← Сира

Сира · id 96964

وا محمداه إن شانئك هو الأبتر

سيد حسين العفاني

Полный текст (2 668 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

يَرَونه من مشكاةِ خاتم الأولياء. فجعل خاتَمَ الأولياء أعلمَ بالله من جميع الأنبياء والرسل، وجَعَلهم يَرَون العلمَ بالله من مِشكاته. ثم أخذ يُبيِّن ذلك، فقال: "فإنَّ الرسالةَ والنبوة -أعني نبوة التشريع ورسالتَه- ينقطعانِ والولايةُ لا تنقطعُ أبدًا، فالمرسَلون من كونهم أولياءَ لا يَرَون ما ذكرناه إلاَّ من مشكاةِ خاتم الأولياء، فكيف بالأولياء الذين ليسوا أنبياءَ ولا رُسلاً؟ "، وذلك أنه لم يمكِنْهم أن يَجعلوا بعد النبي ﷺ نبيًّا ورسولاً، فإن هذا كفرٌ ظاهر، فزعموا أنه إنَّما تنقطعُ نبوةُ التشريع ورسالته، يعني وأمَّا نبوةُ التحقيق ورسالةُ التحقيق -وهي الولاية عندهم- فلم تنقطع، وهذه الولايةُ عندهم هي أفضلُ من النبوةِ والرسالة، ولهذا قال ابنُ عربيٍّ في بعض كلامه: مقامُ النبوَّةِ في بَرزخٍ … فويقَ الرسولِ ودُونَ الوليِّ ° وقال في "الفصوص" في: "كلمة عُزَيريَّة": "فإذا سمعتَ أحدًا من أهلِ الله تعالى يقولُ أو ينقُل إليك عنه، أنه قال: "الولايةُ أعلى من النبوة"، فليس يريد ذلك القائلُ إلاَّ ما ذكرناه. أو يقول: إن الوليَّ فوقَ النبيِّ والرسول؛ فإنه يعني بذلك في شخصٍ واحدٍ وهو أن الرسول ﵇ من حيثُ هو وِلِيٌّ- أتمُّ منه من حيثُ هو نبيُّ ورسولٌ، لا أنَّ الوليَّ التابعَ له أعلى منه، فإنَّ التابعَ لا يُدرِك المتبوعَ أبدًا فيما هو تابع له فيه، إذ لو أدركه لَم يكن تابعًا له". وإذا حُوققوا على ذلك قالوا: "إن وَلايةَ النبيِّ فوقَ نبوَّته، وإن نبوَّتَه

стр. 842

فوقَ رسالته؛ لأنه يأخذ بولايتهِ عن الله". ثم يَجعلون مِثلَ ولايتِه ثابتةً لهم، ويَجعلون ولايةَ خاتم الأولياء أعظمَ من ولايته، وأن ولايةَ الرسول تابعةٌ لولاية خاتمِ الأولياء الذي ادَّعوه". وفي هذا الكلام أنواعٌ قد بيَّناها في هذا الموضع: منها: ما ادَّعاه من "خاتم الأولياء" الذي يكون في آخِرِ الزمان، وتفضيلِه وتقديمِه على من تقدَّم من الأولياء، وأنه يكونُ معهم كخاتم الأنبياء مع الأنبياء. وهذا ضلالٌ واضح؛ فإن أفضلَ أولياءِ الله من هذه الأمة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وأمثالُهم من السابقين الأوَّلين مِن المهاجرين والأنصار، كما ثبت ذلك بالنصوص المشهورة. ثُم إن "خاتم الأولياء" هذا صار مرتبةً موهومةً لا حقيقةَ له، وصار يدَعيها لنفسِه أو لشيخِه طوائفُ، وقد ادَّعاها غيرُ واحد، ولَم يدَّعِها إلاَّ مَن في كلامه من الباطل ما لَم تَقُلْه اليهودُ ولا النصارى، كما ادَّعاها صاحب "الفصوص"، وتابعه صاحبُ "الكلام في الحروف"، وشيخٌ من أتباعهم كان بدمشق، وآخَر كان يزعمُ أنه "المهديُّ" الذي يُزوجُ بنتَه بعيسى بن مريم، وأنه خاتمُ الأولياء، ويدَّعي هؤلاءِ وأمثالهم مِن الأمور ما لا يصلحُ إلاَّ للَّه وحده، كما قد يدَّعي المُدَّعي منهم لنفسِه أو لشيخه ما ادَّعته النصارى في المسيح. ثم صاحب "الفصوص" وأمثاله بَنَوُا الأمرَ على أن الوليَّ يأخذُ عن الله بلا واسطة، والنبيُّ يأخذْ بواسطةِ المَلَك؛ فلهذا صار خاتمُ الأولياء أفضلَ عندهم من هذه الجهة، وهذا باطلٌ وكذب، فإنَّ الوليَّ لا يأخذُ عن الله إلاَّ

стр. 843

بواسطةِ الرسول إليه، وإذا كان مُحدثًا قد أُلقِيَ إليه شيءٌ: وجب عليه أن يَزِنَه بما جاء به الرسولُ من الكتاب والسنة. ومِن الأنواع التي في دعواهم أن خاتمَ الأولياء أفضلُ من خاتم الأنبياء، من بعضِ الوجوه، فإن هذا لَم يَقُلْه أبو عبد الله الحكيمُ الترمذي، ولا غيرُه من المشايخ المعروفين، بل الرجلُ أجل قَدْرًا، وأعظمُ إيمانًا، من أن يَفتريَ هذا الكفرَ الصريح، ولكن أخطأ شبْرًا، ففرَّعوا على خَطئِه ما صار كُفرًا. وأعظمُ من ذلك: زَعمُهم أن الأولياءَ والرسلَ من حيثُ وَلايتِهم تابعون لخاتم الأولياء، وآخِذون من مِشكاته، فهذا باطلٌ بالعقل والدين، فإن المتقدِّمَ لا يأخذُ من المتأخر، والرسلُ لا يأخذون من غيرهم. وأعظم من ذلك: أنه جَعلهم تابعين له في العِلم بالله -الذي هو أشرف علومهم-، وأظهرُ من ذلك أنه جَعل العِلمَ بالله هو مذهبُ أهلِ وحدة الوجود، القائلين بأن وجودَ المخلوق هو عينُ وجودِ الخالق. فلْيتدبَّرِ المؤمنُ هذا الكفرَ القبيح درجةً بعد درجة، واستشهادَه على تفضيل غيرِ النبي عليه بقِصَّةِ عمر، وتأبيرِ النخل، فهل يقولُ مسلمٌ: "إن عمرَ كان أفضلَ من النبي ﷺ برأيه في الأسرى؟!! أو إن الفلاحين الذين يُحسِنون صناعةَ التأبير أفضلُ من الأنبياء في ذلك؟ "!!. ثم ما قَنع بذلك حتى قال: "فما يلزمُ الكاملَ أن يكونَ له التقدُّمُ في كلِّ علم وكلِّ مرتبة، وإنما نَظَرُ الرجالِ إلى التقدُّم في مرتبةِ العلم بالله، هنالك مطلبُهم". فقدَ زعَم أنه أعلمُ بالله من خاتم الأنبياء، وأن تقدُّمَه عليه بالعلم بالله،

стр. 844

وتقدُّمَ خاتمِ الأنبياء عليه بالتشريع فقط؛ وهذا من أعظمِ الكفرِ الذي يقعُ فيه غاليةُ المتفلسفة، وغاليةُ المتصوِّفة، وغاليةُ المتكلِّمة، الذين يزعُمون أنهم في الأمور العِلميَّة أكمل من الرسل، كالعلم بالله ونحو ذلك، وأن الرُّسُلَ إنما تقدَّموا عليهم بالتشريع العامِّ، الذي جُعل لصلاحِ الناس في دنياهم. وقد يقولون: "إن الشرائعَ قوانينُ عَدْليَّةٌ، وُضعت لمصلحة الدنيا"، فأمَّا المعارفُ والحقائقُ والدرجاتِ العاليةُ في الدنيا والآخرة: فيُفضَّلون فيها أنفسَهم، وطُرُقَهم على الأنبياء وطُرقِ الأنبياء. وقد عُلم بالاضطرار من دينِ المسلمين أن هذا من أعظمِ الكفر والضلال، وكان ذلك من سببِ جَحدِ حقائقِ ما أخبرت به الرسلُ، مِن أمرِ الإيمانِ بالله واليوم الآخر، وزَعْمِهم أن ما يقولُه هؤلاء في هذا الباب هو الحق. وصاروا في أخبارِ الرسل، تارةً يُكذِّبونها، وتارةً يُحرِّفونها، وتارةً يُفوِّضونها، وتارةً يزعُمون أن الرُّسُلَ كذَبوا لمصلحةِ العموم. ثم عامَّةُ الذين يقولون هذه المقالات: يُفضِّلون الأنبياءَ والرسلَ على أنفسهم، إلاَّ الغاليةَ منهم -كما تقدم-، فهؤلاء من شرِّ الناس قولاً واعتقادًا. وقد كان عندنا شيخٌ من أجهل الناس، كان يُعظِّمُه طائفةٌ من الأعاجم، ويقال: "إنه خاتمُ الأولياء"، يزعم أنه يُفسِّر العلمَ بوجهين، وأن النبيَّ ﷺ إنما فسَّره بوجهٍ واحد، وأنه هو أكملُ من النبي ﷺ ، وهذا تلقَّاه من صاحب "الفصوص"، وأمثالُ هذا في هذه الأوقات كثيرون، وسببُ ضلالِ المتفلسفةِ وأهل التصوفِ والكلامِ: الموافقةُ لضلالهم، وليس هذا

стр. 845

موضعَ الإطنابِ في بيان ضلالِ هذا، وإنما الغرضُ التنبيهُ على أن صاحب "الفصوص" وأمثالَه قالوا قولَ هؤلاء. فأمَّا كُفرُ مَن يُفضِّلُ نفسَه على النبي ﷺ -كما ذَكر صاحب "الفصوص"- فظاهر، ولكنْ مِن هؤلاء مَن لا يرى ذلك؛ ولكنْ يرى أنَّ له طريقًا إلى الله غيرَ اتِّباعِ الرسول، ويُسَوِّغُ لنفسِه اتِّباعَ تلك الطريقِ -وإنْ خالَفَ شَرعَ الرسول-، ويحتجُّون بقصةِ موسى والخَضِر. الوجه الثامن: أنه قال: "ولَمَّا مَثَّل النبي ﷺ النبوَّةَ بالحائط .. "، إلى آخِرِ كلامه وهو متضمِّن أنَّ العلمَ نوعان: أحدهما: عِلمُ الشريعة، وهو يأخذ عن الله كما يأخذُ النبيُّ، فإنه قال: "والسببُ الموجِبُ لكونه رآها لَبِنَتَينِ أنه تابع لشرع خاتَمِ الرُّسُلِ في الظاهر وهو موضعُ اللبنةِ الفضيَّة، وهو ظاهرُه، وما يَتبعُه فيه من الأحكام، كما هو آخِذٌ عن الله في السرِّ ما هو بالصورة الظاهرة متَّبعٌ فيه؛ لأنه يَرى الأمر على ما هو عليه، فلا بد أن يراه هكذا". وهذا الذي زَعَمه -من أن الولِيَّ يأخذُ عن اللَّهِ في السرِّ ما يَتبعُ فيه الرسلَ كأئمةِ العلماء مع أتباعهم- فيه من الإِلحادِ ما لا يَخفَى على مَن يؤمنُ بالله ورُسُلِه، فإن هذا يدَّعي أنه أُوتِيَ مثلَ ما أُوتي رُسلُ الله، ويقول: "إنه أُوحِيَ إليَّ"، ولم يُوحَ إليه شيء، ويَجعل الرسُلَ بمنزلة معلم الطب والحساب والنحو وغير ذلك إذا عَرف المتعلِّمُ الدليلَ الذي قال به مُعلِّمُه، فينبغي موافقتُه له لمشاركتِه له في العلم، لا لأنه رسولٌ وواسطةٌ من الله إليه في تبليغِ الأمر والنهي.

стр. 846

وهذا الكفر يشبِهُ كفرَ مسيلِمةَ الكذَّاب ونحوه ممن يدَّعي أنه مشارِكٌ للرسول في الرسالة، وكان يقول مؤذِّنه: "أشهدُ أن محمدًا ومسيلِمةَ رسولَا الله". والنوع الثاني: عِلمُ الحقيقة، وهو فيه فوقَ الرسول، كما قال: "هو موضعُ اللبنةِ الذهبيةِ في الباطن، فإنه أخذٌ من المعدِنِ الذي يأخذ منه المَلَك، الذي يوحَى به إلى الرسول". فقد ادَّعى أن هذا العلمَ الذي هو موضع اللبنةِ الذهبيةِ -وهو علمُ الباطن والحقيقة- هو فيه فوقَ الرسول؛ لأنه يأخذه من حيثُ يأخذ المَلَكُ العلمَ الذي يُوحِي به إلى الرسول، والرسولُ يأخذُه من المَلَك، وهو يأخذُه من فوقِ المَلَك، من حيث يأخذُه المَلَك، وهذا فوقَ دعوى مسيلِمة الكذَّاب، فإن مسيلمةَ لَم يَدعَ أنه أعلى من الرسول في علم من العلوم الإلهية، وهذا ادَّعى أنه فوقَه في العلم بالله. ثم قال: "فإن فهمتَ ما أشرت به: فقد حَصَل لك العلم النافع". ومعلومٌ أن هذا الكفرَ فوقَ كفرِ اليهود والنصارى، فإن اليهودَ والنصارى لا ترضَى أن تجعلَ أحدًا من المؤمنين فوق موسى وعيسى، وهذا يزعم أنه هو وأمثاله -ممن يدَّعي أنه خاتم الأولياء- أنه فوقَ جميع الرسل، وأعلم بالله من جميع الرسل؛ وعقلاءُ الفلاسفة لا يَرْضَون بهذا، وإنما يقولُ مثلَ هذا غُلاتهم وأهلُ الحُمقِ منهم، الذين هم من أبعدِ الناس عن العقلِ والدين. التاسع: قوله: "فكلُّ نبيٍّ مِن لَدُن آدم .. " -إلى آخِرِ الفصل-، تضمن

стр. 847

أن جميعَ الأنبياءِ والرسل لا يأخذون إلاَّ من مشكاةِ خاتم النبيين، ليوطِّنَ لنفسه بذلك أن جميعَ الأنبياء لا يأخُذون إلاَّ من مشكاةِ خاتمِ الأولياء، وكلاهما ضلال، فإنَّ الرسلَ ليس منهم أحدٌ يأخُذُ من آخَر، إلا مَن كان مأمورًا باتباع شريعته، كأنبياءِ بني إسرائيل والرسل الذين بُعثوا فيهم الذين أُمِروا باتباع التوراة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ الآية [المائدة: ٤٤]. وأما إبراهيم: فلم يأخُذْ عن موسى وعيسى، ونوحٌ لَم يأخذ عن إبراهيم، ونوحٌ وإبراهيمُ وموسى وعيسى لَم يأخذوا عن محمدٍ، وإن بشَّروا به وآمنوا به، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ الآية [آل عمران: ٨١]. ° قال ابن عباس ﵄: "ما بَعَث الله نبيًّا إلاَّ أَخَذ عليه العهدَ في أمرِ محمدٍ، وأَخَذ العهدَ على قومِه ليؤمنُنَّ به، ولئن بُعث وهم أحياءٌ لَيَنصُرُنَّه". العاشر: قوله: "فإنه بحقيقته موجود، وهو قولُه: "كنت نبيًّا وآدمُ بين الماء والطين"، بخلافِ غيره من الأنبياء، وكذلك خاتمُ الأولياء، كان وليًّا وآدمُ بين الماءِ والطين": كذبٌ واضح، مخالفٌ لإجماعِ أئمة الدين، وإن كان هذا يقولُه طائفةٌ من أهل الضلال والإلحاد. فإنَّ الله عَلِمَ الأشياء، وقَدَّرها قبل أن يُكونها، ولا تَكونُ موجودةً بحقائقِها إلاَّ حين تُوجد، ولا فَرْقَ في ذلك بين الأنبياء وغيرهم، ولم تكنْ حقيقتُه ﷺ موجودةً قبلَ أن يُخلق، إلاَّ كما كانت حقيقةُ غيرِه، بمعنى أن الله عَلِمها وقدَّرها.

стр. 848

لكن كان ظُهورُ خَبَرِه واسمِه مشهورًا أعظمَ من غيره، فإنه كان مكتوبًا في التوراة والإنجيل وقبل ذلك، كما روى الإمام أحمد في "مسنده"، عن العِرباض بنِ سارية، عن النبي ﷺ قال: "إني لَعبدُ الله، مكتوبٌ "خاتمَ النبيين" وإن آدم لَمُنْجَدلٌ في طِينتِه، وسأنبئكم بأول ذلك: دعوةُ أبي إبراهيم، وبُشرى عيسى، ورؤيا أُمِّي، رأت حين وَلَدَتْني كأنه خَرَج منها نورٌ أضاءت له قصورُ الشام". وحديثُ مَيْسَرَةَ الفجرِ: قلت: يا رسول الله، متى كنتَ نبيًّا؟ -وفي لفظٍ: متى كُتبت نبيًّا؟ - قال: "وآدمُ بين الروح والجسد"، وهذا لفظُ الحديث. وأما قوله: "كنتُ نبيًّا وآدمُ بين الماءِ والطين"، فلا أصلَ له، لَم يَرْوِهِ أحدٌ من أهلِ العلم بالحديث بهذا اللفظ، وهو باطلٌ، فإنه لم يكنْ بين الماء والطين، إذ الطينُ ماءٌ وتراب، ولكن لَمَّا خَلَق الله جَسَدَ آدمَ قبل نَفخِ الروح فيه: كَتَبَ نبوَّةَ محمدٍ ﷺ وَقدَّرَها، كما ثبت في "الصحيحين" عن ابن مسعود، قال: حَدثنَا رسولُ الله ﷺ -وهو الصادق والمصدوق-: "إنَّ خَلقَ أحدكم يُجعل في بطنِ أُمِّه أربعينَ يومًا نطفة، ثم يكونُ عَلَقةً مثلَ ذلك، ثم يكوَنُ مُضغةً مثلَ ذلك، ثُم يُبعث إليه المَلَكُ، فيؤمَرُ بأربعِ كلمات، فيقال: أكتبْ رزقَه وعَمَلَه، وأجَلَه، وشقيًّا أو سعيدًا، ثُم يُنْفخ فيه الروحُ". فأين الكتابُ والتقديرُ من وجود الحقيقة؟. الحادي عشر: قوله: "وخاتم الأولياء كان وليًّا وآدمُ بين الماء والطين .. "، إلى قوله: "فخاتمُ الرسلِ من حيث ولايته، نِسبتُه مع الخَتم للولاية، كنسبة الأولياءِ والرسل معه .. " إلى آخر الكلام.

стр. 849

ذَكَر فيه ما تقدَّم من كونِ رسول الله ﷺ مع هذا الختم المدَّعى كسائرِ الأنبياء والرسل معه، يأخذُ من مِشكاته العلمَ بالله -الذي هو أعلى العلم، وهو وحدةُ الوجود-، أنه مقدَّمُ الجماعة، وسيِّدُ ولدِ آدم في فتح باب الشفاعة، فعيَّن حالاً خاصًّا ما عَمَّم .. إلى قوله: "ففاز محمدٌ بالسيادة في هذا المَقامِ الخاصِّ". فكَذَبَ على رسول الله ﷺ في قوله: "إنه قال: أنا سيِّدُ ولدِ آدمَ في الشفاعة خاصةً"، وألْحَدَ وافتَرى من حيثُ زَعَم أنه سيِّدٌ في الشفاعة فقط، لا في بقيةِ المراتب؛ بخلافِ الختمِ المفترَى، فإنه سيدٌ في العلم بالله، وغيرِ ذلك من المقامات. ولقد كنتُ أقول: لو كان المخاطِبُ لنا ممَّن يُفضِّلُ إبراهيمَ أو موسى أو عيسى على محمدٍ ﷺ ، لكانت مُصيبةً عظيمة، لا يَحتملُها المسلمون، فكيف بمن يُفضِّلُ رجلاً من أُمَّةِ محمدٍ على محمدٍ، وعلى جميعِ الأنبياء والرسل في أفضل العلوم؟! ويدَّعي أنهم يأخذون ذلك من مِشكاته؟ .. وهذا العلمُ هو غايةُ الإِلحاد والزندقة. وهذا المُفضِّل مِن أضلِّ بني آدم، وأبعدِهم عن الصراط المستقيم، وإن كان له كلامٌ كثير، ومصنَّفات متعدِّدة، وله معرفةٌ بأشياء كثيرة، وله استحواذٌ على قلوبِ طوائفَ من أصنافِ المتفلسفة، والمتصوِّفة، والمتكلِّمة، والمتفقِّهة، والعامة، فإن هذا الكلامَ من أعظمِ الكلام ضلالاً، عند أهل العلم والإيمان والله أعلم. وقد تبيَّن أن في هذا الكلام من الكفرِ، والتنقيصِ بالرسل، والاستخفافِ بهم، والغَضِّ منهم؛ بل والكفرِ بهم، وبما جاؤوا به: ما لا

стр. 850

يَخفى على مؤمن، وقد حدَّثني أحدُ أعيانِ الفضلاء: أنه سَمع الشيخَ إبراهيمَ الجعبري -رحمة الله عليه- يقول: "رأيتُ ابنَ عربي -وهو شيخٌ نجس- يُكذِّبُ بكلِّ كتابٍ أنزله الله، وبكل نبيٍّ أرسله الله"، ولقد صدق فيما قال، ولكنَّ هذا بعضُ الأنواع التي ذَكرها من الكفر. ° وكذلك قولُ أبي محمد بنِ عبدِ السلام: "هو شيخُ سَوءٍ، مقبوحٌ كذاب، يقول بقِدَم العالَم، ولا يُحرِّمُ فَرْجًا"، هو حقٌّ عنه؛ لكنه بعضُ أنواع ما ذكره من الكفر، فإن قوله [هذا حين] لم يكن قد تبيَّن له حالُه وتحقق، وإلاَّ فليس عنده ربٌّ وعالَم، كما تقوله الفلاسفة الإلهيون، الذين يقولون بوجبِ الوجود، وبالعالم الممكن، بل عنده وجودُ العالَم هو وجودُ الله، وهذا يطابقُ قولَ الدهرية الطبائعية، الذين يُنكِرون وجودَ الصانعِ مطلقًا ولا يُقِرُّون بوجود واجبٍ غيرِ العالَم -كما ذَكر الله عن فرعون وذَوِيه-، وقولُه مطابقٌ لقول فرعون، لكنَّ فرعونَ لم يكن مقرًّا بالله، وهؤلاءُ يقرُّون بالله، ولكن يُفسِّرونه بالوجود الذي أقرَّ به فرعون، فهم أجهلُ من فرعونَ وأضلُّ، وفرعونُ أكفرُ منهم: إذ في كُفرِه من العنادِ والاستكبارِ ما ليس في كفرهم، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وقال له موسى ﵇: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإِسراء: ١٠٢]. ° وجُمَّاعُ أمرِ صاحبِ "الفصوص" وذَوِيه: هدمُ أصولِ الإيمان الثلاثة؛ فإن أصول الإيمان: "الإيمان بالله، والإيمان برُسُله، والإيمان باليوم الآخر".

стр. 851

° فأما الإيمانُ بالله: فزَعموا أن وجودَه وجودُ العالَم، ليس للعالَم صانعٌ غير العالَم. ° وأما الرسول: فزعموا أنهم أعلمُ بالله منه، ومن جميع الرسل، ومِنهم من يأخذُ العلم بالله -الذي هو التعطيلُ ووحدةُ الوجود- من مِشكاته، وأنهم يُساوُونه في أخذِ العلم بالشريعة عن الله. ° وأما الإيمان باليوم الآخر، فقد قال: فَلم يَبْقَ إلاَّ صادقُ الوعدِ وحدَه … وبالوعيدِ الحقِّ عينٌ تُعايِنُ وإنْ دَخَلوا دارَ الشقاء فإنهم … على لذَّةٍ فيها نعيمٌ يُباينُ فهذه أقوالُ الزنديقِ الفاجرِ، نقلناها لنُبيِّن عَوَارَ دجَّالِ الصوفيَّة (١) الأكبر. * العفيف "أو الفاجر" التِّلمِساني .. شيطانُ وحدة الوجود: ° قال ابن تيمية ﵀: "حَدثَني الشيخُ العالمُ العارفُ، كمالُ الدين المَرَاغي شيخُ زمانه، أنه لَمَّا قَدِم وبَلَغه كلامُ هؤلاء في التوحيد قال: قرأتُ على العفيفِ التلمساني من كلامهم شيئًا، فرأيته مخالفًا للكتاب والسنَّة، فلمَّا ذكرتُ ذلك له قال: "القرآن ليس فيه توحيد، بل القرآن كلُّه شرك، ومَن اتَّبع القرآنَ لم يَصِلْ إلى التوحيد، قال: فقلتُ له: ما الفرقُ عندكم بين الزوجة والأجنبية والأخت، الكلُّ واحد؟!. قال: لا فرقَ بين ذلك عندنا، وإنما هؤلاء المحجُوبون اعتقدوه حرامًا، فقلنا هو حرامٌ عليهم عندنا، وأما عندنا، فما ثَمَّ حرام".

стр. 852

وحدَّثني كمالُ الدين المراغي، أنه لما تحدَّث مع التلمساني في هذا المذهب قال: "وكنتُ أقرأُ عليه في ذلك، فإنهم كانوا قد عَظَّموه عندنا، ونحن مشتاقون إلى معرفة "فصوص الحكم"، فلما صار يشرحُه لي أقولُ: هذا خلاف القرآنِ والأحاديث، فقال: ارْمِ هذا كله خلفَ الباب، واحضُرْ بقلبٍ صافٍ، حتى تتلقى هذا التوحيد -أو كما قال- ثم خاف أن أُشيعَ ذلك عنه، فجاء إليَّ باكيًا وقال: استُرْعنِّي ما سمعتَه مني". وحدَّثني أيضًا كمالُ الدين، أنه اجتمع بالشيخ أبي العباس الشاذلي -تلميذ الشيخ أبي الحسن-، فقال عن التمساني: "هؤلاء كفارٌ، هؤلاء يعتقدون أن الصَّنعةَ هي الصانع" (١). ° قال ابنُ تيمية: "أما الفاجرُ التلمساني، فهو أخبثُ القوم وأعمقُهم في الكفر؛ فإنه لا يُفرق بين الوجودِ والثبُوت كما يُفرِّق ابنُ عربي، ولا يُفرِّقُ بين المطلَق والمعيَّن كما يفرق الرُّومي (٢)، ولكن عنده ما ثَمَّ غيرٌ ولا سِوى بوجه من الوجوه، وإن العبدَ إنما يشهد السوَى ما دام محجوبًا، فإذا انكشف حِجابُه رأى أنه ما ثَمَّ غيرٌ يُبيِّنُ له الأمر .. ولهذا كان يَستحِلُّ جميعَ المحرَّمات. وكان يقول: "القرآن كلُّه شركٌ ليس فيه توحيد، وإنما التوحيدُ في كلامنا". وكان يقول: "أنا ما أُمسِكُ شريعةً واحدة، وإذا أحْسَنَ يقول: "القرآن

стр. 853

يُوصِّل إلى الجنة، وكلامُنا يُوصِّل إلى الله تعالى" .. وصنَّف للنصيرية عقيدة" (١). ° ويقولُ أيضًا ابنُ تيمية: "وقد قال مرةً شيخُهم الشِّيرازي، لشيخه التلمساني -وقد مرَّ بكلبٍ أجربَ ميِّتٍ-: هذا أيضًا مِن ذاتِ الله؟ فقال: وثَمَّ خارجٌ عنه؟ ومرَّ التلمسانيُّ ومعه شخص بكلبٍ، فرَكضَه الآخرُ برِجلِه، فقال: لا تَرْكُضِيهِ فإنه منه". وهذا من أعظم الكفر والكذب الباطل في العقل والدين" (٢). ° وقال ابنُ تيمية: "وهذا الرجلُ وابنُ عربيٍّ يشتركانِ في هذا -أي: في القول بوحدة الوجود-، ولكن يفترقان من وجهٍ آخَرَ: فإن ابن عربيٍّ يقول: وجودُ الحقِّ ظَهَر في الأعيان الثابتة في نفسها، فإنْ شئت قلتَ: "هو الحق"، وإن شئت قلت: "هو الخَلْق"، وإن شئت قلت: "هو الحق والخلق". وأما التلمساني، فإنه لا يُثبت تعدُّدًا بحالٍ، فهو مِثلُ يَعَاقِبةِ النصارى، وهم أكفُرهم" (٣). ° وقال: "إن هذا الملحِدَ في أسماءِ الله جَعَل هذه العُقدةَ -التي سمَّاها "عقدة حقيقة النُّبوَّة"، وجَعَلها صورةَ عِلم الحقِّ بنفسه، وجَعَلها مرآةً لانعكاسِ الوجود المطلَق-: محلاًّ لتميُّز صفاتِه القديمة، وأنَّ الحقَّ ظَهَر فيه بصورته واصفًا يَصِف نفْسَه، ويَحيط به، وهو المُسَمَّى بالرحمن، ثم ذَكر أنه

стр. 854

أعطى محمدًا هذه العُقدة. * ومعلوم أن المسمَّى بالرحمن هو المسمَّى باسم الله، كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، فيكون هو سبحانه هذه العُقدة التي أعطاها لمحمد، وإنْ كانت صفةً له أو غيره، فتكونُ هي الرحمن، فهذا المُلحِدُ دائرٌ بين أن يكونَ الرحمن هو خَلْقٌ مِن خَلقِ الله أو صفةٌ من صفاتِه، وبين أن يكونَ الرحمنُ قد وَهَبَه الله لمحمد، وكلٌّ من القسميْن من أسمج الكفر وأبشعِه" (١). فلعنةُ الله على الفاجر التلمساني زنديقِ الصوفية. * ابنُ الفارض، صاحب "التائيَّة" الكُفْرِية: أبو حفص وأبو القاسم عمرُ بنُ عليِّ بنِ المرشِدِ بنِ علي، حَمَوِيُّ الأصل، مِصريُّ المَولدِ والدارِ والوفاة، وُلد في الرابع من ذِي القَعدة سنةَ ٥٧٦ هـ، وتُوفِّي في الثاني من جُمادى الأولى سنة ٦٣٢ هـ (٢). ° وقال الذهبي عنه: "شاعرُ الوقت، شرفُ الدين عمرُ بنُ عليِّ بنِ مُرشدٍ، الحَمَويُّ ثم المِصريُّ، صاحب الاتحاد (٣) الذي قد ملأ به "التائية" .. فإنْ لم يكن في تلك القصيدةِ صريحُ الاتحاد الذي لا حِيلةَ في وجودِه، فما في

стр. 855

العالم زَندقة ولا ضلال، اللَّهم ألهِمْنا التقوى، وأعِذنا من الهوى، في أئمةَ الدِّين، ألَا تغضبون للَّه؟! فلا حولَ ولا قوَّةَ إلاَّ بالله" (١). ° وقال في "ميزان الاعتدال": "حَدَّث عنه القاسمُ بنُ عساكر، يَنعِقُ بالاتحاد الصريح في شِعره، وهذه بليَّةٌ عظيمة، فتدبَّر نَظْمَه ولا تستعجلْ، ولكنك حَسَنُ الظن بالصوفيَّة، وما ثَمَّ إلا زِيُّ الصوفية وإشاراتٌ مُجمَلةٌ، وتحت الزي والعبارةِ فلسفة وأفاعٍ فقد نصحتُك، والله الموعِد" (٢). ° وقال الحافظُ ابن كثير: "ابنُ الفارض، ناظم "التائية في السلوك" على طريقةِ المتصوِّفة المنسوبين إلى الاتحاد، كان أبوه يَكتبُ فروضَ النساء والرجال، وقد تكلَّم فيه غيرُ واحد من مشايخنا بسبب قصيدتِه المشار إليها، وقد ذَكَره شيخُنا أبو عبد الله الذهبي في "ميزانه" وحَطَّ عليه" (٣). ° وحين تكلَّم عن ابنِ إسرائيلِ الحَريري قال: "ولكن في كلامه ونَظمه ما يُشيرُ إلى نوعٍ من الحلول والاتحاد على طريقة ابنِ عربيٍّ وابنِ الفارض وشيخه الحريري" (٤). ° وقال عنه الحافظ ابنُ حَجَر العسقلاني بعد أن نَقَل كلامَ الذهبي في "ميزان الاعتدال": "وابنُ الفارض المذكورُ له صورةٌ كبيرة عند الناس، لِمَا كان فيه من الزهد والانقطاع، قد عَمِلَ له سِبْطُه ترجمةًّ حَكى فيها أشياءَ عجيبةً من أموره، وكان أبوه يتلو الفروضَ بالقاهرة".

стр. 856

° وقال الذهبي في "تاريخ الإسلام": "كان سيِّدَ شعراءِ عصرِه وشيخَ الاتحادية". ° وقال المنذري: "سمعتُ منه من شِعره". ° وقال في "التكملة": "كان قد جَمَعَ في شِعره بين الحوالة والحلاوة". ° قال الذهبي: "إلاَّ أنه شابَهُ بالاتحاد في ألذِّ عبارة وأرقِّ استعارةٍ كفالوذجٍ مسمومٍ" ثم أنشد من التائية التي سَمَّاها "نظم السلوك" أبياتًا منها: لها صلواتي بالمَقام أُقيمُها … وأشْهَدُ فيها أنها لي صَلَّتِ كِلانا مُصلٍّ واحدٌ ساجدٌ إلى … حقيقتُه بالجَمْعِ في كُلِّ سَجْدَةِ ° ومنها: وها أنا أُبدِي في اتِّحادي مبدأي … وأُنهِي انتهائي في مواضعِ رِفعتي وفي موقفي لا بَلْ إلى توجُّهي … ولكنَّ صلاتي لي ومِنِّي كعبتي ° ومنها: ولا تكُ ممَّن طَيَّشَتْهُ دُروسُه … بحيث استقلَّتْ عَقْلَه واستفزَّتِ فثَمَّ وراءَ العقل عِلمٌ يَدِقُّ عن … مَدَارِكِ غاياتِ العقولِ السَّليمةِ تلقيتُه عنِّي ومني أخذتُه … ونفسي كانت من خَطاتي مَحيدتي ° ومنها: وما عَقَدَ الزُّنَّارَ حُكمًا سوى يَدِي … وإنْ حَلَّ بالإقرار فهي أحلَّتِ وإن خرَّ للأحجار في البدِّ عاكفٌ … فلا تَعد بالإنكار بالعصَبيةِ وإن عَبَد النارَ المجوسُ ومَا انطَفَت … فما قصدوا غيري لأنوارِ عِزَّتي

стр. 857

° قلتُ (١): ومن هذه القصيدة: وَجُد في فنونِ الاتِّحادِ ولا تَحِدْ … إلى فئةٍ في غُرِّةِ العمرِ أصْبَتِ ° ومنها: إليَّ رسولاً كنتَ مِنِّي مُرْسَلاً … وذاتي أمانييُّ عليَّ استَقَلَّت وفي قصائده من هذا النمط فيما يتعلَّقُ بالاتحاد شيءٌ كثير، وقد كنتُ سألتُ شيخَنا الإِمامَ سِراجَ الدينِ البلقينيَّ عن ابن عربي، فبادَرَ الجواب بأنه كافر، فسألته عن ابن الفارض فقال: لا أحبُّ أن أتكلَّم فيه. قلتُ: فما الفرقُ بينهما والموضعُ واحد -وأنشدته من "التائية"-، فقطع علَيَّ بعدَ إنشادِ عِدَّةِ أبياتٍ بقوله: "هذا كفرٌ هذا كفر". ورأيتُ في كتاب "التوحيد" للشيخ عبد القادر القوصي قال: حَكى لي الشيخُ عبدُ العزيز بن عبدِ الغنيِّ المنوفي قال: كنتُ بجامعِ مصرَ وابنُ الفارض في الجامع وعليه حَلقة، فقام شابٌّ من عندِه وجاء إلى عندي، وقال: جَرَى لي مع هذا الشيخ حكايةٌ عجيبة -يعني ابن الفارض- قال: دَفَعَ إليَّ دراهمَ، وقال: اشتر لنا بها شيئًا للأكل، فاشتريت، ومَشَيْنا إلى الساحل، فنزلنا في مَركب حتى طَلَع النهنسا (٢) فطرق بابًا، فنزل شخصٌ، فقال: "بسم الله"، وطلَع الشيخ، فطلعت معه، وإذا بنسوةٍ بأيديهم الدُّفوف والشبَّابات وهم يغنون له، فرقص الشيخ إلى أن انتهى وفرغ، ونزلنا وسافرنا حتى جئنا إلى مصر، فبَقِيَ في نفسي، فلما كان في هذِهِ الساعة جاءه الشخصُ الذي فَتَح له الباب، فقال له: يا سيدي، فلانة ماتت -وذَكَر واحدةً من أولئك

стр. 858

الجواري-، فقال: اطلبو الدَّلاَّل، وقال: اشتَرِ لي جاريةً تُغَني بَدَلَها، ثم أمسك أُذُني، فقال: لا تُنْكِر على الفقراء" (١). * كَذِبُ ابنِ الفارض على رسول الله ﷺ -: ° هذه "التائية" وأبياتُها تطفحُ بالكفر والقولِ بوحدةِ الوجود، يدَّعى ابنُ الفارض أن النبيَّ ﷺ هو الذي اختار له اسمَها -كما هو مذكور في "ديباجة ديوانه"-: "سأل النبي ﷺ ابنَ الفارض مرَّةً أخرى في المنام عن قصيدته "التائية الكبرى": "ماذا سمَّاها؟ "، فأجابه بأنه سمَّاها "لوائح الجَنان وروائح الجِنان"، فقال له النبيُّ: لا، بل سَمِّها "نظم السلوك" .. " (٢). ومن هنا كانت شهرةُ هذه القصيدةِ بهذا الاسم. فكيف يَفتري على رسول الله ﷺ أنه هو الذي سمى له هذه الكلماتِ الكفريةَ؟! حاشاه. * وِحدةُ الأديانِ عند ابنِ الفارض: فبي مجلسُ الأذكار سَمع مطالعٍ … ولي حانةُ الخَمارِ عَينُ طليعةِ وما عَقَد الزُّنَّارَ (٣) حُكمًا سوى يَدِي … وإن حُل بالإقرار بي، فهْي حَلَّتِ وإِن نَارَ بالتنزيلِ مِحرابُ مسجدٍ … فما بارَ بالإنجيل هَيكلُ بَيعةِ وَأسفار توراةٍ الكليم لقومِه … يناجِي بها الأحبارَ في كلِّ ليلةِ وإن خرَّ للأحجارِ في البُدِّ عاكفٌ … فلا تَعْدُ بالإنكارِ بالعصبيةِ

стр. 859

فما زاغت الأبصارُ مِن كلِّ مِلَةٍ … وما رَاغَتِ الأفكارُ مِن كلِّ نِحْلةِ وما اختار مَنْ للشمس عن غُرَّة صبا … وإشراقُها من نورِ إسفارِ غُرتي وإنْ عَبَدَ النارَ المجوسُ وما انْطَفَتْ … كما جاء في الأخبار في ألفِ حِجةِ فما عَبَدوا غيرِي، وإنْ كان قَصدُهم … سوايَ وإنْ لَم يَعقِدوا عَقْدَ نِيتِي رَأوْا ضوءَ نارِي مرةً فتوهمو … هُ فضَلُّوا في الهُدى بالأشِعِّةِ ° قال الشيخ عبد الرحمن الوكيل: "يحكمُ سلطانُ الزنادقة بأن أولئك جميعًا -وهم المجوسُ، والوثنيون، واليهود، والنصارى- مؤمنون موحِّدون، لم يَعبُدوا غيرَ الله، إذ كل ما -أوْ مَن- عبدوه ليس شيئًا غيرَ الله". * الوحدةُ عند ابن الفارض: ° قال ابن الفارض: فلا تَكُ مفتونًا بحِسك مُعْجَبًا … بنفسِك موقوفًا على لَبْسِ غرةِ وفارِق ضلالَ الفَرْقِ فالجمعُ منتجٌ … هُدَى فُرْقَةٍ بالاتحاد ِتَحَدَّتِ وصرِّح بإطلاقِ الجَمَال ولا تَقُل … بتقييدِه مَيلاً لزخرفِ زِينةِ فكلُّ مليحٍ حُسنُه مِن جَمالها … معَارٌ له، أو حُسنُ كلِّ مليحةِ بها قيسُ لُبنى هام، بل كل عاشِقٍ … كمجنون ليلى، أو كُثيِّرِ عَزةِ فَكُلٌّ صَبَا منهم إلى وصفِ لَبْسها … لصورةِ حُسْنٍ لاح في حُسنِ صورةِ

стр. 860

وما ذاك إلاَّ أنْ بَدَتْ بمظاهرٍ … فظنُّوا سواها، وهْي فيها تجلَّتِ بَدَتْ باحتجابٍ، واختفت بمظاهرٍ … على صِبَغ التلوينِ في كل بَرْزَةِ (١) ففي النشأةِ الأولى تراءت لآدمٍ … بمظهرِ حَوَّا قبل حُكم الأمومةِ فهام بها كيما يصيرُ بها أبًا … ويظهَرُ بالزَّوجَينِ حُكمُ البُنُوَّةِ وما بَرحَت تبدو وتَخفَى لِعِلَّةٍ … على حَسَبِ الأوقاتِ في كلِّ حِقبةِ وتَظهرُ للعشَّاقِ في كلِّ مَظهرٍ … من اللَّبْسِ في أشكالِ حُسنٍ بديعةِ ففي مرةٍ لُبنَى، وأخرى بثينةٌ … وآونةً تُدْعى بِعَزَّةَ عزَّتِ وَلَسْنَ سواها لا ولا كُنَّ غيرَها … وما إنْ لها في حُسنِها مِن شريكةِ (٢) كذلك بحكم الاتِّحاد بحُسنِها … كما لي بَدَتْ في غيرها، وتَزَيَّتِ بدوْتُ لها في كلِّ صَبٍّ متيمٍ … بأيِّ بديعٍ، حسنُه وبأيَّتِ (٣) وليسوا بغيري في الهوى لِتَقَدُّمٍ … عَلَيَّ لِسَبْقٍ في الليالي القديمةِ وما القومُ غيري في هواها وإنما … ظهرتُ لهم لِلَّبْسِ في كلِّ هيئةِ ففي مرةٍ قيسًا، وأخرى كُثيِّرًا … وآونةً أبدو جميلَ بُثينةِ تَجلَّيتُ فيهم ظاهرًا وأحتجبتُ با … طِنًا بهمُ فاعجَبْ لِكَشْفٍ بِسُتْرَةِ أسامٍ بها كنت المسمَّى حقيقةً … وكنتُ ليَ البادي بِنَفسٍ تَخَفَّتِ

стр. 861

وما زِلتُ إيَّاها، وإيايَ لَم تَزَلْ … ولا فَرْقَ، بل ذاتي لذاتي أَحَبَّتِ (١) وليس معي في الكونِ شيءٌ سواي وال … مَعِيَّةُ لَم تخطر على ألمعِيَّتي (٢) * إِفكٌ على الله: ° يقول ابنُ الفارض في ضلالِه: وجاء حديثٌ في اتحادي ثابتٌ … روايتُه في النقلِ غيرُ ضَعيفةِ مشيرًا بحبِّ الحقِّ بعد تقرُّب … إليه بَنقْلٍ أو أداءِ فريضةِ وموضعُ تنبيه الإشارةِ ظاهرٌ … بـ "كنتُ له سَمعًا كنور الظَّهيرةِ" فَكلِّي لكلِّيَ طالب متوجِّهٌ … وبَعضي لبعض جاذبٌ بالأعنَّةِ

стр. 862

ومني بَدَا لي ما عَلَيَّ لَبستُه … وعنِّي البوادِي بي إليَّ أُعِيدْتِ وفيَّ شَهِدَتُ الساجِدِين لَمظهَري … فحقَقَّتُ أني كنتُ آدمَ سَجْدَتِي (١) تعانَقَتِ الأطرافُ (٢) عندي وانطوى … بِساطُ السِّوى عَدلاً بحُكم السَّويةِ

стр. 863

وليس "ألستُ" (١) الأمسِ غَيْرًا لمن غَدَا … وجنحِي غَدًا صُبْحي ويَومي ليلتي وسِرُّ "بلى" للَّهِ مِرآةُ كشفِها … وإثباتُ معنَى الجمعِ نَفْيُ المعيَّةِ (٢) ظهورُ صِفاتي عن أسامى جَوارحي … مجازًا بها للحُكمِ نفسي تَسَمَّتِ رُقومُ علومٍ في سُتورِ هياكلٍ … على ما وراءَ الحسِّ في النَفْسِ وَرتِ وأسماءُ ذاتِي عن صفاتِ جوانحي … جَوازَ الأسرارِ بها الرُّوحُ سَرتِ مظاهرُ لي بَدَوتُ فيها ولَم أكن … عَلَيَّ بخافٍ قَبْلَ موطنِ بَرْزَتي وَلما شَعَبْتُ الصَّدع، والتامَتْ فطَو … رُ شملٍ بفَرقِ الوصف غيرُ مشتَّتِ (٣) تحقَّقتُ أنَّا في الحقيقةِ واحدٌ … وأَثْبَتَ صحوُ الجَمعِ محوَ التَّشَتتِ (٤)

стр. 864

وإني، وإنْ كُنتُ ابنَ أدم صورةً … فلي فيه معنى شاهدٌ بأُبوَّتي * دِينُ ابنِ الفارض: ° يقول ابن الفارض: وَجُلْ في فنونِ الاتحاد، ولا تَحِدْ … إلى فئةٍ في غيرِه العمرَ أَفْنَتِ فواحدُه الجمُّ الغفيرُ ومَن عَدا … هـ شِرذمةٌ في غيرِه العمرَ أفنتِ فمُتْ بمعناه، وعشْ فيه، أو فمُتْ … معناه، واتَّبِعْ أُمةً فيه أُمَّتِ فأنت بهذا المَجدِ أَجدَرُ مِن أخي اجـ … ـتهادِ، مُجِدٍّ عن رجاءٍ وخِيفةِ فألغِ الكُنى عنِّي (١) ولا تُلغِ الكُنى … بها، فهي من آثارِ صيغةِ صنعتي وأيَّ بلادِ الله حَلَّت بها، فما … أراها، وفي عيني حَلَّتْ غيرَ مكةِ وأيَّ مكانٍ ضمَها حَرَمٌ كذا … أَرى كل دارٍ أوطنت دارَ هِجرةِ وما سكنتُه، فهو بيتُ مَقدسٍ … بُقرَّةِ عيني، فيه أحشايَ قَرَّتِ ومَسجدِي الأقصى مَساحِبُ بُردها … وطيبي ثَرَى أرضٍ عليها تمشَّتِ وشُكري لي، والبِرُّ منِّي واصلٌ … إليَّ، ونفسي باتحادي استبدَّتِ

стр. 865

وثَمَّ أمورٌ تَمَّ لي كَشفُ سِترِها … بصحوٍ مفيقٍ عن سواى تَغَطَّتِ بها لَم يَبُحْ مَن لم يُبِحْ دَمَه، وفي … الإشارة معنى ما العبارةُ حَدَّتِ وقلبي بيتٌ فيه أسكنُ دونَه … ظهورُ صِفاتي عنه مِن حَجْبيَّتي ومنها يميني في رُكنٌ مقبَّلٌ … ومِن قبِلتي للحُكم في فيَّ قِبلَتي وحَولِي بالمعنى طوافي حقيقةً … وسَعي لوجهي من صفائي لِمَرْوَتي (١) وفي حَرَمٍ من باطني أمنُ ظاهرِي … ومِن حَوله يُخشى تخطُّف جِيرتي (٢) وشَفع وجُودي في شُهودي ظَلَّ في … اتحادي وِترًا في تيقُّظِ غَفْوَتي (٣)

стр. 866

ولَم أله باللاهوتِ عن حكم مَظهرَي … ولم أَنْسَ بالناسوت مَظهَرَ حِكمتي وقد جاءني منِّي رسولٌ عليه ما … عَنِتُّ عزيزٌ بي، حريصٌ لرأفةِ ومِن عَهدِ عَهدِي قبلَ عَصرِ عناصري … إلى دارِ بَعثٍ قبلَ إنذارِ بَعثةِ إليَّ رسولاً كنتُ منِّي مرسِلاً … وذاتي بآياتي عليَّ استدلَّتِ ° وقال ابن الفارض: ولا تَحسَبَنَّ الأمرَ عني خارجًا … فما ساد إلاَّ داخلٌ في عُبودتي ولولايَ لَم يوجدْ وجودٌ، ولَم يكن … شهودٌ، ولَم تُعْهَد عهودٌ بذمَّةِ وفي عالَم التركيب في كلِّ صورةٍ … ظَهَرَتْ بمعنى عنه بالحُسنِ زِينتي وضربي لك الأمثالَ منِّي مِنةٌ … عليك بشأني مرةً بعدَ مرَّةِ تأمَّلْ مقاماتِ السُّرُوجِيِّ (١) واعتبِرْ … بتلوينه، تَحْمِلْ قبولَ مَشورتي وتَدْرِ التباسَ النفسِ بالحسِّ باطنًا … بمَظهرها في كلِّ شكلٍ وصورةِ وشاهِدْ إذا استجليتَ نفسَك ما ترى … بغير مَراءٍ في المَرَائي الصَّقيلةِ (٢)

стр. 867

أغَيْرُكَ فيها لاحَ، أم أنت ناظرٌ … إليك بها عند انعكاسِ الأشعَّةِ وأصْغِ لِرَجعِ الصوتِ عند انقطاعهِ … إليك بأكنافِ القُصورِ المَشِيدةِ أهَلْ كان مَن ناجاك ثَمَّ سواك، أَم … سمعتَ خِطابًا عن صداك للمُصَوِّتِ؟ وقل لي: مَن ألقى إليك عُلومَه … وقد رَكَدَتْ مِنك الحواسُّ بَغفلةِ وما كنتَ تدرِي قبل يومِك ما جرى … بأمسِك، أو ما سوف يَجرِي بَغدْوَةِ فأصبحتَ ذا عِلمٍ بأخبارِ مَن مضى … وأسرارِ مَن يأتي مُدِلاًّ بخِبرةِ أتحسَبُ مَن جاراك في سُنَّة الكَرَى … سواك بأنواعِ العلومِ الجليلةِ وما هي إلاَّ النفسُ عند اشتَغالها … بعالَمها عن مظهرِ البشريةِ تَجلَّت لها بالغَيب في شكلِ عالَمٍ … هَداها إلى فَهم المعاني الغريبةِ ولا تك مِمَّن طيشَتْهُ دُروسُه … بحيث استقلَّت عقلَه واستفزَّتِ فثَمَّ وراءَ النقلِ عِلمٌ يَدِقُّ عن … مَدارِكِ غاياتِ العقولِ السليمةِ (١)

стр. 868

تلقيتُه (١) مني، وعنِّي أخذتُه … ونَفسي كانت من عَطائي مُمِدَّتي ولا تكُ باللاهي عن اللهوِ جُملةً … فَهَزْلُ المَلاهي جِدُّ نفسٍ مُجِدَّةِ ° وقال ابن الفارض: أَمَّمتُ أمامي في الحقيقة، فالورى … وَرائي وكانت حيثُ وَجَّهتُ وِجهتي يراها أمامي في صلاتي ناظري … ويَشهدُني قلبي إمامَ أئمَّتي ولا غَرْوَ أنْ صَلى الأنامُ إليَّ، أنْ … ثَوَتْ بفؤادي وهي قِبلةُ قِبلتي لها صلواتٌ بالمقام أُقيمها … وأَشهدُ فيها أنها ليَ صَلَّتِ كِلانا مُصَلٍّ ساجدٌ إلى … حقيقتهِ بالجَمعِ في كلِّ سجدةِ وما كان لي صَلَّى سواى، ولَم تكن … صلاتي لغَيري في أدَا كلِّ ركعةِ إلى كم أُواخِي (٢) السِّتْرَ، ها قد هَتكتُه … وحلُّ أَواخي (٣) الحُجْبِ في عَقدِ بَيعتي أفاد اتخاذي حُبَّها لاتِّحادِنا … نَوادر عن عادِ المُحبِّين شَذَّتِ وفي الصَّحْوِ بعد المَحْو (٤) لم أَكُ غيرَها … وذاتي بذاتي إذ تَحلَّتْ تَجلَّتِ

стр. 869

فوصفي إذ لم تَدعُ باثنينِ وَصفُها … وهيئتُها -إذ واحدٌ نحن- هيئتي فإنْ دُعيتُ كنتُ المُجيبَ، وإن أكن … منادِي أجابت مَن دعاني وَلبتِ وإن نَطَقَتْ كنتُ المناجي، كذاك إن … قصصتُ حديثًا، إنما هي قَصَّتِ فقد رفعتُ تاءَ المخاطَبِ بيننا … وفي رَفعِها عن فِرقةِ الفَرْقِ رِفعتي فجاهِد تشاهِدْ فيك منك وراءَ ما … وَصفتُ سكوتًا عن وجودِ سكينةِ فمِن بعد ما جاهدتُ، شاهدتُ مَشهَدي … وهاديَّ لي إيايَ، بل بي قُدوتي فبي موقفي، لا، بل إليَّ توجُّهي … كذاك صلاتي لي، ومنِّي كَعبتي * خَطَرُ صَرفِ الكلامِ عن ظاهره: ° قال الغزَّاليُّ في أولِ "الإحياء" من كتاب "العلم" ما حاصله: "إن الكلامَ إن كان ظاهرًا في الكفر بالاتحاد، فقَتلُ واحدٍ ممن يقولُ به أفضلُ من إحياءِ عَشَرةِ أنفُس، وإن كان فَهمُه مشكِلاً، فلا يَحِلُّ ذِكرُه".

стр. 870

° وقال: "إن الألفاظ إذا صُرفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصامٍ بنقلٍ عن صاحب الشرع، وبغير ضرورةٍ تدعو إلى ذلك من دليلِ العقل، اقتَضى ذلك بُطلانَ الثقةِ بالألفاظ". ° ثم قال: "والباطنُ لا ضَبْطَ له، بل تتعارَضُ فيه الخواطر". ° ثم قال: "وبهذا الطريق توصَّل الباطنيةُ إلى هَدمِ جميعِ الشريعة" (١). * "التائية" و"الفصوص": لا فرق بين "التائية" و"الفصوص" إلا بكونه نثرًا، وكونِها نظمًا. ° ورَوى ابنُ المِقرِي أن ابنَ عربيٍّ طَلَب إلى ابن الفارض أن يَضَعَ شرحًا لتائيته الكبرى، فأجابه ابنُ الفارض بقوله: "كتابك "الفتوحات المكية" شرحٌ لها" (٢). ° قال الدكتور محمد مصطفى حلمي: "هذه الروايةُ ليست من الوضوح بحيث نتبيَّنُ منها أكان ما طَلَبَه ابنُ عربي إلى ابن الفارض بطريقِ الاتصالِ الشخصي، أم كان بطريقٍ آخَرَ كإيفادِ رسولٍ أو إرسالِ كتاب" (٣). ° وقد حُكي عن صَدرِ الدين محمدِ بنِ إسحاقَ القُونوي -وهو تلميذ ابن عربي-، أنه عَرَض لهذا الأخيرِ في شرح "التائية"، فقال ابنُ عربي للصدر: "لهذه العروس بَعْلٌ مِن أولادك"، فَشَرَحها الفَرغاني وعفيفُ الدين سليمان بن علي التلمساني، وكلاهما من تلاميذ صدر الدين (٤)،

стр. 871

الذي كان بدورِه تلميذًا لابن عربي، كما كان القاشَاني والنابلسي تلميذَينِ من تلاميذِ مدرسته، غير أن الأستاذ "نلِّينو" يرى أن القاشاني أكثرَ أمانةً في شرحه من النابلسي، وذلك لأن القاشاني تُوفِّي بعد ابن الفارض بقرنٍ من الزمان، في حين أن النابلسي تُوفِّي بعده بأكثر من خمسةِ قرون (١). ° ورُوي أن الفَرغاني قرأ "التائية" على جلالِ الدين الرومي وشَرَحها بالفارسية، ثم بالعربية، وسَمَّى شرحه "منتهى المدارك" (٢). وقد بدأ ابنُ عربي كتابة "فصوص الحكم " في أوائل سنة ٦٢٧ هـ وانتهى منه سنة ٦٢٨ هـ، فإن صَحَّ هذا التاريخُ كان معناه أن كتاب الفصوص تمَت كتابته قبلَ وفاةِ ابن الفارض بأربعة أعوام، وإذن فلا يَبعُدُ أن يكون ابنُ الفارض قد اطَلع على هذا الكتاب عندما أخذ يُملِي ديوانَه بـ "القاهرة" فيما بين سنتي ٦٢٨ أو ٦٢٩ هـ و ٦٣٢ هـ، وأن تكون بعضُ العناصرِ الموجودة في "الفصوص" قد امَتَزَجَت ببعضِ أبياتِ "التائية الكبرى"، غير أننا لا نعتقدُ مع ذلك ما يعتقدُه بعض القدماء -كالشيخ مدين وغيره- من أن "التائية" هي "الفصوص" لا فرقَ بينهما إلاَّ في أنَّ هذه نثرٌ وتلك شِعرٌ (٣)؛ وإنما الذي نعتقدُه هو أن يكونَ ابنُ الفارض قد استعان ببعضِ الألفاظِ والعباراتِ والأمثلةِ التي وَرَدَت في "الفصوص" إلى هذا ذهب الدكتور محمد مصطفى حلمي في كتابه (٤).

стр. 872

أعاذنا الله من اعتقادِ ابنِ الفارض، وابن عربي، والعفيفِ التلمساني، والقونوي، وابن هود، وابن سبعين، وتلميذِه الشيشتري، وابن مظفَّر، والصَّفَّار، وعامرِ البوصيري، ونجم الدين بن إسرائيل، وأوحد الدين الكِرماني. ° وإني لأعجبُ مما كَتَبه شيخ الأزهر "مصطفى عبد الرازق" من مقدمة لكتاب الدكتور محمد مصطفى حلمي عن "ابن الفارض والحب الإلهي" وقوله عنه: "ولكنْ واضعُ الكتاب قد وفِّق في كثير من الأمور إلى أن يكشفَ وجهَ الحقِّ عن هذه الطعون التي وجِّهت إلى ابنِ الفارض، وأن يخلقَ منها تمجيدًا لهذا الصوفيِّ ورَفعًا لشأنه" (١). ° وابن الفارض عند ابن تيمية من القائلين "بوحدة الوجود" التي يَصدر فيها أصحابها عن أصلَينِ باطِلَينِ يُخالفانِ دينَ المسلمين واليهود والنصارى مخالفتَهما للمعقول والمنقول: وأحدُ هذين الأصلين: هو الحلول والاتحاد، وما يقاربُهما من قولٍ بوحدة الوجود، وهو مذهب القائلين بأن الوجودَ واحدٌ لا فرقَ في ذلك بين الموجود الواجبِ للخالق، والوجودِ الممكن للمخلوق (٢). وعند ابن تيمية أن مَثَلَ القائلين: بـ "وحدةِ الوجود" كمَثَل النصارى وغالية الشِّيعة في القول: بـ "الاتحاد والحلول"؛ إلاَّ أن هؤلاء يقولون: بـ "الحلولِ المقيَّد الخاصِّ" الذي ينتهي بتأليه السيح أو عليٍّ، وأولئك

стр. 873

يقولون: بـ "الحلول المطلَق العام"، ولا يشكُّ ابنُ تيميةَ في أنَّ في قولِ هذا الفريقِ الأخير من الكفر والضلال ما هو أعظمُ مما في قولِ اليهود والنصارى (١). أما ثاني الأصلين: فهو الاحتجاجُ بالقَدَر على فِعل المحظور، والقَدَرُ -في رأي ابن تيمية- يجبُ الإيمانُ به، ولا يجوزُ الاحتجاجُ به على مخالفةِ أمرِ الله ونهيه، ووعدِه ووعيده (٢). ° قال ابنُ تيمية في "مجموع الفتاوى" (٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦): "وكذلك ما في شِعرِ ابنِ الفارض في قصيدته التي سمَّاها "نظم السلوك" كقوله: لها صَلواتي بالمَقام أُقيمُها … وأَشهَدُ فيها أنها لي صلَّتِ كِلانا مُصَلٍّ واحدٌ ساجد إلى … حقيقتِه بالجمعِ في كلِّ سجدةِ وما كان لي صَلَّى سِواىَ، ولم تكنْ … صلاتي لغيرِي في أدا كُلِّ سَجدةِ ° وقوله: وما زلت إيَّاها، وإيَّاي لم تَزَلْ … ولا فَرْقَ، بل ذاتي لذاتي أَحَبَّتِ ° وقوله: إليَّ رسولاً، كنتُ مني مُرْسَلاً … وذاتي بآياتي عليَّ استدلَّتِ ° فأقوال هؤلاء ونحوها: باطنُها أعظمُ كُفرًا وإلحادًا من ظاهرها؛ فإنه قد يُظنُّ أن ظاهرها من جنسِ كلام الشيوخ العارفين، أهلِ التحقيق والتوحيد، وأما باطنُها فإنه أعظمُ كفرًا وكَذبًا وجهلاً من كلامِ اليهود

стр. 874

والنصارى وعُبَّادِ الأصنام" (١). ° وممن كَفَّر ابنَ عربيٍّ وابنَ الفارض الإمامُ بُرهانُ الدين إبراهيم البِقاعي المتوفَّى سنة ٨٥٨ هـ، فقد أفرد كتابيْن تناوَلَ فيهما ابنَ عربي وابنَ الفارض، وأبان عن ضلالِ مذهبهما، وفسادِ عقيدتهما، وانحلالِ خُلقُهما، هذان الكتابان هما: "تنبيهُ الغبيِّ على تكفير ابن عربيِّ"، و"تحذير العِباد من أهل العناد، ببدعة الاتحاد"، وقد جَمَع البقاعيُّ أسماءَ طائفةٍ كبيرةٍ من علماء الدين، وذَكَرَ كثيرًا من الكتب إلى كلِّ أولئك في إثباتِ ما يقولُه عن ابن عربيٍّ وابن الفارض من مطاعن تَنالُ من خُلقهما وعقيدتهما الدينية ومذهبِهما الصوفي، وتَضعُهما في زُمرةِ الكَفَرةِ أو الزنادقة أو المُلحِدين، فهو ينقلُ مثلاً عن عَضُدِ الدين الإيجي صاحب "المواقف" قولَه عن ابن عربي وهو: "أنه كان كذَّابًا حشَّاشًا كأوغِاد الأوباش" (٢)، وقوله عن ابن الفارض الذي يُبيِّن فيه أن الشاعرَ كان متابعًا لابنِ عربي في ذلك وهو: " .. وقد تَبِعه في ذلك ابنُ الفارض حيث يقول: "أَمَرني النبي ﷺ بتسميةِ التائية: نظم السلوك"، إذ لا يَخفى على العاقل أن ذلك من الخيالاتِ المتناقضة الحاصلة من الحشيش، إذ عندهم أن وجودَ الكائناتِ هو الله تعالى، فإذن الكلُّ هو الله، فلا نبيَّ ولا رسول، ولا مُرسِلَ ولا مرسَلَ إليه .. " (٣). ويحاول البقاعيُّ في كتابيه المشارِ إليهما أن يوازِنَ بين "فصوص الحكم" لابن عربي وبين "تائية" ابن الفارض الكبرى، وتنتهي به الموازنة إلى أن المذهبَ الذي يُقرِّرُه الرجلانِ في هذين الأثرين هو مذهبُ وحدةِ

стр. 875

الوجود، وأنه لا فرقَ بين "الفصوص" و"التائية" إلاَّ في أن هذه شِعر، في حين أن تلك نثر: فابنُ الفارض من هذه الناحيةِ كابنِ عربي مِن القائلين بـ "وِحدة الوجود" .. وذهب إلى أن ابنَ الفارض لم يُوجَد لأحدٍ من أهلِ عصره -الخبيرِينَ بحاله- ثناءٌ عليه بعدالةٍ أو ولاية، ولا ظَهَر عنه علمٌ من العلوم الدينية، ولا مَدَح النبي ﷺ بقصيدةٍ واحدة على كثرةِ شعره، فدل ذلك على سُوء طويته، وأن القَدْحَ قد نُقل فيه نقلاً قطعيًّا عن مُحبِّيه ومبغضيه: فقد قال شُرَّاح "تائيته"، التابعون لطريقته، والمنتقِدون عليه من أهل السُنة: "إن أهلَ زمانه -وكلُّهم من أهلِ الشريعة- رَمَوه بالفِسق والإباحة" (١)، وقد أيَّد البِقاعيُّ مذهبَه في ابنِ الفارض، فعدَّد نحوًا من أربعين عالِمًا، هم دعائمُ الدينِ من عصرِ ابن الفارض إلى عصرِ البقاعي، وكلهم يَرمي الرجلَ بما يَنظمُه في سِلك الكَفَرة أو الزنادقة أو الملحِدين أو الإباحيين، ويجرحَ مذهبَه فيجعلُه في عدِادِ المذاهب الضالَّة، والعقائدِ الفاسدة (٢)، ومن هؤلاء العلماء عزُّ الدين بنُ عبد السلام، وابنُ دقيق العيد، وتقيُّ الدين السبكي، وبَدرُ الدين ابنُ جَماعة وزينُ الدين الحَنَفي، وشرفُ الدين الزواوي المالكي، وسعدُ الدين الحنبلي (٣). ولم يَقِفِ البقاعيُّ عند هذا الحدِّ من ذِكرِ أسماء العلماء، بل تجاوَزَه إلى ذِكرِ أسماءِ الكتب التي لأصحابها رأيٌ في كلٍّ مِن ابنِ عربىِّ وابنِ الفارض ومذهبيهما: فهو يذكرُ من هذه الكتب "الميزان" و"لسان الميزان" وكلاهما

стр. 876

لابن حجر العسقلاني، و"تاريخ ابن كثير" و"ناصحة الموحدين وفاضحة الملحدين" للعلاء البخاري، و"الفتاوى الكنية" للعراقي، و"تاريخ العيني"، و"شرح التائية" للبساطي، و"كشف الغطاء" لابن الأهدل. وهكذا يَتَّهمُ البقاعيُّ ابنَ الفارض وابنَ عربي في خُلقهما، ويؤيِّدُ اتهامَه بما زَعَمه صاحبُ "المواقف" من أنهما كانا يصطنعانِ الحشيش، ومِن أن ما انتهيا إليه من تقريرِ "الوحدة" ونفيِ الإِثنية والكثرة إنما هو ضربٌ من الوهم والخيال الذي يحصلُ في العقل من فعلَ الحشيش. ° ويقولُ العلاَّمة صالح بن مهدي المَقْبَليُّ اليمني صاحب كتاب "العَلَم الشامخ، في "إيثارِ الحق على الآباء والمشايخ": " .. يكفيك في كلامِ ابن الفارض الذي أذعنوا له طرًّا ما ظاهرُه الاتحاد، والتزامُ الكفر، والتَرفُّعُ على الأنبياء، وعلى الجُملة فلم يَبْقَ ما يمكنُ دعواه من المقاماتِ الرفيعة، ولا ما تأتي به الخلاعةُ من البَذاءة الشنيعة إلاَّ ادَّعاه" (١). ° يقول ابن الفارض: خَلَعتُ عذاري واعتذارِي لابِسَ الـ … خلاعةِ مسرورًا بخَلعي وخَلعَتي وخَلعُ عذاري فيك فرضي وإنْ أبى اقـ … ـترابي قومي والخلاعةُ سُنَّتي وليسوا بقومي ما استعابوا تهتُّكي … فأبدَوا قِلى واستَحسَنوا فيك جَفْوَتي وأهلي في دين الهوى أهله وقد … رَضُوا لي عارِي واستطابوا فضيحتي ° وقد دافع السيوطي عن ابنِ الفارض، وألَّف في ذلك كتابه "قمع المُعارض بنصرة ابن الفارض"، ولا عِبرةَ بكلامه ﵀، إذ يقول عن

стр. 877

ابن الفارض: "ألَم يجتمعْ به الشهابُ السُّهْرَوَرْدي، وحَلاَّه بالطراز اللازوردي، ومقامُه في علم الشريعة والحقيقة معروف، ومَحِلُّه في العَظَمة والجلالة مرسومٌ وموصوف؛ وقد كان داعيًا مرشدًا، ومَسْلكًا به يُقتدي، فلا أنكَرَ عليه، أو حَذَّر الناسَ مما لديه، بل شَهِد له بالمحبَّة، ودَلَّ عليه تلامذتَه وصَحبَه؟! ألم يجتمع به حافظُ عصرِه وزاهدُه الشيخ زكي الدين المنذري وغيرُه من حُفَّاظِ الحديث؟. وكم إمامٍ كان في عصره، في حجازِهِ وشامه ومصره، فما منهم أحدٌ وجَّه إليه إنكارًا ولا حطَّ مقدارًا ولا هَدَمَ له مَنَارًا، وذلك لِمَا شاهَدوه من سَنِيِّ أحوالِه، وتواتَرَ عندَهم من أنه مُحِبٌّ عاشقٌ واله" (١). هذا قول السيوطي!!!. ° وانظر ما قاله الدكتور محمد مصطفى حلمي في كتابه "ابن الفارض والحب الإِلهي": "هناك قصةٌ أخيرة تُظهِرُنا على أن ابن الفارض: انتهى في آخِرِ لحظاتِ حياتِه إلى رؤية الله، وهي عند القومِ غايةُ الكرامة: فقد قصَّ بُرهانُ الدين الجَعبري على ولدِ ابنِ الفارض قصةً وصَف فيه الشاعرَ وما وَقَع له عند احتضارِه، وقد كان الجعبريُّ أحدَ الذين حَضَروا ذلك الاحتضارَ من الأولياء، ومِن هذه القصة نتبيَّنُ أن ابنَ الفارض عندما حَضَرته الوفاةُ تمثَّلت له الجنةُ أمامَ عينيه، ولكنه ما كاد يراها حتى تأوَّه وصَرَخَ صرخةً عظيمةً وبكى بكاء شديدًا وتغيَّر لونه وقال: إن كان منزلتي في الحُبِّ عندكمُ … ما قد رأيتُ فقد ضيَّعتُ أيامي

стр. 878

أمنيةٌ ظَفِرَتْ رُوحي بها زمنًا … واليومَ أحسَبُها أضغاثَ أحلامِ وهنا قال له الجعبري: إن هذا مقامٌ عظيم، فردَّ عليه ابنُ الفارض قائلاً: "يا إبراهيم، رابعة العدوية تقول وهي امرأة: وعزّتِك ما عَبَدتُك خوفًا من نارك ولا رغبةً في جنتك، بل كرامةً لوجهك الكريم ومحبةً فيك، وليس هذا المقام الذي كنت أطلبُه، وقَضيتُ عُمري في السلوك إليه. قال الجعبري: فسمعتُ قائلاً يقول بين السماء والأرض أسمعُ صوتَه ولا أرى شخصه: يا عمر، فما تروم؟ فقال: أرومُ وقد طال المَدَى منك نظرةً … وكم من دماءٍ دونَ مرمايَ طَلَّتِ قال الجعبري: ثم بعد ذلك تهلَّل وجهه وتبسَّم وقَضَى نَحْبَه فَرِحًا مسرورًا، فعَلِمتُ أنه أُعطى مرامه" (١). فإن صحَّ فَهمُ الجعبري لهذا المرام على أنه رؤيةُ الله، وظَفِر ابنُ الفارض بهذه النظرةِ التي طالما رامها، وسُفكت في سبيلها الدماء، فإنه ينبغي على ذلك أن يكون شاعرُنا قد تحقَّق أخيرًا بأسمى الكرامات وأرقى خوارق العادات، ومع هذا فإنَّ هناك فريقًا من الصوفية قد أجمع على أن الله لا يُرى في الدنيا بالأبصار ولا بالقلوب إلاَّ من جهةِ الإيقان؛ لأنه غايةُ الكرامة وأفضلُ النِّعم، ولا يجوزُ أن يكونَ ذلك إلاَّ في أفضلِ المكان، ولو أُعطى القومُ في الدنيا أفضلَ النِّعم، لَم يكن بين الدنيا الفانية والجنة الباقية فَرق، ٌ ولَمَّا مَنَع الله سبحانه كليمَه ﵇ ذلك في الدنيا، كان مَن هو دونه أحرى؛ وأخرى أن الدنيا دارُ فناء، ولا يجوزُ أن يُرى الباقي في

стр. 879

الدار الفانية (١). وهذا الإنكارُ لرؤيةِ الله في الدنيا، إن صَحَّ بالقياس إلى مَن يَدَعي هذه الرؤية من الصوفية وهو ما يزالُ غارقًا في بحرِ الحياة، فإنه لا يصحُّ بالقياسِ إلى حالِ ابنِ الفارض كما تُصوِّرُها القصةُ المذكورة آنفًا: فهو هنا قد وَلَّى من الحياة وتولَّت عنه الحياة بما فيها من متاعٍ دنيويٍّ ماديٍّ، وأقبل عليه الموتُ، وأصبح من العالَم العلويِّ قابَ قوسين أو أدنى؛ فليس ثَمَّةَ ما يمنعُ إذًا من أن يُكرمَه الله برؤيته في هذه اللحظةِ الأخيرة من حياته التي ستصعدُ رُوحُه فيها إلى السماءِ، وستَنعمُ في ظلِّ بارئها بكلِّ ألوانِ النعيم والسعادة والسَّناء" (٢). فإن كان هؤلاء الناسُ يَجهلون ما يعرفُه عوامُّ المسلمين من أن الله لا يُرَى في الدنيا لأحدٍ من البشر، إن كان لم يَرَه موسى وهو كليمُه فكيف يراه ابنُ الفارض؟!! ثم يتكلَّمون بعدَ هذا في دينِ الله . ° ولكنِ انظر إلى الثقةِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيمية ما يقول في موت ابن الفارض: "حدثني الشيخ رشيد الدين بن المعلِّم، عن الشيخ إبراهيم الجعبري أنه حَضَر ابنَ الفارض عند الموت وهو ينشد: إنْ كان منزلتي في الحُبِّ عندكمُ … ما قدْ لَقيتُ فقد ضيَّعت أيامي أمنيةٌ ظَفَرتْ نفسِي بها زَمنًا … واليومَ أَحسَبُها أضغاثَ أحلامِ وحدَّثني الفقيهُ الفاضل تاجُ الدين الزنباري، أنه سمع الشيخَ إبراهيم الجعبري يقول: "رأيتُ في منامي ابنُ عربي، وابنَ الفارض، وهما شيخانِ

стр. 880

أعْمَيانِ يَمشِيانِ ويتعثَّران، ويقولان: كيف الطريق؟ وأين الطريق؟ ". ° وحدثني شهابُ الدين المِزِّي، عن شرف الدين بن الشيخ نجم الدين ابن الحكيم عن أبيه أنه قال: قَدِمتُ دمشقَ، فصادفت موتَ ابن عربي، فرأيتُ جنازتَه كأنما ذُرَّ عليها الرماد، فرأيتُها لا تشُبه جنائزَ الأولياء" (١). ° وقال ابنُ تيمية: "وقد صنَّف بعضُهم -أي: أهل الاتحاد- كُتُبًا وقصائدَ على مذهبِه، مِثْلِ قصيدةِ ابنِ الفارض المُسمَّاه بـ "نظم السلوك"، يقول فيها: لها صلواتي بالمقام أُقيمها … وأشهَدُ فيها أنها لي صَلَّت كلانا مُصَل واحدٌ ساجدٌ إلى … حقيقتِه بالجمع في كُلِّ سجْدَةِ وما كانَ لي صَلَّى سوايَ ولمْ تكُن … صلاتي لغيري في أدا كُلِّ ركعةِ ثم قال: إلى مثل هذا الكلام -أي: الدالِّ على الاتحاد-، ولهذا كان عند الموت يُنشِد: إن كان منزلتي في الحبِّ عندكمُ … ما قد رأيتُ فقد ضَيَّعتُ أيامي أُمْنَيةٌ ظفِرتْ رُوحي بها زمَنًا … واليوم أحسَبُها أضعاثَ أحلامِي فإنه كان يظنُّ أنه الله، فلمَّا حَضَرت ملائكةُ الله لقبضِ روحه، تبيَّن له بطلانَ ما كان يظنه" (٢).
следующие страницы →