← Сира

Сира · id 96964

وا محمداه إن شانئك هو الأبتر

سيد حسين العفاني

Полный текст (2 668 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣١]. وانظر إلى حِكمة اللَّهِ؛ فإنه بالرغم من كونه مُحاطًا بالأطباء والأخصائيين وأساتذةِ الطبِّ، لم يكتشِفوا أنه كان مريضًا بالكبد، وذَاقَ مرَّ العذاب من سنة ١٩٣٦ حتى اكتشفوا المرض سنةَ ١٩٣٨، الذي يَعرفُه أقلُّ الأطباء معرفةً بالطب، وابتلاه اللهُ بتليُّفِ الكبد الذي أدَّى إلى الاستسقاء، واحتاج إلى سَحبِ الماء من بطنه بالإبَر، وكان يَصيحُ بمن حولَه والأطباء: "اسحبوا المياه (١) حالاً، اسحبوها كلَّها لا تَدَعوا شيئًا منها". وفي يوم الخميس العاشر من أكتوبر، يَرحلُ إلى مزبلةِ التاريخ، يرحلُ عن هذا العالَم، ويَدورُ جِدالٌ حولَ الصلاةِ عليه، وكان مِن رأي رئيسِ الوزراء ألاَّ يُصلى عليه، وحَدَث خلافٌ مع قائدِ الجيش الأول، وأخيرًا -وبعدَ جَدَلٍ- وافقوا أن يُصلى عليه، ولكن مَن الذي أمَّ الناس؟ .. إذَا كَانَ الغُرابُ دَلِيلَ قَوْمٍ … فَلا َفَلَحُوا وَلَا فَلَحَ الغُرَابُ إنه مديرُ الأوقاف "شرف الدين أفندي"، الذي أصبح رئيسًا للشؤون الدينية في عهد "أينونو"، حاوَلَ إقناع "أينونو" بالقيام بكُفرٍ لم يستطع أتاتورك نفسُه القيامَ به، وهو جَعلُ الترجمةِ التركيةِ للقرآن الكريم لغةً للعبادة، وفَرْضُ قراءتِها في الجوامع، بقوَّةِ القانون، ويالَلَّه! أتاتورك يُصلِّي عليه "شرف الدين" هذا .. وافَق الشَّنُّ الطبق. * وَعَرَضُوا جثْمَانَهُ لِزَيارَة النَّاسِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا: ومات نتيجةَ الازدحام الشديد أربعةَ عَشَرَ شخصًا، وفَقَدت بعضُ

стр. 912

البناتِ بكارَتَهُنَّ بأصابع عديمي الحياء، مارسوا هذا أمامَ تابوته الرصاصي؛ كعادة الصليبيين. * أتاتورك الجبان: ° "مَن خاف الله أخافَ منه كل شيء، ومَن لم يَخَفِ اللهَ أخافه اللهُ من كلِّ شيء". كان في مدرسة الزراعة على إحدى القِمم، وكانت الرياحُ شديدة، وكانت تُثيرُ الغبارَ؛ ولأجلها تُحرَّك الأبواب، فتُحدِثُ أصواتًا، ويَهبُّ الغازي من مكانه مذعورًا قلقًا، قائلاً: "أليس هذا صوت رشَاشة؟ "، ولم يحدث هذا مرةً واحدةً فقط، بل عِدَّةَ مرات، فيقولون له: "إنه صوتُ البابِ المندفِع بسببِ الريح"، ولكنه لا يُصدِّقُ، فيقومُ ويتطلَّعُ من النافذة، ثم يرسِلُ من يُحقِّقُ السبب، وأخيرًا حاوَلَ في أحدِ الأيام الهروب من هذا المكان بعدَ أن جَمَع جميعَ ملابسه، ولكنَّ "جلال عارف" وآخرين وقفوا أمامه ومنعوه، هذا عِلمًا بأن حرَّاسًا له كانوا موجودِين على الدوام في خَيمةٍ في الحديقة الخلفية للمدرسة. ° وقصة أخرى يَحكيها المارشال "فوزي جاقماق": "في أحد الأيام، وبينما كانوا جلوسًا في مجلسِ الأمة الأعلى، ظَهَرت عَبْرَ النافذةِ الخلفية للبِناء سحابةٌ كبيرة من الغُبار؛ وكأنها صادرةٌ من عشراتِ الألوف من الأقدام المُسرِعة في ناحية السَّهْل، وعندما رأى أتاتورك هذا المنظرَ تهيأ للهرب قائلاً: "هذه جيوشُ الخليفة آتية" ثم ظَهَر بأنه لم يكن هناك سِوى قطيع كبير من الغنم، فأُرسل رجلٌ خلفَ الغازي؛ لتأمين رجوعه".

стр. 913

إيهٍ يا أتاتورك، يا مَسْخرةَ التاريخ .. نملٌ وغنمٌ .. فلِمَ التطاول؟ والجزاءُ من جنس العمل. أتاتورك الذي ألغى أعيادَ الفطرِ والأضحى، وجَعَل يومَ الأحد هو يومَ العُطلةِ الأسبوعية بدلاً من الجمعة، ومَنَعَ الحَج، بل وأَغرب من هذا، أن هذا الذي رمرم من فُتات الغرب قُوتًا، له واقعةٌ مثيرةٌ تنقلها جريدة "الأهرام" التي قامت بنقلها من جريدة: "صنداي تايمز" في يوم الخميس ١٥ فبراير سنة ١٩٦٨، تحت عنوان: "كمال أتاتورك رَشَّح سفير بريطانيا ليخلُفه في رئاسة الجمهورية التركية". هل بعد هذا تبعيةٌ وولاءٌ لبريطانيا، التي أسقطت دولةَ الخلافة على يدِ عمِيلها أتاتورك. وأخيرًا: "لم تظهر الفاحشةُ في قومٍ قطُّ، حتى يُعلِنوا بها، إلاَّ فَشَا فيهم الطاعونُ والأوجاعُ التي لم تكن في أسلافهم" (١). وأيُّ ظهورٍ للفاحشةِ أكثرُ من الرقص، والعُهر، والاغتصاب، والعشيقات، والبنات بالتبنِّي لِممارسةِ الرذيلة، ورَقصِ النساء عاريات وَسَطَ موائدِ الخمر؟!. أراد أتاتورك أن يُمتِّعَ نفسَه بالشهوة الحرام، فابتلاه اللهُ بالأوجاع والأسقام .. والجزاء من جنس العمل. وحَرَمه الله من الرجولة، ونِعمةِ الأولاد؛ لأنه كان عقيمًا بسبب إصابتِه بالزُّهري، وبسببه أصيبت زوجته بالسيلان المزمن، ولم تتورع امرأتُه

стр. 914

عن إذاعةِ سِرِّ عُقمِه. والجزاء من جنس العمل. هذه صفحةٌ سوداء لقِزم دجَّال، ألغى الخلافةَ، هذا الماسونيُّ الذي جَعله عِلمانيُّو العرب مَثَلَهم الأعلى!! .. عَادَتْ أغَانِي العُرْسِ رَجْعَ نُواحِ … ونُعيتِ بَينَ مَعَالِمِ الأفْرَاحِ كُفِّنْتِ في لَيْلِ الزَّفَافِ بِثَوْبِهِ … ودُفِنْت عِنْدَ تَبلُّج الإصْبَاحِ شيِّعْتِ مِنْ هَلَعٍ بَعَبْرَةِ ضَاحِكٍ … فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ وسَكْرَةِ صَاحِ ضَحَّتْ عَليْكِ مآذِنٌ وَمَنَابِرٌ … وَبَكَتْ عَلَيْكِ مَمَالِكٌ وَنَوَاحِ الهِنْدُ وَالَهِةٌ وَمِصْرُ حَزِينَةٌ … تَبكي عَلَيْك بمَدْمَعِ سحَّاحِ وَالشَّامُ تَسْألُ وَالعِرَاقُ وَفَارسٌ … أَمَحَى مِنَ الأَرِض الخِلَافَةَ مَاحِ؟! أتتْ لَكِ الجمعُ الجَلائِلُ مَأتمًا … فَقَعَدْنَ فِيهِ مَقَاعِدَ الأنْوَاحِ يَا للرِّجَالِ لِحُرَّةٍ مَوؤودَةٍ … قُتِلَتْ بِغَيْرِ جَرِيَرةٍ وَجُنَاحِ إنَّ الَّذِينَ أَسَتْ جِرَاحكَ حَرْبُهُمْ … قَتَلَتْكَ سَلمُهُمو بِغَيْرِ جرَاحِ هَتَكُوا بِأيْديهِمْ مُلاءَةَ فَخْرِهِمْ … مَوْشيَّةً بمَوَاهِبِ الفَتَّاحِ نَزَعُوا عَنِ اَلأعْنَاقِ خَيْرَ قِلَادَةٍ … وَنَضَوْا عَنِ الأَعْطَافِ خَيْرَ وُشَاحِ حَسَبٌ أَتَى طُولُ اللَّيالِي دُونَهُ … قَدْ طَاحَ بَيْنَ عَشِيَّةٍ وَصَبَاحِ وَعَلَاقَةٌ فُصِمَت عرى أسْبَابِهَا … كَانَتْ أَبَرَّ عَلاِئِقِ الأرواحِ جَمَعَت عَلَى البِرِّ الحضْورَ وَربَّمَا … جَمَعَت عَلَيْهِ سَرَائِرَ النُّزَّاحِ نَظَمَتْ صُفوفَ المُسلمينَ وَخَطوَهُمْ … في كُلِّ غَدْوَةِ جُمْعَةٍ وَرَوَاحِ بَكَتِ الصَّلَاةُ، وَتِلكَ فِتْنَةُ عَابِثٍ … بِالشَّرْع عِربِيدِ القَضَاءِ وَقَاحِ

стр. 915

أفْتَى خُزَعْبَلَةً وَقَالَ ضَلَالةً … وَأتَى بِكُفْرٍ في البِلَادِ بُوَاحِ إنَّ الغَرُورَ سَقَى الرَّئِيسَ بِرَاحهِ … كَيْفَ احْتِيَالُكَ في صَرِيعِ الرَّاحِ؟ نَقَلَ الشَّرَائِعَ وَالعَقَائِدَ وَالقُرَىَ … والنَّاسَ نَقْلَ كتَائِبٍ فِي السَّاحِ تَرَكَتْهُ كالشَّبح المولَّهِ أمَّةٌ … لَمْ تَسْلُ بَعْدُ عِبَادَةَ الأشْبَاحِ هُمْ أَطلَقُوا يَدَهُ كَقَيْصَرَ فِيهمُو … حَتَّى تَنَاوَلَ كُلَّ غَيْرِ مُبَاحِ غَرَّتْهُ طَاعَاتُ الجُمُوع وَدَوْلَةٌ … وَجَدَ السَّوَادَ لَهَا هَوَى المُرتاحِ فَلَتَسْمَعَنَّ بِكُلِّ أرْضٍ دَاعِيًا … يَدْعُو إِلَى الكَذَّابِ أوْ لِسِجَاحِ وَلَتَشْهَدَنَّ بِكُلِّ أرْضٍ فِتْنَةً … فِيهَا يُبَاعُ الدِّيْنُ بَيْعَ سَمَاحِ يُفْتى عَلَى ذَهَبِ المُعِزِّ وَسَيْفِهِ … وَهَوى النُّفُوسِ وَحِقْدِهَا المِلحَاحِ * * * يَا أُخْتَ أنْدَلُسٍ عَلَيْكِ سَلَامُ … هَوَتِ الخِلَافَةُ عَنْك وَالإسْلَامُ نَزَلَ الهِلَالُ عَنِ السَّمَاءِ فَلَيْتَهَا … طُوِيَتْ وَعَمَّ العَالمينَ ظَلَامُ أَزْرَى بِه وَأزَالَهُ عَنْ أوْجه … قَدَرٌ يَحُطُّ البَدْرَ وَهْوَ تَمَامُ خَفَتَ الأذانُ فَمَا عَلَيْكِ مُوحَّدٌ … يَسْعَى وَلَا الجُمَعُ الحِسَانُ تُقَامُ وَخَبَتْ مَسَاجِدُ كُنَّ نُورًا جَامِعًا … تَمْشِي إلَيْهِ الأُسْدُ وَالآرَامُ (١) وعَفَتْ قُبُورُ الفَاتِحينَ وَفُضَّ عَنْ … حُفَرِ الخَلائِفِ جَنْدَلٌ وَرِجَامُ (٢) * * *

стр. 916

* عليُّ بنُ عبد الرازِق وكتابُه القبيح الأسود "الإِسلام وأصول الحكم": أزهريٌّ سَوَّد كتابَه "الإسلام وأصول الحكم"، يدَّعي أن الشريعةَ الإسلاميةَ لا عَلاقةَ لها بالحكم في أمور الدنيا!! وكان قرارُ هيئةِ كبار العلماء بإخراجِ الشيخ عليٍّ من زُمْرتهم قرارًا صحيحًا، وقد حَصَرت الهيئةُ الموقَّرةُ مواضعَ مؤاخذتها العلميَّة في هذه النِقاط: ١ - القولُ بأنَّ الشريعةَ الإسلاميةَ شريعةٌ رُوحيَّةٌ محضةٌ، لا علاقةَ لها بالحكم والتنفيذ في أمور الدنيا. ٢ - القولُ بأن الدينَ لا يَمنعُ مِن أنَّ جهادَ النبي ﷺ كان في سبيلِ المُلْك لا في سبيل الدين، ولا لإبلاغِ الدعوة إلى العالمين. ٣ - القولُ بأن نظامَ الحُكمِ في عهدِ النبي ﷺ كان مَوضعَ غموضٍ وإبهامٍ واضطرابٍ ونقصٍ، ومُوجِبًا للحَيْرة. ٤ - القولُ بأنَّ مهمَّةَ النبيِّ ﷺ كانت بلاغًا للشريعة مُجَرَّدًا عن الحُكم والتنفيذ. ٥ - إنكارُ إجماعِ الصحابة على وجوبِ نَصْبِ الإمام، وعلى أنه لا بُدَّ للأُمَّة ممن يقومُ بأمرها في الدين والدنيا. ٦ - إنكارُ أن القضاءَ وظيفةٌ شرعية. ٧ - القولُ بأن حكومةَ أبي بكر والخلفاءِ الراشدين مِن بَعدِه كانت حكومةً لا دينيَّة (١).

стр. 917

* سعد زغلول ينقدُ كتاب "الإِسلام وأصول الحكم": ° قال الأستاذ: "محمد إبراهيم الجزيري" السكرتير الخاص لسعد زغول الزعيم المصري: "قلت له: ما رأيُكم في كتاب "الإسلام وأصول الحكم"؟ فقال مُهْتمًّا كمن يستعدُّ لإلقاء محاضرة: "لقد قرأتُه بإمعان، لأعرفَ مَبْلَغَ الحَمَلات عليه من الخطإ والصواب، فعَجِبتُ أوَّلاً: كيف يكتبُ عالمٌ دينيٌّ بهذا الأسلوب في مِثلِ هذا الموضوع؟! وقد قرأتُ كثيرًا للمستشرقين، وَلِسِواهُم، فما وَجدتُ ممَّن طَعَن منهم في الإسلام حِدَّةً كهذه الحِدَّةِ في التعبير، على نحوِ ما كتب الشيخ علي عبد الرازق، فقد عَرَفتُ أنه جاهلٌ بقواعِدِ دينه، بل بالبسيط من نظريَّاته، وإلاَّ فكيف يدَّعي أن الإسلامَ ليس مدنيًّا، ولا هو بنظامٍ يَصلُحُ للحُكم؟ فأيُّ ناحيةٍ مَدَنيَّةٍ من نواحي الحياة لم ينصَّ عليها الإسلام؟ هل البَيعُ أو الأجارة أو الهِبة؟ أو أيُّ نوعٍ آخَرُ من المعاملات؟ ألم يدرُسْ شيئًا من هذا في الأزهر؟ أوَلَم يقرأْ أنَّ أُممًا كثيرةً حكَمَتْ بقواعد الإسلام -فقط- عهودًا طويلة كانت أنضَرَ العصور؟! وأنَّ أُممًا لا تزالُ تحكمُ بهذه القواعد، وهي آمِنةٌ مطمئنةٌ؟! فكيف لا يكونُ الإسلامُ مَدَنِيًّا ودِينَ حُكْم؟!. وأعجبُ من هذا ما ذَكَرَه في كتابه عن الزكاة!. أين كان هذا الشيخ من الدراسة الدينيَّة الأزهريةِ؟. إني لا أفهمُ معنًى للحَمْلةِ المتحيِّزة التي تُثيرُها جريدةُ "السياسة" حولَ هذا الموضوع، وما قرارُ هيئةِ كبارِ العلماء بإخراجِ الشيخ عليٍّ من زُمرتهم، إلاَّ قرارٌ صحيحٌ لا عَيْبَ فيه؛ لأنَّ لهم حقًّا صريحًا -بمقتضى القانون، أو

стр. 918

بمقتضى المنطقِ والعقلِ- أن يُخرجوا مَن يَخرُجُ على أنظمتِهم من حظيرتهم؛ فهذا أمرٌ لا علاقةَ له مُطلَقًا بحُرِّيةِ الرأيِ التي تعنيها السياسة" (١). * سعد يُلقِمُ العلمانيون حجرًا: ° إن كلام رئيس الوزراء المِصريِّ الذي صرَّح بما لم يَستطع أيُّ مسؤولٍ مصريٍّ قبلَه أن يقولَه غيرُ السادات، فقد قال الدكتور أحمد نظيف في حديث إلى قناة "العربية" الفضائية، على هامش مُنتدى دافوس في شرم الشيخ: "إنَّ مصرَ دولةٌ عِلمانية تفصلُ الدينَ عن السياسة، لكنها تعتمدُ الشريعةَ مصدرًا أساسيًّا للتشريع"، ثم يعودُ بعدها في اليوم التالي وُيدلي بتصريحٍ إلى "وكالةِ أنباءِ "الشرق الأوسط" يقول فيه حَرْفِيًّا: "إنَّ مصر دولةٌ إسلامية طِبْقًا للدستور، وإنَّ مبادئ الشريعة الإسلامية هي مصدرٌ أساسي للتشريع، ومع ذلك فإن ممارسة الحقوقِ والواجباتِ العامة في مصر لا تُميِّزُ بين المواطنين بسبب الجنسِ أو الأصلِ أو اللغة أو الدينِ أو العقيدة" (٢). ° وسَوَّد أحمدُ بهاء الدين مؤلَّفًا سَمَّاه "أيام لها تاريخ" تحدَّث فيه عن كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لا يَمُتُّ إلى الحقيقة بصِلَةٍ، وما هو إلاَّ تخيُّلاتٍ موهومة، إلى أن قال: "والتقط الإِنجليزُ فِكرةَ الخلافةِ الواقعة على الأرض، نعم! لماذا لا يُنشِؤون هم خلافةً إسلاميةً جديدةً تنمو تحتَ رعايتِهم، وأنَّ الخلافةَ لحُجَّةٌ قديمة للتغريرِ بالمسلمين، وخَلْفَ عباءتها خَرَجَت من مكة (كذا!!) وتنقلت بين دمشقَ وبغدادَ والقاهرة واستامبول،

стр. 919

ويَمتطيها الحاكمُ الذي يستبدُّ بالمسلمين" (١). وكتب الدكتور محمد ضياء الريِّس كتابَه الرائع "الإِسلام والخلافة في العصر الحديث - نَقَد كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، وفنَّد فيه ﵀ الأباطيلَ الموهومة. ° ثم يأتي العِلمانيُّ "التقدُّميُّ المستنير" د. جابر عصفور، فيُعيد نشر كتاب علي عبد الرازق في سلسلة "المواجهة والتنوير"، ويَكتبُ له مقدِّمةً وُيزكِّي هذه المقدمةَ العِلمانيُّ الكارهُ لحكم الشريعة، والكاتبُ الكريهُ أحمد عبد المعطي حجازي، فيُسوِّد سطورًا في مدحِ هذه المقدِّمة في مقالٍ نَشَره بـ "الأهرام" في ٢٦/ ٥/ ١٣٩٣ هـ، يَكذِبُ فيه الكَذِبَ الصَّراح، ويَنقلُ باطلاً عن باطلٍ دون التفات حتى إلى حقائقِ التاريخ ووقتِ كتابة علي عبد الرازق لكتابه .. ثم يدَّعي بعد ذلك البحثَ العلميَّ!! .. دَعْوَى إذا حَقَّقتَها ألفَيْتَها … ألقابَ زُورٍ لُفِّقَتْ بِمُحالِ ° كَتب الدكتور جابر عصفور في مقدمة طبعةِ الكتاب: "بعد أن قام كمال أتاتورك بحركته الإِصلاحيَّة (١) في تركيا، وما ترتَّب عليها من إلغاءِ الخلافة العثمانية وإعلانِ الجمهورية، بدأت محاولاتٌ متعدِّدةٌ لإقامةِ الخلافة في أكثرَ من قُطْر، بعضُ هذه المحاولاتِ حَدَثت في القاهرة، وكانت مرتبطةً بدافعِ تنصيبِ المَلِك "فؤاد" خليفةً للمسلمين، وبينما كانت محاولاتُ أنصارِ المَلِك فؤاد قائِمةً متَّصِلةً، وفي الوقتِ الذي كان فيه الحوارُ دائرًا حولَ معنى "الخلافة" في عصرنا، أصدر علي عبد الرازق القاضي الأزهري -الذي

стр. 920

يَعملُ رئيسًا للمحكمة الشرعية في المنصورة- كتابه "الإسلام وأصول الحكم"، الذي فرغ منه في مَطَلَعِ إبريل عام ١٩٢٥ م، وطبع في العام نفسِه أكثرَ من مرَّة، وكان الكتاب قنبلةً بكلِّ معنَى الكلمة، وعلى مستوياتٍ متعدِّدة، نَسَفَ الكتابُ فكرةَ "الخلافة الإِسلامية" التي كان يَحلُمُ بها المَلكُ فؤاد وأعوانُه، ونَسَفَ الكتابُ كثيرًا من الرَّواسبِ العالقةِ في أذهانِ القراء عن الدولة الدينية، ونسَفَ الكتابُ السَّطوةَ التي يَزعُمُها بعض رجالِ الدين عندما يتحدَّثون عن الحكم، وكان الكتابُ بمثابةِ تأكيدٍ من أزهريٍّ مستنيرٍ لدعائمِ الدولةِ المدنيَّة، وفي الوقتِ نفسِه كان ثورةً هائلةً على المفاهيمِ السائدةِ عند أقرانه من المشايخ، وكان من الطبيعي أن يُحارَبَ الكتابُ، وأن يعاقَبَ صاحبُه، واتَّفَقَ القصرُ مع لجنة كبار العلماء على العقاب، صَدَر قرارٌ بسَحبِ "العالِمِية" من الرجل، وتَبع هذا القرارَ فَصْلُه من عَمَله بالقضاء، وقامت الدنيا ولم تَقعد، وتولَّت الدفاعَ عن الكتاب كلُّ قوى الاستنارةِ في مصر، وكلُّ الفصائل السياسية المؤمنةِ بالديمقراطية، وكلُّ دعاةِ الدولةِ المدنية والمجتمعِ المدني". ° إلى أن يقول: "وبَقِيَ الكتابُ نفسُه وثيقةً رائعةً من وثائِقِ التنوير". عامَلَك اللهُ بما تستحقُّ يا جابر عصفور!!. * علي بن عبد الرازق تلميذ "مرجليوث وأرنولد" الوَفيُّ: ° نال عليُّ بنُ عبد الرازق عالِمِية الأزهر سنة ١٩١١، وقضى بـ "الأزهر" عامًا واحدًا يُدرِّسُ مادةَ "البلاغة"، وقد ألَّف فيها كتابًا عن عِلمِ البيان سمَّاه "الأمالي"، ثم سافر إلى "إنجلترا" سنة ١٩١٢ ليدرس السياسةَ أو الاقتصاد، فعاد عند نُشوبِ الحربِ العالَمية سنة ١٩١٤ م ليعَّين بعدَ وقتٍ

стр. 921

قصير قاضيًا شرعيًّا، وفي هذا الوقت رَحَّبَتْ صحافة أوربا بالهجوم على الخلافة، وكان "مرجليوث" -المستشرق الإنجليزي- بالذات من أكبر أعداءِ الخلافةِ الإسلامية، وقد أخذ يقرِّرُ: "أن مبدأَ الحكومة الأتوقراطية -أي: الاستبدادية- قد ظَلَّ مسَلَّمًا به لا يجادِلُ أحدٌ فيه في الأقطار الإِسلامية حتى القرن التاسَعَ عَشَر! وذلك حين وَصَلت المَوجةُ التي صدرت عن الثورة الفرنسية عن طريق تركيا إلى المنطقة الحارة! " (١). ° "كذلك كان المستشرق الإنجليزي "أرنولد" الذي قَرَّر أن الحكومةَ الإسلاميةَ أتوقراطية ادُّعي لها أنها مبنيَّةٌ على الوحيِ الإلهيِّ، وقد جعِل واجبًا دينيًّا على الفردِ المسلم أن يطيعَ الحكومةَ الاستبداديةَ التي يقومُ على رأسِها الخليفة" (٢). ° وقد كان الأستاذان "مرجليوث، وأرنولد" من كبار أستاذة "أكسفورد" التي التَحَقَ بها الأستاذ علي عبد الرازق على مدى عامَيْنِ متتابِعَيْن! وموضوعُ حديثهما في الجامعة هو "السياسة الإسلامية"، فاستجاب الأستاذ لِمَا سمع! وهذا موضع العَجَب؛ لأنه أزهريٌّ، يفترضُ فيه أن يكون قد دَرَسَ أصولَ الحكم في الإسلام، وقرأ ما كَتَبه أساطين العلماء! ولكنَّ كتابَه الذي ألَّفه يَنطِقُ بأنه لم يلِمَّ بما قاله هؤلاء الأعلامُ، فكان فريسةً سهلةَ الوقوع!!.

стр. 922

* هَذَيان علي عبد الرازق ودَجَلُه: ° يقول علي عبد الرازق: "ولايةُ الرسولِ على قَومِه ولايةٌ رُوحِيَّة، منشؤُها إيمانُ القلبِ وخضوعُه خضوعًا تامًّا يَتبعُه الجِسم، وولايةُ الحاكمِ ولايةٌ مادية تعتمدُ على إخضاعِ الجسم من غيرِ أن يكون له بالقلوب اتصال، تلك ولايَةُ هدايةٍ إلى الله وإرشادٍ إليه، وهذه ولايةُ تدبيرٍ لصالحِ الحياة، وعَمَارِ الأرض، تلك للدِّين، وهذه للدنيا، تلك لله، وهذه للناس، تلك زعامةٌ دينيةٌ، وهذه زعامةٌ سياسية، ويا بُعدَ ما بين السياسة والدِّين" (١). ° ويقول أيضًا: "والدنيا مِن أوَّلها إلى آخِرِها، وجميعُ ما فيها من أغراضٍ وغاياتٍ أهونُ عند الله من أن يُقيمَ على تدبيرها غيرَ ما رُكِّب فينا من عقول، وحَبَانا مِن عواطِفَ وشهوات، وعَلَّمنا من أسماءَ ومسميات، هي أهونُ عند الله من أن يَبعثَ لها رسولاً!! وأهونُ عند رُسُل الله -تعالى- من أن يَشتغِلوا بها، ويَنصَبوا لتدبيرها" (٢). ° وقال: "إنَّ كلَّ ما جاء به الإسلامُ من عقائدَ ومعاملاتٍ وآدابٍ وعقوبات، فإنما هو شرعٌ دينيٌّ خالصٌ لله تعالى، ولمصلحةِ البشرِ الدينيةِ لا غير، وسِيَّانِ بعد ذلك أن تتَّضحَ لنا تلك المصالحُ الدينية أم تَخفى علينا؟ وسِيَّانِ أن يكونَ منها للبشرِ مصلحةٌ مدنيةٌ أم لا؟ فذلك ما لا ينظرُ الشرعُ السماويُّ إليه، ولا ينظر إليه الرسول" (٣)!!.

стр. 923

* هل يرى علي عبد الرازق والعلمانيُّون معه أن تدبيرَ أمورِ الدنيا وسياسةَ الناس أهونُ عند الله مِن مِشْيَةٍ يقول الله في شأنها: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإِسراء: ٣٧]؟ وأهونُ عند الله من صاع شعير أو رَطْلِ مِلحٍ يقول الله في شأنهما: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء: ١٨١، ١٨٢]؟. * وماذا يَعملُ الشيخ علي في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾؟ [النساء: ١٠٥]. * وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾؟ [المائدة: ٤٩]. * دعواه أن جهادَه ﷺ كان في سبيلِ المُلْكِ، لا في سبيل الدين: ° قال علي عبد الرازق: "وظاهرٌ أولَ وهلةٍ أنَّ الجهادَ لا يكونُ لمجرَّدِ الدعوة إلى الدين، ولا لِحَمْلِ الناس عَلى الإيمانِ بالله ورسوله" (١). ° ثم قال: "وإذا كان النبيُّ ﷺ قد لَجَأَ إلى القوةِ والرَّهْبة، فذلك لا يكونُ في سبيل الدعوة إلى الدين، وإبلاغِ رسالته إلى العالمين، وما يكونُ لنا أن نفهمَ إلاَّ أنه كان في سبيلِ المُلك" (٢). ° ويقول: "قلنا: إن الجهادَ كان آيةً من آياتِ الدولة الإسلامية، ومِثالاً من أمثلةِ الشؤون المَلَكيَّة .. وإليك مثلا آخَرَ: كان في زَمَنِ النبي ﷺ

стр. 924

عَمَلٌ كبيرٌ متعلِّقٌ بالشؤون الماليَّة من حيثُ الإيراداتُ والمصروفات، ومِن حيثُ جَمعُ المالِ من جهاتِه العديدة -الزكاة والجِزية والغنائم- إلخ .. ومن حيث توزيعُ ذلك كلِّه بين مصارفه، وكان له ﷺ سُعَاةٌ وجُبَاةٌ يتولَّوْن ذلك له، ولا شكَّ أن تدبيرَ المالِ عَمَلٌ مَلَكيٌّ، بل هو أهمُّ مقوِّماتِ الحكومات" (١). ° ثم قال: "إذا ترجَّح عند بعضِ الناظرين اعتبارُ تلك الأمثلةِ، واطمأنَّ إلى الحُكم بأنه ﷺ كان رسولاً ومَلِكًا، فسوف يَعترضُه حينئذٍ بحثٌ آخَرُ جديرٌ بالتفكير، فهل كان تأسيسُه للمَملكة الإسلامية وتصرُّفها في ذلك الجانبِ شيئًا خارجًا عن حدودِ رسالته ﷺ ؟ أم كان جُزءً ممَّا بَعَثَه الله له وأوحى به إليه؟. فأمَّا أنَّ المملكةَ النبويَّةَ عَمَلٌ منفصلٌ عن دعوة الإسلام وخارجٌ عن حدودِ الرسالة، فذلك رأيٌ لا نَعرِف في مذاهبِ المسلمين ما يُشاكِلُه، ولا نَذكُرُ في كلامِهم ما يدلُّ عليه، وهو على ذَلك رأيٌ صالح لأنْ يُذهَبَ إليه، ولا نَرى القولَ به يكونُ كفرًا ولا إلحادًا، وربما كان محمولاً على هذا المذهبِ ما يراه بعضُ الفِرَقِ الإسلامية من إنكارِ الخلافة في الإسلام مرةً واحدة، ولا يَهُولَنَّك أن تسمعَ أن للنبي ﷺ عملاً كهذا خارجًا عن وظيفةِ الرسالة، وأن مُلْكَه الذي شيَّده هو من قَبيل ذلك العمل الدنيويِّ الذي لا عَلاقةَ له بالرسالة، فذلك قولٌ إنْ أنْكَرَتْه الأُذن لأنَّ التشدُّقَ به غيرُ مألوف في لغةِ المسلمين، فقواعدُ الإسلام ومعني الرسالة ورُوحُ التشريع وتاريخُ النبي ﷺ ، كلُّ ذلك لا يُصادِمُ رأيًا كهذا ولا يَستفظِعُه، بل ربُّما وَجَد ما

стр. 925

يَصلُحُ له دِعامةً وسَندًا، ولكنه على كلِّ حالٍ رأيٌ نراه بعيدًا" (١). ° وقال: "إن الجهادَ كان مثالاً مِن أمثلةِ الشؤون المَلَكيَّة، فهو إذن في سبيل المُلْكِ لا الدين" (٢). * فأين علي عبد الرازق من قول الله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؟ [النساء: ٨٤]. * وقول الله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ٧٤]؟. * وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾؟ [البقرة: ١٩٣]. * وقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]؟. * وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]؟. * دَعوى أن نِظامَ الحُكمِ في عهدِ النبي ﷺ كان مَوْضِعَ غموضٍ أو اضطرابٍ أو نقصٍ: ° فقد قال في (ص ٤٠): "لاحَظْنا أنَّ حالَ القضاءِ زَمَن النبي ﷺ

стр. 926

غامضةٌ ومبهمةٌ في كلِّ جانب". ° وقال في (ص ٤٦): "كلَّما أمْعَنَّا تفكيرًا في حالِ القضاء في زَمَنِ النبي ﷺ وفي حال غيرِ القضاء من أعمالِ الحُكمِ وأنواعِ الولاية، وَجَدْنا إبهامًا في البَحثِ يتزايدُ، وخَفَاءً في الأمرِ يَشتدُّ، ثم لا تَزال حَيرةُ الفِكرِ تَنقُلُنا مِن لَبْسٍ إلى لَبْس، وتَرُدُّنا من بَحثٍ إلى بحثٍ، إلى أن ينتهيَ النظرُ بنا إلى غايةِ تلك المجال المشتبهِ الحائر". ° وقال في (ص ٥٧): "إذا كان رسولُ الله ﷺ قد أسَّس دولةً سياسية، أو شَرعَ في تأسيسِها، فلماذا خَلَتْ دولتُه إذنْ من كثيرٍ من أركانِ الدولةِ ودعائمِ الحكم؟ ولماذا لم يُعرف نظامُه في تعيين القُضاةِ والوُلاة؟ ولماذا لم يَتحدَّث إلى رَعيَّته في نظام المُلْكِ وفي قواعدِ الشُّورى؟ ولماذا تَرَك العلماءَ في حَيرةٍ واضطرابٍ من أمرِ النِّظام الحُكوميِّ في زمنه؟ ولماذا ولماذا؟ نريدُ أن نعرفَ مَنْشَأَ ذلك يبدُو للناظر كأنه إبهامٌ أو اضطرابٌ أو نقصٌ أو ما شئت فَسَمِّه في بِناءِ الحكومةِ أيامَ النبيِّ ﷺ .. وكيف كان؟! وما سِرُّة؟! ". * فأين علي عبد الرازق من قول الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]؟. * وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾؟ [النحل: ٤٤]. * وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]؟.

стр. 927

* دعواه أن مهمةَ النبي ﷺ كانت بلاغًا للشريعةِ مجرَّدًا عن الحُكم والتنفيذ: ° قال علي عبد الرازق في (ص ٧١): "ظواهرُ القرآنِ المجيدِ تُؤيِّدُ القولَ بأن النبي ﷺ لم يكنْ له شأنٌ في المُلكِ السياسي، وآياتُه متضافِرةٌ على أنَّ عَمَلَه السماويَّ لم يتجاوَزْ حدودَ البلاغِ المجرَّد من كلِّ معاني السلطان". ° ثم عاد فأكَّد ذلك، فقال (ص ٧٣): "القرآنُ صريحٌ في أنَّ محمدًا ﷺ لم يكن من عَمَلِه شيءٌ غيرُ إبلاغِ رسالةِ الله تعالى إلى الناس، وأنه لم يُكَلَّف شيئًا غيرَ ذلك الإبلاغ، وليس عليه أن يأخذَ الناسَ بما جاءهم به، ولا أن يَحمِلَهم عليه". ولو كان الأمرُ كما زعم هو، لكان ذلك رفضًا لجميعِ آياتِ الأحكام الكثيرةِ في القرآن الكريم، ودُونَ ذلك خَرْطُ القَتَاد!!. * هل تراجع علي عبد الرازق عن قوله؟: ° قال الأستاذ الدكتور محمد رجب البيومي: "كتبتُ في مجلة "الثقافة المصرية" (١٩٧٨ م) مقالاً تحت عنوان "يرجعان إلى الحق" (١) وقد جاء فيه فيما يختصُّ بالأستاذ علي عبد الرازق ما نقلته عن مجلة "رسالة الإسلام" التي كانت تُصدرُها جماعةُ التقريب، حيث وَجدتُ في العدد

стр. 928

الثالث من السَّنة الثالثة الصادرِ في رمضان ١٣٨٠ هـ الموافق يوليو ١٩٥١ م مقالاً لحضرة صاحب السعادة علي عبد الرازق باشا -كما وصفته المجلة- يقعُ في صفحتيْ ٢٤٦، ٢٤٧ تحت عنوان: "الاجتهادُ في نظر الإِسلام"، وفيه يقول: "قرأت بحْثًا قيِّمًا لصاحب العزَّة الكاتبِ الكبير الأستاذ الدكتور أحمد أمين، جاء في صدره أنه كان يتجادل معي، فقلتُ: إن دواءَ ذلك أن نَرجعَ إلى ما نشرتُه قديمًا مِن أن رسالةَ الإسلام روحيةٌ فقط، ولنا الحقُّ فيما عدا ذلك من مسائلَ ومشاكلَ، وقد وَقَفْتُ أمامَ كلمةِ "رسالة روحانيَّة" ولم تَشَأْ أن تَمُرَّ مِن غيرِ أن تُثيرَ ذكرَى قِصَّةٍ قديمةٍ لهذه الكلمة معي، فقد زَعَم الطاعنون أنني في هذا البحثِ قد جَعَلتُ الشريعةَ الإسلامية شريعةً روحانيةً مَحضةً، ورَتَّبوا على ذلك ما طوَّعت لهم أنفُسُهم أن يَفعلوا .. أمَّا أنا، فقد رَدَدتُ عليهم أنني لم أقُلْ ذلك مطلقًا -لا في هذا الكتاب ولا في غيره-، ولا قلتُ شيئًا يُشْبِهُ ذلك الرأيَ أو يُدانيه، أسوقُ هذا الحديثَ ليذكُرَ الأستاذُ الكبير أن فِكرة "رُوحانية الإسلام" لم تكنُ لي رأيًا يومَ نَشَرتُ البحثَ المشارَ إليه، وأنِّي رفضتُ يومئذٍ رفْضًا باتًّا أن يكون ذلك رأيي". ° قرأت هذا الكلامَ، فزادت حَيرتي؛ لأني أعرفُ أن الرجلَ قد قال هذ الكلامَ بمضمونه إنْ لمْ يكنُ بلفظِه، فكيف يقول: "إنه لم يقُلْ ذلك ولا شيئًا يدانيه؟! " ولو كانَ يُنكر صدورَ كلمة "رُوحانية"، فإن مادَّتها صريحةٌ في قوله في الطبعة الأولى (ص ٦٩) "ولايةُ الرسول على قومه ولايةٌ رُوحية، منشؤُها إيمانُ القلب .. ". ° ويقول (ص ٧٨) من الطبعة الأولى: "والدنيا مِن أوَّلها إلى آخِرِها .. أهون عند الله مِن أن يَبعثَ لها رسولاً، وأهونُ عند رسلِ الله

стр. 929

-تعالى- مِن أن يَشتغلوا بها، ويَنْصَبوا لتدبيرها". ° ويقول كثيرًا مِن أمثالِ ذلك ممَّا يثبِث أنَّ الشريعةَ لا صِلَةَ لها بالحياة، وأنها مسألةٌ روحِيَّة بين العبدِ وربِّه، فكيف يُنكِر الأستاذُ ما قالَه للأستاذ أحمد أمين، مدَّعِيًا أن كلمة "روحانية الإسلام" تسرَّبت على لسانِه خطأً، ولم يُرِد مَعْنَاها؟! ولعلَّ الشيطانَ مَن ألقَى في حديثه بتلك الكلمة!!. الحقُّ الذي لا مِرْيةَ فيه أن الرَّجُلَ يتراجعُ عمَّا قال، وكان عليه أن يكونَ صريحًا في التراجع، دون أن يَلُفَّ تراجُعَه في أقنعةٍ تكشِفُ عمَّا تَسْتُرُ، وحَسبنا منه أن نعرفَ أن رأيَه الأخيرَ بمجلة "رسالة الإسلام"، قد عَصَف بما سَبَق أن زعم!! هذا ما عَنَّ لي ولا أزيدُ". انتهى. ° ونختم بما قال علي عبد الرازق في وصفِه للخلافة بأنها: "خُططٌ دنِيويَّةٌ صِرفة، لا شأنَ للدين بها .. وليس لنا حاجةٌ إليها في أمورِ ديننا ولا دنيانا، ولو شئتُ لقلنا أكبرَ من ذلك، فإنَّما كانت الخلافة -وَلم تَزَلْ- نَكبةً على الإِسلام والمسلمين، ويُنْبوعَ شرٍّ وفساد (١). * العِلمانيُّون الفاسدون المُفْسِدون وزُبالةُ أذهانهم، هم -والله- من شانِئِي محمد ﷺ -: ° يقولُ العَصرانِيُّون العِلمانيُّون الآن أكثَرَ مما قال علي عبد الرازق، ويَدَّعون -وهم أهلُ الفساد المفسِدون- أنهم أصحابُ الفِكِر الديني المستنير، وأهلُ العقول الراجحةِ المواكِبةِ للتطوُّر والرقيِّ .. وتطفحُ أذهانهم بزُبالتِها،

стр. 930

وتَقِيءُ أفكارُهم السَّوداءُ كلَّ خبيثٍ .. فتعال معي: * محاولاتُ تنحيةِ الشريعة: ° ما كان أحدٌ يظن أنَّ المسلمين قد يتنازلون عن تحكيمِ شريعتهم بعد أن سادت أحكامها ثلاثةَ عَشَرَ قرنًا، وما كنَّا نظنُّ أن يَنبرِي نَفَرٌ من أبناءِ جِلدتنا -ممَّن يتكلَّمون لُغتَنا- لهدمِ شرعِ اللَّهِ واستبدالِه بقوانينَ أرضيةٍ وافدة، باسم "التجديد والتطوير"، "على أنَّ هنالك اتفاقًا عامًّا بين أصحابِ "الفِكرِ الديني المستنير"!! على ضرورةِ تجديدِ الإِسلام ذاتِه، بمعنى تعديلِ أحكامِه وتشريعاتِه، أو نَسْفِها واقتلاعِها من الجذور" (١). ° فالدكتور محمد أحمد خلف الله: "يرى ضرورةَ انعتاقِ الأحكام من إسارِ الشريعة إلى بحْبُوحةِ القوانين الوضعيَّة، التي تُحقِّقُ لها الحُرِّيَّةَ والتقدُّمَ المذهِلَينِ، وأنَّ خروجَ المعاملات من نِطاقِ الشرعِ إلى نِطاقِ القانون، قد حَقَّق لها ألوانًا من الحُريَّةِ والانطلاق، لم يكن لهم بها عَهدٌ مِن قبلُ" (٢). ° "ويَرى أن العدلَ الإسلاميَّ أمنيةٌ من الأمانيِّ، وليس واقعًا يتحقَّقُ، وذلك أن هذه المعاييرَ -معاييرَ العَدلِ الإسلامي- مِنَ القِدَم بحيثُ تَعجِزُ عن أن تحِقَّ حقًّا أو تبطِلَ باطلاً! وأن تُقيمَ عَدلاً فيْ العصر الذي نَعيشُ فيه .. ". ° "ولذلك فهو يَعْجَب من هؤلاء الجامِدِين الذين يتمسَّكون بتلك المعاييرِ البالية، لمجردِ أنها وردت في القرآن والسُّنَّة" (٣).

стр. 931

إنَّ دُعاةَ "التغريب" قد انتَهَوا من المجاملات، وصارت طُروحاتهم صريحةً واضحةً، لأنَّ قرنًا من التخريبِ والتشكيك قد آتى ثِمارَه هذه الأيام. ° فالتبجُّحُ في مخالفةِ الأحاديث الصحيحة أصبح لا يُحرِّك ساكنًا عند هؤلاء المتغرِّبين، وحُجةُ تحقيقِ المصلحةِ هي الأساسُ لديهم -حتى لو خالفت الأحاديثَ الصحيحة-. ° يقول محمد عمارة: "نحن مطالَبون حتى نكونَ متَبِعينَ للرسولِ بالتزام سنَنِه التشريعية -أي: تفسير القرآن- لأنها دِين، أما سُنته غيرُ التشريعية -ومنها تصرُّفاته في السياسة والحَرب والسِّلْم والاجتماع والقضاء ومِثلِها ما شابهها من أمور الدنيا-!!، فإن اقتداءَنا به يتحققُ بالتزامِنا المِعيارَ الذي حَكَمَ تصرُّفه ﷺ ، فهو كقائدٍ للدولة كان يَحكم منها على النحو الذي يحقِّقُ "المصلحة"، للأُمَّة، فإذا حَكَمنا "كساسةٍ" بما يُحققُ مصلحةَ الأمة، كنَّا مُقتَدِينَ بالرسول، حتى -ولو خالفَتْ نُظُمُنا وقوانينُنا ما رُوي عنه في السياسة من أحاديث-، لأن المصلحةَ -بطبيعتها- متغيرةٌ ومتطوِّرة" (١). ° بل يعبِّرُ "عمارة" بصراحةٍ أشدَّ عن عَدمِ مُلائمَة الشريعةِ لقضايا العصر، عندما يقول: "فإنَّ أحدًا لن يستطيعَ الزعمَ بأنَّ الشريعةَ، يمكنُ أن تَثبُتَ عند ما يقرره نبيٌّ لعصره" (٢). ° ويدعو عمارة كذلك إلى مدنيةِ السُّلطة، وجَعْلِ حقِّ التشريع في يدِ

стр. 932

جمهورِ الأُمَّة عندما يقول: "فأصحابُ السُّلطةِ الدينيةِ قد احتَقَروا جمهورَ الأمة، عندما سَلَبوها حَقَّها في التشريع، وسلطاتِها في الحكم". ° على حينِ قرَّر القائلون بمدنيةِ السُّلطة: "أنَّ الثِّقةَ -كلَّ الثقةِ- بمجموعِ الأمة، بل جَعَلوها مَعصومةً من الخطأ والضلال" (١). فأبواقُ التغريب من اليمين إلى اليسار، قد تنادَوا من كلِّ وادٍ لهَدم مقوِّماتِ الإسلام من الداخل، متعاوِنِين مع أساتذتِهم من الشرق والغرب. ° فالدكتور "أحمد كمال أبو المجد" يرفضُ رفضاً باتًّا تلك "النظرة الشُّموليَّة للدين، والتي تستغرقُ أحوالَ الفردِ والجماعة"، ويرى "أن الدينَ -والإِسلامَ بصفةٍ خاصَّةٍ- يمتدُّ اختصاصُه إلى جميعِ جوانبِ الحياة الفرديةِ والجماعيةِ للمؤمنين به، ولكنه امتداد عنايةٍ وتوجيهٍ، وليس -بالضرورةِ- اختصاصَ تدخُّلٍ مباشرٍ بالتنظيم، وتقديمِ الحلولِ النهائيةِ الثابتة". ° "ولذلك فهو يتعجَّبُ ويتأفَّف من هؤلاء المسرِفين الذين يَرَون ضرورةَ إسقاطِ القوانين الوضعية، ويدعو مِن ثَمَّ إلى زَلزلةِ قواعدِ الشريعة، حيث لا يَقصُرُ الاجتهادَ على الفروع فحسب، بل والأصولِ أيضًا" (٢). ° ويَعتبر الدكتور "زكي نجيب محمود" أن الشريعةَ "شريعةَ الأسلاف" لم تَعُدْ تصلحُ لواقعنا المعاصر، ثم علينا أن نَبنيَ حضارتَنا على النموذج الغربيِّ الماديِّ الحديث، دونَما التفاتٍ إلى أيِّ أُسسٍ أخلاقيةٍ أو قِيمةٍ ثقافيةٍ

стр. 933

أو عَقَدية. ° ويقول: "وتسألُني: ماذا نحن صانعون بآدابنا وفنونِنا ومعارفِنا التقليدية؟! فأُجيبُك بأنها مادةٌ للتسلية في ساعاتِ الفراغ .. لم أَعُدْ أقولُ: إنها خليقةٌ بأن يُقذَفَ بها في النار" (١). وهكذا فقد تَوَصَّل هؤلاءِ الكُتَّابُ إلى أن يَهدِموا تراثَ أُمَّتِهم الدينيِّ والثقافي، بما في ذلك إلغاءُ شريعةِ الإسلام، وفي ذلك مَخاطِرُ على عقيدتِهم ودينِهم، ورِدَّةٌ شديدةٌ في اتباع أحكامِ الجاهلية. * سقوطُ الخلافةِ في منظورِ العصرانيين: ° لقد تكالَبَ أعداءُ هذا الدين على إسقاطِ الخلافة؛ وكان من أهمِّ شروطِ اتفاقية "سايكس بيكو" ١٩١٥ م، عندما خَرَجت تركيا مهزومةً من الحرب: "أنِ اشترطَ الحُلفاءُ إلغاءَ نظامِ الخلافة وطَرْدَ السلطانِ العثمانيِّ خارجَ الحدودِ ومصادرةَ أمواله، ثم إعلانَ عِلمانيَّةِ الدولة" (٢). ورَكَّز العصرانيون حَمْلَتَهم للتشكيكِ بنظام الخلافة، متَّبعِين في ذلك كبيرَهم الشيخ "علي عبد الرازق"، وجاء العصرانيُّون العلمانيُّون الجُدد ليُكمِلوا المِشوارَ ضمنَ حَلْقاتٍ من التآمُرِ ضدَّ الإسلام، وضِدَّ نظام الخلافة، وتحكيمِ الشريعة (٣). ° ويقول "محمد أحمد خلف الله": "نِظامُ الحكم في الإسلام نظامٌ

стр. 934

مصدرُه الاجتهاد وليس النصَّ .. وعلى الجماعاتِ الدينية أن تتركَ هذه القضيةَ لتكونَ مَحِلَّ اجتهادٍ جديد، والفِكرُ السياسيُّ في نظام الحُكم هو فِكرٌ بشريٌّ خالص، وتستطيعُ المؤسَّساتُ العِلميةُ -من أمثالِ كلياتِ العلومِ السياسية- أن تجتهدَ فيه" (١). ويَرى أنَّ النظامَ الملائمَ والحُكمَ الحضاريَّ هو "الديمقراطية"، والديمقراطيةُ التي نَقصِدُ هي الديمقراطيةُ الغربية، التي وَفَدت إلينا كعنصرٍ حضاريٍّ من عناصرِ الثقافةِ الإسلامية (٢). ° ويزعُم الدكتور "محمد عمارة": "أنَّ اشتراطَ قُرَشِيَّةِ الخليفةِ كان تعبيرًا عن موقفٍ قوميٍّ عربيٍّ ضدَّ عُجْمَةِ الدولة، مُمَثَّلةً في رأسِ سُلطتِها وقائدِها الأعلى. وجديرٌ بالذِّكر أنَّ هذا الشرطَ لم يَظهرْ في الفِكرِ السياسيِّ الإسلاميِّ إلاَّ عندما بَدَأ تَغَلُّبُ الأُسَرِ الأعجميةِ والاتجاهاتِ الشُّعوبيةِ على الخلافةِ العربيةِ العباسية، وظَهَرت السيطرةُ المملوكيةُ التركيةُ على الدولة منذ عصرِ "المتوكِّل" العباسي" (٣). وهذه مُغالطاتٌ عجيبة، إذ يناقِضُ صاحبُها حقائقَ التاريخ ونُصوصَ الحديثِ النبويَ الشريف.

стр. 935

• قال ﷺ : "الأئمةُ مِن قريش" (١). • وجاء في الحديث الشريف: "فعليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاءِ الراشِدِين المهديِّين مِن بَعدي" (٢). وبعدَ كلِّ هذه الأحاديثِ يَفتري الدكتور "عمارة" فيقول: "إن اشتراطَ قُرَشِيةِ الخليفةِ كان تعبيرًا عن موقفٍ قوميٍّ عربيٍّ ضد الشُّعوبية"!!. * حقيقةُ دعوتهم في الحُكم: عِلمانية جديدة: يُصرِّحُ بعضُ العصرانيين بحقيقةِ دعوتهم في الحُكم وفَصلِ الشريعةِ عن قضايا المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويَدْعُون إلى عِلمانيةٍ مصبوغةٍ بمفهومهم عن الإسلام. فالدكتور "حسن حنفي" يرى أنَّ العلمانيةَ هي أساسُ الوحي (!!). ° ويقول: "نشأت العلمانيةُ استردادًا للإنسان، ولحُرِّيتِه في السلوكِ والتعبير، وحُرِّيتِه في الفهمِ والإدراك، ورَفضٍ لكلِّ أشكالِ الوِصايةِ عليه، ولأيِّ سُلطةٍ فَوقيةٍ، إلاَّ من سُلطةِ العقل والضمير (!!). العلمانية إذن هي أساسُ الوحي، فالوحيُ عِلمانيٌّ في جوهره، والدينيةُ طارئةٌ عليه مِن صُنع التاريخ تظهرُ في لحظاتِ تخلُّفِ المجتمعاتِ وتوقُّفِها عن التطوُر" (٣).

стр. 936

والإسلامُ عند د. "محمد عمارة" هو العِلمانيةُ ذاتُها، لا شأنَ للدينِ فيها بالحكمِ والقضاءِ والإمامةِ والسياسة. ° يقول: "إنَّ للدين مَفاهيمَ عُليا ومُثُلاً عليا، ثم للناس أن يُحدِّدوا وُيشرِّعوا ويطوِّروا حياتَهم وِفقَ المصلحةِ بعد ذلك" (١). ومِن ثَمَّ يرى كذلك أنَّ الإسلامَ قد قَرَّر الفصلَ بين "أُمَّةِ الدِّين" و"أُمَّة الدولة"، وأنَّ سُنَّته ﷺ تنقسمُ إلى "سُنَّةٍ دينيةٍ مُلزِمة" و"سُنَّةٍ دنيويةٍ غيرِ مُلزِمة". "فالإسلامُ الدِّين" عند الدكتور عمارة: تَمَثَّلَ ويَتمثَّلُ في النصِّ القرآني، وفي السُّنةِ النبويةِ التشريعية التي جاءت تفصيلاً لمجملِ القرآن وشَرحًا لمُوجَزِه، وهذان المصدرانِ هما اللذان تجسَّدَا ثمرةً "للاجتهاد" في علومِ الوحيَ -أي: العلوم الشرعية-. هذا هو الإسلام الدين (!!). وهناك "الإسلام الحضارة" كما تَمَثَّل ويَتَمثَّلُ في ثمراتِ "العقل المسلم وتجرِبةِ المسلمين في مختلفِ نواحي الحياة الدنيا". ° ثم يقول: "فلم تكن الدولةُ هدفًا من أهدافِ الوحي، ولا مُهمةً من مهامِّ النبوَّة والرسالة، ولا رُكنًا من أركانِ الدين، وإنما اقتَضَتْها ضرورةُ حمايةِ الدعوةِ الجديدة، والدفاع عن المؤمنين ضدَّ اضطهادِ المشركين. فكان تأسيسُها وتدعيمُها إنجازًا سياسيًّا وحضاريًّا وقوميًّا حَفِظَ الدين، وساعَدَ على انتشاره، على الرغم من أنه ليس جُزءً أصيلاً من مهامِّ النبوَّةِ

стр. 937

والرسالة، ولا هو أصلٌ من أصول الدين" (١). هذه نفسُ آراءِ علي عبد الرازق وسادتِه من المستشرقين. ° ومن ثَم يقول: "إنَّ موقفَ "الإسلام الحضارة"، كان هو التطبيقَ في مجالِ السياسةِ والدولة لموقف "الإسلام الدين" الذي يُنكِرُ وجود "سُلطةٍ دينية" لبَشَرٍ خارجَ نطاقِ الموعظةِ والإرشادِ، والذي لم يُحدِّدْ نِطاقًا معيَّنًا للحكم" (٢). * هذه تقسيماتٌ لم يَقُلْ بها أحدٌ قبلَ أن يَطلُعَ علينا أصحابُ "الاستنارة والتجديد"، وإلاَّ؛ فما الفرقُ بين مقولةِ النصارى: "دع ما لقيصرَ لقيصر، وما لله لله" وبين مقولتهم؟! وما معنى قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧]؟!. ° قال ابن كثير: "أخبَرَهم أنَّ الحُكمَ والتصرُّفَ والمشيئةَ والمُلْكَ كلَّه لله" (٣) وهذا يَشملُ شؤون الحياة كلها -سياسةً أو غيرَ سياسية-، حتى الأعداءُ لم يُنكِروا أنَّ الإسلامَ دينٌ ودولة. ° قال المستشرق "فيتز جرالد": "ليس الإسلامُ دينًا فحسب، ولكنه نظامٌ سياسيٌّ أيضًا .. وإنَّ صَرْحَ التفكيرِ الإسلاميّ كله قد بُني على أساسِ أن الجانبَينِ متلازمانِ لا يمكنُ أن يُفْصَلَ أحدُهما عن الآخر" (٤).

стр. 938

فالعصرانيون بفَصْلِهِمُ الدينَ عن شؤون الدولة والحياة، يَدْعُون إلى عِلمانيةٍ قد يُسمُّونها "إسلامية"، ولكنها في الحقيقة أشدُّ بُعدًا عن الدينِ من العلمانية اللادينية -كما اتَّضح من تصريحاتهم السابقة واللاحقة-، إذ هنالك كُتَّابٌ معاصِرون حَمَلوا لواءَ العِلمانيةِ باسم "الإسلام" أيضًا .. من هؤلاء: * محمد سعيد العشماوي (١)، صاحب كتاب "أصول الشريعة" الذي خَصَّصه لإِثباتِ أن الشريعة الإِسلامية قد أصابها التحريفُ والتغييرُ، ولذلك فهي لا تصلُحُ للحكم في هذا العصر (!!): * ويتلخَّصُ مضمونُ الكتاب فيما يأتي (٢): ١ - في أنَّ كلمة "الشريعة" غيرُ واضحةٍ في أذهانِ المسلمين، فهم يطالِبون بتطبيقها دونَ أن يَفهَموها، وقد وَقَع التغييرُ في مفهومِ الشريعة بين أهلِ الإسلام، مِثلَما وَقَع في مفهومِ التوراة لدى اليهود (!!). ٢ - الارتدادُ عن الإسلام يأتي ضِمْنَ حُريَّةِ الاعتقاد، فلا يصحُّ إقامةُ الحدِّ على المرتدِّ، كما أنَّ رَجْمَ الزاني المُحصَنِ ليس من أحكام الدين الثابتة الباقية كحدٍّ شرعي (!!). ٣ - الدينُ كاملٌ منذ "أوزوريس"، ومِن قَبلِ أن يُبعثَ محمدٌ ﷺ ، والمرادُ بالآية القرآنية بإكمالِ الدين (٣) إكمالُ شعائِرِ الحجِّ -لا الدينِ نفسه-، والشريعة تكتملُ بتطوُّرِها، ومُسايَرَتِها للتطوُّرِ الإنساني (!!).

стр. 939

٤ - الخَمرُ مأمورٌ اجتنابُها فقط، دون التنصيصِ بتحريمها في القرآن (!!). ٥ - إنَّ قَطْعَ اليدِ وَبتْرَ الأعضاءِ في العقوبة لا يُلائمُ رُوحَ الشريعةِ الإِسلامية (!!). ولا شكَّ أن إطلاقَ هذه الأحكامِ كُفرٌ صريح -كما سيأتى بيانه-. ° وممن سار على النهج نفسه: "فرج فودة" في كتابه "قبل السقوط" ومما جاء في هذا السقوط: - فصلُ الدينِ عن الدولة، باعتبار أن هناك فرقًا بين "الإسلام الدين" و"الإسلام الدولة" -كما يرى الكاتب-. - تعطيلُ الحدودِ الشرعية، حيثُ إن تطبيقَ الشريعةِ يَقودُ إلى دولةٍ دينية تحكُمُ بالحقِّ الإلهيِّ، فتطبيقُ حد الزنا -مثلاً- يترتَّبُ عليه مَنْعُ ملاهي شارع الهرم (!!). - خُصِّص الإسلامُ بالقضايا الرُّوحية، ويرفضُ الكاتبُ أن يكونَ الدينُ موجِّهًا للسياسة باسم الإسلام (١) (!!). يريدُ هؤلاء الكُتَّابُ حُكمًا عِلمانيًّا، وفي أحسنِ أحوالِه ديمقراطيًّا برلمانيًّا على طريقةِ الغرب في أن يكون للأُمَّةِ حقُّ التشريع .. يريدون أن يتلهَّوا بلُعبةِ الديمقراطية التي وضعها "تشرشل" حين ثار المصريُّون ثَورتَهم الوطنية عام (١٩١٩)، وكان وزيرًا في حكومةِ المحافِظين آنذاك، عندما سأل: "ماذا يريدُ المصريون؟! قيل له: يريدون أن يكونَ لهم برلمان

стр. 940

ودستور. فقال ساخرًا: أعطوهم لُعبةً يتلهَّون بها"!! (١). ها هو واقعُ "الديمقراطية الغربية" يَشهدُ بإفلاسِ شِعاراتِها عند التطبيق في مَنبعِها، فما بالُك بتطبيقِها في ديارِ المسلمين؟!. إن فَصْلَ الدينِ عن الدولة كان هَدَفًا أساسيًّا من أهدافِ حَمْلةِ التنصير والاستشراق، وها هو يُحقَّقُ على أيدي الأجيال التي رُبِّيت في محاضِنِ مدارسهم وساسَتِهم، منذ أوائل هذا القرن .. وكان إبعادُ هيمنةِ الدينِ عن الحياة مِن أخطرِ ما انزلق إليه المسلمون، حتى وَصَلوا إلى مَهاوِي الذُّلِّ والتمزُّقِ والهوان .. "ولن يَصلُحَ آخِرُ هذه الأُمَّةِ إلا بما صَلَح عليه أوَّلُها"، وهو الإسلام، ولعل دُعاةَ الإسلام الصادِقِين يُعيدون الأُمَّةَ إلى رُشدِها، وُيرجِعونها إلى التمسُّكِ في دينِها في جميع مجالاتِ الحياة" (٢) اهـ. وانظر إلى قَيْئِ أفكارِهم وقُبْحِ كلامهم: ° يقول "حسن حنفي": "إن المصلحةَ أصلٌ مستقلٌّ في التشريع، وإنه لا سُلطةَ إلاَّ لضرورةِ الواقعِ الذي نعيشُ فيه، لقد أصبَحَ الواقعُ هو المجدِّدُ للاختياراتِ والقوانين، أما دَورُ الشرع، فثانويٌّ .. لأنَّ اختياراتِنا هي التي تحدِّدُ طبيعةَ القوانين، وذلك يعني أنَّ القوانينَ والأحكامَ المُنَزَّلةَ في القرآن، والواردةَ في السُّنَّة قابلةٌ للتأويل والتعطيل، ونحن في كلِّ ذلك نَستلهِمُ رُوحَ الشريعةِ ومقاصدَها .. ولَعلَّنا لا نكونُ بَعِيدِينَ عن الماديَّة التاريخيَّة إنْ لم

стр. 941

نكنْ من أكبرِ ممثِّليها والداعِينَ إليها" (١). ° ويقول "حسن حنفي" عن التمسُّك بالنصوص من قرآنٍ وسُنَّةٍ: "لقد احتَمَيْنا بالنصوصِ، فجاءنا اللصوص" (٢). والعبارةُ استعارها حنفي من الشاعر الماركسي الفلسطيني محمود درويش (٣). وصار المهمُّ عنده مُسايرةُ روحِ العصر فقط، وتساوَتْ لديه النصوصُ الدينية في حُجِّيتها مع الأمثالِ العامِّيَّةِ والأغاني الشَّعبية (!!). ° يقول حسن حنفي: "ما يُهِمُّنا هو رُوحُ العصر، وما نَهتمُّ به هي مشاكلُ العصر؛ لذلك نَهتمُّ بالأمثالِ العامِّيَّةِ وبسِيَرِ الأبطال، كما نفعلُ تمامًا مع النصوص الدينية، ونهتمُّ بالأغاني الشعبية" (٤). ° وانظر إلى كفريَّات الدكتور حسن حنفي في كتابه "قضايا معاصرة في فكرنا المعاصر"، فقد بَثَّ فيه الشكوكَ والإلحاد، ودعا إلى أن "الفِكرَ الغَيْبي" أقربُ إلى الأساطير منه إلى الفِكر الديني، وأنَّ قَصصَ آدمَ وحوَّاء والملائكةِ والشياطينِ كلُّها رموزٌ، أو جُزءٌ من الأدبِ الشَّعبي، ويرى أن العقلَ ما كان في حاجةٍ إلى الشرع؛ لأن الإنسانَ لا يَحتاجُ إلى الوحي، وأن ابنَ تيميَّة وابن القيم يؤمنانِ بوجودِ الجنِّ والشياطين، وهذا هو أحدُ وجوهِ

стр. 942

الضَّعفِ في هذه المدرسة، وأن الإنسانَ لا يحتاجُ لكونه مُسْلِمًا إلى الإيمانِ بالجن والملائكة" (١). ° يقول حسن حنفي: "يُمكِن للمسلمِ المعاصر أن يُنكِرَ كلَّ الجانبِ الغيبِيِّ في الدين، ويكون مسلمًا حقًّا في سلوكه" (٢). ° ويدعو إلى التجديد على مستوى اللغة والمصطلحات، ويرى حسن حنفي أن اللغةَ التقليديةَ في تراثنا قاصرة، وتتضمَّن عيوبًا كثيرةً منها: أنها لغةٌ إلهيَّة، تدورُ الألفاظُ فيها حَولَ "الله" .. بل إنَّ لفظ "الله" لا يُعبِّرُ عن معنًى مُعيَّنٍ، فهو "صَرخةٌ وجوديَّة" .. إذ أن "الله" عند الجائع هو الرغيف، وعند المُستعبَدِ هو الحريَّة، وعند المظلوم هو العَدْل، أي: أنه في مُعظَمِ الحالات "صرخةُ المضطهدين". ثم ينتهي "حنفي" إلى أنه لا يمكنُ إيصالُ أيِّ معنًى بلفظِ "الله"؛ لأن "الله" حوَى كثرةً من المعاني لدرجةِ أن يَدُلَّ على معانٍ متعارضة (٣). فلا داعيَ إذن -طبقًا لهذا الكلام- إلى استعمالِ لفظ الجلالة، لِتَحُلَّ محلَّها كلماتُ: "الخبز، والحرية، والعَدْل، والحب، والإشباع، والإِنسان الكامل"!!!. ° يقول: "إن اللغةَ القديمةَ لغةٌ دينيَّةٌ تشيرُ إلى موضوعاتٍ دينيَّةٍ خالصةٍ مثل: "دين، ورسول، ومُعجِزة، ونبوة" .. وهي لغةٌ عاجِزةٌ عن إيصالِ

стр. 943

مضمونِها في العصرِ الحاضر (!!)، وهي -كذلك- لُغةٌ تاريخيةٌ صُوريَّةٌ مُجَرَّدةٌ .. ولذلك فاليسار يرومُ تأسيسَ لغةٍ جديدة تَستعملُ الألفاظَ التي يقبلُها العصر"!!. ° ويقول: "إنَّ في العصر ألفاظًا تجري مجرى النارِ في الهشيم، مثل: "الأيديولوجيا، والتقَدم، والحركة، والتغيُّر، والتحرُّر، والجماهير، والعدالة" .. وهي ألفاظٌ لها رصيدٌ نفسيٌّ لدى الجماهير، والتي يُمكنُ أن تُعبِّرَ عن ثقافةٍ وطنية" (١). ° "وهذه اللغةُ مفتوحةٌ وعقلانيةٌ، أما ألفاظ "الله" و"الجنة" و"النار" و"الحساب" و"العقاب"، فهي ألفاظٌ قطعيَّة صِرفة لا يمكنُ التعاملُ معها دونَ فهمٍ أو تفسير أو تأويل". ° ويضيف قائلاً: "بأن الألفاظَ يَجبُ أن يكونَ لها مُقابِلٌ في الواقع الحِسِّي، فألفاظ "الجن، والملائكة، والشياطين؛ بل والخَلْق، والبَعث، والقيامة" ألفاظٌ تَجاوَزَها الحِسُّ والمُشاهَدة، ولا يمكنُ استعمالُها؛ لأنها لا تُشيرُ إلى واقعٍ، ولا يَقبلُها كلُّ الناس. وفي نظر "اليسار" أنَّ ذلك سينقُلُ عصرَنا من مرحلةِ التمركز حولَ "الله" إلى مرحلة التمركز حول "الإنسان"، وتلك مُهَّمةُ التراث والتجديد في أوَّلِ محاولاتِه من أجل إعادِة بناءِ علم أصول الدين، على أنه علمُ الإنسان" (٢).

стр. 944

° أما المستشار "سعيد العشماوي" الكارهُ لشرعِ الله، المحطِّمُ لثوابتِ الإِسلام، فإنه هو المُتولِّي كِبْرَ العِلمانية في عصرنا. ° إنه "العشماوي" الدالُّ على الموت لفظًا ومعنًى .. الذي يُصرِّحُ بأن ما في القرآن الكريم من آياتِ الأحكام والتشريع هو من الضآلةِ بحيث ينفي عن الإِسلامِ وشريعتِه الاهتمامَ بالتشريع والقانون .. وبنصِّ عبارته قال العشماوي: "فإنَّ القرآن الكريم سِتَّةُ آلافِ آيةٍ، وما يتضمَّنُ منها أحكامًا للشريعة أو "تشريعات" في العبادات أو في المعاملات لا يَصِلُ إلى سَبْعِمِئةِ آيةٍ، منها حَوالَي مِئتي آيةٍ فقط هي التي تقرِّر أحكامًا للأحوالِ الشخصيةِ والمواريثِ أو للتعامل المدني أو الجزاءِ الجِنائي، أي أنَّ الآياتِ التي تُعَدُّ تشريعاتٍ "قانونية" للمعاملات هي مجردُ جزءٍ من ثلاثين جزءً من آيات القرآن (٢٠٠/ ٦٠٠٠) بعضُها منسوخٌ ولا يُعْملَ به، أي أن الأحكامَ الساريةَ أقلُّ من واحدٍ على ثلاثين، وعلى وَجْهِ التحديد (٨٠ آية)، أي (٨٠/ ٦٠٠٠ = ١/ ٧٥) " (١). ° ويقول: "كانت شريعةُ موسى هي الحق، فهي تَضَعُ الحدودَ مع الواجبات، وتُحدِّدُ الجزاءَ لكلِّ إثم، وشريعةُ عيسى هي الحبُّ، وشريعةُ محمدٍ هي الرحمة" (٢). ° ويقول: "فرسالةُ محمدٍ ليست كرسالةِ موسى -رسالةَ تشريعَ-، وإنما هي رسالةُ رحمة، ورسالةُ أخلاق، بحيث يُعَدُّ التشريع صفةً تاليةً

стр. 945

ثانويةً غير أساسية .. وإنَّ دَفْعَ رسالةِ محمدٍ لتكونَ رسالةَ تشريعٍ أصلاً وأساسًا - مع أنها ليست كذلك .. هو اتجاهٌ يَجعلُ من الإِسلام صِيغةً عربيةً لليهودية، أو اتجاهًا يَفهمُ الإسلامَ بمنطقِ الإسرائيليات" (١). وهذا جهلٌ منه، فإنَّ هذه الآيات ليست كلَّ آياتِ الأحكام، وإنما هي الآياتُ التي دلالتها على الأحكام دلالةٌ ظاهرة، لا التي تَحصُرُ الأحكام في القرآن الكريم". ° وبعبارةِ الزَّركشي: "لعلَّهم قَصَدوا بذلك الآياتِ الدالةَ على الأحكامِ دلالةً أوَّليَّةً بالذات، لا بطريق التضمُّنِ والالتزام". ° يقول شيخ الإِسلام ابن دقيق العيد: "إنَّ الأمرَ غيرُ منحصِرٍ في هذا العدد، بل هو مختلِفٌ باختلاف القرائحِ والأذهان، وما يَفتحُه اللهُ على عبادِه من وجوهِ الاستنباط" (٢). ° ولقد صِيغَ هذا المعنى صياغةً واضحةً وحاسمةً، قالت عن القرآن الكريم: "إنه لا يخلو شيءٌ منه عن حُكمٍ يُستَنبط منه؛ ذلك لأنَّ الذين ذكروا أن الآيات التي تتعلَّق بالأحكام خَمْسُمئةِ آية، كأنهم أرادوا ما هو مقصودٌ به الأحكامُ بدلالةِ "المطابقة"، أم بدلالةِ "الالتزام" فغالبُ القرآن، بل كلُّه؛ لأنه لا يخلو شيءٌ منه عن حُكمٍ يُستنبَطُ منه" (٣).

стр. 946

° ومحمد عركون: العِلمانيُّ الجزائري، الذي يدعو إلى التعامُلِ مع الإِسلام والقرآنِ والسُّنَّةِ بالمقاييس الغربية، وبالاستفادة من المعطَيَاتِ التي خَلَّفها "ماركس ونيتشه" وغيرهما. ° يقول هذا المأفون: "إنَّ الفِكرَ الإسلاميَّ لا يمكنه أن يتهرَّبَ طويلاً!!! إنَّ فِعلَ الإيمانِ "الأرثوذكسي" (١) المحتسِب دومًا يقومُ على التأكيد بأن الدين يَرتكزُ على الوحي الذي أنزله الله للناس بواسطةِ الأنبياء، لكنَّ الواقعَ العِلميَّ الحديث يَنزعُ إلى أن فَرضَ فكرةِ أن الدين كلَّه من المجتمع، الله بذاته بحاجةٍ إلى شهادةِ الإنسان له!!! ". هل بعد هذا الكفرِ والوقاحة والجرأة على الله وقضاءٍ على الدين يتكلَّمون باسم "التنوير"؟!. ° ويقول مُسيلِمة العصر محمد عركون: "إن أشكالَ الإِسلام المدعوَّة "مستقيمة أو أرثوذكسية" (هكذا والله) كالاتجاه السُّنِّيِّ والشِّيعيِّ والخارجي (!!) الذي يدَّعي كلٌّ منها أنه يَحتكِر الإسلامَ الصحيح دونَ غيره، هي عبارةٌ عن انتقاءات اعتباطية (!!) واستخداماتٌ أيديولوجية لمجموعةٍ من الأفكارِ والعقائدِ والممارسات المقدَّمةِ والمصَوَّرة على أساسِ أنها دينيَّة محضة" (٢). ° وُيلمِّحُ "عركون" إلى أن الماركسيةَ لم تأخذ حَظَّها في تقييمِ الإِسلام والحكمِ عليه!! وأنها ينبغي أن تكون منطلقًا لِعَلْمَنَةِ الإِسلام، فيقول:

стр. 947

"نلاحظُ أن الماركسية لم تُعرف بصورتها الإيجابية حتى الآن، لا في الفكر العربيِّ المعاصر، ولا في الفكر الإسلاميِّ بشكلٍ عامٍّ، نفسُ الشيءِ يُمكنُ أن يُقالَ بخصوصِ نقدِ القِيَم التي قام به "نيتشه" تُجاهَ المسيحية، وهذا النقدُ قابلٌ للتطبيق على الإِسلام (!!) وإذا ما نَظَرْنا للتاريخ بكليَّة ضِمْنَ هذا المنظور، فإنه يُصبحُ ممكنًا تعبيدُ الطريق وتمهيدُه نحو ممارسةٍ علمانيةٍ للإسلام .. يمكنُ للعلمنة عندئذٍ أن تنتشرَ في المجتمعاتِ التي اتخذت الإسلامَ دينًا" (١). * ويصرّح بإِنكاره لأصول الإِسلام: ° يقول الأستاذ عبد السلام البسيوني: "ومن اللافت للنظر أيضًا إيهامُهم للقارئ أن الإسلامَ سَلَّم بكثيرٍ من التقاليد الجاهلية المتخلِّفة وقَبِلَها، لذلك فهم يَرفضونها … وهذا واضحٌ في كلام "حسين أحمد أمين"، وفي كلام "محمد عركون" في أكثرَ من موضعٍ حين فسَّر بعضَ القرآن الكريم بطريقتِه الخاصَّة، واعتَبَر وضعَ المرأةِ وقضايا الجِنس والميراث من الجاهلية، وُيطالِبُ بإعادةِ النظر فيها بمعاييرَ جديدةٍ تُخالفُ المعاييرَ الجاهلية التي أقرَّها القرآن" (!!!). ° يقول في حديثٍ له بمجلة "لونوفيل أوبزر فاتور ٧/ ٢/ ١٩٨٦": "إنَّ التفسير يَبقى دائمًا جائزًا، على شرطِ أن يُعادَ التفكيرُ في مسألةِ التنزيل على ضوءِ التاريخانية (!!) الحجاج مثلاً -ككلِّ ما يَمُتُّ إلى الجِنس، وإلى وضع المرأة في الإِسلام -ينتمي إلى قانونٍ عِرقيٍّ سابقٍ على الإِسلام،

стр. 948

الإسلامُ صادَقَ على تقاليدَ قديمةٍ متعلِّقةٍ بأسُسٍ قَبْلَه، وأعطاها بُعْدًا مُقَدَّسًا (!!) ويتعلَّقُ الأمرُ اليومَ بإعادةِ التفكير في هذه المفاهيم في ضوءِ التاريخ، وللأسف فإنَّ هذا العملَ في بدايةِ الإِسلام يُحكِمُ سيطرة الأيديولوجيا". * ويَدعو إلى قراءة القرآن قراءةً نقديَّةً من خلال منظورِ "نيتشه، وفرويد، وكارل ماركس": ° يقول مسيلِمةُ العصر "محمد عركون": "إنَّ إعادةَ قراءةِ القرآن من جديد قراءةً نقديَّةً متخصِّصةً -لا قراءةً أيديولوجيَّةً تقليديَّةً- هي الخُطوةُ الأولى التي لا بد منها من أجل فَهمِ المُناخِ الفكريِّ والنفسي للشخصيةِ العربية الإسلامية .. إنَّ هذه القراءةَ مضطرةٌ لأنْ نأخذَ في الاعتبارِ كلَّ المسارِ الفلسفيِّ والنقديِّ الذي قَطَعه الفِكرُ الغربي، ابتداءً من "نيتشه"، وانتهاءً "بفرويد"، مرورًا بطبيعة الحال "بكارل ماركس" .. " (١). ° وعلى نَفْسِ الخطِّ العلماني سار الماركسي "حسين أحمد أمين" مؤلف كتاب "دليل المسلم الحزين" ومفسِّرُ القرآن تفسيرًا ماركسيًّا والطاعنُ في ثوابتِ الأحكام الشرعية يقول: "لجأ الفقهاءُ والعلماءُ إلى تأييد كل رأيٍ يَرَونه صالحًا ومرغوبًا فيه؛ فهم يَصنعون أو "يُفَبْركون" الأحكامَ ويختلقونها بحديثٍ يرفعونه إلى النبي ﷺ " (٢). ° ويقول هذا "المستنير": "ومع أن رسولَ الله ﷺ لم يَدَّعِ قطُّ أنه معصومٌ من الخطأ إلاَّ حينَ يُملِي أو يتلو آياتِ ربِّه (!!) بل ونَبَّه القرآنُ إلى

стр. 949

أخطاءٍ بَدَرَتْ منه؛ فقد افتَرض أنصارُ الالتزام بالسُّنَّة (١) أن العنايةَ الإلهيَّة إنما كانت توجِّه كلَّ عملٍ أتى به، وكل كلمة صدرت عنه، منذ بَعَثه اللهُ رسولاً إلى قومه، إلى أن مات، ومن ثَمَّ فقد رأوا أنَّ أحكامَ السُّنَّةِ ملزِمةٌ في الحالاتِ التي لم يَرِدْ بصددِها نصٌّ قرآني". * محمد عابد الجابري وإِنكار الوحي: ° ويرى الدكتور محمد عابد الجابري: "أن الوحي سُلطةٌ مرجعيةٌ تُضايقُ الحاضر، وتُنافِسُ المستقبلَ والجديد"، فهو ينكرُ أن يكون هناك وحيٌ -وإن آمن به-، فهو يعتبرُه وليدَ زمانه، أي هو جزءٌ من التاريخ أو تجربةٌ تاريخية (٢). * والدكتور محمد فتحي عثمان صاحب كتاب "الفكر الإِسلامي والتطور": ° يقول عن كتابه: "إنه محاوَلةٌ لمناقشةِ قابليَّةِ الإِسلام في أصوله للتطوُّر، ورصيدِ المسلمين التاريخيِّ في التطور، وللواقعِ المعاصر، واحتياجنا للوعي بحقيقةِ التطوُّر عندنا وعند غيرنا" (٣). ويدعو إلى تقييد الطلاق، وتقييد تعدُّد الزوجات، وإلى الاختلاط، وتَرْكِ الحِجاب، والضابطُ لذلك كلّه هو "الظروف وواقع العصر" (!!). ° يقول: "إن قضيةَ المرأة وأشباهَها وثيقةُ الارتباط بواقعِ البيئةِ

стр. 950

الاجتماعيَّةِ، والمجتمعُ الواحدُ يختلفُ من زمنٍ لآخر .. ولذلك يجبُ ألاَّ يُحمَّل "الدينُ" عِبءَ هذه الفوارقِ الطبيعيةِ الحتميَّة، بل أوْلى للجميعِ أن ينسِبوا هذه الأحكامَ الاجتهاديةَ لواقع العصر والبيئة" (١). * هؤلاء في ميزان الإِسلام: * محمد علي باشا، مؤسِّسُ العلمانية بمصر الحديثة: ° كتب محمد عبده في "المنار" ١٩٠٢ م/ ١٣٢٢ هـ بمناسبة مرور مئةِ سَنةٍ على تأسيس مُلكِ هذه الأسرة قال: "إن لمحمد علي ثلاثةَ أعمالٍ كبيرة، كان كلٌّ منها موضعَ خلافٍ -نافعًا كان أو ضارًّا- بالمسلمين في سياستهم العامة: ١ - تأسيسُ حكومةٍ مدينة في مصر "أي: علمانية"، كانت مقدِّمةً لاحتلالِ الأجانب لها .. ". ° وكتب الشيخ محمد عبده في العدد التالي مقالةً بإمضاء "مؤرِّخ" قال: "هذا يعني أن محمد عبده ومدرستَه لا ينْسَون مساوئَ محمد علي في نسخ الأحكام الشرعية وإعلانَه "العلمانية" في مصر، وهو أولُ مَن تجرَّأ في العالم الإِسلاميِّ على استبدالِ القوانين الأوربيَّة بالشريعة الإِسلامية، ولا ينسَون قِتالَه لخليفة المسلمين ممَّا يُعَدُّ "حِرَابة"، ولا ينسَون قضاءَه على دَولةِ السعوديين العربيَّةِ المسلمةِ المُصلِحة السَّلفية .. " (٢). * عبد الرحمن الكواكبي، أول مَن نادى بفكرة "العلمانية" حسبَ مفهومها الأوربي الصريح: ° يقول الكواكبي: "يا قومُ -وأعني بكم الناطقين بالضادين غير
следующие страницы →