باب العين والميم
٤٣٥ - عمر بن حبيب القاضى (١) :
مذكور فى المهذب فى أواخر صدقة الفطر. هو عمر بن حبيب القاضى البصرى العدوى، من عدى بن عبد مناة بن أد بن طابخة، ولى قضاء البصرة، وولى قضاء الشرقية للمأمون.
روى عن هشام بن عروة، ويحيى الأنصارى، وابن عون، وخالد الحذاء، وسليمان التيمى، وداود ابن أبى هند، وابن جريج، وشعبة، وابن عيينة، وغيرهم. روى عنه محمد ابن عبيد المنادى، وزكريا بن الحارث، وأبو قلابة الرقاشى، ومحمد بن يونس، وغيرهم.
قال أحمد بن حنبل: قدم علينا عمر بن حبيب، فلم نكتب عنه حرفًا، وكان مستخفًا به جدًا. وقال يحيى بن معين: هو ضعيف، كان يكذب. وقال أبو زكريا: كان ابن علية يثنى على عمر بن حبيب، وليس كما قال، بل عمر بن حبيب ليس بشىء. وقال البخارى فى تاريخه: يتكلمون فيه.
وقال يعقوب بن سفيان: هو ضعيف، لا يُكتب حديثه. وقال أبو زرعة: ليس بالقوى. وقال النسائى: هو ضعيف. وقال زكريا الساجى: كان يهم عن الثقات، وكان من أصحاب عبد الله بن الحسن، فأظنهم تركوه لموضع الرأس، وكان صدوقًا، ولم يكن من فرسان الحديث. وقال أحمد بن عبد الله: ليس هو بشىء. وقال ابن عدى: وهو مع ضعفه يُكتب حديثه.
توفى سنة سبع ومائتين. وروينا له فى تاريخ بغداد حكاية بديعة مختصرها أنه حضر مجلس هارون الرشيد، فتكلم الحاضرون فى مسألة، فاحتج بعضهم بحديث عن أبى هريرة، فأنكره الأكثرون وطعنوا فى أبى هريرة، فانتصر له عمر بن حبيب، وقال: أبو هريرة ثقة صحيح النقل، فغضبوا عليه وهموا بقتله، ولم يبق إلا قتله،
стр. 352
وجاءه رسول الخليفة، فقال: أجب أمير المؤمنين وتحنط وتكفن، فقال: اللهم إنك تعلم إنى دفعت عن صاحب نبيك ﷺ ، وأجللت نبيك ﷺ أن يُطعن فى أحد من أصحابه، فسلمنى منه.
فدخل على الخليفة وفى يده السيف وقدامه النطع، فقال: يا عمر بن حبيب، ما تلقانى أحد من الرد والدفع لقولى بمثل ما لقيتنى، فقال: يا أمير المؤمنين، الذى كنت تقول فيه إزراء برسول الله ﷺ وبما جاء به، وإذا كان أصحابه كذابين فالشريعة باطلة والأحكام مردودة، فقال: أحييتنى يا عمر بن حبيب أحياك الله، كررها ثلاث مرات، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
٤٣٦ - عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، رضى الله عنه (١) :
تكرر ذكره فى كل هذه الكتب. هو أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح، بالمثناة تحت، ابن عبد الله بن قرط بن رزاح، برا مفتوحة ثم زاى ثم ألف ثم حاء مهملة، ابن عدى بن كعب بن لؤى بن غالب القرشى العدوى المدنى، أمير المؤمنين، رضى الله عنه.
أمه حنتمة، بفتح الحاء المهملة ثم نون ساطنة ثم مثناة فوق مفتوحة، بنت هاشم، ويقال: هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب، قالوا: فمن قال: بنت هشام، كانت أخت أبى جهل، ومن قال: بنت هاشم، كانت بنت عمه. قال ابن عبد البر: الصحيح بنت هاشم، ومن قال: بنت هشام، فقد أخطأ. وقال الزبير بن بكار: بنت هاشم، كما قال ابن عبد البر. وقال ابن مندة وابن نعيم: هى بنت هشام أخت أبى جهل، ونقله أبو نعيم، عن محمد بن إسحاق.
ولد عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، وكان من أشراف قريش. قالوا: وإليه كانت السفارة فى الجاهلية، فكانت قريش إذا وقعت الحرب بينهم أو بينهم وبين غيرهم، بعثوه سفيرًا، أى رسولاً، ولما بعث رسول الله ﷺ كان عمر شديدًا عليه وعلى المسلمين، ثم لطف الله تعالى به، فأسلم قديمًا، فأسلم بعد أربعين رجلاً وإحدى عشرة امرأة، وقيل: بعد تسعة وثلاثون رجلاً وثلاث وعشرين امرأة، وقيل: بعد خمسة وأربعين رجلاً
стр. 353
وإحدى عشرة امرأة.
وعن سعيد بن المسيب، قال: أسلم عمر بعد أربعين رجلاً وعشرة نسوة، فما هو إلا أن أسلم فظهر الإسلام بمكة. وقال الزبير بن بكار: أسلم عمر بعد دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم بعد أربعين رجلاً أو نيف وأربعين من رجال ونساء، وكان النبى ﷺ قال: “اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك: عمر بن الخطاب، أو عمرو بن هشام” (١) ، يعنى أبا جهل.
وخبر إسلامه مشهور، وأن سببه أن أخته فاطمة بنت الخطاب، رضى الله عنها، كانت زوجة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، أحد العشرة، وكانت أسلمت هى وزوجها، فسمع عمر بذلك فقصدهما ليعاقبهما، فقرأ عليه القرآن، فأوقع الله تعالى فى قلبه الإسلام فأسلم، ثم جاء إلى النبى ﷺ وأصحابه وهم مختفون فى دار الصفاء، فأظهر إسلامه، فكبَّر المسلمون فرحًا بإسلامه، ثم خرج إلى مجامع قريش، فنادى بإسلامه، وضربه جماعة منهم وضاربهم، فأجاره خاله فكفوا عنه، ثم لم تطب نفس عمر حين رأى المسلمين يُضربون وهو لا يُضرب فى الله، فردَّ جواره، فكان يضاربهم ويضاربونه إلى أن أظهر الله تعالى الإسلام.
وعن ابن مسعود، قال: كان إسلام عمر فتحًا، وكانت هجرته نصرًا، وكانت إمامته رحمة، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلى فى البيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتلهم حتى تركونا فصلينا.
وعن حذيفة، قال: لما أسلم عمر كان الإسلام كالرجل المقبل، لا يزداد إلا قربًا، فلما قُتل عمر كان الإسلام كالرجل المدبر، لا يزداد إلا بُعدًا.
قال محمد بن سعد: كان إسلام عمر، رضى الله عنه، فى السنة السادسة من النبوة. واتفقوا على تسميته بالفاروق، ورووا عن النبى ﷺ أنه قال: “إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، وهو الفاروق، فَرَّق الله به بين الحق والباطل”. وعن عائشة، قالت: سمى رسول الله ﷺ عمر الفاروق.
واتفقوا على أنه أوَّل مَن سُمِّىَ أمير المؤمنين، وإنما كان يقال لأبى بكر، رضى الله عنه، خليفة رسول الله ﷺ . وعمر، رضى الله عنه، أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الخلفاء الراشدين، وأحد أصهار رسول الله ﷺ ، وأحد كبار علماء الصحابة وزهادهم.
رُوى له عن رسول الله ﷺ
стр. 354
خمسمائة حديث وتسعة وثلاثون حديثًا، اتفق البخارى ومسلم منها على ستة وعشرين حديثًا، وانفرد البخارى بأربعة وثلاثين، ومسلم بأحد وعشرين.
روى عنه عثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبى وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وأبو ذر، وعمرو بن عبسة، وابنه عبد الله بن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وأنس، وأبو موسى الأشعرى، وجابر بن عبد الله، وعمرو بن العاص، وأبو لبابة بن عبد المنذر، والبراء بن عازب، وأبو سعيد الخدرى، وأبو هريرة، وابن السعدى، وعقبة بن عامر، والنعمان بن بشير، وعدى بن حاتم، ويعلى بن أمية، وسفيان بن وهب، وعبد الله بن سرجس، والفلتان بن عاصم، وخالد بن عرفطة، والأشعث بن قيس، وأبو أمامة الباهلى، وعبد الله بن أنيس، وبريدة الأسلمى، وفضالة بن عبيد، وشداد بن أوس، وسعيد بن العاص، وكعب بن عجرة، والمسور بن مخرمة، والسائب بن يزيد، وعبد الله بن الأرقم، وجابر بن سمرة، وحبيب ابن مسلمة، وعبد الرحمن بن أبزى، وعمرو بن حريث، وطارق بن شهاب، ومعمر بن عبد الله، والمسيب بن حزن، وسفيان بن عبد الله، وأبو الطفيل، وعائشة، وحفصة، رضى الله عنهم، وكلهم صحابة.
وروى عنه من التابعين خلائق، منهم ابنه عاصم، ومالك بن أوس، وعلقمة بن وقاص، وأبو عثمان النهدى، وأسلم مولاهم، وقيس بن أبى حازم، وخلق سواهم. وأجمعوا على كثرة علمه، ووفور فهمه، وزهده، وتواضعه، ورفقه بالمسلمين، وإنصافه، ووقوفه مع الحق، وتعظيمه آثار رسول الله ﷺ ، وشدة متابعته له، واهتمامه بمصالح المسلمين، وإكرامهم أهل الفضل والخير، ومحاسنه أكثر من أن تستقصى.
قال ابن مسعود حين توفى عمر: ذهب بتسعة أعشار العلم. وأقوال السلف فى علمه مشهورة.
وهاجر إلى المدينة حين أراد النبى ﷺ الهجرة، فتقدم قدامه فى جماعة. قال البراء بن عازب: أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير، ثم ابن أم مكتوم، ثم عمر ابن الخطاب فى عشرين راكبًا، فقلنا: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قال: هو على أثرى، ثم قدم رسول الله ﷺ وأبو بكر، رضى الله عنه.
وعن على، رضى الله عنه، قال: ما علمت أحدًا هاجر إلا مختفيًا
стр. 355
إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما همَّ بالهجرة تقلَّد سيفه، وتنكب فرسه، وانتضى فى يده أسهمًا، وأتى الكعبة وأشراف قريش بفنائها، فطاف سبعًا، ثم صلى ركعتين عند المقام، ثم أتى حلقهم واحدة واحدة، فقال: شاهت الوجوه، مَن أراد أن تثكله أمه، ويؤتم ولده، وترمل زوجته فليلقنى وراء هذا الوادى، فما تبعه منهم أحد.
قال ابن إسحاق: هاجر عمر وزيد ابنا الخطاب، وسعيد بن زيد، وعمرو وعبد الله ابنا سراقة، وخنيث بن حذافة، وواقد بن عبد الله، وخولى وهلال ابنا أبى خولى، وعياش بن أبى ربيعة، وخالد، وإياس وعاقل بنو الكبير، فنزلوا على رفاعة بن المنذر فى بنى عمرو بن عوف.
وشهد عمر، رضى الله عنه، مع رسول الله ﷺ بدرًا، وأُحُدًا، والخندق، وبيعة الرضوان، وخيبر، والفتح، وحنينًا، والطائف، وتبوك، وسائر المشاهد، وكان شديدًا على الكفار والمنافقين، وهو الذى أشار بقتل أسارى بدر، ونزل القرآن على وفق قوله فى ذلك، وكان عمر ممن ثبت مع رسول الله ﷺ يوم أُحُد.
وأما زهده وتواضعه، فمن المشهورات التى استوى الناس فى العلم بها. قال طلحة ابن عبد الله: كان عمر أزهدنا فى الدنيا، وأرغبنا فى الآخرة. وقال سعد بن أبى وقاص: قد علمت بأى شىء فضلنا عمر، كان أزهدنا فى الدنيا.
وروينا أن عمر دخل على ابنته حفصة، فقدمت إليه مرقًا باردًا وصبت عليه زيتًا، فقال: إدامان فى إناء واحد، لا آكله حتى ألقى الله . وعن أنس، قال: لقد رأيت فى قميص عمر أربع رقاع بين كتفيه. وعن أبى عثمان، قال: رأيت عمر يرمى الجمرة وعليه إزار مرقوع بقطعة جراب. وعن غيره أن قميص عمر كان فيه أربع عشرة رقعة أحدها من أدم.
وأما فضائل عمر الثابتة عن رسول الله ﷺ فى الصحيح، فأكثر من أن تحصر، منها عن سعيد بن زيد أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، رضى الله عنهم، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: “أبو بكر فى الجنة، وعمر فى الجنة، وعثمان فى الجنة، وعلى فى الجنة، وطلحة فى الجنة، والزبير فى الجنة، وسعد بن مالك، هو ابن أبى وقاص، فى الجنة، وعبد الرحمن
стр. 356
بن عوف فى الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح فى الجنة”، وسكت عن العاشر، قالوا: من العاشر؟ قال: سعيد بن زيد، يعنى نفسه. رواه أبو داود، والترمذى، والنسائى، وغيرهم. قال الترمذى: حديث حسن صحيح.
وعن أبى موسى الأشعرى فى حديثه الطويل المشهور، قال: قال رسول الله ﷺ : “افتح له، يعنى لعمر، وبشره بالجنة”. رواه البخارى ومسلم.
وعن أبى سعيد الخدرى، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: “بينا أنا نائم، رأيت الناس يعرضون علىَّ وعليهم قمص، فمنها ما تبلغ الثدى، ومنها ما دون ذلك، وعرض علىَّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره” (١) ، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: “الدين”. رواه البخارى ومسلم.
وعن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: “بينا أنا نائم، أتيت بقدح لبن، فشربت منه حتى أنى لأرى الرى يخرج من أظفارى، ثم أعطبت فضلى عمر بن الخطاب” (٢) ، قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: “العلم”. رواه البخارى ومسلم.
وعن سعد بن أبى وقاص فى حديثه الطويل، أن رسول الله ﷺ قال لعمر: “يا ابن الخطاب، والذى نفسى بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك فجًا غير فجك” (٣) . رواه البخارى ومسلم.
وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : “بينا أنا نائم، رأيتنى فى الجنة، وإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر، فذكرت غيرتك” (٤) ، فبكى عمر، وقال: أعليك أغار يا رسول الله. رواه البخارى ومسلم.
وعن أبى هريرة أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : “لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون، فإن يكن فى أمتى أحد فإنه عمر”، رواه البخارى، ورواه مسلم من رواية عائشة، وفى روايتهما: قال ابن وهب: محدثون، أى ملهمون. وقال ابن عيينة: معناه مفهمون.
وعن ابن عمر، وأبى هريرة أيضًا قالا: قال رسول الله ﷺ : “بينا أنا نائم، رأيتنى على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها أبو بكر، فنزع ذنوبًا أو ذنوبين، وفى نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم جاء عمر فاستقى فاستحالت فى يده غربًا، فلم أر عبقريًا من الناس يفرى فرية حتى روى الناس وضربوا بعطن” (٥) . رواهما البخارى ومسلم. قال العلماء: هذه إشارة
стр. 357
إلى خلافة أبى بكر وعمر، وكثرة الفتوح وظهور الإسلام فى زمن عمر.
وعن ابن عمر، وأنس، عن عمر، قال: وافقت ربى فى ثلاث: قلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] ، وقلت: يا رسول الله، يدخل على نسائك البر والفاجر، فلو أمرتهن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبى ﷺ فى الغيرة، فقلت: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] ، فنزلت كذلك. رواه البخارى ومسلم، وفى رواية: “أسارى بدر”، بدل: “اجتماع النساء”.
وعن ابن مسعود، قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر. رواه البخارى. وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : “بينا راع فى غنمه عدا الذئب، فأخذ منها شاة، فطلبها حتى استنقذها منه، فالتفت إليه الذئب، فقال: مَن لها يوم السبع، يوم ليس لها راع غيرى”، فقال الناس: سبحان الله، فقال النبى ﷺ : “فإنى أومن به، وأبو بكر، وعمر، وما هما ثمت”. رواه البخارى، ورواه مسلم بمعناه.
وعن محمد بن على بن أبى طالب، قال: قلت لأبى: أى الناس خير بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم مَن؟ قال: عمر. رواه البخارى.
وعن ابن عباس، قال: إنى لواقف فى قوم يدعون الله تعالى لعمر، وقد وضع على سريره فتكنفه الناس يدعون فيصلون قبل أن يرفع، فلم يرعنى إلا رجل أخذ بمنكبى، فإذا علىّ، فترحم على عمر، وقال: ما خلفت أحدًا أحب إلىَّ أن ألقى الله بمثل عمله منك، وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك لأنى كنت كثيرًا أسمع رسول الله ﷺ يقول: “ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر” (١) . رواه البخارى ومسلم.
وعن ابن عمر، قال: كنا نخير بين الناس فى زمن النبى ﷺ فنخير أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان. رواه البخارى.
وعن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيته فقلت: أى الناس أحب إليك؟، قال: “عائشة”، فقلت: مَن أحب الرجال؟ قال: “أبوها”، قلت: ثم مَن؟ قال: “ثم عمر”، فعد رجالاً. رواه البخارى، ومسلم.
وعن أنس أن رسول الله ﷺ صعد أُحُدًا، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، فرجف بهم، فقال: “أثبت أُحُد، فإنما عليك نبى،
стр. 358
وصديق، وشهيدان” (١) . رواه البخارى.
وعن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ كان على حراء هو وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، وطلحة، والزبير، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله ﷺ : “اهدأ، فما عليك إلا نبى أو صديق أو شهيد”. رواه مسلم.
وعن ابن عباس، قال: دخل عيينة بن حصن على عمر، فقال: هى يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هَّم أن يوقع به، فقال الحر بن قيس: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ، وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافا عند كتاب الله تعالى. رواه البخارى.
وعن حفصة، قالت: قال عمر: اللهم ارزقنى شهادة فى سبيلك، واجعل موتى فى بلد رسولك، فقلت: أنى يكون هذا، فقال: يأتينى به الله إذا شاء. رواه البخارى.
وعن ابن عمر، قال: ما رأيت أحدًا قط بعد رسول الله ﷺ من حين قبض كان أجد وأجود حتى انتهى من عمر. رواه البخارى.
وعن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: “اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبى جهل، أو بعمر بن الخطاب”، وكان أحبهما إليه عمر. رواه الترمذى، وقال: حديث حسن صحيح.
وعن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: “إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه” (٢) . وقال ابن عمر: ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال عمر، إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر. رواه الترمذى، وقال: حديث حسن صحيح.
وعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : “لو كان بعدى نبى لكان عمر بن الخطاب” (٣)
) . رواه الترمذى، وقال: حديث حسن صحيح.
وعن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : “اقتدوا بالذين من بعدى، أبى بكر وعمر” (٤) . رواه الترمذى، وقال: حديث حسن غريب.
وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ لأبى بكر وعمر: “هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، إلا النبيين والمرسلين” (٥) . رواه الترمذى، وقال: حديث حسن غريب.
وعن أبى سعيد الخدرى، قال: قال رسول الله ﷺ : “ما من نبى إلا له وزيران من أهل السماء، ووزيران من أهل الأرض، فأما وزيراى
стр. 359
من أهل السماء فجبريل وميكائيل، وأما وزيراى من أهل الأرض فأبو بكر وعمر” (١) . رواه الترمذى، وقال: حديث حسن.
وعن عمر، رضى الله عنه، قال: استأذنت النبى ﷺ فى العمرة فأذن لى، وقال: “لا تنسانا يا أخى من دعائك”، فقال كلمة ما يسرنى أن لى بها الدنيا. وفى رواية: قال: “أشركنا يا أخى فى دعائك” (٢) . رواه أبو داود، والترمذى، وقال: حديث حسن.
وعن أبى سعيد، أن رسول الله ﷺ قال: “إن أهل الدرجات العلا ليراهم مَن تحتهم كما ترون النجم الطالع فى أفق السماء، وأن أبا بكر وعمر ومنهم وأنعما” (٣) . رواه أبو داود، والترمذى، ومعنى “وأنعما”: زادا فضلاً، وقيل: دخلا فى النعيم.
وفى الموطأ عن يحيى بن سعيد الأنصارى، أن عمر بن الخطاب كان يحمل فى العام الواحد على أربعين ألف بعير، يحمل الرجل إلى الشام على بعير، والرجلين إلى العراق على بعير.
وفى مسند الشافعى بإسناده عن مولى لعثمان، قال: بينا أنا مع عثمان فى مال بالعالية فى يوم صائف، إذ رأى رجلاً يسوق بكرين، وعلى الأرض مثل الفراش فى الحر، فقال: ما على هذا لو أقام بالمدينة حتى تبرد ثم يروح، فدنا الرجل، فقال: انظر، فنظر، فإذا عمر بن الخطاب، فقلت: هذا أمير المؤمنين، فقام عثمان فأخرج رأسه من الباب، فأذاه نفح السموم، فأعاد رأسه حتى حاذاه، فقال: ما أخرجك هذه الساعة؟ فقال: بكران من إبل الصدقة تخلفا وقد مضى بإبل الصدقة، فأردت أن ألحقهما بالحمى، وخشيت أن يضيعا فيسألنى الله عنهما، فقال: عثمان: يا أمير المؤمنين، هلم إلى الماء والظل ونكفيك، فقال: عد إلى ظلك، فقلت: عندنا مَن يكفيك، فقال: عد إلى ظلك، فمضى، فقال عثمان: مَن أحب أن ينظر إلى القوى الأمين فلينظر إلى هذا، فعاد إلينا فألقى نفسه.
ومن المشهورات من كرامات عمر، رضى الله عنه، أنه كان يخطب يوم الجمعة بالمدينة، فقال فى خطبته: يا سارية بن حصن، الجبل الجبل، فالتفت
стр. 360
الناس بعضهم إلى بعض، فلم يفهموا مراده، فلما قضى صلاته قال له على، رضى الله عنه: ما هذا الذى قلته؟ قال: وسمعته؟ قال: نعم، أنا وكل من فى المسجد، فقال: وقع فى خلدى أن المشركين هزموا إخواننا وركبوا أكتافهم، وأنهم يمرون بجبل، فإن عدلوا إليه قاتلوا من وجدوه وظفروا، وإن جاوزوه هلكوا، فخرج منى هذا الكلام، فجاء البشير بعد شهر، فذكر أنهم سمعوا فى ذلك اليوم وتلك الساعة حين جاوزوا الجبل صوتًا يشبه صوت عمر يقول: يا سارية بن حصن، الجبل الجبل، فعدلنا إليه ففتح الله علينا.
وأحوال عمر، رضى الله عنه، وفضائله، وسيرته، ورفقه برعيته، وتواضعه، وجميل سيرته، واجتهاده فى الطاعة وفى حقوق المسلمين أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر، ومقصود هذا الكتاب الإشارة إلى بعض المقاصد. ولى الخلافة، رضى الله عنه، باستخلاف أبى بكر، رضى الله عنه، له وكان أبو بكر شاور الصحابة فى استخلافه عمر، فأشار به عبد الرحمن بن عوف، وقال: هو أفضل من رأيك فيه، ثم استشار عثمان ابن عفان، فقال: أنت أخبرنا به، فقال: عِلمى به أن سريرته خير من علانيته، وأن ليس فينا مثله، وشاور معهما سعيد بن زيد، وأسيد بن حضير، وغيرهم من المهاجرين والأنصار، فقال أسيد: وهو أعلم للخير بعدك، يرضى للرضى، ويسخط للسخط، وسريرته خير من علانيته، ولن يلى هذا الأمر أحد أقوى عليه منه.
ثم دعا أبو بكر عثمان بن عفان، فقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبى قحافة فى آخر عهده بالدنيا خارجًا منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها حين يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إنى مستخلف عليكم بعدى عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، فإنى لم آل الله ورسوله ودينه ونفسى وإياكم خيرًا، فإن عدل فذلك ظنى به وعلمى فيه، وإن بدَّل فلكل امرىء ما اكتسب، والخير أردت، ولا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون، والسلام عليكم ورحمة الله.
ثم أمره فختم الكتاب، وخرج به إلى الناس، فبايعوا
стр. 361
عمر جميعًا ورضوا به، ثم دعا أبو بكر عمر، فأوضاه بما أوصاه، ثم خرج فرفع أبو بكر يديه مدًا، ثم قال: اللهم إنى لم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، فعلمت منهم بما أنت أعلم به، فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم، وأحرصهم على ما أرشدهم، وقد حضرنى من أمرك ما حضرنى، فأخلفنى فيهم فهم عبادك، ونواصيهم فى يدك، وأصلح لهم ولاتهم، واجعله من خلفائك الراشدين، يتبع هدى نبى الرحمة، وأصلح له رعيته.
وقد قدمنا أنه أول مَن سمى أمير المؤمنين، سمَّاه بذلك عدى بن حاتم، ولبيد بن ربيعة حين وفدا إليه من العراق، وقيل: سمَّاه به المغيرة بن شعبة، وقيل: إن عمر قال للناس: أنتم المؤمنون وأنا أميركم، فسمى أمير المؤمنين، وكان قبل ذلك يقال له: خليفة خليفة رسول الله ﷺ ، فعدلوا عن تلك العبارة لطولها، ثم قام فى الخلافة أتم القيام، وجاهد فى الله حق جهاده، فجيَّش الجيوش، وفتح البلدان، ومَصَّر الأمصار، وأعز الإسلام، وأزل الكفر أشد إزلال، ففتح الشام، والعراق، ومصر، والجزيرة، وديار بكر، وأرمينية، وأذربيجان، وإيران، وبلاد الجبال، وبلاد فارس، وخورستان، وغيرهما. واختلفوا فى خراسان، فقيل: فتحها عثمان، وقيل: فتحها عمر، ثم انتفت ففتحها، والصحيح عندهم أن عثمان الذى فتحها.
وكان عمر أول مَن دَوَّن الديوان للمسلمين، ورتب الناس على سابقتهم فى العطاء وفى الأذان والإكرام، فكان أهل بدر أول الناس دخولاً عليه، وكان على بن أبى طالب أولهم، وأثبت أسماءهم فى الديوان على قربهم من رسول الله ﷺ ، فبدأ ببنى هاشم، وبنى المطلب، ثم الأقرب فالأقرب.
روينا عن عثمان، وعلى، رضى الله عنهما، قالا فى عمر: هذا هو القوى الأمين. وثبت فى صحيح البخارى وغيره، أن عمر، رضى الله عنه، أوَّل مَن جمع الناس لصلاة التراويح، فجمعهم على أُبىّ بن كعب، رضى الله عنه، وأجمع المسلمون فى زمنه وبعده على استحبابها. ورووا عن على، رضى الله عنه، أنه مر على المساجد فى رمضان وفيها القناديل تزهر، فقال: نَّور الله على عمر قبره كما نور علينا مساجدنا.
وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: خرجنا مع عمر إلى مكة، فما ضرب فسطاطًا ولا خباء حتى رجع، وكان
стр. 362
إذا نزل يلقى له كساء أو نطع على شجرة فيستظل به. وختم الله تعالى لعمر، رضى الله عنه، بالشهادة، وكان يسالها، فطعنه العلج عدو الله أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة وهو قائم فى صلاة الصبح حين أحرم بالصلاة، طعنه بسكين مسمومة ذات طرفين، فضربه فى كتفه وخاصرته، وقيل: ضربه ست ضربات، فقال: الحمد لله الذى لم يجعل منيتى بيد رجل يَدَّعى الإسلام، وطعن العلج مع عمر ثلاثة عشر رجلاً توفى منهم سبعة، وعاش الباقون، فطرح مسلم عليه برنسًا، فلما أحس العلج أنه مقتول قتل نفسه.
وشرب عمر، رضى الله عنه، لبنًا فخرج من جرحه، فعلم هو والناس أنه لا يعيش، فأشاروا عليه بالوصية، فجعل الخلافة شورى بين عثمان، وعلى، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وقال: لا أعلم أحدًا أحق بها من هؤلاء الذين توفى رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وقال: يؤمر المسلمون أحد هؤلاء الستة.
وحسب الدين عليه، فوجده ستة وثمانين ألفًا أو نحوه، فقال لابنه عبد الله: إن وفى مال آل عمر به فأدوه منه، وإلا فسل فى بنى عدى، فإن لم تف أموالهم فسل فى قريش ولا تعدهم إلى غيرهم. ثم بعث ابنه عبد الله إلى عائشة، رضى الله عنها، فقال: قل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإنى لست اليوم للمؤمنين أميرًا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فجاء فسلَّم واستأذن، فدخل فوجدها تبكى، فقال لها، فأذنت وقالت: كنت أدرته لنفسى ولأوثرنه اليوم على نفسى، فلما أقبل عبد الله من عندها قيل لعمر: هذا عبد الله، قال: ارفعونى، فأسنده رجل، فقال: ما لديك؟ فقال: الذى تحب، قد أذنت، قال: الحمد لله، ما كان شىء أهم إلىَّ من ذلك، فإذا أنا قُبضت فاحملونى، ثم سلم فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لى فأدخلونى، وإن ردتنى ردونى إلى مقابر المسلمين، وأوصاهم أن يقتصدوا فى كفنه ولا يغالوا.
وغسله ابنه عبد الله، وحمل على سرير رسول الله ﷺ ، وصلى عليه فى مسجد رسول الله ﷺ ، وصلى بهم عليه صهيب، وكبر أربعًا، ونزل فى قبره ابنه عبد الله، وعثمان بن عفان، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف.
وطُعن عمر، رضى الله عنه، يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، ودفن يوم الأحد هلال المحرم سنة أربع وعشرين، فكانت خلافته عشر سنين وخمسة أشهر وإحدى وعشرين يومًا، وقيل: توفى ربع بقين من ذى الحجة، وقيل: لثلاث، وقيل: لليلة، وقيل غير ذلك فى مدة الخلافة وتاريخ الطعن والوفاة.
وتوفى وهو ابن ثلاث وستين سنة على الصحيح المشهور، ثبت ذلك فى الصحيح عن معاوية بن أبى سفيان، وقاله الجمهور، وقيل: كان له خمس وستون سنة، والصحيح أن سن رسول الله ﷺ ، وسن أبى بكر، وعمر، وعلى، وعائشة ثلاث وستون.
قالوا: وكان عمر، رضى الله عنه، طوالاً جدًا، أصلع، أعسر يسر وهو الذى يعمل بيديه جميعًا، وكان أبيض يعلوه حمرة، وإنما صار فى لونه سمرة فى عام الرمادة؛ لأنه أكثر أكل الزيت، وترك السمن للغلاء الذى وقع بالناس، فامتنع من أكل اللبن والسمن حتى لا يتميز على الضعفة.
وقال زر بن حبيش: كان عمر آدم. قال الواقدى: لا يعرف عندنا أن عمر كان آدم إلا أن يكون رآه عام الرمادة. قال ابن عبد البر: وصفه زر بن حبيش وغيره أنه كان آدم شديد الأدمة. قال: وهو الأكثر عند أهل العلم. وقال ابن قتيبة فى المعارف: قال الكوفيون: كان آدم شديد الأدمة. وقال بعض الحجازيين: كان أبيض أمهق. وقال أنس: كان عمر يخضب بالحناء بحتًا. قالوا: وهو أول من اتخذ الدرة.
قال ابن قتيبة: فتح الله تعالى فى ولايته بيت المقدس، ودمشق، وميسان، ودستميسان،
стр. 363
وإيرزناد، واليرموك، ثم كانت وقعة الجابية، والأهواز وكورها على يد أبى موسى الأشعرى، وجلولاء سنة تسع عشرة، أميرها سعد بن أبى وقاص، وقيسارية وأميرها معاوية، ثم وقعة باب اليوى سنة عشرين، وأميرها عمرو بن العاص، ثم وقعة نهاوند سنة إحدى وعشرين، وأميرها النعمان بن مقرن المزنى، ثم فتح الرجان من الأهواز سنة اثنتين وعشرين، وأميرها المغيرة بن شعبة، وكانت اصطخر الأولى وهمذان سنة ثلاث وعشرين، وأما الرمادة وطاعون عمواس فكان سنة ثمان عشرة.
قال: وحج عمر، رضى الله عنه، بالناس عشر سنين متوالية. قال: وأولاد عمر: عبد الله، وحفصة، أمهما زينب بنت مظعون، وعبيد الله أمه مليكة بنت جرول الخزاعية، وعاصم أمه جميلة بنت عاصم بن ثابت حمى النحل، وفاطمة وزيد أمهما أم كلثوم بنت على بن أبى طالب من فاطمة، رضى الله عنهم، ومجبر واسمه عبد الرحمن، وأبو شمحة واسمه أيضًا عبد الرحمن، وفاطمة، وبنات أخر.
وأما موالى عمر، فمنهم أسلم، وهانىء، وأبو أمية جد المبارك بن فضالة بن أبى أمية، ومهجع مولى عمر، استشهد يوم بدر، ومالك الدار، وذكوان وهو الذى سار من مكة إلى المدينة فى يوم وليلة. وأحوال عمر غير منحصرة، وقد أشرنا إلى أطرافها، رضى الله عنه وأرضاه.
٤٣٧ - عمر بن أبى ربيعة الشاعر:
مذكور فى المهذب فى أول كتاب السير، هو منسوب إلى جده، وهو أبو حفص عمر ابن عبد الله بن أبى ربيعة، واسم أبى ربيعة عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم. كان أبوه عبد الله بن أبى ربيعة، وعمه عياش، بالشين المعجمة، صحابيين، وكان عبد الله من أشراف قريش فى الجاهلية، ومن أحسن الناس وجهًا، وهو الذى بعثته قريش مع عمرو بن العاص إلى النجاشى، وولاه رسول الله ﷺ الجَنَد، بفتح الجيم والنون، بلدًا باليمن ومخاليفها، فلم يزل عليها حتى قُتل عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، ثم ولاه عثمان، فلما حصر عثمان جاء ينصره فوقع عن راحلته فتوفى بقرب مكة. كنية عبد الله أبو عبد الرحمن. وأما ابنه عمر صاحب الترجمة، فهو الشاعر المشهور، وهو القائل:
عمرك الله كيف يلتقيان
стр. 364
أيها المنكح الثريا سهيلا
قالوا: الثريا هذه هى الثريا بنت عبد الله بن الحارث بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية الأموية المكية، وسهيل هو سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهرى.
٤٣٨ - عمر بن سعد:
مذكور فى المهذب فى باب التعزير، هكذا هو فى نسخ المهذب: عمر بن سعد، وهو تصحيف فى الاسمين جميعًا، وصوابه: عمير بن سعيد، بزيادة الياء فى الاسمين، وسنوضحه فى النوع الثامن فى الأوهام إن شاء الله تعالى، وهو عمير بن سعيد أبو يحيى الكوفى التابعى.
روى عن على، وسعد بن أبى وقاص، وابن مسعود، وعمار، وأبى موسى، رضى الله عنهم. روى عنه السبيعى، والأعمش، وأبو حَصين، بفتح الحاء، ومسعر، وغيرهم. واتفقوا على توثيقه وجلالته. قال الحكم: حسبك به. روى له البخارى ومسلم. توفى سنة خمس عشرة ومائة.
٤٣٩ - عمر بن أبى سلمة الصحابى (١) :
ابن أم سلمة، تكرر ذكره فى المهذب، وهو المذكور فى المهذب فى باب ستر العورة، وإنما نبهت على هذا الموضع؛ لأنه تصحف فيه. هو أبو حفص عمر بن أبى سلمة، واسم أبى سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشى المخزومى الصحابى ابن الصحابيين ربيب رسول الله ﷺ . ولد بأرض الحبشة مع أبويه وهما مهاجران فى أواخر السنة الثانية من هجرة رسول الله ﷺ . رُوى له عن رسول الله ﷺ اثنا عشر حديثًا، روى البخارى ومسلم منها حديثين. روى عنه ابن المسيب، وعروة، ووهب بن كيسان، وغيرهم. توفى سنة ثلاث وثمانين.
٤٤٠ - عمر بن شبة - بشين معجمة مفتوحة ثم موحدة مشددة - ابن عبيدة - بفتح العين - ابن زيد بن رابطة النميرى البصرى النحوى (٢) :
أبو زيد، سكن بغداد. روى عن يحيى القطان، وغندر، وعلى بن عاصم، ويزيد بن هارون، وخلق سواهم.
стр. 365
روى عنه ابن ماجة، وأبو العباس الثقفى، وأبو نعيم، وعبد الملك بن محمد الجرجانى، وابن أبى الدنيا، وأبو شعيب الحرانى، وأبو القسم البغوى، ويحيى بن محمد بن صاعد، والقاضى المحاملى، وآخرون.
قال ابن أبى حاتم: كتبت عنه مع أبى، وهو صدوق صاحب عربية وأدب. قال الخطيب البغدادى: كان ثقة، عالمًا بالسير وأيام الناس، وله مصنفات كثيرة. قال: واسم أبيه زيد، وشبة لقب له. توفى عمر بسر من رأى فى جمادى الآخرة سنة ثنتين وستين ومائتين وعمره سبع وثمانون سنة إلا أربعة أيام.
٤٤١ - عمر بن صالح:
مذكور فى المختصر فى أول صدفة النخل والعنب [......] (١) .
٤٤٢ - عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد والإمام العادل (٢) :
تكرر فى المختصر والمهذب. هو أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم ابن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس القرشى الأموى التابعى بإحسان. سمع أنس بن مالك، والسائب بن يزيد، ويوسف بن عبد الله بن سلام. واستوهب من سهل بن سعد قدحًا شرب فيه رسول الله ﷺ فوهبه له. وروى عن خولة بنت حكيم، وسمع جماعات من التابعين، منهم سعيد بن المسيب، وعروة، وأبو بكر بن عبد الرحمن، والربيع بن سبرة، وعبد الله بن إبراهيم، وعامر بن سعد، والزهرى. روى عنه خلائق من التابعين منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ومحمد بن المنكدر، والزهرى، ويحيى الأنصارى، وحميد الطويل، وآخرون.
وأجمعوا على جلالته، وفضله، ووفور علمه، وصلاحه، وزهده، وورعه، وعدله، وشفقته على المسلمين، وحُسن سيرته فيهم، وبذل وسعه فى الاجتهاد فى طاعة الله، وحرصه على اتباع آثار رسول الله ﷺ ، والاقتداء بسنته وسنة الخلفاء الراشدين، وهو أحد الخلفاء الراشدين، ومناقبه أكثر من أن تحصر.
وقد جمع ابن عبد الحكم فى مناقب عمر بن عبد العزيز مجلدًا مشتملاً على جميل سيرته وحُسن طريقته، وفيه من النفائس ما لا يستغنى عن معرفته والتأدب به. وذكر ابن سعد وغيره من
стр. 366
المتقدمين أيضًا له أشياء نفيسة، وأجمعوا أن أمه أم عاصم حفصة بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، واسمها ليلى، سكنت دمشق.
ولى الخلافة بعد ابن عمه سليمان بن عبد الملك، وبويع عمر بن عبد العزيز بالخلافة حين مات سليمان بن عبد الملك، ومات سليمان لعشر خلون من صفر سنة تسع وتسعين، وكانت خلافة عمر سنتين وخمسة أشهر نحو خلافة أبى بكر الصديق، رضى الله عنهما، فملأ الأرض قسطًا وعدلاً، وسن السنن الحسنة، وأمات الطرائق السيئة، وصلى أنس بن مالك خلفه قبل خلافته، ثم قال: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى. وقال أيوب السختيانى: لا أعلم أحدًا ممن أدركنا كان آخذًا عن نبى الله ﷺ منه.
وقال سفيان الثورى: الخلفاء خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، وعمر بن عبد العزيز. وقال مالك بن دينار: لما ولى عمر بن عبد العزيز، قالت رعاء الشاة فى رءوس الجبال: من هذا الخليفة الصالح الذى قام على الناس؟ فقيل لهم: وما علمكم بذلك؟ قالوا: إنه إذا قام خليفة صالح كفت الذئاب والأسد عن شاءينا. وقال رجاء بن حيوة: كان عمر بن عبد العزيز قبل خلافته من أعطر الناس وألبسهم، فلما استخلف قَوَّموا ثيابه باثنى عشر درهمًا.
وقال حميد بن زنجويه: قال أحمد بن حنبل: يروى فى الحديث أن الله تعالى يبعث على رأس كل مائة عام من يصحح لهذه الأمة دينها، فنظرنا فى المائة الأولى، فإذا هو عمر بن عبد العزيز. وهذا الحديث الذى ذكره أحمد رواه أبو داود فى سننه من رواية أبى هريرة، عن رسول الله ﷺ ، وحمله العلماء فى المائة الأولى على عمر، والثانية على الشافعى، والثالثة على أبى العباس بن سريج. وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: عندى أنه يحمل على أبى الحسن الأشعرى، والمشهور أنه ابن سريج. رواه الحاكم أبو عبد الله، وأنشدوا فيه شعرًا. وفى الرابعة قيل: أبو سهل الصعلوكى، وقيل: القاضى ابن الباقلانى، وقيل: أبو حامد الإسفراينى، وفى الخامسة الإمام أبو حامد الغزالى، ﵀، والله أعلم.
توفى عمر
стр. 367
وهو بدير سمعان قرية قريبة من حمص، وقبره هناك مشهور يُزار ويتبرك به، كان نازلاً هناك فمرض ومات. ولد عمر بمصر سنة إحدى وستين، وتوفى يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة وعمره تسع وثلاثون سنة وستة أشهر. وكان عمر أشج، يقال له: أشج بنى أمية، ضربته دابة فى وجهه، وكان عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، يقول: من ولدى رجل بوجهه شجة يملأ الأرض عدلاً.
قال ابن قتيبة: كان لعمر بن عبد العزيز أربعة عشر ابنًا، منهم عبد الملك الولد الصالح ابن الصالح، كان من أعبد الناس، توفى فى خلافة أبيه وهو ابن سبع عشرة سنة وستة أشهر، وكان أحد المشيرين على عمر بمصالح الرعية، والمعينين له على الاهتمام بمصالح الناس، وكان وزيرًا صالحًا، وبطانة خير، ﵀، وكان أبر أهل عصره بوالده أو من أبرهم، وله مناقب مشهورة.
قال البخارى فى تاريخه: أصل عمر بن عبد العزيز مدنى. وفى الطبقات لمحمد بن سعد: قالوا: ولد عمر بن عبد العزيز سنة ثلاث وستين. وبإسناده أن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، قال: ليت شعرى من ذى الشين من ولدى الذى يملؤها عدلاً كما ملئت جورًا، وأراد بالشين الشجة التى كانت فى وجهه.
وبإسناده المتفق على صحته عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، قال: إنا كنا نتحدث أن هذا الأمر لا ينقضى حتى بلى هذه الأمة رجل من ولد عمر يسير فيها بسيرة عمر، بوجهه شامة. قال: فكنا نقول: هو بلال بن عبد الله بن عمر، وكانت بوجهه شامة، حتى جاء الله بعمر بن عبد العزيز.
وبإسناده عن ابن شوذب، قال: لما أراد عبد العزيز بن مروان أن يتزوج أن عمر بن عبد العزيز، قال لقيمه: اجمع لى أربع مائة دينار من طيب مالى، فإنى أريد أن أتزوج أهل بيت لهم صلاح، فتزوج أم عمر.
وبإسناده عن حجاج الصواف قال: أمرنى عمر بن عبد العزيز وهو وال على
стр. 368
المدينة أن أشترى له ثيابًا، فاشتريت له ثيابًا، فكان ثوب بأربع مائة، فقطعه قميصًا، ثم لمسه بيده، فقال: ما أخشنه وأغلظه، ثم أمر بشراء ثوب له وهو خليفة، فاشتروه بأربعة عشر درهمًا، فلمسه فقال: سبحان الله ما ألينه وأرقه.
وبإسناده أن سليمان بن عبد الملك عهد بالخلافة لعمر بن العزيز، فلما توفى سليمان وانصرف عمر من قبره، إذا دواب سليمان قد عرضت له، فأشار إلى بغيلة شهيباء فأتى بها، فركبها وانصرف، وإذا فرش فقال: لقد عجلتم، ثم تناول وسادة أرمنية فطرحها بينه وبين الأرض، ثم قال: أما والله لولا أنى فى حوائج المسلمين ما جلست عليك.
وعن عبد الحميد بن سهيل، قال: رأيت عمر بن عبد العزيز بدأنا بأهل بيته، فرد ما كان بأيديهم من المظالم، ثم فعل ذلك بالناس بعد، فقال عمر بن الوليد: جئتم برجل من ولد عمر بن الخطاب فوليتموه عليكم ففعل هذا بكم.
وعن أبى الزناد، قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز بالعراق فى رد المظالم إلى أهلها، فرددناها حتى أنفدنا ما فى بيت مال العراق، وحتى حمل إلينا عمر المال من الشام. قال أبو الزنا: وكان عمر يرد المظالم إلى أهلها بغير البينة القاطعة، وكان يكتفى بأيسر ذلك إذا عرف وجهًا من مظلمة الرجل ردها عليه، ولم يكلفه تحقيق البينة، لما كان يعرفه من غشم الولاة قبله.
وعن إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، قال: ما كان يقدم على أبى بكر بن محمد كتاب من عمر إلا فيه ردّ مظلمة، أو إحياء سنة، أو إطفاء بدعة، أو قسم، أو تقدير عطاء، أو خير حتى خرج من الدنيا.
وعن أبى بكر بن محمد، قال: كتب إلىَّ عمر أن أستبرأ الدواوين، فأنظر إلى كل جور جلده من قبلى من حق مسلم أو معاهد فأرده إليه، فإن كان أهل المظلمة ماتوا فادفعه إلى ورثتهم.
وعن أبى موسى بن عبيدة، قال: سمعت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى أبى بكر بن محمد: وإياك والجلوس فى بيتك، أخرج إلى الناس أس بينهم فى المجلس والمنظر، ولا يكن أحد من الناس آثر عندك من أحد، ولا تقولن هؤلاء من أهل بيت أمير المؤمنين، فإن أهل بيت أمير المؤمنين وغيرهم عندى اليوم سواء، بل أنا أحرى أن أظن
стр. 369
بأهل بيت أمير المؤمنين أنهم يقهرون من نازعهم، وإذا أشكل عليك شىء فاكتب إلىَّ فيه.
وعن حازم بن أبى حازم، قال: قال عمر فى كلام له: فلو كان بكل بدعة يميتها الله على يدى وبكل سنة ينعشها على يدى بضعة من لحمى حتى يأتى آخر ذلك على نفسى كان فى الله يسيرًا.
وعن حماد بن أبى سليمان، قال: قام عمر بن عبد العزيز فى جامع دمشق، فقال بأعلى صوته: لا طاعة لنا فى معصية الله.
وعن عبد الله بن واقد، قال: آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز، حمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس، والله لولا أن أنعش سُنَّة أو أشير بحث ما أحببت أن أعيش فواقًا. الفواق: ما بين الحلبتين.
وعن سالم بن عبد الله، وخارجة بن زيد، قالا: إنا لنرجوا لسليمان بن عبد الملك فى استخلافه عمر بن عبد العزيز. وبإسناده أن عمر بن عبد العزيز لما استخلف باع كل ما كان يملكه من الفضول من عبد، ولباس، وعطر، وكل ما يستغنى عنه، فبلغ ثلاثة وعشرين ألف دينار، فجعله فى السبيل.
وبإسناده عن خادم عمر بن عبد العزيز أنه لم يمتلأ من طعام من يوم ولى حتى مات، وأنه وضع المكث عن كل أرض، وأنه أمر بعمل الخانات بطريق خراسان، وأنه كتب إلى أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكان يأتيه: أن افرض للناس، يعنى العطاء، إلا لتاجر، وأنه كتب إلى الناس: أن ارفعوا إلىَّ كل منفوس يفرض له، يعنى المولود، فإنما هو مالكم نرده عليكم، وأن أبا بكر بن محمد كان يعمل بالليل كعمله بالنهار لاستحثاث عمر إياه.
وعن محمد بن قيس، قال: رأيت عمر بن عبد العزيز إذا صلى العشاء دعى بشمعة فيكتب فى أمر المسلمين وفى رد المظالم، فإذا أصبح جلس فى رد المظالم، وأمر بالصدقات أن تقسم لأهلها، فلقد رأيت من يتصدق عليه له فى العام القابل إبل فيها صدقة.
وعن مهاجر بن يزيد قال: بعثنا عمر بن عبد العزيز فقسمنا الصدقة، فلقد رأيتنا وإنا لنأخذ الزكاة فى العام القابل ممن يتصدق عليه فى العام الماضى، ولقد كنت أراه يغسل ثيابه فما يخرج إلينا، ما له غيرها، وما أحدث بناء، ولقد رأيت عتبة له خربت فاكلم فى إصلاحها، ثم قال: يا مزاحم، هل لك فى تركها
стр. 370
فنخرج من الدنيا ولم نحدث شيئًا. قال: وحرم الطلاء فى كل أرض. الطلاء نوع من الأنبذة كان أهل العراق يستبيحونه.
وعن عاصم بن كليب، قال: فدى عمر بن عبد العزيز رجلاً من العدو ردَّه بمائة ألف درهم. وبإسناده أن سيف عمر كان محلى بفضة فنزعها وحلاه بحديد. وبإسناد ضعيف أنه كان له ثلاثة عشر مؤذنًا. وبإسناد ضعيف أنه يمسح وجهه إذا توضأ، وكان يتوضأ من مس الذكر، ومن أكل ما مست النار حتى من السكر، ويقنع رأسه إذا دخل الخلاء، ويقول: الشفق البياض بعد الحمرة. وبإسناده أن عمر بن عبد العزيز عزل كاتبًا له كتب: بم، ولم يجعل السين. وأنه كان يأمر الناس إذا أخذ المؤذن فى الإقامة أن يستقبلوا القبلة.
وعن ميمون بن مهران، قال: كان عمر بن عبد العزيز معلم العلماء. وعن روح بن عبادة، قال: أخرج مسك من الخزائن، فلما وضع بين يدى عمر أمسك بأنفه مخافة أن يجد رائحته، فقيل له فى ذلك، فقال: وهل يبتغى من هذا إلا ريحه.
وعن نعيم بن عبد الله، قال: قال عمر: إنى لأدع كثيرًا من الكلام مخافة المباهات. وبإسناده أن عمر كتب فى المحبوسين: لا يقيد أحد بقيد يمنع من تمام الصلاة. وأنه قال: لا ينبغى أن يكون قاضيًا إلا مَن هو عفيف حليم عالم بما كان قبله، يستشير ذوى الرأى، لا يخاف ملامة الناس.
وأن محمد بن كعب القرظى دخل على عمر، وكان عمر قبل الخلافة حسن الجسم، فجعل ينظر إليه لا يطرف، فقال: ما لك؟ قال: يا أمير المؤمنين، عهدى بك حُسن الجسم، وأراك قد اصفر لونك، ونحل جسمك، وذهب شعرك، فقال: كيف لو رأيتنى فى قبرى بعد ثلاث، وقد ابتدرت الحدقتان على وجنتى، وسال منخراى وفمى صديدًا ودودًا لكنت أشد لى نكرة.
وبإسناده أن عمر خطب، فقال: يا أيها الناس اتقوا الله، فإن تقوى الله خلفًا من كل شىء، وليس لتقوى الله خلف. وأنه قال: معول المؤمنين الصبر. وبإسناده الصحيح أن رجلاً سأل عمر عن شىء من الأهواء، فقال: الزم دين الصبى والأعرابى واله عما سوى ذلك.
وبإسناده الصحيح عن عمر بن ميمون، قال: كانت العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة. وبإسناده أن رجلاً
стр. 371
نال من عمر، فقيل له: ما يمنعك منه؟ فقال: إن المتقى ملجم. وأن عمر كتب إلى الأمراء: لا تركبوا فى الغزو إلا أضعف دابة فى الجيش سيرًا. وأنه قال: إقامة الحدود عندى كإقامة الصلاة. وأنه كتب إلى عامله باليمن: أما بعد، فإنى أكتب إليك أن ترد على المسلمين مظالمهم فتراجعنى، ولا تعلم بعد المسافة بينى وبينك، ولا تعرف حدث الموت حتى لو كتبت إليك برد شاة رجل كتبت أردها عفراء أم سوداء، فرد على المسلمين مظالمهم ولا تراجعنى.
وأن رجلاً قال له: أبقاك الله، فقال: هذا قد فرغ منه، ادع لى بالصلاح. وأنه كان ينهى بناته أن ينمن مستلقيات، وقال: لا يزال الشيطان مطلاً على إحداكن إذا استلقت يطمع فيها. وأنه سُئل عن الجمل وصفين، وما كان فيهما، فقال: تلك دماء كف الله يدى عنها، فأنا أكره أن أغمس لسانى فيها.
وأن رجلاً قال لعمر: لو تفرغت لنا، فقال: وأين الفراغ؟ ذهب الفراغ فلا فراغ إلا عند الله. وأنه قيل له أن يتحفظ فى طعامه وشرابه من السم، وفى خروجه بحرس كعادت من قبله، فقال: وأين هم، فلما أكثر عليه، قال: اللهم إن كنت تعلم أن أخاف يومًا دون يوم القيامة فلا تؤمن خوفى.
وعن مجاهد، قال: أتينا عمر بن عبد العزيز ونحن نرى أنه سيحتاج إلينا، فما خرجنا من عنده حتى احتجنا إليه. وبإسناده أن عمر كان إذا سمر فى أمر العامة أسرج من بيت المال، وإذا سمر فى أمر نفسه أسرج من مال نفسه، فبينما هو ذات ليلة إذ نعس السراج، فقام فأصلحه، فقيل: إنا نكفيك، قال: أنا عمر حين قمت، وأنا عمر حين جلست.
وأنه قال: ما كذبت منذ علمت أن الكذب شين. وأنه احتبس غلامًا له يحتطب له، فقال له الغلام: الناس كلهم بخير غيرى وغيرك، قال: اذهب فأنت حر. وأنه قال: والله لوددت لو عدلت يومًا واحدًا، وأن الله تعالى قبضنى.
وعن ميمون بن مهران، قال: أقمت عند عمر ستة أشهر، ما رأيته غير ردائه إلا أنه كان يغلسه بنفسه من الجمعة إلى الجمعة. وعن سعيد بن سويد، أن عمر صلى بهم الجمعة وعليه قميص مرقوع الجيب من بين يديه ومن خلفه، فلما فرغ جلس وجلسنا معه، قال: فقال له رجل من القوم: يا أمير المؤمنين، إن الله قد أعطاك، فلو لبست وصنعت، فنكس مليًا حتى
стр. 372
عرفنا أن ذلك قد سائه، ثم رفع رأسه، ثم قال: إن أفضل القصد عند الجدة، وأفضل العفو عند القدرة.
وأحوال عمر بن عبد العزيز وفضائله غير منحصرة، وفيما أشرنا إليه كفاية. وكان مرضه الذى توفى فيه عشرين يومًا، وقيل له: مَن توصى بأهلك؟ فقال: أن ولى فيهم الله الذى نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين. وأوصى أن يُدفن معه شىء كان عنده من شعر النبى ﷺ وأظفار من أظفاره، وقال: إذا مت فاجعلوه فى كفنى، ففعلوا ذلك.
وعن يوسف بن ماهك، قال: بينما نحن نحثو التراب على قبر عمر بن عبد العزيز، سقط علينا رق من السماء مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، أمان من الله لعمر بن عبد العزيز من النار.
* * *
باب عمرو
اتفقو على أن اسم عمرو يكتب فى حالتى الرفع والجر بالواو، ولا يكتب فى النصب واو، قالوا: وكتبت الواو للفرق بينه وبين عمر، وحذفت فى النصب لحصول الفرق بالألف، وجعلت الواو فيه دون عمر لخفت عمرو بثلاث أشياء: فتح أوله، وسكون ثانيه، وصرفه، فلا يجحف به الزيادة بخلاف عمر.
٤٤٣ - عمرو بن أمية الضمرى الصحابى، رضى الله عنه (١) :
مذكور فى مواضع من نكاح المختصر، وفى وكالت المهذب. هو أبو أمية عمرو بن أمية بن خويلد بن عبد الله بن إياس بن عبيد الله بن ناشرة بن كعب بن جدى، بضم الجيم وفتح الدال المهملة المخففة، ابن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الكنانى الضمرى الصحابى الحجازى.
أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وأول مشاهده بئر معونة، بالنون، وكان رسول الله ﷺ يبعثه فى أموره، وبعثه عينًا إلى قريش وحده، فحمل خبيب، بضم الخاء، ابن عدى من الخشبة التى صلبوه عليها، وأرسله رسول الله ﷺ إلى النجاشى وكيلاً، لتزوج له أم حبيبة بنت أبى سفيان، وكان
стр. 373
من أنجاد العرب ورجالها.
وقال ابن عبد البر: إنه إنما أسلم بعد غزوة أُحُد، والمشهور الأول. قالوا: وأسرته بنو عامر يوم بئر معونة، فأعتقوه عن رقبة كانت عليهم. رُوى له عن رسول الله ﷺ عشرون حديثًا، اتفق البخارى ومسلم على حديث وللبخارى آخر. روى عنه بنوه الثلاثة: جعفر، والفضل، وعبد الله، وآخرون. توفى بالمدينة قبيل وفاة معاوية.
٤٤٤ - عمرو بن تغلب الصحابى (١) :
بفتح المثناة من فوق، وإسكان الغين المعجمة، وكسر اللام. هو عمرو بن تغلب العبدى، من عبد القيس، وقيل: هو من بكر بن وائل، وقيل: من النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جذيلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. وجميع المذكور فى نسبه يرجع إلى أسد بن ربيعة، فهو ربعى بالاتفاق، صحب النبى ﷺ ، ثم سكن البصرة.
روى عن النبى ﷺ حديثين رواهما البخارى. روى عنه الحسن البصرى، لم يرو عنه غيره. ثبت فى صحيح البخارى، عن عمرو بن تغلب، أن رسول الله ﷺ أتى بمال أو شىء فقسمه، فأعطى رجالاً وترك رجالاً، فبلغه أن الذين ترك عتبوا، فحمد الله تعالى، ثم أثنى عليه، ثم قال: “أما بعد، فوالله إنى لأعطى الرجل وأدع الرجل، والذى أدع أحب إلىَّ من الذى أعطى، ولكنى أعطى أقوامًا لما أرى فى قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أقوامًا إلى ما جعل الله فى قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن تغلب”، فوالله ما أحب أن لى بكلمة رسول الله ﷺ حُمر النعم.
٤٤٥ - عمرو بن الجموح - بفتح الجيم - ابن زيد بن حرام - بالحاء - ابن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة - بكسر اللام - الأنصارى السلمى:
من بنى جشم بن الحزرج، شهد العقبة، واختلفوا فى شهوده بدرًا، واستشهد يوم أُحُد، ودفن هو وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر فى قبر واحد، وكانا صهرين، ورووا أن رسول الله ﷺ قال لنفر من بنى سلمة: “سيدكم عمرو بن الجموح”، وكان عمرو سيدًا من سادات بنى سلمة، وشريفًا من أشرافهم، وكان له أربعة بنين يقاتلون مع النبى ﷺ .
стр. 374
ورووا أن النبى ﷺ قال فيه حين استشهد: “لقد رأيته فى الجنة”.
٤٤٦ - عمرو بن الحارث بن أبى ضرار بن عايذ بن مالك بن جذيمة - بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة - ابن سعد بن كعب بن عمرو الخزاعى المصطلقى الكوفى (١) :
أخو جويرية بنت الحارث أم المؤمنين، رضى الله عنها، والمصطلق الذى نسب إليه هو جذيمة، وعمرو هذا صحابى. روى له البخارى حديثًا عن النبى ﷺ ، وروى له غيره. روى عنه السبيعى وغيره.
٤٤٧ - عمرو بن حريث الصحابى (٢) :
هو أبو سعيد عمرو بن حريث، آخره ثاء مثلثة، ابن عمرو بن عمرو بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشى المخزومى، سكن الكوفة، وهو أول قرشى اتخذ بالكوفة دارًا. روى عن النبى ﷺ أحاديث، ومسح النبى ﷺ رأسه ودعا له بالبركة فى صفقته وبيعته، فكسب مالاً عظيمًا، فكان من أغنى أهل الكوفة، وولى لبنى أمية بالكوفة، وشهد القادسية وأبلى فيها، توفى النبى ﷺ وله اثنا عشرة سنة، وقيل: حملت به أمه عام بدر، توفى سنة خمس وثمانين وله عقب بالكوفة. روى عنه ابنه جعفر وجماعة من التابعين.
٤٤٨ - عمرو بن حَزْم الصحابى (٣) :
تكرر فى المهذب فى صلاة العيد، وفى القصاص والديات. هو أبو الضحاك، ويقال: أبو محمد عمرو بن حزم بن زيد بن لوزان، بفتح اللام وإسكان الواو بذال معجمة، ابن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصارى الخزرجى النجارى المدنى، وقيل فى نسبه غير هذا، أول مشاهده مع رسول الله ﷺ الخندق.
واستعمله رسول الله ﷺ على نجران باليمن وهو ابن سبع عشرة سنة، وبعث معه كتابًا فيه الفرائض، والسنن، والصدقات، والجروح، والديات، وكتابه هذا مشهور فى كتب السنن، رواه أبو داود، والنسائى، وغيرهما مفرقًا، وأكملهم له رواية النسائى فى الديات، ولم يستوفه أحد منهم فى موضع. روى عنه ابنه محمد، والنضر بن عبد الله السلمى، وزناد بن نعيم الحضرمى. توفى بالمدينة سنة إحدى، وقيل: ثلاث، وقيل: أربع وخمسين.
٤٤٩ -
стр. 375
عمرو بن دينار التابعى (١) :
تكرر فى المختصر، وذكره فى المهذب فى مواضع منها مسألة عدة امرأة المفقود، وفى وسط باب استيفاء القصاص، وفى عدد الشهور. هو أبو محمد عمرو بن دينار المكى المكى الجمحى مولاهم. سمع ابن عمر، وابن عباس، وابن عمرو، وجابرًا، والمسور، وآخرين من الصحابة، وخلائق من أئمة التابعين كسعيد بن المسيب، وطاووس، وعطاء بن أبى رباح، وأروى، ومحمد بن على، وسالم بن عبد الله، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وابن أبى مليكة، وسليمان بن يسار، ووهب بن عتبة، والزهرى، وأشباههم.
روى عنه جعفر الصادق، وأيوب، وقتادة، ومسعر، وابن أبى نجيح، والسفيانان، والحمادان، وخلائق من الأئمة، وأجمعوا على جلالته، وإمامته، وتوثيقه، وهو أحد أئمة التابعين، وأحد المجتهدين أصحاب المذاهب. قال سفيان بن عيينة: هو ثقة، ثقة، ثقة، ثقة، أربع مرات. قال: وحديث أسمعه من عمرو أحب إلىَّ من عشرين من غيره. وكان شعبة لا يقدم عليه أحدًا، وكان مولى ولكن شرفه بالعلم. وقال ابن أبى نجيح: ما رأيت أفقه من عمرو بن دينار، لا طاووس، ولا عطاء، ولا مجاهد. توفى سنة ست وعشرين ومائة، وقيل: سنة خمس، وقيل: تسع، وهو ابن ثمانين سنة.
٤٥٠ - عمرو بن سلمة (٢) :
بكسر اللام، مذكور فى المهذب فى أول باب صفة الأئمة. هو أبو بريد، بموحدة مضمومة، وراء، وقيل: أبو يزيد، بمثناة وزاى، والصحيح المشهور الأول، عمرو بن سلمة بن نقيع، وقيل: ابن قيس الجرمى البصرى. ثبت فى صحيح البخارى
стр. 376
أنه كان يؤم قومه وهو صبى فى زمن رسول الله ﷺ ؛ لأنه كان أكثرهم قرآنًا، قالوا: ولم ير النبى ﷺ ، وقيل: رآه وليس بشىء، وأبوه صحابى. روى عن عمر، وأبو قلابة، وعاصم الأحول، وأبو الزبير المكى، وغيرهم.
٤٥١ - عمرو بن الشريد (١) :
مذكور فى المختصر والمهذب فى الشهادات فى سماع الشعر، وهو تابعى، وأبوه صحابى سبق بيانه فى ترجمته، وهو أبو الوليد عمرو بن الشريد بن شريد الثقفى الطائفى. روى عن أبيه، وابن عباس، وأبى رافع. روى عنه الزهرى، وإبراهيم بن ميسرة، وآخرون، وهو ثقة. روى له البخارى ومسلم.
٤٥٢ - عمرو بن شعيب (٢) :
تكرر فى المختصر والمهذب تكريرًا كثيرًا. هو أبو إبراهيم عمرو بن شعيب بن محمد ابن عبد الله بن عمرو بن العاص القرشى السهمى المدنى، ويقال: المكى، ويقال: الطائفى. سمع أباه، ومعظم رواياته عنه، وسعيد بن المسيب، وطاووسًا، وعروة، ومجاهدًا، وسليمان بن يسار، وغيرهما. روى عنه عطاء بن أبى رباح، وعمرو بن دينار، والزهرى، ويحيى الأنصارى، وثابت البنانى، وأبو إسحاق الشيبانى، وأيوب السختيانى، وأبو حازم، وداود بن أبى هند، وقتادة، والحكم، ووهب بن منبه، والزبير بن عدى، ومحمد بن إسحاق بن بشار، ومكحول، وحميد الطويل، وهشام بن عروة، ويزيد بن أبى حبيب، ويحيى بن أبى كثير، وحريز بن عثمان، بالحاء وبالزاى فى آخره، وعبد العزيز ابن رفيع، وداود بن قيس، وغيرهم، وكل هؤلاء المذكورين تابعيون، وهذا مما استدلوا به على جلالته، فإنه ليس بتابعى، بل هو من تابعى التابعين، روى عنه نيف وعشرون من التابعين، وفيهم عطاء وشبهه من الأعلام.
قال الأوزاعى: ما رأيت قرشيًا أكمل من عمرو بن شعيب. وقال البخارى: رأيت أحمد بن حنبل، وعلى بن المدينى، وإسحاق بن راهويه يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. قال البخارى: من الناس عدهم. قال ابن أبى حاتم: سُئل يحيى بن معين عنه، فغضب فقال: ما شأنه روى عنه الأئمة.
وروى مالك، عن رجل عنه، وفى رواية عن ابن
стр. 377
معين قال: إذا حدث عن أبيه عن جده فهو كتاب. قال: فمن هاهنا جاء ضعفه. وسُئل أبو حاتم الرازى: أيما أحب إليك عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أو بهز بن حكيم عن أبيه عن جده؟ فقال: عمرو أحب إلىَّ.
وقال أبو زرعة: روى عنه الثقات، وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبيه، عن جده، وإنما سمع أحاديث كثيرة وأخذ صحيفة كانت عنده فرواها. وقال أبو زرعة أيضًا: هو ثقة يُحتج به. وفى رواية عنه قال: هو واهى الحديث. وقال الدارمى: هو ثقة روى عنه الذين نظروا فى أحوال الرجال كايوب، والزهرى، والحكم، قال: واحتج أصحابنا بحديثه. وقال جرير: كان مغيرة لا يعبأ بصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وقال سفيان بن عيينة: حديثه عن أبيه عن جده عند الناس فيه شىء.
وقال ابن عدى: قال أبو داود: قال أحمد بن حنبل: أصحاب الحديث إذا شاءوا احتجوا بحديثه عن أبيه عن جده، وإذا شاءوا تركوه. وقال إسحاق بن راهويه: عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده كأيوب عن نافع عن ابن عمر. وقال ابن عدى: روى عنه أئمة الناس وثقاتهم، ولكن أحاديثه عن أبيه عن جده مع احتمالهم إياه لم يدخلوها فى الصحاح. وأنكر بعضهم سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو، وقال: إنما سمع أباه محمد بن عبد الله بن عمرو، فتكون رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبى ﷺ مرسلة، وهذا إنكار ضعيف، وأثبت الدارقطنى وغيره من الأئمة سماع شعيب من عبد الله، وقال أبو بكر النيسابورى: صح سماع شعيب من جده عبد الله.
واعلم أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازى صاحب التنبيه والمهذب قال فى كتاب اللمع فى الأصول: لا يجوز الاحتجاج بعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ لاحتمال أن المراد جده الأدنى، وهو محمد، فيكون مرسلاً، وكذا قال غيره من أصحابنا: لا يجوز الاحتجاج به، وقد أكثر صاحب المهذب فى المهذب من الاحتجاج به، وهذا مما يُنكر عليه، وجوابه أن الصحيح المختار صحة
стр. 378
الاحتجاج به عن أبيه عن جده كما قاله الأكثرون كما سبق، فاختار فى المهذب هذا المذهب المختار، والله أعلم.
٤٥٣ - عمرو بن العاصى الصحابى (١) :
تكرر فيها كثيرًا، والجمهور على كتابة العاصى بالياء، وهو الفصيح عند أهل العربية، ويقع فى كثير من كتب الحديث والفقه أو أكثرها بحذف الياء، وهى لغة، وقد قرىء فى السبع نحوه كالكبير المتعالى والداع ونحوهما.
هو أبو عبد الله، ويقال: أبو محمد عمرو بن العاصى بن وائل بن هاشم بن سعيد، بضم السين وفتح العين، ابن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى بن غالب القرشى السهمى. أسلم عام خيبر أول سنة سبع، وقيل: أسلم فى صفر سنة ثمان قبل الفتح بستة أشهر، وقيل غير ذلك، وقدم على رسول الله ﷺ هو وخالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة فأسلموا، ثم أمره رسول الله ﷺ فى غزوة ذات السلاسل على جيش هم ثلاثمائة، فلما دخل بلادهم استمده فأمده بجيش من المهاجرين الأولين فيهم أبو بكر، وعمر، وأميرهم أبو عبيدة بن الجراح، رضى الله عنهم، وقال لأبى عبيدة: “لا تختلفا”.
واستعمله رسول الله ﷺ على عمان، فلم يزل عليها حتى توفى رسول الله ﷺ . ثم أرسله أبو بكر، رضى الله عنه، أميرًا إلى الشام، فشهد فتوحه، وولى فلسطين لعمرو بن الخطاب، رضى الله عنه. ثم أرسله عمر فى جيش إلى مصر ففتحها، ولم يزل واليًا عليها حتى توفى عمر، ثم أقره عثمان عليها أربع سنين ثم عزله، فاعتزل عمرو بفلسطين، وكان يأتى المدينة أحيانًا، ثم استعمله معاوية على مصر، فبقى عليها حتى توفى واليًا عليها، ودفن بها، وكانت وفاته ليلة عيد الفطر سنة ثلاث وأربعين، وقيل: ثنتين، وقيل: أربع، وقيل: ثمان، وقيل: إحدى وخمسين، والأول أصح، وكان عمره سبعين سنة، وصلى عليه ابنه عبد الله، وكان من أبطال العرب ودهاتهم، وكان قصيرًا، وذا رأى.
ولما حضرته الوفاة قال: اللهم أمرتنى فلم أأتمر، ونهيتنى فلم أنزجر، ولست قويًا فأنتصر، ولا برئيًا فأعتذر، ولا مستكبرًا، بل مستغفرًا، لا إله إلا أنت، فلم يرل يرددها حتى توفى.
стр. 379
وفى وفاته حديث مليح فى كتاب الإيمان من صحيح مسلم. رُوى له عن رسول الله ﷺ سبعة وثلاثون حديثًا، اتفقا على ثلاثة ولمسلم حديثان، وللبخارى بعض حديث.
روى عنه أبو عثمان النهدى، وقيس بن أبى حازم، وعروة بن الزبير، وعبد الرحمن ابن شماسة، بفتح الشين وضمها. وأما حديث عقبة بن عامر أن النبى ﷺ قال: “أسلم الناس، وآمن عمرو بن العاصى” (١) ، فضعيف رواه الترمذى من رواية ابن لهيعة، وقال: لا يُعرف إلا من حديث ابن لهيعة، وإسناده ليس بالقوى.
٤٥٤ - عمرو بن عبسة الصحابى، رضى الله عنه (٢) :
ذكره فى المهذب فى أول صفة
стр. 380
الوضوء، وفى باب الهدنة، لا ذكر له فى هذه الكتب فى غيرها. هو أبو نجيح، وقيل: أبو شعيب عمرو بن عبسة، بعين مهملة ثم باء موحدة مفتوحتين، ثم سين مهملة على وزن عدسة، وهذا الضبط لا خلاف فيه بين أهل الحديث، والأسماء، والتواريخ، والسير، والمؤتلف، وغيرهم من أهل الفنون، ورأيت جماعة ممن صنف فى ألفاظ المهذب يزيدون فيه نونًا، وهذا غلط فاحش، ومنكر ظاهر، وإنما ذكرته نتبيهًا عليه لئلا يغتر به.
وهو عمرو بن عبسة بن عامر بن خالد بن غاضرة بن عتاب، ويقال: خفاف بن امرىء القيس بن بهثة، بموحدة مضمومة ثم هاء ساكنة ثم مثلثة، ابن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة، بفتح الخاء المعجمة والصاد المهملة، ابن قيس عيلان، بالعين المهملة، ابن مصر بن نذار السلمى الصحابى الصالح.
أسلمن قديمًا، وثبت فى صحيح مسلم أنه كان رابع أربعة فى الإسلام، وأنه قدم على رسول الله ﷺ مكة فأسلم رابع أربعة، وطلب من النبى ﷺ الإقامة معه بمكة، فقال: “إنك لا تقدر على ذلك الأن، ولكن ارجع إلى قومك، فإذا سمعت بخروجى فأتنى”، وأنه أتى النبى ﷺ بعد ذلك إلى المدينة مهاجرًا، وحديث هجرته طويل مشتمل على جمل من أنواع العلم والأصول والقواعد، وهو بطوله فى صحيح مسلم قبيل صلاة الخوف، وكان أخا أبى ذر لأمه، وقد المدينة بعد الخندق فسكنها ثم نزل الشام.
رُوى له عن رسول الله ﷺ ثمانية وثلاثون حديثًا، روى مسلم منها الحديث المذكور. روى عنه جماعة من الصحابة، منهم ابن مسعود، وأبو إمامة، وسهل بن سعد، وجماعة من التابعين، سكن حمص، وتوفى بها.
٤٥٥ - عمرو بن أبى عمرو (١) :
مذكور فى المهذب فى آخر باب حد الزنا. هو أبو عثمان عمرو بن أبى عمرو، واسم أبى عمرو ميسرة، مولى المطلب بن عبد الله القرشى المخزومى. سمع أنس بن مالك، ومولاه المطلب، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والمقبرى. روى عنه مالك بن أنس، ويزيد بن الهاد، وسليمان بن بلال، والدراوردى، وآخرون. قال أحمد بن حنبل: ليس به بأس. وقال ابن معين: هو ضعيف، ليس بالقوى. وقال أبو زرعة: ثقة.
стр. 381
وقال: لا بأس به. وقال ابن عدى: لا بأس به؛ لأن مالكًا روى عنه، ولا يروى مالك إلا عن صدوق ثقة. وروى له البخارى ومسلم. توفى فى أول خلافة المنصور.
٤٥٦ - عمرو بن عوف (١) :
جد كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف. ذكره فى المهذب فى صفة صلاة العيد كثير ابن عبد الله، عن أبيه، عن جده. هو أبو عبد الله عمرو بن عوف بن زيد بن مليحة، بضم الميم، وقيل: ملحة، بضمها أيضًا، ابن عمرو بن بكر بن أفرك بن عثمان بن عمرو ابن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر المزنى.
كان قديم الإسلام، يقال: هاجر مع رسول الله ﷺ ، ويقال: أول مشاهده الخندق، وكان أحد البكائين فى غزوة تبوك الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [التوبة: ٩٢] . توفى فى آخر خلافة معاوية. له عن النبى ﷺ أحاديث. ومزينة التى ينسبون إليها هى أم أولاد عثمان بن عمرو.
٤٥٧ - عمرو بن غزية بن عمرو بن ثعلبة بن خنساء بن مبذول بن عمرو بن غنم ابن مازن بن النجارى الأنصارى الخزرجى المازنى المدنى الصحابى:
شهد العقبة، وبدرًا، وهو والد الحجاج بن عمرو بن غزية، وأخوته الحارث، وعبد الرحمن، وزيد، وسعيد، وأكبرهم الحارث له صحبة، واختلف فى صحبة الحجاج، ولم يصح لغيرهما من ولده صحبة، قاله ابن عبد البر. قالوا: وعمرو هو الذى أصاب من امرأة أجنبية كل شىء سوى الجماع، ثم أتى النبى ﷺ تائبًا فصلى العصر، فأنزل الله تعالى توبته: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَىِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ، والحديث مشهور فى الصحيحين، لكن لم يعين اسمه فيهما.
٤٥٨ - عمرو بن معد يكرب بن عبد الله بن عمرو بن خضم - بضم الخاء وإسكان الضاد المعجمتين - ابن عمرو بن زبيد الأصغر:
وهو منبه بن ربيعة بن سلمة بن مارن بن ربيعة بن منبه بن زبيد الأكبر بن الحارث ابن صعب بن سعد العشيرة بن مدحج المدحجى التربيدى الصحابى أبو ثور. كذا نسبه ابن عبد البر. وقال ابن الكلبى: عصم بدل: خضم.
وفد على النبى ﷺ فى وفد مراد؛ لأنه كان فارق قومه
стр. 382
سعد العشيرة، ونزل فى مراد ووفد معهم فأسلم، وقيل: قدم فى وفد زبيد، وأسلم سنة تسع، وقيل: سنة عشر، قاله الواقدى، ورجع إلى بلاده، فلما توفى رسول الله ﷺ ارتد مع الأسود العنسى، فسار إليه خالد بن سعيد بن العاصى، فقاتله فضربه خالد على عاتقه فانهزم، فأخذ خالد سيفه، فلما رأى عمرو الإمداد من أبى بكر الصديق، رضى الله عنه، إلى اليمن أسلم، ودخل على المهاجر بن أبى أمية بغير أمان، فأوثقه وبعثه إلى أبى بكر.
فقال له أبو بكر، رضى الله عنه: أما تستحى كل يوم مأسورًا ومهزومًا، لو نصرت هذا الدين لرفعك الله تعالى، قال: لا جرم، لا أقيلن ولا أعود، فأطلقه وعاد إلى قومه، ثم عاد إلى المدينة، فبعثه أبو بكر، رضى الله عنه، إلى الشام، فشهد اليرموك، ثم بعثه عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، إلى العراق، وكتب إلى سعد بن أبى وقاص أن يصدر عن مشورته فى الحرب، فشهد القادسية، وله فيها بلاء حسن، واستشهد يوم القادسية، وقيل: بل مات سنة إحدى وعشرين بعد أن شهد وقعة نهاوند مع النعمان بن مقرن، وكان يقول الشعر الحسن.
٤٥٩ - عمرو بن ميمون (١) :
أبو عبد الله، وقيل: أبو يحيى الأودى الكوفى، من أود بن صعب بن سعد العشيرة. وهو معدود فى كبار التابعين، أدرك زمن النبى ﷺ ولم يلقه، وسمع عمر بن الخطاب، وسعد بن أبى وقاص، وابن مسعود، ومعاذًا، وأبا أيوب، وأبا مسعود، وابن عباس، وابن عمرو بن العاص، وأبا هريرة، وغيرهم من الصحابة، وخلقًا من التابعين.
قال أبو إسحاق السبيعى: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرضون عمرو بن ميمون. وقال ابن معين: هو ثقة. روى له البخارى ومسلم. قالوا: وأسلم عمرو بن ميمون فى زمن النبى ﷺ ، وحج مائة حجة، وقيل: سبعين، وأدى صدقته إلى عمال النبى ﷺ . قال عمرو بن ميمون: قدم علينا معاذ بن جبل اليمن رسولاً من عند رسول الله ﷺ مع السَّحَر رافعًا صوته بالتكبير، وكان حسن الصوت، فألقيت عليه مجنى، فما فارقته حتى جعلت عليه التراب، ثم صحب ابن مسعود، وتوفى سنة
стр. 383
خمس وسبعين، وقيل: سنة أربع وسبعين، وهو الذى روى البخارى فى صحيحه عنه أنه رأى قردة زنت فى الجاهلية، فاجتمعت القرود فرجموها.
٤٦٠ - عمرو بن يحيى المازنى (١) :
مذكور فى المختصر. هو عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبى حسن الأنصارى المازنى المدنى التابعى. روى عن أبيه، وعباد بن تميم، ومحمد بن يحيى، وعباس بن سهل، وغيرهم. روى عنه يحيى الأنصارى، وأيوب، ويحيى بن أبى كثير، وابن جريج، ومالك، والثورى، وشعبة، وابن عيينة، وغيرهم من الأئمة. قال أبو حاتم: هو ثقة. روى له البخارى ومسلم.
* * *
باب عمارة، وعمران، وعمار، وعمير
٤٦١ - عمارة الجرمى:
مذكور فى المختصر فى أول الحضانة، هو بضم العين، وهو عمارة بن ربيعة الجرمى. روى عن على بن أبى طالب، وعبسة بن سعيد. روى عنه يونس الجرمى. ذكره ابن أبى حاتم، عن أبيه.
٤٦٢ - عمارة بن حمزة بن عبد المطلب:
الصحابى ابن الصحابى، ابن عم رسول الله ﷺ . ذكره ابن عبد البر فى الصحابة. قال: وبه كان حمزة يكنى. قال: وقيل: كان يكنى بابنه يعلى. قال: ولا عقب لحمزة. قال: توفى النبى ﷺ ولعمارة ويعلى ابنى حمزة أعوام، ولا أحفظ لهما رواية.
٤٦٣ - عمران بن الحصين الصحابى، رضى الله تعالى عنه (٢) :
متكرر، وهو أبو نجيم، بضم النون وفتح الجيم، عمران بن الحصين بن عبيد بن خلف بن عبد شهم بن
стр. 384
سالم بن غاضرة، بمعجمتين، ابن سلول بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة، وهو لحى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرىء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان الخزاعى البصرى، وقيل فى نسبه غير هذا.
أسلم هو وأبو هريرة عام خيبر سنة سبع من الهجرة. رُوى له عن رسول الله ﷺ مائة وثمانون حديثًا، اتفقا منها على ثمانية، وانفرد البخارى بأربعة، ومسلم بتسعة. روى عنه أبو رجاء العطاردى واسمه تيم، ومطرف بن عبد الله، وزرارة بن أوفى، وزهدم، وعبد الله بن بريدة، وابن سيرين، والحسن، والشعبى، وأبو الأسود الدؤلى، وآخرون.
نزل البصرة، وكان قاضيها، استقضاه عبد الله بن عامر أيامًا، ثم استعفاه فأعفاه، توفى بها سنة ثنتين وخمسين، وكان الحسن البصرى يحلف بالله تعالى ما قدم البصرة راكب خير لهم من عمران. وغزا مع النبى ﷺ غزوات، وبعثه عمر بن الخطاب، رضى الله تعالى عنه، إلى البصرة ليفقه أهلها، وكان من فضلاء الصحابة، وكان مجاب الدعوة، ولم يشهد تلك الحروب، وكان أبيض الرأس واللحية، وله عقب بالبصرة.
وفى صحيح مسلم، عن عمران، قال: قد كان يسلم علىَّ حتى اكتويت، فتركت ثم تركت الكى، فعاد يعنى كانت الملائكة تسلم عليه ويراهم عيانًا كما جاء مصرحًا به فى غير صحيح مسلم.
واختلف العلماء فى حصين والد عمران، هل أسلم وله صحبة أم لا؟ قال ابن الجوزى فى التلقيح الصحيح: إنه أسلم، ويؤيد ما قاله أن الترمذى روى فى كتابه فى باب جامع الدعوات بإسناده عن عمران بن الحصين، قال: قال النبى ﷺ لأبى: “يا حصين، كم تعبد اليوم آلهًا؟ ”، قال: سبعة، ستة فى الأرض وواحدًا فى السماء، قال: “فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ ”، قال: الذى فى السماء، قال: “يا حصين، أما أنك لو أسلمت علمتك كلمتين تنفعانك”، فلما أسلم قال: يا رسول الله، علمنى الكلمتين اللتين وعدتنى، قال: “قل: اللهم ألهمنى رشدى، وأعذنى من شر نفسى”، قال الترمذى: هذا حديث حسن غريب.
٤٦٤ - عمار بن أبى عمار التابعى (١) :
مذكور فى المهذب فى صلاة الجنازة. هو أبو
стр. 385
عمرو، ويقال: أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله، عمار بن أبى عمار الهاشمى مولاهم. سمع أبا قتادة، وأبا هريرة، وعمران بن الحصين، وابن عباس، وغيرهم من الصحابة. روى عنه عطاء، ويونس بن عبيد، وخالد الحذاء، وحميد الطويل، وآخرون. واتفقوا على توثيقه. روى له البخارى ومسلم.
٤٦٥ - عمار بن ياسر الصحابى، رضى الله تعالى عنهما (١) :
تكرر فيها. هو أبو اليقضان، عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوذيم، بكسر الذال المعجمة، ابن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر ابن يام، بالمثناة تحت، ابن عنس، بالنون، ابن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب العنسى، بالنون، الشامى الدمشقى.
كان من السابقين إلى الإسلام، وكان هو وأبوه وأمه سمية ممن أسلم أولاً، وكان إسلام عمار وصهيب فى وقت واحد حين كان النبى ﷺ فى دار الأرقم بن أبى الأرقم، وأسلم بعد بضعة وثلاثين رجلاً، ونقلوا عن مجاهد قال: أوَّل من أظهر إسلامه أبو بكر، وبلال، وخباب، وصهيب، وعمار، وأمه سمية، وكان عمار وأبوه وأمه يعذبون فى الله تعالى على إسلامهم، ويمر بهم النبى ﷺ ، فيقول: “صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة” (٢) ، وقتل أبو جهل سمية، فهى أول شهيدة فى الإسلام.
وأبوه ياسر عربى كما ذكرنا نسبه، وأمه سمية أمة لأبى حذيفة بن أبى حذيفة بن المغيرة المخزومى، فحالف ياسرًا وزوَّجه إياها، فولدت له عمارًا، فأعتقه أبو حذيفة، فهو مولاه. وفى عمار نزل قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] . وهاجر مع رسول الله ﷺ إلى المدينة، وشهد معه بدرًا، وأُحُدًا، والخندق، وجميع المشاهد، واختلفوا فى هجرته إلى الحبشة.
رُوى له عن رسول الله ﷺ اثنان وستون حديثًا، اتفقا على حديثين منها، وانفرد البخارى بثلاثة، ومسلم بحديث. روى عنه على بن أبى طالب، وابن عباس، وأبو موسى، وأبو أمامة، وجابر، وعبد الله بن جعفر، وغيرهم من الصحابة، رضى الله عنهم، وابن المسيب، وابن الحنفية، وأبو وائل، وابنه محمد بن عمار، وآخرون من التابعين.
قُتل بصفين مع على، رضى الله عنه، فى شهر ربيع الأول، وقيل: الآخر
стр. 386
سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث، وقيل: أربع وتسعين سنة. وأوصى أن يدفن بثيابه، فدفنه على، رضى الله عنه، فى ثيابه ولم يغسله. وكان آدم، طوالاً، لا يغير شيبه. وقال قبل أن يقتل: ائتونى بشربة لبن، فإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: “آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن” (١) .
وثبت فى الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: “ويح عمار تقتله الفئة الباغية” (٢) . وكانت الصحابة يوم صفين يتبعونه حيث توجه؛ لعلمهم بأنه مع الفئة العادلة لهذا الحديث. قالوا: وكان عمارًا أول من بنى مسجدًا لله تعالى فى الإسلام، بنى مسجد قباء، وشهد قتال اليمامة فى زمن أبى بكر، رضى الله عنه، فأشرف على صخرة ونادى: يا معشر المسلمين، أمن الجنة تفرون؟ إلىَّ إلىَّ أنا عمار بن ياسر، وقطعت أذنه وهو يقاتل أشد القتال.
واستعمله عمر، رضى الله عنه، على الكوفة. روينا بالإسناد الصحيح فى مسند الإمام أحمد بن حنبل، وكتاب الترمذى وغيرهما، عن على، رضى الله عنه، قال: جاء عمار يستأذن على النبى ﷺ ، فقال: “ائذنوا له، مرحبًا بالطيب المطيب”. قال الترمذى: حديث حسن صحيح.
وعن عائشة، رضى الله عنها، قالت: قال رسول الله ﷺ : “ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما” (٣) . رواه الترمذى بإسناد صحيح على شرط مسلم.
وعن حذيفة، رضى الله عنه، قال: كنا جلوسًا عند النبى ﷺ ، فقال: “إنى لا أدرى ما قدر بقائى فيكم، فاقتدوا بالذين من بعد”، وأشار إلى أبى بكر، وعمر، “واهتدوا بهدى عمار، وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه”. رواه الترمذى، وقال: حديث حسن.
وروينا فى مسند الإمام أحمد، عن علقمة، عن خالد بن الوليد، عن النبى ﷺ قال: “من عادى عمارًا عاداه الله، ومن أبغض عمارًا أبغضه الله” (٤) ، هذا منقطع لم يدرك علقمة خالدًا.
٤٦٦ - عمير مولى آبى اللحم الصحابى، رضى الله عنه (٥) :
مذكور فى المهذب فى قسم الغنيمة فى الرضخ للعبد، وآبى اللحم بهمزة ممدودة وكسر الباء، واسم آبى اللحم عبد الله، وقيل: خلف بن عبد الملك، وقيل: خلف بن مالك بن عبد الله الغفارى، قيل له: آبى اللحم؛ لأنه كان لا يأكل اللحم، وقيل: كان لا يأكل ما ذبح للأصنام،
стр. 387
وآبى اللحم ومولاه عمير صحابيان، وشهد عمير خيبر وهو عبد مع رسول الله ﷺ ، فرضخ له وأعطاه شيفًا. رُوى له عن رسول الله ﷺ تسعة أحاديث، روى مسلم أحدها. روى عنه يزيد بن أبى عبيد، ومحمد بن زيد بن المهاجر، ومحمد بن إبراهيم.
٤٦٧ - عمير بن الحمام - بضم الحاء المهملة وتخفيف الميم - ابن الجموح بن زيد ابن حزام الأنصارى الصحابى:
شهد بدرًا واستشهد بها، وهو أوَّل قتيل من الأنصار، وكان النبى ﷺ آخا بينه وبين عبيدة بن الحارث المطلبى، فاستشهدا فى وقعة بدر.
٤٦٨ - عمير بن سلمة الضمرى الصحابى (١) :
مذكور فى المهذب فى أول باب الهبة، ويقال فيه: الضمرى، والبهرى، والزهرى، والصحيح الضمرى، كذا رواه النسائى فى سننه فى حديثه، وكذا ذكره البخارى فى تاريخه، قال: ويقال فيه: الزهرى. وقال ابن أبى حاتم: الأصح فيه الزهرى، ويقال: البهزى، وحديثه المذكور فى المهذب صحيح رواه النسائى بإسناد صحيح.
٤٦٩ - عمير بن أبى وقاص:
أخو سعد بن أبى وقاص. سبق تمام نسبه فى ترجمة سعد، وكان عمير صحابيًا قديم الإسلام من المهاجرين، شهد بدرًا واستشهد بها، وكان عمره ست عشرة سنة، استصغره رسول الله ﷺ لما أراد المسير إلى بدر فرده فبكى، فأجازه، وكان سيفه طويلاً، فعقد عليه حمائله، وكان يقول: أحب الخروج لعل الله يرزقنى الشهادة، فرزقه الله إياها.
٤٧٠ - عمير بن وهب بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح القرشى الجمحى الصحابى:
يكنى أبا أمية، وهو ابن عم صفوان بن أمية. كان لعمير قدر وشرف فى قريش، وشهد بدرًا مع المشركين، وهو الذى حرش بين القوم وأنشب الحرب وأسر المسلمون ابنه وهبًا، فجاء إلى المدينة بمعاقده بينه وبين صفوان بن أمية ليقتل النبى ﷺ ، فقدم المدينة وزعم أنه قدم لفك ابنه، فقال له رسول الله ﷺ : "فما الذى شرطت لصفوان؟ "، فأسلم عمير وحسن إسلامه ورجع إلى مكة، فأسلم على يده ناس كثير، رضى الله عنه.
стр. 388
* * *
باب العين والواو
٤٧١ - عوف الأعرابى (١) :
وهو عوف بن أبى جميلة العبدى الهجرى البصرى، أبو سهل، عرف بالأعرابى. قال السمعانى: ولم يكن أعرابيًا. روى عن أبى عثمان النهدى، وأبى العالية، والحسن البصرى، وابن سيرين، وأبى رجاء، وأبى نضرة، وزرارة بن أبى أوفى، وآخرين من التابعين. روى عنه الثورى، وشعبة، ومعتمر، ويحيى القطان، وابن المبارك، والنضر بن شميل، ويزيد بن هارون، وآخرون من الأئمة، واتفقوا على توثيقه. روى له البخارى ومسلم. ولد سنة تسع وخمسين، وتوفى سنة ست، وقيل: سبع وأربعين ومائة.
٤٧٢ - عوف بن مالك الأشجعى الصحابى (٢) :
مذكور فى المهذب فى أول العاقلة، وفى كتاب السير فى مسألة السلب. هو أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو حماد، ويقال: أبو عمرو عوف بن مالك بن أبى عوف الأشجعى الغطفانى. أول مشاهده مع النبى ﷺ خيبر، وشهد معه فتح مكة، وكانت معه راية أشجع، نزل الشام، وسكن دمشق، وكانت داره عند سوق الغزل العتيق. روى له عن رسول الله ﷺ سبعة وستون حديثًا، روى البخارى منها واحدًا ومسلم خمسة.
روى عنه أبو أيوب الأنصارى، والمقدام بن معدى كرب، وأبو هريرة. وروى عنه من التابعين جماعات منهم أبو مسلم، وأبو إدريس الخولانيان، وجبير بن نفير، ومسلم ابن قرضة، وشداد أبو عمار، وراشد بن سعد، ويزيد بن الأصم، وسليم بن عامر، وسالم أبو النضر، وأبو بردة بن أبى موسى، وشرح بن عبيدة، وضمرة بن حبيب، وكثير ابن مرة، وخلق سواهم، واتفقوا على أنه توفى بدمشق سنة ثلاث وسبعين فى خلافة عبد الملك بن مروان.
وأما قول صاحب المهذب فى أول باب العاقلة: ابن عوف بن مالك، رجع عليه سيفه يوم خيبر فقتله، فغلط صريح، بل الذى
стр. 389
رجع عليه سيفه فقتله عامر بن الأكوع عم سلمة بن عمرو بن الأكوع، وحديثه فى الصحيحين مشهور، وسأوضح هذا فى النوع الثامن فى الأوهام إن شاء الله تعالى.
٤٧٣ - عون بن عبد الله (١) :
الراوى عن ابن مسعود. مذكور فى المختصر. هو عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهزلى الكوفى، أخو عبيد الله بن عبد الله أحد الفقهاء السبعة. سمع ابن عمر، وأبا هريرة، ويوسف بن عبد الله بن سلام، وعائشة، رضى الله عنهم. وسمع من التابعين أخاه، وأبا بردة، وغيرهما. وروى عن ابن مسعود، وابن عباس مرسلاً لم يسمعهما. روى عنه الزهرى، وأبو الزبير، وأبو إسحاق الشيبانى، ومحمد بن عجلان، وآخرون من التابعين. قال يحيى بن معين وغيره: هو ثقة. روى له مسلم.
٤٧٤ - عويم بن ساعدة بن عايش - بالشين المعجمة - ابن قيس بن النعمان بن زيد بن أمية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصارى الأوسى الصحابى، رضى الله عنه (٢) :
أسلم قديمًا، وشهد العقبتين، وبدرًا، وأُحُدًا، والخندق، وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ ، توفى فى خلافة عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، وهو ابن خمس أو ست وستين سنة، ووقف عمر على قبره، وقال: لا يستطيع أحد أن يقول: أنا خير من صاحب هذا القبر، ما نصبت لرسول الله ﷺ راية إلا وعويم تحت ظلها، رضى الله عنه.
٤٧٥ - عويمر العجلانى الصحابى:
مذكور فى اللعان فى هذه الكتب، وأيضًا فى طلاق المهذب. هو عويمر بن أبيض الأنصارى العجلانى. وقال الطبرى: هو عويمر بن الحارث بن زيد بن حارثة بن الجد بن العجلان، وهو صاحب اللعان الذى رمى زوجته بشريك بن السحماء، وكان لعانهما فى شعبان سنة تسع من الهجرة حين قدم رسول الله ﷺ من تبوك.
стр. 390
* * *
باب العين والياء
٤٧٦ - عياش بن أبى ربيعة الصحابى، رضى الله عنه (١) :
الذى كان من المستضعفين بمكة، وكان رسول الله ﷺ يدعو لهم فى القنوت، وهو أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو عبد الله عياش بن أبى ربيعة عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشى المخزومى المكى، أخو عبد الله بن أبى ربيعة، وأخو أبو جهل لأمه وابن عمه.
كان إسلام عياش قديمًا فى أول الأمر قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة، وولد له بها ابنه عبد الله، ثم عاد إلى مكة، وهاجر إلى المدينة هو وعمر بن الخطاب، فقدم إليه أخواه لأمه أبو جهل والحارث ابنا هشام، فقالا: إن أمك حلفت لا يدخل رأسها دهن، ولا تستظل حتى تراك، فرجع معهما فحبساه بمكة وأوثقاه، فكان رسول الله ﷺ يدعو له ولجماعة من المستضعفين يسميهم بأسمائهم فى القنوت، واستشد عياش يوم اليرموك. وقال الطبرى: توفى بمكة. روى عنه ابناه عبد الله، والحارث، وروى عنه نافع مولى ابن عمر مرسلاً.
٤٧٧ - عياض بن حمار الصحابى، رضى الله عنه (٢) :
مذكور فى المهذب فى أول اللقطة. هو عياض بن حمار، على لفظ الحمار الدابة المعروفة، ابن أبى حمار بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنضلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم التميمى المجاشعى، وقيل فى نسبه غير هذا، وصحف ابن مندة محمد بن سفيان هذا، فقال: مخمد، بالخاء المعجمة، وأسقط من نسبه جماعة، فغلطوه فيهما، نزل عياض البصرة وهو معدود فى أهلها. رُوى له عن رسول الله ﷺ ثلاثون حديثًا، روى مسلم منها حديثًا. روى عنه مطرف، ويزيد ابنا عبد الله، والحسن البصرى، وغيرهم.
٤٧٨ - عياض الأشعرى، رضى الله عنه (٣) :
مذكور فى المهذب فى عقد الذمة فى دخول