُونكم … بأن عذابَ الله ليس بضائِرِ
ويْحكم رب العرش بيَّنَ لمحمدٍ … ومَن سَنَ عِلمَ الباطِل المُتهاتِرِ
ومَن جاء بدينٍ مُفترًى غيرِ دينهِ … فأهلَكَ أغمارًا به كالأباقِرِ
فلا تَخدَعَنَّ المسلمين عن الهدى … وما للنبيِّ المصطفى من مآثِرِ
ولا تؤثِروا غيرَ النبي على النبيِّ … فليس كنورِ الصبحِ ظَلماءُ الدياجِرِ
دَعُوا كلَّ ذِي قولٍ لقولِ مُحَمَّدٍ … فما آمِنٌ في دينِه كمُخاطرِ
وأمَّا رِجالاتُ "الفصوص" فإنهم … يَعُومون في بحرٍ للكفر زاخرِ
إذا راح بالريح المتابِعُ أحمدَا … على هَديِه راحُوا بصفقةِ خاسِرِ
سيَحكي لهم فرعونُ في دارِ خُلدِهِ … بإسلامِهِ المَقبولِ عند التجاورُ
ويا أيها الصوفْي خَفْ من "فصوصه" … خواتِمَ سَوء غيرها بالخناصِرِ
وخُد بنهجِ سَهلٍ والجُنيدِ وصالِحٍ … وقومٍ مَضَوا مِثلَ النجوم الزواهِرِ
على الشرع كانوا ليس فيهم لوِحدةٍ … ولا لحلولِ الحقِّ ذكرٌ لذاكِرِ
رجالٌ رأوا ما الدارُ دار إقامةٍ … لقومٍ ولكن بلغةٌ للمسافرِ
стр. 783
فأحيَوا لياليَهم صلاةً وبيَّتوا … بها خوفَ ربِّ العرشِ صومَ البواكِرِ
مَخافَةَ يومٍ مستطيرٍ بشرِّه … عَبوسِ المُحيَّا قمطريرِ المظاهِرِ
فقد نَحِلَتْ أجسادُهم وأذابَها … قيامُ لياليهم وصومُ الهواجِرِ
أولئك أهلُ الله فالزَمْ طريقَهم … وعُدْ عن دواهي الابتداعِ الكوافِرِ (١)
• كلام ابنِ عربيٍّ في الأخذ عن الله مباشرةً بدون وساطةِ النبي ﷺ -:
° قال العلامة المَقْبَليُّ ﵀ في "العَلَم الشامخ" (٥٥٧) ما نصه: "ومِن نصوصهم على الأخذِ عن الله بجميع الشريعة بدون واسطةِ النبي: قولُ ابن عربي في "الفصوص" قال: "دقيقةٌ لا يعلمُها إلاَّ أمثالُنا، وذلك في أخذِ ما يَحكُمون به مما شُرع للرسول ﷺ ، فالخليفةُ عن الرسول يأخذُ الحُكمَ بالنقلِ عنه ﷺ ، وبالاجتهادِ الذي أصلُه أيضًا منقولٌ عنه ﷺ ، وفينا مَن يأخذُه عن الله تعالى، فيكونُ خليفةً عن الله بعينِ ذلك الحُكم، فتكونُ المادةُ له من حيثُ كانت المادةُ للرسول ﷺ ، فهو في الظاهرِ متَبعٌ لعدم مخالفته في الحُكم، كعيسى ﷺ إذا نزل فيَحكمُ كالنبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٩٠] ".
° إلى أن قال هذا المارق الزنديق: "وكذلك أَخذُ الخليفة عن الله غيرُ ما أَخذه منه الرسولُ، فنقول فيه بلسانِ الكشف: "خليفة الله"، وبلسان
стр. 784
الظاهر: "خليفة رسول الله ﷺ "، ولهذا مات رسولُ الله ﷺ وما نصَّ بخلافةٍ عنه إلى أحد، ولا عَيَّنه لعِلمِهِ أنَّ في أُمتِهِ مَن يأخذُ الخلافةَ عن ربِّه فيكونُ خليفة عن الله مع الموافقة بالحُكم المشروع، فلما عَلِم ذلك ﷺ لَم يُحجِّرِ الأمرَ، فللَّه خلفاءُ في أرضه يأخذون عن معدِنِ الرسول ﷺ " .. " اهـ.
° قال العلامة عبد القادر بن حبيب السِّندي: "قلت: هذا نصُّ كلام ابن عربي نقله عن "فصوصه"، وكلامُه هذا واضحٌ ومُبيِن في الإِلحاد والزندقة والكفرِ بجميع معانيه الظاهرةِ والباطنة، وكما أنه صرح أن الخليفةَ يأخذُ عن الله غيرَ ما أَخَذه منه الرسولُ ﷺ ، وهذا يُبَيِّنُ ويوضِّح ما عندهم من الكفرِ والإِلحاد، ثم يَنسبِونه إلى الله تعالى ظُلمًا وعدوانًا وبهتانًا، وإلى هذا يشير قول ربنا جل وعلا في عِدَّةِ سُورٍ قرآنية، ومنها قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣] ".
هكذا فَصَّل القرآن الكريم ووضَح وبيَّن كُفْرَهم وزَندقتَهم وإلحادَهم في القول على الله كذبا وزورًا وبهتانًا بجميع ألوانه وأشكاله وأنواعه دون حياءٍ ولا خجل .. والله أعلم" (١).
стр. 785
* تفضيل نفسِهِ على الأنبياء:
° ثم قال العلامة الشيخ صالح المَقْبَلي في "العَلَم الشامخ" (ص ٥٥٥) في ابن عربي هذا: "ولَمَّا كَثُر تبجُّحُ ابنِ عربيٍّ وادعاؤه لِمَا فوق الفوق، كما يَخاف المؤمنُ من إملاءِ كلامِه الخَسْفَ -نعوذ بالله من الضلال-، ولَمَّا خاف من التشنيع ونُفْرةِ مَن بَقِيَ فيه رائحةٌ من الإسلام مِن حظِّ ما رَفَع الله من درجاتِ الأنبياء، قال ما معناه: "إنَّ رَفْعنَا على الأنبياءِ تابعٌ لرفعِ مَن نحنُ تَبَعٌ له، ومثاله: أن يكون للمَلِكِ وزيرٌ فوقَ جميع رعيته، وهذا الوزيرُ يَستخلف وزراءَ، فإذا جاء المستخلَفون ورَفَع مقامَهم على سائرِ الأمراء وأدخَلَهم حَضْرَته -والأمراءُ خارجَ الحضرة- كان ذلك مناسبًا".
وهذا المثالُ إنما قُرِّر لرِفعةِ أصحابه على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، على أنهم متحجِبون بذلك لفظًا ومعنى" اهـ (١).
* قولُ ابنِ عربي في الولايةِ والنبوة:
° ثم قال العلاَّمة المَقْبَلي في "العَلَم الشامخ" (ص ٥٥٨) -مشيرًا إلى أنَّ ابن عربي كان يُفضِّلُ الولايةَ على النبوة-: "إذ قال -عامَلَه الله تعالى بما يستحقه، كما نُقل عنه من "فصوصه" في "الكلمة العزيزية"-: واعلمْ أن الولايةَ هي الفَلَكُ المُحيطُ العامُّ، ولهذا لم تنقطع، ولها الإنباءُ العام، وأما نبوة التشريع والرسالةِ فمنقطعةٌ، وفي محمدٍ ﷺ قد انقطعت، فلا نبيَّ بعدَه -يعني مشرِّعًا-، أو مشرِّعًا له، ولا رسول وهو المشرِّع" .. إلى قوله: "واللهُ لم يَتَسَمَ بنبْيٍّ، ولا رسول، وتسمَّى بالولي" .. إلى قوله: "إلاَّ أن الله
стр. 786
لطيفٌ بعباده، فأبقى لهم النبوةَ العامةَ التي لا تشريعَ فيها .. "، إلى سائر ما ذكره من هذا النمط من الحطِّ على الأنبياء، حتى في الكتاب المذكور: "أنه لا شيءَ لهم -أي: الأنبياء- من النظر، بل عقولُهم ساذجة"، قال: "يدلُّك على سذاجتها قولُ عُزير: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، ليس لهم إلاَّ ما يتلقَّونه من المَلَك ثم يُلقُونه" (١) .. " اهـ.
° قال عبد القادر السندي: "قلت: هذا الكفرُ الصريح لمَ يصدُرْ عن أحدٍ من الفِرَقِ الكفريةِ الضَّالَّة مِثلُه إلاَّ هذا الزنديقِ المارقِ، كما ترى قولَه واضحًا جليًّا -الذي نقله العَلاَّمة المَقْبَلي من "فصوصه"- بهذه الجُرأة الكافرة الفاجرة التي اتَّسم بها في تفضيلِه الولايةَ التي في نظرِه ونظرِ أتباعِه -أهلِ الزيغ والفساد- بذلك الدليلِ الباطل الذي ساقه في تفضيل الولاية على النبوة، ثم طَعنِه في الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام بقوله: "إن عقولَهم ساذجة".
ربما يَقصِدُ ابنُ عربي من كلمتِه الخبيثة مشيرًا إلى الأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام - والتي نَقَلها عن "فصوصه" الكفريِّ والإِلحادي العلامة المَقْبَلي في "العَلَم الشامخ": "لا شيءَ لهم من النظرِ، بل عقولُهم
стр. 787
ساذجة، فقال: يدلُّ على سذاجتها قولُ عُزير .. " إلخ.
وقد قَصَد منها بأن عقولَ الأنبياء فارغةٌ وخاليةٌ من أيِّ فقه أو رُشدٍ أو عقلٍ أو إدراكٍ وغيرِ ذلك، وهذا هو الكفرُ الصريحُ، والإلحادُ الظاهرُ، والزندقةُ العلمانية اللادينية التي اتصف بها هذا الرجل.
وأما قوله واستدلالُه بأن الله لَم يَتَسَمَّ بنبيٍّ ولا رسول، وتسمَّى بالولي، فهذا يدلُّ على تفضيل الولي على النبي والرسول، وهو وليٌّ -حسب زعمه-.
° فأقول لهؤلاء الذين قد يتمسَّكون باستدلاله هذا على ما ذهب إليه من الباطل والفساد والتحريفِ والتبديل والتغيير لمعاني الكتاب الكريم -كما نُقل سابقًا من قول العَلامة المِزِّي وغيره من أئمة السنة والحديث والتفسير في هذا التحريف الخطير-:
لقد استَعمل ربنا في كتابه الكريم "الولي" بمعنيين:
١ - الولي: هو الذي يتولى اللهَ بامتثالِ أوامرِهِ واجتنابِ نواهيه التي جاءت على لسانِ نبيِّه محمد ﷺ كتابًا وسُنةً، وقد وَضَّح القرآنُ الكريم في عِدَةِ آياتِه وسُوره هذا المعنى، ومنها قوله تعالى في سورة "البقرة" إذا قال -جل وعلا-: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، فهذه الآية الكريمة جَمَعت المعنيين للوليِّ الذي زَعَمه ابنُ عربي بأن الله تسمَّى به -أي: بالولي وحده-، ومع أن هذْا الأمرَ واضحٌ جَلِيٌّ لا يَخفى على أحدٍ إلاَّ مَن
стр. 788
كان جاهلاً بعيدًا عن العلم، أو كان زنديقًا ملحِدًا معاندًا ومكابرًا، فالله تعالى قال في هذه الآية: بأنه "وليٌّ للذين آمنوا" سواء كانوا أنبياءَ أو رسلاً، أو كانوا صالحين أو صديقين أو شهداء، وحسن أولئك رفيقًا، ثم ثَنَّى اللهُ تعالى في هذه الآية الكريمة، إذ قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾، فالكافر وليُّه الطاغوتُ - وهو الشيطان.
* ومِن هنا عرفنا تمامًا بأنَّ الوليَّ يُستعمل في المعنيين معًا: "وليٌّ للَّه تعالى"، و"ولي للشيطان"، وهكذا الوَلايةُ التي زعمها ابنُ عربي، وهي ولايةُ الشيطان لمن تمسَّك بالشيطان خُلقًا وعقيدةً وكفرًا وشركًا وانحرافًا وإلحادًا وزندقةً -وغير ذلك من المعاني السيئة-، وأصرحُ من هذه الآية الكريمة ما قاله -جلا وعلا- في سورة "الجاثية" إذ قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٨ - ١٩].
* وقد سَبَق أن قال -جلا وعلا- في سورة النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ الله وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٦ - ١١٩]، والشاهد في هذه الآيات الكريمات وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ
стр. 789
اللَّهِ .. ﴾ الآية.
وهنا في هذه الآيةِ الأخيرة قد نَسَب الله تعالى الولايةَ للشيطان اللعين فابنُ عربيٍّ قد اتخذ الشيطانَ وليًّا دونَ أن يشعر به أو يُحِسَّ، وقد فَقَد عقله ورُشدَه وبصيرته في هذا التحريف أو المغالطة كما ترى واضحًا جليًّا.
* وهكذا وَضَّح القرآن الكريم هذا المعنى على لسانِ نبيِّه وخليلِه إبراهيمَ ﵊، كما في سورة "مريم"، إذ قال -جلا وعلا-: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ منَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٥].
فكلُّ من يخالفُ طريقَ الحقِّ والصواب والرشدِ -وهي طريق سائر الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام إلى دعوتهم إلى توحيد الله تعالى الذي خالفه هؤلاء الزنادقة-، فسمَّاه الله تعالى وليًّا للشيطان اللعينِ أو الطاغوت، فسَمَّى الشيطانَ وليًّا أيضًا لأولئك الذين يتبعونه في غَيِّه وضلاله وكفرِه وإلحاده بجميع معانيه الظاهرة والباطنة، فلم يَبْقَ أيُّ إشكالٍ أثاره ابنُ عربي كما نقل عن "فصوصه" -الخبيث- العلامةُ الشيخُ صالح المَقْبَلي اليماني في "العَلِم الشامخ" كما مضى نقله وبيانه .. واللَّه أعلم" (١).
* عودةٌ إِلى كلامِ المَقْبَلي في ابن عربي:
° ثم قال العلامة المَقبَليُّ في ابن عربي هذا في "العلم الشامخ" (ص ٥٥٨): "وعلى الجملة، فقد رَفع أعداءَ الأنبياء ﵈، لتصويبه السامريَّ، وتخطئة هارون ﵊، وكذلك قومُ
стр. 790
نوح وقومُ هود، وأبو جهل وأصحابه، فتتبعْ كتابَه تعلمْ ما قلنا -إن كنت من المسلمين-.
° وقد حَط في أول الكتاب على الملائكةِ أشدَّ الحط، ثم دار كلامه إلى رَفعِ أهل نِحلتِه، ثم رَفعَ نفسه بأنه "الختامُ الذي لا يستضيءُ الأنبياءُ والأولياءُ إلاَّ مِن مِشكاته، وما بَقِي إلاَّ اللهُ بعد، فأخذ ينازعُه في مُلكِه"، فادَعى أنه فوَضه في العالمين، ثم في أُلوهيته، فإنه تقدس ليس يستقل بكماله، فقال في "المقالة الإبراهيمية" كلامًا فظيعًا، ثم عَقَده بقوله:
فيَحمَدُني وأحْمَدُه … ويَعبُدُني وَأعْبُدُهُ
ففي حالٍ أُقرِّبهُ … وفي الأحوالِ أجحَدُهُ
فيعرفُني وأُنكِرُهُ … وأعرفُهُ فأشهَدُهُ
فأنى بالغِنَى وأنا … أُساعِدُه وأسعِدُهُ
لذاك الحق أوجَدَني … فأعْلَمُه فأُوجِدُهُ
بذا جاء الحديثُ لنا … وحُقِّق فِي مَقصِدُهُ
° وانظر قوله: "فأنى بالغنى"، أي: من أين لله الغنى، تعالى الله عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا. اهـ.
° قال الشيخ عبد القادر السندي: "قلت: هذا كلامُ ابنِ عربي الزنديق، نَقَله عن "فصوصه" الكفرية العلامة الشيخ صالح المَقْبَلي -رحمه الله تعالى- في كتابه "العَلَم الشامخ" وهو ثقةٌ وفَهِمٌ وعَدْلٌ فيما ينقله عن هؤلاءِ الملاحدة والزنادقة، وانظر بدقةِ وتعمُّق في هذا الكلام الكفري في
стр. 791
أبياته ونثره، وهو نصٌّ وظاهر على الكفر والإلحاد لَم يَسبق له أحدٌ من الكفار الأوَّلين من اليهود والنصارى والمجوس -عليهم لعائن الله تعالى- في هذا الكفرِ فيما علمتُ، وعَلِمَ معي آلاف من المسلمين في مشارقِ الأرض ومغاربها .. إلى أن قال العلاَّمة المَقْبَلي في "العَلَم الشامخ" (٥٥٩):
وحاصلُ زعمِه الخبيثِ احتياجُ الباري تعالى إلى المُظهِر، وإنما يتعلَّقُ عِلمه مثلاً بمعلومٍ على ما المعلوم عليه في نفسه .. فالحكمُ عليه ونحو ذلك، وهو مُصرِّحٌ بهذه الجهالات متبجِّح بها، وحاصلُها مبارزةُ الله بأنه يحتاجُ إليه، مع تصريحه أيضًا بأن العالَم قديم، فيكونُ مستغنيًا عن العالَم، إذ لا ظُهورَ له، فلا يَحتاجُ إلى مُظهِر كما كان في حقِّه تعالى، ومقالة هذا المريد ولوازمِها السخيفةِ أطولُ وأوسعُ، وعباراته أقطعُ ممَّا يَحكي الحاكي وأشنع، فانظرها -إن شئت- وطَهِّرْ قلبَك من دُخَانِها بكلمةِ الإسلام: أشهد أنْ لا إلهَ إلاَّ الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ " (١) اهـ.
* كفرُ ابنِ عربي لحُكمه بإِيمانِ فرعونَ وتفضيله السامِرِيٌّ على هارونَ، وتصويبِه قولَ فرعون ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾:
° قال ابنُ عربي في "فصوص الحكم" -وهو الكُفرُ ظاهرًا وباطنًا، وهو واللَّهِ فصوصُ الكفر-، قال بعد ذِكرِ أخذِ فرعونَ لتابوت موسى ﵇ وأنه أراد قتلَه، وأن امرأته ﵂ قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾، فبه قرَّت عينها بالكمال الذي حَصَل لها كما قلنا قال: "وكان قرَّة عينٍ لفرعون بالإيمان الذي أعطاه الله عند الغرق، فقَبَضه طاهرًا مُطَهَّرًا، ليس فيه شيءٌ
стр. 792
من الخَبَث؛ لأنه قَبَضه عند إيمانِه قبل أن يكتسبَ شيئًا من الآثام، والإسلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَه، وجَعَله آيةً على عِنايته بمَن شاء، حتى لا ييأسَ أحدٌ من رحمة الله، فإنه ﴿لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] " (١).
* وكلُّ مَن شمَّ رائحة العِلم من المسلمين -أو غيرهم- يعلمُ كُفرَ فرعونَ بالمتواتر من كتاب الله ، وقولِ الله تعالى في دعاء موسى ﵇: ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ﴾ الآية [يونس: ٨٨] مع قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ الآية [يوسف: ٨٩]، وقوله تعالى مُنِكرًا على فرعون ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١].
* وقوله -تعالى-: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٨].
* وقوله -تعالى-: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [يونس: ٨٣].
* وقوله -تعالى-: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣].
• وأمّا السنة: فعن ابنِ عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "قال جبريلُ: لو رَأَيْتَني وأنا آخِذٌ مِنْ حَمَاءِ البَحْرِ، فَأدُسُّهُ في فِيْ فِرْعَونَ، مخافةَ أن تُدْرِكَهُ الرحْمَة" (٢).
стр. 793
* فرعونُ عند ابن عربي ربُّ موسى وسيِّده:
° قال ابنُ عربي في "فصوص الحكم": "وهنا سِرٌّ كبير، فإنه -أي موسى ﵇ أجاب بالفعل لمن سألوه عن الحدِّ الذاتي -أي: بقوله: وما ربُّ العالمين؟ -، فجعل الحدَّ الذاتي عينَ إضافتِه إلى ما ظَهَر به من صُورِ العالم، أو ما ظَهَر فيه مِن صُور العالم (١)، فكأنه قال في جواب قوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] قال: الذي تظهرُ فيه صورةُ العالمين مِن عُلوٍّ - وهو السماء، وسُفْل -وهو الأرض- ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٤] " (٢).
° ثم قال: "فلمَّا جَعَل موسى المسؤولَ عنه عين [صور] العالَم، خاطَبَه فرعونُ بهذا السؤال -والقومُ لا يشعرون-، فقال له: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]، والسين في "السِّجن" من حروف الزوائد، أي: لأسترنَّك، فإنك أجبتَ بما أيَّدْتَني به، أْن أقولَ لك مثلَ هذا القول، فإن قلت لي: فقد جهلتَ يا فرعونُ بوعيدك إيايَ -والعين واحدة- فكيف فرَّقت؟ فيقول فرعونُ: إنما فرَّقتُ المراتبَ العينَ، ما تفرَّقت [العين] ولا انقسمت في ذاتها، ومرتبتي الآن التحكمُ فيك يا موسى بالفعل، وأنا أنت بالعين، وغيرُك بالرُّتبة" (٣).
° ثم قال: "ولَمَّا كان فرعون في مَنصبِ التحكُّم صاحبَ الوقت، وأنه الخليفةُ بالسيف، وإن جار في العُرف الناموسيِّ، لذلك قال: ﴿أَنَا
стр. 794
رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] أي: وإنْ كان الكلُّ أربابًا بنسبةٍ ما، فأنا الأعلى منهم، بما أُعطِيتُه في الظاهر من التحكم فيكم، ولمَّا عَلِمَتِ السحرةُ صِدقَه فيما قاله، لم يُنكروه، وأقرُّوا له بذلك، فقالوا له: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢] فالدولةُ لك، فصحَّ قوله: "أنا ربكم الأعلى"، وإنْ كان عينَ الحق، فالصورةُ لفرعون، فقطع الأيدي والأرجل، وصلَّب بعين حق في صورة باطل .. " (١).
° ويقول ابن عربي في تعليله لإنكار موسى على السامِري: "وكان موسى يُربِّي هارونَ ﵉ تربيةَ عِلم -وإنْ كان أصغَرَ منه في السنِّ-، ولذلك لما قال له هارونُ ما قال، رجع السامريُّ، فقال له: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾ [طه: ٩٥]، يعني: فيما صنعتَ من عُدُولِك إلى صورةِ العِجْل على الاختصاص، وصُنْعِك هذا الشَّبَح من حلِيَّ القوم، حتى أخذتَ بقلوبهم من أجل أموالهم (٢)، وليس للصور بقاءٌ، فلا بدَّ من ذهابِ صورة العِجل -لو لم يستعجل موسى بحرقه-، فغلبت عليه الغَيرة، فحرقه، ثم نَسف رَمَادَ تلك الصورة في اليمِّ نَسْفًا، وقال له: انظر إلى إلهك،
стр. 795
فسماه (١) "إلهًا" بطريق التنبيه، للتعليم؛ لِمَا عَلم أنه بَعضُ المجالي الإلهية (٢)، ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ فإن حيوانية الإِنسانِ لها التصرُّفُ من حيوانية الحيوان .. " (٣).
° قال الشيخ زَينُ الدين العراقي: "قوله في قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]: أنه صح قولُه ذلك، مستدلاًّ عليه بأنَّ السَّحَرة صدَّقوه، كَذِبٌ وافتراء على السحرة، فلقد كَذَّبوه، وخالفوه، ودعواه كاذبة، وبها أخذ اللهُ فرعونَ وأهلكه، فقال تعالى حكايةً عنه: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ الله نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ [النازعات: ٢٣ - ٢٥] ".
° ثم قال: "ولا شك أن مَن صَحَّ عنه أنه قال هذا؛ واعتقدَه مع وجود عقلِه، وهو غير مُكْرَه، ولا مُجْبَرٍ الإجبار المُجَوِّزَ للكُفر، فهو كافر، ولا يُقبل منه تأويلُها على ما أراد، ولا كرامة، كما قدمنا ذِكرَه، وهذا ما لا نعلمُ فيه خِلافًا بين العلماء بعلومِ الشريعة المطهَّرة في مذاهبِ الأئمةِ الأربعة، وغيرهم من أهل الاجتهاد الصحيح .. والله أعلم" (٤).
° قال ابن عربي في "فصوص الحكم" (ص ١٩٢): "وكان موسى ﵇ أعلمَ بالأمرِ من هارون؛ لأنه عَلِم ما عَبَده أصحابُ العِجل، لِعِلْمه بأن الله قد قضى ألاَّ نعبُدَ إلاَّ إيَّاه، وما حَكَم الله بشيءٍ إلاَّ وقع، فكان عَتْبُ
стр. 796
موسى أخاه هارون؛ لَمَّا وقع الأمرُ في إنكاره وعدم اتساعه، فإنَّ العارفَ مَن يرى الحقَّ في كلِّ شيءٍ، بل يراه عينَ كلِّ شيء".
* تكفير شيخ الإِسلام العراقي لابن عربي:
° قال الشيخ زين الدين العراقي: "هذا الكلامُ كُفْرٌ مِن قائله منِ وجوه:
أحدها: أنه نَسَب موسى ﵇ إلى رضاه بعبادةِ قومه للعجل.
الثاني: استدلالُه بقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإِسراء: ٢٣] على أنه قَدَّر أن لا يُعبَدُ إلاَّ هو، وأن عابدَ الصنم عابدٌ له.
الثالث: أن موسى ﵇ عَتَبَ على أخيه هارونَ ﵉ إنكارَه لِمَا وقع، وهذا كذبٌ على موسى ﵇، وتكذيبٌ للَّهِ فيما أَخبَرَ به عن موسى من غَضبهِ لعبادتهم العجلَ.
الرابع: أن العارفَ يَرى الحق في كلِّ شيء، بل يراه عَينَ كلِّ شيء، فجَعَل العجلَ عينَ الإِله المعبود.
فلْيَعْجَب السامع لمثلِ هذه الجرأة التي تصدرُ ممن في قلبه مثقالُ ذرَّة من إيمانْ" (١).
* تحريفُ ابنِ عربي لآيات الله:
وانظر إلى زنديقِ الصوفية وهو يُكَذِّب صريحَ القرآن ويُحَرِّفه:
° قال ابن عربي في "فصِّ حِكمةٍ أحديةٍ في كلمةٍ هُودية": ﴿مَا مِنْ
стр. 797
دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]: "فكلُّ ماشٍ [فعلى] صراطِ الربِّ المستقيم، فهم غيرُ مغضوب عليهم من هذا الوجه، ولا ضالُون، فكما كان الضلالُ عارضًا، فكذلك الغضب الإِلهي عارضٌ، والمآل إلى الرحمةِ التي وسعت كل شيء" (١).
° قال الشيخ عبد الرحمن الوكيل: "وابن عربي يُكذِّب بهذا البهتانِ قولَه سبحانه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وغيرَها من الآيات، فالقرآن يقرِّر أن الناسَ بالنسبةِ إلى الحقِّ ثلاثة أقسام:
قومٌ عَرَفوا الحق وآمنوا به، وهم الذين وَصَفهم الله بأنهم على صراطٍ مستقيم.
وقومٌ عرفوا الحقَّ وأعرضوا عنه كُفْرًا وجحودًا، وهم المغضوبُ عليهم (٢).
وقومٌ لم يحاوِلوا معرفة الحقِّ فلم يهتدوا، وهم الضالُّون (٣).
وقد خَصَّ الله الفريقَ الأول برضاه ورحمتِه، والآخَرين بغضبه ولعنته، ولكن ابنَ عربي يجعلُ الجميعَ سواءً، هادفًا من وراءٍ ذلك إلى تقريرِ أسطورةِ "وحدة الأديان" التي تَزعمُ أن الأديانَ -سماوِيَّها وَوضعِيَّها- واحدٌ، وأن الحقَّ والهدى فيها جميعًا، لا يختصُّ بها دينٌ عن دين، فالشِّركُ عينُ
стр. 798
التوحيد، والمجوسيةُ عين الإسلام، فعابدُ العِجلِ عندَهم كعابدِ الله، يقول لك الصوفية (١): كنْ مشركًا، كن بوذيًّا، كن يهوديًّا، فأنت على صراط مستقيم". (٢)
° وانظر إلى تحريف هذا الزنديق الفاحشِ لكلام الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٦، ٧].
° قال أبو زرعة العراقي: "سمعتُ والدي ﵀ غيرَ مرةٍ يقول: سمعتُ قاضي القضاة برهان الدين بنَ جَماعة يقول: نقلتُ من خطِّ الحافظ جمالِ الدين المِزِّي قال: نقلتُ من خطِّ ابن عربي في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية: سَتَروا محبَّتهم، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ استوى عندهم إنذارُك وعدمُ إنذارك، لِمَا جَعلنا عندهم، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بك ولا يأخذون عنك، إنما يأخذون عنَّا، ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، فلا يعقِلون إلاَّ عنه، ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾، فلا يسمعون إلاَّ منه، ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ فلا يُبصِرون إلاَّ منه، ولا يلتفتون إليك وإلى ما عندك بما جَعلناه عندهم، وألْقَيْنا إليهم، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ﴾، من العذوبة ﴿عَظِيمٌ﴾ انتهى" اهـ.
стр. 799
° وكلام هذا الزنديق يخالفُ تفسيرَ ابنِ عباسٍ لهاتين الآيتيْن؛ إذ قال ﵄: "نزلت في اليهود الذين كانوا بنواحي المدينة على عهدِ رسول الله ﷺ توبيخًا لهم في جُحودهم نبوةَ محمدٍ ﷺ وتكذيبِهم به مع عِلمِهم به ومعرفتِهم بأنه رسولُ الله ﷺ إلى الناس كافةً".
° وساق ابنُ جرير بإسنادِه عن ابن عباس ﵄: "أن صَدْرَ سورة البقرة إلى المئة منها نزل في رجالٍ سمَّاهم بأعيانهم وأنسابهم من أحبارِ اليهود ومن المنافقين من الأوسِ والخزرج" (١).
* ذمُّ ابنِ عربيٍّ لنبي الله نوح ﵇ -:
° قال ابنُ عربي: "لو أنَّ نوحًا جمع لقومه بين الدعوتيْن لأجابوه، فدعاهم جِهارًا، ثم دعاهم إسْرارًا، ثم قال لهم: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] وقال: ﴿ .. إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾، وذَكَر عن قومه أنهم تصامَمُوا عن دعوته، لِعِلمهم بما يجبُ عليهم من إجابةِ دعوته، فعِلمُ العلماءِ بالله ما أشار إليه نوحٌ ﵇ في حقِّ قومِه من الثناءِ عليهم بلسانِ الذمِّ (٢)، وعَلِم أنهم إنما لَم يُجيبوا دعوته لِمَا فيها من الفرقان، والأمرُ قرآنٌ لا فرقان، ومَن أُقيم في القرآنِ لا يُصغِي إلى الفرقان، وإنْ كان فيه، فإن القرآنَ (٣) يتضمنُ الفرقانَ، والفرقانَ
стр. 800
لا يتضمَّن القرآن، ولهذا ما اختصَّ بالقرآن إلاَّ محمد ﷺ وهذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، فـ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ يَجمع الأمرين في أمر واحد، فلو أن نُوحًا أتى بمثل هذه الآية لفظًا أجابوه، فإنه شَبَّه ونَزَّه في آية واحدة، بل في نصف آية، ونوحٌ دعا قومه "ليلاً" من حيث عقولهم، ورُوحانيَّتهم، فإنها غَيبٌ، و"نهارًا" دعاهم أيضًا من حيث ظاهرِ صورِهم وحسِّهم، وما جمع في الدعوة مِثل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فنَفَرت بواطنهم لهذا الفرقان [فزادهم] فِرارًا، ثم قال عن نفسه: إنه دعاهم ليغفر لهم، لا ليكشفَ لهم، وفهِموا ذلك منه ﷺ ، لذلك ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾، وهذه كلُّها صورةُ السِّتر التي دعاهم إليها، فأجابوا دعوتَه بالفعل، لا بلبَّيْك، ففي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ إثبات المِثْل ونَفيه، وبهذا قال عن نفسه ﷺ : "إنه أوتي جوامعَ الكَلِم"، فما دعا محمدٌ قومه ليلاً ونهارًا، بل دعاهم ليلاً في نهار، ونهارًا في ليل، فقال نوحٌ في حكمته لقومه: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١]، وهي المعارف العقليَّةُ في المعاني والنظرِ الاعتباري، ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ﴾، أي: بما يَميل بكم إليه، فإذا مال بكم إليه، رأيتم صورتَكم فيه، فمن تَخيَّل منكم أنه رآه فما عَرَف، ومَن عَرَف منكم أنه رأى نفسه، فهو العارفُ، فلهذا انقسم الناس
стр. 801
إلى غيرِ عالِم، وعالم، ﴿وَوَلَدُهُ﴾ وهو ما أنتجه لهم نظرُهم الفكريُّ، والأمرُ موقوفٌ عِلْمُه على المشاهَدة، ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ لأن الدعوةَ إلى الله تعالى مَكْر بالمدعُوِّ؛ لأنه ما عدِم من البداية، فيُدعَى إلى الغاية ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ فهذا عين المكر" (١).
° قال الإمام البقاعي: "فهذا، وأشكالٌ من قوله -كما يأتي في الفصِّ اليُوسفي- يُدَنْدِن به على تصحيحِ قولِ الكفار: "إن القرآن سحر"، ولا يقدر على التصريح به" (٢).
° ثم يقولُ ابن عربي: "فقالوا (٣) في مكرهم: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾، فإنهم إذا تركوهم جَهِلوا من الحق على قَدْرِ ما تركوا من هؤلاء، فإن للحقِّ في كلِّ معبودٍ وجهًا يعرفُهِ مَن عرفه، ويجهلُه مَن جَهِله في المحمديِّين: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإِسراء: ٢٣]، أي: حَكَم (٤)، فالعالِمُ يعلمُ مَن عَبَد، وفي أيِّ صورةٍ ظَهَر حتى عبد، وإن التفريقَ والكثرة كالأعضاءِ في الصور المحسوسة، وكالقوى المعنويَّة في الصورة الرُّوحانية، فما عُبد غيرُ الله في كلِّ معبود" (٥).
° وقال ابن عربي الزنديق في "الفصِّ النوحي" أيضًا: " ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾، أيْ: حَيَّروهم في تعدادِ الواحد بالوجوه والنِّسب، ﴿وَلَا تَزِدِ
стр. 802
الظَّالِمِينَ﴾ (١) لأنفسهم "المصطفَيْن" الذين أُورثوا الكتاب، فهم أول الثلاثة، فقدّمه على المقتصد والسابق ﴿إِلَّا ضَلَالًا﴾ إلاَّ حيرة المُحَمَّدي: "زِدْني فيك تحيُّرًا" (٢).
﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ (٣) فهي التي خَطَت بهم، فغرقوا في بحارِ العلم بالله، وهو الحيْرة .. ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾، فكان اللهُ عينَ أنصارِهم، فهلكوا فيه إلى الأبد .. " (٤).
فأيُّ زندقةٍ وإفكٍ وفجورٍ يحوي كلامُ ابن عربي!!.
° قال البقاعيُّ في "مصرع التصوف": "وقال شيخُ شيوخنا الإمامُ
стр. 803
القدوة العارف شيخ الإسلام حافظُ عصره الشيخ زَينُ الدين عبدُ الرحيم بنُ الحُسين العراقي في كَرَّاسةٍ أجاب فيها سؤالَ مَن سأله عن بعضِ كلام ابن عربي هذا: "وقوله في قوم نوحٍ ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ .. ﴾ إلى آخره، كلامُ ضلالٍ وشركٍ واتحادٍ وإلحاد، فجَعَلَ تَرْكَهم لعبادةِ الأوثان التي نهاهم نوحٌ عن عبادتها جَهْلاً يُفَوت عليهم من الحقِّ بقَدْرِ ما تركوا" انتهى (١).
° وانظر إلى تحريفه لِمُحكَم الذِّكر، ولصريح القرآن، قال: "ألَا ترى عادًا قومَ هودٍ كيف قالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]، فظنُّوا خيرًا بالله تعالى -وهو عند ظنِّ عبده به-، فأضرب لهم الحقُّ عن هذا القول، فأخبرهم بما هو أَتَمُّ وأعلى في القرب، فإنه إذا أمطرهم، فذلك حظ الأرض، وسَقْيُ الحَب، فما يَصلِون إلى نتيجةِ ذلك المطر إلاَّ عن بُعد، فقال لهم: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فجعل الريحَ إشارةً إلى ما فيها من الراحة، فإنَّ بهذهِ الرِّيح أراحهم مِن هذه الهياكل المظلِمة، والمسالكِ الوَعْرة، والسُّدَفِ المدلهمة، وفي هذه الريحِ عذاب، أي: أمرٌ يستعذبونه، إذا ذاقوه، إلا أنه يُوجِعُهم لغرقةِ المألوف".
وهو يُكذِّبُ أصدقَ القائلين في قوله: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ [الأعراف: ٧١]، وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود: ٥٩ - ٦٠].
стр. 804
* كَذِبُ ابنِ عربيٍّ وإِفكُه على رسول الله ﷺ -:
° انظر إلى بهتانِ ابن عربي وإفكِه وكَذبِهِ أنه يَنسب الأقوال الكفريةَ التي جاء بها في "فصوص الحكم" إلى إذنِ رسول الله ﷺ الماحي لجميعِ الإِشراك، المُخَلِّص لِمُتَّبعيه من حبائلِ سائر الأشراك، فقد قال ابن عربي في خُطبةِ كتاب "فصوص الحكم": "أما بعد، فإني رأيتُ رسول الله ﷺ في مُبَشِّرةٍ [أريتُها في العشر الآخر من محرم سنة سبع وعشرين وسِتِّمئة بمحروسة دمشق] وبيده كتاب، فقال لي: هذا كتابُ "فصوص الحكم"، خذه، واخرج به إلى الناس ينتفعوا به، فقلت: السمعُ والطاعة لله ولرسوله وأولِي الأمر منَّا كما أمِرْنا، فحَقَّقتُ الأمنية، وأخلصتُ النيَّة، وجَرَّدتُ القصدَ والهمة إلى إبرازِ هذا الكتاب كما حَدَّه لي رسولُ اللَّه ﷺ من غيرِ زيادةٍ ولا نقصان .. فمِن الله فاسمعوا .. وإلى الله فارجعوا .. " انتهى.
ولا شك أن النومَ والرؤيا في حدِّ ذاتهما في حيِّز الممكن، لكن ما أصله من مذهبِه الباطل ألزمه أن يكونَ ذلك مُحالاً، وذلك أن عنده أن وجودَ الكائناتِ هو الله، فإذن الكلُّ هو الله لا غير، فلا نبيَّ ولا رسول، ولا مُرسِل، ولا مُرسَل إليه، فلا خفاءَ في امتناع النوم على الواجب، وفي امتناع افتقارِ الواجب إلى أن يأمرَه النبيُّ بشيءٍ في المنام، فمن هنا يُعلم أنه لا يتحاشى من التناقضِ لهدم الدين بنْوعٍ مما ألِفْه أهلُه .. نبه على ذلك الإِمام علاء الدين البخاري "فاضحة الملحدين، وناصحة الموحِّدين" .. " (١).
стр. 805
* طَعنُ أبو زُرعَة أحمدَ بنِ شيخ الإِسلام العراقي في ابن عربي:
° قال العلامة الفاسي المكي في "العقد الثمين": "وسئل شيخنا العلاَّمة المحقِّق، الحافظ المفتي، المصنِّف أبو زرعة أحمدُ ابنُ شيخنا الحافظ العراقي الشافعي -أبقاه الله تعالى-، فقال: لا شكَّ في اشتمالِ "الفصوص" المشهورة على الكفر الصريح الذي لا يشَكُّ فيه، وكذلك "فتوحاته المكيَّة"، فإن صحَّ صدورُ ذلك عنه واستمر إلى وفاتِه، فهو كافر مُخَلَّد في النار بلا شك" (١) اهـ.
* قولُ عزِّ الدين بن عبد السلام في ابن عربي:
° حكى العلامة ابن دقيق العيد أنه سمع الشيخ عزَّ الدين ابنَ عبد السلام يقول عن ابن عربي أنه: "شيخ سوء كذَّاب، يقوله بقِدَم العالَم ولا يُحرِّمُ فَرْجًا".
° وقال ابنُ دقيق العيد أيضًا: "سمعت الشيخ عزَّ الدين -وجَرَى ذِكرُ ابنِ عربيٍّ الطائي-، فقال: هو شيخُ سوء مقبوحٌ كذَّاب" (٢) اهـ.
* قول الذهبي عن ابن عربي:
° "أثَّرَت فيه تلك الخَلَواتُ والجوع فسادًا وطَرَفَ جُنون، وصَنَّف التصانيف في تصوَّف الفلاسفة وأهلِ الوحدةِ، فقال أشياء مُنكرة عَدَّها طائفة من العلماء مُروقًا وزندقةً".
° ثم قال: "وكذلك من أمعن النظر في "فصوص الحِكَم" أوْ أمعن التأمُّلَ
стр. 806
لاح له العَجَب، فإن الذكيَّ إذا تأمَّل في تلك الأقوالِ والنظائر والأشباه، فهو أحدُ رجليْن: إمَّا من الاتحادية في الباطن، وإمَّا من المؤمنين بالله الذين يَعُدُّون أن هذه النِّحْلةَ من أكفرِ الكفر .. نسأل اللهَ العفو، وأن يكتبَ الإيمانَ في قلوبنا، وأن يُثبتنا بالقولِ الثابت في الحياةِ الدنيا وفي الآخرة، فواللهِ لأنْ يعيشَ مُسْلم جاهِلاً خَلْفَ البقر لا يَعرِفُ من العِلم شيئًا سوى سُورٍ من القرآن يُصلِّي بها الصلوات ويؤمنُ بالله واليوم الآخر: خيرٌ له بكثيرٍ من هذا العِرْفان وهذه الحقائق، ولو قرأ مئةَ كتاب أو عمل مئة خلوة" (١) اهـ.
° وقال عنه في "سير أعلام النبلاء": "تَزَهَّد، وتفرَّد، وتعبَّد، وتوحَّد، وسافر، وتجرَّد، وأَتْهَمَ، وأَنْجَدَ، وعَمِل الخَلَوات، وعَلَّق شيئًا كثيرًا في تصوُّفِ أهل الوحدة، ومَن أراد تواليفه فعليه بكتاب "الفصوص"، فإنْ كان لا كُفرَ فيه، فما في الدينا كُفر، نسأل الله العفوَ والنجاة، فواغوثاه بالله، وقد عظمه جماعةٌ، وتكلَّفوا لِمَا صَدَر منه ببعيد الاحتمالات" (٢).
° ثم نقل قولَ عزِّ الدين بن عبد السلام عنه بأنه "شيخُ سُوءٍ كذَّابٌ، يقول بقدَمِ العالم ولا يُحرمُ فَرْجًا".
° وقال الذهبي في كتابه "تاريخ الإسلام" بعد خطِّ الحافظ سيف الدين ابن المجد علي الحريري المتصوِّف: "فكيف لو رأى الشيخُ كلامَ ابنِ عربيٍّ الذي هو مَحض الكفرِ والزندقة، لقال: "هذا الدجال المنتظَر"، ولكن كان ابنُ عربي منقطِعًا عن الناس، إنما يجتمعُ به آحادُ الاتحادية، ولا يُصرح بأمرِه لكلِّ أحد، ولم تُشتَهَرْ كُتبُه إلاَّ بعد موته، ولهذا تمادَى أمرُه، فلما كان
стр. 807
على رأس السَّبعِمئة جَدَّد الله لهذه الأمة دينَها بهَتْكِه وفضيحتِه، ودار بين العلماء كتابُه "الفصوص"، وقد حَطَّ عليه الشيخُ القدوة الصالح إبراهيم بن معضاد الجُعْبَري فيما حَدَّثني به شيخُنا ابنُ تيمية عن التاج البارنباري أنه سمع الشيخ إبراهيم يذكر ابن عربي: كان يقولُ بقِدَم العالَم، ولا يُحرمُ فرْجًا، وحكى عنه ابنُ تيمية أنه لما اجتمع بابن عربيِّ قال: رأيتُ شيخًا نَجِسًا يُكذِّب بكلِّ كتاب أنزله الله، وبكلِّ نبي أرسله الله" (١).
* رأيُ شيخ الإِسلام البُلقِيني في ابن عربي:
° قال الإمام البقاعي بعد نقله طائفةً ممَّن كفَّروا ابن عربي: "ومنهم شيخُنا شيخُ الإسلام حافظُ عصرِه قاضي القضاة أبو الفضل ابن حجر، وشيخُه شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن رَسْلان البُلقيني، فقال في ترجمة عمرَ بنِ الفارضي في "لسان الميزان" بعد أن ذكر ترجمة الذهبيِّ له بأنه شيخُ الاتحادية، وأنه يَنعِقُ بالاتِّحاد الصريح في شِعره: "وقد كنتُ سألتُ شيخَنا سراجَ الدين البُلقِيني عن ابن عربي، فبادَرَ بالجواب بأنه كافر، فسألتُه عن ابنِ الفارض، فقال: لا أحبُّ التَكلُّمَ فيه، فقلتُ: فما الفرقُ بينهما، والمَهْيَعُ واحد؟! وأنشدتُه من "التائية"، فقطع عليَّ بعد إنشادِ عِدَّةِ أبيات بقوله: هذا كُفر، هذا كفر" .. " (٢).
* قوله الحافظ ابن حجر العسقلاني فيه:
° قال الحافظُ ابنُ حجر في "اللسان" بعد أن نَقَل قول الذهبي في
стр. 808
"ميزان الاعتدال": "وكان ظاهريَّ المذهب في العباداتِ، باطنيَّ النظر في الاعتقادات .. ".
° إلى أن قال: "وله مصنَّفات عديدة وشِعرٌ كثير، وله أصحابٌ يعتقدون فيه اعتقادًا عظيمًا مفرِطًا يتغالَون فيه، وهو عندهم نحو درجةِ النبوة، ولم يَصحَبْه أحد إلاَّ وتغالى فيه، ولا يَخرج عنه أبدًا، ولا يُفضل عليه غيرَه، ولا يُساوِي به أحدًا من أهل زمانه، وتصانيفُه لا يُفهم منها إلاَّ القليل، وفي تصانيفه كلمات ينبو السمع عنها، وزَعَم أصحابه أن لها معنى باطنيًّا غيرَ الظاهر" (١) اهـ.
* دعاءٌ ومباهله:
° قال البِقاعيُّ بعد إنتهائه من نَقدِ "فصوص الحكم": "هذا آخِرُ الكتاب، المباعِدِ للصواب، الرادِ للشكِّ والارتياب، لَعنةُ الله على معتقِده، ورحمة الله على منتقِده، قد تم -ولله الحمد- ما أردتُ انتقاده منه، مُتَرْجمًا بسوء السيرة وقُبحِ السريرة عنه، وانتهى ما وَقَع انتقادي عليه، وأدَّانى اجتهادي إليه: من واضح كفره، ودقيقِ مَكْرِه، وَجَلِيِّ شره، أعاذنا الله بحوله وقوَّته من شكوكه، وعَصَمَنا مِن زَيغِ طريقه، وباعَدَنا من سلوكه، ورأيت أن أختم ذلك بحكايةٍ طالَما حدَّثنَا بها شيخنا شيخ الإِسلام حافظ العصر، قاضي القضاة، أبو الفضل شهاب الدين أحمدُ بنُ علي بن حَجَر الكناني، العسقلاني الأصل، المصري الشافعي، ثُم رأيتها منقولةً عن كتاب الحافظ تقي الدين الفاسي في تكفيرِ ابن عربي، وقد أصلحَ شيخنا بعضَها
стр. 809
بخطِّه، قال: كان في أيام الظاهر برقوق شخصٌ يقال له: "ابنُ الأمين"، شديدُ التعصُّبِ لابن عربي صاحبِ هذا "الفصوص"، وكنتُ أنا كثيرَ البيانِ لعَوَاره، والإظهارِ لعارِه وعِثاره، وكان بمصرَ شيخ يقال له: "الشيخ صفا"، وكان مقرَّبًا عند الظاهر، فهدَّدني المذكورُ بأنه يُعرفه بي، ليذكرَ للسطان أن بمصرَ جماعة -أنا منهم- يذكرون الصالحين بالسوء، ونحو ذلك، وكانت تلك الأيامُ شديدةَ المظالم والمصائبِ والمغارم، وكنتُ ذا مالٍ، فخِفتُ عاقبتَه، وخشِيتُ غائلتَه، فقلتُ: إنَّ هنا ما هو أقربُ مما تريد، وهو أن بعضَ الحُفَّاظِ قال: إنه وقع الاستقراءُ بأنه ما تَباهَلَ اثنانِ على شيء، فحال الحَولُ على المُبْطِل منهما، فَهَلُمَّ، فلنتباهلْ، لِيُعْلَم المُّحِقُّ منا من المُبْطِل، فتباهلتُ أنا وهو، فقلت له: قل: اللَّهمَّ إنْ كان ابنُ عربيٍّ على ضلال، فالْعنِّي بلعنتك، فقاله، فقلتُ أنا: اللَّهم إن كان ابنُ عربيٍّ على هُدى فالعني بلعنتك ..
وافترقنا، وكان يسكن "الرَّوضة"، فاستضافه شخص من أبناء الجُند جميل الصورة، ثم بدا له أن يتركَهم، فخرج في أولِ الليل، فخرجوا يُشيِّعونه فأحسَّ بشيء مَرَّ على رِجله، فقال لأصحابه: مَر على رِجله شيء ناعم، فانظروا ما هو؟ فنظروا فلم يجدوا شيئًا، فذهب، فما وصل إلى منزلِه إلاَّ وقد عَمِيَ، ولَم يُصبحْ إلاَّ وهو ميت، وكان ذلك في ذِي القَعدة سنةَ سبعٍ وتسعين وسَبْعمئة، وكانت المباهلةُ في رمضْانَ منها، قال: وكنتُ عند وقوع المباهلة عَرَّفَتُ مَن حَضَر أنَّ مَن كان مُبْطِلاً في المباهلة لا تمضي عليه السَّنة، فكان ولله الحمد ذلك، واسترحتُ من شرِّه، وأَمنتُ من عاقبةِ مكره" (١).
стр. 810
[ممن كفَّره من العلماء]
° وقال العلاَّمة الإمامُ ابنُ كثير في "البداية والنهاية": "محيي الدين ابن عربي صاحب "الفصوص" وغيره" .. ثم ذكر اسمه ونسبه، ثم قال: "طاف البلاد، وأقام بمكة مدَّةً، وصَنَّف فيها كتابَه المسمى بـ "الفتوحات المكية" في نحو عشرين مُجَلَّدًا منها ما هو يُعْقَل، وما لا يعقَل، وما ينكَر وما لا يُنكَر، وما يُعرَف وما لا يُعرَف، وله كتابُه المسمَّى بـ "فصوص الحكم" فيه أشياء كثيرةٌ ظاهرُها كفرٌ صريح" (١).
° وقال ابنُ طولون (٢) في "القلائد الجوهريَّة في تاريخ الصالحية" (٣) عن العلماء الذين يعتقدون ضلاله: "وفرقةٌ تعتقدُ ضلالَه، وتَعُدُّه مبتدعًا اتحاديًّا كافرًا، وهم غالبُ فقهاءِ أبناء العرب وجميعُ المحدثين، وقد سَمعَتُ -وعدَّهم بعضُ المتأخِّرين إلى نحو خَمْسِمئةٍ-، ومنهم: قاضي القضاة تقيُّ الدين عبد الرحمن بن قاضي القضاة تاجِ الدين عبدِ الوهَّابِ بنِ بنتِ الأعزِّ المصري، والعلاَّمة شهابُ الدين أحمدُ بنُ حَمْدان الحرَّاني نزيلُ حَلَب، وعلاَّمةُ زمانِه تقيُّ الدين ابن تيميَّة، والعلاَّمةُ كمالُ الدِّين جعفر الإِدْفَوي، والعلاَّمة شهابُ الدين أحمدُ بنُ يحيى بنِ أبيٍّ، والحافظُ عمادُ الدينِ بنُ كثير، ونادَرةُ زمانِه عِلمًا وعملاً علاءُ الدِّين محمد البخاري، وقاضي القضاة وليُّ الدين أبو زُرعةَ أحمد العراقي، وقاضي القضاء بَدرُ الدين محمود العَيني، وشيخ الإِسلام شمسُ الدين البلاطنسي؛ والعلاَّمة محمد ابنُ إمام الكاملية الصُّوفي، وحافظُ العصر شهابُ الدين أحمدُ بنُ حجر،