← Сира

Сира · id 96964

وا محمداه إن شانئك هو الأبتر

سيد حسين العفاني

Полный текст (2 668 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

لاح له العَجَب، فإن الذكيَّ إذا تأمَّل في تلك الأقوالِ والنظائر والأشباه، فهو أحدُ رجليْن: إمَّا من الاتحادية في الباطن، وإمَّا من المؤمنين بالله الذين يَعُدُّون أن هذه النِّحْلةَ من أكفرِ الكفر .. نسأل اللهَ العفو، وأن يكتبَ الإيمانَ في قلوبنا، وأن يُثبتنا بالقولِ الثابت في الحياةِ الدنيا وفي الآخرة، فواللهِ لأنْ يعيشَ مُسْلم جاهِلاً خَلْفَ البقر لا يَعرِفُ من العِلم شيئًا سوى سُورٍ من القرآن يُصلِّي بها الصلوات ويؤمنُ بالله واليوم الآخر: خيرٌ له بكثيرٍ من هذا العِرْفان وهذه الحقائق، ولو قرأ مئةَ كتاب أو عمل مئة خلوة" (١) اهـ. ° وقال عنه في "سير أعلام النبلاء": "تَزَهَّد، وتفرَّد، وتعبَّد، وتوحَّد، وسافر، وتجرَّد، وأَتْهَمَ، وأَنْجَدَ، وعَمِل الخَلَوات، وعَلَّق شيئًا كثيرًا في تصوُّفِ أهل الوحدة، ومَن أراد تواليفه فعليه بكتاب "الفصوص"، فإنْ كان لا كُفرَ فيه، فما في الدينا كُفر، نسأل الله العفوَ والنجاة، فواغوثاه بالله، وقد عظمه جماعةٌ، وتكلَّفوا لِمَا صَدَر منه ببعيد الاحتمالات" (٢). ° ثم نقل قولَ عزِّ الدين بن عبد السلام عنه بأنه "شيخُ سُوءٍ كذَّابٌ، يقول بقدَمِ العالم ولا يُحرمُ فَرْجًا". ° وقال الذهبي في كتابه "تاريخ الإسلام" بعد خطِّ الحافظ سيف الدين ابن المجد علي الحريري المتصوِّف: "فكيف لو رأى الشيخُ كلامَ ابنِ عربيٍّ الذي هو مَحض الكفرِ والزندقة، لقال: "هذا الدجال المنتظَر"، ولكن كان ابنُ عربي منقطِعًا عن الناس، إنما يجتمعُ به آحادُ الاتحادية، ولا يُصرح بأمرِه لكلِّ أحد، ولم تُشتَهَرْ كُتبُه إلاَّ بعد موته، ولهذا تمادَى أمرُه، فلما كان

стр. 807

على رأس السَّبعِمئة جَدَّد الله لهذه الأمة دينَها بهَتْكِه وفضيحتِه، ودار بين العلماء كتابُه "الفصوص"، وقد حَطَّ عليه الشيخُ القدوة الصالح إبراهيم بن معضاد الجُعْبَري فيما حَدَّثني به شيخُنا ابنُ تيمية عن التاج البارنباري أنه سمع الشيخ إبراهيم يذكر ابن عربي: كان يقولُ بقِدَم العالَم، ولا يُحرمُ فرْجًا، وحكى عنه ابنُ تيمية أنه لما اجتمع بابن عربيِّ قال: رأيتُ شيخًا نَجِسًا يُكذِّب بكلِّ كتاب أنزله الله، وبكلِّ نبي أرسله الله" (١). * رأيُ شيخ الإِسلام البُلقِيني في ابن عربي: ° قال الإمام البقاعي بعد نقله طائفةً ممَّن كفَّروا ابن عربي: "ومنهم شيخُنا شيخُ الإسلام حافظُ عصرِه قاضي القضاة أبو الفضل ابن حجر، وشيخُه شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن رَسْلان البُلقيني، فقال في ترجمة عمرَ بنِ الفارضي في "لسان الميزان" بعد أن ذكر ترجمة الذهبيِّ له بأنه شيخُ الاتحادية، وأنه يَنعِقُ بالاتِّحاد الصريح في شِعره: "وقد كنتُ سألتُ شيخَنا سراجَ الدين البُلقِيني عن ابن عربي، فبادَرَ بالجواب بأنه كافر، فسألتُه عن ابنِ الفارض، فقال: لا أحبُّ التَكلُّمَ فيه، فقلتُ: فما الفرقُ بينهما، والمَهْيَعُ واحد؟! وأنشدتُه من "التائية"، فقطع عليَّ بعد إنشادِ عِدَّةِ أبيات بقوله: هذا كُفر، هذا كفر" .. " (٢). * قوله الحافظ ابن حجر العسقلاني فيه: ° قال الحافظُ ابنُ حجر في "اللسان" بعد أن نَقَل قول الذهبي في

стр. 808

"ميزان الاعتدال": "وكان ظاهريَّ المذهب في العباداتِ، باطنيَّ النظر في الاعتقادات .. ". ° إلى أن قال: "وله مصنَّفات عديدة وشِعرٌ كثير، وله أصحابٌ يعتقدون فيه اعتقادًا عظيمًا مفرِطًا يتغالَون فيه، وهو عندهم نحو درجةِ النبوة، ولم يَصحَبْه أحد إلاَّ وتغالى فيه، ولا يَخرج عنه أبدًا، ولا يُفضل عليه غيرَه، ولا يُساوِي به أحدًا من أهل زمانه، وتصانيفُه لا يُفهم منها إلاَّ القليل، وفي تصانيفه كلمات ينبو السمع عنها، وزَعَم أصحابه أن لها معنى باطنيًّا غيرَ الظاهر" (١) اهـ. * دعاءٌ ومباهله: ° قال البِقاعيُّ بعد إنتهائه من نَقدِ "فصوص الحكم": "هذا آخِرُ الكتاب، المباعِدِ للصواب، الرادِ للشكِّ والارتياب، لَعنةُ الله على معتقِده، ورحمة الله على منتقِده، قد تم -ولله الحمد- ما أردتُ انتقاده منه، مُتَرْجمًا بسوء السيرة وقُبحِ السريرة عنه، وانتهى ما وَقَع انتقادي عليه، وأدَّانى اجتهادي إليه: من واضح كفره، ودقيقِ مَكْرِه، وَجَلِيِّ شره، أعاذنا الله بحوله وقوَّته من شكوكه، وعَصَمَنا مِن زَيغِ طريقه، وباعَدَنا من سلوكه، ورأيت أن أختم ذلك بحكايةٍ طالَما حدَّثنَا بها شيخنا شيخ الإِسلام حافظ العصر، قاضي القضاة، أبو الفضل شهاب الدين أحمدُ بنُ علي بن حَجَر الكناني، العسقلاني الأصل، المصري الشافعي، ثُم رأيتها منقولةً عن كتاب الحافظ تقي الدين الفاسي في تكفيرِ ابن عربي، وقد أصلحَ شيخنا بعضَها

стр. 809

بخطِّه، قال: كان في أيام الظاهر برقوق شخصٌ يقال له: "ابنُ الأمين"، شديدُ التعصُّبِ لابن عربي صاحبِ هذا "الفصوص"، وكنتُ أنا كثيرَ البيانِ لعَوَاره، والإظهارِ لعارِه وعِثاره، وكان بمصرَ شيخ يقال له: "الشيخ صفا"، وكان مقرَّبًا عند الظاهر، فهدَّدني المذكورُ بأنه يُعرفه بي، ليذكرَ للسطان أن بمصرَ جماعة -أنا منهم- يذكرون الصالحين بالسوء، ونحو ذلك، وكانت تلك الأيامُ شديدةَ المظالم والمصائبِ والمغارم، وكنتُ ذا مالٍ، فخِفتُ عاقبتَه، وخشِيتُ غائلتَه، فقلتُ: إنَّ هنا ما هو أقربُ مما تريد، وهو أن بعضَ الحُفَّاظِ قال: إنه وقع الاستقراءُ بأنه ما تَباهَلَ اثنانِ على شيء، فحال الحَولُ على المُبْطِل منهما، فَهَلُمَّ، فلنتباهلْ، لِيُعْلَم المُّحِقُّ منا من المُبْطِل، فتباهلتُ أنا وهو، فقلت له: قل: اللَّهمَّ إنْ كان ابنُ عربيٍّ على ضلال، فالْعنِّي بلعنتك، فقاله، فقلتُ أنا: اللَّهم إن كان ابنُ عربيٍّ على هُدى فالعني بلعنتك .. وافترقنا، وكان يسكن "الرَّوضة"، فاستضافه شخص من أبناء الجُند جميل الصورة، ثم بدا له أن يتركَهم، فخرج في أولِ الليل، فخرجوا يُشيِّعونه فأحسَّ بشيء مَرَّ على رِجله، فقال لأصحابه: مَر على رِجله شيء ناعم، فانظروا ما هو؟ فنظروا فلم يجدوا شيئًا، فذهب، فما وصل إلى منزلِه إلاَّ وقد عَمِيَ، ولَم يُصبحْ إلاَّ وهو ميت، وكان ذلك في ذِي القَعدة سنةَ سبعٍ وتسعين وسَبْعمئة، وكانت المباهلةُ في رمضْانَ منها، قال: وكنتُ عند وقوع المباهلة عَرَّفَتُ مَن حَضَر أنَّ مَن كان مُبْطِلاً في المباهلة لا تمضي عليه السَّنة، فكان ولله الحمد ذلك، واسترحتُ من شرِّه، وأَمنتُ من عاقبةِ مكره" (١).

стр. 810

[ممن كفَّره من العلماء] ° وقال العلاَّمة الإمامُ ابنُ كثير في "البداية والنهاية": "محيي الدين ابن عربي صاحب "الفصوص" وغيره" .. ثم ذكر اسمه ونسبه، ثم قال: "طاف البلاد، وأقام بمكة مدَّةً، وصَنَّف فيها كتابَه المسمى بـ "الفتوحات المكية" في نحو عشرين مُجَلَّدًا منها ما هو يُعْقَل، وما لا يعقَل، وما ينكَر وما لا يُنكَر، وما يُعرَف وما لا يُعرَف، وله كتابُه المسمَّى بـ "فصوص الحكم" فيه أشياء كثيرةٌ ظاهرُها كفرٌ صريح" (١). ° وقال ابنُ طولون (٢) في "القلائد الجوهريَّة في تاريخ الصالحية" (٣) عن العلماء الذين يعتقدون ضلاله: "وفرقةٌ تعتقدُ ضلالَه، وتَعُدُّه مبتدعًا اتحاديًّا كافرًا، وهم غالبُ فقهاءِ أبناء العرب وجميعُ المحدثين، وقد سَمعَتُ -وعدَّهم بعضُ المتأخِّرين إلى نحو خَمْسِمئةٍ-، ومنهم: قاضي القضاة تقيُّ الدين عبد الرحمن بن قاضي القضاة تاجِ الدين عبدِ الوهَّابِ بنِ بنتِ الأعزِّ المصري، والعلاَّمة شهابُ الدين أحمدُ بنُ حَمْدان الحرَّاني نزيلُ حَلَب، وعلاَّمةُ زمانِه تقيُّ الدين ابن تيميَّة، والعلاَّمةُ كمالُ الدِّين جعفر الإِدْفَوي، والعلاَّمة شهابُ الدين أحمدُ بنُ يحيى بنِ أبيٍّ، والحافظُ عمادُ الدينِ بنُ كثير، ونادَرةُ زمانِه عِلمًا وعملاً علاءُ الدِّين محمد البخاري، وقاضي القضاة وليُّ الدين أبو زُرعةَ أحمد العراقي، وقاضي القضاء بَدرُ الدين محمود العَيني، وشيخ الإِسلام شمسُ الدين البلاطنسي؛ والعلاَّمة محمد ابنُ إمام الكاملية الصُّوفي، وحافظُ العصر شهابُ الدين أحمدُ بنُ حجر،

стр. 811

والفقيهُ الأصوليُّ تقيُّ الدين بنُ الصلاح، وقاضي القضاة تقيُّ الدين بن دقيق العيد، وقاضي القضاة بَدر الدين بن جَماعة، وشيخُ الإسلام تقيُّ الدين السُّبكي" (١) اهـ. ° ومِمَّن كفَّره من العلماء الشيخ العلامة محمدُ بن محمدِ بنِ محمدِ ابنِ عليِّ بنِ يوسف المعروف بابن الجَزَري الشافعي (٢). ° وممن تابعهم في الإنكار الشيخ الإمام بركةُ الإسلام قطب الدين ابنُ القسْطَلاَّني، وحَذَّرَ الناسَ من تصديقه، وبيَّن في مصنَّفاته فسادَ قاعدتِه، وضلالَ طريقهِ في كتابٍ سماه بـ: "الارتباط"، ذَكر فيه جماعةً من هؤلاء الأنماط، ومنهم قاضي القضاة قدوةُ أهل التصوف إمامُ الشافعية بدرُ الدين محمد بن جَماعة قال: "وحاشا رسولَ الله ﷺ أن يأذنَ في المنام فيما يُخالف، أو يضادُّ قواعدَ الإسلام (٣)، بل ذلك من وساوسِ الشيطانِ ومِحنته، وتلاعبِه برأيه وفِتنته، وأمَّا إنكارُه -يعني ابن عربي- ما وَرَد في الكتاب والسُّنة من الوعيد، فهو كافرٌ به عند علماءِ التوحيد، وكذلك قولُه في نوح وهود ﵉ قولٌ لَغوٌ باطل مردودٌ" (٤). ° والقدوةُ العارفُ عمادُ الدين أحمدُ بنُ إبراهيم الواسطي (٥)، وقال:

стр. 812

"إنه عَلَّق في ذَمَ هذه الطائفةِ (١) ثلاثَ كراريس، الأول سماه: "البيان المفيد في الفَرق بين الإِلحاد والتوحيد"، والثاني: "لوامع الاسترشاد في الفرق بين التوحيد والإِلحاد"، والثالث: "أشعة النصوص في هَتك أستار الفصوص". كلُّ ذلك ليبقى المؤمنون منهم على بصيرةٍ، يَحذَرون مِن طرقِهم وزَندقتِهم، وحاصل ذلك كلِّه بكلامٍ وجيز مختصر: "أن هؤلاء جَميعَ ما يبدونه من الكلام الحَسَن في مصنفاتهم إنما هو رَبطٌ واستجلاب، فإن الدعاةَ إلى البدعةِ إنْ لم يكونوا ذَوِي بصيرةٍ يَستدرِجون الخَلْقَ في دَعوتهم، حتى يَحلُّوهم عن أديانهم لا يستجابُ لهم. هذا ابنُ عربي، عنده في أصوله: أنه يَجعل المعدوماتِ أشياءَ ثابتةً -عُلويَّها وسفْليَّها- قبلَ وجودِها، فهي عنده ثابتةٌ في القِدم، لكن ليس لها وجود، ثم أفاض الحقُّ عليها من وجوده الذاتي، فقَبِل كلُّ موجودٍ من وجود عينِ الحق بحسب استعداده، فظهر الكون بعينِ وجودِ الحق، فكان الظاهر هو الحق، فعنده: أنه لا وجودَ إلا للحقِّ، ويستحيل عنده أن يكونَ ثَمَّ وجودٌ محدَث، كما يقوله أهل الحق، فإنهم يقولون: "وجودٌ قديم، ووجودٌ حادث"، وهذا عنده، وعند أصحابه: أنه ليس بوجود حادث، وليس ثَم إلاَّ وجودُ الحقِّ الذاتي، وهو الذي فاض على الأعيان والممكنات، وهو من حديث الوجود عينُ الموجداتِ، ومَن شك أنَّ هذا اعتقاده، فليراجع كتابَه "الفصوص" (٢) وغيره، وعنده أنه لمَّا فاض على الأكوانِ عينُ

стр. 813

وجودِ الحق، كان هو الظاهرَ فيها بحكم الموجود، وكانت هي الظاهرَ فيه بحكم الأسماء، فإنها كثيرةٌ متعدِّدة (١)، وعنده أن الكونَ افتَقر إلى الحقِّ بسبب إفاضةِ الموجود، وأن الحقَّ أيضًا افتَقر إلى الكونِ لظهورِ أسمائه، وكلٌّ منهما يَعبدُ الآخر". ° ومِن جوابه: "وقولُه في قوم هود كفرٌ؛ لأن الله تعالى أخبَرَ في القرآن العظيم عن عادٍ: أنهم كَفَروا بربهم، والكفارُ ليسوا على صراطٍ مستقيم، فالقول بأنهم كانوا عليه، مكذِّبٌ لصريحِ القرآن، ويأثمُ مَن سمَعه، ولم ينكِرْه إذا كان مكلَّفًا، وإنْ رَضِيَ به كَفر". * ومنهم أبو حيَّان الأندلسي: الإِمام أبو حيانَ محمدُ بنُ يوسفَ الأندلسي (٢)، ذكر ذلك في تفسير سورة المائدة عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة: ١٧] الآية في أوئلها: "ومِن بعضِ اعتقادِ النصارى استَنْبَطَ مَن أقرَّ (٣) بالإِسلام ظاهرًا، وانتمى إلى الصوفية: حلولَ الله في الصورِ الجميلة، ومَن ذهب مِن ملاحِدَتهم إلى القولِ بالاتِّحاد والوحدة: كالحلاَّج

стр. 814

والشْعوذي وابن أحلى وابن عربيٍّ المقيم بدمشق، وابنِ الفارض، وأتباعِ هؤلاء كابن سبعين، والتُّستري تلميذِه، وابن مطرف المقيم بمرسية، والصَّفَّار المقتول بغرناطة، وابنِ اللبَّاج، وأبو الحسن المقيم كان بلورقة، ومَن رأيناه يَرمي بهذا المذهب الملعون: العفيفُ التِّلمساني، وله في ذلك أشعارُ كثيرة، وابنُ عياش المالقي الأسودُ الأقطعُ المقيم كان بدمشق، وعبدُ الواحد بنُ المؤخَّر المقيم كان بصعيد مصر، والأيكي العَجَمي الذي كان تولَّى المشيخة بخانقاه سعيدِ السعداء بالقاهرة من ديارِ مصر، وأبو يعقوب بن مبشِّر تلميذُ التسْتَري المقيم كان بحارة زويلة، والشريف عبدُ العزيز المنوفي، وتلميذُه عبدُ الغفار القُوصي. وإنما سَردتُ هؤلاء نُصحًا لدين الله، يَعلمُ الله ذلك، وشَفقةً على ضُعفاء المسلمين، وليحذروا، فهم شرٌّ من الفلاسفة الذين يُكذبون اللَّهَ ورُسُلَه، ويقولون بقِدَم العالَم ويُنكرون البعث، وقد أولع جَهَلةٌ ممن يَنتمي إلى التصوُّفِ بتعظيم هؤلاء، وادِّعائهم أنهم صَفوةُ الله وأولياؤه، والردُّ على النصارى، والحلوليةِ والقائلين بالوحدة هو من علمِ أصول الدين" (١). * ومنهم شيخُ الإِسلام تقيُّ الدين السُّبكي: ° قال العلاَّمة قاضي القضاة شيخُ الإِسلام تقيُّ الدين عليُّ بنُ عبدِ الكافي السُّبكي الشافعي: "ومَن كان مِن هؤلاءِ الصوفيةِ المتأخِّرين كابنِ عربيٍّ وغيره، فهم ضُلاَّلٌ جُهَّال، خارِجون عن طريقةِ الإسلام، فضلاً عن العلماء".

стр. 815

قال ذلك في "باب الوصية" من "شرح المنهاج"، ونَقَله الكمالُ الدُّمَيْري، والتقيُّ الحصني. ° وقال الحافظ تقيُّ الدين الفاسي في كتابه فيه: "وقد أحرقتُ كتبَ ابنِ عربي غيرَ مرَّةٍ". ° ومنهم العلاَّمة القاضي شَرف الدين عيسى بنُ مسعود الزواوي (١) المالكي شارح "صحيح مسلم"، فقال (٢): "وأما ما تضمَّنه هذا التصنيفُ من الهذيان، والكفرِ والبهتان، فهو كلُّه تلبيسٌ وضَلال، وتحريفٌ وتبديل، فمن صَدَّق بذلك واعتقد صحَّته كان كافرًا ملحدًا، صادًّا عن سبيل الله، مخالفًا لسُنَّةِ رسولِ الله ﷺ ، مُلحدًا في آيات الله، مُبَدِّلا لكلماته، فإنْ أظهَرَ ذلك، وناظَرَ عليه، كان كافرًا يستتاب، فإن تاب، وإلاَّ قتِل، وإن أَخفى ذلك، وأسرَّه كان زنديقًا، فيُقتل متى ظَهَر عليه، ولا تُقبل توبته إن تاب؛ لأن توبتَه لا تُعرف، فقد كان قَبلَ أن يظهرَ عليه يقولُ بخلافِ ما يُبطِن، فعلم بالظهور عليه خُبثُ باطنِه، وهؤلاء قومٌ يسمَّون "الباطنية"، لَم يزالوا من قديم الزمان ضُلاَّلاً في الأمة، معروفِين بالخروج من الملَّة، يُقتلون متى ظَهَر عليهم، ويُنفَون من الأرض، وعادتُهم التَّمَصْلح والتديُّن، وادعاءُ التحقيق، وهم على أسوإ طريق، فالحذر كلَّ الحذرِ منهم، فإنهم أعداءُ الله، وشرٌّ من اليهود والنصارى؛ لأنهم قومٌ لا دينَ لهم يتَّبِعونه، ولا ربَّ

стр. 816

يَعبدونه، وواجبٌ على كلِّ مَن ظَهَر على أحدٍ منهم أن ينهِيَ أمرَه إلى ولاة المسلمين، ليحكموا فيه بحكمِ الله تعالى، ويجب على مَن وَليَ الأمر إذا سَمع بهذا التصنيف البحث عنه، وجَمْعُ نُسَخِه حيثُ وَجَدها وإحراقها، وأدَّب مَن اتُّهم بهذا المذهب، أو تسبب إليه، أو عُرف به، على قَدْرِ قُوَّةِ التهمةِ عليه؛ حتى يعرفَه الناسُ ويَحذروه". ° ومنهم الشيخ الإمامُ المحقِّق الزاهدُ القدوةُ العارفُ نور الدين عليُّ ابنُ يعقوب البكري الشافعي، قال: "وأما تصنيفٌ تُذكر فيه هذه الأقوال، ويكون المراد بها ظاهرُها، فصاحبُها ألعَنُ وأقبحُ مِن أن يُتَأَوَّل له ذلك، بل هو كاذبٌ فاجر، كافرٌ في القول والاعتقاد، ظاهرًا وباطنًا، وإن كان قائلُها لَم يُرِد ظاهرها، فهو كافرٌ بقوله، ضالٌّ بجهله، ولا يُعذَرُ في تأويلِه لتلك الألفاظ إلاَّ أن يكون جاهلاً بالأحكام جَهلاً تامًّا عامًّا ولا يُعْذَرُ في جهلِه لمعصيته، لعدمِ مراجعةِ العلماءِ والتصانيفِ على الوجهِ الواجبِ من المعرفةِ في حق مَن يخوضُ في أمرِ الرُّسُل ومُتَّبعيهم، أعني معرفةَ الأدبِ في التعبيرات، على أنَّ في هذه الألفاظِ ما يتعذَّر، أو يتعسَّرُ تأويله، بل كلُّها كذلك، وبتقديرِ التأويل على وجهٍ يصحُّ في المراد، فهو كافرٌ بإطلاقِ اللفظ على الوجهِ الذي شرحناه .. وأما دلائلُ ذلك، فهي مذكورةٌ في تصانيفِ العلماء، وفيما ألَّفتُه أيضًا في بعض المسائل، وليست هذه الورقةُ مما تَسَعُ الكلام على أقوال هذا المصنَّف (١) لفظةً لفظة".

стр. 817

* ابن هشام النحوي: ° ومنهم العلاَّمة جمالُ الدين عبد الله بن يوسف بن هشام (١) صاحبُ "المغني" وغيره من المصنفات البديعة، وكَتَب على نُسخةٍ من كتاب "الفصوص": هذا الذي بضلالِهِ … ضلَّت أوائلُ معْ أواخرْ مَن ظنَّ فيه غيرَ ذا … فلينأ عني، فهو كافرْ هذا كتاب فصوص الظُّلَم، ونَقِيضُ الحِكَم، وضلالُ الأمم، كتابٌ يَعجزُ الذمُّ عن وصفِه، قد اكتنفه الباطلُ من بين يديه ومن خَلفه، لقد ضَل مؤلِّفُه ضلالاً بعيدًا، وخَسِر خُسرانًا مبينًا؛ لأنه مُخالف لِمَا أرسل الله به رُسُلَه، وأنزل به كُتُبَه، وفَطَر عليه خَليقتَه" اهـ. * ابنُ خلدون: ° ومنهم العلاَّمة قاضي القضاة أبو زيد عبدُ الرحمن بنُ خلدون (٢)، حيث قال: "إنَّ طريقَ المتصوفةِ منحصرٌ في طريقتيْن: الأولى: وهي طريقة السنة، طريقة سَلَفِهم الجاريةُ على الكتاب والسنة (٣)، والاقتداءِ بالسَّلف الصالح من الصحابة والتابعين.

стр. 818

والطريقة الثانية: وهي مَشُوبةٌ بالبدع، وهي طريقةُ قومٍ من المتأخِّرين، يجعلون الطريقةَ الأولى وسيلةً إلى كشفِ حِجابِ الحِسِّ؛ لأنها من نتائجها. ومن هؤلاء المتصوِّفة: ابن عربي، وابن سبعين، وابن بَرْجان وأتباعُهم ممَّن سَلَك سبيلهم، ودانَ بنِحلتِهم، ولهم تواليفُ كثيرة يتداولونها مشحونة بصريح الكفر ومستهجَنِ البدع، وتأويل الظاهر لذلك على أبعدِ الوجوه، وأقبحها مما يَستغربُ الناظرُ فيها من نِسبتها إلى المِلَّة، أوْ عَدِّها في الشرِيعة، وليس ثناءُ أحد على هؤلاء حُجَّة، ولو بَلَغ المُثنِي ما عَسَى أن يَبلغَ من الفضلِ؛ لأن الكتاب والسُّنَّة أبلغُ فضلاً أو شهادةً من كل أحد. وأما حُكم هذه الكتب المتضمِّنة لتلك العقائد المُضِلَّة، وما يوجَدُ من نسخها بأيدي الناس مثل "الفصوص" و"الفتوحات المكية" لابن عربي و"البد" لابن سبعين، و"خلع النَّعْلَيْن" لابن قسي، و"عين الرجاء" لابن برجان، وما أجدر الكثير من شعر ابن الفارض، والعفيف التلمساني، وأمثالهما أن يُلحَقَ بهذه الكتب، وكذا شرحُ ابن الفرغاني للقصيدة "التائية" من نَظْم ابنِ الفارض، فالحكمُ في هذه الكتب وأمثالِها إذهابُ أعيانها متى وُجِدَت بالتحريق بالنار، والغسلِ بالماء، حتى يمنحيَ أثرُ الكتاب؛ لِمَا في ذلك من المصلحةِ العامَّةِ في الدين بمَحْوِ العقائد المُختَلَقه، فيتعينُ على وليِّ الأمر إحراقُ هذه الكتبِ دَفْعًا للمَفْسَدةِ العامةِ، ويتعيَّنُ على مَن كانت عنده

стр. 819

التمكينُ منها للإِحراق" (١). * عزُّ الدين بنُ عبد السلام: ° قال شيخُ الإسلام عمادُ الدين إسماعيلُ بن كثير من لفظه غيرَ مرة: "حدَّثني شيخ الإسلام العلاَّمة قاضي القضاة تقيُّ الدين أبو الحسن عليُّ بنُ عبدِ الكافي السُّبكي، حَدَّثنا الشيخ العلامة شيخُ الشيوخ قاضي القضاة تقي الدين أبو الفتح محمدُ بنُ عليٍّ القُشيريُّ المعروف بابن دقيق العيد القائل في آخِرِ عمره: لي أربعون سنةً ما تكلَّمت بكلمةٍ إلاَّ أعددتُ لها جوابًا بين يدي الله تعالى، قال: سألت شيخَنا سلطانَ العلماء عزَّ الدين أبا مُحمدٍ عبدَ العزيز بنَ عبدِ السلام الدمشقيَّ عن ابن عربي، فقال: شيخُ سَوءٍ كذَّاب، يقولُ بقِدَم العالَم، ولا يحرِّم فرجًا". ° وقال ابنُ تيمية في جوابِ السيف السعودي: "فكفَّره الفقيه أبو محمدٍ بذلك، ولَم يكن بَعْد ظَهَرَ من قوله: إنَّ العالَم هو الله، والعالَمَ صورةُ الله، وهوية الله". * شيخُ الإِسلام ابنُ تيميَّة يَكشِفُ عَوَارَ ابنِ عربيٍّ ومَن تابَعَه مِن أهلِ وِحدة الوجود: ° سئِل ابن تيمية ﵀: "ما تقول السادة العلماء أئمةُ الدين وهداةُ المسلمين، في كتابٍ بين أظهرِ الناس، زَعَم مُصنفْه أنه وَضَعه وأخرجه للناس بإذن النبيِّ ﷺ في مْنامٍ زَعَم أنه رآه، وأكثَر كتابِه ضدٌّ لمَا أنزله الله مِن كتبه المنزلة، وعكسٌ وضدٌّ عن أقوالِ أنبيائه المرسَلة، فمما قال

стр. 820

فيه: "إن آدم ﵇ إنما سمِّي "إنسانًا" لأنه للحقِّ تعالى بمنزلةِ إنسانِ العينِ من العين، الذي يكون به النظر" .. وقال في موضع آخر: "إنَّ الحق المنزَّه هو الخلْقُ المُشبَّه" .. وقال في قوم نوح ﵇: "إنهم لو تركوا عبادتَهم لودٍّ، وسواعٍ، ويَغوثَ، ويَعوقَ، ونَسرٍ: لَجَهِلوا من الحقِّ بقَدْرِ ما تركوا من هؤلاء"، ثم قال: "فإن للحقِّ في كلِّ معبودٍ وجهًا، يعرفُه مَن عَرَفه، ويَجهلُه مَن جَهِله، فالعالِم يعلم مَن عَبَد، وفي أيِّ صورةٍ ظَهَر حتى [عُبد]، وإن التفريق والكثرة: كالأعضاء في الصورة المحسوسة". ثم قال في قوم هود ﵇: "بأنهم حَصَلوا في عينِ القُرب، فزالَ البعد فزال مسمَّى "جهنم" في حقِّهم، ففازوا بنعيم القُرب من جهةِ الاستحقاقِ مما أعطاهم هذا المَقامُ الذوقيُّ اللذيذ من جِهةِ المِنَّة، فإنما أخذوه بما استحقَّته حقائقُهم من أعمالِهم التي كانوا عليها، وكانوا على صراطِ الربِّ المستقيم". ثُم إنه أنكر فيه حكمَ الوعيد، في حقِّ كلِّ مَن حقَّت [عليه] كلمةُ العذاب من سائر العبيد، فهل يَكفر مَن يُصِّدقُه في ذلك أم لا، أو يَرضى به منه أمْ لا؟ وهل يأثمُ سامِعُه إذا كان عاقلاً بالغًا ولم يُنكِرْه بلسانِه أو قلبه أم لا؟. أفتونا بالوضوح والبيان، كما أُخذ الميثاق للتبيان، فقد أضرَّ الإهمالُ بالضعفاءِ والجُهَّال، وباللَّه المستعان، وعليه الاتكالُ أن يُعجِّل بالملحدين النَّكال؛ لصلاحِ الحال، وحَسْم مادة الضلال. ° فأجاب: الحمد للَّه، هذه الكلمات المذكورة المنكورة، كلُّ كلمةٍ منها هي من الكفر، الذي لا نِزاعَ فيه بين أهلِ المِلل؛ من المسلمين؛ واليهود

стр. 821

والنصارى؛ فضلاً عن كونِه كفرًا في شريعة الإسلام. فإن قولَ القائل: "إن آدمَ للحقِّ تعالى بمنزلة إنسانِ العَين من العين، الذي يكونُ به النظر": يقتضى أن آدمَ جُزءٌ من الحقِّ تعالى وتقْدَّس، وبعضٌ منه وأنه أفضلُ أجزائِه وأبعاضِه؛ وهذا هو حقيقة مذهب هؤلاء القوم، وهو معروفٌ من أقوالهم. الكلمةُ الثانية: تُوافِقُ ذلك، وهو قوله: "إن الحق المنزَّه، هو الخَلقُ المشبَّه". ولهذا قال في تمام ذلك: "فالأمرُ الخالقُ المخلوق، والأمرُ المخلوقُ الخالق، كلُّ ذلك من عينٍ واحدة، لا بل هو العينُ الواحدة، وهو العيونُ الكثيرة ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ والولدُ عين أبيه، فما رَأَى يَذبحُ سوى نفسِه ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، فظهر بصورة كبشْ: مَن ظَهَر بصورةِ إنسان وظَهَر بصورةٍ؛ لا بحكم ولدِ مَن هو عينُ الوالد، ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، فما نكح سوى نفسه". وقال في موضع: "وهو الباطنُ عن كلِّ فهم، إلاَّ عن فهم مَن قال: إن العالَم صورتُه وهويته". وقال: "ومن أسمائه الحسنى "العَلِيُّ"، على مَن! وما ثَم إلاَّ هو، وعن ماذا! وما هو إلاَّ هو، فعُلُوُّه لنفسه، وهو من حيثُ الوجودِ عينُ الموجودات، فالمسمى مُحدَثات هي العليَّة لذاتها، وليست إلاَّ هو"، إلى أن قال: "فهو عينُ ما ظَهَر، وهو عينُ ما بَطَن في حالِ ظُهوره، وما ثم مَن يراه غيره، وما ثَم مَن يَنطِقُ عنه سواه، فهو ظاهرٌ لنفسِه باطنٌ عنه -وهو المسمَّى

стр. 822

أبو سعيد الخراز- وغير ذلك من أسماء المُحدَثات". إلى أن قال: "فالعَلِيُّ لنفسه: هو الذي يكونُ له الكمال، الذي يَستغرقُ به جميِعَ الأمور الوجودية، والنِّسبِ العَدَميَّة، سواءٌ كانت محمودةً عُرفًا وعقلاً وشرعًا، أو مذمومةً عُرفًا وعقلاً وشرَعًا، وليس ذلك إلاَّ لمسمَّى الله خاصةً". وقال: "ألَا ترى الحقَّ يظهرُ بصفاتِ المُحدَثات؟ وأَخْبَر بذلك عن نفسه، وبصفات النقص والذمِّ، ألَا ترى المخلوقَ يَظهرُ بصفاتِ الحق؟! فهي مِن أوَّلِها إلى آخِرِها صفاتٌ له، كما هي صفات المحدَثات حقٌّ للحق". وأمثالُ هذا الكلام. فإنَّ صاحبَ هذا الكتاب المذكور الذي هو "فصوص الحكم" وأمثاله مثل صاحبه القونوي، والتلمساني، وابن سبعين، والششتري، وابن الفارض وأتباعهم، مذهبُهم الذي هم عليه: أن الوجودَ واحدٌ، وُيسمَّون "أهل وِحدة الوجود"، ويدَّعون التحقيقَ والعرفان، وهم يجعلون وجودَ الخالق عينَ وجودِ المخلوقات، فكلُّ ما يتَّصفُ به المخلوقاتُ مِن حُسنٍ، وقُبحٍ، ومَدحٍ، وذَمٍّ، إنما المُتَّصِفُ به عندَهم: عينُ الخالق، وليس للخالق عندهم وجودٌ مبايِنٌ لوجودِ المخلوقات منفصِلٌ عنها أصلاً؛ بل عندهم ما ثَمَّ غيرُ أصلاً للخالق، ولا سواه. ومِن كلماتهم: "ليس إلا الله" .. فعبَّادُ الأصنام لَم يعبُدوا غيرَه عندهم؛ لأنه ما عندهم له غيرٌ؛ ولهذا جعلوا قولَه تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإِسراء: ٢٣] بمعنى "قَدَّرَ ربُّك أنْ لا تعبدوا إلاَّ إياه"، إذ ليس عندهم غيرٌ له تتصوَّر عبادتُه، فكلُّ عابدِ صنمٍ إنما عَبَدَ الله. ولهذا جَعل صاحب هذا الكتاب: عُبَّادَ العِجل مُصيبين، وذَكر أن

стр. 823

موسى أنكر على هارونَ إنكارَه عليهم عبادةَ العجل، وقال: "كان موسى أعلمَ بالأمرِ من هارون؛ لأنه عَلِمَ ما عَبَدَه أصحابُ العجل؛ لِعِلمه بأن الله قد قَضَى أنْ لا يعبدوا إلاَّ إياه، وما حَكَم الله بشيءٍ إلا وَقَع؛ فكان عَتبُ موسى أخاه هارون، لِمَا وَقَع الأمر في إنكاره وعدمِ اتِّباعه، فإن العارفَ مَن يرى الحقَّ في كلِّ شيء، بل يراه عينَ كلِّ شيء". ولِهذا يجعلون فرعونَ من كبارِ العارفين المحقِّقين، وأنه كان مُصيبًا في دعواه الربوبية، كما قال في هذا الكتاب: "ولَمَّا كان فرعونُ في مَنصِبِ التحكُّم صاحبَ الوقت، وأنه جارٍ في العُرفِ الناموسيِّ لذلك، قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] أي: وإنْ كان الكلُّ أربابًا بنسبةٍ ما: فأنا الأعلى منهم؛ بما أُعطِيته في الظاهر مِن الحكم فيهم .. ولَمَّا عَلِمتِ السحرة صِدقَ فرعون فيما قاله: لَم يُنكروه، بل أقرُّوا له بذلك وقالوا له: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢]، فالدولةُ لك، فصحَّ قولُ فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وأنه كان عينَ الحق"!!. ويكفيك معرفةَ بكفرهم: أنَّ مِن أخفِّ أقوالِهم: "إنَّ فرعونَ مات مؤمنًا؛ بريًّا من الذنوب"، كما قال: "وكان موسى قُرَّة عَينٍ لفرعون بالإيمان، الذي أعطاه الله عند الغَرَق، فَقَبضه طاهرًا مطهَّرًا، ليس فيه شيءٌ من الخبث؛ لأنه قَبَضه عند إيمانه قبلَ أن يكتسبَ شيئًا من الآثام، والإسلامُ يَجُبُّ ما قَبْله". وقد عُلم بالاضطرار من دينِ أهل المِلل -المسلمين، واليهود، والنصارى-: أن فرعونَ من أكفرِ الخَلقِ بالله؛ بل لَم يَقصَّ الله في القرآنِ قِصَّةَ كافرٍ باسمه الخاصِّ، أعظمَ من قصةِ فرعون، ولا ذَكَر عن أحدٍ من

стр. 824

الكفار مِن كُفرِه، وطُغيانه وعُلوِّه: أعظمَ مما ذَكر عن فرعون. وأخَبَر عنه وعن قومهِ أنهم يدخُلون أشدَّ العذاب، فإن لفظَ "آل فرعون" كلفظ "آل إبراهيم"، و"آل لوط"، و"آل داود"، و"آل أبي أوفى"، يدخلُ فيها المضافُ باتِّفاقِ الناس، فإذا جاؤوا إلى أعظم عدوٍّ لله من الإنس، أو مَن هو مِن أعظم أعدائه: فجعلوه مصيبًا، محقًّا فيما كفَّره به الله: عُلم أن ما قالوه أعظمُ من كفرِ اليهود والنصارى، فكيف بسائر مقالاتهم؟. وقد اتَفق سَلَفُ الأمةِ وأئمَّتها: على أن الخالقَ تعالى بائنٌ من مخلوقاته، ليس في ذاتِه شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيءٌ من ذاته. والسلفُ والأئمةُ كَفَّروا الجهميَّة لَمَّا قالوا: "إنه في كل مكان"، وكان مما أنكروه عليهم: أنه كيف يكونُ في البطون، والحشوشِ، والأخلِية؟ تعالى الله عن ذلك .. فكيف بمن يَجعلُه نَفْسَ وجودِ البطونِ، والحشوش، والأخلية، والنجاسات، والأقذار؟!. وكان عبدُ الله بنُ المبارك يقول: "إنا لَنحكِي كلامَ اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكيَ كلامَ الجهميَّة"، وهؤلاء شرٌّ مِن أولئك الجهمية؛ فإن أولئك كان غايتهم القول بأن الله في كلِّ مكان، وهؤلاء قولهم: إنه وجودُ كلِّ مكان، ما عندهم موجْودانِ؛ أحدهما حالٌّ والآخر مَحِل. ولهذا قالوا: "إن آدمَ من الله بمنزلةِ إنسانِ العَينِ من العين"، وقد عَلم المسلمون، واليهودُ، والنصارى، بالاضطرار من دينِ المرسلين: أن مَن قال عنْ أحدٍ من البشر: "إنه جزءٌ من الله"، فإنه كافرٌ في جميعِ الملل، إذ

стр. 825

النصارى لَم تَقُل هذا -وإن كان قولُها مِن أعظم الكفر- لَم يقُلْ أحدٌ: إن عينَ المخلوقاتِ هي جزءُ الخالق، ولا أن الخالقَ هو المخلوق، ولا الحقُّ المنزَّهُ هو الخَلقُ المشبَّه. وكذلك قولُه: "إن المشركين لو تَركوا عبادةَ الأصنام لجهلوا من الحق بقَدر ما تركوا منها": هو من الكفرِ المعلوم بالاضطرار من جَميع المِلل، فإنَّ أهلَ المِلل متَّفِقون على أن الرسلَ جميعَهم نَهَوا عن عبادةِ الأصنام، وكفَّروا مَن يفعلُ ذلك، وأن المؤمنَ لا يكونُ مؤمنًا حتى يتبرَّأ من عبادةِ الأصنام، وكلّ مبعودٍ سوى الله، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. وقال الخليلُ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]. وقال الخليل: ﴿لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧]. وقال الخليل- وهو إمامُ الحنفاءِ الذي جَعل الله في ذرِّيتَّه النبوةَ والكتاب، واتَّفق أهلُ المِلل على تعظيمه لقوله: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٨ - ٧٩]. وهذا أكثرُ وأظهرُ عند أهل الملل من اليهود والنصارى -فضلاً عن

стр. 826

المسلمين- مِن أن يَحتاجَ أن يستشهدَ عليه بنصٍّ خاصٍّ، فمن قال: إن عبَّادَ الأصنام لو تركوهم لَجَهِلوا من الحقِّ بقَدْرِ ما تركوا من هؤلاء، فهو أكفرُ من اليهود والنصارى، ومَن لَم يكفِّرْهم فهو أكفرُ من اليهود والنصارى، فإن اليهودَ والنصارى يكفِّرون عبَّادَ الأصنام، فكيف مَن يَجعل تارك عبادةِ الأصنام جاهلاً من الحق بقَدْرِ ما تَرَك منها؟ مع قوله: "فإن العالِمَ يَعلمُ مَن عَبَد، وفي أيِّ صورةٍ ظَهَر حتى عَبد، وإن التفريق والكثرة كالأعضاءِ في الصورة المحسوسة، وكالقوى المعنوية في الصورة الرُّوحانية، فما عُبد غير الله في كلِّ معبود"، بل هو أعظمُ من كفرِ عبَّاد الأصنام، فإن أولئك اتَّخذوهم شفعاءَ ووسائطَ، كما قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٢]. * وقال الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣]. * وكانوا مقرِّين بأن الله خالقُ السماوات والأرض، وخالقُ الأصنام، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]. * وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]. ° قال ابن عباس ﵄: "تسألهم: مَن خَلَق السماواتِ والأرضَ؟ فيقولون: الله .. ثم يعبدون غيره"، وكانوا يقولون في تلبيتهم: "لبيك لا شريكَ لك، إلاَّ شريكٌ هو لك، تَملِكُه وما مَلَك"، ولهذا قال تعالى:

стр. 827

﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]. وهؤلاء أعظمُ كفرًا، مِن جهةِ أن هؤلاءِ جَعلوا عابدَ الأصنام عابدًا للَّه لا عابدًا لغيره، وأنَّ الأصنامَ من الله، بمنزلةِ أعضاءِ الإنسان من الإنسان، وبمنزلةِ قُوى النفسِ من النفس، وعُبَّادُ الأصنام اعترفوا بأنهم غيرُه، وأنها مخلوقة، ومِن جهةِ أن عبَّادَ الأصنامِ من العرب كانوا مُقرِّين بأن للسماوات والأرض ربًّا غيرَهما خَلَقَهما، وهؤلاء ليس عندهم للسماوات والأرض -وسائر المخلوقاتِ- ربٌّ مُغايِرٌ للسماوات والأرض وسائرِ المخلوقات، بل المخلوق هو الخالق!. ولهذا جَعل قومَ عاد -وغيرَهم من الكفار- على صراطٍ مستقيم، وجَعَلهم في عَينِ القرب، وجَعَل أهلَ النار يتمتَّعون في النار، كما يتمتَّعُ أهلُ الجنةِ في الجنة. وقد عُلم بالاضطرار مِن دِينِ الإسلام: أن قومَ عادٍ وثمودَ وفرعونَ وقومَه -وسائرَ مَن قَصَّ الله قصَّته من الكفار- أعداءُ الله، وأنهم معذَّبون في الآخرة، وأن الله لَعَنهم وغَضِبَ عليهم، فمن أثنى عليهم وجَعَلهم من المقربين ومن أهل النعيم: فهو أكفرُ من اليهودِ والنصارى، مِن هذا الوجه. وهذه الفتوى لا تَحتملُ بَسْطَ كلام هؤلاء وبيانَ كُفرِهم وإلحادهم، فإنهم من جِنسِ القرامطة الباطنية والإسماعيلية، الذين كانوا أكفَرَ من اليهود والنصارى، وإن قولهم يتضمَّنُ الكفْرَ بجميعِ الكتب والرسل، كما قال الشيخ إبراهيمُ الجعبري، لَما اجتَمَع بابن عربي -صاحبِ هذا الكتاب- فقال: "رأيته شيخًّا نجسًا، يُكذِّبُ بكلِّ كتابٍ أنزله الله، وبكلِّ نبيٍّ

стр. 828

أرسَلَه الله". وقال الفقيه أبو محمد بن عبد السلام -لَما قَدِمَ القاهرة وسألوه عنه- قال: "هو شُيخُ سَوءٍ كذابٌ مقبوح، يقول بقِدَم العالَم، ولا يحرِّم فَرجًا". فقوله: "يقول بقِدَم العالَم"؛ لأن هذا قوله، وهذا كفرٌ معروف، فكَفَّره الفقيه أبو محمد بذلك، ولم يكن بعد ظَهَر مِن قوله: "إن العالَم هو الله، وإنَّ العالَم صورةُ اللَّهِ وهويَّة الله"، فإن هذا أعظم من كفرِ القائلين بقِدَم العالم، الذين يُثبِتون واجبَ الموجود، ويقولون: "إنه صَدَر عنه الوجود المُمكن". ° وقال عنه مَن عايَنه من الشيوخ: "إنه كان كذَّابًا مفترِيًا"، وفي كتبه -مثل "الفتوحات المكية" وأمثالها- من الأكاذيب ما لا يَخفى على لبيب، هذا وهو أقرب إلى الإسلام من ابنِ سَبعين، ومن القونوي، والتلمساني، وأمثالِه من أتباعه، فإذا كان الأقربُ بهذا الكفر -الذي هو أعظم من كفرِ اليهود والنصارى-، فكيف بالذين هم أبعد عن الإسلام؟ ولَم أَصِفْ عُشْرَ ما يذكرونه من الكفر. ولكن هؤلاء التَبَس أمرهم على مَن لَم يَعرِفْ حالَهم، كما التبس أمرُ القرامطةِ الباطنيةِ لَمَّا ادَعَوا أنهم فاطِميُّون، وانتَسبوا إلى التشيُّع، فصار المتَّبِعون مائلين إليهم، غيرَ عالمِين بباطنِ كُفرهم. ولهذا كان مَن مال إليهم أحدَ رجلين: إما زنديقًا منافقًا، وإما جاهلاً ضالاًّ. وهكذا هؤلاء الاتِّحادية: فرؤوسهم هم أئمة كُفرٍ يَجبُ قَتلهم، ولا

стр. 829

تُقبلُ توبةُ أحدٍ منهم -إذا أُخذ قَبل التوبة-، فإنه من أعظمِ الزنادقة الذين يُظهِرون الإِسلام، ويُبطِنون أعظمَ الكفر، وهم الذين يَفْهَمون قولَهم، ومُخالفتهم لدينِ المسلمين، ويجبُ عقوبةُ كلِّ مَن انتسَبَ إليهم، أو ذَبَّ عنهم، أو أثنى عليهم، أو عَظَّم كُتبَهم، أو عُرِف بمساعدتِهم ومعاونتهم، أو كَرِهَ الكلامَ فيهم، أو أَخَذ يعتذر لهم بأن "هذا الكلامَ لا يُدرَى ما هو؟ " أو: "من قال: إنه صنَّف هذا الكتاب؟ "، وأمثالُ هذه المعاذير، التي لا يقولُها إلاَّ جاهل، أو منافق، بل تجبُ عقوبةُ كلِّ مَن عَرَف حالَهم، ولَم يعاونْ على القيام عليهم، فإن القيامَ على هؤلاءِ من أعظمِ الواجبات؛ لأنهم أفسَدوا العقولَ والأديان على خَلْقٍ من المشايخِ والعلماء، والملوك والأمراء، وهم يَسْعَون في الأرض فسادًا، ويصدُّون عن سبيل الله. فضررُهم في الدين أعظمُ من ضَررِ من يُفسِدُ على المسلمين دنياهم، ويتركُ دِينَهم كقُطَّاعِ الطريق، وكالتتارِ الذين يأخذون منهم الأموال، ويُبقُون لهم دينهم، ولا يستهينُ بهم مَن لَم يعرفهم، فضلالُهم وإضلالُهم أعظمُ مِن أن يوصَف، وهم أشبهُ الناس بالقرامطة الباطنية. ولهذا هم يريدون دولةَ التتار، ويختارون انتصارَهم على المسلمين، إلاَّ مَن كان عامِّيًّا مِن شِيَعهِم وأتباعهم؛ فإنه لا يكونُ عارفًا بحقيقةِ أمرهم. ولهذا يقرُّون اليهود والنصارى على ما هم عليه، ويَجعلونهم على حق، كما يَجعلون عُبَّادَ الأصنام على حقٍّ، وكل واحدةٍ من هذه مِن أعظمِ الكفر، ومَن كان مُحسِنًا للظن بهم -وادَّعى أنه لَم يعرِفْ حالَهم- عُرِّف حالَهم، فإنْ لم يبايِنهم ويظهِر لهم الإِنكار، وإلاَّ أُلْحِقَ بهم وجُعل منهم. وأمَّا من قال: "لكلامهم تأويلٌ يوافقُ الشريعة"؛ فإنه من رؤوسهم

стр. 830

وأئمتهم؛ فإنه إن كان ذكيًّا فإنه يَعرِف كَذِبَ نفسِه فيما قاله، وإن كان معتقِدًا لهذا باطنًا وظاهرًا فهو أكفرُ من النصارى، فمن لم يكفِّرْ هؤلاء، وجَعل لكلامهم تأويلاً كان عن تكفيرِ النصارى بالتثليث والاتحاد أبعدَ .. والله أعلم" (١). ° ومذهب ابنِ عربيٍّ له أصلان: أولهما: أن المعدومَ شيءٌ ثابتٌ في العدم. الثاني: أن وجودَ الأعيانِ نفس وجودِ الحقِّ. * بعضُ ألفاظ ابن عربيٍّ التي تُبيِّنُ مذهبَه الذي قد لا يَفهمُه أكثرُ الناس: ° قال في "فصِّ يوسف" -بعد أن جَعل العالَم بالنسبة إلى الله كظِلِّ الشخص، وتناقَضَ في التشبيه-: "فكلُّ ما تُدرِكه فهو وجودُ الحقِّ في أعيانِ الممكِنات، فمن حيث هُوِيةِ الحقِّ هو وجوده، ومِن حيث اختلافِ الصُّور فيه هو أعيانُ الممكنات، فكما لا يزول عنه باختلافِ الصور اسم "الظل"، كذلك لا يَزول عنه باختلافِ الصور اسم "العالَم" أو اسم "سوى الحق"، فمن حيث أَحَدِيَّةِ كونِه ظلاًّ هو الحقُّ؛ لأنه الواحد الأحد، ومِن حيث كثرةِ الصُّور هو العالَم، فتفطَّن وتحققْ ما أوضحناه لك. وإذا كان الأمرُ على ما ذكرتُه لك: فالعالَم متوَّهمٌ ما له وجودٌ حقيقي، وهذا معنى الخيال أي: خُيِّل لك أنه أمرٌ زائدٌ قائم بنفسه، خارجٌ عن الوجود الحق، وليس كذلك في نفسِ الأمر؛ ألَا تراه في الحسِّ متَّصلاً بالشخص الذي امتدَّ عنه، يستحيل عليه الانفكاكُ عن ذلك الاتصال؛ لأنه

стр. 831

يستحيلُ على الشيءِ الانفكاكُ عن ذاته، فاعرِفْ عَيْنَك ومَن أنت وما هُويتك؟ وما نسبتك إلى الحق، وبما أنت حقٌّ، وبما أنت عالَم، وسوى، وغيرٌ؟ وما شاكَلَ هذه الألفاظ". ° وقال في أول "الفصوص" -بعد "فص: حكمة إلهية في كلمة آدمية"، وفص: حكمة نفسية، في كلمة شَيثية"-: "وقد قُسم العطاءُ بأمرِ الله، وإنما يكون عن سؤال وعن غير سؤال -وذَكَر القِسمَ الذي لا يُسأل-؛ لأن شيثًا هو هِبةُ الله". ° إلى أن قال: "ومِن هؤلاء مَن يَعلمُ أن عِلمَ الله به في جميعِ أحوله: هو ما كان عليه في حالِ ثُبوتِ عينهِ قبل وجودِها، ويَعلمُ أن الحقَّ لا يُعطيه إلاَّ ما أعطاه عينَه من العِلم به، وهو ما كان عليه في حال ثبوته، فيَعلمُ عِلمَ الله به مِن أين حصل، وما ثَمَّ صِنفٌ من أهل الله أعلى وأكشفُ من هذا الصِّنف، فهم الواقفون على سِرِّ القدر، وهم على قسمين: منهم مَن يعلم ذلك مجمَلاً، ومنهم مَن يعلم ذلك مفصَّلاً. والذي يعلمُه مفصَلاً أعلى وأتمُّ من الذي يَعلمُه مُجمَلاً، فإنه يَعلمُ ما تَعيَّن في علم الله فيه، إمَّا بإعلام الله إياه بما أعطاه عَينَه من العلم به، وإما بأن يَكشفَ له عن عينهِ الثابتة، وعن انتقالاتِ الأحوالِ عليها إلى ما لا يتناهى، وهو أعلى، فإنه يكونُ في عِلمه بنفسه بمنزلةِ عِلم الله به؛ لأنَّ الأخذَ من معدِن واحد، إلا أنه من جِهةِ العبدِ عنايةٌ من الله سبَقَتْ له، هي من جملةِ أحوالِ عَينه، يعرفها صاحبُ هذا الكشف إذا أَطْلَعَه اللهُ على ذلك -أي على أحوال عَينه-، فإنه ليس في وُسعِ المخلوق إذا أطْلَعَه الله على أحوالِ عينه الثابتة -التي تقع صورةُ الوجودِ عليها- أن يَطَّلعَ في هذه الحال

стр. 832

على اطِّلاع الحقِّ على هذه الأعيانِ الثابتة في حال عَدَمِها؛ لأنها نِسَبٌ ذاتية لا صورةَ لها. فبهذا القَدْر نقول: إن العناية الإلهيةَ سَبَقت لهذا العبدِ بهذه المساواة في إفادتها العلم، ومن هنا يقول الله: "حتى نعلم" وهي كلمة محققةُ المعنى، ما هي كما يَتوهَّمُ مَن ليس له هذا المَشْرَب، وغايةُ المُنزِّه أن يجعلَ ذلك الحدوثَ في العلم للتعلُّق، وهو أعلى وجهٍ يكونُ للمتكلِّم يعقِلُه في هذه المسألة، لولا أنه أَثبت العلم زائدًا على الذات، فجَعل التعلُّقَ له لا للذات، وبهذا انفصل عن المحقِّقِ من أهل الله صاحبُ الكشف والشهود. ثم نرجعُ إلى الأُعطيات فنقول: إن الأُعطيات إما ذاتية أو أسمائية، فأما المنَحُ والهِبات، والعطايا الذاتية، فلا تكونُ أبدًا إلاَّ عن تَجَلٍّ إلهيٍّ، والتجلِّي من الذات لا يكونُ أبدًا إلاَّ لصورةِ استعدادِ العبدِ المتجلَّى له، وغير ذلك لا يكون، فإذن المتجلَّى له ما رأى سِوى صورتِه في مِرآةِ الحق، وما رأى الحق، ولا يمكن أن يَراه مع عِلمِه أنه ما رأى صورتَه إلاَّ فيه، كالمِرآة في الشاهد، إذا رأيتَ الصورَ فيها لا تراها مع عِلمِك أنك ما رأيتَ الصورَ أو صورتَك إلا فيها. فأبرَزَ اللهُ ذلك مثالاً نَصَبه لتجلِّيه الذاتي، لِيعلم المتجلَّى له أنه ما رآه، وما ثَمَّ مثالٌ أقربُ ولا أشبه بالرؤية والتجلِّي من هذا، واجهَدْ في نفسِك عندما ترى الصورةَ في المرآة أن ترى جِرمَ المِرآة، لا تراه أبدًا البتةِ، حتى إن بعض مَن أدرك مثل هذا في صورةِ المرئي: ذَهَب إلى أن الصورة المرئيةَ بين بصر الرائي وبين المرآة، هذا أعظم ما قَدَر عليه مْن العلم، والأمر كما قلناه وذهبنا إليه.

стр. 833

وقد بيَّنَّا هذا في "الفتوحاتِ المكيَّة"، وإذا ذُقتَ هذا: ذُقتَ الغايةَ التي ليس فوقَها غايةٌ في حق المخلوق، فلا تطمعْ ولا تُتعِب نفسَك في أنْ تَرْقَى أعلى من هذا الدَّرَج، فما هو ثَمَّ أصلاً، وما بعده إلاَّ العدمُ المَحض، فهو مرآتُك في رؤيتك نفسَك، وأنت مِرآته في رؤيتِه أسماءَه وظهورِ أحكامها، وليست سوى عَينهِ، فاختلَطَ الأمر وانْبَهَم، فمنا مَن جَهِل في عِلمه، فقال: "والعجزُ عن دَرَكِ الإِدراك إدراك"، ومنَّا مَن علم فلم يقل مثلَ هذا القول، وهو أعلى القول، بل أعطاه العلمُ السكوتَ ما أعطاه العجز، وهذا هو أعلى عالِم بالله. وليس هذا العِلمُ إلاَّ لخاتَم الرسل، وخاتَم الأولياء، وما يراه أحدٌ من الأنبياء والرسل إلاَّ من مِشكاةِ الرسول الخاتم، ولا يراهُ أحد من الأولياء إلاَّ من مِشكاة الوليِّ الخاتم، حتى إن الرسلَ لا يَرَونه متى رَأَوْه إلا من مشكاةِ خاتم الأوليَاء، فإن الرسالةَ والنبوة -أعني نبوةَ التشريع ورسالته- ينقطعانِ، والولايةَ لا تنقطع أبدًا. فالمرسَلون من حيثُ كونُهم أولياء: لا يَرَون ما ذكرناه إلا من مشكاةِ خاتم الأولياء، فكيف مَن دونَهم من الأولياء؟ وإن كان خاتَم ُالأولياء تابعًا في الحكم لِمَا جاءَ به خاتمُ الرسل من التشريع، فذلك لا يَقدح في مقامِه، ولا يُناقضُ ما ذَهَبْنا إليه، فإنه مِن وجهٍ يكون أنزَل، كما أنه من وجهٍ يكون أعلى. وقد ظَهَر في ظاهِرِ شرعنا: ما يؤيِّدُ ما ذَهَبْنا إليه في فَضلِ عمر: في أُسارى بدرٍ بالحُكم فيهم، وفي تأبيرِ النخل؛ فما يَلزمُ الكاملَ أن يكونَ له التقدُّمُ في كلِّ شيء وفي كلِّ مرتبة، وإنما نَظَرُ الرجالِ إلى التقدم في مرتبة العلم بالله، هنالك مطلبهم .. وأما حوادثُ الأكوانِ، فلا تَعَلُّقَ لخواطِرِهم

стр. 834

بها، فتحقَّقْ ما ذكرناه. ° ولَمَّا مَثَّل النبيُّ ﷺ النبوةَ بالحائطِ من اللَّبِن وقد كَمُل سِوى موضع لبنةٍ، فكان النبيُّ ﷺ تلك اللبنة، غيرَ أنه ﷺ لا يراها -إلاَّ كما قال- لبنة واحدة. ° وأمَّا خاتمُ الأولياء: فلا بدَّ له من هذه الرؤية، فيَرى ما مَثَّل به رسول الله ﷺ ، فيرى في الحائط موضعَ لبنتين، واللَّبِن من ذَهَبٍ وفضةٍ، فيرى اللبنتين اللتين يَنقص الحائطُ عنهما ويَكمُلُ بهما لَبنةَ ذهبٍ ولبنةَ فضةٍ، فلا بد من أن يَرى نفسَه تنطبعُ في موضع تَينِكَ اللبنتينِ، فيكون خاتمُ الأولياء تَينِكَ اللبنتين، فيَكملُ الحائط. والسببُ الموجِبُ لكونه رآها لَبِنَتَينِ: أنه تابعٌ لشرعِ خاتم الرسل في الظاهر، وهو موضعُ اللبنةِ الفِضةِ وهو ظاهره، وما يَتبعُه فيه من الأحكام كما هو آخِذٌ عن الله تعالى في السرِّ ما هو بالصورة الظاهرة مُتَّبع فيه؛ لأنه رأى الأمرَ على ما هو عليه، فلا بد أن يراه هكذا، وهو موضعُ اللبنةِ الذهبيةِ في الباطن، فإنه آخِذٌ من المعدنِ الذي يأخذُ منه المَلَك، الذي يوحِي به إلى الرسول. فإن فهمتَ ما أشرتُ به، فقد حَصَل لك العلمُ النافع، فكلُّ نبيٍّ مِن لدن آدمَ إلى آخرِ نبيٍّ، ما منهم أحد يأخذْ إلا من مِشكاةِ خاتم النبيين، وإن تأخر وجودُ طِينتِه، فإنه بحقيقته موجود، وهو قوله ﷺ : "كنتُ نبيًّا وآدم بين الماء والطين"، وغيرُه من الأنبياء ما كان نبيًّا إلاَّ حينَ بُعث. وكذلك خاتم الأولياء، كان وليًّا وآدمُ بين الماء والطين، وغيرُه مِن الأولياء ما كان وليًّا إلاَّ بعد تحصيلِه شرائطَ الولاية، مِن الأخلاق الإلهية،

стр. 835

والاتصافِ بها من أجل كَونِ اللَّهِ يسمَّى بالولي الحميد. فخاتم الرسل من حيثُ ولايتِه، نِسبتُه مع الختم للولاية مِثلُ نسبةِ الأنبياء والرسلِ معه، فإنه الوليُّ الرسولُ النبي. ° وخاتمُ الأولياء: الوليُّ الوارث، الآخِذُ عن الأصل المشاهِد للمراتب، وهو حَسنةٌ من حسنات خاتم الرسل محمدٍ ﷺ ، مقدَّمِ الجماعة، وسيِّدِ ولدِ آدمَ في فتح باب الشفاعة، فعيَّن بشفاعته حالاً خاصًّا ما عمم، وفي هذه الحال الخاص تقدَّم على الأسماءِ الإلهية؛ فإنَّ الرحمنَ ما شَفَع عند المنتقم في أهلِ النبلاء إلاَّ بعد شفاعةِ الشافعين، ففاز مُحمَّدٌ بالسيادة في هذه المقام الخاص. فمن فَهم المراتبَ والمقامات لَم يَعسُرْ عليه قبولُ مثلِ هذا الكلام" اهـ. * بطلانُ مذهب ابن عربي: فهذا "الفصُّ" قد ذَكر فيه حقيقةَ مذهبِه التي يبني عليها سائرَ كلامه، فتدبر ما فيه من الكفر الذي: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠]، وما فيه من جَحدِ خلقِ الله وأمره، وجُحودِ ربوبيتِهِ وألوهيتِهِ وشَتْمِه وسَبِّه، وما فيه من الإزراء برُسُله، وصِدِّيقِيهِ، والتقدُّمِ عليهم بالدعاوَى الكاذبة، التي ليس عليها حُجَّة، بل هي معلومةُ الفساد بأدنى عقل وإيمانٍ وأيسرِ ماْ يُسمَعُ من كتابٍ وقرآن، وجَعَل الكفارَ والمنافقين والفراعنةَ هم أهلُ الله وخاصَّته أهلَ الكشوف، وذلك باطلٌ من وجوه: أحدها: أنه أثبت له عَينًا ثابتةً قبلَ وجودِه ولسائرِ الموجودات، وإن ذلك ثابتٌ له ولسائرِ أحوالِه، وكل ما كان موجودًا من الأعيان والصفات

стр. 836

والجواهر والأعراضِ، فعينُه ثابتة قبلَ وجوده .. وهذا ضلالٌ قد سبق إليه كما تقدم. الثاني: أنه جَعل عِلمَ اللَّهِ بالعبد إنما حَصَل له مِن علمِه بتلك العينِ الثابتةِ في العَدَم التي هي حقيقةُ العبد، لا من نفسِه المقدَّسة، وأن عِلمَه بالأعيان الثابتةِ في العدم وأحوالِها تمنُعه أن يَفعلَ غيرَ ذلك، وأنَّ هذا هو سرُّ القَدَر. فتضمَّن هذا وصفَ اللَّهِ تعالى بالفقرِ إلى الأعيانِ وغِناها عنه، ونَفيَ ما استحقه بنفسه مِن كمال عِلمِه وقُدرتِه، ولزومَ التجهيل والعجيز، وبعض ما في هذا الكلام مضاهاةٌ َلِمَا ذَكَره الله عمن قال فيه: ﴿لَقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] الآية، فإنه جَعَل حقائقَ الأعيان الثابتةِ في العدم غَنيَّةً عن الله في حقائقها وأعيانها، وجَعَل الربَّ مفتقِرًا إليها في علمِه بها، فما استفاد عِلمَه بها إلاَّ منها، كما يستفيدُ العبدُ العلمَ بالمحسوسات من إدراكه لها، مع غِنَى تلك المُدرَكات عن المدرِك. والمسلمون يعلمون أن اللَّهَ عالِمٌ بالأشياء قبلَ كونها بعلمه القديم الأزليِّ الذي هو من لوازم نفسِه المقدَّسة، لَم يستفِدْ عِلمَه بها منها: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، فقد دلت هذه الآية، على وجوبِ عِلمه بالأشياء. الثالث: أنه زعَم أن من الصنف الذي جَعَله أعلى أهلِ الله مَن يكونُ في علمِه بمنزلةِ علم الله؛ لأن الأخذَ مِن مَعدِنٍ واحدٍ إذا كُشف له عن أحوالِ

стр. 837

الأعيانِ الثابتة في العدم، فيَعلمُها من حيث عَلمَها الله، إلاَّ أنه من جهة العبد عناية من الله سَبَقت له، هي من جُملةِ أحوالِ عينه، يعرفُها صاحب هذا الكشف إذا أَطْلَعَه الله على ذلك، فجعل عِلمَه وعِلمَ الله من مَعدنٍ واحد. الرابع: أنه جَعل اللَّهَ عالِما بها بعد أن لَم يكن عالِمًا، واتَّبَعَ المتشابِهَ الذي هو قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد: ٣١]، وزَعَم أنها كلمةٌ محقَّقْةُ المعنى، بِناءً على أصلِه الفاسد أن وجودَ العبدِ هو عين وجودِ الربِّ، فكلُّ مخلوقٍ عَلِمَ ما لَم يكن عَلِمَه، فهو الله عَلِم ما لَم يكن عَلِمَه. وهذا الكفرُ ما سبقه إليه كافر، فإنَّ غايةَ المكذِّبِ بقَدَرِ الله أنْ يقول: إن اللَّهَ عَلِم ما لَم يكن عالِمًا؛ أمَّا أنه يَجعلُ كلَّ ما تجدَّد لمخلوقٍ من العلم فإنما تجدَّد للَّه، وأنَّ اللَّهَ لم يكنْ عالمًا بما عَلِمه كلُّ مخلوق، حتى عَلِمَه ذلك المخلوقُ، فهذا لم يَفْتَرِهِ غيرُه. الخامس: أنه زَعم أن التجلِّي الذاتي، بصورةِ استعداد المتجلِّي والمتجلَّى له، ما رأى سوى صورتِه في مرآةِ الحق، وأنه لا يمكنُ أن يَرى الحقَّ مع عِلمِه بأنه ما رأى صورتَه إلاَّ فيه، وضَرَبَ المَثَلَ بالمِرآة؛ فجَعَلَ الحقَّ هو المرآة، والصورةَ في المِرآة هي صورته!. وهذا تحقيقُ ما ذكرتُه من مذهبه: أنَّ وجودَ الأعيانِ عنده وجودُ الحق، والأعيان كانت ثابتةً في العدم فظهَر فيها وجودُ الحق، فالمتجلَّى له -وهو العبد- لا يرى الوجودَ مجرَّدًا عن الذْوات، ما يَرى إلاَّ الذواتِ التي ظَهر فيها الوجودُ، فلا سبيلَ له إلى رؤيةِ الموجود أبدًا، وهذا عنده هو الغاية التي ليس فوقَها غايةٌ في حقِّ المخلوق، وما بعدَه إلاَّ العدمُ المَحضُ، فهو مِرآتُك

стр. 838

في رؤيتِك نفسَك، وأنت مِرآتُه في رؤيتهِ أسماءَه وظهورِ أحكامِها. وذلك لأنَّ العبدَ لا يَرى نفسَه -التي هي عينُه- إلاَّ في وجودِ الحق، الذي هو وجودُه، والعبدُ مِرآتُه في رؤيته أسماءَه وظهورِ أحكامها؛ لأن أسماءَ الحق عنده هي النسَبُ والإضافات، التي بين الأعيان وبين وجودِ الحق؛ وأحكامُ الأسماء هي الأعيانُ الثابتةُ في العدم، وظهورُ هذه الأحكام بتجلِّي الحق في الأعيان. والأعيان التي هي حقيقةُ العِيان: هي مِرآةُ الحقِّ، التي بها يَرى أسماءَه؛ وظهورَ أحكامها، فإنه إذا ظَهَر في الأعيان، حَصَلت النسبةُ التي بين الوجود والأعيان -وهي الأسماء-، وظهرت أحكامُها -وهي الأعيان-، ووجودُ هذه الأعيان هو الحق؛ فلهذا قال: "وليست سوى عينِه"، فاختلط الأمر وانبهم. فتدبر هذا من كلامه وما يناسبه؛ لِتعلمَ ما يعتقدُه مِن ذاتِ الحقِّ وأسمائِه، وأن ذاتَ الحقِّ عنده هي نفسُ وجودِ المخلوقات وأسماءَه هي النِّسَبُ التي بين الوجودِ والأعيان، وأحكامُها هي الأعيان، لتعلمَ كيف اشتَمل كلامُه على الجحودِ لله ولأسمائِه ولصفاتِه وخَلْقِهِ وأمرِه، وعلى الإلحادِ في أسماءِ الله وآياته! فإن هذا الذي ذَكَرَه غايةُ الإلحاد في أسماءِ الله وآياته؛ الآيات المخلوقة والآياتِ المَتْلُوَّة، فإنه لَم يُثبِتْ له اسمًا ولا آيةً، إذ ليس إلاَّ وجودًا واحدًا؛ وذاك ليس هو اسمًا ولا آيةً، والأعيانُ الثابتةُ ليست هي أسماءَه ولا آياته؛ ولمَّا أثبَتَ شيئينِ فَرق بينهما بالوجودِ والثبوت -وليس بينهما فرقٌ- اختلط الأمرُ عليه وانبهم. وهذا حقيقةُ قوله وسرُّ مذهبه؛ الذي يدَّعي أنه به أعلمُ العالَم بالله،

стр. 839

وأنه تقدَّم بذلك على الصِّدِّيق، الذي جَهِل فقال: "العجزُ عن دَرَكِ الإدراكِ إدراكُ"؛ وتقدَّم به على المرسلين، الذين ما عَلِموا ذلك إلاَّ من مِشكاته، وفيه مِن أنواع الكفرِ والضلال ما يطولُ عدُّها: منها: الكفرُ بذات الله، إذ ليس عنده إلاَّ وجودُ المخلوق. ومنها: الكفر بأسماءِ الله، فإنها ليست عنده إلاَّ أمورًا عَدَميَّةً، فإذا قلنا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فليس الربُّ عنده إلاَّ نِسبة إلى الثبوت. السادس: أنه قال: "فاختلط الأمرُ وانبهم"، أو هو على أصلِهِ الفاسد مختلِطٌ منبهِم، وعلى أصل الهدى والإيمان متميِّزٌ متبيِّن، قد بيَّن الله بكتابه الحقَّ من الباطل والهدى من الضلال. قال: "فمنا مَن جَهِل في عِلمِه، فقال: العجزُ عن دَرَكِ الإدراكِ إدراكُ"، وهذا الكلامُ مشهورٌ عندهم نسبته إلى أبي بكر الصديق، فجعله جاهلاً، وإن كان هذا اللفظُ لَم يُحفظ عن أبي بكر، ولا هو مأثورٌ عنه في شيءٍ من المنقول المعتمَدة، وإنما ذَكر ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" نحوًا من ذلك عن بعضِ التابعين غيرَ مُسمًّى، وإنما يرسَل عنه إرسالاً من جهةِ مَن يَكثُرُ الخطأُ في مراسِيلهم. * تفضيلُه نفسَه على الرسل: السابع: أنه قال: "ومنَّا مَن عَلِم فلم يَقُلْ مثلَ هذا، وهو أعلى القول، بل أعطاه العلمَ والسكوتَ ما أعطاه العَجْز، وهذا هو أعلى عالِمٍ بالله، وليس هذا العِلمُ إلاَّ لِخاتَم الرسل وخاتَمِ الأولياء، وما يراه أحدٌ من الأولياء

стр. 840

والرسل إلاَّ من مِشكاةِ الرسول الخاتم، ولا يراه أحدٌ من الأولياء إلاَّ من مِشكاةِ الوليِّ الخاتم؛ حتى إن الرسلَ لا يَرَونه متى رأوه، إلاَّ من مشكاة خاتَمِ الأولياء. فإنَّ الرسالةَ والنبوةَ -أعني نبوةَ التشريع ورسالتَه- ينقطعانِ، والولايةَ لا تنقطعُ أبدًا؛ فالمرسَلون مِن كونهم أولياءَ: لا يَرَون ما ذكرناه إلا من مشكاةِ خاتم الأولياء، فكيف مَن دونَهم من الأولياء؟ وإن كان خاتَمُ الأولياء تابعًا في الحكم لِمَا جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا يَقدح في مَقامِه، ولا يناقِضُ ما ذهبنا إليه، فإنه من وجهٍ يكونُ أَنْزَلَ، كما أنه من وجهٍ يكون أعلى" .. إلى قوله: "ولَمَّا مَثل النبيُّ ﷺ النبوةَ بالحائطِ من اللَّبِن .. ". ففي هذا الكلامِ من أنواعِ الإلحاد والكفر، وتنقيصِ الأنبياء والرسل ما لا تقوله لا اليهودُ ولا النصارى: وما أشبَهَه في هذا الكلام بما ذُكر في قوله القائل: "فَخَرَّ عليهم السقفُ مِن تحتهم": "إن هذا لا عقلَ ولا قرآن". وكذلك ما ذَكره هنا -من أن الأنبياءَ والرسلَ تستفيدُ من خاتم الأولياء الذي بعدَهم- هو مخالفٌ للعقل، فإنَّ المتقدِّمَ لا يستفيدُ من المتأخِّر، ومُخالفٌ للشرع، فإنه معلومٌ بالاضطرار من دينِ الإسلام: أن الأنبياءَ والرسل أفضل من الأولياء، الذين ليسوا أنبياءَ ولا رسلاً. وقد يزعُم أنَّ هذا العِلمَ -الذي هو عنده- أعلى العلم "وهو القول بوحدة الوجود"، وأن وجودَ الخالقِ هو وجودُ المخلوق، وحقيقتُه تعطيلُ الصانع وجَحدُه، وهو القولُ الذي يظهِرُه فرعون، فلم يَكْفِهِ زعمُه أن هذا حَقٌّ، حتى زعم أنه أعلى العِلم، ولَم يَكفِهِ ذلك حتى زَعَم أن الرسلَ إنما

стр. 841

يَرَونه من مشكاةِ خاتم الأولياء. فجعل خاتَمَ الأولياء أعلمَ بالله من جميع الأنبياء والرسل، وجَعَلهم يَرَون العلمَ بالله من مِشكاته. ثم أخذ يُبيِّن ذلك، فقال: "فإنَّ الرسالةَ والنبوة -أعني نبوة التشريع ورسالتَه- ينقطعانِ والولايةُ لا تنقطعُ أبدًا، فالمرسَلون من كونهم أولياءَ لا يَرَون ما ذكرناه إلاَّ من مشكاةِ خاتم الأولياء، فكيف بالأولياء الذين ليسوا أنبياءَ ولا رُسلاً؟ "، وذلك أنه لم يمكِنْهم أن يَجعلوا بعد النبي ﷺ نبيًّا ورسولاً، فإن هذا كفرٌ ظاهر، فزعموا أنه إنَّما تنقطعُ نبوةُ التشريع ورسالته، يعني وأمَّا نبوةُ التحقيق ورسالةُ التحقيق -وهي الولاية عندهم- فلم تنقطع، وهذه الولايةُ عندهم هي أفضلُ من النبوةِ والرسالة، ولهذا قال ابنُ عربيٍّ في بعض كلامه: مقامُ النبوَّةِ في بَرزخٍ … فويقَ الرسولِ ودُونَ الوليِّ ° وقال في "الفصوص" في: "كلمة عُزَيريَّة": "فإذا سمعتَ أحدًا من أهلِ الله تعالى يقولُ أو ينقُل إليك عنه، أنه قال: "الولايةُ أعلى من النبوة"، فليس يريد ذلك القائلُ إلاَّ ما ذكرناه. أو يقول: إن الوليَّ فوقَ النبيِّ والرسول؛ فإنه يعني بذلك في شخصٍ واحدٍ وهو أن الرسول ﵇ من حيثُ هو وِلِيٌّ- أتمُّ منه من حيثُ هو نبيُّ ورسولٌ، لا أنَّ الوليَّ التابعَ له أعلى منه، فإنَّ التابعَ لا يُدرِك المتبوعَ أبدًا فيما هو تابع له فيه، إذ لو أدركه لَم يكن تابعًا له". وإذا حُوققوا على ذلك قالوا: "إن وَلايةَ النبيِّ فوقَ نبوَّته، وإن نبوَّتَه

стр. 842

فوقَ رسالته؛ لأنه يأخذ بولايتهِ عن الله". ثم يَجعلون مِثلَ ولايتِه ثابتةً لهم، ويَجعلون ولايةَ خاتم الأولياء أعظمَ من ولايته، وأن ولايةَ الرسول تابعةٌ لولاية خاتمِ الأولياء الذي ادَّعوه". وفي هذا الكلام أنواعٌ قد بيَّناها في هذا الموضع: منها: ما ادَّعاه من "خاتم الأولياء" الذي يكون في آخِرِ الزمان، وتفضيلِه وتقديمِه على من تقدَّم من الأولياء، وأنه يكونُ معهم كخاتم الأنبياء مع الأنبياء. وهذا ضلالٌ واضح؛ فإن أفضلَ أولياءِ الله من هذه الأمة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وأمثالُهم من السابقين الأوَّلين مِن المهاجرين والأنصار، كما ثبت ذلك بالنصوص المشهورة. ثُم إن "خاتم الأولياء" هذا صار مرتبةً موهومةً لا حقيقةَ له، وصار يدَعيها لنفسِه أو لشيخِه طوائفُ، وقد ادَّعاها غيرُ واحد، ولَم يدَّعِها إلاَّ مَن في كلامه من الباطل ما لَم تَقُلْه اليهودُ ولا النصارى، كما ادَّعاها صاحب "الفصوص"، وتابعه صاحبُ "الكلام في الحروف"، وشيخٌ من أتباعهم كان بدمشق، وآخَر كان يزعمُ أنه "المهديُّ" الذي يُزوجُ بنتَه بعيسى بن مريم، وأنه خاتمُ الأولياء، ويدَّعي هؤلاءِ وأمثالهم مِن الأمور ما لا يصلحُ إلاَّ للَّه وحده، كما قد يدَّعي المُدَّعي منهم لنفسِه أو لشيخه ما ادَّعته النصارى في المسيح. ثم صاحب "الفصوص" وأمثاله بَنَوُا الأمرَ على أن الوليَّ يأخذُ عن الله بلا واسطة، والنبيُّ يأخذْ بواسطةِ المَلَك؛ فلهذا صار خاتمُ الأولياء أفضلَ عندهم من هذه الجهة، وهذا باطلٌ وكذب، فإنَّ الوليَّ لا يأخذُ عن الله إلاَّ

стр. 843

بواسطةِ الرسول إليه، وإذا كان مُحدثًا قد أُلقِيَ إليه شيءٌ: وجب عليه أن يَزِنَه بما جاء به الرسولُ من الكتاب والسنة. ومِن الأنواع التي في دعواهم أن خاتمَ الأولياء أفضلُ من خاتم الأنبياء، من بعضِ الوجوه، فإن هذا لَم يَقُلْه أبو عبد الله الحكيمُ الترمذي، ولا غيرُه من المشايخ المعروفين، بل الرجلُ أجل قَدْرًا، وأعظمُ إيمانًا، من أن يَفتريَ هذا الكفرَ الصريح، ولكن أخطأ شبْرًا، ففرَّعوا على خَطئِه ما صار كُفرًا. وأعظمُ من ذلك: زَعمُهم أن الأولياءَ والرسلَ من حيثُ وَلايتِهم تابعون لخاتم الأولياء، وآخِذون من مِشكاته، فهذا باطلٌ بالعقل والدين، فإن المتقدِّمَ لا يأخذُ من المتأخر، والرسلُ لا يأخذون من غيرهم. وأعظم من ذلك: أنه جَعلهم تابعين له في العِلم بالله -الذي هو أشرف علومهم-، وأظهرُ من ذلك أنه جَعل العِلمَ بالله هو مذهبُ أهلِ وحدة الوجود، القائلين بأن وجودَ المخلوق هو عينُ وجودِ الخالق. فلْيتدبَّرِ المؤمنُ هذا الكفرَ القبيح درجةً بعد درجة، واستشهادَه على تفضيل غيرِ النبي عليه بقِصَّةِ عمر، وتأبيرِ النخل، فهل يقولُ مسلمٌ: "إن عمرَ كان أفضلَ من النبي ﷺ برأيه في الأسرى؟!! أو إن الفلاحين الذين يُحسِنون صناعةَ التأبير أفضلُ من الأنبياء في ذلك؟ "!!. ثم ما قَنع بذلك حتى قال: "فما يلزمُ الكاملَ أن يكونَ له التقدُّمُ في كلِّ علم وكلِّ مرتبة، وإنما نَظَرُ الرجالِ إلى التقدُّم في مرتبةِ العلم بالله، هنالك مطلبُهم". فقدَ زعَم أنه أعلمُ بالله من خاتم الأنبياء، وأن تقدُّمَه عليه بالعلم بالله،

стр. 844

وتقدُّمَ خاتمِ الأنبياء عليه بالتشريع فقط؛ وهذا من أعظمِ الكفرِ الذي يقعُ فيه غاليةُ المتفلسفة، وغاليةُ المتصوِّفة، وغاليةُ المتكلِّمة، الذين يزعُمون أنهم في الأمور العِلميَّة أكمل من الرسل، كالعلم بالله ونحو ذلك، وأن الرُّسُلَ إنما تقدَّموا عليهم بالتشريع العامِّ، الذي جُعل لصلاحِ الناس في دنياهم. وقد يقولون: "إن الشرائعَ قوانينُ عَدْليَّةٌ، وُضعت لمصلحة الدنيا"، فأمَّا المعارفُ والحقائقُ والدرجاتِ العاليةُ في الدنيا والآخرة: فيُفضَّلون فيها أنفسَهم، وطُرُقَهم على الأنبياء وطُرقِ الأنبياء. وقد عُلم بالاضطرار من دينِ المسلمين أن هذا من أعظمِ الكفر والضلال، وكان ذلك من سببِ جَحدِ حقائقِ ما أخبرت به الرسلُ، مِن أمرِ الإيمانِ بالله واليوم الآخر، وزَعْمِهم أن ما يقولُه هؤلاء في هذا الباب هو الحق. وصاروا في أخبارِ الرسل، تارةً يُكذِّبونها، وتارةً يُحرِّفونها، وتارةً يُفوِّضونها، وتارةً يزعُمون أن الرُّسُلَ كذَبوا لمصلحةِ العموم. ثم عامَّةُ الذين يقولون هذه المقالات: يُفضِّلون الأنبياءَ والرسلَ على أنفسهم، إلاَّ الغاليةَ منهم -كما تقدم-، فهؤلاء من شرِّ الناس قولاً واعتقادًا. وقد كان عندنا شيخٌ من أجهل الناس، كان يُعظِّمُه طائفةٌ من الأعاجم، ويقال: "إنه خاتمُ الأولياء"، يزعم أنه يُفسِّر العلمَ بوجهين، وأن النبيَّ ﷺ إنما فسَّره بوجهٍ واحد، وأنه هو أكملُ من النبي ﷺ ، وهذا تلقَّاه من صاحب "الفصوص"، وأمثالُ هذا في هذه الأوقات كثيرون، وسببُ ضلالِ المتفلسفةِ وأهل التصوفِ والكلامِ: الموافقةُ لضلالهم، وليس هذا

стр. 845

موضعَ الإطنابِ في بيان ضلالِ هذا، وإنما الغرضُ التنبيهُ على أن صاحب "الفصوص" وأمثالَه قالوا قولَ هؤلاء. فأمَّا كُفرُ مَن يُفضِّلُ نفسَه على النبي ﷺ -كما ذَكر صاحب "الفصوص"- فظاهر، ولكنْ مِن هؤلاء مَن لا يرى ذلك؛ ولكنْ يرى أنَّ له طريقًا إلى الله غيرَ اتِّباعِ الرسول، ويُسَوِّغُ لنفسِه اتِّباعَ تلك الطريقِ -وإنْ خالَفَ شَرعَ الرسول-، ويحتجُّون بقصةِ موسى والخَضِر. الوجه الثامن: أنه قال: "ولَمَّا مَثَّل النبي ﷺ النبوَّةَ بالحائط .. "، إلى آخِرِ كلامه وهو متضمِّن أنَّ العلمَ نوعان: أحدهما: عِلمُ الشريعة، وهو يأخذ عن الله كما يأخذُ النبيُّ، فإنه قال: "والسببُ الموجِبُ لكونه رآها لَبِنَتَينِ أنه تابع لشرع خاتَمِ الرُّسُلِ في الظاهر وهو موضعُ اللبنةِ الفضيَّة، وهو ظاهرُه، وما يَتبعُه فيه من الأحكام، كما هو آخِذٌ عن الله في السرِّ ما هو بالصورة الظاهرة متَّبعٌ فيه؛ لأنه يَرى الأمر على ما هو عليه، فلا بد أن يراه هكذا". وهذا الذي زَعَمه -من أن الولِيَّ يأخذُ عن اللَّهِ في السرِّ ما يَتبعُ فيه الرسلَ كأئمةِ العلماء مع أتباعهم- فيه من الإِلحادِ ما لا يَخفَى على مَن يؤمنُ بالله ورُسُلِه، فإن هذا يدَّعي أنه أُوتِيَ مثلَ ما أُوتي رُسلُ الله، ويقول: "إنه أُوحِيَ إليَّ"، ولم يُوحَ إليه شيء، ويَجعل الرسُلَ بمنزلة معلم الطب والحساب والنحو وغير ذلك إذا عَرف المتعلِّمُ الدليلَ الذي قال به مُعلِّمُه، فينبغي موافقتُه له لمشاركتِه له في العلم، لا لأنه رسولٌ وواسطةٌ من الله إليه في تبليغِ الأمر والنهي.
следующие страницы →