← Сира

Сира · id 96964

وا محمداه إن شانئك هو الأبتر

سيد حسين العفاني

Полный текст (2 668 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

لابن حجر العسقلاني، و"تاريخ ابن كثير" و"ناصحة الموحدين وفاضحة الملحدين" للعلاء البخاري، و"الفتاوى الكنية" للعراقي، و"تاريخ العيني"، و"شرح التائية" للبساطي، و"كشف الغطاء" لابن الأهدل. وهكذا يَتَّهمُ البقاعيُّ ابنَ الفارض وابنَ عربي في خُلقهما، ويؤيِّدُ اتهامَه بما زَعَمه صاحبُ "المواقف" من أنهما كانا يصطنعانِ الحشيش، ومِن أن ما انتهيا إليه من تقريرِ "الوحدة" ونفيِ الإِثنية والكثرة إنما هو ضربٌ من الوهم والخيال الذي يحصلُ في العقل من فعلَ الحشيش. ° ويقولُ العلاَّمة صالح بن مهدي المَقْبَليُّ اليمني صاحب كتاب "العَلَم الشامخ، في "إيثارِ الحق على الآباء والمشايخ": " .. يكفيك في كلامِ ابن الفارض الذي أذعنوا له طرًّا ما ظاهرُه الاتحاد، والتزامُ الكفر، والتَرفُّعُ على الأنبياء، وعلى الجُملة فلم يَبْقَ ما يمكنُ دعواه من المقاماتِ الرفيعة، ولا ما تأتي به الخلاعةُ من البَذاءة الشنيعة إلاَّ ادَّعاه" (١). ° يقول ابن الفارض: خَلَعتُ عذاري واعتذارِي لابِسَ الـ … خلاعةِ مسرورًا بخَلعي وخَلعَتي وخَلعُ عذاري فيك فرضي وإنْ أبى اقـ … ـترابي قومي والخلاعةُ سُنَّتي وليسوا بقومي ما استعابوا تهتُّكي … فأبدَوا قِلى واستَحسَنوا فيك جَفْوَتي وأهلي في دين الهوى أهله وقد … رَضُوا لي عارِي واستطابوا فضيحتي ° وقد دافع السيوطي عن ابنِ الفارض، وألَّف في ذلك كتابه "قمع المُعارض بنصرة ابن الفارض"، ولا عِبرةَ بكلامه ﵀، إذ يقول عن

стр. 877

ابن الفارض: "ألَم يجتمعْ به الشهابُ السُّهْرَوَرْدي، وحَلاَّه بالطراز اللازوردي، ومقامُه في علم الشريعة والحقيقة معروف، ومَحِلُّه في العَظَمة والجلالة مرسومٌ وموصوف؛ وقد كان داعيًا مرشدًا، ومَسْلكًا به يُقتدي، فلا أنكَرَ عليه، أو حَذَّر الناسَ مما لديه، بل شَهِد له بالمحبَّة، ودَلَّ عليه تلامذتَه وصَحبَه؟! ألم يجتمع به حافظُ عصرِه وزاهدُه الشيخ زكي الدين المنذري وغيرُه من حُفَّاظِ الحديث؟. وكم إمامٍ كان في عصره، في حجازِهِ وشامه ومصره، فما منهم أحدٌ وجَّه إليه إنكارًا ولا حطَّ مقدارًا ولا هَدَمَ له مَنَارًا، وذلك لِمَا شاهَدوه من سَنِيِّ أحوالِه، وتواتَرَ عندَهم من أنه مُحِبٌّ عاشقٌ واله" (١). هذا قول السيوطي!!!. ° وانظر ما قاله الدكتور محمد مصطفى حلمي في كتابه "ابن الفارض والحب الإِلهي": "هناك قصةٌ أخيرة تُظهِرُنا على أن ابن الفارض: انتهى في آخِرِ لحظاتِ حياتِه إلى رؤية الله، وهي عند القومِ غايةُ الكرامة: فقد قصَّ بُرهانُ الدين الجَعبري على ولدِ ابنِ الفارض قصةً وصَف فيه الشاعرَ وما وَقَع له عند احتضارِه، وقد كان الجعبريُّ أحدَ الذين حَضَروا ذلك الاحتضارَ من الأولياء، ومِن هذه القصة نتبيَّنُ أن ابنَ الفارض عندما حَضَرته الوفاةُ تمثَّلت له الجنةُ أمامَ عينيه، ولكنه ما كاد يراها حتى تأوَّه وصَرَخَ صرخةً عظيمةً وبكى بكاء شديدًا وتغيَّر لونه وقال: إن كان منزلتي في الحُبِّ عندكمُ … ما قد رأيتُ فقد ضيَّعتُ أيامي

стр. 878

أمنيةٌ ظَفِرَتْ رُوحي بها زمنًا … واليومَ أحسَبُها أضغاثَ أحلامِ وهنا قال له الجعبري: إن هذا مقامٌ عظيم، فردَّ عليه ابنُ الفارض قائلاً: "يا إبراهيم، رابعة العدوية تقول وهي امرأة: وعزّتِك ما عَبَدتُك خوفًا من نارك ولا رغبةً في جنتك، بل كرامةً لوجهك الكريم ومحبةً فيك، وليس هذا المقام الذي كنت أطلبُه، وقَضيتُ عُمري في السلوك إليه. قال الجعبري: فسمعتُ قائلاً يقول بين السماء والأرض أسمعُ صوتَه ولا أرى شخصه: يا عمر، فما تروم؟ فقال: أرومُ وقد طال المَدَى منك نظرةً … وكم من دماءٍ دونَ مرمايَ طَلَّتِ قال الجعبري: ثم بعد ذلك تهلَّل وجهه وتبسَّم وقَضَى نَحْبَه فَرِحًا مسرورًا، فعَلِمتُ أنه أُعطى مرامه" (١). فإن صحَّ فَهمُ الجعبري لهذا المرام على أنه رؤيةُ الله، وظَفِر ابنُ الفارض بهذه النظرةِ التي طالما رامها، وسُفكت في سبيلها الدماء، فإنه ينبغي على ذلك أن يكون شاعرُنا قد تحقَّق أخيرًا بأسمى الكرامات وأرقى خوارق العادات، ومع هذا فإنَّ هناك فريقًا من الصوفية قد أجمع على أن الله لا يُرى في الدنيا بالأبصار ولا بالقلوب إلاَّ من جهةِ الإيقان؛ لأنه غايةُ الكرامة وأفضلُ النِّعم، ولا يجوزُ أن يكونَ ذلك إلاَّ في أفضلِ المكان، ولو أُعطى القومُ في الدنيا أفضلَ النِّعم، لَم يكن بين الدنيا الفانية والجنة الباقية فَرق، ٌ ولَمَّا مَنَع الله سبحانه كليمَه ﵇ ذلك في الدنيا، كان مَن هو دونه أحرى؛ وأخرى أن الدنيا دارُ فناء، ولا يجوزُ أن يُرى الباقي في

стр. 879

الدار الفانية (١). وهذا الإنكارُ لرؤيةِ الله في الدنيا، إن صَحَّ بالقياس إلى مَن يَدَعي هذه الرؤية من الصوفية وهو ما يزالُ غارقًا في بحرِ الحياة، فإنه لا يصحُّ بالقياسِ إلى حالِ ابنِ الفارض كما تُصوِّرُها القصةُ المذكورة آنفًا: فهو هنا قد وَلَّى من الحياة وتولَّت عنه الحياة بما فيها من متاعٍ دنيويٍّ ماديٍّ، وأقبل عليه الموتُ، وأصبح من العالَم العلويِّ قابَ قوسين أو أدنى؛ فليس ثَمَّةَ ما يمنعُ إذًا من أن يُكرمَه الله برؤيته في هذه اللحظةِ الأخيرة من حياته التي ستصعدُ رُوحُه فيها إلى السماءِ، وستَنعمُ في ظلِّ بارئها بكلِّ ألوانِ النعيم والسعادة والسَّناء" (٢). فإن كان هؤلاء الناسُ يَجهلون ما يعرفُه عوامُّ المسلمين من أن الله لا يُرَى في الدنيا لأحدٍ من البشر، إن كان لم يَرَه موسى وهو كليمُه فكيف يراه ابنُ الفارض؟!! ثم يتكلَّمون بعدَ هذا في دينِ الله . ° ولكنِ انظر إلى الثقةِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيمية ما يقول في موت ابن الفارض: "حدثني الشيخ رشيد الدين بن المعلِّم، عن الشيخ إبراهيم الجعبري أنه حَضَر ابنَ الفارض عند الموت وهو ينشد: إنْ كان منزلتي في الحُبِّ عندكمُ … ما قدْ لَقيتُ فقد ضيَّعت أيامي أمنيةٌ ظَفَرتْ نفسِي بها زَمنًا … واليومَ أَحسَبُها أضغاثَ أحلامِ وحدَّثني الفقيهُ الفاضل تاجُ الدين الزنباري، أنه سمع الشيخَ إبراهيم الجعبري يقول: "رأيتُ في منامي ابنُ عربي، وابنَ الفارض، وهما شيخانِ

стр. 880

أعْمَيانِ يَمشِيانِ ويتعثَّران، ويقولان: كيف الطريق؟ وأين الطريق؟ ". ° وحدثني شهابُ الدين المِزِّي، عن شرف الدين بن الشيخ نجم الدين ابن الحكيم عن أبيه أنه قال: قَدِمتُ دمشقَ، فصادفت موتَ ابن عربي، فرأيتُ جنازتَه كأنما ذُرَّ عليها الرماد، فرأيتُها لا تشُبه جنائزَ الأولياء" (١). ° وقال ابنُ تيمية: "وقد صنَّف بعضُهم -أي: أهل الاتحاد- كُتُبًا وقصائدَ على مذهبِه، مِثْلِ قصيدةِ ابنِ الفارض المُسمَّاه بـ "نظم السلوك"، يقول فيها: لها صلواتي بالمقام أُقيمها … وأشهَدُ فيها أنها لي صَلَّت كلانا مُصَل واحدٌ ساجدٌ إلى … حقيقتِه بالجمع في كُلِّ سجْدَةِ وما كانَ لي صَلَّى سوايَ ولمْ تكُن … صلاتي لغيري في أدا كُلِّ ركعةِ ثم قال: إلى مثل هذا الكلام -أي: الدالِّ على الاتحاد-، ولهذا كان عند الموت يُنشِد: إن كان منزلتي في الحبِّ عندكمُ … ما قد رأيتُ فقد ضَيَّعتُ أيامي أُمْنَيةٌ ظفِرتْ رُوحي بها زمَنًا … واليوم أحسَبُها أضعاثَ أحلامِي فإنه كان يظنُّ أنه الله، فلمَّا حَضَرت ملائكةُ الله لقبضِ روحه، تبيَّن له بطلانَ ما كان يظنه" (٢).

стр. 881

* عبدُ الكريم الجَيْلي، يَزعمُ ويَفتري أن الرسول ﷺ يظهرُ في الكنائس وفي صُورِ مشايخه: ° قال شيخُ الإِسلام ابنُ تيمية: "وبالجُملة فهو -يعني: ابنَ عربيٍّ- لم يَتَّبع النبيَّ ﷺ في شيءٍ، فإنه أَخذَ -بزعمه- عن الله ما هو متابعٌ فيه في الظاهر، كما يوافق المجتهدُ الرسولَ، فليس عنده شيء من اتِّباعِ الرسولِ ﷺ والتلقِّي عنه شيءٌ أصلاً، لا في الحقائقِ الخَبَريَّة، ولا في الحقائقِ الشرعيَّة" (١). فَبعَد أن زَعَم ابنُ عربيٍّ وجودَ أنبياءَ بعد النبي ﷺ سَمَّاهم "أنبياء الأولياء"، لا يَتَّبِعون الرسولَ ﷺ في شيءٍ ممَّا جاء به .. جاء بعده عبدُ الكريم الجَيْلي بفِرْيةٍ أعظمَ مما جاء به ابنُ عربيٍّ، فليس جميعُ بني آدم يمكنُ أن يكونوا أنبياءَ فحسب، بل يمكنُ أن تتقمَّصَ روحُ النبيِّ الخاتمِ ﷺ أرواحَ مشايخِ الصوفية، ويَتصوَّرُ بصورِهم، بحيث إذا قال هذا الصوفيُّ: "أنا رسولُ الله"، يجبُ أن يُصَدَّق، بل وَصَل عند الجَيليِّ الاستهزاءُ والاستخفافُ بشخصِ الرسولِ ﷺ حيث جَعَل النبي ﷺ يظهرُ في الكنائسِ .. إلى غير ذلك من أنواعِ الكفرِ والإِلحاد. ° يقول الجَيْلي: "أعلَمْ -حَفظك الله- أن الإنسانَ الكاملَ هو القُطبُ الذي تدور عليه أفلاكُ الوجودِ من أوَّله إلى آخِره، وهو واحدٌ منذ كان الوجود إلى أبدِ الآبدين، ثم تَنوَّع في ملابس، ويَظهرُ في كنائس، فيسمَّى به باعتبارِ لباس، ولا يُسمى به باعتبارِ لباسٍ آخر؛ فاسمه الأصليُّ الذي هو له

стр. 882

"محمد" وكُنْيتُه "أبو القاسم"، ووصفه "عبد الله"، ولَقبه "شمس الدين"، ثم له باعتبارِ بملابسَ أُخرى أسامٍ، وله في كلِّ زمانٍ اسمُ ما يَليقُ بلباسِه في ذلك الزمان، فقد اجتَمعتُ به ﷺ وهو في صورةِ شيخي الشيخ "شرف الدين إسماعيل الجبرتي"، ولَستُ أعلمُ أنه النبيُّ ﷺ ، وكنتُ أعلمُ أنه الشيخ، وهذا من جُملةِ مشاهدَ شاهدتُه فيها بـ "زَبيد" سنةَ ستٍّ وتسعين وسَبْعِمِئة، وسِرُّ هذا الأمرِ تمكُّنه ﷺ من التصوُّرِ بكلِّ صورة، فالأديبُ إذا رآه في صورتِه المحمَّدِيَّة -التي كان عليها في حياته-، فإنه يُسمِّيه باسمِه، وإذا رآه في صورةٍ ما من الصُّور -وعَلِم أنه محمد-، فلا يُسَمِّيه إلاَّ باسم تلك الصورة، ثم لا يُوقع ذلك الاسمَ إلاَّ على الحقيقةِ المحمديَّة، ألَا تراه ﷺ لَمَّا ظهر في سورة "الشِّبلي" ﵁ قال الشِّبليُّ لتلميذه: "أشهدُ أني رسولُ الله" -وكان التلميذُ صاحِبَ كَشْفٍ فعرفه-، فقال: "أشهد أنك رسول الله"، وهذا أمرٌ غيرُ منكور، وهو كما يرى النائمُ فلانًا في صورةِ فلانِ، وأقلُّ مراتبِ الكشف أن يَسوغَ به في اليقظة كما يَسوغُ به في النوم، لكنْ بين النوم والكشفِ فرقٌ، وهو أنَّ الصورةَ التي يُرى فيها محمدٌ ﷺ في النوم لا يُوقَعُ اسمُها في اليقظة على الحقيقة المحمدَّيةِ؛ لأن عالَمَ المثالِ يَقعُ التعبيرُ فيه، فيعبِّرُ عن الحقيقةِ المحمدَّيةِ إلى حقيقةِ تلك الصورة في اليقظة، بخلافِ الكشفِ، فإنه إذا كُشف لك عن الحقيقةِ المحمدَّية أنها متجلِّيةٌ في صورةٍ من صُوَرِ الآدميِّين، فيلزُمك إيقاعُ اسم تلك الصورة على الحقيقة المحمدَّية، ويجبُ عليك أن تتأدَبَ مع صاحب تلك الصورة تأدُّبَك مع محمدٍ ﷺ لمَا أعطاك الكشفُ أتى محمدًا ﷺ مُتَصور بتلك الصورْة، فلا يجوزُ ذلك -بعد شهودِ محمدٍ ﷺ فيها- أن تُعامِلَها بما كنتَ تعاملُها مِن قبل".

стр. 883

فهذا الكلام يلزم منه لوازمُ باطلةٌ، منها: ١ - قوله: "إن الإنسانَ الكامل -الذي يَعْنون به النبيَّ ﷺ تدورُ عليه أفلاكُ الوجود … وهو واحدٌ منذ أن كان الوجود إلى أبدِ الآبدين" .. هذا كلُّه مفرَّعٌ عن نظريةِ "الفيض" وما فيها من مفاسد" (١). ٢ - قوله: "له التصوُّر بكلِّ صورةٍ"، يفسِّر قوله: "ويَظهر في كنائس" فيلزمه أن النبي ﷺ يظهر في صورة النَّصارى مِن رهبان وقساوسة، وهو على هذه الصورة، إمَّا أن يدعوَ الناسَ إلى الإسلام -وهذا ما لا يُتصَوَّر-، وإما أن يدعوهَم إلى النصرانية -وهذا هو القريبُ من فهْم الجَيْلي-. ٣ - كما لا يلزم من قوله: "يُتصوَّر بكلِّ صورة"، اختصاصه ﷺ بخصائصَ لم تكنْ عنده من قبل، وإنما خاصيَّةُ "التشكُّل" أو "التصوُّر" ثَبَتَتْ للملائكة ﵈ والشياطين. ٤ - كما يَلزمُ مِن قوله: "يَتصوَّرُ بكلِّ صورة": العموم من لفظِ "كل"، فيَشمل التصوُّرَ بالصورِ الآدميَّةِ وغيرِ الآدميَّةِ من الكائناتِ والمخلوقاتِ الأخرى. * ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) [النور: ١٦]. والحمد للَّه أنْ حَفِظَ عقولَنا عن ترهَّاتِ فلاسفةِ الصُّوفيةِ ودَجَلِهم وكفْرِهم.

стр. 884

* السُّهْرَوَرْدي المقتول: شهابُ الدين السُّهروردي -يحيى بن حبِش بن أميرك-، ولد بين سَنَتي ٥٤٥ - ٥٥٠ هـ، وَصَل إلى حَلَب بعد أن طَوَّفَ بعددٍ من مُدنِ إيرانَ والعراق، وبعد أن دَرَسَ فلسفةَ التصوُّفِ الإشراقية في علومِ الأوائل ولدى حُكماءِ الفرسِ قبل الإِسلام، وهي ما يُعرَف بـ "الأفلاطونية الحديثة" (فلسفة أفلوطين ومن تابعه). كان السُّهْرَوَرْديُّ يقول بمذهبِ "الإِشراق"، أي أن ظاهرةَ إشعاعِ النور الأصيلِ هي الظاهرةُ المولِّدةُ الأصليَّةُ للوجودِ والكشفِ عن الوجود .. وفكرةُ "الإشراقِ" تقومُ في صميم الحكمةِ الأفلاطونية الحديثة واللاهوتِ المنبثقِ عنها .. والذي يَختلطُ فيه الفِكرُ الهِلينستي بالزرادشتيَّة، ويدخلُ عن هذا الطريقِ إلى الفِكر الإسلامي. وللسُّهْرَوَرْديِّ كتبٌ ورسائلُ كثيرةٌ في صورةِ أمثالٍ ورموزٍ، وهي منظوماتٌ فكريَّةٌ تدخلُ في بابٍ "الميتافيزيقا الروحية"، على أنه في شطحاتِه الفِكريةِ كان يلامسُ -أو يخترقُ- حدودَ الإيمان. من ذلك: أنَّ الذي يقرأ القرآنَ لا يكونُ "هو" الذي يقرؤه؛ ولكنَّ اللَّهَ هو الذي يتلُوه من خلاله، فعلى المؤمنِ الذي مُنحَ -مؤقَّتًا- حقَّ قراءتِه ألاَّ يَنسِبَ القراءةَ إلى نفسِه، وألاَّ يُعمِيَه "أناه" الخاص، وألاَّ يَضَعَ نفسَه موضعَ "هو". وقوله: "إنَّ التوحيدَ لا يقصَدُ به ما انتَشَر عن إدراكِ اللَّهِ بالوحدانيةِ الذاتية والقيُّوميَّةِ، وإنما يَعني بتجريد الكلمة "أي: النفس" عن علائقِ الأجسام في المكانِ حتى يَنطويَ في الربوبيَّةِ القيُّوميةِ كلُّ نظرٍ في مبادئِ الوجود ومراتبِه، ولا مقامَ فوقَ هذا المقام".

стр. 885

وثَمَّ في درجات أربعٌ تتدرَّج حتى الكمالِ النهائيِّ للتوحيد الذي هو الدرجة الخامسة: أولاً: مَن يقولون: "لا إله إلا الله" وهي درجةُ سائر الناس. ثانيًا: مَن يقولون: "لا إله إلاَّ هو"، وهؤلاء يَنفُون عن "الهوَ" الإلهيِّ كلَّ أنواع "الهوَ". ثالثًا: مَن يقولون: "لا إله إلاَّ أنت"، وهم يسَمُّون اللهَ بضميرِ الغائب، ويُنكرِون كلَّ "أنت" تريدُ أن يشهدَ على نفسِها بهذا. رابعًا: كلُّ مَن يخاطَبُ، تقومُ بينه وبين من يُخاطِبُه مسافةٌ، وهو لهذا مُشركٌ؛ لأنه يقولُ بوجودِ "الثُّنائية" وجودًا فعلِيًّا، ولهذا فإن الصيغةَ التي يَكمُل بها التوحيدُ هي: "لا أنا إلا أنا". مِثلُ هذه المقالاتِ والصِيَغِ الفكريَّةِ تُعَدُّ كُفرًا عند الفقهاءِ والعلماءِ الذين لا يمكنُ أن يَفهموا أنَّ "الأنا" عند الصوفيِّ هي توحدُ الإنسانِ في الله. والمتقدِّمون في الطريق "الصوفية" يُغرِقُون هذه الكلماتِ الثلاث "هو، أنت، أنا" في بحرِ "الفَناء". في هذه القضايا وأمثالِها جَرَت مجاولاتٌ متزايدةُ العُنفِ بين السُّهْرَوَرْديِّ والعلماءِ والفقهاء، وعُقِدت مجالسُ للجَدَل، لعلَّ "الظاهر" -حاكمَ حلب- حَضرها وتأثَّر بها. ° وسببُ الخلافِ أن الطرفَين يتكلَّمانِ بلغتينْ مختلفتيْنِ، ويتناقشانِ وفي ذِهنِ كلٍّ منهما صورةٌ من التفكيرِ مختلفة، ويبدو أن السُّهرورديَّ قد

стр. 886

خَلعَ مع الفقهاء والعلماء الذين يناقشونه كلَّ تحفُّظ؛ لأنه يَحتقرهم، ولأنه كان يتحدَّاهم مستندًا إلى ما صار له من تقديرٍ لدى "الظاهر"، ولهذا صَرَّح في نوع من التحدِّي الخاطئِ بكلِ ما في أعماقِ فِكره .. مستخدمًا تعبيراتٍ شائكةً تَمَسُّ -مِن وجهةِ نظرِ العلماء- قناعاتِهم الإيمانية؛ فما أسرعَ ما ضَجَّ هؤلاء! وتحدَّثوا مع "الظاهر" عن كُفره؛ وظاهرُ قوله كفرٌ .. وبَلَغ الأمرُ حَدَّه حين وَجَّه الفقهاء إلى السُّهرورديِّ التهمةَ بأنه قال في كتبه: "إنَّ اللَّهَ يَملكُ إنْ شاء أن يخلق نبيًّا، فهو قادرٌ على كل شيء"؛ وقال العلماء: "إلاَّ على خَلْقِ نبيٍّ، فالرَّسولُ الأعظمُ خاتمُ الأنبياء". فقال السُّهْرورديُّ: "هل هذه الاستحالهُ هنا مطلقةٌ أو غيرُ مطلقة؟ فقالوا: أنت كافر". وزعموا أنه ادَّعى النُّبوَّة! ولَمَّا لم يَستجِبِ "الظاهر" لغضبِ العلماء، كَتَبوا لصلاحِ الدين يطلبون قتلَ الكافرِ الملحِدِ؛ ولم يَستَجِبِ "الظاهرُ" أوَّل الأمرِ لأبيه، فأعاد العلماءُ الكَرَّةَ، وكتبوا في دعواهم أنَّ السهروردي إذا تُرك حَيًّا أفسَدَ عقيدةَ المَلِكِ "الظاهر"، وإذا أُطْلِق سراحه عَمَّ فسادُه البلاد، ممَا جَعَل صلاح الدين يأمر ابنَه بقتل الرجل، ويُهدِّدُه بخَلعِه عن إمارةِ حَلب إنْ لم يفعل. وهكذا قتِل السُّهرورديِّ بشكلٍ غير معروف، بعضهم يقول: مخنوقًا وبعضهم يقول: بالسيف، وبعضهم يقوله: امتَنع عن الطعام حتى مات جوعًا. والواقع أن مقتلَ السُّهرورديِّ كان نتيجةَ تَهَوُّرِهِ واستهتارِه، ونتيجةَ كلامِه مع العلماءِ بلغةٍ لا يَفهمونها أبدًا .. ونتيجةَ عقيدتِه التي تَعَتبرُ الموتَ

стр. 887

أقصى التوحُّد مع الله وتسعى إليه. ولم يكن بوسعِ صلاحِ الدين أن يتركَ هذا الزَّيغَ ينتشرُ في الناسِ، لا سيما وهو غارقٌ في الحروبِ مع الكفَّارِ، وكان تراصُّ الجبهةِ الإسلاميةِ ضرورةً مطلقةً لدَحرِ الاحتلال الصليبي (١). ° وفي "عيون الروضتين" لأبي شامة في ذكر صلاحِ الدين أنه كان "مُبغضًا للفلاسفة والمعطِّلة والدَّهْريَّة، ومَن يُعاندُ الشريعةَ المُطَهَّرة. وقد أَمَر ولده "الظاهر" صاحبَ حلب بقَتلِ شابٍّ كان نَشَأَ يُقال له السُّهْرَوَردي، قيل عنه: إند كان معاندًا للشرائع مُبْطلاً، وكان قد قَبَض عليه ولدُه المذكور لِمَا بلغه مِن خَبَره، وعَرَّف السلطَانَ به، فأمَر بقتله وصَلْبه أيامًا، فقَتَله" (٢). ° وقال ابن كثير في "البداية والنهاية" عن "صلاح الدين": "كان كثيرَ التعظيم لشرائع الدين .. كان قد صَحِبَ ولدَه "الظاهر" وهو بحلب شابٌّ يقال له "الشهاب السُّهرورديُّ"، وكان يَعرف الكيميا وشيئًا من الشعْبذة والأبوابِ النيرنجيات، فافتُتِن به ولدُ السلطان "الظاهرُ" وخالَفَ فيه حَمَلَةَ الشرع، فكتب إليه أنْ يَقتلَه لا محالة، فصَلَبه عن أمرِ والدِه وشَهَرَه .. وُيقال: بل حَبَسه بيْن حَيطيْنِ حتى مات كمدًا، وذلك في سنة سِتٍّ وثمانين وخمسِمئة" (٣).

стр. 888

* الكَوْجلي وغيرُه من المنتسبين إِلى الشيخ يونس القَتَّات: ° سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية عمن يقول: إن يونس القَتَّات يُخلِّص أتباعَه ومُريديه من سُوءِ الحساب وأليم العقاب .. ومنهم مَن يَدَّعي النبوة .. فأجاب: "أما المنتسبون إلى الشيخ يونس: فكثيرٌ منهم كافرٌ بالله ورسوله، لا يُقرِّون بوجوب الصلوات الخمسِ وصيام شهر رمضان، وحجِّ البيتِ العتيق، ولا يُحرِّمون ما حَرم الله ورسولُه؛ بل لهم من الكلام في سَبِّ اللَّهِ ورسولِه والقرآنِ والإسلامِ ما يعرفُه مَنْ عَرَفهم. وأما مَن كان فيهم من عامَّتهم لا يَعرفُ أسرارَهم وحقائقهم، فهذا يكونُ معه إسلامُ عامَّةِ المسلمين، الذي استفاده من سائرِ المسلمين لا منهم؛ فإن خواصَّهم مثلَ الشيخ "سلول، وجهلان، والصهباني" وغيرهم، فهؤلاء لم يكونوا يُوجِبون الصلاة؛ بل ولا يشهدون للنبيِّ ﷺ بالرسالة. وفي أشعارهم -كشِعر الكوْجلي وغيرِه- من سبِّ النبي ﷺ ، وسَبِّ القرآنِ والإِسلامِ ما لا يَرضى به لا اليهودُ ولا النصارى، ثم منهم مَن يقول هذا الشعر ليونس، ومنهم من يقول: هو مكذوبٌ على يونس، لكن من المعلوم المشاهَد أنهم يُنشِدون الكفرَ ويتواجَدون عليه، ويَبولُ أحدُهم في الطعام، ويقول: يَشرح كبدي يونس، أو ماءُ وِرْدِ يونس، ويَستحلُّون الطعامَ الذي فيه البولُ، ويَرَون ذلك بركةً!. وأما كُفريَّاتهم، مثلُ قولهم: "وأنا حَمَيتُ الحمى، وأنا سكنتُ فيه وأنا تركتُ الخلائقَ في مجارِي التِّيه، موسى على الطور لمَّا خرَّ لي ناجَا، وصاحب أقرب أنا جنبوه حتى جا، يوم القيامة يرى الخلائق أفواجَا، إلى نبيه عيسى يقضي لهم حاجَا".

стр. 889

ويقولون: تعالوا نُخرِّب الجامع ونجعلُ منه خَمَّارة، ونكسِرُ خَشَبَ المِنبرَ ونَعمَل منه زُنَّارة، ونحرقُ وَرَقَ ونعملُ منه طُنبارة، نَنتِفُ لحيةَ القاضي ونعملُ منه أوتاره، أنا حملتُ على العرش حتى صَجّ، وأنا صرخت في محمد حتى هَجّ، وأن البحار السبعة من هيبتي ترتَجّ" (١). * الإِسحاقيَّة من غُلاة الشِّيعة: ° قال الشيخ عبدُ الرحمن الوكيل: "أحدَثَها إسحاقُ بنُ زيدِ بنِ الحَرَّاث من القائلين بالإباحة وإسقاطِ التكاليف، وأنَّ لِعَليٍّ شركةً مع الرسول ﷺ ، ثم تطوَّرت، فقالت بـ "الحلول" كـ "النُّصيرية" .. " (٢). * ابنُ أبي العَزاقِر (٣) -لعنه الله -: هو أبو جعفر محمدُ بن عليِّ الشَّلْمَغانيُّ، ويُقال له: ابنُ أبي العَزَاقِر. ° قال الحافظُ ابن كثير في "البداية والنهاية": "ذُكِر عنه أنه يدَّعي ما كان يدَّعيه الحَلاَّجُ من الإلهيَّةِ، وكان قد مُسِك في دَولةِ "المقتدر" عند حامدِ ابنِ العباس، واتُّهِمَ بأنه يقول بالتناسخ، فأنكر ذلك .. ولَمَّا كانت هذه المرَّة أحْضَره "الراضي"، وادَّعى عليه بما ذُكِر عنه، فأنكر، ثم أقرَّ بأشياء، فأفتى قومٌ أنَّ دَمَه حَلالٌ، إلاَّ أن يتوب من هذه المقالة، فضُرب ثمانينَ سوطًا، ثم ضُرِبت عنقُه وصُلِب، وأُلْحِق بالحلاَّج -قبَّحهما الله-، وقُتِل معه صاحبه ابنُ

стр. 890

أبي عَون -لَعَنه الله-، وكان هذا اللعينُ من جُملةِ طائفةٍ قد اتبعوه وصَدَّقوه فيما يزعمُه من الكُفر -لعنهم الله-". وقد بَسط ابنُ الأثير في "كامله" (١) مذهبَ هؤلاء الكفرة بسْطًا جيِّدًا، وشَبَّه مذهبَهم بمذهب النُّصيرية -لعنهم الله أجمعين-" (٢) (٣). ° قال الشيخ عبد الرحمن الوكيل عنه: "كان يعتقد أنه إلهُ الآلهة، وأنَّ اللَّهَ سبحانه يَحُلُّ في كلِّ شيءٍ على قَدْرِ ما يَحتمل، وأنه قد حَلَّ في آدم، وفي إبليس، وأن اللَّهَ تعالى إذا حلَّ في جسدٍ أظهر من القُدرة والمعجزة ما يدلُّ على أنه هو الله، له كتابٌ اسمه "الحاسَّة السادسة"، صَرَّح فيه برفضِ الشريعة، وإباحةِ اللواط، وزَعَم أنه إيلاجُ نور الفاضل في المفضول، ولذا أباح أتباعُه نساءَهم له، طمعًا في إيلاجِ نورِه فيهنَّ، وكان يُسَمِّي محمدًا وموسى "بالخائنيْنِ"، زْعمًا منه أن هارونَ أَرسَل موسى، وأن عَليًّا أَرسل محمدًا فخاناهما" (٤). ° يقول الحافظُ ابن كثير في "البداية والنهاية" (١٥/ ٢٠٨) أحداث سنة أربعين وثلاثِمِئة: "وفيها رُفع إلى الوزير أبي محمد المُهَلَّبي رجلٌ من أتباع أبي جعفر محمدِ بنِ عليِّ بنِ أبي العَزاقِر الذي كان قُتِل على الزندقة

стр. 891

كما قُتل الحلاَّج، وقد اتَّبعَه جماعة من الجَهَلة ببغداد، وصَدَّقوه في دَعْواه الرُّبوبية، وأن أرواحَ الأنبياءِ والصدِّيقين انتقلت إليهم، ووُجِد في منزله كتبٌ تدلُّ على ذلك". * قُرَّة العين، غانيةُ "البابية"، والداعية إِلى نَسخِ الشريعة المحمدية: هذه البَغِيُّ الكافرةُ أولُ مَن دَعَتِ البابيِّين إلى نَسخِ الشريعة، وخَطَبت بذلك في مؤتمرَ "بدشت". ° وذَكَر خُطبتَها "محمد مهدي خان" في كتابه "تاريخ البابية" أنها خَطَبت بذلك قائلةً: "أيها الأحباب والأغيار، اعلَموا أن أحكامَ الشريعةِ المحمَّدية قد نُسِخت الآنَ بظهورِ الباب، وأن أحكامَ الشريعةِ الجديدةِ البابية لم تَصِلْ إلينا، وأنَّ اشتغالَكم الآن بالصوم والصلاة والزكاة -وسائرِ ما أتى به محمدٌ كلُّه- عملٌ لَغوٌ وفعلٌ باطل، ولا يَعملُ بها بعدَ الآن إلاَّ كلُّ غافلٍ وجاهل .. إنَّ مولانا "الباب" سيَفتح البلادَ، ويُسخِّرُ العبادَ، وستَخضعُ له الأقاليم السَّبعةُ المسكونة، وسيُوحِّد الأديانَ الموجودةَ على وجهِ البسيطة، حتى لا يَبقى إلاَّ دينٌ وحد، وذلك الدينُ هو دينُه الجديد وشَرعُه الحديث الذي لم يَصِلْ إلينا إلى الآن منه إلاَّ نَزْرٌ يسير، فبِناءً على ذلك أقولُ لكم: لا أَمْرَ اليومَ ولا نَهْيَ ولا تعنيف، وإننا نحن الآنَ في زمنِ الفترة، فاخرجوا من الوحدة إلى الكثرة، ومَزِّقوا هذا الحجاب الحاجزَ بينكم وبين نسائِكم بأن تشارِكوهنَّ بالأعمال، وتقاسِموهنَّ بالأفعال، وواصلوهُنَّ بعد السَّلْوَة، وأخرِجُوهنَّ من الخَلْوة إلى الجَلْوة، فما هُنَّ إلاَّ زهرةُ الحياة الدنيا، وإنَّ الزَّهرة لا بدَّ من قَطْفِها وَشمِّها؛ لأنها خُلِقت للضَّمِّ وللشَّمِّ، ولا ينبغي أنْ

стр. 892

يُعَدَّ ولا يُحَدَّ شامُّوها بالكيف والكم؛ فالزهرةُ تُجنَى وتُقطف، وللأحباب تُهْدَى وتُتْحَف، وأمَّا ادخارُ المال عند أحدِكم وحرمانُ غيرِكم من التمتُّعِ به والاستعمال، فهو أصلُ كلِّ وِزْرٍ، وأساسُ كلِّ وَبَال، ساوُوا فقيركم بغنيكم، ولا تَحجُبوا حلائِلَكم عن أحبابكم، إذ لا رَدْعَ الآن ولا حَدَّ ولا مَنْعَ ولا تكليفَ ولا صدَّ، فخذوا حظَّكم من هذه الحياة، فلا شيء بعد الممات" (١). و"قرة العين" اسمها الحقيقي "أمُّ سَلمى"، وُلدت في "قَزْوين" سنة ١٢٣١ هـ (٢) أو ١٢٣٣ هـ أو ١٢٣٥ هـ .. وُلدت للمُلاَّ "محمد صالح القزويني" أحدُ علماءِ الشيعة، وأخٌ أصغرُ لعالِمٍ شيعيٍّ معروفٍ، وإمامِ الجمعة لمدينة "قزوين" المُلاَّ "محمدِ تقيٍّ القزويني"، وأخٌ أكبر لملاَّ "علي الشيخي" تلميذ "الرشتي". فدَرَستِ العلومَ من والدها "محمد صالح" وعمِّها "محمد تقي"، ومالت إلى "الشيخية" بوساطة عمِّها الأصغر "الملاَّ علي"، تعلَّقت بتعاليمها، وتأثَّرت بها إلى الغاية، وبدأت تُكاتبُ السيد "كاظم الرشتي"، وتُدافع عن أفكارِه وعقائدِ "الشيخية" بحماسةٍ وقوَّة، واشتُهرت بذكائها المدهش وفصاحتِها وطلاقةِ لسانها، بجانب الجمالِ الفائقِ والحُسنِ البارع والشبابِ المتوقِّد، وكانت تُلقَّب بـ "الزرين تاج" "أي: التاج الذهبي" لجمال شَعْرِها الذهبيِّ اللون.

стр. 893

° ويقول "هيوارت": "زرين تاج الملقبة بقرة العين، وهي ابنة الملاَّ صالح، كانت فائقةَ الجمال، شديدةَ الذكاء" (١). ° ويقول الكونت "جوبينو الفرنسي" وهو يذكرها في كتابه: "وكانت هذه من مدهشاتِ العصر لعِلمِها وفَضلِها وحماستِها الدينية "الشيخية والبابية بعد ذلك"، وفصاحتِها المتدِّفقة، وجمالِها البارع" (٢). ° ويقول "البستاني" نقلاً عن السيد "جمال الدين الأفغاني": "فُتَيَّةٌ بارعةُ الجمال، متوقِّدةُ الجَنان، فاضلةٌ عالِمة، تُسمَّى باسم "سلمى" (والصحيح: أم سلمى) من بنات أحدِ المجتهدِين في العلم" (٣). ولَقَّبها الرشتي بـ "قُرَّة العين" (٤). فخاف عليها أبوها وعمها، على جمالِها اللامع، وشبابِها الوحشيِّ في المراهقة، والذكاء المُفرِطِ، والإِحساسِ المرهَف، فزوَّجوها مبكرًا من ابن عمِّها الملاَّ محمد ابن الملاَّ تقيٍّ إمام الجمعة (٥). ولَم تَبلغِ الثالثةَ عَشْرَةَ من عُمرها يومَ ذاك (٦). فوَلدت له ثلاثة من الأولاد -ذَكَرَينِ وأنثى-، ولَمَّا بَلَغَتِ الرشدَ، وأدركت قوَّةَ تأثيرِها الكلاميِّ، وفتنةَ شبابِها النَضِرِ، تنفَّرت من الجوِّ،

стр. 894

واحتَقرت الملاَّ محمد زوجَها، وبدأت تشعرُ الاشمئزازَ من قُربه، فلجأت إلى بيت أبيها، وتركت بيتَها بيْتَ الزوج، فلم تهدأ ثورتُها، بل زاد جنونُها بمرورِ الأيام وكَرِّ الليالي، وأَحسَّت بأنها تَحتاجُ إلى مَن يُهدِّيءُ ثورتَها المشتعلة، ويعبدُها عبادةَ الوَلْهانِ والعبدِ راكعًا وساجدًا أمام صَنَمِه ومعبودِه مُرغِمًا أنفَه ومُذِلاً وجهَه. ولكنَّ البيئةَ التي نشأت فيها كانت لا تزالُ محافظةً على القيمَ الرُّوحيةِ وبَقيَّةِ الأخلاق الإنسانية والإسلامية، فالتجأت منها إلى الشِّعرِ الغَزَليِّ الفاجرِ السافل، تشكو فيه اشتعالَ الحُسنِ، ووَهَجَ الشباب، والثورةَ الراعنةَ التي أحاطت وجودَها، والرغبةَ المُجتاحة، ولوعةَ الحبِّ والعشق، وظُلْمَ البيئة، وقَسوةَ الحرمان، فاشتُهرت قصائدُها بالغزلِ المشبوبِ باللهفة، والمُهيِّج للعواطفِ الشَّهْوانيةِ الحيوانية، وشَعُرت أنْ لا سبيلَ إلى قَضَاءِ شهواتها وطلبِ رغباتِها والفسقِ والفجورِ إلاَّ برفعِ القيودِ الإسلاميةِ والحدودِ الأخلاقية، فبدأت تُفكِّرُ في كَسرِ القيود وحَلِّ الحدود. وها هنا في هذا المقام أُريدُ تنبيهَ القرَّاءِ والتفاتَ الباحثين إلى أن "أم سلمى" "زرين تاج" "قرة العين" الطاهرة هذه هي المُوجدِة الحقيقةُ والمؤسِّسةُ الأصليةُ للديانة البابية، ومحرِّكتها ومُحَرِّضتها على ذلك الإلحاد والفساد، لتضايُقِها عن تلك القِيَم والتعاليمِ التي تَفرضُ عليها التستُّرَ والحِجاب، والكفَّ عن الخلاعة والمجون في الشِّعرِ والقولِ، والردعَ عن الفسق والفجور. ° ولأجل ذلك كانت تُردِّدُ ذلك القولَ كثيرًا: "يا أوَّاه .. متى يَطلُعُ ذلك اليومُ الذي تَظهرُ فيه شريعةٌ جديدة؟! ومتى يأتي ربِّي وإلهي بتعاليمه

стр. 895

الحديثةِ وأتشرفُ بأن أكونَ أولَ نساءِ العالَم التي تَعتنقُها وأُلَبي دعوتَه؟! " (١). ° وأيضًا: "كانت تُفكِّرُ كثيرًا في ظهورِ ذلك المَظْهَرِ الجديدِ الذي سيَظهرُ، وكانت تقولُ لعمِّها الشيخي الملاَّ علي: لأَكونَنَّ أنا أولَ المؤمناتِ به" (٢) ° وعبارةٌ أخرى عن مؤرِّخ البابيين والبهائيين "عبد الحسين آواره"، حيث يَروي: "أن قُرةَ العين توقَّفت في سَفَرِها بكربلاء، وامتَنعت عن الرجوع إلى أهلها، ناظِرةً ومنتظرة ظهورَ وبلوغَ ذاك الجمالِ المقصود" (٣). ° وعبارةٌ أخرى عن "الزرندي البهائي": "إن المرزة "محمد علي القزويني" -زوج أخت قرة العين- لَما أرادَ السفرَ من قزوين إلى كربلاء، أعطته القرةُ رسالةً مختومةً مُغلقةً قائلةً له: إنه سيجدُ في سفَرِه ذلك الموعودَ المعهودَ المنتظَرَ، وإنْ وَجَدَه أو لَقِيَه فيُقدِّمُ إليه رسالتَها، ويُبلِغُه أشواقَها" (٤). ° وذكر البروفسور "إدوارد براؤن" -المستشرق الإنجليزي المعروف والمُحبُّ للبابيين وراويتهم في أوروبا-، ذَكَر معلقًا على التاريخ الجديد: "إن تلامذة "الرشتي" لمَّا سافروا إلى الجهاتِ المختلفة والأطرافِ المتفرِّقةِ للبحث عن غائِبِهم المنتظر، أَعطت قرةُ العين رسالةً للملاَّ "حسين البشروئي"، قائلةً له: إنك أنت الذي ستجدُ الذاتَ الموعودةَ وتَلتقي بحَضْرَتِه، فتَقَدَّمْ إليه

стр. 896

برسالتي واعتقادي وإيماني به قبل إعلانه" (١). فهذه النقولُ كلُّها والنصوصُ والعبارات تدلُّ على لَهفتها واضطرابها في الخروج على الإسلام والانسلاخ منه ومن حُدوده وقيوده، كما تبيَّن أهميتُها ودَوْرُها واهتمامها في تكوين نِحْلةٍ جديدةٍ ودينٍ جديد. وقبلَ أن ننتقلَ من كلامِنا هذا، نَسرُدُ بعضَ أبياتها الشعرية الغَزَليَّةَ، ليأخذَ القارئُ والباحثُ فكرة عن حقيقةِ هذه الفاجرة الباغية وعما قُلنا عنها: ° ونبدأ بغَزَلها الذي قالته باللغة العربية: يا نَديمي قُمْ فإنَّ الديكَ صاح … غَنِّ لي بيتًا وناولْ كأسَ رَاحْ لستُ أصبرُ عن حبيبي لحظةً … هل إليه نظرةٌ منِّيَ تُباحْ؟ بَذْلُ رُوحي في هواه هيِّنٌ … تَحْمدُ القومُ السُّرى عند الصباحْ قاتَلتْني لَحْظةٌ من غير ِسيفٍ … أسكرتْني عَينُه من دونِ راحْ قد كَفَتْني نظرةٌ منِّي إليه … مِن بهائي في غَدَاةٍ في رَواحْ هام قلبي في هواه كيف هام … راح رُوحي في قفاه أين راح؟! لم يفارِقْني خيالٌ منه قطُّ … لم يَزَلْ هو في فؤادي لا بَرَاحْ إن يشاءُ يَحرق فؤادي في النَّوَى … أويشاءُ يَقتل، له قتلي مباح (٢) ° ولها قصيدةٌ غزليةٌ أخرى صَدرُ أبياتها في اللغة الفارسية وعَجُزُها

стр. 897

باللغة العربية، نُورد بعضًا منها ها هنا مترجَمة بصَدْرِها بالنصِّ العربي: يريدون وَصْلَكَ ويَتِيهون فيه … افتَح يا مُفتِحَ الأبوابْ متى يَحصل لهمُ اللقاءُ … كم بَقوا ناظِرِينَ خَلفَ البابْ إلى متى الصبرُ والحِرمانُ؟ … طال تِطوافُهم وراءَ حِجابْ ليس مَطَلبُنا ومَقصِدُنا غيرَك … ما لديهم سِوى لِقاك ثوابْ إلى متى تَبقَى وراءَ الحَسَراتِ … أَرِهِم نظرةً بلا جِلبابْ (١) ° ومن أبياتها في اللغة الفارسية: يا حبيبي إن حَصَل الوصالُ يومًا ما لأُخبِرَك بما حَصَل لي من المصائب والمَشَاقِّ في سبيلِ رُؤيتِك يا حبيبي تجوَّلتُ بيتًا بيتًا وزُقًا زُقًا وقريةً قريةً ومدينةً مدينةً لرؤيتكَ مِثلَ الصَّبا لرؤيةِ خَدِّكْ حبيبي في فِراقِك جَرَت عيونُ الدم من العيون وأُصبغت مياهُ دِجْلة وعيونٌ وبُحور حبيبي رُموشُ عيونِك قَتَلَتْني وخالُ خدِّك أَسَرَني وحُبُّك خَتَمَ على قلبي وسَمْعِي وبَصَري ° ومنها: يا صَنَمي عشقك أوقَعَني في المعاصي أهَجَرْتَني وقَتَلتَنْيَ وأخذتَني بجنْايتي

стр. 898

والآنَ لَم يَبْقَ لي قوةُ الصبرِ وطاقةُ الانتظارِ إلى متى فِراقِك إن جِسمي بجميع أجزائه صار كالناي يَحكِي عن هَجْرِك يا ليتَ تضعُ قَدَمَكَ على فِراشي ليلةً ما فَجْاءةً بكرمك فأطيرُ فَرَحًا وسرورًا بْدونِ أجنحة (١) فهذا موجزُ ما أردنا إيرادَه ها هنا، لأَخْذِ الفكرةِ السريعة عن مُجونها واستهتارها في شِعْرِها الغَزليَ السافر، وقد أوردناها من كُتبهم هم. فهذه هي قرةُ العين، وقد أَرغَمَتْ أهلَها على السماح لها بسفرِها من "قزوين إيران" إلى "كربلاء العراق" لزيارة "العتبات المقدسة" -على زعم القوم-، وفرارًا من الضِّيقِ العائلي، وهَرَبًا من التقاليد، وذلك قبلَ موتِ "كاظم الرشتي" بقليل، ووصلت إلى كربلاء مع زوجِ أُختها الشاب "محمد علي القزويني" الذي لَم يبلُغِ العشرينَ -وهي أيضًا في رَوعة الشباب وأَوْجِه- في العشرين أو زيادةً عليه بسَنَة، فمكثت مدةً فيها وفي النجف، ودَرَسَتْ على السيد كاظم الرشتي وخاصة في الإلهيات" (٢). ° وبعد موت الرشتي جَلست على مَسنَدِ الشيخية، وبدأت تُدرِّسُ تلامذةَ الرشتي، "وتمكَّنت من الجلوسِ في مَقام الرشتي، وأبهرت عقولَ الدراويش في تلك المدرسةِ بخَطاباتها الرنَّانة الفتَّانة، وخَلَبت قلوبَهم بجمالها المدهش وشبابِها القاتلَ المُحرِق، فبدؤوا يظنُّونها رُكنًا رابعًا للشيخية

стр. 899

وزعيمتهم" (١). وآثَرَتِ المكوثَ هنالك بين الشباب الشيخيين المتحرِّرين أكثَرَ من الآخرين في ذلك الزمان، حيث إن النساءَ والفَتَياتِ كنَّ يَحضُرْنَ دُروسَ الرشتي معهم. ° وأنكرت الرجوعَ إلى أهلها، ولَبِثَ المرزةُ محمد علي القزويني معها أولَ الأمر، ثم تَرَكها وحدَها بين الطلاَّب والرجال، فأفتت أول ما أفتت: "يجوزُ للمرأة أنْ تتزوَّجَ تِسعةَ رجال" (٢). ° ثم رَفعت الحجاب، "وكانت تظهرُ سافرةً في الأماكن العامة، وتختلطُ بالرجال وتُدرِّسُهم وتَخطُبُهم بدون حاجز بينها وبينهم" (٣). ° وُيروى عنها أنها كانت تقول: "بحِلِّ الفروج ورفعِ التكاليف بالكلية" (٤). ° مستندة بقول الرشتي أنه قال في كتابه "رسالة في الفروع": "إن نظرةَ آلِ الله تُطهرُ الأشياء، وآلُ الله في الحقيقة هم المعصومون الأربعةَ عَشَرَ -أي النبي والوَصِيُّ وزوجتُه فاطمةُ وأولادُهُما الأئِمَّةُ الأحَدَ عشر حَسْبَ زعمهم-، ونظرةُ آلِ الله إرادتُهم، وإرادتُهم هي عينُ إرادةِ الله وأمرِه، والحلالُ والحرامُ موقوفٌ على إرادةِ الله، وهو موقوفٌ بإرادتهم

стр. 900

هم بهذا المعنى. ° فاحتجَّت بأنها مَظهَرُ فاطمة "بنت النبيِّ وزوجةُ عليٍّ" ﵍، وقالت: "حُكمُ عيني حُكمُ عينِها، وكلُّ شيءٍ أَلقيتُ عليها نظرتي ورأيتُها بعيني طَهُرت وحَلَّت مع حُرمتها ونجاسِتها"، وأيضًا: "فأتوا إلى الأشياء حتى أحِلَّها واُطَهِّرَها بنظرتي إليها" (١). ولَمَّا أعلن الشيرازي -بإيعازٍ من البشروئي وتحريضًا منها هي- مَهْدَوِيَّتَه وقائميَّتَه، أدخلها في حُروفِ الحيِّ مع رفيقِ سفرِها وخائنِ أُختِها ومَحْرَمِ سِرِّها المرزةِ "محمد علي القزويني" (٢). "ولُقِّبت بـ "الطاهرة" مِن قِبَلَه هو" (٣). فبَلَغَتْ إلى أمنيَّتِها القديمةِ من إيجادِ شريعةٍ جديدة، مُنحَلَّةٍ عن جميعِ القيود والحدود، ثم سافرت من كربلاء إلى بغداد في جَمْعٍ خَليطٍ من الرجال، مثل "صالح العرب، وطاهر الواعظ، وإبراهيم المحلاَّتي، ومحمد المليح" (٤) ومن النساء "خورشيد خانم، وأخت البشروئي وغيرهن"، ولَمَّا خرجت من كربلاء مع أصحابها ورفيقاتِها كان أهالي كربلاء يرمُونهنَّ وهم بالأحجار" (٥).

стр. 901

وعَمِلَتِ المنكرات، وارتَكبت الفواحش، وأطلَقت نفسَها للشهوات، وقَدَّمَتْها فريسةً لكلِّ مفترسٍ، وصيدًا لكلِّ مصطاد، فتَهتَّكت، ونزلت في السَّفالةِ والوَضَاعةِ إلى أدنى حدٍّ، واقتَرَفت من المعاصي والمآثم إلى غاية، حتى اضْطَرَبَ رِفاقُها وزملاؤها في السفر، وصرخوا بأعلى الصوت من لهيبها واحتراقِها وطُغيانها، "فسَبُّوها ولَعنوها وقَدَّموا الشكاوى منها إلى مقام الحَضْرة "الشيرازي"، فردَّ عليهم "الشيرازي": "ماذا عسى أن أقولَ فيمن سَمَّاها لسانُ العظمة والقدرة: "الطاهرة"؟! " (١)، "ولا تُرَدُّ الطاهرةُ في حُكمها، فإنها أدرى بمواقع الأمر من غيرها" (٢). وذَمَّ "الشيرازيُّ" الذين كَتبوا الشكاوى ضِدَّها، وخاصة السيد "علي" الذي خَطَّ الرسالةَ بقلمه، فَلمَّا رأى هؤلاء الأمورَ منعكسة، ورَأَوُا النجاسةَ طهارة والحرامَ حلالاً، لعنوها ومَن لَقَّبها بـ "الطاهرة". وارتدَّ عن البابية السيد علي، والسيد طه، والكاظم، والسيد حسن جعفر وغيرهم (٣). "وطَلَّقت نفسَها من زوجِها "عليٍّ" خلافَ حُكمِ شريعة الإِسلام" (٤). وأثناء سفرِها هذا لَمَّا نَزلت في "كرمانشاه" مع أحبائها -وهذا هو عينُ التعبير البهائي- ورفاقِها مُصَعِّرةً أسواقَ الفُحشِ والمنكرِ والبَغْي، "انكبَّ عليهم أهلُ تلك المدينة، وهاجموهم، وأخرجوهم من مدينتهم، وطهَّروها

стр. 902

من نجاستهم ورِجْسِهم" (١). وكانت تَجمعُ حولَها المراهقين خاصةً، وتفتحُ لهم قلبها وأحضانها. ° فمثلاً المرزة "يحيى صُبح الأزل" الذي وصفه المؤرِّخون بأنه كان شابًّا وسيمًا جذابًا طويلَ القامة أنيقًا رشيقًا في السابعةَ عَشْرةَ من عمره .. يَكتبُ عنه وعنها أولُ المؤرِّخين البابيين المرزة "جاني الكاشاني": "كان المرزة "يحيى" مركزُ الجَمال والجَلال يتكرَّرُ إلى "الطاهرة"، وكانت -وهي في الثانيةِ والعشرين من عُمرها- شابةً ملتهبة -أُمَّ الإمكان تحتضنُ ذلك الطفلَ الأزلي -وهو في السابعة عَشْرة من العمر- عُمرِ المراهقةِ والفتوَّةِ والشباب المُقبل-، وتُرضعُه من لَبَنٍ لَم يتغيرْ طَعمُه، وتُربِّيه في مَهْدِ الآداب الحَسَنةِ والأخلاقِ الطيِّبة، (فيا لها من تربية؟) وتُلبِسُه ملابسَ أهلِ الفكرةِ المستقيمة، إلى أن قَوِيَتْ بِنيتُه" (٢). ° وعَمِلت من المنكرت، واقَتَرفت من الذنوب، وارتكبت من الفواحش في بيداءِ "بدشت" إلى أنِ اضطُرَّ البشروئي بأن يقول: "إني أُقيمُ الحدَّ على شُركاءِ مؤتمر بدشت" (٣). وقد مرَّ تفاصيلُ تلك الفضائحِ سابقًا (٤) ما تُغنِي عن إعادتِها، اللهم إلاَّ لَفتُ الأنظارِ إلى أمرٍ هام، ألَا وهو إعادةُ القول بأنَّ قرة العين كانت هي المؤسِّسةَ الحقيقيَّةَ للبابية كما ذكرنا قريبًا مُستندِين إلى شهاداتِ القوم

стр. 903

أنفسِهم، وأيضًا مؤتمر "بدشت" بتفاصيله أكبرُ دليلٍ وسَنَدٍ على ذلك الأمر، حيث إن المؤرِّخين قاطبةً -بابيِّين كانوا أو مسلمين، مسيحيين أو بهائيين- اتفقوا على أن أولَ مَنِ اقتَرَح بنَسخِ شريعةِ اِلإسلام ورَفعِ أحكامِها كانت هي الفاتنةُ الفاجرة، فلقد كانت توجِب نَسْخ تلك الشريعةِ الغَرَّاءِ التي طالَمَا مَنَعَتْها ورَدَعَتْها عن الجَرْي وراءَ الشهواتِ واللذاتِ النفسية الخبيثة، وأرغمَتْها على قَهْرِ نفسِها عن وطئِها الرجال وتمرُّغِها في أوحال الذنوب والخطايا، وأجبَرَتْها بالبقاءِ مع زوجها، والإقناع والاكتفاءِ به وحدَه، وكفِّها عن الارتماءِ والاحتضان كل يوم بين قَدَمَيْ رجلٍ جديدٍ وزوجٍ جديد. وكان صَدرها مليئًا بالبغضِ والانتقامِ من ذلك الناموس الإلهيِّ السَّماويِّ الذي كان يَردعها مِنِ استبدالِ زوجٍ مكانَ زوجٍ، وعَشيقٍ مكانَ عشيقٍ، وحبيبٍ مكانَ حبيبٍ في كلِّ ليلةٍ ويومٍ، معتقدِةً بأن النساءَ ما هنَّ إلاَّ زهرةَ الحياة الدنيا، "وإن الزهرة لا بدَّ مِن قَطْفِها وشَمِّها؛ لأنها خلقت للضمِّ والشمِّ .. فالزهرة تُجنَى وتقطف، وللأحباب تهدَى وتُتْحَف" (١)، "ولا تَحجِبوا حلائلَكم عن أحبابكم، إذ لا رَدْعَ الآنَ، ولا حَدَّ، ولا مَنْعَ، ولا تكليفَ، ولا صدَّ، فخذوا حظَّكم من هذه الحياةِ، فلا شيءَ بعد الممات" (٢). ولقد أَحبَّت الملا "محمد البارفروشي" حبًّا جنونيًّا، وقدَّمت له نفسَها وكلَّ ما تَمْلكُ، وسَمَحتْ له أن يستذلَّها ويمرِّغَها ويَستعبدَها، ولكنها لَم تَكتفِ به وحدَه، وسَخت بنفسِها، وجادت للمرزة "حسين علي

стр. 904

المازندراني" -البهاء-، مع امتصاصِ أخيه الصغير المرزة "يحيى صُبح الأزل". ووَهَبَها المرزة "حسين علي" لشابٍّ شيرازي اسمه المرزة "عبد الله" في "نيالا" -موضع من مواضع مازندران-، وذهب بها إلى "النور" -قرية حسين علي (١) -، لما كان عارفًا لعاصفتها وهيجانها. فقُرَّةُ العين هذه هي التي كانت تُملِي عليَّ الشِّيرازي -البابَ-، وتأمرُه أن يعملَ هذا وذاك، وحتى هي التي أمَرَتْه باعتلاءِ عرشِ الربوبية، واستوائِه عليه، وادعائه الألوهية. ° ولقد ذَكَرَتِ المبشِّرةُ البهائية مس "مارتا روت" وغيرها من المؤرِّخين البابيين البهائيين، أنها كَتبت إلى المرزة "علي محمد الشيرازي" -الباب- وهو سجينٌ في قلعة "ماه كو" في قصيدةٍ غَزَليَّةٍ طويلةٍ هذه الأبيات، بعضُها في الفارسية، وبعض منها في العربية الركيكة: لمَعاتُ وَجهِك أشرقت وشُعاعُ طَلْعَتِك اعتلى جَذَباتُ شَوقِك ألجمت بسلاسل الغمِّ والبَلا وإذا رأيتُ جمالَه طَلَع الصباحُ كأنما ° إلى أن قالت في اللغة الفارسية: فلماذا لا تقول: ألستُ بربِّكم؟! فنقول: بلى بلى" (٢). وعلى إِثرِ ذلك ادَّعى المأفونُ المجنونُ الألوهيةَ والربوبيةَ.

стр. 905

وأخيرًا، اشتركت في مؤامرة قَتلِ عمِّها ورحيمِها "أب الزوج" الملاَّ "تقي" إمامِ الجمعة بقزوين لَمَّا أرادَ الحيلولةَ بينها وبين لَهوِها واستهتارها عام ١٢٦٣ هـ، فسُجنت في قزوين، ولكنها استطاعت الفرارَ من السِّجن مع أصحابها وعُشَّاقها، وخاصةً بمساعدةِ ومعونةِ المرزة حسين علي البهاء (١). ثم "اشتركت في مؤامرة اغتيال الشاه "ناصر الدين القاجاري" بعد قَتلِ الشيرازي، وقَبَض عليها، وحَكم بأن تُحرقَ حية، ولكنَّ الجلاَّدَ خَنَقَها قبل أن تَلعَبَ النارُ بالحطب الذي أُعِدَّ لإِحراقها" (٢). "ورُميت جُثَّتها في حفرةٍ بعد ما مُلئت بالحجارة والتراب" (٣)، وكان ذلك "في أول ذي القعدة سنة ١٢٦٨ هـ الموافق ١٨٥٢ م" (٤)، أي: بعد سَنَتَينِ وشَهرَينِ من قَتل الشيرازي، وكان عمرُها آنذاك من اثنين وثلاثين إلى سَبعٍ وثلاثين على مختلفِ الأقوال. ولقد أطَللْنا الكلامَ في سيرتها، وفَصَّلْنا القولَ في حياتها لِمَا لها من أهميةٍ خاصةٍ في الديانة البابية والبهائية أيضًا. ° ولقد كَتب المستشرق الإنجليزي "إدوارد براؤن" في مقال له: "إن الشخصيةَ الجذَّابةَ الخلاَّبةَ لأنظارِنا وانتباهِنا في تكوينِ الديانة البابية -غيرَ الباب الشيرازي- هي الجميلةُ الذكيةُ التي وُهبت حظًّا وافرًا وقِسطًا وافيًا من الحُسن والجمال والعقل والذكاء "قُرةَّ العين" التي كانت شاعرةً وعالِمةً

стр. 906

وخَطيبةً، ولُقِّبت بالطاهرة" (١). ° ويقول السير "فرانسيس ينج" في كتابه: "إن أقوى الشخصيات في الحركة البابية وأَمْيَزَها من الجميع هي "قرة العين" التي كانت شاعرةً ممتازةً وخطيبةً بليغةً مؤثِّرةً" (٢). ° وقال "ويلينيتائن": "ما كان لأحدٍ تأثيرٌ ونفوذٌ في البابيين مِثلَما كان لشاعرة قزوين قرة العين الطاهرة" (٣). [العلمانيون] * الرَّجل الصَّنَم مُصْطَفَى كَمَال أَتَاتُورْك -عدوُّ اللَّهِ ورسولِه - (٤): ° لا تَعْجَبْ من قولِ كثيرٍ من المؤرِّخين: "إن أتاتورك كان صِربيًّا أو بلغاريًّا"!!. لم يتحدَّثْ عن والدِه يومًا، ورواياتٌ كثيرةٌ -لا تَقِلُّ نسبتها عن تسعينَ في المئة من الروايات- أنه كان من سِفاحٍ. تناظُرٌ مدهش وعادل بين كون مصطفى كمال ثَمَرةَ حرام من الناحية الروحية، وبين كونهِ ثَمَرةَ حرامٍ من الناحية المادية، يَحملُ في طيَّاته معنًى كبيرًا، كيف أن هذه الرُّوحَ السافلةَ كانت تستند في عالَمِ المادة إلى أساسٍ سافل؟ وأن هذه السَّفالةَ في الروحِ والمادة تأتي في الحقيقة مِن كون "مصطفى

стр. 907

كمال" عدوًّا للَّه، وعدوًّا لرسول الله ﷺ . ° مصطفى كمال القائل: "لقد انتهى العهدُ الذي كان الشَّعبُ فيه يُخدعُ بكلماتٍ، هي خاصةٌ بالطبقاتِ الدنيا، أمثال: كربلاء، حفيد الرسول، الإيمان، السيف، القدس". ° مصطفى أتاتورك الذي أَلغى الخلافةَ العثمانية سنة ١٩٢٢ م، وقال عن الذين يقولون: "إن الخلافةَ والسَّلطنةَ وِحدةٌ لا يمكن تجزئتها"؛ قال: "إنها سَفسطةٌ معهودة". وفي اليوم الأول من شهر "تشرين الثاني"، سنة ١٩٢٣ م، تُعْلَن الجمهورية، وانتخابُ مصطفى كمال أتاتورك رئيسًا للجمهورية التركية. ° وبعد ٤ أشهر من انتخابه رئيسًا يُوفِّي لأسياده الإنجليز وللحاخام "نعوم"، مُنفِّذِ الخُطَّةِ اليهودية لهدم الخلافة العثمانية، فيُعطي قرارَه: "لقد آن وقتُ إلغاءِ الخلافة، وتُلغى معها وَزارةُ الشرعية، ووزارةُ الأوقاف، ولن نَدَعَ هناك مدرسةً دينيةً". يتقرَّرُ إخراجُ الخليفةِ مع جميعِ أفراد عائلتِه من البلاد، وبعد ذلك يُجبِرُ الأتراكَ على ارتداء القُبَّعة، وهي العلامةُ الثالثة عند النصارى بعد الصليب والزُّنَّار، كانت علامةً دينيةً وُضعت من قِبَل المسيحين أثناءَ المعارك الصليبية، ثم أصبحت قوميةً، وقد اعتُبرت القبعةُ كعلامةٍ للكفر بفتوًى من الإمام النووي، وتُنصَبُ المشانقُ من أجل المعارِضين لارتدائها، ويَفرضُ العِلمانيةَ على تركيا، ويقول عنها: "إنها تعني أن نكونَ آدميين آدميين"، وُيغيَرُ أحرُفَ الكتابة إلى الأحرف اللاتينية.

стр. 908

مصطفى أتاتورك الذي باع أذْرَبِيجان للروس، عندما طَلب من الأذربيجانين السماحَ بدخولِ الجيوشِ الروسيةِ بحجَّةِ أنها متوجِّهةٌ إلى مساعدةِ تركيا، وبعد أن دَخل البلاشفةُ إلى أذْرَبِيجان لم يَخرجوا منها، ولم يُرسِلوا جيوشًا إلى تركيا. مصطفى أتاتورك على مائدةِ الخمر، وَسَطَ الدَّعارةِ والفجور، يشيرُ إلى راقصةٍ داعرة "نبيلة هانم"، فتقرأ أذانَ الفجر. * عدوُّه الأكبرُ رسولُ الله ﷺ -: ° كان في فندق "بارك"، وكان المؤذِّن يقرأُ الأذانَ في المسجد الصغير الكائنِ أمامَ الفندق مباشرةً، يلتفتُ أتاورك لمن حوله قائلاً: "مَن قال بأننا مشهورون؟ وما شهرتُنا نحن؟ انظروا إلى هذا الرجل (١) كيف أنه وَضَع اسمًا وشُهرةً بحيث أن اسمَه يتكرَّرُ في كلِّ لحظة، وفي جَميعِ أنحاءِ العالَم إذا أخذنا فَرْقَ الساعاتِ بنظرِ الاعتبار!! ليهدِموا هذه المنارة". مصطفى أتاتورك الذي أراد أن تكونَ لغةُ الصلاة التركية!!. مصطفى أتاتورك الذي مِن على مائدةِ الخَمْرِ يُصدِرُ أمرًا بتحويل مسجدِ "أيا صوفيا" إلى متحف. أما فحشُه وشذوذُه وعَرْبدته وسكرُه ومُجونه؛ فحَدِّثْ ولا حَرَج، وحَدِّث عن ليالي "جانقايا" ولا حرج. ° يقول شاعره: لا عنكبوتَ ولا سِحر ..

стр. 909

لتبقى الكعبةُ لدى العرب .. لأن جانقايا تكفينا .. ° يتزوَّج من "لطيفة هانم"، وتَجِده رجلاً سكيرًا، ويشاءُ الله أن يَفضَحَه على لسان زوجته؛ فهو عديمُ الرجولة وعِنِّين، بل وشاذٌّ، وشذوذه مع "وَدَّاد ابن خالد ضياء" معروفٌ، وكان سببًا لطلاق زوجتِه منه؛ قائلةً له: "لقد رأيتُ كلَّ شيءٍ فيك، وتحمَّلت كلَّ شيءٍ، ولكني لا أستطيع تحمُّلَ هذا! " .. بعد ما رأته مع هذا الشابِّ الأمرد. هذا الفاجرُ الذي حاول الاعتداءَ على المَحارم؛ فقد حاول الاعتداءَ على شقيقةِ زوجتِه الصغرى، ولكن البنتَ تخلَصت من يديه بصعوبة، وهَرَعت إلى غُرفةِ شقيقتها، ودَخَل مصطفى كمال إلى الغرفة -وفي يده مسدس-، واحتضنت زوجتُه شقيقتَها، وأصبَحَتْ سَترًا بينهما، وسَحَبَ مصطفى كمال الزناد، ولكنْ لِحُسْنِ الحظ؛ فإن خادمه "بكر" أسرع إليه، وأمسك بيده، فطاشَتِ الرصاصاتُ الثلاث. ° كانت حياته شرابًا شرابًا شرابًا للخمر وللعَرَق، لا يَكادُ يُفيقُ منه، يقتربُ من صبيٍّ ويسأله: "لو وُضع أمامَ حِمارٍ دَلوانِ، في أحدهما ماء، وفي الآخر عَرَق (١)، فمن أيهما يشرب؟ فقال له الصبي: من العَرَق يا سيدي". ° وكان يقول: "إن هذا العَرَق يُعطي النشوةَ للإِنسان". الغازي أتاتورك الذي كان يَذهبُ إلى دار المعلِّمات، ويأخذُ جَبْرًا بناتِ الأمة البرئيات؛ ليفسُقَ بهنَّ؛ إنه يَخطفُ البنات مثلَ قُطَّاعِ الطرق.

стр. 910

وكان يستعملُ وزيرَ خارجيته توفيق رشدي سمسارًا لشهواته. أما عشيقاتُه، فحدِّث ولا حَرَج، "صالحة"، و"فكرية"، و"آفة هانم" عشيقته الدائمة، التي أوصى لها عند موته، زِدْ على ذلك كانت ما بين ٢٠ إلى ٣٠ من النساء والفتيات الشاباتِ المختارَات بشكل خاصٍّ، وأطلَقَ عليهنَّ: "بناته بالتبنِّي"، ويُوصِي لهنَّ عند موته بمقاديرَ ثابتةٍ طيلةَ حياتِهِنَّ، وكنَّ يَقُمْنَ بالرقص في حفلاته، وهن شِبْهُ عاريات!. بل في قصره كانوا يلبِسون الجَرسونات الرجالَ ملابسَ النساء ويُرَقِّصونهم، كانت رائحةُ الغَلْمَنةِ والشذوذ حتى أمامَ أنظارِ النساء. وفي مرضِ موته -في قَصْره- ابتلاه الله بحشراتٍ صغيرةٍ حمراء، لا تُرى بالعين، حتى اضطرته إلى الحَكِّ، والحكِّ الشديدِ أمامَ زوَّاره، حتى ظَهرت على وجِهه، وأَمَر بتعقيم البيت بأقوى الأدوية وأكثرِها فاعليةً. ويَكتب مستشارُ وزارةِ الصحَة ما يلي: نعم صحيح أنه وُجد نملٌ في بعضِ أرجاء القصر، حتى إن المختصِّين أثبتوا أنه نوعٌ من النمل المهاجِر من الصين إلى أوروبا، ولم يكن يَخطرُ ببالِ أحدٍ احتمالُ أن هناك وراءَ الحَكةِ سببًا آخر، لذلك فقد رُوجعَتْ هيئةُ الأركان العامة؛ حيث أُحيلَ الأمرُ إلى متخصِّصين من القوَّة البحْرية، ويَحضر طاقم من مدمِّرة "ياووز"؛ لِتَصَيدِ النمل الذي في القصر، مدمرة "ياووز" الموجودة في ميناء "أزميت" يا للجنون!! فلِمَ لَم يطلبوه من حاميةِ أنقرة؟! جنودٌ ومدمرةٌ لسَحقِ النمل!!. * قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى

стр. 911

لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣١]. وانظر إلى حِكمة اللَّهِ؛ فإنه بالرغم من كونه مُحاطًا بالأطباء والأخصائيين وأساتذةِ الطبِّ، لم يكتشِفوا أنه كان مريضًا بالكبد، وذَاقَ مرَّ العذاب من سنة ١٩٣٦ حتى اكتشفوا المرض سنةَ ١٩٣٨، الذي يَعرفُه أقلُّ الأطباء معرفةً بالطب، وابتلاه اللهُ بتليُّفِ الكبد الذي أدَّى إلى الاستسقاء، واحتاج إلى سَحبِ الماء من بطنه بالإبَر، وكان يَصيحُ بمن حولَه والأطباء: "اسحبوا المياه (١) حالاً، اسحبوها كلَّها لا تَدَعوا شيئًا منها". وفي يوم الخميس العاشر من أكتوبر، يَرحلُ إلى مزبلةِ التاريخ، يرحلُ عن هذا العالَم، ويَدورُ جِدالٌ حولَ الصلاةِ عليه، وكان مِن رأي رئيسِ الوزراء ألاَّ يُصلى عليه، وحَدَث خلافٌ مع قائدِ الجيش الأول، وأخيرًا -وبعدَ جَدَلٍ- وافقوا أن يُصلى عليه، ولكن مَن الذي أمَّ الناس؟ .. إذَا كَانَ الغُرابُ دَلِيلَ قَوْمٍ … فَلا َفَلَحُوا وَلَا فَلَحَ الغُرَابُ إنه مديرُ الأوقاف "شرف الدين أفندي"، الذي أصبح رئيسًا للشؤون الدينية في عهد "أينونو"، حاوَلَ إقناع "أينونو" بالقيام بكُفرٍ لم يستطع أتاتورك نفسُه القيامَ به، وهو جَعلُ الترجمةِ التركيةِ للقرآن الكريم لغةً للعبادة، وفَرْضُ قراءتِها في الجوامع، بقوَّةِ القانون، ويالَلَّه! أتاتورك يُصلِّي عليه "شرف الدين" هذا .. وافَق الشَّنُّ الطبق. * وَعَرَضُوا جثْمَانَهُ لِزَيارَة النَّاسِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا: ومات نتيجةَ الازدحام الشديد أربعةَ عَشَرَ شخصًا، وفَقَدت بعضُ

стр. 912

البناتِ بكارَتَهُنَّ بأصابع عديمي الحياء، مارسوا هذا أمامَ تابوته الرصاصي؛ كعادة الصليبيين. * أتاتورك الجبان: ° "مَن خاف الله أخافَ منه كل شيء، ومَن لم يَخَفِ اللهَ أخافه اللهُ من كلِّ شيء". كان في مدرسة الزراعة على إحدى القِمم، وكانت الرياحُ شديدة، وكانت تُثيرُ الغبارَ؛ ولأجلها تُحرَّك الأبواب، فتُحدِثُ أصواتًا، ويَهبُّ الغازي من مكانه مذعورًا قلقًا، قائلاً: "أليس هذا صوت رشَاشة؟ "، ولم يحدث هذا مرةً واحدةً فقط، بل عِدَّةَ مرات، فيقولون له: "إنه صوتُ البابِ المندفِع بسببِ الريح"، ولكنه لا يُصدِّقُ، فيقومُ ويتطلَّعُ من النافذة، ثم يرسِلُ من يُحقِّقُ السبب، وأخيرًا حاوَلَ في أحدِ الأيام الهروب من هذا المكان بعدَ أن جَمَع جميعَ ملابسه، ولكنَّ "جلال عارف" وآخرين وقفوا أمامه ومنعوه، هذا عِلمًا بأن حرَّاسًا له كانوا موجودِين على الدوام في خَيمةٍ في الحديقة الخلفية للمدرسة. ° وقصة أخرى يَحكيها المارشال "فوزي جاقماق": "في أحد الأيام، وبينما كانوا جلوسًا في مجلسِ الأمة الأعلى، ظَهَرت عَبْرَ النافذةِ الخلفية للبِناء سحابةٌ كبيرة من الغُبار؛ وكأنها صادرةٌ من عشراتِ الألوف من الأقدام المُسرِعة في ناحية السَّهْل، وعندما رأى أتاتورك هذا المنظرَ تهيأ للهرب قائلاً: "هذه جيوشُ الخليفة آتية" ثم ظَهَر بأنه لم يكن هناك سِوى قطيع كبير من الغنم، فأُرسل رجلٌ خلفَ الغازي؛ لتأمين رجوعه".

стр. 913

إيهٍ يا أتاتورك، يا مَسْخرةَ التاريخ .. نملٌ وغنمٌ .. فلِمَ التطاول؟ والجزاءُ من جنس العمل. أتاتورك الذي ألغى أعيادَ الفطرِ والأضحى، وجَعَل يومَ الأحد هو يومَ العُطلةِ الأسبوعية بدلاً من الجمعة، ومَنَعَ الحَج، بل وأَغرب من هذا، أن هذا الذي رمرم من فُتات الغرب قُوتًا، له واقعةٌ مثيرةٌ تنقلها جريدة "الأهرام" التي قامت بنقلها من جريدة: "صنداي تايمز" في يوم الخميس ١٥ فبراير سنة ١٩٦٨، تحت عنوان: "كمال أتاتورك رَشَّح سفير بريطانيا ليخلُفه في رئاسة الجمهورية التركية". هل بعد هذا تبعيةٌ وولاءٌ لبريطانيا، التي أسقطت دولةَ الخلافة على يدِ عمِيلها أتاتورك. وأخيرًا: "لم تظهر الفاحشةُ في قومٍ قطُّ، حتى يُعلِنوا بها، إلاَّ فَشَا فيهم الطاعونُ والأوجاعُ التي لم تكن في أسلافهم" (١). وأيُّ ظهورٍ للفاحشةِ أكثرُ من الرقص، والعُهر، والاغتصاب، والعشيقات، والبنات بالتبنِّي لِممارسةِ الرذيلة، ورَقصِ النساء عاريات وَسَطَ موائدِ الخمر؟!. أراد أتاتورك أن يُمتِّعَ نفسَه بالشهوة الحرام، فابتلاه اللهُ بالأوجاع والأسقام .. والجزاء من جنس العمل. وحَرَمه الله من الرجولة، ونِعمةِ الأولاد؛ لأنه كان عقيمًا بسبب إصابتِه بالزُّهري، وبسببه أصيبت زوجته بالسيلان المزمن، ولم تتورع امرأتُه

стр. 914

عن إذاعةِ سِرِّ عُقمِه. والجزاء من جنس العمل. هذه صفحةٌ سوداء لقِزم دجَّال، ألغى الخلافةَ، هذا الماسونيُّ الذي جَعله عِلمانيُّو العرب مَثَلَهم الأعلى!! .. عَادَتْ أغَانِي العُرْسِ رَجْعَ نُواحِ … ونُعيتِ بَينَ مَعَالِمِ الأفْرَاحِ كُفِّنْتِ في لَيْلِ الزَّفَافِ بِثَوْبِهِ … ودُفِنْت عِنْدَ تَبلُّج الإصْبَاحِ شيِّعْتِ مِنْ هَلَعٍ بَعَبْرَةِ ضَاحِكٍ … فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ وسَكْرَةِ صَاحِ ضَحَّتْ عَليْكِ مآذِنٌ وَمَنَابِرٌ … وَبَكَتْ عَلَيْكِ مَمَالِكٌ وَنَوَاحِ الهِنْدُ وَالَهِةٌ وَمِصْرُ حَزِينَةٌ … تَبكي عَلَيْك بمَدْمَعِ سحَّاحِ وَالشَّامُ تَسْألُ وَالعِرَاقُ وَفَارسٌ … أَمَحَى مِنَ الأَرِض الخِلَافَةَ مَاحِ؟! أتتْ لَكِ الجمعُ الجَلائِلُ مَأتمًا … فَقَعَدْنَ فِيهِ مَقَاعِدَ الأنْوَاحِ يَا للرِّجَالِ لِحُرَّةٍ مَوؤودَةٍ … قُتِلَتْ بِغَيْرِ جَرِيَرةٍ وَجُنَاحِ إنَّ الَّذِينَ أَسَتْ جِرَاحكَ حَرْبُهُمْ … قَتَلَتْكَ سَلمُهُمو بِغَيْرِ جرَاحِ هَتَكُوا بِأيْديهِمْ مُلاءَةَ فَخْرِهِمْ … مَوْشيَّةً بمَوَاهِبِ الفَتَّاحِ نَزَعُوا عَنِ اَلأعْنَاقِ خَيْرَ قِلَادَةٍ … وَنَضَوْا عَنِ الأَعْطَافِ خَيْرَ وُشَاحِ حَسَبٌ أَتَى طُولُ اللَّيالِي دُونَهُ … قَدْ طَاحَ بَيْنَ عَشِيَّةٍ وَصَبَاحِ وَعَلَاقَةٌ فُصِمَت عرى أسْبَابِهَا … كَانَتْ أَبَرَّ عَلاِئِقِ الأرواحِ جَمَعَت عَلَى البِرِّ الحضْورَ وَربَّمَا … جَمَعَت عَلَيْهِ سَرَائِرَ النُّزَّاحِ نَظَمَتْ صُفوفَ المُسلمينَ وَخَطوَهُمْ … في كُلِّ غَدْوَةِ جُمْعَةٍ وَرَوَاحِ بَكَتِ الصَّلَاةُ، وَتِلكَ فِتْنَةُ عَابِثٍ … بِالشَّرْع عِربِيدِ القَضَاءِ وَقَاحِ

стр. 915

أفْتَى خُزَعْبَلَةً وَقَالَ ضَلَالةً … وَأتَى بِكُفْرٍ في البِلَادِ بُوَاحِ إنَّ الغَرُورَ سَقَى الرَّئِيسَ بِرَاحهِ … كَيْفَ احْتِيَالُكَ في صَرِيعِ الرَّاحِ؟ نَقَلَ الشَّرَائِعَ وَالعَقَائِدَ وَالقُرَىَ … والنَّاسَ نَقْلَ كتَائِبٍ فِي السَّاحِ تَرَكَتْهُ كالشَّبح المولَّهِ أمَّةٌ … لَمْ تَسْلُ بَعْدُ عِبَادَةَ الأشْبَاحِ هُمْ أَطلَقُوا يَدَهُ كَقَيْصَرَ فِيهمُو … حَتَّى تَنَاوَلَ كُلَّ غَيْرِ مُبَاحِ غَرَّتْهُ طَاعَاتُ الجُمُوع وَدَوْلَةٌ … وَجَدَ السَّوَادَ لَهَا هَوَى المُرتاحِ فَلَتَسْمَعَنَّ بِكُلِّ أرْضٍ دَاعِيًا … يَدْعُو إِلَى الكَذَّابِ أوْ لِسِجَاحِ وَلَتَشْهَدَنَّ بِكُلِّ أرْضٍ فِتْنَةً … فِيهَا يُبَاعُ الدِّيْنُ بَيْعَ سَمَاحِ يُفْتى عَلَى ذَهَبِ المُعِزِّ وَسَيْفِهِ … وَهَوى النُّفُوسِ وَحِقْدِهَا المِلحَاحِ * * * يَا أُخْتَ أنْدَلُسٍ عَلَيْكِ سَلَامُ … هَوَتِ الخِلَافَةُ عَنْك وَالإسْلَامُ نَزَلَ الهِلَالُ عَنِ السَّمَاءِ فَلَيْتَهَا … طُوِيَتْ وَعَمَّ العَالمينَ ظَلَامُ أَزْرَى بِه وَأزَالَهُ عَنْ أوْجه … قَدَرٌ يَحُطُّ البَدْرَ وَهْوَ تَمَامُ خَفَتَ الأذانُ فَمَا عَلَيْكِ مُوحَّدٌ … يَسْعَى وَلَا الجُمَعُ الحِسَانُ تُقَامُ وَخَبَتْ مَسَاجِدُ كُنَّ نُورًا جَامِعًا … تَمْشِي إلَيْهِ الأُسْدُ وَالآرَامُ (١) وعَفَتْ قُبُورُ الفَاتِحينَ وَفُضَّ عَنْ … حُفَرِ الخَلائِفِ جَنْدَلٌ وَرِجَامُ (٢) * * *
следующие страницы →