٤٠ - إبراهيم المروذى:
من أصحابنا المصنفين، تكرر ذكره فى الروضة، هو بفتح الميم، وضم الراء المشددة، وواو ساكنة، ثم ذال معجمة، منسوب إلى مرو الروذ مدينة بخراسان، وهو الإمام [......] (١) .
* * *
باب إبليس
٤١ - إبليس عدو الله:
مذكور فى المهذب فى باب الإقرار. قال الجوهرى وغيره: كنيته أبو مرة، واختلف العلماء فى أنه من الملائكة من طائفة يقال لهم: الجن، أم ليس من الملائكة؟ وفى أنه اسم عربى أم عجمى؟ والصحيح أنه من الملائكة، وأنه عجمى. قال الإمام أبو الحسن الواحدى: قال أكثر أهل اللغة والتفسير: سمى إبليس؛ لأنه أبلس من رحمة الله تعالى، أى أيس، والمبلس المكتئب الحزين الآيس. قال: وعلى هذا هو عربى مشتق.
وقال ابن الأنبارى: لا يجوز أن يكون مشتقًا من أبلس؛ لأنه لو كان مشتقًا لصرف، كما أن إسحاق إذا كان عربيًا مأخوذًا من أسحقه الله إسحاقًا انصرف، فلو كان إبليس مشتقًا لصرف كأكليل وبابه، فلما لم يصرف دل على أنه عجمى معرفة، والعجمى ليس مشتقًا. وقال ابن جرير: إنما لم يصرف، وإن كان عربيًا؛ لقلة نظيره فى كلام العرب، فشبهوه بالأعجمى، وهذا الذى قاله ابن جرير يبطل بباب إفعيل، فإنه مصروف كله إلا إبليس. قال الواحدى: والاختيار أنه ليس بمشتق؛ لإجماع النحويين على أنه منع الصرف للعجمة والمعرفة.
стр. 107
قال: واختلفوا فى أنه من الملائكة، فروى عن طاووس، ومجاهد، عن ابن عباس أنه كان من الملائكة، وكان اسمه عزازيل، فلما عصى الله تعالى لعنه الله وجعله شيطانًا مريدًا، وسماه إبليس، وبهذا قال ابن مسعود، وابن المسيب، وقتادة، وابن جريج، وابن جرير، واختاره الزجاج، وابن الأنبارى، قالوا: وهى مستثنى من جنس المستثنى منه. قالوا: وقول الله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] ، أى طائفة من الملائكة يقال لهم: الجن.
وقال الحسن، وعبد الرحمن بن زيد، وشهر بن حوشب: ما كان من الملائكة قط، واستثناء منقطع، والمعنى عندهم أن الملائكة وإبليس أمروا بالسجود، فأطاعت الملائكة كلهم وعصى إبليس، والصحيح أنه من الملائكة؛ لأنه لم ينقل أن غير الملائكة أمر بالسجود، والأصل فى الاستثناء أن يكون من جنس المستثنى منه، والله أعلم. وأما إنظاره إلى يوم الدين فزيادة فى عقوبته، وتكثير معاصيه وغوايته، نسأل الله الكريم اللطف وخاتمة الخير.
* * *
باب أبي ض
٤٢ - أبيض بن حمال الصحابى، رضى الله عنه:
مذكور فى المختصر، والمهذب، والوسيط فى إحياء الموات، وحَمَّال بفتح الحاء المهملة، وتشديد الميم، وهو أبو سعيد أبيض بن حمال بن مرثد بن ذى لحيان، بضم اللام، الشيبانى المأربى، بعد الميم همزة ساكنة يجوز تخفيفها بقلبها ألفًا، ثم راء مكسورة وباء موحدة، من أهل مأرب بلدة معروفة باليمن، وسنوضحها فى الميم من اللغات إن شاء الله تعالى.
قال ابن سعد: وفد أبيض على النبى ﷺ إلى المدينة، قال: ويقال: بل لقيه بمكة فى حجة الوداع، حديثه عند أولاده، ذكر له فى المهذب حديثين أحدهما: "إقطاع ملح مأرب"، رواه أبو داود، والترمذى، وابن ماجة، والآخر حديث: "لا حمى فى الأراك" (١) ، رواه أبو داود. وفى الصحابة جماعة يسمون أبيض غيره.
* * *
باب أُبيّ
٤٣ - أُبىّ بن عمارة الصحابى الأنصارى، رضى الله عنه:
راوى حديث ترك
стр. 108
التوقيق فى مسح الخف، مذكور فى المهذب فى مسح الخف، وهو مكسور العين، ويقال: بضمها، والكسر أشهر، وبه جزم أبو نصر بن ماكولا وآخرون من أئمة هذا الشأن، وحكى جماعة فيه الكسر والضم جميعًا، منهم الحافظ أبو عمر بن عبد البر، وأبو بكر البيهقى، وأبو محمد بن الغنى المقدسى، وآخرون، وكل من حكى من الوجهين قال: الكسر أشهر وأكثر، إلا ابن عبد البر، فقال: الأكثرون على الضم، واتفقوا على أنه ليس فى الأسماء عمارة بالكسر غيره. قال ابن أبى حاتم: ويقال: أُبىّ بن عبادة، يعنى بالباء والدال، عداده فى المدنيين، وسكن مصر.
قالوا: وله حديث واحد، وهو أنه صلى مع النبى ﷺ فى بيته إلى القبلتين، فسأله عن المسح على الخف، فقال: "امسح ما شئت ... " الحديث. واتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف مضطرب، وأنكر بعض العلماء كون أُبىّ بن عمارة صحابيًا. قال ابن عبد البر: اضطرب حديثه، ولم يذكره البخارى فى تاريخه الكبير؛ لأنهم يقولون: أنه أخطأ، وإنما هو أبو أُبىّ ابن أم حزام، واسمه عبد الله، هذا كلام ابن عبد البر. وقال ابن أبى حاتم: من قال: أُبىّ بن عمارة أخطأ، إنما هو أبو أُبىّ، واسمه عبد الله بن عمرو ابن أم حزام، كذا رواه إبراهيم بن عبلة، وذكر أنه رآه وسمع منه. وسمعت والدى يقول ذلك، أدخله أبو زرعة فى مسند البصريين، والله أعلم.
٤٤ - أُبىّ بن كعب السيد القارى، رضى الله عنه (١) :
تكرر فى المختصر، وفى المهذب، هو أُبىّ بن كعب بن قيس بن عبيد بن يزيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، واسم النجار تيم اللات، وقيل: تيم الله بن ثعلبة ابن عمرو بن الخزرج الأكبرى الأنصارى الخزرجى النجارى، بالنون، المعادى المدنى، وقيل: أُبىّ بن كعب بن المنذر بن قيس، له كنيتان، إحداهما: أبو المنذر، كناه بها رسول الله ﷺ ، والثانية: أبو الطفيل، كناه بها عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، أى بابنه الطفيل.
وأم أبى صهيلة، بضم الصاد المهملة، بنت الأسود بن حرام، بالراء، ابن عمرو بن زيد مناة بن عدى
стр. 109
بن عمرو بن مالك بن النجار، وهى عمة أبى طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام، والأوس والخزرج هو جماع الأنصار، وهما ابنا حارثة، بالحاء والمثلثة، ابن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرىء القيس بن مازن بن الأسد، ويقال: الأزد بن الغوث، بفتح الغين المعجمة وبالمثلثة، ابن نبت، بفتح النون وإسكان الموحدة، وأما النجار، فقيل: سمى بذلك؛ لأنه اختتن بالقدوم، وقيل: ضرب وجه رجل بالقدوم فنجره، أى نحته.
شهد أُبىّ، رضى الله عنه، العقبة الثانية فى السبعين من الأنصار، رضى الله عنهم، وشهد بدرًا وغيرها من المشاهد مع رسول الله ﷺ ، رُوى له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وأربعة وستون حديثًا، اتفق البخارى ومسلم منها على ثلاثة، وانفرد البخارى بثلاثة، ومسلم بسبعة. روى عنه جماعة من الصحابة منهم أبو ايوب، وابن عباس، وأبو موسى الأشعرى، وآخرون، ومن التابعين ابنه الطفيل، وسويد بن غفلة، وزر بن حبيش، وعبد الرحمن بن الأسود، وعبد الرحمن بن أبى ليلى، وآخرون.
ثبت فى صحيحى البخارى ومسلم عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قرأ على أُبىّ ابن كعب سورة: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١] ، وقال: "أمرنى الله أن أقرأ عليك"، وهى منقبة عظيمة لأُبىّ لم يشاركه فيها أحد من الناس. وفى كتاب الترمذى وغيره أن رسول الله ﷺ قال: "أقرأ أمتى أُبىّ بن كعب" (١) .
وفى الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خذوا القرآن من أربعة: عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبى حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأُبىّ بن كعب، رضى الله عنهم" (٢) . وكان عمر، رضى الله عنه، يقول: أُبىّ سيد المسلمين.
وقال مسروق: كان أصحاب القضاء من أصحاب رسول الله ﷺ ستة: عمر، وعلى، وعبد الله، وأُبىّ، وزيد، وأبو موسى. قال محمد بن سعد، عن الواقدى: أول من كتب لرسول الله ﷺ حين قدم المدينة أُبىّ بن كعب، وهو أول من كتب فى آخر الكتاب: فلان بن فلان. توفى أُبىّ، رضى الله عنه، بالمدينة ودفن بها، قيل: سنة ثلاثين فى خلافة عثمان. قال أبو نعيم الأصبهانى: وهذا هو الصحيح. وقيل: سنة تسع عشرة، وقيل: سنة عشرين، وقيل: سنة اثنتين وعشرين، وقيل: ثنتين وثلاثين.
стр. 110
قال ابن عبد البر: والأكثر أنه مات فى خلافة عمر، وكان أبيض الرأس واللحية، لا يغير شيبه، قصيرًا، نحيفًا، رضى الله عنه وأرضاه، وجعل الجنة مثواه.
* * *
باب أحمد
٤٥ - أحمد بن حنبل الإمام، رضى الله عنه (١) :
تكرر فى المهذب، والوسيط، والروضة، هو الإمام البارع، المجمع على جلالته، وإمامته، وورعه، وزهادته، وحفظه، ووفور علمه، وسيادته، أبو عبد الله أحمد بن محمد ابن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان، بالمثناة، ابن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن على بن بكر بن وائل بن قاسطا بن هنب، بكسر الهاء وإسكان النون وبعدها موحدة، ابن أفصى، بالفاء والصاد المهملة، ابن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان الشيبانى المروزى ثم البغدادى، أبو عبد الله.
خرج من مرو حملاً، وولد ببغداد ونشأ بها، إلى أن توفى بها، ودخل مكة، والمدينة، والشام، واليمن، والكوفة، والبصرة، والجزيرة. سمع سفيان بن عيينة، وإبراهيم بن سعد، ويحيى القطان، وهشيمًا، ووكيعًا، وابن علية، وابن مهدى، وعبد الرزاق، وخلائق. روى عنه شيخه عبد الرزاق، ويحيى بن آدم، وأبو الوليد، وابن مهدى، ويزيد ابن هارون، وعلى بن المدينى، والبخارى، ومسلم، وأبو داود، والذهلى، وأبو زرعة الرازى، والدمشقى، وإبراهيم الحربى، وأبو بكر أحمد بن محمد بن هانىء الطائى الأثرم، والبغوى، وابن أبى الدنيا، ومحمد بن إسحاق الصاغانى، وأبو حاتم الرازى، وأحمد بن أبى الحوارى، وموسى بن هارون، وحنبل بن إسحاق، وعثمان بن سعيد الدارمى، وحجاج بن الشاعر، وعبد الملك بن عبد الحميد الميمونى، وبقى بن مخلد الأندلسى، ويعقوب بن شيبة، وخلائق.
روينا من طرق عن إبراهيم الحربى، قال: رأيت ثلاثة لم نر مثلهما أبدًا: أبا عبيد القاسم ما مثلته إلا بجبل نفخ فيه الروح، وبشر بن الحارث ما شبهته إلا برجل عجن من
стр. 111
قرنه إلى قدمه عقلاً، وأحمد بن حنبل كأن الله جمع له علم الأولين من كل صنف. وروينا عن أبى مسهر، قال: ما أعلم أحدًا يحفظ على هذه الأمة أمر دينها إلا شابًا بالمشرق، يعنى أحمد بن حنبل.
وروينا عن على بن المدينى، قال: قال لى سيدى أحمد بن حنبل: لا تحدث إلا من كتاب. وروينا عن إبراهيم بن خالد، قال: كنا نجالس أحمد، فيذكر الحديث ونحفظه ونتقنه، فإذا أردنا أن نكتبه قال: الكتاب أحفظ شىء، فيثب ويجىء بالكتاب.
وروينا عن الهيثم بن جميل، قال: وددت أنه نقص من عمرى وزيد فى عمر أحمد بن حنبل. وروينا عن أبى زرعة، قال: ما رأيت من المشايخ أحفظ من أحمد بن حنبل، حزرت كتبه اثنى عشر حملاً وعدلاً، كل ذلك كان يحفظه عن ظهر قلبه. وذكر ابن أبى حاتم فى كتابه الجرح والتعديل أبوابًا فى مناقب أحمد بن حنبل، ﵀، فيها جُمل من نفائس أحواله، منها:
عن عبد الرحمن بن مهدى، قال: أحمد أعلم الناس بحديث سفيان الثورى. وعن أبى عبيد، قال: انتهى العلم إلى أربعة: أحمد بن حنبل، وهو أفقههم فيه، وعلى بن المدينى، وهو أعلمهم به، ويحيى بن معين، وهو أكتبهم له، وأبى بكر بن أبى شيبة، وهو أحفظه له. وسُئل أبو حاتم عن أحمد بن حنبل وعلى بن المدينى، فقال: كانا فى الحفظ متقاربين، وكان أحمد أفقه. وقال أبو زرعة: ما رأيت أحدًا أجمع من أحمد بن حنبل، وما رأيت أحدًا أكمل منه، اجتمع فيه زهد، وفقه، وفضل، وأشياء كثيرة. وقال قتيبة: أحمد إمام الدنيا.
وعن الهيثم بن جميل، قال: إن عاش هذا الفتى، يعنى أحمد، فسيكون حجة على أهل زمانه. وقال ابن المدينى: ليس فى أصحابنا أحفظ من أحمد بن حنبل. وقال عمر بن أحمد الناقد: إذا وافقنى أحمد على حديث لا أبالى من خالفنى. وقال الشافعى: ما رأيت أعقل من أحمد بن حنبل، وسليمان بن داود الهاشمى. وقال أبو حاتم: كان أحمد بن حنبل بارع الفهم بمعرفة صحيح الحديث وسقيمه.
وقال صالح بن أحمد بن حنبل: قال أبى: حججت خمس حجج، ثلاثًا منهن راجلاً، أنفقت فى إحداهن ثلاثين درهمًا. قال: وما رأيت أبى قط اشترى رمانًا، ولا سفرجلاً، ولا شيئًا من الفاكهة، إلا أن يشترى بطيخة فيأكلها بخبز أو عنب أو تمر. قال: وكثيرًا ما كان يأتدم بالخل. قال: وأمسك أبى عن مكاتبة إسحاق بن راهوية لما أدخل كتابه إلى عبد الله بن طاهر وقرأه. قال: وقال أبى:
стр. 112
إذا لم يكن عندى قطعة أفرخ. قال: وربما اشترينا الشىء فنستره عنه لئلا يوبخنا عليه.
وقال الميمونى: ما رأيت مصليًا قط أحسن صلاة من أحمد بن حنبل، ولا أشد اتباعًا للسنن منه. وعن الحسن بن الحسين الرازى، قال: حضرت بمصر عند بقال، فسألنى عن أحمد بن حنبل، فقلت: كتبت عنه، فلم يأخذ ثمن المتاع منى، وقال: لا آخذ ثمنًا ممن يعرف أحمد بن حنبل. وقال أبو حاتم: إذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل فاعلم أنه صاحب سُنَّة.
وقال إبراهيم بن الحارث من ولد عبادة بن الصامت: قيل لبشر الحافى حين ضرب أحمد بن حنبل فى المحنة: لو قمت وتكلمت كما تكلم؟ فقال: لا أقوى عليه، وإن أحمد قام مقام الأنبياء. وقال ابن أبى حاتم: سمعت أبا زرعة يقول: بلغنى أن المتوكل أمر أن يمسح الموضع الذى قام الناس فيه للصلاة على أحمد بن حنبل، فبلغ مقام ألفى ألف وخمسائة ألف. قال: وقال الوركانى: أسلم يوم وفاة أحمد بن حنبل عشرون ألفًا من اليهود والنصارى والمجوس. ووقع المأتم فى أربعة أصناف: المسلمين، واليهود، والنصارى، والمجوس.
وأحوال أحمد بن حنبل، ﵀، ومناقبه أكثر من أن تحصر، وقد صنف فيها جماعة، ومقصودى فى هذا الكتاب الإشارة إلى أطراف المقاصد. ولد، ﵀، فى شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، وتوفى ضحوة يوم الجمعة الثانى عشر من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين، ودفن ببغداد، وقبره مشهور معروف يتبرك به، ﵀. وروينا فى تاريخ دمشق جُملاً متكاثرات مما رؤى له قبل وفاته وبعدها من المنامات الصالحات، ﵀.
٤٦ - أحمد بن محمد بن [......] (١) :
أبو الحسن الصابونى، من
стр. 113
أصحابنا أصحاب الوجوه، مذكور فى الروضة فى أوائل الباب السادس من كتاب النكاح، ومن غرائب الصابونى ما حكيته عنه فى الروضة أن أم الزوجة لا تحرم إلا بالدخول بالزوجة كعكسه، وهذا شاذ مردود، والصواب المشهور تحريمها بنفس العقد.
٤٧ - أحمد بن منصور بن راشد الحنظلى الرازى (١) :
مذكور فى المختصر فى باب السلف والرهن. روى عن النضر بن شميل، وعبد الملك بن إبراهيم الجدى. روى عنه موسى بن إسحاق، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وقال: هو صدوق.
٤٨ - أحمد بن سيار بن أيوب:
أبو الحسن الفقيه السيارى، من أصحابنا أصحاب الوجوه، أوجب الأذان للجمعة دون غيرها، كما قاله ابن خيران والأصطخرى. ذكر الخطيب أنه كان إمام أهل الحديث فى بلده علمًا، وأدبًا، وزهدًا، وورعًا، وكان يقاس بعبد الله بن المبارك المروزى. سمع عبدان بن عثمان، وعفان بن مسلم، وسليمان بن حرب، وإسحاق بن راهوية، وغيرهم من شيوخ البخارى ومسلم.
روى عنه البخارى وعامة الخراسانيين. وورد بغداد وحدث بها، فروى عنه من أهلها ابن ناجية، وابن صاعد. وقال الدارقطنى: رحل ابن سيار إلى الشام ومصر، وصَنَّف، وله كتاب فى أخبار مرو. قال: وهو ثقة فى الحديث. وذكر الحاكم أبو عبد الله أنه سمع أبا العباس القاسم بن القاسم السيارى ابن بنت أحمد بن سيار يذكر أن جده أحمد توفى سنة ثمان وستين ومائتين. ومن غرائبه أنه أوجب رفع اليدين فى تكبيرة الإحرام، حكاه القفال فى فتاويه عنه، ولا نعلم أحدًا من العلماء وافقه عليه إلا داود الظاهرى.
* * *
باب أسامة، وإسحاق، وأسلع، وأسلم
٤٩ - أسامة بن زيد الصحابى (٢) :
تكرر فى المختصر، والمهذب. هو مولى رسول الله ﷺ ، وابن مولاه، وابن مولاته، وحبه، وابن حبه، أبو محمد، وقيل: أبو زيد، وقيل: أبو يزيد، وقيل: أبو خارجة، أسامة ابن زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن زيد، وقيل: يزيد بن امرىء القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبدود بن
стр. 114
امرىء القيس بن النعمان بن عمران ابن عهد عوف بن كنانة بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن وبرة بن كلب بن وبرة بن الحارث بن قضاعة الكلبى الهاشمى. وأمه أم أيمن بركة، رضى الله عنها، وسيأتى بيانها فى ترجمتها إن شاء الله تعالى.
روى لأسامة عن رسول الله ﷺ مائة وثمانية وعشرون حديثًا، اتفق البخارى ومسلم منها على خمسة، وانفرد البخارى بحديثين، ومسلم بحديثين. روى عنه ابن عباس، ثم جماعات من كبار التابعين.
روينا فى صحيحى البخارى ومسلم، عن ابن عمر، رضى الله عنهما، قال: بعث رسول الله ﷺ بعثًا وأمّر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس فى إمارته، فقال رسول الله ﷺ : "إن تطعنوا فى إمارته فقد طعنتم فى إمارة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلىَّ، وإن هذا لمن أحب الناس إلىَّ". وزاد فى رواية لمسلم: "وأوصيكم به، فإنه من صالحيكم".
وفى صحيح البخارى، عن أسامة، أن رسول الله ﷺ كان يأخذه والحسن بن على فيقول: "اللهم أحبهما فإنى أحبهما"، أو كما قال. وفى رواية له أيضًا، قال: كان ﷺ يقعدنى على فخذه، ويقعد الحسن على فخذه الأخرى، ثم يضمهما، ثم يقول: "اللهم إنى أرحمهما فارحمهما".
وفى البخارى ومسلم، عن عائشة، رضى الله عنها، أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية، فقالوا: من يجترىء عليه إلا أسامة بن زيد حِب رسول الله ﷺ . وفى البخارى، عن عمرو بن دينار، قال: نظر ابن عمر يومًا إلى رجل يسحب ثيابه فى المسجد، فقال: انظروا من هذا ليت هذا عبدى، قال له إنسان: أما تعرف هذا يا أبا عبد الرحمن؟! هذا محمد بن أسامة بن زيد، فطأطأ ابن عمر رأسه فى الأرض، ثم قال: لو رآه رسول الله ﷺ لأحبه.
وفى كتاب الترمذى، عن عائشة، قالت: أراد النبى ﷺ أن ينحى مخاط أسامة، فقلت: دعنى أفعل، فقال: "يا عائشة، أحبيه فإنى أحبه" (١) ، قال الترمذى: حديث حسن. وروينا فى الترمذى أيضًا، عن أسلم مولى عمر، أن عمر، رضى الله عنه، فرض لأسامة ثلاث آلاف وخمسمائة، وفرض لابن عمر ثلاثة آلاف، فقال: لم فضلت أسامة علىَّ؟ قال: لأن زيدًا كان أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك، وكان أسامة أحب إلى رسول الله ﷺ منك، فآثرت حِب رسول الله ﷺ على حبى. قال
стр. 115
الترمذى: حديث حسن.
ومناقب أسامة، رضى الله عنه، كثيرة مشهورة. وولاه رسول الله ﷺ إمارة الجيش وفيهم عمر، رضى الله عنه، وعقد له اللواء. وتوفى رسول الله ﷺ وله عشرون سنة، وقيل: تسعة عشر، وقيل: ثمانية عشرة. وثبت فى الصحيحين عن عائشة، رضى الله عنها، قالت: دخل على قائف والنبى شاهد وأسامة بن زيد وزيد مضطجعان، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فسر بذلك النبى ﷺ فأعجبه. قال العلماء: سبب سروره ﷺ أن أسامة كان لونه أسود، وكان طويلاً، خرج إلى أمه، وكان أبو زيد قصيرًا أبيض، وقيل: بين البياض والسواد، وكان بعض المنافقين قصد المغايظة والإيذاء، فدفع الله ذلك وله الحمد.
توفى أسامة، رضى الله عنه، بالمدينة، وقيل: بوادى القرى، وحمل إلى المدينة سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة تسع أو ثمان وخمسين، وقيل: سنة أربعين بعد علىّ بقليل. قال ابن عبد البر وغيره: الصحيح سنة أربع وخمسين. وفى تاريخ دمشق فى ترجمة فاطمة بنت أسامة أنها كانت تسكن المزة القرية المعروفة بقرب دمشق، وأن أسامة توفى بقرية له بوادى القرى، وخلف بنتًا له فى المزة يقال لها: فاطمة، فلم تزل مقيمة بها إلى أن ولى عمر بن عبد العزيز، فدخلت عليه فقام لها وأقعدها مكانه، وقال: حوائجك يا فاطمة، قالت: تحملنى إلى أخى، فجهزها وحملها.
وبإسناده عن الأوزاعى قال: دخلت فاطمة بنت أسامة على عمر بن عبد العزيز ومعها مولاة لها تمسك بيدها، فقام لها عمر ومشى إليها حتى جعل يده فى يدها أو يداه فى ثيابها، ومشى حتى أجلسها فى مجلسه، وجلس بين يديها، وما ترك لها حاجة إلا قضاها، رضى الله عنهم.
٥٠ - إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن:
النبى ابن النبى وأبو النبيين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. مذكور فى المهذب فى أول باب ما يحرم من النكاح، هو أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الخليل، أبو أنبياء بنى إسرائيل. والآيات فى فضله كثيرة مشهورة، قال الله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] .
وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ
стр. 116
بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٢، ٧٣] .
وقال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [البقرة: ١٣٦] الآية.
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِى الأَيْدِى وَالأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٥ - ٤٧] .
واختلف العلماء فى الذبيح هل هو إسماعيل أم إسحاق؟ والأكثرون على أنه إسماعيل، وكان إسماعيل أكبر من إسحاق كما سبق فى ترجمة إبراهيم، وسبق هناك أن أم إسحاق سارة، وذكرنا طرفًا من أحوالها. قيل: إنه ولد بعد إسماعيل بأربع عشرة سنة. وثبت فى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قيل له: من أكرم الناس؟ قال: "أكرمهم أتقاهم"، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: "فأكرم الناس يوسف نبى الله ابن نبى الله ابن نبى الله ابن خليل الله" (١) .
وفى الصحيحين عن ابن عمر، رضى الله عنهما، عن النبى ﷺ قال: "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" (٢) صلى الله عليهم وعلى نبينا أجمعين. توفى بالأرض المقدسة، ومشهرو أن قبره عند قبر أبيه، قيل: عاش مائة وثمانين سنة عليه الصلاة السلام.
٥١ - إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة (٣) :
مذكور فى المختصر فى غسل الحيض، هو أبو يحيى إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة زيد بن سهل الأنصارى النجارى، بالنون، المدنى. كان يسكن دار جده بالمدينة، وهو تابعى، سمع عمه لأمه أنس بن مالك، وأباه الطفيل بن أُبىّ بن كعب، وأبا صالح، وآخرين من التابعين. روى عنه يحيى بن سعيد الأنصارى، ويحيى بن أبى كثير، وهما تابعيان، والأوزاعى، ومالك، وعبد العزيز الماجشون، وابن عيينة، وهمام، وحماد بن سلمة، وآخرون.
واتفقوا على أنه ثقة، وأحاديثه مشهورة فى الصحيحين، وهو أشهر إخوته وأكثرهم حديثًا، وهم عبد الله، ويعقوب، وإسماعيل، وعمر بنو عبد الله. وكان مالك لا يقدم عليه فى الحديث أحدًا. توفى سنة ثنتين وثلاثين ومائة. وقيل: سنة أربع وثلاثين.
стр. 117
٥٢ - الأسلع الصحابى، رضى الله عنه:
مذكور فى المهذب فى التيمم، بفتح الهمزة واللام، وسينه مهملة ساكنة، وهو الأسلع بن شريك بن عوف الأعرجى التميمى، خادم رسول الله ﷺ ، وصاحب راحلته، وحديثه مذكور فى المهذب فى صفة التيمم، رويناه فى سنن البيهقى بإسناد ضعيف، وفيه مخالفة لما فى المهذب فى اللفظ وبعض المعنى، وهذا الذى ذكرته من أنه الأسلع بن شريك هو الذى قاله الحفاظ المحققون، منهم أبو عبد الله بن مندة فى معرفة الصحابة، وآخرون.
وروينا فى تاريخ دمشق عن مصنفه، قال فى خدام رسول الله ﷺ : منهم الأسلع بن شريك بن عوف الأعرجى. قال: ويقال: اسم الأسلع ميمون بن يسار، ثم روى عنه حديث التيمم. وقال الحافظ أبو بكر الحازمى: هو الأسلع بن الأسقع الأعرابى، له صحبة، ولا نعلم له غير هذا الحديث، هذا كلام الحازمى. وقد ذكر ابن عبد البر فى كتابه الاستيعاب الأسلع بن الأسقع الأعرابى، له صحبة. روى فى التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، قال: ولا أعلم له غير هذا الحديث، وفيه نظر، هذا كلامه. والصواب أن المذكور فى المهذب هو الأسلع بن شريك، فإن لفظ روايته وسياق حديثه يقتضيه، بل يتعين حمله عليه، والله أعلم.
٥٣ - أسلم مولى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه (١) :
مذكور فى المهذب فى أول القراض وفى إحياء الموات، وفى مسألة كسر الترقوة من كتاب الديات، وفى الجزية. هو أبو خالد، ويقال: أبو زيد القريشى العدوى المدنى، مولى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، من سبى اليمن، هكذا قاله البخارى فى التاريخ، وابن أبى حاتم، وآخرون. وحكى عن سعيد بن المسيب أنه قال: هو حبشى، قالوا: بعث أبو بكر الصديق عمر، رضى الله عنهما، سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، واشترى أسلم. سمع أبا بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وأبا عبيدة، ومعاذ، أو ابن عمر، ومعاوية، وأبا هريرة، وحفصة، رضى الله عنهم.
روى عنه ابنه زيد، والقاسم بن محمد، ونافع، وآخرون. واتفق الحفاظ على توثيقه. وروى له البخارى ومسلم، وحضر الجابية مع عمر. توفى بالمدينة سنة
стр. 118
ثمانين، قاله أبو عبيد القاسم بن سلام. وقال البخارى: صلى عليه مروان بن الحكم، وهذا يخالف الأول؛ لأن مروان بن الحكم مات سنة خمس وستين، وكان معزولاً عن المدينة. قال البخارى فى التاريخ: توفى أسلم وهو ابن مائة وأربع عشرة سنة، والله أعلم.
* * *
باب إسماعيل
قد سبق فى ترجمة آدم أن أسماء الأنبياء كلها أعجمية إلا أربعة، وفى إسماعيل لغتان هذه أشهرهما، وبها جاء القرآن، والثانية: اسمعين، وسبق فى ترجمة إبراهيم أن إسماعيل ونظائره يكتب بحذف الألف.
٥٤ - إسماعيل، رسول رب العالمين، ابن إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليهما وسلم:
تكرر ذكره فى المهذب فى كتاب النكاح. قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٤، ٥٥] .
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] الآيات.
وقال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [البقرة: ١٣٦] الآية.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] .
وقال الله تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِى رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥، ٨٦] .
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنْ الأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٨] .
وروينا فى صحيح البخارى، عن ابن عباس، رضى الله عنهما، قال: كان النبى ﷺ يعوذ الحسن والحسين، رضى الله عنهما: "أعيذكما بكلمات الله التامات من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة"، ويقول: "إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق، صلى الله وسلم عليهم أجمعين".
وفى البخارى أيضًا عن سلمة بن الأكوع، رضى الله عنه، قال: مر رسول الله ﷺ -
стр. 119
على نفر من أسلم يتناضلون، فقال: "ارموا بنى إسماعيل، فإن أباكم كان راميًا" (١) . وفى صحيح مسلم، عن واثلة بن الأسقع، رضى الله عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشم" (٢) .
وفى صحيح البخارى، رضى الله عنه، الحديث الطويل فى قصة إسماعيل وأمه وزمزم، وأن إبراهيم، ﵇، ذهب بإسماعيل وأمه هاجر وهى ترضعه من الشام إلى مكة، فوضعهما تحت دوحة، وهى الشجرة الكبيرة، وليس معهما إلا شنة فيها ماء، وليس بمكة يومئذ أحد، ولا بها ماء، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، ثم رجع إبراهيم فنادته أم إسماعيل: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادى الذى ليس فيه أنيس ولا شىء؟ قالت له ذلك مرارًا ولا يلتفت إليها، فقالت له: آالله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذًا لا يضيعنا، ثم رجعت، فانطلق إبراهيم، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات، فرفع يديه فقال: ﴿رَّبَّنَا إِنِّى أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] الآية.
وجعلت أم إسماعيل ترضعه وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد عطشت وعطش، وجعلت تنظر إليه وهو يتلوى، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل فى الأرض يليها، فقامت عليه، وذكر تمام الحديث فى نداء جبريل لها، وبحثه زمزم، وإثارة الماء منها، وقول جبريل لها: لا تخافوا الضيعة، فإن هاهنا بيتًا لله تعالى يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله تعالى لا يضيع أهله، وإن جرهم جاءوا إليها وطلبوا أن تأذن لهم بالنزول عندها فأذنت، وأن إسماعيل شب وتعلم منهم العربية وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته، وكان إسماعيل يصيد، فلم يجده ووجد امرأته، فشكت ضيق عيشهم، فأوصاها أن يأمره بطلاقها فطلقها.
ثم جاءه مرة أخرى فلم يجده، فسأل امرأته الأخرى عن حالهم، فشكرت الله تعالى، وأتت بخبز، فأوصاها أن يأمره بإمساكها، ثم جاء مرة ثالثة
стр. 120
وجد إسماعيل، فقام إليه وقال له: يا إسماعيل، إن الله قد أمرنى ببناء هذا البيت، وذكر تمام الحديث فى بناء الكعبة. وقد سبق بيان حال أمه هاجر، ومتى توفيت فى ترجمة إبراهيم، وقد سبق أن إسماعيل كان أكبر من إسحاق، وسبق فى ترجمة إسحاق الاختلاف فى الذبيح، وأن الأكثرين على أنه إسماعيل.
٥٥ - إسماعيل بن إبراهيم، المعروف بابن علية:
مذكور فى المختصر فى نكاح المشرك، والأضحية، وهو الإمام أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم بن شهم بن مقسم الأسدى، أسد خزيمة، مولاهم البصرى، أصله كوفى، ويقال له: ابن علية، هى أمه، وكان يكره أن يُنسب إليها، ويجوز نسبته إليها للتعريف. سمع جماعات من التابعين، منهم يزيد بن حميد، ومحمد بن المنكدر، ويزيد الرشك، وعبد العزيز بن صهيب، وأيوب، والعلاء، وعبد الرحمن، وعبد الله بن عوف، وآخرون من التابعين، وجماعات من غيرهم، منهم ابن أبى نجيح، وابن جريج، ومالك، والثورى، وشعبة، وآخرون. روى عنه خلائق من الأعلام، منهم ابن جريج، وإبراهيم بن طهمان، وشعبة، وحماد بن زيد، وعبد الرحمن بن مهدى، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وابن راهوية، وابن المدينى، وخلائق.
واتفقوا على جلالته، وتوثيقه، وحفظه، وإمامته. قال شعبة: ابن علية ريحانة الفقهاء. وفى رواية: سيد المحدثين. وقال غندر: نشأت فى الحديث، وليس أحد يُقَدَّم فيه على ابن علية. وقال أحمد بن حنبل: إلى ابن علية المنتهى فى التثبت بالبصرة. وقال ابن معين: كان ثقة، مأمونًا، صدوقًا، مسلمًا، ورعًا، تقيًا.
وقال محمد بن سعد: إسماعيل بن إبراهيم مولى عبد الرحمن بن قطبة الأسدى، أسد خزيمة، كان أبوه تاجرًا من أهل الكوفة، وكان يقدم البصرة بتجارته، فتزوج بها علية بنت حسان مولاة لبنى شيبان، وكانت امرأة نبيلة عاقلة. قال: وكان إسماعيل ثقة، ثبتًا فى الحديث، ولى صدقات البصرة، وولى بغداد فى آخر خلافة هارون، واستوطن بغداد وتوفى بها، ودفن فى مقابر عبد الله بن مالك، وصلى عليه ابنه إبراهيم.
روينا عن عمر بن زرارة، قال: صحبت ابن علية أربعة عشرة سنة، فما رأيته ضحك فيها، وصحبته تسع سنين، فما رأيته
стр. 121
تبسم فيها. قال الخطيب: حدث عن ابن علية: ابن جريج، وموسى بن سهل الوشا، وبين وفاتيهما مائة وعشرون سنة، وقيل: تسعة وعشرون سنة، وحدث عنه ابن طهمان، وبين وفاته ووفاة الوشا مائة وعشر سنين، وقيل: مائة وخمس وعشرون. وحدث عنه شعبة، وبين وفاته ووفاة الوشا مائة وثمانى عشرة سنة، توفى الوشا أول ذى القعدة سنة ثمان وتسعين ومائتين. قال البخارى: قال ابن المثنى: توفى ابن علية سنة أربع وتسعين ومائة. وقال أحمد: سنة ثلاث وتسعين. قال: وولد سنة عشر ومائة.
٥٦ - إسماعيل بن أبى خالد التابعى (١) :
مذكور فى خراج السواد من المختصر. هو أبو عبد الله إسماعيل بن أبى خالد هرمز، وقيل: سعد، وقيل: كثير البجلى الأحمسى، مولاهم الكوفى التابعى. رأى سلمة ابن الأكوع، وأنس بن مالك، وسمع ابن أبى أوفى، وعمر بن حريث، وأبا جحيفة، وابا كاهل قيس بن عائذ، بالذال المعجمة، وكلهم صحابة. وسمع جماعات من كبار التابعين، منهم قيس بن أبى حازم، وابن أبى ليلى، والشعبى، والسبيعى، والزبير بن عدى، وخلائق. روى عنه مالك بن مغول، والثورى، وابن عيينة، وشعبة، وابن المبارك، وخلائق من الأئمة الأعلام.
قال مروان بن معاوية: كان إسماعيل يسمى الميزان. وقال سفيان: حفاظ الإسلام ثلاثة: إسماعيل بن أبى خالد، وعبد الملك بن أبى سليمان، ويحيى الأنصارى، وهو أعلم الناس بالشعبى. قال ابن المدينى: له نحو ثلاثمائة حديث. قال الخطيب: حدث عنه الحاكم، ويحيى بن هشام، وبين وفاتيهما نحو مائة وعشر سنين. توفى إسماعيل سنة خمس وأربعين ومائة، واتفقوا على توثيقه وجلالته. روى له البخارى، ومسلم.
٥٧ - إسماعيل بن أبى القاسم البوشنجى:
من أصحابنا المتأخرين، تكرر كثيرًا فى الروضة فى الخلع والطلاق. قال أبو سعد السمعانى فى الأنساب: هو منسوب إلى بوشنج، بضم الباء الموحدة، وفتح الشين المعجمة بعدها نون ساكنة، ثم جيم. قال: وقد يعرب فيقال: فوشنج، بالفاء. قال: ويقال: بوشنك، وهى بلدة على سبعة فراسخ من هراة. وإسماعيل هذا هو أبو سعيد إسماعيل بن أبى القاسم عبد الواحد بن إسماعيل بن محمد.
قال السمعانى:
стр. 122
كان فاضلاً، غزير العلم، حسن المعرفة بالمذهب، جميل السيرة، مرضى الطريقة، كثير العبادة، دائم الذكر، خشن العيش، قانعًا باليسير، راغبًا فى نشر العلم، لازمًا للسنة، غير ملتفت إلى الأمراء وأبناء الدنيا، سمع بنيسابور الحافظ أبا صالح المؤذن، وأحمد بن خلف الشيرازى، وغيرهما، وبأصبهان أبا الفضل حمد بن أحمد الحداد، وغيره، وببغداد حين وردها حاجًا أبا على بن تيهان، وغيره.
سمع منه أبو سعد السمعانى، وحدث عنه الحافظ أبو القاسم بن عساكر فى معجمه، وسكن هراة حتى توفى بها، وكان مفتيها، وصنف فى المذهب. وذكره أبو الحسن عبد الغافر، فقال: هو شاب نشأ فى عبادة الله تعالى، مرضى السيرة، جار على منوال أبيه أبى القاسم البوشنجى الفقيه، وهو فقيه مدرس، مناظر، ورع، زاهد، دخل نيسابور، وحضر مجالس النظر، فارتضاه الأئمة والفقهاء. وقال الإمام أبو القاسم الرافعى: هو إمام غواص متأخر، لقيه من لقينا. ولد إسماعيل سنة إحدى وستين وأربعمائة، وتوفى بهراة سنة ست وثلاثين وخمسمائة، ﵀.
٥٨ - الأسود بن يزيد التابعى (١) :
مذكور فى المهذب فى أول الفوات والإحصار، وفى ميراث الأخوات. هو أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الرحمن الأسود بن يزيد بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة ابن سلامان بن كهيل النخعى الكوفى التابعى الفقيه الإمام الصالح، أخو عبد الرحمن ابن يزيد، وابن أخى علقمة بن قيس، وكان أسن من علقمة، وهو خال إبراهيم بن يزيد النخعى الفقيه. رأى أبا بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، رضى الله عنهما. وروى عن على، وابن مسعود، ومعاذ، وأبى موسى، وعائشة. روى عنه ابنه عبد الرحمن بن الأسود، وأخوه عبد الرحمن بن يزيد، وإبراهيم النخعى، وآخرون.
قال أحمد بن حنبل: هو ثقة، من أهل الخير. واتفقوا على توثيقه وجلالته. وروينا عن ميمون بن أبى حمزة، قال: سافر الأسود بن يزيد ثمانين حجة وعمرة، لم يجمع بينهما، وسافر ابنه عبد الرحمن ثمانين حجة وعمرة لم يجمع بينهما. وروينا أن ابنه عبد الرحمن كان يصلى كل يوم سبعمائة ركعة، وكانوا يقولون: إنه أقل أهل بيته اجتهادًا، وإنه صار عظمًا وجلدًا، رضى الله عنهم.
стр. 123
٥٩ - أسيفع جهينة:
مذكور فى التفليس من المهذب، والوسيط، هو بضم الهمزة، وفتح السين، وإسكان الياء، وفتح الفاء.
* * *
باب أشيم، وأشعث، وأفلح، والأقرع، وأكيدر
٦٠ - أشيم الضبابى:
مذكور فى المهذب فى موضعين فى باب استيفاء القصاص، وفى كتاب القاضى إلى القاضى، لا ذكر له فى هذه الكتب فى غير هذين الموضعين، هو بفتح الهمزة، والياء المثناة تحت، وإسكان السين المعجمة بينهما، والضبابى بكسر الضاد المعجمة، وبباء موحدة مكررة، وحديث قصته أن النبى ﷺ كتب إلى الضحاك بن سفيان أن ورث امرأة أشيم الضبابى من دية زوجها، رواه أبو داود، والترمذى، والنسائى، وغيرهم. قال الترمذى: حديث حسن صحيح. وروى الحافظ أبو موسى الأصبهانى بإسناده، عن أنس قال: كان قتل أشيم خطأ، وهو صحابى ذكره ابن عبد البر وغيره فى الصحابة، رضى الله عنهم.
٦١ - الأشعث بن قيس الصحابى (١) :
مذكور فى المهذب فى كفالة البدن، وذكره فى الوسيط فى أول النكاح. هو أبو محمد الأشعث بن قيس بن معد يكرب، جد معاوية بن جبلة بن عدى بن ربيعة بن الحارث ابن معاوية بن الحارث الأصغر بن معاوية بن الحارث الأكبر بن معاوية بن ثور بن مرتع، بضم الميم، وفتح الراء، وكسر التاء المثناة فوق المشددة، ابن معاوية بن ثور بن عفير الكندى، وثور بن عفير هو كندة، وإنما قيل له: كندة؛ لأنه كند أباه النعمة، أى كفرها، ومنه قول الله : ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] .
وفد الأشعث إلى النبى ﷺ سنة عشر من الهجرة فى وفد كندة، وكانوا ستين راكبًا، فأسلموا ورجع إلى اليمن، وكان الأشعث ممن ارتد بعد النبى ﷺ ، فبعث أبو بكر، رضى الله عنه، الجنود إلى اليمن فأسروه، فأحضروه بين يديه فأسلم، وقال: استبقنى لحربك وزوجنى أختك، فأطلقه أبو بكر وزوجه أخته، وهى أم محمد بن الأشعث.
وشهد الأشعث اليرموك بالشام،
стр. 124
ثم القادسية بالعراق، والمدائن، وجلولاء، ونهاوند، وسكن الكوفة، وشهد صفين مع على، رضى الله عنه، وشهد الحكمين بدومة الجندل، وكان عثمان استعمله على أذربيجان، وكان الحسن بن على تزوج ابنته. رُوى له عن رسول الله ﷺ تسعة أحاديث، اتفق البخارى ومسلم على حديث منها، روى عنه قيس ابن أبى حازم، وأبو وائل، والشعبى، وآخرون. نزل الكوفة وتوفى بها بعد قتل على بن أبى طالب بأربعين ليلة، وقيل: بعده سنة ثنتين وأربعين.
٦٢ - أفلح أخو أبى القعيس الصحابى:
مذكور فى كتاب الرضاع، هو عم عائشة، رضى الله عنها، من الرضاع، وحديثه فى الصحيح مشهور، ويقال: أفلح بن أبى القعيس، ويقال: أفلح أبو القعيس، والصحيح أخو أبى القعيس. قال الخطيب فى كتابه الأسماء المبهمة: كنيته أبو الجعد.
٦٣ - الأقرع بن حابس (١) :
مذكور فى المختصر فى قسم الفىء، وفى خراج السواد، وفى المهذب فى قسم الصدقات، وفى الحج، وفى إحياء الموات فى باب الإقطاع، وفى الوسيط فى قسم الصدقات. هو الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن درام بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم التميمى. شهد مع رسول الله ﷺ فتح مكة، وحنينًا، وحصار الطائف، وشهد مع خالد بن الوليد فتح العراق والأنبار، وكان على مقدمى خالد. قال ابن دريد: اسم الأقرع فراس، ولقب الأقرع بقرع كان فى رأسه، وكان شريفًا فى الجاهلية والإسلام، واستعمله عبد الله بن عامر على جيش بعثه إلى خراسان، فأصيب بالجوزجان هو والجيش، رضى الله عنهم.
٦٤ - أكيدر دومة:
مذكور فى المهذب فى باب الجزية، وفى المختصر قبيل باب الجزية، هو بضم الهمزة وفتح الكاف. قال الخطيب البغدادى: هو أكيدر بن عبد الملك بن عبد الحق بن أعياء بن الحارث بن معاوية الكندى، هكذا ذكر نسبه الخطيب. وقال الشافعى، رضى الله عنه، فى المختصر: يقال: إنه من غسان أو كندة. قال الخطيب
стр. 125
فى كتابه الأسماء المبهمة: كان نصرانيًا ثم أسلم، وقيل: بل مات نصرانيًا، هذا كلام الخطيب. وقال أبو عبد الله بن مندة، وأبو نعيم الأصبهانى فى كتابيهما فى معرفة الصحابة: إن أكيدر هذا أسلم، وأهدى إلى رسول الله ﷺ حلة سيراء، فوهبها لعمر بن الخطاب، رضى الله عنه.
قال ابن الأثير: أما الهدية والمصالحة فصحيحان. قال: وأما الإسلام فغلطا فيه، فإنه لم يسلم بلا خلاف بين أهل السير، ومن قال: إنه أسلم، فقد أخطأ خطأ فاحشًا. قال: وكان أكيدر نصرانيًا، فلما صالحه رسول الله ﷺ عاد إلى حصنه وبقى فيه، ثم إن خالدًا حاصره فى زمن أبى بكر الصديق، رضى الله عنه، فقتله مشركًا نصرانيًا، يعنى لنقضه العهد. قال: وذكر البلاذرى أن أكيدر لما قدم على رسول الله ﷺ أسلم، وعاد إلى دومة، فلما توفى رسول الله ﷺ ارتد أكيدر ومنع ما قبله، فلما سار خالد من العراق إلى الشام قتله، وعلى هذا القول ينبغى أيضًا ألا يذكر مع الصحابة، فإن المرتد لا يذكر معهم، وبالله التوفيق.
* * *
باب إلياس، وامرؤ القيس، وأمية
٦٥ - إلياس رسول رب العالمين:
مذكور فى المهذب فى باب الوقف. قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] . وقال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنعام: ٨٥] الآيات، وقرأ الجمهور: "وأن إلياس" بتحقيق الهمزة المكسورة، وعن ابن ذكوان وصلها. وفى صحيح البخارى فى كتاب الأنبياء، قال: ويذكر عن ابن مسعود وابن عباس أن إلياس هو إدريس.
٦٦ - إلياس بن مضر:
مذكور فى المهذب، والروضة فى الفىء، وهو جد قريش، سبق بيان نسبه فى نسب رسول الله ﷺ ، وهو بكسر الهمزة على الصحيح الأشهر. وقال القاضى عياض فى المشارق: ضبطه ابن الأنبارى بفتح الهمزة ولام التعريف. وقال ابن دريد: بكسرها من اليأس الذى هو ضد الرجاء. قال: وأما إلياس النبى، فبالكسر لا غير.
٦٧ - امرؤ القيس:
الشاعر المشهور. مذكور فى المختصر فى التعريض بالخطبة،
стр. 126
أنشد له البيتين، وقد أنشدهما صاحب المهذب. هو الشاعر المشهور الجاهلى، هو امرؤ القيس بن حجر، بضم الحاء، ابن الحارث بن عمر بن حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن يغوث بن ثور بن مرتع، بضم الميم وفتح الراء وكسر المثناة فوق المشددة، ابن معاوية بن كندة.
قال محمد بن سلام: كان امرؤ القيس بن حجر الكندى بعد مهلهل، ومهلهل خاله، وطرفة، وعبيد، بفتح العين، ابن الأبرص، وعمرو بن قمئة، بفتح القاف وكسر الميم وبعدها همزة، والمتملمس، كلهم فى عصر واحد. قال: وكان أول من قصد القصائد وذكر الوقائع المهلهل، واسمه عدى، وإنما قيل له: المهلهل، لهلهلة شعره، وهو اضطرابه واختلافه، وكان عمرو بن قمئة معلم امرىء القيس، ضمه أبوه إليه ليحسن أدبه، وخرج معه إلى بلاد الروم.
٦٨ - أمية بن أبى الصلت الكافر:
مذكور فى المختصر، والمهذب فى الشهادات. سمع النبى ﷺ شعره الذى فيه حكمة. واسم أبى الصلت: عبد الله بن ربيعة بن عوف بن عقدة بن غيرة، بكسر الغين المعجمة، ابن عوف بن قسى، وهو ثقيف الثقفى، كان أمية يتعبد فى الجاهلية، ويؤمن بالبعث، وينشد فى أبياته الشعر المليح، وأدرك الإسلام ولم يسلم. ثبت فى صحيح مسلم، عن الشريد بن سويد، رضى الله عنه، قال: ردفت رسول الله ﷺ يومًا، فقال: "هل معك من شعر أمية بن أبى الصلت شىء؟ "، قلت: نعم، قال: "هيه"، فأنشدته بيتًا، فقال: "هيه"، ثم أنشدته بيتًا، فقال: "هيه"، حتى أنشدته مائة بيت، فقال: "إن كاد ليسلم"، وفى رواية: "فلقد كان يسلم فى شعره" (١) .
* * *
باب أنجشة، وأنس، وأنيس
٦٩ - أنجشة الصحابى، رضى الله عنه:
مذكور فى المهذب فى الشهادات فى سماع الحدا، حديثه فى الصحيح. هو بفتح الهمزة، وإسكان النون، وفتح الجيم، وبالشين المعجمة، كان عبدًا أسود، حسن الصوت، فحدا بأمهات المؤمنين فى حجة الوداع، فأسرعت الإبل، فقال النبى ﷺ : "رويدك يا أنجشة، رفقًا بالقوارير" (٢) . وحديثه هذا فى الصحيحين
стр. 127
من رواية أنس، لكن لم يذكر أنه فى حجة الوداع، وهو مذكور فى غيرهما.
٧٠ - أنس بن عياض (١) :
تكرر فى المختصر. هو أبو ضمرة أنس بن عياض بن ضمرة الليثى المدنى، سمع ربيعة، وأبا حازم، وصالح بن كيسان، وشريكًا، وآخرين من التابعين. روى عنه بقية بن الوليد، والشافعى، وأحمد بن حنبل، وابن المدينى، والقعنبى، وقتيبة، والحميدى، وآخرون من الأئمة. واتفقوا على تعديله. وروى له البخارى، ومسلم. ولد سنة أربع ومائة، وتوفى سنة ثمانين ومائة، وقيل: سنة مائتين.
٧١ - أنس بن مالك (٢) :
تكرر فى هذه الكتب. هو أبو حمزة أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم، بفتح الضادين المعجمتين، ابن زيد بن حرام، بالراء، ابن جندب، بضم الدال وفتحها، ابن عامر بن غنم، بفتح الغين المعجمة وإسكان النون، ابن عدى بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة الأنصارى الخزرجى النجارى النضرى. خادم رسول الله ﷺ ، كان يتسمى بذلك ويفتخر به، وحق له ذلك. كناه رسول الله ﷺ أبا حمزة ببقلة كان يحبها. وأمه أم سليم، وسأوضح أحوالها فى ترجمتها إن شاء الله تعالى.
خدم أنس النبى ﷺ عشر سنين، وهى مدة إقامته بالمدينة ﷺ ، ثبت ذلك فى الصحيح. وحمل عنه حديثًا كثيرًا، فروى ألفى حديث ومائتين وستة وثمانين حديثًا، اتفق البخارى ومسلم منها على مائة وثمانية وستين، وانفرد البخارى بثلاثة وثمانين، ومسلم أحد وسبعين. وكان أكثر الصحابة أولادًا لدعاء رسول الله ﷺ .
روينا فى صحيح البخارى ومسلم، عن أنس، رضى الله عنه، قال: دخل النبى ﷺ على أم سليم، يعنى أمه، فأتته بتمر وسمن، فقال: "أعيدوا سمنكم فى سقائه، وتمركم فى وعائه"، ثم قام إلى ناحية البيت، فصلى غير المكتوبة، فدعا لأم سليم وأهل بيتها، فقالت: يا سول الله، إن لى حويجة، قال: "ما هى؟ "، قالت: خادمك أنس، فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا به: "اللهم ارزقه مالاً وولدًا، وبارك له"، قال: فإنى لمن أكثر الأنصار مالاً. وحدثتنى بنتى أمينة أنه دفن لصلبى إلى مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة، هذا لفظ البخارى.
واتفق العلماء على مجاوزة عمره مائة سنة، والصحيح الذى عليه الجمهور أنه توفى سنة ثلاث وتسعين،
стр. 128
وقيل: سنة تسعين، وقيل: إحدى وتسعين، وقيل: اثنتين وتسعين، وقيل: خمس وتسعين، وقيل: سبع وتسعين. وثبت فى الصحيح أنه كان له قبل الهجرة عشر سنين، فعمره فوق المائة كما ترى. وأما ما نقل عن حميد، أن عمر أنس مائة إلا سنة، فشاذ مردود. وتوفى بالبصرة خارجها على نحو فرسخ ونصف، ودفن هناك فى موضع هناك يُعرف بقصر أنس، رضى الله عنه، وكان له بستان يحمل فى سنة مرتين، وكان فيه ريحان يجىء منه ريح المسك، كان أحد الرماة المصيبين.
قال محمد بن عبد الله الأنصارى: خرج مع رسول الله ﷺ إلى بدر وهو غلام يخدمه. قال ابن قتيبة فى المعارف: ثلاثة من أهل البصرة لم يموتوا حتى رأى كل واحد منهم مائة ذكر من صلبه: أنس بن مالك، وأبو بكرة، وخليفة بن بدر. روى البخارى فى تاريخه، عن قتادة، قال: لما مات أنس قال مورق: ذهب اليوم مصف العلم، قيل له: كيف ذلك؟ قال: كان الرجل من أهل الأهواء إذ خالفنا فى الحديث قلنا: تعال إلى من سمعه من النبى ﷺ .
٧٢ - أنس بن النضر الصحابى، رضى الله عنه:
مذكور فى المهذب فى أول باب القصاص فى الجروح والأعضاء. هو أنس بن النضر بن ضمضم، وباقى نسبه سبق فى ترجمة ابن أخيه أنس بن مالك. استشهد يوم أُحُد، وفى صحيح البخارى، عن أنس بن مالك، قال: غاب عمى أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال رسول الله ﷺ : "غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين"، فقال: والله لئن أشهدنى الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أُحُد انكشف المسلمون، فقال: اللهم إنى أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، يعنى المشركين، ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: أى سعد هذه الجنة ورب أنس أجد ريحها دون أُحُد، فقاتل فَقُتِلَ، فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم. قال أنس: كنا نرى أن هذه الآية نزلت فيه وفى أشباهه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] . وثبت أن رسول الله ﷺ قال فى حقه: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره".
٧٣ - أنيس الصحابى (١) :
بالتصغير، مذكور فى المختصر فى الحدود، وتكرر فى
стр. 129
المهذب، حديثه: "واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" (١) ، وهو ثابت فى الصحيحين مشهور من رواية زيد بن خالد، وأبى هريرة. وأنيس هذا هو أنيس بن الضحاك الأسلمى، معدود فى الشاميين. وقال ابن عبد البر: يقال له: أنيس بن مرثد. قال ابن الأثير: الأول أشبه بالصحة؛ لكثرة الناقلين له، ولأن النبى ﷺ كان يقصد أن لا يؤمر فى القبيلة إلا رجل منها؛ لنفورهم من حكم غيرهم، وكانت المرأة أسلمية، والله أعلم.
* * *
باب أوس
٧٤ - أوس بن أوس الصحابى، رضى الله عنه:
راوى حديث: "من غسل واغتسل وبكر وابتكر" (٢) . ذكره فى المهذب فى الجمعة، وذكر حديثه فى الوسيط أيضًا، لكن لم يذكر أن أوسًا رواه، وهو حديث حسن رواه أبو داود، والترمذى، وغيرهما. وهو أوس بن أوس الثقفى. وقال يحيى بن معين: يقال له: أوس بن أوس، ويقال له: أويس بن أبى أوس. وقال البخارى: أوس بن أوس، وأوس ابن أبى أوس، وأوس بن حذيفة، الثلاثة اسم لرجل واحد، ووافقه جماعة، وخالفه بعضهم فجعلوهم ثلاثة. نزل أوس هذا دمشق، ومسجده وداره بها فى درب القتلى، وقبره بها، روى حديثين فى الجمعة، حديث: "من غسل واغتسل"، وحديث: "أكثروا من الصلاة علىَّ"، وحديثًا فى الصيام.
٧٥ - أوس بن الصامت الصحابى، رضى الله عنه (٣) :
مذكور فى الظهار فى المهذب. هو أخو عبادة بن الصامت، وهو أوس بن الصامت ابن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن غوير بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصارى الخزرجى. شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وهو الذى ظاهر من امرأته. قال ابن عباس، رضى الله عنه: وكان ذلك أول ظهار جرى فى الإسلام، وكان شاعرًا، سكن
стр. 130
بيت المقدس، وقيل: الرملة، وتوفى بالرملة سنة اثنتين وثلاثين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.
* * *
باب إياس، وأيمن، وأيوب
٧٦ - إياس بن عبد الصحابى، رضى الله عنه:
مذكور فى المهذب فى أول باب أحكام المياه. هو أبو عوف، وقيل: أبو الفرات إياس ابن عبد المزنى الكوفى، وقيل: الحجازى، روى حديث النهى عن بيع الماء، رواه أبو داود، والترمذى، والنسائى، وغيرهم. ووقع فى المهذب: إياس بن عمرو، وفى رواية الترمذى: إياس بن عبد الله، وكلاهما خطأ، والصواب: إياس بن عبد، غير مضاف، والله أعلم.
٧٧ - أيمن ابن أم أيمن:
مذكور فى المهذب فى أول باب تكبير العيد. هو أيمن بن عبيد بن عمرو بن بلال بن أبى الجرباء بن قيس بن مالك بن سالم بن غنم بن عوف بن الخزرج، وهو أيمن ابن أم أيمن حاضنة النبى ﷺ ، وأخو أسامة بن زيد لأمه، وأيمن صحابى جليل مشهور، استشهد يوم حنين. قال ابن إسحاق: كان أيمن على مطهرة النبى ﷺ ، وله ابن يقال له: الحجاج بن أيمن. وقد روى عطاء ومجاهد حديثًا عن أيمن: "لا قطع إلا فى ثمن المجن"، وهو مرسل، لم يدركاه.
٧٨ - أيوب النبى، ﵇:
مذكور فى المهذب فى الوقف، وفى الإيمان. قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّى مَسَّنِىَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لأُوْلِى الأَلْبَابِ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤١-٤٤] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [النساء: ١٦٣] الآيات.
وقال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّى مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ﴾ [الأنبياء: ٨٣، ٨٤] الآية.
وروينا فى صحيح البخارى، عن أبى هريرة، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "بينما أيوب يغتسل عريانًا، إذ خرَّ عليه جراد من ذهب، فجعل
стр. 131
يحثى فى ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى بى عن بركتك" (١) . وكان أيوب ببلاد حوران، وقبره مشهور عندهم فى قرية بقرب نوى، عليه مشهد ومسجد، وقرية موقوفة على مصالحه، وعين جارية فيها قدم فى حجر يقولون إنه أثر قدمه، ويغتسلون من العين ويشربون متبركين، ويقولون: إنها المذكورة فى القرآن، وهى قطع كبير جدًا فى وسط صخرة عظيمة، وعليها مشهد، وهناك صخرة عليها مشهد يقولون: إنه كان يستند إليها، ويزورونها ويعتقدون بركة تلك المواضع كلها، والله أعلم.
٧٩ - أيوب السختيانى (٢) :
مذكور فى المختصر فى الربا. هو الإمام التابعى أبو بكر أيوب بن أبى تميمة، واسم أبى تميمة كيسان العبرى، ويقال: الجهنى، مولاهم البصرى السختيانى، بكسر التاء. قال ابن عبد البر وغيره: كان يبيع السختيان بالبصرة، فقيل له: السختيانى. رأى أنس بن مالك، وسمع عمرو بن سلمة، بكسر اللام، الجرمى، وأبا رجاء العطاردى، وأبا عثمان النهدى، وأبا الشعثاء جابر بن زيد، والحسن البصرى، وابن سيرين، وسالم بن عبد الله، ونافعًا، وابن أبى مليكة، وابن المنكدر، وغيرهم من كبار التابعين وغيرهم.
وروى عنه جماعة من التابعين، منهم شيخه محمد بن سيرين، وعمرو بن دينار، وقتادة، وحميد الطويل، ويحيى بن أبى كثير، وابن عون، والأعمش، وغيرهم. وروى عنه من تابعى التابعين وأعلام الأئمة مالك، والثورى، وابن عيينة، والحمادان، وابن أبى عروبة، وابن علية، ومعمر، وخلائق. واتفقوا على جلالته، وإمامته، وحفظه، وتوثيقه، ووفور علمه، وفهمه، وسيادته.
روينا عن شعبة، قال: حدثنى أيوب، وكان سيد الفقهاء. وروينا عن الحميدى صاحب ابن عيينة، قال: لقى ابن عيينة ستة وثمانين من التابعين، وكان يقول: ما لقيت فيهم مثل أيوب. وروينا عن الحسن البصرى، قال: أيوب سيد شباب أهل البصرة. وفى رواية، قال: أيوب سيد الفتيان. وروينا عن محمد بن سعد، قال: كان أيوب ثقة، ثبتًا فى الحديث، جامعًا، كثير العلم، عدلاً، حجة.
وقال مسلم بن أكيس: قلت لمحمد بن سيرين: من حدثك بحديث كذا وكذا؟
стр. 132
قال: الثبت الثبت أيوب. وقال أبو حاتم: هو أحب إلىَّ فى كل شىء من خالد، وهو ثقة لا يُسأل عن مثله، وهو أكبر من سليمان التيمى، ولا يبلغ التيمى منزلة أيوب. وقال البخارى، عن على بن المدينى: له نحو ثمانمائة حديث. وقال ابن علية: كنا نقول: حديث أيوب ألفا حديث، فما أقل ما ذهب عنى منها. وقال حماد بن زيد: كان أيوب عندى أفضل مَن جالسته وأشدهم اتباعًا للسنة. ومناقبه كثيرة مشهورة. توفى سنة إحدى وثلاثين ومائة، ﵀.
* * *
حرف الباء الموحدة
باب البراء، وبريدة، وبشر، وبشير
٨٠ - البراء بن عازب الصحابى، رضى الله عنهما (١) :
متكرر فى هذه الكتب، هو بتخفيف الراء وبالمد، هذا هو الصحيح المشهور عند طوائف العلماء من أهل الحديث، والتاريخ، والأسماء، واللغات، والمؤتلف والمختلف، وغيرهم، وحكى فيه القصر. وهو أبو عمارة، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو الطفيل البراء بن عازب بن الحارث بن عدى بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصارى الأوسى الحارثى المدنى، أمه أم حبيبة بنت أبى حبيبة، وقيل: أم خالد بنت ثابت، وأبوه عازب صحابى.
ذكر محمد بن سعد فى الطبقات أنه أسلم. روى للبراء عن النبى ﷺ ثلاثمائة حديث وخمسة أحاديث، اتفق البخارى ومسلم منها على اثنين وعشرين، وانفرد البخارى بخمسة عشرة، ومسلم بستة. روى عنه عبد الله بن يزيد الخطمى، وأبو جحيفة الصحابيان، وجماعة من التابعين منهم الشعبى، وابن أبى ليلى، والسبيعى، ومعاوية بن سويد، وأبو المنهال سيار بن سلامة، وغيرهم. نزل الكوفة وتوفى بها زمن مصعب بن الزبير. استصغره النبى ﷺ يوم بدر، وأول مشاهده أُحُد.
روينا فى صحيح البخارى، عن البراء، قال: استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر. وفى البخارى، عن البراء، قال: غزوت مع النبى ﷺ خمس عشرة غزوة. وفى البخارى أيضًا، عن البراء، قال: يعدون الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة
стр. 133
فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع رسول الله ﷺ أربع عشرة ومائة، وذكر تمام الحديث.
وفى البخارى أيضًا، عن البراء بن عازب: ما جاء رسول الله ﷺ إلى المدينة مهاجرًا حتى قرأت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] فى سور مثلها من المفصل. وشهد البراء مع أبى موسى غزوة تستر، وشهد مع على، رضى الله عنه، الجمل، وصفين، والنهروان، هو وأخوه عبيد بن عازب، وكان للبراء ابنان: يزيد، وسويد، رضى الله عنه وعنهما.
٨١ - بريدة بن الحصيب، رضى الله عنه (١) :
تكرر فى المهذب، والوسيط، والروضة. هو أبو عبد الله، ويقال: أبو سهل، ويقال: أبو الحصيب، ويقال: أبو ساسان بريدة بن الحصيب، بضم الحاء المهملة، ابن عبد الله بن الحرب بن الأعرج بن سعد بن رزاح الأسلمى. سكن المدينة، ثم البصرة، ثم مرو، وتوفى بها سنة اثنتين وستين، وهو آخر من توفى من الصحابة، رضى الله عنهم، بخراسان. رُوى له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وأربعة وستون حديثًا، اتفق البخارى ومسلم على حديث، وانفرد البخارى بحديثين، ومسلم بأحد عشر. أسلم بريدة قبل بدر، ولم يشهدها، وقيل: أسلم بعدها. روى عنه ابناه عبد الله، وسليمان.
٨٢ - بشر بن البراء الصحابى، رضى الله عنه:
مذكور فى المهذب فى وجوب القصاص بإطعام السم. هو بشر بن البراء بن معرور ابن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدى بن غنم بن كعب بن سلمة، بكسر اللام، ابن سعد بن على بن أسد، بفتح السين، ابن شاردة بن تريد، بالمثناة فوق فى أوله، ابن جشم بن الخزرج الأنصارى الخزرجى السلمى، بفتح السين واللام، المدنى. شهد بشر العقبة، وبدرًا، وأُحُدًا، وتوفى بخيبر حين فتحت سنة سبع من الهجرة من الأكلة التى أكلها مع رسول الله ﷺ من الشاة التى سمتها اليهودية، قيل: إنه مات فى الحال، وقيل: لزمه وجعه حتى مات بعد سنة، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين واقد بن عمرو التميمى حليف بنى عدى، وهو الذى قال فيه رسول الله ﷺ لبنى سلمة: "من سيدكم يا بنى سلمة؟ "، قالوا: الجد بن قيس على بخل فيه، فقال: "وأى داء أودى
стр. 134
من البخل، بل سيدكم الأبيض الجعد بشر بن البراء، رضى الله عنه".
٨٣ - بشير بن سعد (١) :
بفتح الباء وكسر الشين، والد النعمان بن بشير. مذكور فى المهذب وغيره فى باب الهبة وغيره. هو أبو النعمان بشير بن سعد بن جلاس بن زيد بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصارى الخزرجى المدنى الصحابى الفاضل الصالح، شهد العقبة الثانية، وبدرًا، وأُحُدًا، والخندق، والمشاهد بعدها مع رسول الله ﷺ ، قيل: إنه أول من بايع أبا بكر الصديق، رضى الله عنه، من الأنصار بالخلافة، واستشهد مع خالد بن الوليد، رضى الله عنه، يوم عين التمر بعد انصرافه من اليمامة سنة ثنتى عشرة من الهجرة، وهو الذى ثبت فى الصحيح أنه قال: يا رسول الله، أمرنا أن نصلى عليك، فكيف نصلى عليك؟ الحديث.
٨٤ - بشير - بضم الباء وفتح الشين - ابن يسار - بباء مثناة من تحت ثم سين مهملة (٢) :
стр. 135
مذكور فى المختصر فى بيع العرايا. هو بشير بن يسار الأنصارى الحارثى، مولاهم المدنى التابعى. روى عن جابر، وأنس، ورافع بن خديج، وغيرهم من الصحابة. روى عنه جماعة من التابعين، منهم محمد بن إسحاق، ويحيى الأنصارى. واتفقوا على توثيقه. قال يحيى بن معين: هو ثقة. قال: وليس هو بأخى سليمان بن يسار. وقال محمد بن سعد: كان شيخًا كبيرًا فقيهًا، أدرك عامة أصحاب النبى ﷺ ، وكان قليل الحديث، ﵀.
* * *
باب بكير، وبلال، وبهز
٨٥ - بكير - بضم الباء - ابن عامر:
مذكور فى المهذب فى خراج السواد. هو أبو إسماعيل بكير بن عامر البجلى الكوفى. من تابعى التابعين. روى عن قيس بن أبى حازم، والنخعى، والشعبى، وآخرين. روى عنه الثورى، ووكيع، والحسن بن صالح، وأبو نعيم. قال الجمهور: هو ضعيف [......] (١) .
٨٦ - بكير بن عبد الله بن الأشج (٢) :
مذكور فى المختصر فى نفقة المماليك. هو أبو عبد الله، ويقال: أبو يوسف المخزومى مولاهم، ويقال: الأشجعى، ويقال: الزهرى المدنى التابعى. روى عن السائب بن يزيد، وربيعة بن عباد، بكسر العين وتخفيف الباء، الصحابيين، وجماعات من التابعين، منهم سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله، وحمران، وكريب، وخلائق. روى عنه جماعات من الكبار، منهم محمد بن عجلان، ويزيد بن أبى حبيب، وعمرو بن الحارث، والليث، وخلائق. واتفقوا على جلالته وتوثيقه وعلمه.
قال مالك: وكان من العلماء. وقال أحمد: هو ثقة صالح. وقال ابن معين: ما ينبغى لأحد أن يفضله أو يفوقه فى الحديث. وقال على بن المدينى: لم يكن بالمدينة بعد كبار التابعين أعلم من ابن شهاب، ويحيى الأنصارى، وبكير بن عبد الله بن الأشج. وقال أحمد بن عبد الله: لم يسمع منه مالك شيئًا، خرج قديمًا إلى مصر. وقال البخارى: كان من صلحاء الناس، ﵀.
٨٧ - بلال بن الحارث الصحابى، رضى الله عنه (٣) :
مذكور فى المهذب فى زكاة
стр. 136
المعدن. هو أبو عبد الرحمن بلال بن الحارث بن عصم ابن سعيد بن قرة بن خلاوة، بفتح الخاء المعجمة، ابن ثعلبة بن ثور بن هذمة، بضم الهاء وإسكان الذال المعجمة، ابن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار المزنى. وولد عثمان المذكور يقال لهم: مزنيون، نُسبوا إلى أمه مزينة، وبلال هذا مزنى، وفد إلى رسول الله ﷺ فى وفد مزينة سنة خمس من الهجرة، وأقطعه النبى ﷺ المعادن القبلية، بفتح القاف والباء، وكان يحمل لواء مزينة يوم فتح مكة، ثم سكن البصرة، وتوفى سنة ستين، وهو ابن ثمانين سنة. روى عن النبى ﷺ ثمانية أحاديث.
٨٨ - بلال بن رباح مؤذن رسول الله ﷺ :
مكرر فى هذه الكتب. هو أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الكريم، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عمرو بلال بن رباح الحبشى القرشى التيمى، مولى أبى بكر الصديق، رضى الله عنه. أمه حمامة مولاة لبنى جمح. وكان بلال، رضى الله عنه، قديم الإسلام والهجرة، شهد بدرًا، وأُحُدًا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وكان ممن يُعَذَّب فى الله تعالى، فيصبر على العذاب، وكان أمية بن خلف يعذبه ويتابع عليه العذاب، فقدر الله تعالى أن بلالاً قتله يوم بدر، وكان بلال ممن أسلم أول النبوة، ومِن أول مَن أظهر إسلامه، وكانوا يطوفون به ويعذبونه، وكان من مولدى مكة، وقيل: من مولدى الشراة، اشتراه أبو بكر بخمس أواقى، وقيل: بسبع، وقيل: بتسع، وأعتقه لله ، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبى عبيدة بن الجراح، وكان بلال يؤذن لرسول الله ﷺ حياته سفرًا وحضرًا، وهو أوَّل مَن أذَّن فى الإسلام.
ولما توفى رسول الله ﷺ ذهب إلى الشام للجهاد، فأقام بها إلى أن توفى، وقيل: إنه أذَّن لأبى بكر الصديق، رضى الله عنه، مدته، وأذن لعمر، رضى الله عنه، مرة حين قدم عمر الشام، فلم ير باك أكثر من ذلك اليوم، وأذَّن فى قدمة قدمها إلى المدينة لزيارة قبر رسول الله ﷺ طلب ذلك منه الصحابة، فأذَّن ولم يتم الأذان. روى عنه جماعات من الصحابة، رضى الله عنهم، منهم أبو بكر الصديق، وعمر، وعلى، وابن مسعود، وابن عمر، وأسامة بن زيد،
стр. 137
وكعب بن عجرة، وجابر، وأبو سعيد الخدرى، والبراء بن عازب، رضى الله عنهم، وجماعات من كبار التابعين، وكان عمر، رضى الله عنه، يقول: أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا.
وثبت فى صحيحى البخارى ومسلم أن رسول الله ﷺ قال لبلال: "دخلت الجنة فسمعت خشف نعليك بين يدى" (١) . وفى صحيح البخارى عن قيس بن أبى حازم، قال: قال بلال لأبى بكر، رضى الله عنه: إن كنت إنما اشتريتنى لنفسك فأمسكنى، وإن كنت إنما اشتريتنى لله ، فدعنى وعمل الله. وفضائله مشهورة، توفى بدمشق سنة عشرين، وقيل: إحدى وعشرين، وقيل: ثمانى عشرة، وهو ابن أربع وستين سنة، وقيل: كان قرن أبى بكر، رضى الله عنهما، وقيل: توفى وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقيل: ابن سبعين، وكان ينزل داريّا قرية بقرب دمشق، ودفن بباب الصغير من دمشق، وقيل: بباب كيسان منها، وقيل: بداريا، وقيل: بحلب.
وقال السمعانى فى الأنساب فى ترجمة المؤذن: أنه دفن بالمدينة، وهو غلط، والصحيح الذى عليه الجمهور أنه دفن بباب الصغير. قالوا: وان آدم شديد الأدمة، نحيفًا، طويلاً، خفيف العارضين. قال ابن عبد البر: ولبلال أخ اسمه خالد، وأخت اسمها عفرة، وهى مولاة عمر بن عبد الله مولى عفرة، ولم يعقب بلال، رضى الله عنه.
٨٩ - بهز بن حكيم بن معاوية (٢) :
تكرر ذكره فى زكاة المهذب، وذكره أيضًا فى الشهادات فى شهادة الزور. هو أبو عبد الملك بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، بفتح الحاء المهملة وبعدها ياء مثناة من تحت ساكنة، القشيرى البصرى. روى عن أبيه، وزرارة بن أوفى. روى عنه الزهرى، وابن عون، وسليمان التيمى، وهم تابعيون، والثورى، والحمادان، ومعمر، ومحمد بن عبد الله الأنصارى، وخلائق من الأئمة.
قال يحيى بن معين والجمهور: هو ثقة، يحتج به. قال يحيى: إسناده عن أبيه عن جده صحيح.
стр. 138
قال الخطيب: حدث عنه الزهرى والأنصارى، وبين وفاتيهما إحدى وتسعون سنة، وحدث عنه التيمى والأنصارى، وبين وفاتيهما ثنتان أو إحدى وتسعون سنة.
* * *
حرف التاء المثناة فوق
٩٠ - تميم الدارى الصحابى، رضى الله عنه (١) :
هو تميم بن أوس بن خارجة بن سويد بن خزيمة، وقيل: سواد بن خزيمة، وقيل: سود بن خزيمة بن ذراع بن عدى بن الدار بن هانىء بن حبيب بن أنمار بن لخم بن عدى بن عمرو بن سبأ الدارى، وقيل فى نسبه غير هذا، يكنى أبا رقية، كنى ببنته رقية، ولم يولد له غيرها، وإنما العقب لأخيه لأمه أبى هند، واسمه بر بن عبد الله، ويقال: تميم الدارى والديرى، فالدارى منسوب إلى جده الدار، وقيل غير ذلك، وقد أوضحت الخلاف فيه فى شرح صحيح مسلم، والديرى نسبة إلى دير كان يتعبد فيه قبل الإسلام، وكان نصرانيًا أسلم سنة تسع من الهجرة.
رُوى له عن رسول الله ﷺ ثمانية عشر حديثًا، روى مسلم منها حديث: "الدين النصيحة" (٢) ، وفى صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ روى عن تميم قصة الجساسة، وهذه منقبة شريفة له لا يشاركه فيها غيره، ويدخل فى رواية الأكابر عن الأصاغر. وروى عنه جماعة من الصحابة، منهم ابن عباس، وأنس، وأبو هريرة، رضى الله عنهم، وجماعات من التابعين، وكان بالمدينة، ثم انتقل إلى بيت المقدس بعد قتل عثمان، رضى الله عنه، وكان كثير التهجد، قام ليلة حتى أصبح بآية من القرآن يركع ويسجد ويبكى، وهى: ﴿أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] الآية.
وكان له هيئة ولباس، وهو أول من قص على الناس، استأذن عمر، رضى الله عنه، فى ذلك فأذن له، وهو أول من أسرج فى المسجد، قاله أبو نعيم الأصبهانى. قلت: وقال الحافظ أبو عبد الله بن مندة، وأبو نعيم الأصبهانيان، وأبو عمر بن عبد البر: زار روح بن زنباع تميمًا الدارى، فوجده ينقى شعيرًا لفرسه، فقال له روح: أما كان فى هؤلاء من يكفيك؟ قال: بلى، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من امرىء مسلم ينقى لفرسه شعيرًا ثم يعلفه عليه، إلا كتب الله له بكل
стр. 139
حبة حسنة".
وقول المصنف: وكان له هيئة ولباس، قال ابن عساكر فى تاريخه: عن أنس أن تميمًا اشترى رداء بألف درهم، وكان يصلى بأصحابه فيه. وعن ثابت أن تميمًا اشترى حلة بألف درهم، فكان يلبسها فى الليلة التى يرجى أنها ليلة القدر. وعن قتادة، عن ابن سيرين، أن تميمًا الدارى اشترى رداء بألف درهم يخرج فيه إلى الصلاة. وفى رواية: فكان يقوم فيها بالليل إلى الصلاة.
* * *
حرف الثاء المثلثة
٩١ - ثابت بن أرقم الصحابى، رضى الله عنه:
مذكور فى المختصر فى قتال البغاة. هو ثابت بن أرقم بن ثعلبة بن عدى بن العجلان البلوى، شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وشهد غزوة مؤتة، واستشهد يوم اليمامة سنة إحدى عشرة فى قتال أهل الردة قتله طليحة، وقتل معه عكاشة بن محصن، اشترك طليحة وأخوه فى قتلهما، ثم أسلم طليحة. وقال عروة بن الزبير: بعث رسول الله ﷺ سرية قبل نجد أميرهم ثابت، فأصيب فيها، والصواب الأول، وبه قال الشافعى فى المختصر والجمهور.
٩٢ - ثابت بن سعيد بن أبيض بن حمال (١) :
مذكور فى المهذب فى باب الإقطاع من إحياء الموات. روى عن أبيه. وروى عنه ابن أخيه فرح بن سعيد.
٩٣ - ثابت بن قيس الصحابى، رضى الله عنه (٢) :
تكرر فى مواضع، منها أول الخلع، ومسألة نزول أهل القلعة على حكم حاكم من كتاب السير. هو أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد ثابت بن قيس بن شماس بن مالك ابن زهير بن امرىء القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصارى الخزرجى المدنى. أمه هند بنت رهم، ويقال له: خطيب الأنصار، وخطيب رسول الله ﷺ ، شهد أُحُدًا وما بعدها من المشاهد مع رسول الله ﷺ . ثبت فى صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ بشر ثابت بن قيس هذا بالجنة، وأخبره أنه من أهلها، وثبت فى الترمذى بإسناد صحيح أن رسول الله ﷺ قال: "نِعم الرجل ثابت بن قيس" (٣) .
стр. 140
استشهد يوم اليمامة فى خلافة أبى بكر الصديق، رضى الله عنه، سنة إحدى عشرة، ومشهور فى كتب المغازى أنه لما استشهد كان عليه درع نفيسة، فأخذها رجل، فرأ رجل ثابتًا فى منامه، فقال له ثابت: إنى أريد أن أوصيك وصية، فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه، إنى قُتِلت أمس، فمرَّ بى رجل فأخذ درعى، ومنزله فى أقصى الناس، وعند خبائه فرس يستن فى طوله، وقد كفأ على الدرع برمة، وفوق البرمة رحل، فأت خالدًا فمره فليبعث فليأخذها، فإذا قدمت المدينة فقل لأبى بكر الصديق، رضى الله عنه، أن علىَّ من الدين كذا وكذا، وفلان من رقيقى حر، وفلان، فأتى الرجل خالدًا، فبعث إلى الدرع، فأتى بها على ما وصف، وأخبر أبا بكر، رضى الله عنه، برؤياه فأجاز وصيته.
قالوا: ولا نعلم أحدًا أوصى بعد موته فأجيزت وصيته غير ثابت، رضى الله عنه. واعلم أن ما ذكرته من أن ثابتًا المذكور فى مسألة القلعة هو ثابت بن قيس، هو الصواب الذى ذكره العلماء كافة، وتظاهرت عليه كتب الحديث والمغازى، وأما قول ابن باطيش أنه ثابت بن الضحاك، فغلط صريح لا حيلة فيه، وما أدرى ما حمله عليه، وبالله التوفيق.
٩٤ - ثعلبة بن أبى مالك (١) :
مذكور فى المهذب فى باب هيئة الجمعة. هو أبو يحيى ثعلبة بن أبى مالك القرظى المدنى، إمام مسجد بنى قريظة. قال مصعب الزبيرى: رأى ثعلبة النبى ﷺ ، وسمع عمر بن الخطاب، وجابرًا، رضى الله عنهما، وغيرهما. روى عنه الزهرى، وابنه أبو مالك، ويحيى بن سعيد الأنصارى. روى له البخارى.
٩٥ - ثمامة بن أثال الصحابى، رضى الله عنه:
مذكور فى المختصر فى السير، وفى المهذب فيه، وفى آخر عقد الذمة. هو ثمامة بن أثال، بضم الهمزة وتخفيف الثاء المثلثلة، وهو مصروف بلا خلاف، ابن النعمان بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة بن لجيم الحنفى اليمامى. سيد أهل اليمامة، أسره رسول الله ﷺ ثم أطلقه، فأسلم وحسن إسلامه، ولم يرتد مع من ارتد من أهل اليمامة، ولا خرج من الطاعة قط، رضى الله عنه.
٩٦ - ثوبان مولى رسول الله ﷺ (٢) :
تكرر ذكره. هو أبو عبد الله، ويقال:
стр. 141
أبو عبد الرحمن ثوبان بن بجدد، بموحدة مضمومة، ثم جيم ساكنة، ثم دال مهملة مكررة الأولى مضمومة، ويقال: ابن جحدر الهاشمى، من أهل السراة، موضع بين مكة واليمن، وقيل: إنه من حمير، وقيل: من الهان، أصابه سباء فاشتراه رسول الله ﷺ فأعتقه، ولم يزل معه فى الحضر والسفر، فلما توفى رسول الله ﷺ خرج إلى الشام فنزل الرملة، ثم انتقل إلى حمص وابتنى بها دارًا، وتوفى بها سنة خمس وأربعين، وقيل: سنة أربع وخمسين، رُوى له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وسبعة وعشرون حديثًا، روى له مسلم منها عشرة أحاديث. روى عنه جماعات من كبار التابعين. روينا فى صحيح مسلم، عن ثوبان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "عليك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة" (١) .
٩٧ - ثور بن يزيد الكلاعى (٢) :
مذكور فى المختصر فى مسح الخف، هو أبو خالد ثور بن يزيد بن زياد الكلاعى، بفتح الكاف، ويقال: الرحبى الشامى الحمصى. سمع جماعات من التابعين، منهم عطاء، ونافع، والزهرى، ومحمد بن المنكدر، وآخرون. روى عنه محمد بن إسحاق بن يسار، ومالك، والثورى، وابن عيينة، وابن المبارك، وخلائق من الأئمة. واتفقوا على توثيقه والثناء عليه. قال يحيى القطان: ما رأيت شاميًا أوثق منه. وقال وكيع: هو أعبد من رأيت. قال محمد بن سعد: مات ببيت المقدس سنة ثلاث وخمسين ومائة، وهو ابن بضع وستين سنة.
* * *
حرف الجيم
٩٨ - جابر بن زيد التابعى (٣) :
مذكور فى المهذب فى صلاة العيد. هو الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدى البصرى التابعى. سمع ابن عباس، وابن عمر، والحكم بن عمرو الغفارى، رضى الله عنهم. روى عنه عمرو بن دينار، وقتادة، وعمرو بن هرم. واتفقوا على توثيقه وجلالته، وهو معدود فى أئمة التابعين وفقهائهم، وله مذهب يتفرد به. وجاء عن ابن عباس، قال:
стр. 142
لو أخذ أهل البصرة بقول جابر بن زيد لأوسعهم علمًا عن كتاب الله. قال أحمد ابن حنبل، وعمرو بن على، والبخارى: توفى سنة ثلاث وتسعين. وقال محمد بن سعد: سنة ثلاث ومائة. وقال الهيثم: سنة أربع ومائة.
٩٩ - جابر بن سمرة الصحابى، رضى الله عنه (١) :
تكرر. هو أبو عبد الله، ويقال: أبو خالد جابر بن سمرة بن جنادة بن جندب بن حجير بن رباب بن حبيب بن سواء، بالمد وضم السين، ابن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان، بالعين المهملة، ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان السوائى، وهو وأبوه صحابيان، رضى الله عنهما. رُوى له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وستة وأربعون حديثًا، اتفق البخارى ومسلم على حديثين، وانفرد مسلم بثلاثة وعشرين حديثًا. روى عنه جماعات من التابعين، منهم عبد الملك بن عمير، وعامر بن سعد، والشعبى. توفى سنة ست وستين. روينا فى صحيح مسلم، عن جابر بن سمرة، قال: والله لقد صليت مع رسول الله ﷺ أكثر من ألفى صلاة.
١٠٠ - جابر بن عبد الله الصحابى ابن الصحابى، رضى الله عنهما (٢) :
تكرر. هو أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو محمد جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، بالراء، ابن عمرو بن سواد بن سلمة، بكسر اللام، ابن سعد بن على ابن أسد بن ساردة، بالسين المهملة، ابن تزيد، بالتاء المثناة فوق، ابن جشم بن الخزرج الأنصارى السلمى، بفتح السين واللام، المدنى. وهو أحد المكثرين الرواية عن رسول الله ﷺ . روى ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعين حديثًا، اتفق البخارى ومسلم منها على ستين حديثًا، وانفرد البخارى بستة وعشرين ومسلم بمائة وستة وعشرين.
وروى عن أبى بكر، وعمر، وعلى، وأبى عبيدة، ومعاذ، وخالد بن الوليد، وأبى هريرة، رضى الله عنهم. روى عنه جماعات من أئمة التابعين، منهم سعيد بن المسيب، وأبو سلمة، ومحمد الباقر، وعطاء، وسالم بن أبى الجعد، وعمرو بن دينار، ومجاهد، ومحمد بن المنكدر، وأبو الزبير، والشعبى، وخلائق. ومناقبه
стр. 143
كثيرة، استشهد أبوه يوم أُحُد، فأحياه الله تعالى وكلمه، وقال: يا عبد الله، ما تريد؟ فقال: أن أرجع إلى الدنيا فأستشهد مرة أخرى.
وثبت فى صحيح البخارى، عن جابر قال: دفنت أبى يوم أُحُد مع رجل، ثم استخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه. وثبت فى صحيح مسلم، عن جابر، قال: غزوت مع رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة، ولم أشهد بدرًا ولا أُحُدًا منعنى أبى، فلما قُتل أبى يوم أُحُد لم أتخلف عن رسول الله ﷺ فى غزوة قط.
وفى صحيح البخارى فى كتاب المبعث، عن جابر بن عبد الله، رضى الله عنه، قال: أنا وأبى وخالى من أصحاب العقبة. توفى جابر بالمدينة سنة ثلاث وسبعين، وقيل: ثمان وسبعين، وقيل: ثمان وستين، وهو ابن أربع وتسعين سنة، رضى الله عنه. وكان ذهب بصره فى آخر عمره. روينا فى صحيحى البخارى ومسلم، عن جابر بن عبد الله، قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: “أنتم اليوم خير أهل الأرض”، وكنا ألفًا وأربعمائة. قال جابر: لو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة. وحيث أُطلق جابر فى هذه الكتب فهو جابر بن عبد الله، وإذا أراد ابن سمرة قيده.
١٠١ - جبار بن صخر الصحابى، رضى الله عنه (١) :
مذكور فى المهذب فى باب موقف الإمام والمأموم. هو بفتح الجيم، وتشديد الموحدة، وآخره راء، وهو أبو عبد الله جبار بن سخر بن أمية بن خنساء بن عبيد بن عدى بن تميم بن كعب بن سلمة، بكسر اللام، الأنصارى السلمى، بفتح السين واللام، المدنى.
قال محمد بن سعد: شهد جبار بن صخر العقبة مع السبعين من الأنصار باتفاق الرواة. قال: وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين المقداد بن الأسود. قال: وشهد جبار بدرًا، وأُحُدًا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ يبعثه خارجًا إلى خيبر. قال: وشهد بدرًا وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة. وتوفى بالمدينة سنة ثلاثين وله عقب وحديث، قصته المذكورة فى المهذب، رواه مسلم فى صحيحه.
١٠٢ - جبريل الملك الكريم رسول رب العالمين، ﵇:
مذكور فى مواقيت
стр. 144
الصلاة من المهذب، والوسيط، وفى الوصية منهما، ومن الروضة، وفى أول باب الزكاة من المهذب، وفى الإحرام، والوليمة. فيه تسع لغات حكاهن ابن الأنبارى، وابن الجواليقى: جبريل، وجبريل بكسر الجيم وفتحها، وجبرئل، بفتح الجيم وهمزة مكسورة وتشديد اللام، وجبرائل بعدها ياء، وجبراييل بياءين بعد الألف، وجبرئيل بهمزة بعد الراء وياء، وجبرئل بكسر الهمزة وتخفيف اللام مع فتح الجيم والراء، وجبرين وجبرين بفتح الجيم وكسرها.
قال جماعات من المفسرين، وصاحب المحكم، والجوهرى، وغيرهما من أهل اللغة فى جبريل وميكائيل: إن جبر وميك اسمان أضيفا إلى إيل وأل. وقال: وإيل وأل اسمان لله تعالى، وجبر وميك معناه بالسريانية عبد، فتقديره عبد الله. قال أبو على الفارسى: هذا الذى قالوه خطأ من وجهين: أحدهما: أن إيل وأل لا يعرفان فى أسماء الله تعالى. والثانى: أنه لو كان كذلك، لم يتصرف آخر الاسم فى وجوه العربية، ولكان آخره مجرورًا أبدًا كعبد الله. وهذا الذى قاله أبو على هو الصواب، فإن ما زعموه باطل لا أصل له.
واعلم أن جبريل يقال له: الناموس، بالنون، كما ثبت فى الصحيحين فى حديث المبعث. قال أهل اللغة: الناموس صاحب سر الرجل الذى يطلعه على باطن أمره، وقيل: الناموس صاحب خبر الخير، والجاسوس صاحب خبر الشر.
وقد تظاهرت الدلائل على عظم مرتبة جبريل، ﵇. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٧، ٩٨] .
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤] الآية.
وقال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥] الآيات، والمراد بشديد القوى جبريل، ﵇.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ١٣، ١٤] الآية، المراد: رأى جبريل، هذا قول الجمهور، فرآه النبى ﷺ على صورته له ستمائة جناح مرتين.
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢٤] .
وثبت
стр. 145
فى صحيح البخارى ومسلم فى حديث المبعث عن عائشة، رضى الله عنها، أن النبى ﷺ جاءه جبريل وهو يتعبد فى غار حراء، فأخذه فغطه ثم أرسله، فقال: اقرأ، ثم غطه ثانية وثالثة يقول له مثل ذلك، ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥] .
وفى صحيح مسلم عن ابن مسعود فى قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] ، قال: رأى جبريل فى صورته له ستمائة جناح. وعن مسروق، قال: قلت لعائشة، رضى الله عنها: ألم يقل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] ، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] ؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: “إنما هو جبريل، لم أره على صورته التى خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًا عظم خلقته ما بين السماء والأرض”.
وفى صحيح مسلم، عن مسروق أيضًا، قال: قلت لعائشة، رضى الله عنها: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٨، ٩] ، فقالت: إنما ذلك جبريل، كان يأتيه فى صورة الرجال، وإنه أتاه هذه المرة فى صورته التى هى صورة، فسد أفق السماء.
وفى صحيحى البخارى ومسلم، عن عائشة، أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحى؟ فقال رسول الله ﷺ : “أحيانًا يأتينى مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علىَّ، فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لى الملك رجلاً، فيكلمنى فأعى ما يقول” (١) ، قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقًا. قال أهل اللغة: الفصم القطع بغير إبانة، ومعناه: يفارقنى على أنه يعود.
وفى صحيحيهما عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون فى رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه فى كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة.
وفى صحيح البخارى عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل: “ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ ”، فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: ٦٤] . وفى البخارى عن البراء، قال: قال النبى ﷺ لحسان: “اهجهم”، قال: أوهاجهم وجبريل معك؟!.
وفى الصحيحين فى حديث الإسراء: صعود رسول الله ﷺ وجبريل إلى السموات السبع، وأن جبريل يتفتح فى باب كل سماء، فيقال: من هذا؟ فيقول: جبريل، فيقال: ومن معك؟ فيقول: محمد، فيفتح. وفى الصحيح أن الله تعالى إذا أحب عبدًا نادى: يا جبريل، إنلا أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادى جبريل فى السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول فى الأرض. والأحاديث الصحيحة المتعلقة بعظم فضل جبريل كثيرة مشهورة.
وكان يأتى النبى ﷺ فى صورة دحية الكلبى، ورأته الصحابة حين جاء فى صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد، فسأل النبى ﷺ وهم يرونه ويسمعونه عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، والساعة وأمارتها، ثم خرج فطلبوه فى الحال فلم يجدوه، فقال النبى ﷺ : “