سعيد بن أبى مريم المصرى، ونعيم بن حماد، والحميدى، والحجاج بن منهال، وإسماعيل بن أبى أويس، والعربى، والحسن الخلال، ومحمد بن ميمون صاحب ابن عيينة، ومحمد بن العلاء، والأشج، وإبراهيم بن المنذر الخزامى، وإبراهيم بن موسى الفراء، كلهم كانوا يهابون محمد بن إسماعيل، ويقضون له على أنفسهم فى النظر والمعرفة. قلت: الرتوت: الرؤساء، قاله ابن الأعرابى وغيره. وذكره الحاكم أبو عبد الله البخارى، فقال: هو إمام أهل الحديث بلا خلاف بين أهل النقل.
واعلم أن وصف البخارى، ﵀، بارتفاع المحل والتقدم فى هذا العلم على الأماثل والأقران، متفق عليه فيما تأخر وتقدم من الأزمان، ويكفى فى فضله أن معظم من أثنى عليه ونشر مناقبه شيوخه الأعلام المبرزون، والحُذَّاق المتقنون.
فصل فى الإشارة إلى بعض شيوخه
والآخذين عنه، والمنتمين إليه، والمستفيدين منه
هذا الباب واسع جدًا لا يمكن استقصاؤه، فأنبه على جماعة من كل إقليم وبلد؛ ليستدل بذلك على اتساع رحلته، وكثرة روايته، وعظم عنايته.
فأما شيوخه، فقال الحاكم أبو عبد الله فى تاريخ نيسابور: ممن سمع منه البخارى، رحمه الله تعالى، بمكة: أبو الوليد أحمد بن محمد الأزرقى، وعبد الله بن يزيد المقرى، وإسماعيل بن سالم الصائغ، وأبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدى، وأقرانهم. وبالمدينة: إبراهيم بن المنذر الخزامى، ومطرف بن عبد الله، وإبراهيم بن حمزة، وأبو ثابت محمد بن عبيد الله، وعبد العزيز بن عبد الله الأويسى، وأقرانهم. وبالشام: محمد بن يوسف الفريابى، وأبو نصر إسحاق بن إبراهيم، وآدم بن أبى إياس، وأبو اليمان الحكم بن نافع، وحيوة بن شريح، وأقرانهم.
وببخارى: محمد بن سلام البيكندى، وعبد الله بن محمد المسندى، وهارون بن الأشعث، وأقرانهم. وبمرو: على بن الحسن بن شقيق،
стр. 72
وعبدان، ومحمد بن مقاتل، وأقرانهم. وببلخ: مكى بن إبراهيم، ويحيى بن بشر، ومحمد بن أبان، والحسن بن شجاع، ويحيى بن موسى، وقتيبة، وأقرانهم، وقد أكثر بها. وبهراة: أحمد بن أبى الوليد الحنفى. وبنيسابور: يحيى بن يحيى، وبشر بن الحكم، وإسحاق بن راهوية، ومحمد بن رافع، ومحمد بن يحيى الذهلى، وأقرانهم. وبالرى: إبراهيم بن موسى. وببغداد: محمد بن عيسى الطباع، ومحمد بن سائق، وسريج، بالسين المهملة والجيم، ابن النعمان، وأحمد بن حنبل، وأقرانهم، وبواسط: حسان بن حسان، وحسان بن عبد الله، وسعيد بن عبد الله ابن سليمان، وأقرانهم.
وبالبصرة: أبو عاصم النبيل، وصفوان بن عيسى، وبدل بن المحرب، بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة، وحرمى بن عمارة، وعفان بن مسلم، ومحمد بن عرعرة، وسليمان بن حرب، وأبو الوليد الطيالسى، وعارم، ومحمد بن سنان، وأقرانهم. وبالكوفة: عبد الله بن موسى، وأبو نعيم، وأحمد بن يعقوب، وإسماعيل بن أبان، والحسن بن الربيع، وخالد بن مخلد، وسعيد بن حفص، وطلق بن غنام، وعمرو بن حفص، وعروة، وقبيصة بن عقبة، وأبو غسان، وأقرانهم. وبمصر: عثمان بن صالح، وسعيد بن أبى مريم، وعبد الله بن صالح، وأحمد بن صالح، وأحمد بن شبيب، وأصبغ ابن الفرج، وسعيد بن عيسى، وسعيد بن كثير بن عفير، ويحيى بن عبد الله بن بكير، وأقرانهم. وبالجزيرة: أحمد بن عبد الملك الحرانى، وأحمد بن يزيد الحرانى، وعمرو بن خلف، وإسماعيل بن عبد الله الرقى، وأقرانهم.
قال الحاكم أبو عبد الله: قد رحل البخارى، ﵀، إلى هذه البلاد المذكورة فى طلب العلم، وأقام فى كل مدينة منها على مشايخها. قال: وإنما سميت من كل ناحية جماعة من المتقدمين؛ ليستدل به على علاى إسناده، وبالله التوفيق. وروينا عن الخطيب البغدادى، ﵀، قال: رحل البخارى، رحمه الله تعالى، إلى محدثى الأمصار، وكتب بخراسان، والجبال، ومدن العراق كلها، وبالحجاز، والشام، ومصر، وورد بغداد دفعات. وروينا من جهات عن جعفر بن محمد القطان، قال: سمعت
стр. 73
البخارى يقول: كتبت عن ألف شيخ من العلماء وزيادة، وليس عندى حديث إلا أذكر إسناده.
وأما الآخذون عن البخارى، فأكثر من أن يحصروا، وأشهر من أن يذكروا. وقد روينا عن الفربرى، قال: سمع الصحيح من البخارى سبعون ألف رجل، فما بقى أحد يرويه غيرى. وقد روى عنه خلائق غير ذلك، وقد قدمنا أنه كان يحضر مجلسه أكثر من عشرين ألفًا يأخذون عنه، وممن روى عنه من الأئمة الأعلام: الإمام أبو الحسين مسلم ابن الحجاج صاحب الصحيح، وأبو عيسى الترمذى، وأبو عبد الرحمن النسائى، وأبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان، وأبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربى الإمام، وصالح بن محمد جزرة الحافظ، وأبو بكر بن خزيمة، ويحيى بن محمد بن صاعد، ومحمد بن عبد الله مطين، وكل هؤلاء أئمة حفاظ، وآخرون من الحفاظ وغيرهم. قال الخطيب: آخر مَن حدَّث ببغداد عن البخارى: الحسين بن إسماعيل المحاملى.
فصل فى اسم صحيح البخارى، وتعريف محله
وسبب تصنيفه، وكيفية جمعه وتأليفه
أما اسمه: فسماه مؤلفه البخارى، ﵀: الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه.
وأما محله: فقال العلماء: هو أول مُصَنَّف صُنِّف فى الصحيح المجرد. واتفق العلماء على أن أصح الكتب المصنفة صحيحا البخارى ومسلم. واتفق الجمهور على أن صحيح البخارى أصحهما صحيحًا، وأكثرهما فوائد. وقال الحافظ أبو على النيسابورى وبعض علماء المغرب: صحيح مسلم
стр. 74
أصح. وأنكر العلماء ذلك عليهم، والصواب ترجيح صحيح البخارى. وقد قرر الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلى فى كتابه المدخل ترجيح صحيح البخارى على صحيح مسلم، وذكر دلائله. وقال النسائى: أجود هذه الكتب كتاب البخارى. وأجمعت الأمة على صحة هذين الكتابين، ووجوب العمل بأحاديثهما.
وأما سبب تصنيفه وكيفية تأليفه: فروينا عن إبراهيم بن معقل النسفى، قال: قال البخارى، ﵀: كنت عند إسحاق بن راهوية، فقال لنا بعض أصحابنا: لو جمعتم كتابًا مختصرًا فى الصحيح لسنن رسول الله ﷺ ، فوقع ذلك فى قلبى، وأخذت فى جمع هذا الكتاب. وروينا من جهات عن البخارى، ﵀، قال: صنفت كتاب الصحيح لست عشرة سنة، خرجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة بينى وبين الله. وروينا عنه قال: رأيت النبى ﷺ فى المنام، وكأنى واقف بين يديه، وبيدى مروحة أذب عنه، فسالت بعض المعبرين، فقال: أنت تذب عنه الكذب، فهو الذى حملنى على إخراج الصحيح. وروينا عنه، قال: ما أدخلت فى كتاب الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحاح طحال القول.
وروينا عن الفربرى، قال: قال البخارى: ما وضعت فى كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين. وروينا عن عبد القدوس بن همام، قال: سمعت عدة من المشايخ يقولون: حول البخارى تراجم جامعه بين قبر النبى ﷺ ومنبره، وكان يصلى لكل ترجمة ركعتين. وقال آخرون، منهم أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسى: صنفه ببخارى، وقيل: بمكة، وقيل: بالبصرة، وكل هذا صحيح، ومعناه أنه كان يصنف فيه فى كل بلدة من هذه البلدان، فإنه بقى فى تصنيفه ست عشرة سنة كما سبق. قال الحاكم أبو عبد الله: حدثنا أبو عمرو إسماعيل، حدثنا أبو عبد الله
стр. 75
محمد بن على، قال: سمعت البخارى يقول: أقمت بالبصرة خمس سنين مع كتبى أصنف وأحج فى كل سنة، وأرجع من مكة إلى البصرة.
قال البخارى: وأنا أرجو أن يبارك الله تعالى للمسلمين فى هذه المصنفات. وبلغنى عن الشيخ أبى زيد المروزى، من أصحابنا، وهو أجل من روى صحيح البخارى، عن الفربرى، قال: رأيت النبى ﷺ فى المنام، فقال لى: إلى متى تدرس الفقه ولا تدرس كتابى؟ قلت: وما كتابك يا رسول الله؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل البخارى، أو كما قال.
فصل
جملة ما فى صحيح البخارى من الأحاديث المسندة سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة، وبحذف المكررة نحو أربعة آلاف، وقد ذكرتها مفصلة مختصرة فى أول شرح صحيح البخارى، وذكرت فيه جملة من أحوال البخارى، وورعه، وتعظيمه للعلم، وما يتعلق بصحيحه، كبيان فائدة إعادته الحديث الواحد فى أبواب، وفائدة تحديثه عن واحد فى موضع، ثم يروى فى موضع آخر عن رجل أو رجلين عنه، وبيان التعليق الذى فيه، وغير ذلك.
فصل
روينا عن محمد بن أبى حاتم وراق البخارى، قال: كان البخارى إذا كنت معه فى سفر جمعنا بيت، إلا فى القيظ أحيانًا، فكنت أراه يقوم فى ليلته خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، فى كل مرة يأخذ القداحة فيورى نارًا بيده ويسرج، ثم يخرج أحاديث يعلمها، ثم يضع رأسه، وكان يصلى فى وقت السحر ثلاث عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، ورأيته استلقى على قفاه يومًا ونحن بفربر فى تصنيف كتاب التفسير، وكان أتعب نفسه فى ذلك اليوم فى كثرة إخراج الحديث، فقلت له: يا أبا عبد الله،
стр. 76
سمعتك تقول: ما أتيت شيئًا بغير علم قط منذ عقلت، فأى علم فى هذا الاستلقاء؟ فقال: أتعبنا أنفسنا فى هذا اليوم، وهذا ثغر خشيت أن يحدث حدث فى أمر العدو، فأحببت أن أستريح وآخذ أهبة ذلك، فإن غافصنا (١) عدو كان بنا حراك، فهذه الحكاية وإن اشتملت على نفائس مقصودى فيها التنبيه على قوله: ما أتيت شيئًا بغير علم.
فهذه أحرف من عيون مناقبه وصفاته، ودرر شمائله وحالاته، أشرت إليها إشارات لكونها من المعروفات الواضحات، ومناقبه لا تستقصى؛ لخروجها عن أن تحصى، وهى منقسمة إلى حفظ، ودراية، واجتهاد فى التحصيل، ورواية، ونسك، وإفادة، وورع، وزهادة، وتحقيق، وإتقان، وتمكن، وعرفان، وأحوال، وكرامات، وغيرها من أنواع المكرمات، ويوضح ذلك ما أشرت إليه من أقوال أعلام المسلمين أولى الفضل والورع، والدين، والحفاظ والنقاد المتقنين، الذين لا يجازفون فى العبارات، بل يتأملونها ويحررونها، ويحافظون على صيانتها أشد المحافظات، وأقاويلهم بنحو ما ذكرته غير منحصرة، وفيما أشرت إليه أبلغ كفاية للمستبصر، رضى الله عنه وأرضاه، وجمع بينى وبينه وجميع أحبابنا فى دار كرامته مع من اصطفاه، وجزاه عنى وعن سائر المسلمين أكمل الجزاء، وحباه من فضله أبلغ الحباء.
٤ - محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد بن صخر بن عامر بن كعب بن سعيد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب القريشى التيمى المدن (٢) :
أبو عبد الله، مذكور فى مختصر المزنى فى أول الاعتكاف، وهو تابعى جليل، سمع ابن عمر، وأنسًا، رضى الله عنهم، وسمع جماعات من التابعين، منهم علقمة بن وقاص، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وإبراهيم بن عبد الله بن حسين، وعروة بن الزبير، وعطاء ابن يسار، وآخرون. روى عنه جماعات من التابعين، منهم يحيى بن سعيد الأنصارى، ويحيى بن أبى كثير، ويزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، والزهرى، ومحمد بن إسحاق، وابن عجلان، وآخرون، وهو ثقة بالاتفاق.
روى له البخارى ومسلم فى صحيحيهما، وهو
стр. 77
راوى حديث: “إنما الأعمال بالنيات”، لم يروه عنه غير يحيى الأنصارى، ولم يروه عن علقمة بن وقاص غير محمد هذا. قال محمد بن سعد كاتب الواقدى: كان محمد بن إبراهيم كثير الحديث، توفى سنة عشرين ومائة بالمدينة. وقال خليفة بن خياط: سنة إحدى وعشرين، وكان جده الحارث من المهاجرين الأولين، رضى الله عنهم أجمعين.
٥ - محمد بن إبراهيم بن مسلم بن أمية (١) :
أبو أمية الطرسوسى، بفتح الطاء والراء، مذكور فى مختصر المزنى فى باب بيع حاضر لباد، هو بغدادى سكن طرسوس، سمع عمرو بن يونس اليمامى، وأبا مسهر عبد الأعلى بن مسهر، وصفوان بن صالح، وهشام بن عمار، وخلائق آخرين. روى عنه أبو حاتم محمد بن إدريس الرازى، وأبو نعيم عبد الملك بن محمد الجرجانى، وأبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفرايينى، وأبو الحسن أحمد بن عمير بن يوسف بن جوصا، وخلائق من الحفاظ والأئمة. قال أبو داود السجستانى والجمهور: هو ثقة، وكان إمامًا فى الحديث، رفيع القدر، مقدمًا، فهمًا، رحالاً، توفى بطرسوس فى جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين ومائتين، ﵀.
٦ - محمد بن إسحاق بن جعفر (٢) :
ويقال: محمد بن إسحاق بن محمد، أبو بكر الصاغانى، بالصاد المهملة والغين المعجمة، ويقال: الصغانى، بتخفيف الغين وحذف الألف، نسبة إلى بلدة بخراسان يقال لها: صاغان وصغان، وهو خراسانى سكن بغداد. ذكره فى المختصر فى باب بيعتين فى بيعة، وهو من كبار الأئمة، سمع أبا عامر العقدى، بفتح العين والقاف، والأسود بن عامر، وسعيد بن عامر، وأبا نوح قرادًا، وأبا النضر هاشم بن القاسم، ويحيى بن عبد الله ابن بكير، وأبا عاصم النبيل، وروح بن عبادة، وأبا نعيم الفضل بن دكين، ويعلى بن عبيد، وابا اليمان، وأبا مسهر، وعبد الوهاب بن عطاء، وخلائق من الأئمة.
روى عنه أبو عمر حفص بن عمر الدورى، وهو أكبر منه، ومسلم بن الحجاج، وأبو داود، والنسائى، والترمذى، وابن ماجة، والمزنى، وابن خزيمة، والحسين بن إسماعيل المحاملى، وأبو العباس الأصم، وأحمد بن محمد بن زياد الأعرابى، وموسى بن هارون الحمال، بالحاء، وأبو عوانة الإسفرايينى، وعبد الرحمن
стр. 78
بن أبى حاتم، وأبو الفوارس شجاع بن جعفر الأنصارى، وهو آخر من حدث عنه وفاة، وخلايق غيرهم.
واتفقوا على أنه ثقة مأمون. قال الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن على بن ثابت الخطيب البغدادى: كان الصاغانى هذا أحد الأثبات المتقنين، مع صلابة فى الدين، واشتهار بالسنة، واتساع فى الرواية، رحل فى طلب العلم، وكتب عن أهل بغداد، والبصرة، والكوفة، والمدينة، ومكة، والشام، ومصر. قال: وبلغنى عن أبى مزاحم الخاقانى، قال: كان الصاغانى يشبه ابن معين فى وقته. قال الدارقطنى: كان ثقة، وفوق الثقة، وهو وجه مشايخ بغداد، توفى سنة سبعين ومائتين، ﵀.
٧ - محمد بن إسحاق بن خزيمة الإمام (١) :
من أصحابنا، مكرر فى الروضة، وسنذكره فى نوع الأبناء إن شاء الله تعالى، فهو به أشهر.
٨ - محمد بن جرير (٢) :
تكرر ذكره فى الروضة، هو الإمام البارع فى أنواع العلوم، أبو جعفر محمد بن جرير ابن يزيد بن كثير بن غالب الطبرى. وهو فى طبقة الترمذى، والنسائى. سمع عبد الملك ابن أبى الشوارب، وأحمد بن منيع البغوى، ومحمد بن حميد الرازى، والوليد بن شجاع، وأبا كريب محمد بن العلاء، ويعقوب بن إبراهيم الدورقى، وأبا سعيد الأشج، وعمرو ابن على، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن يسار، وغيرهم من شيوخ البخارى ومسلم. وحدث عنه أحمد بن كامل، ومحمد بن عبد الله الشافعى، ومخلد بن جعفر، وخلائق.
قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادى فى تاريخ بغداد: استوطن الطبرى بغداد، وأقام بها حتى توفى، وكان أحد أئمة العلماء، يُحكم بقوله، ويُرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظًا لكتاب الله تعالى، عارفًا بالقراءات، بصيرًا بالمعانى، فقيهًا فى أحكام القرآن، عالمًا بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصحابة والتابعين فمن بعدهم فى الأحكام، عارفًا بأيام الناس وأخبارهم، وله كتاب التاريخ المشهور، وكتاب فى التفسير لم يصنف أحد مثله، وكتاب تهذيب الآثار، لم أر سواه فى معناه، لكنه لم يتمه، وله فى أصول الفقه
стр. 79
وفروعه كتب كثيرة، وتفرد بمسائل حفظت عنه.
قال الخطيب: وسمعت على بن عبد الله السمسار يحكى أن محمد بن جرير مكث أربعين سنة يكتب فى كل يوم أربعين ورقة. وعن الشيخ أبى حامد الإسفرايينى، قال: لو سافر رجل إلى الصين ليحصل تفسير ابن جرير الطبرى لم يكن هذا كثيرًا، أو كلامًا هذا معناه. وروينا عنه أنه قال لأصحابه: هل تنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ قال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا مما يفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره فى نحو ثلاثة آلاف ورقة. وكذلك قال لهم فى التاريخ، فأجابوه بمثل جواب التفسير، فقال: إنا لله، ماتت الهمم، فاختصره نحو ما اختصر التفسير. وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة: ما أعلم تحت أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير.
وروينا أن أبا بكر بن مجاهد إمام الناس فى القراءات استمع ليلة لقراءة محمد بن جرير، فقال: ما ظننت أن الله تعالى خلق بشرًا يُحسن يقرأن هذه القراءة. وروى الخطيب، عن القاضى أحمد بن كامل، قال: توفى أبو جعفر محمد بن جرير وقت المغرب ليلة الاثنين ليومين بقيا من شهر شوال سنة عشر وثلاثمائة، ودفن ضحوة يوم الاثنين فى داره، ولم يغير شيبه، وكان السواد فى شعر رأسه ولحيته كثيرًا، وكان مولده فى آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وعشرين ومائتين، وكان أسمر إلى الأدمة، أعين، نحيف الجسم، مديد القامة، فصيح اللسان، ولم يؤذن به أحد، واجتمع عليه ما لا يحصيهم عددًا إلا الله تعالى، وصلى على قبره عدة شهور ليلاً ونهارًا، وزاره خلق كثير من أهل الدين والأدب، ورثاه ابن الأعرابى، وابن دريد، وغيرهما، ولقد أجاد ابن دريد وأبلغ فى ترثيته.
قال الرافعى فى مواضع منها أول كتاب الزكاة من الشرح: تَفردُ ابن جرير لا يعد وجهًا فى مذهبنا، وإن كان معدودًا من طبقات أصحاب الشافعى، رضى الله عنهم أجمعين. قلت: ذكره أبو عاصم العيادى فى فقهاء الشافعية، وقال: هو من أفراد علمائنا، وأخذ فقه الشافعى عن الربيع المرادى، والحسن الزعفرانى.
٩ - محمد بن حاطب (١) :
الصحابى ابن الصحابى والصحابية، رضى الله عنهم،
стр. 80
مذكور فى المهذب فى الوليمة والسرقة. هو أبو القاسم، ويقال: أبو إبراهيم محمد بن حاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح القريشى الجمحى الكوفى، وأمه أم جميل فاطمة بنت المجلل، بالجيم، ابن عبد الله بن قيس القريشية العامرية، من بنى عامر بن لؤى، أسلمت وهاجرت، وقيل: اسمها جويرية، وقيل: أسماء، وهو أول من سمى فى الإسلام محمدًا، ولد بأرض الحبشة فى الهجرة، وقيل: إن أباه هاجر به إلى الحبشة وهو طفل، وأرضعته أسماء بنت عميس بلبن ابنها عبد الله بن جعفر، وكانا يتواصلان على ذلك حتى ماتا.
وحديثه المذكور فى الوليمة أن رسول الله ﷺ قال: “فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت”. رواه الترمذى، وقال: حديث حسن صحيح. والنسائى، وابن ماجة. روى عنه ابن بلج، بالموحدة والجيم، وسماك بن حرب، وأبو عون الثقفى. شهد مع على، رضى الله عنه، الجمل، وصفين، والنهروان، وتوفى بمكة سنة أربع وسبعين. وقال أبو نعيم: توفى بالكوفة سنة ست وثمانين، والأول أشهر، رضى الله عنه.
١٠ - محمد بن الحسن (١) :
صاحب أبى حنيفة، رضى الله عنهما. تكرر ذكره فى المختصر، فذكره فى اختلاف المتبايعين، والحوالة، ونكاح المشرك، والطلاق، والخراج، والشهادات، والقافة، والولاء، والكتابة، وغيرها. وذكره فى الروضة فى مواضع. هو الإمام أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد الشيبانى مولاهم. قال الخطيب البغدادى فى تاريخ بغداد: أصل محمد ابن الحسن دمشقى من أهل قرية تسمى حرستا، قدم أبوه العراق، فولد له محمد بواسط، ونشأ بالكوفة، وسمع الحديث بها من أبى حنيفة، ومسعر بن كدام، وسفيان الثورى، وعمر بن ذر، ومالك بن مغول.
قال: وكتب أيضًا عن مالك بن أنس، والأوزاعى، وزمعة بن صالح، وبكير بن عمار، وأبى يوسف. وسكن بغداد وحدث بها. روى عنه الشافعى، وأبو سليمان الجوزجانى، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وغيرهم. وكان الرشيد ولاه القضاء، وخرج معه فى سفره إلى خراسان، فمات بالرى، ودفن بها.
قال الخطيب: وقال محمد بن سعد كاتب
стр. 81
الواقدى: كان أصل محمد من الجزيرة، وكان أبوه من جند أهل الشام، فقدم واسطًا، فولد بها محمد سنة ثنتين وثلاثين ومائة، ونشأ بالكوفة، وطلب الحديث، وسمع سماعًا كثيرًا، وجالس أبا حنيفة، وسمع منه، ونظر فى الرأى فغلب عليه وعُرف به وتقدم فيه، وقدم بغداد فنزلها، واختلف إليه الناس، وسمعوا منه الحديث، والرأى، وخرج إلى الرقة وهارون الرشيد فيها، فولاه قضاءها، ثم عزله، فقدم بغداد، فلما خرج هارون إلى الرى الخرجة الأولى أمره فخرج معه، فمات بالرى سنة تسع وثمانين ومائة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة.
ثم روى الخطيب بإسناده، عن محمد بن الحسن، قال: ترك أبى ثلاثين ألف درهم، فأنفقت خمسة عشر ألفًا على النحو واللغة، وخمسة عشر ألفًا على الحديث والفقه. وبإسناده عن الشافعى، قال: قال محمد بن الحسن: أقمت على باب مالك ثلاث سنين وكسرًا. قال: وكان يقول: إنه سمع لفظ أكثر من سبعمائة حديث، وكان إذا حدثهم عن مالك امتلأ منزله وكثر الناس حتى يضيق عليه الموضع، وإذا حدث عن غير مالك لم يجئه إلا اليسير من الناس، فقال: ما أعلم أحدًا أسوأ ثناء على أصحابه منكم، إذا حدثتكم عن مالك ملأتم علىَّ الموضع، وإذا حدثتكم عن أصحابكم إنما تأتون متكارهين. وبإسناده عن إسماعيل بن حماد بن أبى حنيفة، قال: كان لمحمد بن الحسن مجلس فى مسجد الكوفة وهو ابن عشرين سنة.
وبإسناده عن الشافعى، قال: ما رأيت سمينًا أخف روحًا من محمد بن الحسن، وما رأيت أفصح منه، كنت إذا رأيته يقرأ كأن القرآن نزل بلغته. وعنه قال: ما رأيت أعقل من محمد بن الحسن. وعنه قال: ما رأيت مبدنًا قط أذكى من محمد بن الحسن. وعنه قال: كان محمد بن الحسن إذا أخذ فى المسألة كأنه قرآن ينزل، لا يُقدِّم حرفًا ولا يؤخره. وعنه قال: كان محمد بن الحسن يملأ العين والقلب. وعنه قال: حملت عن محمد بن الحسن وقْرَىْ بختى كتبًا.
وعن يحيى بن معين، قال: كتبت الجامع الصغير عن محمد بن الحسن. وعن أبى عبيد: ما رأيت أعلم بكتاب الله من محمد بن الحسن. وعن إبراهيم الحربى، قال: قلت
стр. 82
للإمام أحمد: من أين لك هذه المسائل الدقيقة؟ قال: من كتب محمد بن الحسن. وعن محمد بن سماعة، قال: قال محمد بن الحسن لأهله: لا تسألونى حاجة من حوائج الدنيا تشغلوا قلبى، وخذوا ما تحتاجون إليه من وكيلى، فإنه أقل لهمى وأفرغ لقلبى. وبإسناده عن يحيى بن معين، وعمرو بن على، وأبى داود، وغيرهم تضعيفه فى رواية الحديث.
وبإسناده عن أحمد بن يحيى ثعلب، قال: توفى الكسائى ومحمد بن الحسن فى يوم واحد، فقال الرشيد: ذهب اليوم اللغة والفقه، وماتا بالرى. وبإسناده عن ابن أبى رجاء، عن محمويه، قال: وكنا نعده من الأبدال، قال: رأيت محمد بن الحسن فى المنام، فقلت: يا أبا عبد الله، إلى ما صرت؟ قال: قال لى ربى: إنى لم أجعلك وعاء للعلم، وأنا أريد أن أعذبك، قلت: ما فعل أبو يوسف؟ قال: فوقى، قلت: أبو حنيفة؟ قال: فوق أبى يوسف بطبقات.
وقال الشيخ أبو إسحاق فى الطبقات: حضر محمد بن الحسن مجلس أبى حنيفة سنتين، ثم تفقه على أبى يوسف، وصنَّف الكتب الكثيرة، ونشر علم أبى حنيفة. قال الشافعى: ما رأيت أحدًا يسأل مسألة فيها نظر إلا تبينت فى وجهه الكراهة، إلا محمد ابن الحسن. قال: وروى الربيع، قال: كتب الشافعى إلى محمد، وقد طلب منه كتبًا ينسخها فأخرها عنه، شعر:
ـن من رآه مثله
قد رأى من قبله
أن يمنعوه أهله
لأهله لعله
قل لمن ترعيـ
ومن كأن من رآه
العلم ينهى أهله
لعله يبذله
فبعث إليه الكتب من وقته، رحمهما الله.
١١ - محمد بن سيرين الأنصارى:
مولاهم أبو بكر البصرى التابعى الإمام فى التفسير، والحديث، والفقه، وعبر الرؤيا، والمقدم فى الزهد والورع. تكرر ذكره فى المختصر. وأولاد سيرين ستة: محمد، ومعبد، وأنس، ويحيى، وحفصة، وكريمة، وكلهم
стр. 83
رواة ثقات، وروى محمد، عن يحيى، عن أنس، عن أنس بن مالك حديثًا، وهذا من المستطرفات لكونهم ثلاثة إخوة، روى بعضهم عن بعض، وكان أبوهم سيرين من سبى عين التمر، وهو مولى أنس بن مالك، كاتبه على عشرين ألف درهم فأداها وعتق.
قال ابن قتيبة فى المعارف: كانت أم ابن سيرين اسمها صفية، مولاة لأبى بكر الصديق، رضى الله عنه، طيبها ثلاث من أزواج النبى ﷺ ودعون لها، وحضر إملاكها ثمانية عشر بدريًا، منهم أُبى بن كعب، يدعو وهم يؤمنون، وكان سيرين يكنى أبا عمرة. قال: وقد ولد لسيرين ثلاثة وعشرون ولدًا من أمهات أولاد، دخل محمد بن سيرين على زيد بن ثابت، وسمع ابن عمر. قال يحيى بن معين: سمع منه حديثًا واحدًا.
وفى تاريخ بغداد، عن أيوب أنه سمع من ابن عمر حديثين، وسمع أيضًا جندب بن عبد الله البجلى، وأبا هريرة، وعبد الله بن الزبير، وعمران بن حصين، وعدى بن حاتم، وسليمان بن عامر، وأم عطية الأنصارى، وهؤلاء كلهم صحابة، وسمع من التابعين عبيدة، بفتح العين، السلمانى، ومسلم بن يسار، وشريحًا، وقيس بن عباد، بضم العين وتخفيف الباء، وعلقمة، والربيع بن خيثم، وأخاه معبدًا، وحميد بن عبد الرحمن الحميرى، وعبد الرحمن بن أبى بكرة، وأخته حفصة، وخلائق.
قال أحمد بن حنبل: لم يسمع ابن سيرين عباس. وقال هشام بن حسان: أدرك الحسن البصرى من أصحاب رسول الله ﷺ مائة وعشرين، وأدرك ابن سيرين ثلاثين منهم. وقال البخارى: حج ابن سيرين زمن ابن الزبير فسمعه، وسمع زيد بن ثابت، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وهو أكبر من أخيه أنس. وروى عنه جماعات من التابعين، منهم الشعبى، وأيوب، وقتادة، وسليمان التيمى، وخلائق منهم ومن غيرهم. قال ابن عون: كان ابن سيرين يحدث بالحديث على حروفه. وقال محمد بن سعد: كان ثقة، مأمونًا، عاليًا، رفيعًا، فقيهًا، إمامًا، كثير العلم، ورعًا.
وقال هشام بن حسان: حدثنى أصدق مَن أدركت محمد بن سيرين. وقال الخطيب فى تاريخ بغداد: كان ابن سيرين أحد الفقهاء المذكورين بالورع فى وقته. قال: وكان ابن سيرين مولى لأنس بن مالك، فكاتبه على ألوف، فعتق بالكتابة. وعن محمد، قال: حججنا فدخلنا
стр. 84
على زيد بن ثابت ونحن سبعة ولد سيرين، فقال: هذان لأم، وهذان لأم، وهذان لأم، وهذا لأم، فما أخطأ، وكان معبد أخاه لأمه. وعن مورق العجلى، قال: ما رأيت رجلاً أفقه فى ورعه، ولا أورع فى فقهه من محمد بن سيرين.
وعن عبد الحميد بن عبد الله بن مسلم بن يسار، قال: لما حبس ابن سيرين فى السجن قال له السجان: إذا كان الليل فاذهب إلى أهلك، وإذا أصبحت فتعال، فقال: لا والله لا أعينك على خيانة السلطان. قال الخطيب: وكان حبس فى دين ركبه لغريم له. وبإسناده عن المداينى، قال: كان سبب حبس ابن سيرين أنه اشترى زيتًا بأربعين ألف درهم، فوجد فى زق منه فأرة، فقال: الفأرة كانت فى المعصرة، فصب الزيت كله، وكان يقول: عيرت رجلاً بشىء من ثلاثين سنة أحسبنى عوقبت به. وكانوا يرون أنه عيره بالفقر فابتلى به.
وعن ابن عون: كان ابن سيرين من أرجى الناس لهذه الأمة وأشدهم أزرًا على نفسه. وعن هشام بن حسان، قال: كنا نزولاً مع ابن سيرين فى الدار، فكنا نسمع بكاه بالليل وضحكه بالنهار. ومرَّ ابن سيرين برواس قد أخرج رأسًا فغشى عليه، وادعى عليه رجل درهمين فأنكره، فقال: تحلف؟ قال: نعم، قيل له: تحلف على درهمين؟ قال: نعم، لا أطعمه حرامًا وأنا أعلم.
وعن عثمان البتى، قال: لم يكن بهذه البلدة أحد أعلم بالقضاء من محمد بن سيرين. قال ابن قتيبة: ولد لابن سيرين ثلاثون ولدًا من امرأة واحدة زوجة له عربية، ولم يبق منهم غير عبد الله بن محمد، وقضى عنه ابنه هذا ثلاثين ألف درهم، فما مات عبد الله حتى صار ماله ثلاثمائة ألف درهم.
واتفقوا على أن ابن سيرين توفى بالبصرة سنة عشر ومائة بعد الحسن بمائة يوم. قال حماد بن زيد: مات الحسن أول رجب سنة عشر ومائة، وصليت عليه، ومات ابن سيرين لتسع مضين من شوال سنة عشر. قال على بن المدينى، وعمرو بن على القلاس، وغيرهما: أصح الأسانيد محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن على، رضى الله عنهم. وفى هذه المسألة خلاف، وسنبسطه قريبًا فى ترجمة الزهرى محمد بن مسلم إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق.
١٢ - محمد بن طلحة بن عبيد الله (١) :
مذكور فى المهذب فى وسط باب استيفاء
стр. 85
القصاص، ثم فى قتال أهل البغى، هو أبو القاسم محمد بن طلحة بن عبيد الله القريشى التيمى المدنى، وتمام نسبه فى ترجمة أبيه. قال ابن أبى حاتم: أدرك النبى ﷺ له رواية وهو صبى مسح النبى ﷺ برأسه وسماه محمدًا، وكناه أبا القاسم.
روى عنه ابنه إبراهيم، وعبد الرحمن بن أبى ليلى، ويقال لمحمد هذا: السجاد، سمى بذلك لكثرة سجوده، وكان زاهدًا، عابدًا، صالحًا، وحضر وقعة الجمل مع عائشة، رضى الله عنها، وكان على، رضى الله عنه، نهى عن قتله لما علم من فراغ قلبه من المنازعة ونحوها، فقتله إنسان ذلك اليوم فى وقعة الجمل فى جمادى الأولى سنة ست وثلاثين. قال ابن قتيبة: وأم محمد هذا حمنة بنت جحش.
١٣ - محمد بن عباد (١) :
مذكور فى المختصر فى حديث القلتين، هو محمد بن عباد بن جعفر بن رفاعة بن أمية بن عابد، بالباء الموحدة، ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم القريشى المخزومى المكى. تابعى ثقة، سمع ابن عمر، وأبا هريرة، وجابرًا، وابن عمرو بن العاص، وغيرهم. روى عنه ابن جريج، وعبد الحميد بن جبير بن شيبة، وغيرهما. روى له البخارى ومسلم فى صحيحيهما. قال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث.
١٤ - محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبى صعصعة الأنصارى النجارى، بالنون، المدنى:
أبو عبد الرحمن. مذكور فى المختصر فى زكاة التجارة. روى عن أبيه، عن أبى سعيد. روى عنه محمد بن إسحاق بن يسار، ومالك، وابن عيينة، وهو ثقة. روى له البخارى فى صحيحه.
١٥ - محمد بن أبى بكر الصديق، رضى الله عنه (٢) :
مذكور فى المختصر فى تجارة الوصى، وفى المهذب فى الإحرام بالحج، هو أبو القاسم محمد بن أبى بكر عبد الله بن عثمان، وسيأتى تمام نسبه فى ترجمة أبيه إن شاء الله تعالى. ولد محمد هذا بذى الحليفة عام حجة الوداع لليال بقين من ذى القعدة سنة عشر من الهجرة. وحضر مع النبى ﷺ حجة الوداع، وتوفى رسول الله ﷺ وله نحو ثلاثة أشهر ونصف. روى عنه أبيه، وأمه أسماء بنت عميس. روى عنه ابنه القاسم. قال البخارى
стр. 86
فى كتاب الضعفاء: يختلفون فى حديثه. روى له النسائى، وابن ماجة. قتل بصر سنة ثمان وثلاثين، ﵀، وحزنت عليه عائشة، رضى الله عنها كثيرًا.
١٦ - محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبى ذئب هشام بن شعبة بن عبد الله بن أبى قيس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل - بكسر الحاء وإسكان السين المهملتين - ابن عامر بن لؤى بن غالب القريشى العامرى (١) :
أبو الحارث المدنى المعروف بابن أبى ذئب. تكرر فى المختصر، وهو من تابعى التابعين، سمع نافعًا، وعكرمة، وسعيد المقبرى، وآخرين من التابعين. روى عنه جماعات من الأئمة الكبار تابعى التابعين، منهم معمر، والثورى، ووكيع، ويحيى القطان، وابن المبارك، وخلائق. واتفقوا على إمامته وجلالته. روى له البخارى ومسلم فى صحيحيهما. قال أحمد بن حنبل: كان ابن أبى ذئب يشبه سعيد بن المسيب، قيل لأحمد: هل خلف ببلاده مثله؟ قال: لا، ولا بغيرها، وكان ثقة صدوقًا. قال يحيى بن معين: كل من روى عنه ابن أبى ذئب ثقة، إلا أبا جابر البياضى.
وقال الشافعى: ما فاتنى أحد فأسفت عليه ما أسفت على الليث بن سعد، وابن أبى ذئب، ولد سنة ثمانين، وأقدمه المهدى بغداد فحدث بها، ثم رجع يريد المدينة، فتوفى بالكوفة سنة تسع وخمسين ومائة، وهو ابن تسع وسبعين سنة، وكان يفتى بالمدينة. ذكر له الخطيب ترجمة نفيسة فى تاريخ بغداد، قال: وكان ثقة، صالحًا، ورعًا، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر. قال مصعب الزبيرى: كان ابن أبى ذئب فقيه المدينة. وعن محمد بن القاسم، قال: لما حج المهدى دخل مسجد النبى ﷺ ، فلم يبق أحد إلا قام إلا ابن أبى ذئب، فقال له المسيب بن زهير: قم، هذا أمير المؤمنين، فقال: إنما يقوم الناس لرب العالمين، فقال المهدى: دعه، فلقد قامت كل شعرة فى رأسى.
وعن أبى نعيم، قال: حججت سنة حج أبو جعفر وأنا ابن إحدى وعشرين سنة ومعه ابن أبى ذئب، ومالك بن أنس، فدعا ابن أبى ذئب فأقعده معه فى دار الندوة، فقال: ما تقول فى الحسن بن زيد بن الحسن ابن فاطمة؟ فقال: إنه ليتحرى العدل، فقال: ما تقول فىّ مرتين أو ثلاثًا، فقال: ورب هذه البنية إنك لجائر، فأخذ الربيع بلحيته، فقال
стр. 87
ابن جعفر: كف يا ابن اللخناء، وأمر له بثلاث مائة دينار.
وكان ابن أبى ذئب يصلى الليل أجمع، ويصوم يومًا ويفطر يومًا، ثم يسرد الصوم ويجتهد فى العبادة، ولو قيل له: إن القيامة غدًا، ما كان فيه مزيد اجتهاد. وذكر الخطيب بأسانيده جملاً من مناقبه وقوله بالحق، وإنكاره على الخلفاء، وأنه لا يأخذه فى الله لومة لائم، وتمييزه على علماء عصره فى ذلك، ﵀.
١٧ - محمد بن عجلان (١) :
تكرر فى المختصر، وذكره فى المهذب فى أول العدد، وهو أبو عبد الله محمد بن عجلان المدنى مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة. كان إمامًا، فقيهًا، عابدًا، وله حلقة فى مسجد رسول الله ﷺ ويفتى، وله مذهب معروف، وهو تابعى صغير.
قال أبو نعيم: سمع أنسًا، وأبا الطفيل الصحابيين، وخلائق من التابعين منهم أبوه، وعكرمة، ونافع، وسعيد المقبرى.
روى عنه جماعات من كبار الأئمة، منهم عبيد الله بن عمر، ومنصور بن المعتمر، ومالك بن أنس، والليث، والثورى، وابن عيينة، وحيوة بن شريح، وشعبة، والقطان، وعبد الله بن إدريس، وخلائق. وحمل به أكثر من ثلاث سنين. توفى بالمدينة سنة ثمان أو تسع وأربعين ومائة.
١٨ - محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، رضى الله عنهم، القريشى الهاشمى المدنى (٢) :
أبو جعفر، المعروف بالباقر، سمى بذلك لأنه بقر العلم، أى شقه، فعرف أصله، وعلم خفيه. وأمه أم عبد الله بنت حسن بن على بن أبى طالب. تكرر فى المختصر، وذكره فى المهذب فى صدقة التطوع، وفى باب تضمين الأجير، وفى دية اللسان، وهو تابعى جليل، إمام، بارع، مجمع على جلالته، معدود فى فقهاء المدينة وأئمتهم، سمع جابرًا، وأنسًا، وسمع جماعات من كبار التابعين كابن المسيب، وابن الحنفية، وغيرهما.
روى عنه أبو إسحاق السبيعى، وعطاء بن أبى رباح، وعمرو بن دينار، والأعرج، وهو أسن منه، والزهرى، وربيعة، وخلائق آخرون من التابعين وكبار الأئمة. وروى له البخارى ومسلم. قال مصعب الزبيرى: توفى سنة أربع عشرة ومائة. وقال يحيى بن معين: سنة ثمانى عشرة. وقال المداينى: سنة سبع عشرة، وهو ابن ثلاث وستين
стр. 88
سنة. وقال الواقدى: ابن ثلاث وسبعين سنة. وفى تاريخ البخارى عن ابنه جعفر أنه توفى وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ﵀.
١٩ - محمد بن على بن شافع القريشى المطلبى الشافعى:
عم الإمام الشافعى. تقدم باقى نسبه فى ترجمة الشافعى. روى عنه الشافعى فى عشرة النساء، وقال: عمى ثقة. روى عنه عبد الله بن على بن السائب.
٢٠ - محمد بن على بن أبى طالب (١) :
المعروف بابن الحنفية، واسمها خولة، من سبى بنى حنيفة، وهى خولة بنت جعفر ابن قيس بن مسلم بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة، كنية محمد هذا أبو القاسم، ويقال: أبو عبد الله. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر.
وقال ابن أبى حاتم: لثلاث بقين، وهو من كبار التابعين، دخل على عمر بن الخطاب، وسمع عثمان، وأباه، رضى الله عنهم.
روى عنه بنوه الحسن، وعبد الله، وإبراهيم، وعون، وجماعات من التابعين. روينا عنه، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، إن ولد لى مولود بعدك أسميه باسمك وأكنيه بكنيتك؟ قال: “نعم”.
قال أحمد بن عبد الله العقيلى الإمام الحافظ: ثلاثة يسمون محمدًا رخص فى كنيتهم بأبى القاسم: محمد بن أبى بكر، ومحمد بن على، ومحمد بن طلحة بن عبيد الله.
وقال إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد الحافظ: لا نعلم أحدًا أسند عن على، عن النبى ﷺ أكثر ولا أصح مما أسند محمد ابن الحنفية. قال عمرو بن على، وأبو نعيم فى رواية عنه: مات محمد بن الحنفية سنة أربع عشرة ومائة. وقال البخارى: قال أبو نعيم: مات سنة ثمانين. وقال يحيى بن بكير: سنة إحدى وثمانين. وقال المداينى: سنة ثلاث وثمانين.
وفى طبقات الفقهاء للشيخ أبى إسحاق، عن الهيثم بن عدى: سنة ثلاث أو اثنتين وسبعين. وفى تاريخ البخارى، عن أبى حمزة، بالحاء، قال: قضينا نسكنا حين قتل ابن الزبير، ثم رجعنا إلى المدينة مع محمد ابن الحنفية، فمكث ثلاثة أيام، ثم توفى. وهذا يوافق قول الهيثم، فإن ابن الزبير قتل سنة ثلاث وسبعين، وقيل: سنة اثنتين.
стр. 89
فصل
يقال لمحمد هذا: ابن الحنفية، ويقال: محمد بن على، ويقال: محمد بن على ابن الحنفية، فيُنسب إلى أبيه وأمه جميعًا، فعلى هذا يشترط أن ينون على، ويكتب ابن الحنفية بالألف، ويكون إعرابه إعراب محمد؛ لأنه وصف لمحمد لا لعلى، ولهذا نظائر، وقد أفردتها فى جزء، منها عبد الله بن مالك ابن بحينة، مالك أبوه وبحينة أمه. وعبد الله بن أُبى ابن سلول المنافق، أُبىّ أبوه وسلول أمه. وإسماعيل بن إبراهيم ابن علية مثلهما. والمقداد بن عمرو ابن الأسود، أبوه الحقيقى عمرو، وتبناه الأسود فنُسب إليه. وإسحاق ابن إبراهيم بن راهوية، فراهوية هو إبراهيم. ومثله محمد بن يزيد ابن ماجة صاحب السنن، ماجة هو يزيد، وآخرون كذلك.
٢١ - محمد بن عمرو بن حزم:
تكرر فى المختصر والمهذب، هو أبو عبد الملك، ويقال: أبو سليمان، ويقال: أبو القاسم محمد بن عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان، بفتح اللام وإسكان الواو وبذال معجمة، ابن عمرو بن عبد غنم بن مالك بن النجار الأنصارى النجارى، بالنون، المدنى. ولد فى حياة رسول الله ﷺ بنجران، وأبوه عامل عليها لرسول الله ﷺ ، وهو من كبار التابعين. روى عن عمر بن الخطاب، وعمرو بن العاص، وأبيه. روى عنه ابنه أبو بكر. قال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث، له عقب بالمدينة وببغداد، قُتل يوم الحرة بالمدينة سنة ثلاث وستين، وكان فقيهًا، فاضلاً من صالحى المسلمين.
٢٢ - محمد بن عروة بن علقمة بن وقاص بن محصن الليثى المدنى:
مذكور فى المختصر. قال ابن أبى حاتم: كنيته أبو عبد الله، وفى تاريخ البخارى أن كنيته أبو الحسن، وهو من تابعى التابعين، سمع أبا سلمة بن عبد الرحمن، ونافعًا، وسالم ابن عبد الله، وعبد الأغر، وأباه، وآخرين. روى عنه مالك، والسفيانان، وشعبة، ويحيى
стр. 90
القطان، ويزيد بن هارون، وعبد الله بن نمير، والنضر بن شميل، وخلائق. قال يحيى القطان: هو رجل صالح. وقال عمرو بن على: توفى سنة خمس وأربعين ومائة.
٢٣ - محمد بن كعب القرظى (١) :
تكرر فى المختصر والمهذب، هو بضم القاف وفتح الراء وبالظاء المعجمة، منسوب إلى بنى قريظة الطائفة المعروفة من اليهود. وهو تابعى جليل، من كبار التابعين وأئمتهم، وهو أبو حمزة محمد بن كعب بن سليم. وقال محمد بن سعد: محمد بن كعب بن حيان، بالمثناة، ابن سليم بن أسد المدنى. من حلفاء الأوس، وكان أبوه من سبى قريظة، سكن محمد الكوفة، ثم عاد إلى المدينة. قال قتيبة: بلغنى أنه ولد فى حياة رسول الله ﷺ . سمع ابن عباس، وزيد بن أرقم، ومعاوية. وقيل: سمع ابن مسعود، ورأى ابن عمر.
وروى عن جابر بن عبد الله، وأنس، وأبى ذر، وأبى هريرة، والبراء، والمغيرة، وعبد الله بن يزيد الخطمى، وكعب بن عجرة الصحابيين، رضى الله عنهم. وروى عنه جماعات من كبار التابعين وصغارهم، منهم عمرو بن دينار، وأبو سهيل، ومحمد بن المنكدر، وزيد بن أسلم، وخلائق. واتفقوا على أنه ثقة.
قال ابن سعد: كان ثقة، عالمًا، كثير الحديث، ورعًا. قال أبو نعيم، وابن أبى شيبة، والترمذى: توفى سنة ثمان ومائة. وقال عمرو بن على، والواقدى: سنة سبع عشرة ومائة. وقيل: سنة عشرين.
٢٤ - محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى (٢) :
أبو بكر القريشى الزهرى المدنى. سكن الشام، وكان بأيلة، ويقولون تارة: الزهرى، وتارة: ابن شهاب، ينسبونه إلى جد جده، وقد تكرر فى المختصر، والمهذب، والروضة، وهو تابعى صغير، سمع أنس بن مالك، وسهل بن سعد، والسائب بن يزيد، وشبيبًا أبا جميلة، وعبد الرحمن بن أزهر، وربيعة بن عباد، بكسر العين وتخفيف الباء، ومحمود بن الربيع، وعبد الله بن ثعلبة بن صغير، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وأبا أمامة أسعد بن سهل بن حنيف، وأبا الطفيل، ورجلاً من بلى له صحبة، وهؤلاء كلهم صحابة. ورأى ابن عمر، وسمع
стр. 91
خلائق من كبار التابعين وائمتهم. روى عنه خلائق من كبار التابعين وصغارهم، ومن أتباع التابعين، ومن شيوخه.
وروينا بالإسناد الصحيح عن عمرو بن دينار، قال: ما رأيت أنص للحديث من الزهرى، وما رأيت أحدًا الدينار والدرهم أهون عنده منه، إن كانت الدنانير والدراهم عنده بمنزلة البعر. وروينا عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، قال: قلت لأبى: بم فاقكم الزهرى؟ قال: كان يأتى المجالس من صدورها ولا يأتيها من خلفها، ولا يبقى فى المجلس شابًا إلا سأله، ولا كهلاً إلا سأله، ثم يأتى الدار من دور الأنصار، فلا يبقى فيها شابًا إلا سأله، ولا كهلاً إلا سأله، ولا فتى إلا سأله، ولا عجوزًا إلا سالها، ولا كهلة إلا سألها، حتى يحاول ربات الحجال. وروينا عن الليث بن سعد، قال: ما رأيت عالمًا أجمع من ابن شهاب، ولا أكثر علمًا منه.
قال البخارى: قال على ابن المدينى: للزهرى نحو ألفى حديث. وقال أحمد بن الفرات: ليس فيهم أجود مسندًا من الزهرى. وقال أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية: أصح الأسانيد مطلقًا الزهرى، عن سالم، عن أبيه. وقال أبو بكر بن أبى شيبة: أصحها الزهرى، عن على بن الحسين، عن أبيه، عن على. وقال على بن المدينى، وعمرو بن على القلاس، وغيرهما: أصحها محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن على.
وقال يحيى بن معين: أصحها الأعمش، عن إبراهيم النخعى، عن علقمة، عن ابن مسعود. وقال البخارى: أصحها مالك، عن نافع، عن ابن عمر. فعلى هذا قال أبو منصور عبد القاهر التميمى: أصحها الشافعى، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ لإجماع أهل الحديث على أن الشافعى أجل أصحاب مالك، رضى الله عنهم أجمعين. والمختار أنه لا يجزم لإسناد أنه أصحها على الإطلاق لعسر ذلك.
وقال الشافعى، ﵀: لولا الزهرى لذهبت السنن من المدينة. ومناقبه والثناء عليه وعلى حفظه أكثر من أن يحصر.
وقال البخارى فى التاريخ: قال لى إبراهيم بن المنذر، عن معن، عن ابن أخى الزهرى أنه أخذ القرآن فى ثمانين ليلة، وهذا إسناد فى نهاية من الصحة، ومعناه أن الزهرى حفظ القرآن فى ثمانين ليلة. وبإسناده الصحيح عن
стр. 92
أيوب السختيانى، قال: ما رأيت أعلم من الزعرى، فقيل له: ولا الحسن؟ قال: ما رأيت أعلم من الزهرى. قال البخارى: وقال لنا عبد الله بن صالح: حدثنا الليث، عن الزهرى، قال: ما استودعت حفظى شيئًا فخاننى.
وبإسناده الصحيح عن سعد بن إبراهيم، قال: ما أرى أحدًا بعد رسول الله ﷺ جمع ما جمع الزهرى. وقال مالك: حدثنى الزهرى بحديث فيه طول، قلت: أعد ما كنت تحب أن يعاد عليك، فقال: لا، قلت: اكتب، فكتب. قال: توفى ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومائة، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، ودفن بقرية له بأطراف الشام يقال لها: شغبدا، بشين مفتوحة، وغين ساكنة معجمتين، وبباء موحدة مفتوحة، ثم دال مهملة مفتوحة مخففة.
٢٥ - محمد بن مسلمة الصحابى، رضى الله عنه:
تكرر فى المختصر فى السير، وذكره فى المهذب فى الفرائض، هو أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو سعيد محمد بن مسلمة بن سلمة بن خالد بن عدى ابن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصارى الحارثى المدنى. شهد مع رسول الله ﷺ بدرًا والمشاهد كلها، وقيل: استخلفه النبى ﷺ على المدينة فى غزوة تبوك.
روى عنه جماعة من الصحابة جابر بن عبد الله، والمغيرة، والمسور بن مخرمة، وسهل ابن أبى خيثمة، رضى الله عنهم، وجماعات من التابعين. اعتزال الفتنة، وأقام بالربذة، وتوفى بالمدينة فى صفر سنة ثلاث وأربعين. وقيل: سبع وأربعين، وهو ابن تسع وسبعين.
قال محمد بن إسحاق، وموسى بن عقبة: محمد بن مسلمة هو الذى قتل مرحبا اليهودى بخيبر. قال ابن عبد البر: الصحيح أن قالته على بن أبى طالب. وقال الشافعى فى مختصر المزنى فى أول كتاب السير: إن النبى ﷺ أعطى محمد بن مسلمة سلب مرحب يوم خيبر، وهذا دليل على أنه قاتله. قال ابن الأثير: قيل: إن محمد بن مسلمة هو قاتل مرحب. قال: والصحيح الذى عليه أكثر أهل السير والحديث أن عليًا هو قاتله، خلف عشرة بنين وست بنات.
٢٦ - محمد بن نصر:
من أصحابنا أصحاب الوجوه، مذكور فى الروضة فى
стр. 93
الوصية فى ركن الصيغة، وفى كتاب الصداق فى باب تشطره فى مسألة من أصدقها حليًا فكسرته. هو الإمام البارع العلامة فى فنون العلم، أبو عبد الله محمد بن نصر المروزى الفقيه الشافعى.
روينا فى تاريخ بغداد عن الخطيب، قال: محمد بن نصر المروزى، أبو عبد الله الفقيه، صاحب التصانيف الكثيرة، والكتب الجمة، ولد ببغداد، ونشأ بنيسابور، ورحل إلى سائر الأمصار فى طلب العلم، واستوطن سمرقند.
وكان من أعلم الناس باختلاف الصحابة ومن بعدهم فى الأحكام. روى الحديث عن عبدان، وصدقة بن الفضل، ويحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهوية، وأبى قدامة السرخسى، وهدبة بن خالد، بالموحدة، ومحمد بن بشار، وابن المثنى، وإبراهيم بن المنذر، وغيرهم من أهل خراسان، والعراق، والحجاز، والشام، ومصر. روى عنه ابنه إسماعيل، وأبو على البلخى، وعثمان بن جعفر بن اللبان، ومحمد بن يعقوب بن الأخرم، وغيرهم.
ثم روى الخطيب، عن محمد بن نصر، قال: ولدت سنة اثنتين ومائتين قبل وقاة الشافعى بسنتين، قال: وكان أبى مروزيًا. ثم روى عن القفال الشاشى، قال: سمعت أبا بكر الصيرفى يقول: لو لم يصنف محمد بن نصر إلا كتاب القسامة لكان من أفقه الناس، فكيف وقد صَنَّف كتبًا سواه. وعن محمد بن عبد الحكم، قال: كان محمد بن نصر عندنا بمصر إمامًا، فكيف بخراسان. وعن أبى بكر أحمد بن إسحاق، قال: ما رأيت أحسن صلاة من محمد بن نصر، ولقد بلغنى أن زنبورًا قعد على جبهته فسال الدم على وجهه ولم يتحرك. قلت: هذا محمول على دم يسير، بحيث يعفى عنه ولا يبطل الصلاة.
أخبرنى أبو محمد الأنبارى، أخبرنا الحرستانى، أخبرنا أبو الفتح نصر الله، أخبرنا أبو الفتح نصر المقدسى، أخبرنا أبو الفضل أحمد بن محمد الفراتى، قال: سمعت جدى أبا عمرو الفراتى يقول: سمعت أبا منصور محمد بن أحمد بن حمشاد يقول: سمعت الأستاذ أبا الوليد حسان بن محمد القريشى يقول: سمعت أبا الفضل البلعمى يقول: دخل محمد ابن نصر المروزى، ﵀، على إسماعيل بن أحمد والى خراسان، فقام له وبجله وأبلغ فى تعظيمه وإجلاله، فلما خرج
стр. 94
عاتبه أخوه إسحاق بن أحمد على ذلك، فقال له إسماعيل: إنما قمت له إجلالاً لإخبار رسول الله ﷺ ، ثم إن إسماعيل رأى رسول الله ﷺ فى المنام، فقال له: قمت لمحمد بن نصر إجلالاً لإخبارى لا جرم، ثبت ملكك، وملك بنيك لإجلالك له، وذهب ملك أخيك إسحاق وملك بنيه لاستخفافه بمحمد بن نصر، فبقى ملك إسماعيل وبنيه أكثر من مائة وعشرين سنة.
وذكر الشيخ أبو إسحاق فى طبقات الفقهاء، عن محمد بن نصر، قال: كتبت الحديث بضعًا وعشرين سنة، وسمعت قولاً ومسائل ولم يكن لى حسن رأى فى الشافعى، فبينا أنا قاعد فى مسجد رسول الله ﷺ أغفيت، فرأيت النبى ﷺ فى المنام، فقلت: يا رسول الله، أكتب رأى أبى حنيفة؟ فقال: لا، فقلت: رأى مالك؟ فقال: اكتب ما وافق حديثى، قلت: أكتب رأى الشافعى؟ فطأطأ رأسه شبه الغضبان، وقال: لا تقول رأى الشافعى، ليس بالرأى، بل هو رد على من خالف سنتى، قال: فخرجت فى أثر هذه الرؤيا إلى مصر، وكتبت كتب الشافعى.
توفى محمد بن نصر، ﵀، بسمرقند سنة أربع وتسعين ومائتين، وكانت لحيته بيضاء، وكان من أحسن الناس صورة، وله اختيارات غريبة مخالفة للمذهب، ظهر له دلائلها منها ما حكيته عنه فى الروضة أنه قال: يكفى فى صحة الوصية الإشهاد عليه بأن هذا الكتاب خطى وما فيه وصيتى، وإن لم يعلم الشاهد ما فيه. كذا نقله عنه إمام الحرمين والمتولى. وحكى أبو الحسن العبادى عنه أنه يكفى الكتاب بلا شهادة، والمشهور أنه لابد من الإشهاد، ومعرفة الشاهدين المشهود به، والله أعلم.
٢٧ - محمد بن يحيى بن حبان بن منقذ:
مذكور فى المختصر فى باب الساعات التى نهى عن الصلاة فيها. وفى المهذب فى خيار الشرط، وفى الحجر. هو أبو عبد الله محمد بن يحيى بن حبان، بفتح الحاء باتفاق العلماء، ابن منقذ بن عمرو، ويقال: عطية بدل عمرو بن خنساء، بفتح الخاء المعجمة ثم نون ساكنة، ابن مبذول، بالذال المعجمة، ابن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار الأنصارى النجارى، بالجيم، المازنى المدنى.
تابعى
стр. 95
مشهور، سمع أنسًا، وعمه واسع بن حبان، كانت له حلقة فى مسجد رسول الله ﷺ ، وكان يفتى، وكان كثير الحديث والفقه. وحبان ومنقذ صحابيان سيوضحان فى ترجمة حبان إن شاء الله تعالى. توفى محمد بالمدينة سنة إحدى وعشرين ومائة، وهو ابن أربع وسبعين سنة. روى له البخارى، ومسلم فى صحيحيهما. قال يحيى بن معين، وأبو حاتم، والباقون: كان ثقة.
٢٨ - محمد بن يحيى صاحب الغزالى:
تكرر فى الروضة. هو الإمام أبو سعيد محمد بن يحيى بن أبى منصور النيسابورى الشهيد. تفقه على الغزالى، وأبى المظفر أحمد بن محمد الخوافى، وغيرهما، وكان إمامًا، بارعًا فى الفقه، والزهد، والورع، وتفقه عليه خلائق من الأئمة. ورحل إليه الناس من الأقطار، وتخرج به خلائق، فصاروا أئمة، قتلته الغز لما استولوا على نيسابور شهيدًا فى شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.
* * *
حرف الألف
باب من اسمه آدم
٢٩ - آدم أبو البشر، ﵇:
مذكور فى المهذب فى مواضع، منها الفرائض، كنيته أبو البشر، ويقال: أبو محمد، خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته، واصطفاه، وكرم ذريته، وعلمه جميع الأسماء، وجعله أول الأنبياء، وعلمه ما لم يعلم الملائكة المقربين، وجعل من نسله الأنبياء، والمرسلين، والأولياء، والصديقين.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] الآية، وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] الآية. وثبت فى صحيح مسلم، عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تعالى خلقه يوم الجمعة". واشتهر فى كتب الحديث والتواريخ أنه عاش ألف سنة، وروينا معناه فى حديث مرفوع.
وروينا فى تاريخ دمشق فى حديث طويل عن عائشة، رضى
стр. 96
الله عنها، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: "أنا أشبه الناس بأبى آدم، ﵇، وكان أبى إبراهيم، ﵇، أشبه الناس بى خلقًا وخُلقًا". فأما اشتقاق اسمه، فقال الإمام أبو الحسن على بن أحمد الواحدى: قال ابن عباس، رضى الله عنهما: سمى آدم؛ لأنه خلق من أديم الأرض. قال: وهكذا قاله أهل اللغة فيما حكاه الزجاج. قال الزجاج: قال أهل اللغة: آدن مشتق من أديم الأرض؛ لأنه خُلق من تراب، وأديم الأرض وجهها. قال: وقال النضر بن شميل: سمى آدم لبياضه. وهذا كله تصريح منهم بأن آدم اسم عربى مشتق، وإلا فالعجمى لا اشتقاق له.
قال أبو البقاء: آدم وزنه أفعل، والألف منه مبدلة من همزة، وهى فاء الفعل؛ لأنه مشتق من أديم الأرض أو من الأدمة، قال: ولا يجوز أن يكون أصله فاعلاً بفتح العين، إذ لو كان كذلك لانصرف، كالعالم، وخاتم، والتعريف وحده لا يمنع الصرف، وليس هو بعجمى، هذا كلام أبى البقاء.
وقال الإمام أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقى فى كتابه المعرب: أسماء الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، كلها أعجمية، نحو: إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وإلياس، وإدريس، وأيوب، إلا أربعة: آدم، وصالحًا، وشعيبًا، ومحمدًا، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
قال أبو إسحاق الزجاج: اختلفت الآيات فيما بدىء به خلق آدم، ففى موضع خلقه الله تعالى من تراب، وفى موضع من طين لازب، وفى موضع من حمأ مسنون، وفى موضع من صلصال، قال: وهذه الألفاظ راجعة إلى أصل واحد، وهو التراب الذى هو أصل الطين، فأعلمنا الله أنه خلقه من تراب جعل طينًا، ثم انتقل فصار كالحمأ المسنون، ثم انتقل فصار صلصالاً كالفخار. ولقد أحسن الزجاج، ﵀.
قال الإمام أبو إسحاق الثعلبى فى قول الله إخبارًا أن إبليس قال: ﴿خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] ، قال الحكماء: أخطأ عدو الله فى تفضيله النار على الطين؛ لأن الطين أفضل منها من أوجه:
أحدها: أنه من جوهر الطين الرزانة، والسكون، والوقار، والحلم، والأناة، والحياء، والصبر، وذلك سبب توبة آدم وتواضعه وتضرعه، فأورثه
стр. 97
المغفرة، والاجتباء، والهداية. وجوهر النار الخفة، والطيش، والحدة، والارتفاع، والاضطراب، وذلك سبب استكبار إبليس فأورثه اللعنة والهلاك.
والثانى: أن الجنة موصوفة بأن ترابها مسك، ولم ينقل أن فيها نارًا.
الثالث: أنها سبب العذاب بخلاف الطين.
الرابع: أن الطين مستغن عن النار وهى محتاجة إلى مكان وهو التراب.
الخامس: أن الطين سبب جمع الأشياء، وهى سبب تفريقها، وبالله التوفيق.
٣٠ - آدم بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز القريشى الأموى (١) :
وتمام نسبه فى ترجمة جده. مذكور فى المهذب فى قسم الفىء، كان شاعرًا ماجنًا، وكان ببغداد فى صحابة الخليفة المهدى، ثم تاب ونسك.
* * *
باب أبان
٣١ - أبان بن عثمان (٢) :
مذكور فى المختصر فى نكاح المحرم، هو أبو سعيد أبان بن عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القريشى الأموى المدنى التابعى الكبير، يلتقى مع رسول الله ﷺ فى عبد مناف، وأمه أم عمرو بنت جندب الدوسية. سمع أباه، وزيد بن ثابت. روى عنه الزهرى، وعمر بن عبد العزيز، وخلائق من التابعين وغيرهم.
قال عمرو بن شعيب: ما رأيت أحدًا أعلم بحديث ولا فقه من أبان بن عثمان. وقال يحيى بن سعيد: كان فقهاء المدينة عشرة: سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم، وسالم، وعروة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وقبيصة بن ذؤيب، وأبان بن عثمان، وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار. واتفق العلماء على أنه ثقة، توفى بالمدينة سنة خمس ومائة.
واعلم أن فى صرف أبان خلافًا مشهورًا، الصحيح الذى عليه الأكثرون والمحققون صرفه، فمن صرفه قال: الهمزة أصل والألف زائدة، ووزنه فعال كغزال وعناق ونظائرهما، ومن منع صرفه عكس، فقال: الهمزة زائدة والألف بدل من ياء، ووزنه أفعل، فلا ينصرف لوزن الفعل، وقد بسطت الكلام فى تحقيقه فى أوائل
стр. 98
شرح صحيح مسلم، ﵀.
* * *
باب إبراهيم
قد سبق فى ترجمة آدم أن إبراهيم إسم أعجمى، وفيه لغات أشهرها إبراهيم، والثانية إبراهام، وقرىء بهما فى السبع، والثالثة والرابعة والخامسة إبراهم، بكسر الهاء وفتحها وضمها، حكاهن الإمام أبو حفص عمر بن خلف بن مكى الصقلى النحوى اللغوى فى كتابه تثقيف اللسان، عن الفراء، عن العرب، وحكى الكسر والضم أيضًا جماعات منهم الإمام أبو البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبرى، قال: وقرىء بهما فى الشواذ، قال: وجمعه أباره عند قوم، وعند آخرين براهم، وقيل: براهمة. قال الإمام أبو الحسن الماوردى صاحب الحاوى: معناه بالسريانية أب رحيم.
وقال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة: تحذف الألف من الأسماء الأعجمية نحو إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وإسرائيل، استثقالاً لها، كما ترك صرفها. قال: وكذلك سليمان، وهارون، وسائر الأسماء الأعجمية المستعملة، فأما ما لا يكثر استعماله منها كهاروت، وماروت، وطالوت، وجالوت، وقارون، فلا تحذف الألف فى شىء منها، ولا تحذف من داود، وإن كان مستعملاً؛ لأنه حذف منه أحد الواوين، فلو حذفت الألف أيضًا أجحف بالكلمة، وأما ما كان على فاعل كصالح، ومالك، وخالد، فيجوز إثبات الألف، ويجوز حذفها بشرط أن يكثر استعماله، فإن لم يكثر كسالم، وجابر، وحاتم، وحامد، لم يجز حذف الألف، ومما كثر استعماله ويدخله الألف واللام يكتب بغير ألف مع الألف واللام، فإن حذفتهما أثبت الألف، تقول: قال الحارث، وقال: حارث؛ لئلا يشتبه بحرب، ولا تحذف الألف من عمران، ويجوز حذفها وإثباتها فى مروان، وعثمان، وسفيان، ونحوهم بشرط كثرة استعماله، وبالله التوفيق.
٣٢ - إبراهيم خليل الرحمن، صلوات الله عليه وسلامه:
تكرر فى هذه الكتب كلها. قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: ١٢٥] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ
стр. 99
أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَآتَيْنَاهُ فِى الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِى الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٢] .
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١] .
وقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] .
وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِى الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] .
وقال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِى وَفىّ﴾ [النجم: ٣٧] .
وقال تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٠] .
وهو أبو إسماعيل إبراهيم بن آزر، وهو تارح، بمثناة من فوق، وفتح الراء، وبحاء مهملة، قيل: آزر اسم، وتارح لقب، وقيل عكسه، والقولان مشهوران، وباقى نسبه إلى آدم مختلف فيه، ولا يصح فى تعيينه شىء، فتركته لهذا ولعدم الضرورة إليه. أنزل الله تعالى عليه صحفًا كما أخبر سبحانه فى كتابه العزيز. قال أهل التاريخ: كانت عشر صحائف، وجعل له لسان صدق فى الآخرين، أى ثناء حسنًا، فليس أحد من الأمم إلا يحبه، وأكرمه بالخلة، وبأن جعل أكثر الأنبياء من ذريته، وختم ذلك بنبينا محمد ﷺ ، والآيات الكريمة فى بيان أحواله معلومة أشرت إلى بعضها.
هاجر، ﵇، من العراق إلى الشام، قيل: بلغ عمره مائة وخمسًا وسبعين سنة، وقيل: مائتى سنة، ودفن فى الأرض المقدسة، وقبره معروف بالبلدة المعروفة بالخليل، بينها وبين بيت المقدس دون مرحلة.
روينا فى صحيحى البخارى ومسلم، عن أبى هريرة، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : “اختتن إبراهيم، ﵇، وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم” (١) ، روى القدوم، بالتخفيف والتشديد، وسنوضحه فى موضعه من قسم اللغات إن شاء الله تعالى.
وروينا فى صحيحيهما، عن ابن عباس، رضى الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: “أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، ﵇” (٢) . وروينا فى صحيح مسلم، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : “حين أسرى بى ورأيت إبراهيم، وأنا أشبه ولده به” (٣) .
وفى صحيح مسلم أيضًا، عن أنس، أن رجلاً قال للنبى ﷺ :
стр. 100
يا خير البرية، قال: “ذاك إبراهيم”، وهذا محمول على التواضع، وإلا فالنبى ﷺ أفضل الخلق؛ لقوله ﷺ : “أنا سيد ولد آدم” (١) . وفى صحيح البخارى، عن ابن عباس، قال: “كان آخر قول إبراهيم حين ألقى فى النار: حسبى الله ونعم الوكيل” (٢) ، وفى رواية فى البخارى: “قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقى فى النار”.
وفى الصحيحين أن رسول الله ﷺ أخبر عن ليلة الإسراء ورؤيته الأنبياء فى السموات، ورأى إبراهيم فى السماء السادسة، وفى رواية: فى السابعة، مُسندًا ظهره إلى البيت المعمور. وفى صحيح البخارى، عن سمرة بن جندب، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : “أتانى الليلة اثنان، فأتينا على رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولاً، وأنه إبراهيم”.
روينا فى موطأ مالك، عن سعيد بن المسيب، ﵀، قال: “كان إبراهيم النبى، ﵇، أول الناس ضيّف الضيف، وأول الناس اختتن، وأول الناس قص شاربه، وأول الناس رأى الشيب، فقال: يا رب، ما هذا؟ فقال الله ﵎: وقار يا إبراهيم، فقال: يا رب، زدنى وقارًا”. ورويناه فى تاريخ دمشق بزيادة: “وأول من استحد وقلم أظفاره”.
وقد مَنَّ الله الكريم علينا وجعل لنا رواية متصلة، وسببًا متعلقًا بخليله إبراهيم، ﵇، كما مَنَّ علينا بذلك فى حبيبه وخليله وصفيه محمد ﷺ . أخبرنا الإمام أبو محمد عبد الرحمن ابن الإمام أبى عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسى، رضى الله عنه، أخبرنا أبو حفص بن طبرزد، أنا أبو الفتح الكروخى، أنا القاضى أبو عامر، أنا أبو محمد بن الجراحى، أنا أبو العباس المحبوبى، أنا أبو عيسى الترمذى، ثنا عبد الله بن أبى زياد، ثنا سيار، ثنا عبد الواحد بن زياد، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : “لقيت إبراهيم ليلة أسرى بى، فقال: يا محمد، أقرىء أمتك منى السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر” (٣) . قال الترمذى: هذا حديث حسن.
روينا فى تاريخ دمشق للحافظ أبى القاسم بن عساكر، عن ابن عباس، رضى الله عنهما، قال: ولد إبراهيم،
стр. 101
عليه السلام، بغوطة دمشق، بقرية يقال لها: برزة. قال الحافظ: كذا فى هذه الرواية، والصحيح أنه ولد بكوثا من إقليم بابل بالعراق، وإنما نسب إليه هذا المقام؛ لأنه صلى فيه، إذ جاء معينًا للوط، ﵇. وفى التاريخ أن آزر كان من أهل حران، وأن أم إبراهيم اسمها نونا، وقيل: أينونا، وأن نمرود حبسه سنين، ثم ألقاه فى النار، وأنه كان يدعى أبا الضيفان.
وعن عكرمة أنه كان يكنى أبا الضيفان، وأن تجارة إبراهيم كانت فى البز، وأن النار لم تنل منه إلا وثاقه لتنطلق يداه. قال الله ﵎: ﴿يَا نَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] ، وأن النار بردت فى ذلك الوقت على أهل المشرق والمغرب، فلم ينضج بها زراع، وأن جبريل، ﵇، مر به حين ألقى فى الهواء، فقال: يا إبراهيم، ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا.
وفيه عن على بن أبى طالب، رضى الله عنه، أن البغال كانت تتناسل، وكانت أسرع الدواب فى نقل الحطب لنار إبراهيم، فدعا عليها، فقطع الله نسلها. وعن الحسن البصرى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] ، قال: ابتلاه بالكوكب، فوجده صابرًا، ثم ابتلاه بالقمر، فوجده صابرًا، ثم ابتلاه بالشمس، فوجده صابرًا، ثم ابتلاه بالنار، فوجده صابرًا، ثم ابتلاه بذبح ابنه، فوجده صابرًا.
وعن مجاهد أن إبراهيم وإسماعيل حجا ماشيين. وعنه فى قول الله تعالى: ﴿ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤] ، إكرامهم أنه خدمه بنفسه. وفى حديث مرفوع: أنه كان من أغير الناس.
وعن كعب الأحبار، وآخرين، أن سبب وفاة إبراهيم، ﵇، أنه أتاه ملك فى صورة شيخ كبير فضيفه، فكان يأكل ويسيل طعامه ولعابه على لحيته وصدره، فقال له إبراهيم: يا عبد الله، ما هذا؟ قال: بلغت الكبر الذى يكون صاحبه هكذا، قال: وكم أتى عليك؟ قال: مائتا سنة، ولإبراهيم يومئذ مائتا سنة، فكره الحياة لئلا يصير إلى هذه الحال، فمات بلا مرض. وعن أبى السكن الهجرى، قال: توفى إبراهيم، وداود، وسليمان، ﵈، فجأة، وكذلك الصالحون، وهو تخفيف على المؤمن. قلت: هو تخفيف ورحمة فى حق المراقبين، وبالله التوفيق.
وفى التاريخ أيضًا فى ترجمة هاجر، قال: هاجر، ويقال: آجر، بالمد، القبطية، ويقال: الجرهمية، أم إسماعيل،
стр. 102
كانت للجبار الذى كان يسكن عين الجر بقرب بعلبك، فوهبها لسارة، فوهبتها لإبراهيم، وأنها توفيت ولابنها إسماعيل عشرون سنة، ولها تسعون سنة، فدفنها إسماعيل فى الحجر. وفى ترجمة سارة امرأة إبراهيم، أنها إم إسحاق، وأنها كانت من أحسن نساء العالمين، وأنها توفيت ولها مائة وسبع وعشرون سنة، فتزوج إبراهيم امرأة من الكنعانيين يقال لها: قنطوراء. وفى الحديث: “الترك بنو قنطوراء” (١) ، وكان إسماعيل أكبر ولد إبراهيم، عليهم الصلاة والسلام.
٣٣ - إبراهيم بن أبى القاسم محمد رسول الله ﷺ :
مذكور فى المهذب فى التعزية، أمه مارية القبطية، ولدته فى ذى الحجة سنة ثمان من الهجرة، وتوفى سنة عشر. ثبت فى صحيح البخارى أنه توفى وله سبعة عشر أو ثمانية عشر شهرًا، هكذا ثبت على الشك. قال الواقدى، وغيره: توفى يوم الثلاثاء لعشر خلون من شهر ربيع الأول سنة عشر. وثبت فى البخارى أيضًا من رواية البراء بن عازب، أنه لما توفى إبراهيم، قال رسول الله ﷺ : “إن له مرضعًا فى الجنة” (٢) ، ضبطناه بالوجهين، أشهرهما بضم الميم وكسر الضاد، والثانى بفتحهما.
وسر رسول الله ﷺ بولادته كثيرًا، وكانت قابلته سلمى مولاة رسول الله ﷺ امرأة أبى رافع، فبشر أبو رافع به النبى ﷺ ، فوهبه عبدًا، وحلق شعره يوم سابعه. قال الزبير ابن بكار: وتصدق بزنة شعره فضة، ودفنه، وسماه، ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قين بالمدينة لترضعين. قال الزبير: تنافست الأنصار فيمن يرضعه، وأحبوا أن يفرغوا مارية للنبى ﷺ . وفى صحيح البخارى، عن أنس، قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبى سيف لقين، وكان ظئرًا لإبراهيم، أى زوج مرضعته، فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ فقال: “يا ابن عوف، إنها رحمة الله”، ثم اتبعها بأخرى، فقال: “إن العين
стр. 103
تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون” (١) . ودفن بالبقيع، وقبره مشهور عليه قبة، وصلى عليه رسول الله ﷺ ، وكبر أربع تكبيرات، هذا قول جمهور العلماء، وهو الصحيح.
وروى ابن إسحاق بإسناده، عن عائشة، رضى الله عنه، أن النبى ﷺ لم يصل عليه. قال ابن عبد البر: هذا غلط، فقد أجمع جماهير العلماء على الصلاة على الأطفال إذا استهلوا، وهو عمل استفيض فى السلف والخلف. قيل: إن الفضل بن عباس غسل إبراهيم، ونزل فى قبره هو وأسامة بن زيد، ورسول الله ﷺ جالس على شفير القبر، ورش على قبره ماء، وهو أول قبر رش عليه الماء. وأما ما روى عن بعض المتقدمين: لو عاش إبراهيم لكان نبيًا، فباطل وجسارة على الكلام فى المغيبات، ومجازفة، وهجوم على عظيم من الزلات، والله المستعان.
٣٤ - إبراهيم بن سعد (٢) :
شيخ الشافعى. مذكور فى المختصر فى كتاب الصيام فى باب الجود والإفضال، هو أبو إسحاق إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشى الزهرى المدنى. وسكن بغداد، وتمام نسبه فى ترجمة جد أبيه عبد الرحمن بن عوف، أحد العشرة المبشرة، رضى الله عنهم، هو من تابعى التابعين. سمع أباه، والزهرى، وهشام بن عروة، ومحمد بن إسحاق، وآخرين من الأئمة. روى عنه جماعات من الأعلام، شعبة، والليث، وابن مهدى، وابناه يعقوب وسعد، وأحمد بن عبد الله، وموسى بن إسماعيل، ويزيد بن هارون، وابن وهب، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، والقعنبى، وأحمد بن حنبل، وخلائق.
وهو ثقة، كثير الحديث، روى له البخارى، ومسلم، واستوطن بغداد، وولى بها بيت المال لهارون الرشيد، وتوفى بها سنة ثلاث، وقيل: أربع وثمانين ومائة، وهو ابن خمس وتسعين سنة، ودفن بمقابر باب التين. قال الخطيب: حدث عنه يزيد بن عبد الله بن الهاد، والحسين بن سيار، وبين وفاتيهما مائة واثنتا عشرة سنة. توفى يزيد سنة تسع وثلاثين ومائة.
٣٥ - إبراهيم بن محمد بن أبى يحيى:
شيخ الشافعى. كرره فى المختصر كثيرًا، هو
стр. 104
مدنى، مولى بنى أسلم. واسم أبى يحيى: سمعان، ويقال له: إبراهيم بن محمد بن أبى عطاء. روى عن صفوان بن سليم، وصالح مولى التوأمة، ويحيى الأنصارى، ومحمد بن المنكدر، وغيرهم. روى عنه الشافعى، وداود ابن عبد الله، ويحيى بن آدم. واتفق العلماء على تضعيفه وجرحه، وأنه كان يرى القدر، ويتهمونه بالكذب. قال البخارى فى تاريخه: قال يحيى القطان: تركه ابن المبارك والناس. قال: وكنا نتهمه بالكذب.
وحكى ابن أبى حاتم جرحه وتوهينه عن مالك، ووكيع، وابن المبارك، وابن عيينة، والقطان، وابن المدينى، وأحمد، وابن معين، وأبى حاتم، وأبى زرعة، وغيرهم. قال أحمد: لا تكتب حديثه، تركه الناس؛ لأنه يروى أحاديث منكرة لا أصل لها، ويأخذ أحاديث الناس يضعها فى كتبه. وقال وكيع: لا تكتبوا عنه حرفًا. وقال ابن معين: هو كذاب متروك الحديث. وقال بشر بن المفضل: سألت فقهاء المدينة عنه، فكلهم قالوا: هو كذاب.
٣٦ - إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن ذهل بن سعد بن مالك بن النخع النخعى الكوفى:
فقيه أهل الكوفة، أبو عمران. تكرر فى المختصر، وذكره فى المهذب فى ميراث أهل الفرض، ثم فى الشهادات فى مسألة التوبة، وأمه مليكة بنت يزيد بن قيس أخت الأسود بن يزيد، وهو تابعى جليل، دخل على عائشة، رضى الله عنها، ولم يثبت له منها سماع، وسمع جماعات من كبار التابعين منهم علقمة، وخالاه الأسود، وعبد الرحمن ابنا يزيد، ومسروق، وأبو عبيدة بن عبد الله، وغيرهم. روى عنه جماعات من التابعين، منهم السبيعى، وحبيب بن أبى ثابت، وسماك بن حرب، والحكم، والأعمش، وابن عون، وحماد بن أبى سليمان شيخ أبى حنيفة.
وأجمعوا على توثيقه وجلالته وبراعته فى الفقه. روينا عن الشعبى أنه قال حين توفى النخعى: ما ترك أحدًا أعلم منه أو أفقه، قيل: ولا الحسن وابن سيرين؟ قال: ولا الحسن وابن سيرين، ولا من أهل البصرة، ولا الكوفة، ولا الحجاز، ولا الشام. وروينا عن أحمد بن صالح العجلى، قال: لم يحدث النخعى عن أحد من أصحاب النبى ﷺ ، وقد أدرك منهم جماعة، ورأى عائشة.
стр. 105
وروينا عن الأعمش، قال: كان النخعى صيرفى الحديث. وقال أبو زرعة: النخعى علم من أعلام أهل الإسلام. وقال العجلى: كان النخعى صالحًا، فقيهًا، متوقيًا، قليل التكلف. توفى سنة ست وتسعين، وهو ابن تسع وأربعين سنة. وقال البخارى: ابن ثمان وخمسين سنة.
٣٧ - إبراهيم بن يوسف:
من أصحابنا، مذكور فى الروضة قبيل كتاب الرجعة بأسطر، هو أبو [......] (١) .
٣٨ - إبراهيم بن ميسرة (٢) :
مذكور فى أول نكاح المهذب، هو طائفى سكن مكة، مولى لبعض أهل مكة، تابعى جليل، سمع أنسًا، وسمع جماعة من كبار التابعين، طاووسًا، وسعيد بن المسيب. روى عنه أبو أيوب السختيانى التابعى، وابن جريج، والثورى، وابن عيينة، وآخرون. واتفقوا على أنه ثقة مأمون. قال ابن عيينة: كان من أوثق الناس وأصدقهم. قال الحميدى: حدثنا سفيان، قال: أخبرنى إبراهيم بن ميسرة، من لم تر عيناك والله مثله. قال البخارى، عن على بن المدينى: لإبراهيم بن ميسرة نحو ستين حديثًا. وقال: توفى قريبًا من سنة ست وثلاثين ومائة، ﵀.
٣٩ - إبراهيم البلدى:
مذكور فى الوسيط فى باب الآنية، لا ذكر له فى هذه الكتب إلا فى هذا الموضع، وهى روايته عن المزنى، عن الشافعى، أنه رجع عن تنجس شعر الآدمى. وقد رأيت بعض من لا معرفة له بهذا الشأن ينكر على الغزالى، وينسبه إلى التفرد بهذه الحكاية عن البلدى، وهذا عجب، فإنها مشهورة حكاها جماعة قبل الغزالى، عن البلدى، عن المزنى، منهم صاحب الحاوى، وإمام الحرمين، وغيرهما، وهو البلدى، بفتح الباء واللام، منسوب إلى بلد (٣) .
стр. 106
٤٠ - إبراهيم المروذى:
من أصحابنا المصنفين، تكرر ذكره فى الروضة، هو بفتح الميم، وضم الراء المشددة، وواو ساكنة، ثم ذال معجمة، منسوب إلى مرو الروذ مدينة بخراسان، وهو الإمام [......] (١) .
* * *
باب إبليس
٤١ - إبليس عدو الله:
مذكور فى المهذب فى باب الإقرار. قال الجوهرى وغيره: كنيته أبو مرة، واختلف العلماء فى أنه من الملائكة من طائفة يقال لهم: الجن، أم ليس من الملائكة؟ وفى أنه اسم عربى أم عجمى؟ والصحيح أنه من الملائكة، وأنه عجمى. قال الإمام أبو الحسن الواحدى: قال أكثر أهل اللغة والتفسير: سمى إبليس؛ لأنه أبلس من رحمة الله تعالى، أى أيس، والمبلس المكتئب الحزين الآيس. قال: وعلى هذا هو عربى مشتق.
وقال ابن الأنبارى: لا يجوز أن يكون مشتقًا من أبلس؛ لأنه لو كان مشتقًا لصرف، كما أن إسحاق إذا كان عربيًا مأخوذًا من أسحقه الله إسحاقًا انصرف، فلو كان إبليس مشتقًا لصرف كأكليل وبابه، فلما لم يصرف دل على أنه عجمى معرفة، والعجمى ليس مشتقًا. وقال ابن جرير: إنما لم يصرف، وإن كان عربيًا؛ لقلة نظيره فى كلام العرب، فشبهوه بالأعجمى، وهذا الذى قاله ابن جرير يبطل بباب إفعيل، فإنه مصروف كله إلا إبليس. قال الواحدى: والاختيار أنه ليس بمشتق؛ لإجماع النحويين على أنه منع الصرف للعجمة والمعرفة.
стр. 107
قال: واختلفوا فى أنه من الملائكة، فروى عن طاووس، ومجاهد، عن ابن عباس أنه كان من الملائكة، وكان اسمه عزازيل، فلما عصى الله تعالى لعنه الله وجعله شيطانًا مريدًا، وسماه إبليس، وبهذا قال ابن مسعود، وابن المسيب، وقتادة، وابن جريج، وابن جرير، واختاره الزجاج، وابن الأنبارى، قالوا: وهى مستثنى من جنس المستثنى منه. قالوا: وقول الله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] ، أى طائفة من الملائكة يقال لهم: الجن.
وقال الحسن، وعبد الرحمن بن زيد، وشهر بن حوشب: ما كان من الملائكة قط، واستثناء منقطع، والمعنى عندهم أن الملائكة وإبليس أمروا بالسجود، فأطاعت الملائكة كلهم وعصى إبليس، والصحيح أنه من الملائكة؛ لأنه لم ينقل أن غير الملائكة أمر بالسجود، والأصل فى الاستثناء أن يكون من جنس المستثنى منه، والله أعلم. وأما إنظاره إلى يوم الدين فزيادة فى عقوبته، وتكثير معاصيه وغوايته، نسأل الله الكريم اللطف وخاتمة الخير.
* * *
باب أبي ض
٤٢ - أبيض بن حمال الصحابى، رضى الله عنه:
مذكور فى المختصر، والمهذب، والوسيط فى إحياء الموات، وحَمَّال بفتح الحاء المهملة، وتشديد الميم، وهو أبو سعيد أبيض بن حمال بن مرثد بن ذى لحيان، بضم اللام، الشيبانى المأربى، بعد الميم همزة ساكنة يجوز تخفيفها بقلبها ألفًا، ثم راء مكسورة وباء موحدة، من أهل مأرب بلدة معروفة باليمن، وسنوضحها فى الميم من اللغات إن شاء الله تعالى.
قال ابن سعد: وفد أبيض على النبى ﷺ إلى المدينة، قال: ويقال: بل لقيه بمكة فى حجة الوداع، حديثه عند أولاده، ذكر له فى المهذب حديثين أحدهما: "إقطاع ملح مأرب"، رواه أبو داود، والترمذى، وابن ماجة، والآخر حديث: "لا حمى فى الأراك" (١) ، رواه أبو داود. وفى الصحابة جماعة يسمون أبيض غيره.
* * *
باب أُبيّ
٤٣ - أُبىّ بن عمارة الصحابى الأنصارى، رضى الله عنه:
راوى حديث ترك
стр. 108
التوقيق فى مسح الخف، مذكور فى المهذب فى مسح الخف، وهو مكسور العين، ويقال: بضمها، والكسر أشهر، وبه جزم أبو نصر بن ماكولا وآخرون من أئمة هذا الشأن، وحكى جماعة فيه الكسر والضم جميعًا، منهم الحافظ أبو عمر بن عبد البر، وأبو بكر البيهقى، وأبو محمد بن الغنى المقدسى، وآخرون، وكل من حكى من الوجهين قال: الكسر أشهر وأكثر، إلا ابن عبد البر، فقال: الأكثرون على الضم، واتفقوا على أنه ليس فى الأسماء عمارة بالكسر غيره. قال ابن أبى حاتم: ويقال: أُبىّ بن عبادة، يعنى بالباء والدال، عداده فى المدنيين، وسكن مصر.
قالوا: وله حديث واحد، وهو أنه صلى مع النبى ﷺ فى بيته إلى القبلتين، فسأله عن المسح على الخف، فقال: "امسح ما شئت ... " الحديث. واتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف مضطرب، وأنكر بعض العلماء كون أُبىّ بن عمارة صحابيًا. قال ابن عبد البر: اضطرب حديثه، ولم يذكره البخارى فى تاريخه الكبير؛ لأنهم يقولون: أنه أخطأ، وإنما هو أبو أُبىّ ابن أم حزام، واسمه عبد الله، هذا كلام ابن عبد البر. وقال ابن أبى حاتم: من قال: أُبىّ بن عمارة أخطأ، إنما هو أبو أُبىّ، واسمه عبد الله بن عمرو ابن أم حزام، كذا رواه إبراهيم بن عبلة، وذكر أنه رآه وسمع منه. وسمعت والدى يقول ذلك، أدخله أبو زرعة فى مسند البصريين، والله أعلم.
٤٤ - أُبىّ بن كعب السيد القارى، رضى الله عنه (١) :
تكرر فى المختصر، وفى المهذب، هو أُبىّ بن كعب بن قيس بن عبيد بن يزيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، واسم النجار تيم اللات، وقيل: تيم الله بن ثعلبة ابن عمرو بن الخزرج الأكبرى الأنصارى الخزرجى النجارى، بالنون، المعادى المدنى، وقيل: أُبىّ بن كعب بن المنذر بن قيس، له كنيتان، إحداهما: أبو المنذر، كناه بها رسول الله ﷺ ، والثانية: أبو الطفيل، كناه بها عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، أى بابنه الطفيل.
وأم أبى صهيلة، بضم الصاد المهملة، بنت الأسود بن حرام، بالراء، ابن عمرو بن زيد مناة بن عدى
стр. 109
بن عمرو بن مالك بن النجار، وهى عمة أبى طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام، والأوس والخزرج هو جماع الأنصار، وهما ابنا حارثة، بالحاء والمثلثة، ابن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرىء القيس بن مازن بن الأسد، ويقال: الأزد بن الغوث، بفتح الغين المعجمة وبالمثلثة، ابن نبت، بفتح النون وإسكان الموحدة، وأما النجار، فقيل: سمى بذلك؛ لأنه اختتن بالقدوم، وقيل: ضرب وجه رجل بالقدوم فنجره، أى نحته.
شهد أُبىّ، رضى الله عنه، العقبة الثانية فى السبعين من الأنصار، رضى الله عنهم، وشهد بدرًا وغيرها من المشاهد مع رسول الله ﷺ ، رُوى له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وأربعة وستون حديثًا، اتفق البخارى ومسلم منها على ثلاثة، وانفرد البخارى بثلاثة، ومسلم بسبعة. روى عنه جماعة من الصحابة منهم أبو ايوب، وابن عباس، وأبو موسى الأشعرى، وآخرون، ومن التابعين ابنه الطفيل، وسويد بن غفلة، وزر بن حبيش، وعبد الرحمن بن الأسود، وعبد الرحمن بن أبى ليلى، وآخرون.
ثبت فى صحيحى البخارى ومسلم عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قرأ على أُبىّ ابن كعب سورة: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١] ، وقال: "أمرنى الله أن أقرأ عليك"، وهى منقبة عظيمة لأُبىّ لم يشاركه فيها أحد من الناس. وفى كتاب الترمذى وغيره أن رسول الله ﷺ قال: "أقرأ أمتى أُبىّ بن كعب" (١) .
وفى الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خذوا القرآن من أربعة: عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبى حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأُبىّ بن كعب، رضى الله عنهم" (٢) . وكان عمر، رضى الله عنه، يقول: أُبىّ سيد المسلمين.
وقال مسروق: كان أصحاب القضاء من أصحاب رسول الله ﷺ ستة: عمر، وعلى، وعبد الله، وأُبىّ، وزيد، وأبو موسى. قال محمد بن سعد، عن الواقدى: أول من كتب لرسول الله ﷺ حين قدم المدينة أُبىّ بن كعب، وهو أول من كتب فى آخر الكتاب: فلان بن فلان. توفى أُبىّ، رضى الله عنه، بالمدينة ودفن بها، قيل: سنة ثلاثين فى خلافة عثمان. قال أبو نعيم الأصبهانى: وهذا هو الصحيح. وقيل: سنة تسع عشرة، وقيل: سنة عشرين، وقيل: سنة اثنتين وعشرين، وقيل: ثنتين وثلاثين.
стр. 110
قال ابن عبد البر: والأكثر أنه مات فى خلافة عمر، وكان أبيض الرأس واللحية، لا يغير شيبه، قصيرًا، نحيفًا، رضى الله عنه وأرضاه، وجعل الجنة مثواه.
* * *
باب أحمد
٤٥ - أحمد بن حنبل الإمام، رضى الله عنه (١) :
تكرر فى المهذب، والوسيط، والروضة، هو الإمام البارع، المجمع على جلالته، وإمامته، وورعه، وزهادته، وحفظه، ووفور علمه، وسيادته، أبو عبد الله أحمد بن محمد ابن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان، بالمثناة، ابن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن على بن بكر بن وائل بن قاسطا بن هنب، بكسر الهاء وإسكان النون وبعدها موحدة، ابن أفصى، بالفاء والصاد المهملة، ابن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان الشيبانى المروزى ثم البغدادى، أبو عبد الله.
خرج من مرو حملاً، وولد ببغداد ونشأ بها، إلى أن توفى بها، ودخل مكة، والمدينة، والشام، واليمن، والكوفة، والبصرة، والجزيرة. سمع سفيان بن عيينة، وإبراهيم بن سعد، ويحيى القطان، وهشيمًا، ووكيعًا، وابن علية، وابن مهدى، وعبد الرزاق، وخلائق. روى عنه شيخه عبد الرزاق، ويحيى بن آدم، وأبو الوليد، وابن مهدى، ويزيد ابن هارون، وعلى بن المدينى، والبخارى، ومسلم، وأبو داود، والذهلى، وأبو زرعة الرازى، والدمشقى، وإبراهيم الحربى، وأبو بكر أحمد بن محمد بن هانىء الطائى الأثرم، والبغوى، وابن أبى الدنيا، ومحمد بن إسحاق الصاغانى، وأبو حاتم الرازى، وأحمد بن أبى الحوارى، وموسى بن هارون، وحنبل بن إسحاق، وعثمان بن سعيد الدارمى، وحجاج بن الشاعر، وعبد الملك بن عبد الحميد الميمونى، وبقى بن مخلد الأندلسى، ويعقوب بن شيبة، وخلائق.
روينا من طرق عن إبراهيم الحربى، قال: رأيت ثلاثة لم نر مثلهما أبدًا: أبا عبيد القاسم ما مثلته إلا بجبل نفخ فيه الروح، وبشر بن الحارث ما شبهته إلا برجل عجن من