° ومحمد عركون: العِلمانيُّ الجزائري، الذي يدعو إلى التعامُلِ مع الإِسلام والقرآنِ والسُّنَّةِ بالمقاييس الغربية، وبالاستفادة من المعطَيَاتِ التي خَلَّفها "ماركس ونيتشه" وغيرهما.
° يقول هذا المأفون: "إنَّ الفِكرَ الإسلاميَّ لا يمكنه أن يتهرَّبَ طويلاً!!! إنَّ فِعلَ الإيمانِ "الأرثوذكسي" (١) المحتسِب دومًا يقومُ على التأكيد بأن الدين يَرتكزُ على الوحي الذي أنزله الله للناس بواسطةِ الأنبياء، لكنَّ الواقعَ العِلميَّ الحديث يَنزعُ إلى أن فَرضَ فكرةِ أن الدين كلَّه من المجتمع، الله بذاته بحاجةٍ إلى شهادةِ الإنسان له!!! ".
هل بعد هذا الكفرِ والوقاحة والجرأة على الله وقضاءٍ على الدين يتكلَّمون باسم "التنوير"؟!.
° ويقول مُسيلِمة العصر محمد عركون: "إن أشكالَ الإِسلام المدعوَّة "مستقيمة أو أرثوذكسية" (هكذا والله) كالاتجاه السُّنِّيِّ والشِّيعيِّ والخارجي (!!) الذي يدَّعي كلٌّ منها أنه يَحتكِر الإسلامَ الصحيح دونَ غيره، هي عبارةٌ عن انتقاءات اعتباطية (!!) واستخداماتٌ أيديولوجية لمجموعةٍ من الأفكارِ والعقائدِ والممارسات المقدَّمةِ والمصَوَّرة على أساسِ أنها دينيَّة محضة" (٢).
° وُيلمِّحُ "عركون" إلى أن الماركسيةَ لم تأخذ حَظَّها في تقييمِ الإِسلام والحكمِ عليه!! وأنها ينبغي أن تكون منطلقًا لِعَلْمَنَةِ الإِسلام، فيقول:
стр. 947
"نلاحظُ أن الماركسية لم تُعرف بصورتها الإيجابية حتى الآن، لا في الفكر العربيِّ المعاصر، ولا في الفكر الإسلاميِّ بشكلٍ عامٍّ، نفسُ الشيءِ يُمكنُ أن يُقالَ بخصوصِ نقدِ القِيَم التي قام به "نيتشه" تُجاهَ المسيحية، وهذا النقدُ قابلٌ للتطبيق على الإِسلام (!!) وإذا ما نَظَرْنا للتاريخ بكليَّة ضِمْنَ هذا المنظور، فإنه يُصبحُ ممكنًا تعبيدُ الطريق وتمهيدُه نحو ممارسةٍ علمانيةٍ للإسلام .. يمكنُ للعلمنة عندئذٍ أن تنتشرَ في المجتمعاتِ التي اتخذت الإسلامَ دينًا" (١).
* ويصرّح بإِنكاره لأصول الإِسلام:
° يقول الأستاذ عبد السلام البسيوني: "ومن اللافت للنظر أيضًا إيهامُهم للقارئ أن الإسلامَ سَلَّم بكثيرٍ من التقاليد الجاهلية المتخلِّفة وقَبِلَها، لذلك فهم يَرفضونها … وهذا واضحٌ في كلام "حسين أحمد أمين"، وفي كلام "محمد عركون" في أكثرَ من موضعٍ حين فسَّر بعضَ القرآن الكريم بطريقتِه الخاصَّة، واعتَبَر وضعَ المرأةِ وقضايا الجِنس والميراث من الجاهلية، وُيطالِبُ بإعادةِ النظر فيها بمعاييرَ جديدةٍ تُخالفُ المعاييرَ الجاهلية التي أقرَّها القرآن" (!!!).
° يقول في حديثٍ له بمجلة "لونوفيل أوبزر فاتور ٧/ ٢/ ١٩٨٦": "إنَّ التفسير يَبقى دائمًا جائزًا، على شرطِ أن يُعادَ التفكيرُ في مسألةِ التنزيل على ضوءِ التاريخانية (!!) الحجاج مثلاً -ككلِّ ما يَمُتُّ إلى الجِنس، وإلى وضع المرأة في الإِسلام -ينتمي إلى قانونٍ عِرقيٍّ سابقٍ على الإِسلام،
стр. 948
الإسلامُ صادَقَ على تقاليدَ قديمةٍ متعلِّقةٍ بأسُسٍ قَبْلَه، وأعطاها بُعْدًا مُقَدَّسًا (!!) ويتعلَّقُ الأمرُ اليومَ بإعادةِ التفكير في هذه المفاهيم في ضوءِ التاريخ، وللأسف فإنَّ هذا العملَ في بدايةِ الإِسلام يُحكِمُ سيطرة الأيديولوجيا".
* ويَدعو إلى قراءة القرآن قراءةً نقديَّةً من خلال منظورِ "نيتشه، وفرويد، وكارل ماركس":
° يقول مسيلِمةُ العصر "محمد عركون": "إنَّ إعادةَ قراءةِ القرآن من جديد قراءةً نقديَّةً متخصِّصةً -لا قراءةً أيديولوجيَّةً تقليديَّةً- هي الخُطوةُ الأولى التي لا بد منها من أجل فَهمِ المُناخِ الفكريِّ والنفسي للشخصيةِ العربية الإسلامية .. إنَّ هذه القراءةَ مضطرةٌ لأنْ نأخذَ في الاعتبارِ كلَّ المسارِ الفلسفيِّ والنقديِّ الذي قَطَعه الفِكرُ الغربي، ابتداءً من "نيتشه"، وانتهاءً "بفرويد"، مرورًا بطبيعة الحال "بكارل ماركس" .. " (١).
° وعلى نَفْسِ الخطِّ العلماني سار الماركسي "حسين أحمد أمين" مؤلف كتاب "دليل المسلم الحزين" ومفسِّرُ القرآن تفسيرًا ماركسيًّا والطاعنُ في ثوابتِ الأحكام الشرعية يقول: "لجأ الفقهاءُ والعلماءُ إلى تأييد كل رأيٍ يَرَونه صالحًا ومرغوبًا فيه؛ فهم يَصنعون أو "يُفَبْركون" الأحكامَ ويختلقونها بحديثٍ يرفعونه إلى النبي ﷺ " (٢).
° ويقول هذا "المستنير": "ومع أن رسولَ الله ﷺ لم يَدَّعِ قطُّ أنه معصومٌ من الخطأ إلاَّ حينَ يُملِي أو يتلو آياتِ ربِّه (!!) بل ونَبَّه القرآنُ إلى
стр. 949
أخطاءٍ بَدَرَتْ منه؛ فقد افتَرض أنصارُ الالتزام بالسُّنَّة (١) أن العنايةَ الإلهيَّة إنما كانت توجِّه كلَّ عملٍ أتى به، وكل كلمة صدرت عنه، منذ بَعَثه اللهُ رسولاً إلى قومه، إلى أن مات، ومن ثَمَّ فقد رأوا أنَّ أحكامَ السُّنَّةِ ملزِمةٌ في الحالاتِ التي لم يَرِدْ بصددِها نصٌّ قرآني".
* محمد عابد الجابري وإِنكار الوحي:
° ويرى الدكتور محمد عابد الجابري: "أن الوحي سُلطةٌ مرجعيةٌ تُضايقُ الحاضر، وتُنافِسُ المستقبلَ والجديد"، فهو ينكرُ أن يكون هناك وحيٌ -وإن آمن به-، فهو يعتبرُه وليدَ زمانه، أي هو جزءٌ من التاريخ أو تجربةٌ تاريخية (٢).
* والدكتور محمد فتحي عثمان صاحب كتاب "الفكر الإِسلامي والتطور":
° يقول عن كتابه: "إنه محاوَلةٌ لمناقشةِ قابليَّةِ الإِسلام في أصوله للتطوُّر، ورصيدِ المسلمين التاريخيِّ في التطور، وللواقعِ المعاصر، واحتياجنا للوعي بحقيقةِ التطوُّر عندنا وعند غيرنا" (٣).
ويدعو إلى تقييد الطلاق، وتقييد تعدُّد الزوجات، وإلى الاختلاط، وتَرْكِ الحِجاب، والضابطُ لذلك كلّه هو "الظروف وواقع العصر" (!!).
° يقول: "إن قضيةَ المرأة وأشباهَها وثيقةُ الارتباط بواقعِ البيئةِ
стр. 950
الاجتماعيَّةِ، والمجتمعُ الواحدُ يختلفُ من زمنٍ لآخر .. ولذلك يجبُ ألاَّ يُحمَّل "الدينُ" عِبءَ هذه الفوارقِ الطبيعيةِ الحتميَّة، بل أوْلى للجميعِ أن ينسِبوا هذه الأحكامَ الاجتهاديةَ لواقع العصر والبيئة" (١).
* هؤلاء في ميزان الإِسلام:
* محمد علي باشا، مؤسِّسُ العلمانية بمصر الحديثة:
° كتب محمد عبده في "المنار" ١٩٠٢ م/ ١٣٢٢ هـ بمناسبة مرور مئةِ سَنةٍ على تأسيس مُلكِ هذه الأسرة قال: "إن لمحمد علي ثلاثةَ أعمالٍ كبيرة، كان كلٌّ منها موضعَ خلافٍ -نافعًا كان أو ضارًّا- بالمسلمين في سياستهم العامة:
١ - تأسيسُ حكومةٍ مدينة في مصر "أي: علمانية"، كانت مقدِّمةً لاحتلالِ الأجانب لها .. ".
° وكتب الشيخ محمد عبده في العدد التالي مقالةً بإمضاء "مؤرِّخ" قال: "هذا يعني أن محمد عبده ومدرستَه لا ينْسَون مساوئَ محمد علي في نسخ الأحكام الشرعية وإعلانَه "العلمانية" في مصر، وهو أولُ مَن تجرَّأ في العالم الإِسلاميِّ على استبدالِ القوانين الأوربيَّة بالشريعة الإِسلامية، ولا ينسَون قِتالَه لخليفة المسلمين ممَّا يُعَدُّ "حِرَابة"، ولا ينسَون قضاءَه على دَولةِ السعوديين العربيَّةِ المسلمةِ المُصلِحة السَّلفية .. " (٢).
* عبد الرحمن الكواكبي، أول مَن نادى بفكرة "العلمانية" حسبَ مفهومها الأوربي الصريح:
° يقول الكواكبي: "يا قومُ -وأعني بكم الناطقين بالضادين غير
стр. 951
المسلمين-، أدعوكم إلى تناسِي الإساءات والأحقاد، وما جناه الآباءُ والأجداد، فقد كَفَى ما فَعَل ذلك على أيدي المثيرين، وأُجِلُّكم من أن لا تهتدوا لوسائل الاتحادِ وأنتم المتنوِّرون السابقون فهذه أممُ "أوستريا وأمريكا" قد هداها العلمُ لطرائقِ الاتحاد الوطنيِّ دون الدينيِّ، والوفاقِ الجنسيِّ دون المَذْهبيِّ، والارتباطِ السياسيِّ دون الإداري .. ".
° "دَعُونا نُدبِّر حياتَنا الدنيا، ونجعلُ الأديانَ تحكُمُ الآخرة فقط (!!) دَعُونا نجتمعُ على كلماتٍ سواء، ألَا وهي: فلتحيا الأمَّة، فليحيا الوطن، فلنحيا طُلَقاءَ أعِزَّاء" (١).
* ساطع الحُصري، فيلسوفُ القوميَّة العربيَّة الزائفة:
هو أول مسؤول عن التعليم العالي التركيِّ في الوزارة التي شَكَّلها الاتحاديُّون بعد سقوطِ الخلافة مباشرةً، وأوَّلُ مَن صَرَّح بأن قومِيَّة إسرائيل تقومُ على الدين، وأنَّ الإِسلامَ دينُ تعبُّدٍ .. ويُنكِرُ أنه نظامُ حياةٍ ومجتمعٍ، والحقيقةُ أنه ما ذَنْبُ العروبةِ والإِسلام إذا كان ساطعُ الحُصري غَربيَّ الفِكر والذَّوقِ، أعجميَّ النطق، يتجاهلُ أن لُغتَنَا لغةُ فِكرٍ وعقيدةٍ، وأن دِينَنا يجمعُ بين المادة والروح، وبين العقل والقلب، وبين الدنيا والآخرة.
° يقول الأستاذ أنور الجندي: "حَدَّثني الدكتور مختار الوكيل -مدير مكتب "الجامعة العربية" في "جنيف" -وهو رجل صادق مؤتَمَن-، أنه في خلال عَمَلِه زار الأستاذ ساطعَ الحصري في "سويسرا"، ورأى السيد "عبد الفتاح حسن" السفير المصري دَعْوَتَه إلى طعامٍ للغداء، فلمَّا قَدِم مع
стр. 952
الدكتور الوكيل حَيَّاه السفير المصري فقال: "مرحبًا بالمناضلِ الكبير في خِدمةِ العروبة والإِسلام"، وقد عَجِبَ الرجلان من ساطع الحصري الذي رَدَّ بعنفٍ وحِدَّةٍ: "عرب نعم .. إسلام لا .. أنا لاييك" .. وكلمة "لاييك" تعني: أن صاحبَها عِلماني أو لا ديني" (١).
ولا تَعجَبْ، فقد كان أكبر أساتذته في مفهوم القوميَّات "ماكس مولر" و"نوردو" وهما فيلسوفان يهوديَّان قَصَدَا من وراءِ نظريةِ اللغة إلى إحياء القوميَّة اليهودية (٢).
* طه حسين ومحوُ الهُويَّة الإِسلامية والتشكيكُ في القرآن والحكومة الإِسلامية:
° طه حسين القائل: "لأمرٍ ما اقتَنَع الناس أن النبيَّ يجبُ أن يكونَ من صفوة بني هاشم، ولأمرٍ ما شَعُروا بالحاجة إلى إثباتِ أنَّ القرآنَ كتابٌ عربيٌّ مطابقٌ في ألفاظه للغة العرب".
° طه حسين التلميذُ الوفيُّ لـ "كازانوفا" الذي يَنسبُ القرآنَ إلى النبي ﷺ ، ويُنكِر الوحيَ والنبوَّة .. فإذا بطه حسين يسيرُ على نفس الخطِّ، ويقولُ في كتابه "الشِّعر الجاهلي" مشكِّكًا في القرآن: "ونحن لا نستطيعُ أن نَظْفَرَ بشيءٍ واحدٍ يُؤيِّد ما أشَرْنا إليه هو: أن الكتابَ شيءٌ غير القرآن، كان موجودًا قبلَ إنزال القرآن، والقرآن صورةٌ عربية منه، وقد أَخَذ صُورًا من قبلُ كالتوراة والإنجيل".
стр. 953
° ويقول: "وإذن فالقرآنُ دِينٌ مَحِليٌّ، لا إنسانيٌّ عالَمي، قيمتُه وخَطَرُه في هذه المحليَّة وحدها، قاله صاحبُه متأثِّرًا بحياته التي عاشها وعاش فيها، ولذلك يُعَدُّ تعبيرًا صادقًا عن هذه الحياة، أمَّا أنه يُمثِّلُ غير الحياة العربيَّة، أو يرسُمُ هدفًا عامًّا للإِنسان، فليس ذلك بحقٍّ، إنه دينٌ بشريٌّ وليس وحيًا إِلهيًّا، والقرآنُ مُؤَلَّف، ومؤلِّفُه نبيُّه محمد، ويُمثِّل تأليفُه بأنه يمثِّل حياةَ العربِ المحدودةَ في شِبه الجزيرة في اتجاهاتِ حياتها المختلفة -السياسية والاقتصادية والدينية-".
° ويقول في محاضرةٍ له بكلية الآداب بقَصْرِ الزعفران (١٩٢٧ - ١٩٢٨) بعد ضَجَّةِ "الشِّعر الجاهلي": "ليس القرآنُ إلاَّ كتابًا كَكُلِّ الكتب الخاضعةِ للنقد، فيجبُ أن يُجِرَى عليه ما يُجرَى عليها، والعِلمُ يُحَتِّمُ عليكم أن تَصرِفوا النظرَ نهائيًّا عن قَدَاستِه التي تتصوَّرونها، وأن تعتبروه كتابًا عاديًّا، فتقولوا فيه كلمتَكم .. ويجبُ أن يختصَّ كلُّ واحدٍ منكم بنقدِ شيءٍ من هذا الكتاب، ويُبيِّنُ ما يأخذُه عليه".
° ويقول: "لا شكَّ أن الباحثَ الناقدَ والمفكرَ الحُرَّ الذي لا يُفرِّقُ في نَقدِه بين القرآن وبين أيِّ كتابٍ أدبيٍّ آخَرَ، حيث يلاحِظُ أن في القرآن أسلوبَينِ متعارضيْن لا يَربطُ الأولَ بالثاني صِلةٌ ولا عَلاقة، ممَّا يَدفُعنا إلى الاعتقادِ بأن هذا الكتابَ قد خضع لظروفٍ مختلفةٍ وتأثيرِ بيئاتٍ متباينة".
فهو يقول ببشريَّةِ القرآن، وهذا كفرٌ أكبرُ مُخرِجٌ من المِلَّة بعد قيامِ الحُجَّة على صاحبه من قِبَل عُلماءِ الأمة.
° ومِن أخطرِ مَزَاعِمِه أنَّ النبي ﷺ قد أَحَبَّ "زينبَ بنتَ جَحْش"،
стр. 954
وهي زوجةٌ لزيدٍ، وهذا بهتانٌ عظيم (١).
* "على هامش السيرة" تهكُّمٌ صريح:
وَصَف الأستاذ "مصطفى صادق الرافعي" كتاب "على هامش السيرة" بأنه "تَهكُّمٌ صريحٌ".
° وقال الدكتور محمد حسين هيكل: "في رأيي أن لا تُتَّخَذَ حياةُ النبي ﷺ مادَّةَ الأدبِ الأسطوري، وإنما يُتَّخَذُ من التاريخ وأقاصيصِه مادةً لهذا الأدب، والنبي ﷺ وسيرتُه وعَصرة تتصل بحياةِ ملايين المسلمين جميعًا، بل هي فَلْذَةٌ من هذه الحياة، ومِن أعزِّ فَلَذاتِها عليها وأكبرِها أثرًا، واعلمْ أن هذه الإسرائيلياتِ قد أُريدَ بها إقامةُ "ميثولوجية إسلامية" لإفسادِ العقول والقلوب من سواد الشعب، ولتشكيكِ المستنيرين ودفعِ الرِّيبة إلى نفوسهم في شأنِ الإِسلام ونبيِّه ﷺ ، وقد كانت هذه غايةَ الأساطير التي وُضِعت عن الأديانِ الأخرى، مِن أجل ذلك ارتفعت صيحة المُصْلِحين الدينيِّين في جميع العصور لتطهير العقائدِ من هذه الأوهام" (٢).
وهذا اتهامٌ صريحٌ من الدكتور محمد حسين هيكل للدكتور طه حسين في اتجاهه، وتحميلٌ له لمسؤوليةٍ من أخطرِ المسؤوليات، وهي إعادةُ إضافةِ الأساطير التي حَرَّر العلماء سيرةَ الرسول منها طوالَ العصور، وإعادتُها مرةً أخرى لِخَلْقِ جوٍّ مُعَيَّنٍ يُؤدِّي إلى إفسادٍ في عقولِ سواد الشَّعب، وتشكيكِ المستنيرين ودفع الرِّيبة إلى نفوسِهم في شأن الإِسلام ونبيِّه ﷺ .
стр. 955
ولقد أشار الدكتور "محمد برادة" إلى أن طه حسين كَتَب على "هامش السيرة" تقليدًا لكتاب "على هامش الكتب القديمة" لـ "جيل لومتير".
وقد ذكر الأستاذ عبد الله كنون في كتابه "التعاشيب" بأن كتاب طه حسين وُضع على نمط كتاب غَرْبيٍّ كتبه "ألفريد أورشيم" الأستاذ بجامعة أكسفورد تحت عنوان "على هامش سيرة المسيح".
° ويقول الأستاذ غازي التوبة: "إن طه حسين يُنَصِّبُ نفسَه إمامًا للأساطير اليونانية، ويَضعُ السيرةَ في مصافِّ "الإلياذة"، ويَطلبُ من المؤلِّفين والكُتَّابِ أن يَفتتِنوا في الحديثِ عنها افتتانَ أوربا بأساطيرِ اليونان، كي يُرضُوا مُيولَ الناس إلى السَّذاجة، وُيمتِّعوا عواطفَهم وأَخْيِلَتَهم، ولكن هل يتساوى الأثَرَانِ في المجتمعيْنِ: "الألياذة" في المجتمع اليوناني، و"السيرة" في المجتمع الإِسلامي؟! وهل كانت "السيرة" يومًا ما في التاريخ موضوعًا لتسليةٍ قصصيةٍ أو مباراةٍ لفظيَّة؟! " (١).
° ونَشرت مجلة "الشباب الجزائرية" (ذي القعدة عام ١٣٥٢ هـ - ١٩٣٤ م) تحت عنوان "دسائس طه حسين" قالت: "ألَّف طه حسين كتابًا أسماه "على هامش السيرة" -يعني السيرةَ النبوية الطاهرة-، فملأه من الأساطير اليونانية الوثنية، وكتب ما كَتَب في السيرة الكريمة على مِنوالها، فأظهرها بمَظْهَرِ الخرافات الباطلةِ وأساطيرِ الخيال، حتى يُخيِّل للقارئِ أن سِيرةَ الرسول ﷺ ما هي إلاَّ أسطورةٌ من الأساطير، وفي هذا من الدَّس والبُهت ما فيه" (٢).
стр. 956
* موقف طه حسين العِلماني من الشريعة الإِسلامية:
إن مقالَ طه حسين "بين العلم والدين" الذي نشره في مجلة "الحديث" عام ١٩٢٧ هو بمثابة تقريرٍ كَتَبه الدكتور إلى أساتذته عُتاة التغريب، ليكشفَ لهم عن الخَطَرِ الذي يُواجِهُه تحتَ مادَّةِ "دِينِ الدولة الرسمي الإِسلام"، وفيه يكشفُ مفهومَه للإِسلام بأنه لا يَزيدُ عن أن يكونَ صلاةً وصِيامًا واحتفالاً بالمولد النبويِّ والأعيادِ الرسميِّةِ وإطلاقِ المدافعِ في رمضان وقيامِ المحمل إلخ .. (!!).
أمَّا بالنسبةِ للنُّظُم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فإنه يدعو مصرَ إلى اعتناقِ النظرية الغربية، يرى أنه لا سبيل غير ذلك.
° يقول طه حسين في عِدائه للحكومة الإِسلامية والتشريعِ الإِسلامي: "لقد اعتَزَمْنا أمامَ أوروبا أن نذهبَ مذهبَها في الحُكم، ونسير سِيرتَها في الإدارة، ونَسلُكَ طريقَها في التشريع، والتَزَمْنا هذا كلَّه أمامَ أوربا، وهل كان إمضاءُ معاهدةِ الاستقلال ومعاهدةِ إلغاء الامتيازات إلاَّ التزامًا صريحًا قاطعًا أمام العالَم المتحضِّر بأننا سنسيرُ سِيرةَ الغربيِّين في الحُكم والإِدارة والتشريع؟! فلو هَمَمْنا الآن أن نعودَ أدراجَنا وأن تُحيَا النُّظُمُ العتيقة، لَمَا وَجَدْنا إلى ذلك سبيلاً".
° ويقول في "الفتنة الكبرى": "ليس من شكٍّ أن عَلِيًّا قد أخفَقَ في بَسْطِ خلافته على أقطارِ الأرض الإِسلامية، ثم هو لم يُخْفِقْ وحدَه، وإنما أخْفَقَ معه نظامُ الخلافةِ كلُّه" (١).
стр. 957
° وقال: "إنَّ الإِسلام لم يُغيِّرْ حياةَ العرب، وإنه بَقِيَ على هامشِ حياةِ المسلمين، وإنه لم يستطعْ أن يَفرِضَ حياةَ المسلمين بين أصحابِ الحضاراتِ الأخرى".
* أما توفيق الحكيم:
° فقد قال عنه الأستاذ محمد المجذوب: "كُتُبُه أكبرُ شاهدٍ على تنكُّره لِمُثُلِ أُمَّتِه، حتى ما كان منها متَّصِلاً بالسيرة النبوية، ككتابه "محمد ﷺ "، أو مسرحية "أهل الكهف"، وبه مَواطنُ دسائِسِه على الرسول".
وتوفيق هذا أنكر رؤية الله يوم القيامة، ورَوَّج لنظرية "وحدة الوجود"، كما حاول أن يُسقِطَ إسقاطاتٍ عِلمانيةً وإلحاديةً رَوَّجَ لها الفِكرُ الوافد منذُ منتصفِ القرنِ الرابعَ عَشَرَ الهجريِّ، انطلاقًا من المفاهيمِ الكَنَسيَّة التي لا تتطابقُ بحالٍ مع فِكرنا الإِسلامي.
توفيق الحكيم الذي قَصَرَ الإيمانَ على المعرفةِ، وألغى التلفُّظَ بمنطوقِ الشهادة، فهو عنده إيمانٌ تعبُّديٌّ لفظيٌّ لا معنَى له.
° وتوفيق الحكيم الذي خَوَّل لنفسِه أن يتكلَّمَ باسم الله "قُلْ على لساني ما تشاءُ على مسؤوليتك" (١).
* زكي نجيب محمود:
يَسخَرُ من الشريعة، ويَنتقِصُ من شأنِها، ويَصِفُها بأنها "قاصرةٌ ومجافية للعصر"، ويُطالِبُ بتخطِّيها في سبيل تحقيق المعاصَرة.
° وكتابه المعروف "خرافة الميتافيزيقا" إنكارٌ صريحٌ لمفهوم الغَيب الذي
стр. 958
جاء به الإِسلام، والادعاءُ بأنه خرافة .. وهو يفاخرُ بأنه يُمثِّلُ مدرسة الفيلسوف الأوربي الملحد المنكر للأديان "أوجست كُوْنت".
وأثنى "زكي نجيب محمود" على "ابن الراوَندي" و"مَزْدك" و"ماني" و"الحلاَّج" و"الباطنية" و"الشُّعوبية" و"إخوان الصفا وتلاميذهم".
° وزكي نجيب محمود يَعتبرُ عُقوبةَ قطعِ اليدِ أمرًا وَحْشِيًّا يُهدِّدُ كرامةَ الآدميِّين .. ويُهاجمُ حجاب المرأة المسلمة.
° يقول الأستاذ أنور الجندي: "وإني لأسألُ الدكتور زكي نجيب محمود: هل يُؤمِن بالوحي؟ هذا هو مَقْطَعُ المفاصَلة بيننا وبينه، وإذا كان يُؤمنُ به فلماذا لم يُعلِن فسادَ منهجِ كتابه "خرافة الميتافيزيقا"؟!.
ولماذا لا يؤمن بهذا الوحي الذي جاء به القرآن شريعةً ومنهجَ حياة؟ " (١).
* الدكتور زكي مبارك يشارك طه حسين في التشكيك في القرآن الكريم، وذلك في كتابه "النثر الفني":
لقد لَمَزَ زكي مبارك القرآنَ، وجارى المستشرقينَ الفرنسيين الذين دَرَسَ وأخذ عنهم في جامعة "السوربون" بباريس أثناءَ تحضيرِ أُطروحته للدكتوراة المُسمَّاة "النثر الفني في القرن الرابع الهجري"، حين ذهب الدكتور مبارك يُجاري آراءَ أساتذته، خاصةً منهم "المسيو مرسيه" و"ديموبين" .. فلم يَلبثْ زكي مبارك أن أعلنَ في "أطروحته" أن القرآنَ كتابٌ أرضيٌّ لا سماوي (كذا والله) .. فالقرآنُ عنده "أثَرٌ نثريٌّ جاهلي"!!!
стр. 959
وأنا هنا لا أَتحاملُ عليه أو أُقَوِّلُه ما لم يَقُلْ، بل أكتفي بنقل أسطرٍ قليلةٍ مُوثقةٍ من كتابه "النثر الفني".
° قال: "فلْيعلم القارئُ أن لدينا شاهدًا من شواهدِ النثرِ الجاهلي يَصحُّ الاعتمادُ عليه -وهو القرآن-، ولا ينبغي الاندهاشُ مِن عَدِّ القرآنِ أثرًا جاهليًّا، فإنه من صُورِ العصرِ الجاهلي، إذ جاء بُلغتِه وتَصَوُّراتِه وتقاليدِه وتعابيره، وهو -بالرغم ممَّا أجَمع عليه المسلمون من تفرُّدهِ بصفاتٍ أدبيةٍ لم تكن معروفةً في ظنِّهم عند العرب - يُعطينا صورةً للنثر الجاهلي" (١).
° ويقول: "القرآنُ شاهدٌ من شواهِدِ النثر الفنيِّ، ولو كَرِه المُكابِرون، فأين نَضعُه من عهود النثر في اللغة العربية؟ أنضعُه في العهد الإِسلامي؟ كيفَ والإِسلامُ لم يكن موجودًا قبلَ القرآن حتى يغيِّر أوضاعَ التعابير والأساليب؟ فلا مفرَّ إذن من الاعترافِ بأن القرآنَ يُعطي صورةً صحيحةً من النثر الفني لعهد الجاهلية" (٢).
° قال الشيخ محمد الغزالي ﵀: "أراد الدكتور زكي مبارك أن ينالَ إجازتَه العلميَّةَ من "باريس"، فكيف يَصنعُ الدكتور الذَّكيُّ؟؟ رأى أن يَسوقَ ألفَ دليلٍ على أنه وَعَى جيِّدًا دروسَ أساتذته، وأنه اقتنع بالفكرةِ التي يُصرحون بها حينًا، ويلمِّحُون بها حينًا آخَرَ، فكرةِ أن القرآنَ مِن وَضْعِ محمد، وأنه ليس وَحْيًا مصونًا كالإِنجيل أو التوراة "كذا"، فاسمَع العبارات
стр. 960
التي بَثَّها بَثًّا دنيئًا وسط مئتي صفحةٍ من كتابه "النثر الفني"، وتَمَلَّقَ بها مشاعرَ السادة المستشرِقين الذين يوجِّهون العلمَ والأدبَ لخدمةِ المستعمِرين ونصرةِ الصليبيين" (١).
° يقول الشيخ محمد الغزالي: "ولا ندري هل رَجَع الدكتور زكي إلى الله بعد هذا الكُفران المبين؟ أم مات على زَيغه؟ لقد كَتَب بعد هذا كتاباتٍ حسنةً في التصوُّف! وإن كان الرجلُ ظلَّ يُدمِنُ الخمرَ حتى صَرَعه "السُّكْر"، فقَضى على حياته وهو نشوان" (٢).
والقارئُ المسلمُ لا يَغُضُّ طَرْفَه، ولا يَنْسى إذا تَعلَّقَّ الأمرُ بلَمْزِ كتابِ ربِّه والحطِّ من منزلة الوحي الكريم (٣).
إنَّ هذا تكذيبٌ صريحٌ لله ولرسوله ﷺ .
° ولقد انبرى للردِّ على الدكتور زكي مبارك الدكتور محمد أحمد الغمراوي ردًّا في فصولٍ مطوَّلةٍ نشرفها الرسالةُ المصرية في مجلد عام ١٩٤٤ وفنَّد فيها ما قاله الدكتور زكي مبارك مِن:
أولاً: دعوتِه إلى نقد القرآن.
ثانيًا: إنكارِه إعجازَ القرآن.
ثالثًا: أنه يكادُ يُصرِّحُ بأن القرآن من كلام البشر.
стр. 961
رابعًا: أنَّ الأديانَ كلَّها من نَبْتِ البيئة ومِن وَضْع الأنبياء.
° يقول زكي مبارك محاولاً أن يصِف القرآنَ بكلِّ ما لا يُصَدَّق، وأنه نِتاجُ البيئةِ -كبُرَتْ كلمةً تخرجُ من فِيهِ إن يقولُ إلاَّ كَذِبًا-: "فمن الواجبِ أن يَتركَ الباحثون ذلك المَيدانَ الذي أولعوا بالجَرْي فيه -وهو عصر الدولة العباسية-، وأن يَجعلوا مَيدانَ النِّضال "عصرَ النُّبُوَّة" نفسَه، وأن يحدِّثونا ما هي الصِّلاتُ الأدبيةُ والاجتماعية التي وَصَلت إلى العرب من الخارج فأعطت نَثْرهم تلك القوَّة وذلك الزُّخرفَ اللذيْن تراهما مجَسَّمَيْنِ في القرآن؟ هنالك نعرف بالبحث: أكان القرآنُ صورةً عبقريَّةً أم تقليديةً".
فهذا الكلام الصريحُ الذي لا يَقبلُ الشكَّ ولا التأويلِ أن زكي مبارك يرى أن القرآنَ من كلامِ العرب تأثَّر بما تأثروا به، أو يصحُّ أن يكونوا تأثَّروا به من صِلاتٍ أدبيةٍ واجتماعيةٍ أتتهم من الخارج، وأنَّ ما امتلأ به -في زعمه- من "الزخرف والصنعة المحكمة، ليس طبيعيًّا، ولكنه مُكتَسَبٌ مجلوبٌ من الخارج".
° وما معنى قول زكي مبارك: "ولا يُنكِرْ مُتَعَنِّتٌ أن القرآنَ وَضع للصلوات والدعوات ومواقفِ البكاء والخوفِ والرجاء سُورًا مسجُوعةً تماثِل ما كان يُرتِّله المتديِّنون من النصارى واليهود والوثنيِّين، ولا تَنْسَ أن الوثنيةَ كانت دينًا يؤمِنُ به أهلُه في طاعةٍ وخشوع، وكانت لهم طقوسٌ في هياكلهم، وكانت تلك الطقوس تؤدَّى على نحوٍ قريب ممَّا يفعلُ أهل الكتابِ من النصارى واليهود".
° وانظر إلى ما يقوله زكي مبارك: "انتفَعَ الصوفيةُ بسماحةِ الإِسلام، وهو دينٌ يأبى أن يكونَ بين المسلم وربِّه وسيطٌ، فقرَّروا أنهم أرفعُ من
стр. 962
الأنبياء .. وهذا كفرٌ بظاهر القول، ولكنه في الجوهر غايةُ الإِيمان"!!!!.
* محمد عبد الله عَنان متطرِّفٌ في تأييده لأتاتورك والهجوم على الشريعة الإِسلامية:
كشف الشيخ مُحِبُّ الدين الخطيب في مجلة "الفتح" وِجهة محمدِ عبد الله عنان في تأييدهِ للصهيونية وتأييدِه لكمال أتاتورك، واشتراكه مع "سلامة موسى" في إنشاء أولِ حِزبٍ شيوعيٍّ في مصر.
° يقول محمد عبد الله عنان مهاجمًا موقف الشريعة الإِسلامية من المرأة -كما يدَّعي- في "مجلة الثقافة" (٧ يوليو ١٩٥٢) حيث يقول تحت عنوان: "المرأة والحقوق الدستورية": "لا محلَّ للاحتكامِ بشأنها إلى الدين .. تقول الحقيقة: إن هذا الاتجاهَ خاطئٌ من أساسِه، ولا مَحِلَّ له على الإطلاق، إنَّ تنحيةَ الدينِ أساسٌ في هذا الموضوع، سواءٌ لتوكيد التحريم أو الإِباحة، وإذا كانت مصرُ دولةً إسلاميةً، فليس معنى هذا أنها دولةٌ دينية، أو أنها دولة تُطبِّق أحكامَ الدِّين في سائرِ النواحي، فالنُّظُمُ الأساسيةُ والقوانينُ المدنية والجنائيةُ المصريةُ كلُّها نظُمٌ وقوانينُ تَطبَعُها الصفةُ الأوربية، ولا يُطبَّقُ في مصرَ شيءٌ من أحكام الشريعة الإِسلامية في العبادات والمعاملات أو الحدودِ بصورةٍ جبريَّةٍ، والقضاءُ الشرعي يُعتبر قضاءً استثنائيًّا بالنسبةِ للقضاء الوطني العام".
° ويَصلُ من هذه السمومِ والمغالَطاتِ كلِّها إلى أن يقول: "لا مَحِلَّ لأنْ يَحتلَّ الدين حُكمًا في مسائِلَ لا علاقةَ لها بالدين، ولا يَمَسُّ العقيدة، ولا مَحِلَّ إذًا لنرجعَ بمطالبِ المرأةِ السياسية والاجتماعية لأحكامِ الدين".
стр. 963
ولا ريبَ أن رأىَ عنان هذا فاسدٌ على إطلاقه؛ فإنَّ الإِسلام ليس دينًا بالمعنى اللاهوتي، ولكنه نظامُ مجتمعٍ ومنهجُ حياة؛ ولذلك كان له حقُّ تنظيم العلاقات الاجتماعية، وخاصةً ممَّا يتعلقُ بالمرأة والأسرة (١).
* حُسين فوزي من غلاة التابعين للحضارة الغربية:
° مُجمَل دعوتِه التي رَدَّدَها أكثرَ من أربعين عامًا هي على الوجه الآتي كما لَخَّصَها لمجلة "الآداب" (إبريل ١٩٦٢): "دَرَجتُ على حُبِّ الغرب والإيمانِ بحضارةِ الغرب، واستحالَ الحبُّ والإعجابُ إيمانًا لكلِّ ما هو غربيٌّ، لم يَعْتَوِرْ إيماني ضَعفٌ بضرورةِ الحياة الغربية .. وسِمةُ الحضارةِ الغربيةِ أن العقلَ فيها مطلَق".
° ويقول: "لا صِلَةَ للعقيدةِ الدينيةِ بمسائلِ الأمم".
° والدكتور حسين فوزي عِلمانيٌّ خبيثٌ مِن غُلاةِ التبَعيَّةِ للحضارةِ الغربية، وهو يُركِّزُ على جانبها الخاصِّ بالفنون والمسارح والموسيقى والرَّقص .. ويتابعُ طه حسين في الدعوة إلى نَقلِ كلِّ ما تُمثِّله هذه الحضارةُ "خيرِها شرِّها، وحُلوِها ومرِّها، وما يُحمد منها وما يُعاب" (٢).
* اليساري محمد مندور رئيس تحرير مجلة "الشرق" الشيوعية ودعوتُه إِلى فَصل الدين عن الدولة:
° كتب محمد مندور اليساري مقالاً بعنوان "الدين والتشريع" عام ١٩٤٤ في جريدة "المصري" التي كان يعملُ بها، دعا فيه صراحةً إلى فصلِ
стр. 964
الدين عن الدولة، وضرورةِ سَنِّ القوانينِ الوضعيةِ التي لا ترتبطُ بالشريعةِ الإِسلامية، ولكنَّ الجريدة رَفَضَت نَشْرَه، وُيعَلِّق لويس عوض على دعوة مندور قائلاً: "وواضحٌ أن هذا الكلامَ الذي نَشَره مندور في ١٩٤٤ مُؤَسَّسٌ على ذلك الركن الركين في الفلسفة الديمقراطية الليبرالية، وهو فصلُ الدين عن الدولة، وإقامة فِقهٍ دستوري وفقهٍ تشريعيٍّ على أساسٍ وضعيٍّ بدلاً من الأساس الثيوقراطي الذي كانت تقومُ عليه المجتمعاتُ الإقطاعية في العصور الوسطى".
ونحن نرفضُ محمد مندور لرفضه للشريعة .. نرفضُه ونرفضُ فكره.
* نجيب محفوظ: والإِساءة إِلى "قاسم" في أولاد حارتنا:
بالرجوع إلى كتاب "جُوَّانيات الرموز المستعارة لكبار "أولاد حارتنا" أو "نقض التاريخ المديني النبوي" للدكتور عبد العظيم المطعني، يَرمِزُ نجيبُ محفوظ إلى محمد ﷺ بـ "قاسم" وإلى خديجة ﵂ بـ "قمر".
° وأكبر المدافعين عن محفوظ وهو الأستاذ محمد جلال كشك يقول: "ولا شك أن قاسم يرمز إلى الرسول ﷺ " (١).
فماذا قال نجيب عن "قاسم":
نَسَبَتْ إليه الرواية اختلاسَ ثمارِ الجوافة، والجَرْيَ في الطريقِ العامِّ وهو عارٍ تمامًا من ملابسه، مع تضاحُكِ الأطفال عليه!!!.
وهذا افتراءٌ مَحضٌ وكذبٌ صارخ على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وصانَه من "العبث" في جميع مراحِلِ عُمره المبارك قبلَ البَعثةِ وبعدَها.
стр. 965
° ثم جَعَلتْه الرواية "بيَّاع بطاطة" ينادِي على بضاعتِه ويقول وهو "يَزُق" عربة يد "كارو": "بطاطة العمدة" .. "بطاطة الفرن"!!.
وهذا كذلك افتراءٌ خالص، وليس له سَنَدٌ من الواقع ولا من الوهم!!.
- وجعلته الروايةُ مُغْرمًا بمعاكسةِ الفتياتِ، يترصَّدُهُنَّ في الطريق العامِّ قُبيلَ الغروب!!.
- وجعلته الروايةُ كسولاً لا يُحِبُّ العمل، ويَخلُدُ إلى الراحةِ والدَّعَةِ حتى أكرهته السيدةُ "قمر" على العملِ في إدارة أملاكها!!.
- ثم أجلسَتْه الروايةُ على "المقاهي" وسَقته الـ .. على الجُوزة.
- ووصفت الرواية حَفلَ زفافه إلى "قمر" وصفًا مزرِيًا للغاية، كانت الخمورُ تجرِي فيه أنهارًا، وكلُّ المدعوِّين كانوا سُكارى ومساطيل!!.
- وجَعلت الرواية "قاسمًا وقمرًا" يسيرانِ في ليلةِ زفافهما خلفَ راقصةٍ تتمايلُ وتهتزُّ وكأنها تُلقِي عليهما الدرس الأخير في العلاقات الـ .. !!.
- وعَيَّرَتْه الرواية مَرَّاتٍ بأنه راعي غَنَم لليهود والنصارى وغيرهم!!.
هكذا صَنعت الرواية مع خير خلق الله ﷺ ، وهي تعلمُ عمَّن تتحدَّثُ جلالاً وعظمةً، وهيبةً ووقارًا؟!.
إن الرواية تجارِي العِلمانية في تفسيرها المادِّيِّ للتاريخ -رَضيَ المؤلِّفُ أم لَم يرضَ-، وهي تُترجم في وضوح أنَّ كاتِبَها ساعةَ كَتَبَها كان زاهدًا في "الدين" كلَّ الزهد، مُعرضًا عنه كلَّ الإعراض، ضائِقًا به صدره، أعجميًّا به لسانُه، فراح يَشفِي نفسَه الثائِرة، وُيعبِّرُ عن آرائه في وحيِ الله الأمين، بهذه الأساليب الرمزية الماكرة، والحِيَلِ التعبريَّةِ الغادرة، رافعًا من شأن العِلمِ
стр. 966
الحديث إلى مكانِ الثريَّا، واثِقًا فيه كل الثقة، حتى أجلَسَه في روايتِه على "عرْش الدَّيَّان" مناصرًا للعلمانية الجاهلة على دينِ الله القيِّم، ورسالتِه السامية (١).
ونحن نُحيل القارئ إلى ما قاله سكرتير لجنة الجائزة في حفلِ التسليم باستوكهولم عام ١٩٨٨ حيث أشار في غضون إطرائه على الرواية إلى ما تضمَّنته من مفهوم "موت الإله" (٢).
* أحمد لطفي السيد "أستاذ الجيل"!!:
خَصْمُ العروبةِ والوحدةِ الإِسلاميَّة، وصاحبُ شعار "مصر للمصريين" والنَّعرةِ الفرعونيَّة، ويكفي في بيانِ عِدائه للهُويَّةِ الإِسلامية أنه كان يَصِفُ نصَّ الدستور على أنَّ الدينَ الرسمي للدولة هي الإِسلامُ بأنه: "النص المشؤوم" (٣).
ويَكفيه هذا عارًا يُلاحِقُه إلى يوم الدين.
° لقد ضاعت الأمةُ بين أستاذِ الجيل هذا وبين عميدِ الأدب العربي الذي قال: "إنَّ الدينَ الإِسلامي يجبُ أن يُعلَّمَ فقط كجزءٍ من التاريخ القوميِّ، لا كدينٍ إلهيٍّ نَزَل بَيَّنَ الشرائعَ للبشر، فالقوانين الدينيةُ لَم تَعُدْ تصلحُ في الحضارةِ الحديثة كأساسٍ للأخلاق والأحكام، ولذلك لا يجوزُ أنْ يَبقى الإِسلامُ في صميمِ الحياة السياسية! أو يُتَّخذ كمنطلقٍ لتجديدِ
стр. 967
الأمَّة (!!)، فالأمة تتجدَّدُ بمعزلٍ عن الدين" (١).
* عبد الرزاق السَّنْهوري، واضعُ القانون المَدَنيِّ الوَضعي الذي حَجَب نُورَ الشريعةِ:
قَبْلَ وضعِه للقانون المَدَنيِّ والعمل به منذ سنة ١٩٤٩، فإنَّ القانونَ المدنيَّ المصريَّ القديمَ الذي حَكمَ مِصرَ قُرابةَ سبعين عامًا من سنة (١٨٨٣ م) إلى سنة (١٩٤٩) هو قانون نابليون الفرنسي.
° ثم أتى عبدُ الرزَّاق السَّنهوري ليضعَ هذا القانون الذي انتَقل إلى كثيرٍ من الدولِ العربيَّة ليتولَّى السنهوريُّ كِبْرَ هذا، ويبوءَ بإثم هذا التشريع الوضعي.
° قال السَّنهوري: "إنَّ القانونَ المصريَّ الجديدَ ليُؤذِنُ بعهدٍ جديد، لا في مصرَ فحسب، بل أيضًا في البَلَدَينِ الشقيقيْنِ العَرَبيَّينِ: "سورية والعراق"، ويكفي أن يكونَ هذا الشرحُ للقانون المِصريِّ الجديد في الوقت ذاتِه شرحًا للقانون السُّوريِّ الجديد" (٢).
° ومصادر هذا القانونِ المدني: القانون المدني الذي وَضَعه الصَّليبي "مانوري"، والتقنيناتُ التي أُخذ منها القانونُ الجديد كثيرة: "التقنينات اللاتينية -قديمها وحديثها-، فالقديمُ يأتي على رأسِه التقنين الفِرنسيُّ، ومعه التقنين الإيطاليُّ القديم، والتقنينُ الأسبانيُّ، والتقنين البرتغاليُّ، والتقنينُ الهولندي، والتقنينات اللاتينيةُ الحديثةُ تَشتملُ على التقنينِ التونسيِّ والمَرَاكِشِيِّ، والتقنينِ اللبناني، والمشروع الفرنسيِّ الإيطاليِّ، والتقنينِ
стр. 968
الإيطاليِّ الجديد، وتشتملُ على التقنيناتِ الجِرْمانية وأهمها: التقنينُ الألمانيُّ، والتقنينُ السويسري، والتقنين النِّمساوي .. ورَجَع أيضًا إلى التقنينِ البُولوني، والتقنينِ البرازيلي، والصِّيني، والياباني، وهذه التقنيناتُ استَقَتْ من المدرسة اللاتينية والجِرمانية" (١).
° ويقولُ واضع القانون: "مِن كلِّ هذه التقنينات المختلفةِ النزعةِ، المتباينةِ المناحي -ويبلغ عددُها عشرين تقنينًا- استَمدَّ المشروعُ ما اشتَمل عليه من النصوص، ولم يوضع نصٌّ إلاَّ بعد أن فُحصت النصوصُ المقابِلة في كلِّ هذه التقنينات المختلفة، ودُقِّق النظر فيها".
* ومسائلُ من الفقه الإِسلامي.
وهذا القانونُ لا يُمثِّلُ الشريعةَ الإِسلاميةَ بحالٍ من الأحوال:
١ - لأن التشريعَ الإِسلاميَّ واضعُه ربُّ العالمين، أما هذا القانونُ، فواضعُه الدكتور "عبد الرزاق السنهوري" المصري، والأستاذُ "إدوارد لامبير" الصليبي الفرنسي، وقد عاوَن في وضعه الصليبيَّانِ "استويت" و"ساس".
٢ - أخذ واضعو هذا القانونِ أكثرَ من ٨٥% من نصوصِه من قوانينِ الكُفَّار الصليبيِّين -كما سبق بيانه-، ولذلك نراه يُبيحُ أحكامًا حَرَّمتها الشريعةُ حُرمة قطعيَّة كالرِّبا والقِمار.
٣ - النصوصُ القليلةُ التي أُخذت من الشريعةِ الإِسلامية والفقهِ الإِسلاميِّ روعِيَ فيها أن تكونَ متَّفقة مع المبادئ التي قام عليها القانون، فالقانون هو المُهيمِنُ على الشريعة الإِسلامية، يأخذُ منها ما يوافقه، ويَرفضُ
стр. 969
ما لا يتَّفقُ مع مبادئِه.
° يقول الدكتور السنهوري في هذا: "يُراعَى في الأخذِ بأحكامِ الفقه الإِسلامي التنسيقُ بين هذه الأحكامِ والمبادئ العامَّةِ التي يقومُ عليها التشريعُ المدني في جُملته، فلا يجوزُ الأخذُ بحكمٍ في الفقهِ الإِسلامي يتعارضُ مع مبدإٍ من هذه المبادئ، حتى لا يَفقِدَ التقنينُ المَدنيُّ تَجانُسَه وانسجامَه" (١).
° وفي ضَوءِ كلام الدكتور السنهوري يمكنُنا أن نَفهمَ مرادَه من جوابه على سؤالِ الشيخ "عبد الوهاب طلعت" باشا، فقد سأله الشيخ: "هل رجعتُم إلى الشريعة الإِسلامية؟ "، فقال السنهوري: "أوكَدُ لك أننا ما تركنا حُكمًا صالحًا في الشريعة الإِسلامية يمكنُ أن يوضَعَ في هذا القانون إلاَّ وضعناه" (٢).
فمَدى صلاحِ الحُكم الموجودِ في الشريعةِ الإِسلاميةِ للقانونِ المدنيِّ مبنيٌّ على موافقتِه للمبادئ التي بُني عليها القانونُ الوضعي!! وهل يَليقُ بالدكتور السنهوري أن يُقسِّمَ أحكامَ الشريعةِ إلى أحكامٍ صالحةٍ وأحكامٍ غيرِ صالحة، ويُنَصِّبَ نفسَه حَكَمًا يأخذُ منها ما يشاء ويَدعُ ما يشاء!!.
ولاحِظْ قوله: "يمكنُ أن يُوضَعَ في هذا القانون"، لِتعلمَ أنَّ بَعضَ الأحكامِ التي يُمكنُ أن تكونَ صالحةً في رأيه لم يأخُذْ بها؛ لأنه لا يُمكنُ وَضعُها في ذلك القانونِ لمعارضةِ مبادئ القانونِ لها.
° وفي إجابةٍ أخرى للدكتور السنهوري على سؤالٍ من الشيخ
стр. 970
عبد الوهاب طلعت قال الدكتور السنهوري: "لقد أخَذْنا كلَّ ما يمكن أَخْذه عن الشريعةِ الإِسلاميةِ، مع مراعاةِ الأصولِ الصحيحةِ في التقنينِ الحديث" (١).
لاحِظْ في الإجابة قولَه: "كلَّ ما يُمكن أخذَه"، وقوله: "مع مراعاةِ الأصولِ الصحيحة في التقنين الحديث"؛ لتعلمَ أنه أقام نفسَه وأصولَ التقنين الحديثِ حاكمًا على شريعة الله، يأخذُ منها ما وَافَقَ أصولَ التقنينِ الحديث، ويتركُ ما خالَفَه، كأنما حُكْمُ الله وشَرعه متروكٌ لأحكام البشر وأهوائهم.
* قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥].
° وقد اقترح الدكتور السنهوري أن تكونَ المادَّة الأولى في القانونِ هكذا: "تَسري النصوصُ التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوصُ في لفظِها أو في فحواها.
فإذا لم يُوجَدْ نصٌّ تشريعيٌّ يمكنُ تَطبيقُه، حَكَم القاضي بمقتضى "العُرف"، فإذا لم يوجَد، فبمقتضى مبادئ الشريعةِ الإِسلاميةِ الأكثرِ ملاءمةً لنصوصِ هذا القانون .. " (٢).
فهو يريدُ تقييدَ القاضي عندما لا يجدُ نصًّا في القانون ولا في العُرف فيأخذ من الشريعةِ، أن يكونَ أخذُه من الشريعة محكومًا بالمبدإ الأكثرِ
стр. 971
ملاءمة لنصوصِ القانون، فيَجعلُ القانونَ هو الحاكمَ والمهيمنَ على الشريعةِ الإِسلامية، وفي هذا ما فيه.
° والمادةُ الأولى من القانونِ المدنيِّ تقول: "تَسري النصوصُ التشريعيةُ على جميعِ المسائل التي تتناولُها هذه النصوصُ في لفظِها أو في فحواها، فإذا لم يوجَدْ نصٌّ تشريعيٌّ يُمكن تطبيقُه، حَكَم القاضي بمقتضى "العُرف"، فإذا لم يوجد فبمقتضى الشريعةِ الإِسلامية، فإذا لم يوجَد فبمقتضى القانونِ الطبيعيِّ وقواعِدِ العدالة" (١).
وهذه المادةُ تُحرِّمُ على القاضي الرجوعَ إلى الشريعة الإِسلامية التي ألزَمَ اللهُ الحُكَامَ المسلمينَ بتحكيمِها -ما دام الحكمُ منصوصًا عليه في القانون المدنيِّ الوضعي-، فإذا لم نَجِدِ الحكمَ في نصوصِ القانونِ، فيُوجِبُ علينا واضعُه الرجوعَ إلى "عُرف البشر"، ويَجعلُ أعرافَ البشر مقدَّمةً على أحكامِ الشريعةِ الإلهيَّة!! ثم يَمُنُّ علينا واضعُ القانونِ بأنْ جَعَل الشريعةَ الإِسلاميةَ المَصْدَرَ الثالثَ، ويَمُنُّ علينا أنه قَدَّمها على القانونِ الطبيعيِّ وقواعِدِ العدالة!!.
° يقول الدكتورُ السنهوري في هذا: "الشريعةُ الإِسلاميةُ هي المصدرُ الثالثُ للقانونِ المَدَني المِصري، وهي إذا أتت بعدَ النصوصِ التشريعيةِ والعُرف، فإنها تَسبقُ مبادئ القانونِ الطبيعيِّ وقواعد العدالة" (٢)!!.
وكونُها تَسبقُ مبادْئَ القانونِ الطبيعيِّ وقواعِدَ العدالة ليس مبرِّرًا لأَنْ يسبقَها التشريعُ الذي أُخذت معظمُ نصوصُه من القوانين الوَضْعِية وأعرافِ
стр. 972
البشر التي كثيرًا ما تكونُ أعرافًا خاطئةً.
° ونحنُ نَرفضُ قولَه بعد ذلك: "ولا شكَّ أن ذلك يَزيدُ كثيرًا في أهميَّةِ الشريعة الإِسلامية" (١).
° ونرفضُ قولَه: "وَيجعلُ دراستَها دراسةً علميةً في ضَوءِ القانون المقارَن أمرًا ضروريًّا، لا من الناحيةِ النظرية فحسب، بل كذلك من الناحية العلمية التطبيقية" (٢)!!.
أمَّا أولاً: فلأَنَّ جَعْلَ الشريعةِ الإِسلاميةِ المَصْدَرَ الثالثَ ظُلْمٌ للشريعة الإِسلامية وانتقاصٌ من حقِّها، وتقديمٌ لقوانينِ البشر وأعرافِهم على شريعةِ ربِّهم، لا كما يقول السنهوريُّ من أنه يَزيدُ من أهميتها!!.
ثانيًا: لأنَّ الشريعةَ الإِسلاميةَ لا تُدْرَسُ في ضَوءِ القانونِ المقارَن بحيث يُهيمنُ عليها، ويَنتقصُ منها، وهي الشريعةُ التي أُنزلت حاكمةً على الشرائع كلِّها والقوانينِ والكُتبِ السماويةِ السابقةِ وغيرِ السماوية.
وثالثًا: لأنَّ النتيجةَ التي يُمكنُ تَحقيقُها من وراءِ كلِّ هذا محدودةُ الأهمية، بل تكادُ تكونُ سَرابًا -كما يقول الدكتور "توفيق فرج" أحد رجال القانون-، وُيعلِّلُ ذلك بقوله: "ذلك أن التشريعَ في الدولةِ الحديثةِ يكادُ يَستوعبُ كلَّ شيء، وإذا وُجد مجالٌ يُحتمل أن تقومَ فيه بعضُ الثغرات، فإن العُرفَ من وراءِ التشريع مُحيط به في شِبْهِ شُمولٍ، ولا يَبقى لمبادئِ الشريعةِ إلاَّ النَّزْرُ اليسير" (٣).
стр. 973
ويَرى أيضًا: "أنَّ الدَّورَ الذي يُتركُ لمبادئِ الشريعةِ يزدادُ انكماشًا -إذا أُخِذَ بما يَتَّجهُ إليه البعضُ مِن أنه لا يُلْجَأُ إلى مبادئ الشريعةِ الإِسلامية كمصدرٍ للقانون- إلاَّ إذا لم تكن تلك المبادئُ تتعارضُ مع المبادئ العامةِ التي يقوم عليها التشريعُ المَدنيُّ في جُملته" (١).
° ثم يَنقُلُ عبارةَ الدكتور السنهوري الذي يَرى هذا الرأيَ، والتي يقول فيها: "فلا يجوزُ الأخذُ بُحكمٍ في الفقه الإِسلاميِّ يتعارَضُ مع مبدإٍ من تلك المبادئ، حتى لا يَفقِدَ التقنينُ المَدَنيُّ تجانُسَه وانسجامَه" (٢).
* كيف جُعلت الشريعةُ الإِسلاميةُ المصدرَ الثالث؟!:
° على الرَّغم من أنَّ جَعْلَ الشريعةِ الإِسلاميةِ المصدَرَ الثالث الذي يَرجعُ إليه القاضي غيرُ مقبولٍ بحالٍ من الأحوال، فإنَّ واضِعِي القانونِ لم يتكرَّموا بوضعها ابتداءً، فقد كان نصُّ المادَّةِ في المشروع التمهيديِّ هكذا: "تَسري النصوصُ التشريعيةُ على جميعِ المسائلِ التي تتناولُها هذه النصوصُ في لفظِها أو في فحواها .. فإذا لم يُوجَدْ نصٌّ تشريعيٌّ يمكنُ تطبيقُه، حَكَم القاضي بمقتضى "العُرف"، فإذا لم يَوجد، فبمقتضى مبادئ القانونِ الطبيعيِّ وقواعِدِ العدالة.
ويَستلهِمُ في ذلك الأحكامَ التي أقرَّها والفقهَ -مصريًّا كان أو أجنبيًّا-، وكذلك يَستلهمُ مبادئ الشريعةِ الإِسلامية" (٣).
стр. 974
وهذه المادةُ جَعلت الشريعةَ الإِسلامية في الذيلِ كما ترى!!.
وعندما طُبع مشروعُ القانون، ووُزِّعَ على الهيئاتِ القضائيةِ والقانونية، وتَحدَّثتْ عنه الصحفُ في الديار المصرية: طالَبَ الشعبُ المصريُّ أن تُجعلَ الشريعةُ الإِسلاميةُ المصدَرَ الرسميَّ الوحيدَ لكلِّ تشريعٍ يَصدُرُ في البلاد .. ولَم تُستَجَبْ رَغبةُ الشَّعب، وفرض عليه القانونُ الذي أُخِذ أربعةُ أخماسِهِ -أو أكثرُ- من القوانينِ الكافرة، وحاوَلَ الذين وضعوه وناقَشوه استرضاءَ الرأيِ العامِّ، بجَعلِ الشريعةِ الإِسلاميةِ المصدَرَ الثالث، يَرجعُ إليها القاضي حينما لا يَجِدُ مرادَه في نصوصِ القانونِ ولا العُرف (١)!!.
* دعوى موافقةِ القانونِ المَدَني للشريعةِ الإِسلامية!!:
زَعم واضعُ القانونِ المَدَنيِّ أنَّ نصوصَه موافقة للشريعةِ الإِسلامية، ولا تعارُضَ بينهما!!.
° يقول في "المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي": "ما وَرَد في المشروع من نصوصٍ يُمكنُ تخريجُه على أحكام الشريعةِ الإِسلاميةِ دونَ كبيرِ مشقَّةٍ، فسواءٌ وُجد النصُّ أم لم يُوجَدْ، فإنَّ القاضيَ بين اثنين، إما أنه يُطبِّقَ أحكامًا لا تتناقَضُ مع مبادئ الشريعةِ الإِسلامية، وإما أنه يُطبِّقُ الشريعةَ الإِسلاميةَ ذاتَها" (٢).
والدكتور السنهوري يتناقَضُ مع نفسِه، ففي المناقشة التي جَرَت بينه وبين الأستاذ الدكتور "حامد بك زكي" أستاذِ القانون المَدَني في كلية الحقوق
стр. 975
بجماعة فؤاد، قال الدكتور السنهوري: "المشروع في أساسِه وفي بعضِ نصوصه يَتَّفق مع أحكامِ الشريعة الإِسلامية" (١).
فهو هنا يقول: "إنَّ القانونَ متَّفقٌ مع الشريعة في بعضِ أحكامه لا كلِّها".
° وأُحبُّ أن أنقُلَ للقاريء الكريم شيئًا من المناقشة التي جَرَت بين "حامد بك" و"السنهوري" في "مجلس الشيوخ المصري".
- قال حامد بك زكي: إن الجزءَ العامَّ في القانون خاصٌّ بنظريةِ الالتزامات ومصادرها، وهذا الجزءُ -على ما أذكر- قد تناولته المواد من (٩١ إلى ٤٥٠)، فهو كلُّه أوربيٌّ أي: رُومانيٌّ.
- معالي السنهوري باشا: إنه قضاءٌ مِصريٌّ متَّفق مع الشريعة الإِسلامية (٢).
- حامد بك زكي: أنا عندما أقول: "إنه أوربي"، إنما أعنِي بذلك أنه رُوماني.
- معالي السنهوري باشا: قلْ ما شئت، والمهمُّ أنني أقول: إن هذا إنما هو قضاءٌ مصري.
- حامد بك زكى: أُريدُ أن أصلَ إلى القولِ بأن الأحكامَ الخاصَّةَ
стр. 976
بالعقودِ إنما هي تطبيقاتٌ للأحكامِ الواردة في باب الالتزامات تحت اسم "العقود"، وأنا -من هذه الناحية- أُعلِن صراحةً أن المشروعَ إنما هو مشروعٌ أوربيٌّ بَحْتٌ، وأُعلِن أنني أوافقُ على هذه الفِكرة، ولكنْ أُريدُ أن أَصِلَ إلى القولِ بأنَّ الشريعةَ الإِسلاميةَ قد رُجعَ إليها في بعضِ المسائِل الخاصَّة باستلهامِ بعض أحكامها.
- الرئيس: إذا نظرنا إلى العلاقاتِ بين الأفراد منذ الخليقةِ الأبديَّة، نَجِدُ أن فلسفةَ الحياة الموضوعيةَ تتقارب (١).
° لقد كان حامد زكي صريحًا عندما أَعلن أمرين:
الأول: أن القانونَ المدنيَّ قانونٌ أوربيٌّ رومانيٌّ بَحْتٌ.
والثاني: أنه راضٍ عن هذا، وأنه لا يَرضى بأن تكونَ الشريعةُ الإِسلاميةُ مصدرًا للتشريع، وقد وَضَّح رأيه هذا في بقية المناقشة.
أما الدكتور السنهوري، فإنه يريد أن يَجعلَ القانونَ المأخوذَ من القوانين الأوربية موافقًا للشريعة الإِسلامية (٢).
لقد كان رجالُ القانونِ الذين وَضعوا هذا القانونَ يَعرِفون أن القانونَ بعيدٌ عن الشريعة الإِسلامية، ولكنهم كانوا يخافون من ثورةِ الأمةِ وانتقادِ العلماء.
стр. 977
° يقول رئيس: "اللجنة القانونية لمجلس الشيوخ" لدى مناقشةِ مشروع القانون (١): "وقد قُلنا كلُّنا: إنَّ إغفالَ الشريعةِ الإِسلاميةِ من شأنِهِ أن يَعملَ هيجانًا كبيرًا في الأفكار، ولَمَّا وَجَدْنا أن المشروعَ لا يقولُ بما يخالِفُ الشريعةَ الإِسلامية قلنا: نُقدِّمُ الشريعةَ الإِسلاميةَ على القانون الطبيعي" (٢).
فالتقديم للشريعة إنما كان خَشيةَ هياج الأفكار!!.
* العلماءُ الأوربيُّون يقرِّرون ألاَّ لِقاءَ بين القانونِ الأوربيِّ والإِسلاميِّ:
لا يَجوزُ لِمُنْصفٍ صادقٍ في حديثهِ أن يَزعُمَ أن قانونًا أُخذت أصولُه من القانونِ الرومانيِّ، وأُخذت نصوصُه مِن أكثرَ من عشرينَ قانونًا أوروبيًّا: أنه قضاءٌ يتفقُ مع الشريعةِ الإِسلامية، يقول "فتزجيرالد" Fitz Gerald - وقد كان أستاذَ القانونِ الإِسلامي في مدرسة "الدراسات الشرقية والإفريقية بلوندرا"-، يقول في مقالٍ نَشَره في مجلة "القانون الفَصْلية الإنكليزية" عدد يناير ١٩٥١ م: "الواقعُ أن النِّظامَينِ -الروميَّ والإِسلاميِّ- متضادَّانِ إلى حدٍّ لا يمكنُ معه التوفيقُ بينهما فيما يتعلَّقُ بالمسائل الأساسية، وهي المأخَذُ الصحيحُ للقانون، فالقانونُ الإِسلاميُّ هو قانونُ اللهِ المُشرِّعُ الوحيد، ولا سُلطةَ لأيِّ أميرٍ في وَضْع القوانين، ومَشيئةُ العوامِّ لا اعتبارَ لها، إلاَّ إذا مَثَّلت إجماعًا عامًّا كافيًا" (٣).
стр. 978
° ويقول أيضًا: "الشريعةُ -كما ذكرنا مِن قبلُ- تختلفُ اختلافًا أساسيًّا عن القانون الرومي -سواء في طبيعتِها، أو في غَرَضها-، فالقانونُ الروميُّ -حتى في خالِصِ ناحيتِه المجرَّدة والعِلميَّة- ليس إلاَّ قانونَ العلماءِ القانونيين، أو كما يُقال في المثل اللاتيني: "كلُّ قانونٍ وُضع، فإنه وُضع بسبب إنسان"، أمَّا القانونُ الإِسلاميُّ، فهو -أولاً وقبلَ كلِّ شيءٍ - نظامُ أهل دينٍ يُطبِّقُون الأحكامَ (الموجودة) على الوقائع، وغَرَضُهم وَصْلُ كلِّ نَفْسٍ إنسانيةٍ بالله تعالى .. " (١).
إنَّ الفقهَ الإِسلاميَّ -وهو قانونُ المسلمين- جُزءٌ من الدينِ الإِسلاميِّ لا يَنْفَكُّ عنه .. أمَّا القانونُ الوضعي، فهو عِلمٌ ماديٌّ من أمورِ الدنيا.
° يقول المستشرق الإيطالي "نالينو" Nallino: " جَعَل المسلمون الفِقهَ جزءً من عِلم الدين لا يَنفكُّ عنه، ولم يَجعلوه عِلْمًا ماديًّا من أمورِ الدنيا" (٢).
° ولقد تَصَدَّى الشيخُ حَسن الهُضيبي ﵀ لهذا القانون في "مجلس الشيوخ المصري" لدى مناقشته سنة ١٩٤٨ م، وكان فارسَ الدفاع عن الشريعة الإِسلامية، وقال: "اعتقادِي في أنَّ التشريعَ في بلادنا كلِّها -وفي حياتِنا جميعًا- يجبُ أن يكونَ قائمًا على أحكام القرآن، وإذا قلتُ: "القرآن"، فإنِّي أعنِي كذلك -بطبيعةِ الحال- سُنَّةَ الرسولِ ﷺ ؛ لأن طاعته من طاعةِ الله".
نعم، يجبُ أن يكونَ هذا المصدران هما المصدرانِ لكلِّ تشريعٍ، فإذا ما
стр. 979
أَرَدْنا أن نأخد شيئًا من التشريعات أو النُّظُمِ الأجنبية، فيجبُ أن نردَّها أولاً إلى هذين المصدرين.
* قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
فإذا كان هذا التقنينُ صادرًا عن أحكام القرآن والسُّنة، كان بها، وإلاَّ فيجبُ أن نرفضَه رفضًا باتًّا، ونَردَّ أنفُسَنا إلى الحدودِ التي أَمَر اللهُ بها" (١) اهـ.
° وخلاصةُ القول في هذا القانون: "إنه قانونٌ بعيدٌ عن الشريعة الإِسلامية، وإنه قد أقرَّ أعيُنَ الكافرين، وأدمى قلوبَ المؤمنين، لقد خَدَعَنا أعداءُ الإِسلام عندما سَمَحوا لنا أن نُغيِّرَ القانونَ الفرنسيَّ، وقالوا لنا: خُذُوا قوانينَكم من أيِّ قانونٍ شئتم، إلاَّ أن يكونَ القانونُ المُحَكَّمُ هو الشريعةَ الإِسلامية، فظننَّا أننا بذلك نِلْنا استقلالَنا.
لقد سَمَح الكُفَّارُ لنا بصياغةِ قوانيننا بعد أن وَجدوا رِجالاً رَضَعوا ثقافتَهم وأُعجِبوا بقوانينهم، وبعد أن رضينا بإقصاءِ شريعة الله.
لقد حَكَّم السنهوريُّ -واضعُ القانون المدني- "في رقابِ المسلمين قانونًا وَضَعَه هو، واستمدَّه من أكثرَ من عشرينَ قانونًا، بعد أن كان يَحكُمُ في رقابنا قانونٌ مترجَمٌ هو قانون "نابليون"، والقوانينُ الوضعيةُ عندنا سواءٌ الذي يضعُه نابليون، أو أبو جهل العربي، أو السنهوري، فكلُّ القوانين الوضعية تُحادُّ شريعةَ الله، ونحن نريدُ أن نتحاكَمَ إلى ما أنزله اللهُ لا إلى ما
стр. 980
وَضَعه البشرُ.
قد يكونُ في القوانين الوضْعِيَّةِ قانونٌ أفضلُ من قانون، ولكنها جميعًا مرفوضةٌ عند المسلم الصادق؛ لأنها اعتداءٌ على ألوهيَّةِ الله وحُكمِه" (١).
° ونختمُ بما قال السنهوري: "السيادةُ في القانونِ الإِسلاميِّ لله وحده، ولكنه يُفوِّضُها للأُمَّة -كلِّ الأمة-، وليس لشخصٍ، ولا لأيِّ مجموعة من الناس أيًّا كانت".
° قال الدكتور عمر الأشقر بعد أن رَدَّ شُبَهَ السنهوري وأمثالِه: "لا يَخفى على المسلم ما في هذه الأقوالِ من كفرٍ وضلال" (٢).
* أحمد بهاء الدين الماركسي: تشريعاتُ الإِسلام لا تَلْزَم عصرَنا ومجتمعَنا:
ومن شانئي النبيِّ ﷺ : شانئُ الشرع الذي جاء به أحمد بهاء الدين الصحفي الماركسي الذي صال وجال في "الأهرام" أيامَ الفترة الناصرية، هو و"هيكل ولويس عوض وتوفيق الحكيم وحسين فوزي ونجيب محفوظ"!!.
° يقول أحمد بهاء الدين: "لا بدَّ من مواجهة الدعواتِ الإسلَاميَّةِ في أيَّامنا مواجهةً شُجاعةً بعيدًا عن اللفِّ والدوران، وإنَّ الإِسلامَ -كغيرِه من الأديان- يَتضمَّنُ قِيمًا خُلُقيَّة يُمكن أن تُسْتَمَدَّ كنوعٍ من وازعِ الضمير، أما ما جاء فيه من أحكامٍ وتشريعات دنيويةٍ، فقد كانت من قَبيلِ ضَرْبِ المَثَل، ومن بابِ تنظيمِ حياةٍ نزلت في مجتمعٍ بدائيٍّ إلى حدٍّ كبير، ومِن ثَمَّ فهي لا تَلْزَم عَصْرَنا ومجتمعَنا" اهـ.
стр. 981
ولا تعليقَ على هذا الكفرِ الصارخ.
* محمد أحمد خلف يَسيرُ على درب أستاذه أمين الخولي، ويَزعُمُ أن القرآنَ يحوِي الأساطير، ويهاجمُ الشريعة:
° محمد أحمد خلف الله هو القائل: "ما عدا القرآن -يَقصِدُ السُّنَّةَ المشرَّفةَ- فِكرٌ بَشَرِيٌّ نتعاملُ معه بعقولنا، وتفسيرُ رسولِ الله للقرآن قولُ بشر" (١).
° محمد أحمد خلف الله هو القائل: "إنَّ النصَّ القرآنيَّ إنْ لم يكن قادرًا على تحقيق المصلحةِ تَرَكْناه، ولجأنا إلى الفِكرِ البشري، فإنَّ مَدَارَ النصوصِ على المصالح، فهي أصلٌّ والنصوصُ فرع" (٢).
كتب محمد أحمد خلف الله "الفن القصصي في القرآن الكريم" بتوجيهٍ ومباركةٍ من شيخه أمين الخولي، فوصف قَصصَ القرآنَ بالخرافة، وزَعَم أن القرآنَ نفسَه لا يَنفِي أنه يحوي أساطير!!!.
° "وممَّا يُذكَرُ أن محمد أحمد خلف الله قد خاض بعد ذلك في مَيدانٍ آخَرَ يهاجِمُ فيه الإِسلامَ، وهو موضوعُ الشريعةِ الإِسلامية" (٣).
° يقول محمد أحمد خلف الله: "إن القرآنَ يتقوَّلُ على اليهود، ويُنطِقُهم بما لَم يَنطِقوا به، ويتقوَّلُ أمورًا لم تَحدُث، ويُقرِّر أمرًا خُرافيًّا أو أسطوريًّا، ثم يعود فيقرر نقيضَه ويُغيِّرُ الواقعَ، ويُبدِّلُ ويَزيدُ ويَنقصُ،
стр. 982
بحُكم هذه الحريَّة الفنيَّة".
ومن مفاسدِ هذه الرسالة اعتبارُها أنَّ مصادرَ القصصِ القرآني هي التوراةُ والإنجيلُ والأقاصيصُ الشعبيةُ، وما امتَزَج بها من عناصرَ فارسيةٍ وإسرائيليةٍ، وأنه جَرَى خَلْفَ قساوسةِ المستشرقين أمثال "مرجليوث"، حتى إنه لم يُدرِكْ ما هنالك من تناقضٍ بين نسبةِ القرآن إلى الله والحكم على قَصصِ القرآن بأن أكثَرَه غيرُ صحيح.
° يقول الأستاذ أحمد الشايب في دراسة عن حياته العلمية (١٩١٣ - ١٩٧٠): "أُشيرُ في إيجازٍ إلى هذه المعركة العلميَّة التي دارت في "كلية الآداب"، عام ١٩٤٧ حولَ مشروعِ رسالة "الفن القصصي في القرآن الكريم" تقدَّم به طالبٌ يُدعى محمد أحمد خلف الله، بإشراف الأستاذ الشيخ أمين الخولي، وتأييده والدفاعِ عنه.
وقد قام هذا المشروع على أساسِ أن محمدًا ﷺ مؤلِّفُ القرآن، وأنَّ القرآنَ في قَصَصِه لم يَتحرَّ الصدقَ، وأنه كان يُغيِّرُ ويُبدِّلُ في القَصص نزولاً على ظروفِه الخاصَّةِ التي كانت تحيطُ بالدعوة الإِسلامية، وأنَّ محمدًا ﷺ في القَصص القرآني الكريم كان يَخلُقُ من الحوادثِ ما لم يَقَعْ، وُيصوِّرُه على أنه الواقعُ التاريخيُّ .. إلى نحوِ ذلك ممَّا لَم يستنِدْ إلى برهانٍ عِلميٍّ، وإنما كان مُجاراةً للمبشِّرين.
وقد شَغلت هذه المسألة الجهاتِ الجامعيَّةَ والأزهريَّةَ والبرلمانيَّة، والصحافةَ، ومجلسَ الدولة، وقد رَفض أحمد الشايب هذا المشروعَ، إذْ كان مُعَيَّنًا لفحصِه، وبرأيه أَخَذتْ كلُّ الهيئاتِ المذكورة، وقد أبُعد صاحبُه عن الجامعة".
стр. 983
° عامَلَك الله -يا محمد أحمد- بما تستحقُّ، إذ تقول بالنصِّ في رسالتك: "إنَّ القَصَصَ القرآنيُّ لَم يُراع الحقيقةَ التاريخيَّة"!!.
° وقولُك (ص ٢٦ سطر ١٠): "إنَّ القرآن أنطَقَ اليهودَ بما لم ينطِقوا به، وذلك في قوله تعالى في سورة "النساء": ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ﴾ [النساء: ١٥٧] ".
° وفي (ص ٦٦) تُقرِّرُ عن قوله تعالى في سورة "المائدة": ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٦]، أن هذا القولَ وهذا الحوارَ تصويرٌ لموقفٍ لم يحدُثْ بعدُ، بل لعلَّه لن يحدث!!.
° وفي (ص ٨٩) تُقرِّر أن قصَّة موسى ﵇ في سورة "الكهف" لم
تَعتمِدْ على أصلٍ في واقع الحياة!!.
وفي هذا مخالفةٌ ظاهرة لقوله : ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف: ١٣]، ولقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ [يوسف: ١١١] ".
° لقد لَقِيَ قولُ محمد أحمد خلف الله "دَعْمَ وإعجابَ كثيرٍ من المشبوهين ومن المستشرقين الذين انبَرَوْا للدفاعِ عنه وتقريظِه، حتى إنَّ "ج بالجون"، و"ج - جومييه " -من القساوسة الدومينيكان- وصَفَاه بأنه البحثُ الوحيدُ الذي يُمثِّل "الاستنارةَ الحقيقيةَ في الفكر الإِسلامي عن حركةِ المجتمع العربيِّ المعاصر"، وقَصَرَ القرآنَ على العبادات والمساجِدِ كضرورةٍ حتميةٍ لتقدُّم المجتمع العربي" (١)!!.
стр. 984
° يقول محمد أحمد خلف الله عن الأنبياء: "إنهم أبطالٌ وُلدِوا في البيئة، وتأدَّبوا بآدابها، وخالَطوا الأهلَ والعشيرةَ، وقَلَّدوهم في كلِّ ما يُقال وُيفعَل، وآمنوا بما تؤُمِن به البيئةُ من عقيدة، ودانوا بما تَدِينُ به من رأيٍ، وعَبَدوا ما تعبُدُ من آلهةٍ".
° ويقول الشيخ محب الدين الخطيب: "ما ذهب إليه المؤلِّف في هذه الرسالة تلميحٌ بتكذيبِ النبيِّ ﷺ في أنَّ القرآنَ مُوحًى إليه من الله ، وزَعْمٌ أنه من تأليفِ محمدٍ ﷺ ، وأن ما فيه من القَصَصِ عملٌ فنيٌّ خاضعٌ لِمَا يَخضعُ له الفنُّ مِن خَلْقٍ وابتكارٍ، مِن غير التزامٍ بصدقِ التاريخ!!.
والواقع أن محمدًا ﷺ "فنَّانٌ" بهذا المعنى، وأن الأنبياءَ "أبطال" ولدوا في البيئة وتأدَّبوا بأدبها، وخالَطوا الأهلَ والعشيرةَ، وقَلَّدُوهم في كلِّ ما يُقال ويفعَل، وآمنوا بما تؤمن به البيئةُ من عقيدة، ودانوا بما تَدين به مِن رأيٍ، وعَبدوا ما تَعبُدُ مِن إلهٍ، هذا ما ذهب إليه المؤلِّف، وكَذَب".
كما زَعَم أنَّ القرآنَ مُتناقِضٌ، فكان يُقرر أولاً أنَّ الجنَّ تَعلمُ بعضَ الشيءِ، ثم لَمَّا تقدَّم الزمنُ قَرَّر أنهم لا يَعلَمون شيئًا!!، وأنَّ قصةَ موسى في سورة "الكهف" لم تَعتَمِدْ على أصلٍ من واقعِ الحياة، بل ابتُدِعت على غيرِ أساسٍ من التاريخ"!! اهـ.
° وقد طَلَب الدكتور عبد الرزاق السنهوري -وزيرُ المعارف حينذاك- إلى الشيخ محمود شلتوت ﵀ فَحْصَ هذه الرسالةِ، وكتابةَ تقريرٍ عنها؛ فإذا بهذا التقريرِ يَدْمَغُها بالكفرِ والجَهلِ والفسادِ؛ لأنها قامت على أُسسٍ فاسدةٍ وأنها غارقةٌ في تكذيبِ القرآن، وأنَّ كاتِبَها افترى على العلماء، وأنه جاهلٌ لا يَفهمُ النصوص .. وخَتَم تقريرَه: بأَنْ تُطهَّرَ الجامعةُ
стр. 985
من هذه الدراسةِ التي تُنافِي الحريةَ العِلميَّة وتنتهي إلى الفوضى، وتَهدِمُ الأصولَ الإِسلاميةَ في هذا البلد الإِسلامي.
كما أفتى أكثر من مئةِ عالم أزهريٍّ في طائفةٍ كثيرةٍ من نصوصِ هذه الرسالة بأنها مُكفِّرةٌ يَخرجُ بها صاحبُها عن الدين الإِسلامي.
* تغريد عنبر، ثمرةٌ مُرَّةٌ من شجرة الحنظل -مدرسة أمين الخولي- ورسالتُها "أصوات المَدِّ في تجويد القرآن":
زَعَمت "تغريد عنبر" أن رسول الله ﷺ كان يُغيِّر ويُبَدِّلُ في القَصَصِ القرآنيِّ، وأن النصَّ القرآنيَّ لم يتعرَّضْ للتغيير والتبديل على يدِ رسولِ الله وحدَه، بل تَعَرَّض لهذا التغيير والتبديلِ على أيدِي الصحابة، ولَمَّا طالَبَ الدكتور محمد محمد حسين الجامعةَ بالتوقُّفِ عن مَنْحِ الدرجة واستجابت الجامعة، شَنَّعَ أعوان الشرِّ على الدكتور محمد محمد حسين، وتولَّى كِبْرَ هذه الحملة مجلة "المصوِّر" التي يُشرف عليها محمود أمين العالم، وتزَّعَمَت الحملةَ "أمينة السعيد" بمقالاتٍ بدأت في "مجلة المصور" في ٢٧/ ٥ / ١٩٦٦.
° وزعمت تغريد عنبر أن القرآن ليس مُنَزَّلاً من عند الله بلفظِه، ولكنه مُنَزَّلٌ بمعناه، فجاء في (ص ١٠ سطر ٤): "ويبدو ليَ الأمرُ على النحو التالي: حين نَزَل القرآنُ في أولِ عَهدِه، كان الهدفُ الأولُ للمسلمين نَشْرَ الدعوةِ الإِسلامية، وطبيعيٌّ أن يتركَّزَ الاهتمامُ على الفِكرةِ، وأنْ يَنشغلَ بها الجميع، فكان الرسولُ يَقرأُ النصَّ ويغيِّرُ فيه حَسْبَ الظروف (!!)، ويَسمحُ لِمَنْ يَقدِرُ عليه بقَدْرٍ من المخالفة، وكذلك الأمرُ فيما يتعلق بالأداء" (!!).