ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٢٦- ولا نرد ذاك بالعقول ... لقول مفتر به جهول
٢٧- فعقدنا الإثبات يا خليلي ... من غير تعطيل ولا تمثيل
ــ
الشرح
قوله: (ولا نرد ذاك بالعقول) ، ولا نرد ذاك: أي ما جاءت به النصوص من الآيات والأحاديث لا نرده بالعقول، وإنما قال ذلك إشارة إلى قول من يقول: إن المرجع في إثبات الصفات أو نفيها هو العقل، فما اقتضى العقل ثبوته أثبتناه وما اقتضى العقل نفيه نفيناه، سواء كان موجودا في القرآن والسنة أم غير موجود، وما لا يقتضي العقل إثباته ولا نفيه فأما أن نتوقف فيه، وإما أن ننفيه، وأكثرهم نفى ذلك.
الأول: ما اقتضى العقل ثبوته فيثبتونه، سواء كان ثابتا في الكتاب والسنة أم لا.
الثاني: ما اقتضى العقل نفيه فينفونه، سواء كان ذلك موجودا في الكتاب والسنة أم لا.
الثالث: ما لا يقتضي العقل إثباته ولا نفيه. فانقسموا فيه إلى قسمين: قسم نفاه وهم الأكثر، وقسم توقف فيه، وقال: لا نثبت ولا ننفي؛ لان العقل لا يقتضي إثباته ولا نفيه، فالذين نفوه وهم الأكثر قالوا: لان العقل لم يدل عليه، وما لم يدل عليه الدليل فالواجب نفيه، والذين توقفوا فيه قالوا: إن العقل لم يدل على نفيه ولم يدل على إثباته، فالواجب التوقف.
стр. 107
لكن كل هذه القاعدة قاعدة مبنية على شفا جرف هار؛ لأنها قاعدة تقتضي تقديم المعقول على المنقول، والعقل يقتضي تقديم المنقول على المعقول.
وهذا من العجب؛ أن يقولوا: نحن نبع العقل، وهم يهدمون العقل بما يدعونه عقلا؛ لان العقل يقتضي أن هذه الأمور الغيبية نقتصر فيها على الخبر المجرد، لان العقل لا يمكن أن يتحكم فيها أو يدركها، فكان مقتضى العقل الصريح أن يرجع فيها إلى النقل فالخبر المحض الذي لا تدركه بعقلك كيف ترجع إلى عقلك فيه؟!
فمثلا: لو رجعت إلى عقلك بالنسبة إلى حال شخص من البشر، فلا يمكن أن تحكم بعقلك على أحواله، ولكن تعتمد في الحكم على أحواله على ما نقله عن نفسه أو ما نقل عنه بخبر الصادق، أما أن تحكم عليه بعقلك فهذا غير صحيح؛ فكل له تصرف يختص به، فأنت ربما في بيتك تقوم وتفطر وتروح لعملك، وربما هو يقوم ولا يفطر بل يروح إلى العمل قبل أن يفطر، وبذلك يختلف عنك، هذا وهو بشر، حاله قريبة من حالك، كيف بالله ؟! كيف تحكم على الله بعقلك والعقل يقتضي أن تعتمد في ذلك على النقل، لان هذا لا يثبت إلا بالخبر المحض.
ولهذا نقول: انتم يا أصحاب العقول هدمتم العقول؛ لأنكم تقولون: العقل يقتضي أن لا يوصف الله بذلك، وهو قد وصف به نفسه، وهو خبر عن أمر لا يدرك بالعقل فالواجب فيه الاعتماد على النقل، وتقولون هذا ثابت لله، والله لم يثبته لنفسه، وهذا أيضا إثبات للعقل بما ينافي العقل، لان
стр. 108
الذي يقتضيه العقل أن ما لم يبلغك خبره في أمر غائب عنك أن تتوقف فيه، وأما أن تثبته مع نفي الله له، فهذا زيادة في العدوان.
فالحاصل أن قول المؤلف ﵀ (لا نرد ذاك بالعقول) يشير به إلى رد قول من يقول: إن المرجع في صفات الله إلى العقل، ونقول هلم:
أولا: أن هذه القاعدة باطلة من أساسها لأنها تقتضي تقديم المعقول على المنقول، والعقل يقتضي تقديم المنقول على المعقول.
ثانيا: أن هذه القاعدة تبطل الاعتماد على العقل؛ لان العقل يقتضي أن ما طريقه الخبر المجرد يعتمد فيه على النقل وعلى الخبر ما دامت العقول لا تدركه، فالواجب أن يعتمد على ما اخبر الله به عن نفسه أو أخبرت به عنه رسله.
ثالثا: أن نقول: تحكيم العقل في هذا الباب تحكيم من لا يحيط بالحكم علما؛ وذلك لان ما يصف الله به نفسه لا يمكن للعقل أن يدركه، فإذا كان الله يقول: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) (الأنعام: الآية ١٠٣) ، والإدراك بالبصر إدراك بمحسوس، فكيف تدركه العقول؟ ! العقول لا تدركه كنه حقيقة صفات الله أبداً، قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: الآية ١١) .
رابعا أن هذه العقول التي زعمتم إنها مرجع ومحكم في صفات الله عقول متناقضة؛ لان هؤلاء العقلاء - كما يدعون - يتناقضون، فنجد بعضهم يقرر وجوب ذلك عقلا، والآخر يقرر امتناع ذلك عقلا، وفرق واسع شاسع بين الواجب والممتنع، وكل منهم يدعي أنه من ذوي العقول، هذا يقول: هذا ممتنع على الله ولا يجوز وصفه به، وهذا يقول: هذا واجب لله فيجب
стр. 109
وصفه به، فأين العقل؟! وبأي شيء يوزن ما يجب لله تعالى وما يمتنع؟! وبأي عقل يوزن إن قلنا بعقل زيد، قال عمرو: ما لكم تتركون عقلي؟ وإن قلنا بعقل عمرو، قال زيد: ما لكم تتركون عقلي؟ فبأي عقل يوزن؟ فهم متناقضون.
بل إنه كما قال شيخ الإسلام ﵀ وغيره من أهل العلم إن الواحد من هؤلاء الذين يحكمون العقل يكون متناقضا، فيكتب في بعض مصنفاته أن هذا واجب لله، ويكتب في المصنفات الأخرى أنه ممتنع على الله.
خامسا: أن في الاعتماد على العقل ارتكاب محظورين عظيمين:
الأول: أن نقول على الله ما لا نعلم.
الثاني: أن ننفي عن الله ما أثبته لنفسه.
وهذا محظور عظيم لا يمكن لمؤمن أن يرتكبه بل ولا يمكن لعاقل أن يرتكبه فضلا عن مؤمن.
وهؤلاء ارتكبوا ذلك بحجة أن العقل يمنع هذا على الله، أو بحجة أن العقل يوجب على الله هذا الشيء.
إذا الرجوع إلى العقل باطل من هذه الوجوه الخمسة.
والواجب أن نرجع إلى النقل، فإذا وجب الرجوع إلى النقل فهناك مرحلة أخرى واجبة، وهي أن نأخذ بظاهر هذا النقل ولا نحرفه، فلا نقول المراد به كذا وكذا مما يخالف الظاهر، بل الواجب أن نأخذ بظاهره.
فإذا قال قائل: إذا أخذت بظاهره فقد مثلت الله بخلقه، ولنفرض انك أخذت بظاهر اليد وأن لله يدين، فانك إذا قلت: إن المراد باليدين هما ما
стр. 110
يؤخذ بهما ويقبض فقد مثلت الله بخلقه، وحينئذ وقعت فيما هو كفر؟.
وجوابنا على ذلك أن نقول: من قال إن ظاهر اليدين حقيقة يقتضي المماثلة؟ ؛ بل لنا أن نقول إن ظاهر اليدين المضافتين إلى الله حقيقة يقتضي امتناع المماثلة؛ وذلك لأنها يد أضيفت إلى متصف بها، ومن المعلوم أن ما أضيف إلى الشيء فإنه يكون لائقا به، فاليدان اللتان أضافهما الله إلى نفسه يدان لائقتان بالله ، لا يمكن أن تماثل أيدي المخلوقين، الست تقول: يد إنسان، وتقول: يد حمار، وتقول: يد جمل، وتقول: يد هر، وتقول: يد أسد، وتقول: يد ذرة؟! فهل أحد من الناس يعتقد التماثل في هذه الأيدي؟! أبداً؛ لأنها أيد مضافة إلى متصف بها، فتكون هذه الأيدي لائقة بالموصوف بها، لكن لو قلت: يد أسد، ويد أسد آخر، صارت مماثلة. إذا علم التباين بين المخلوقات بعضها مع بعض فالتباين بين الخالق والمخلوق من باب أولى.
ومن اعتقد أن ظاهر نصوص الكتاب والسنة التمثيل فقد كفر، لان تمثيل الله بخلقه كفر، ومن زعم أن ظاهر الكتاب والسنة ما يقتضي الكفر فهو كافر؛ لان الكتاب والسنة يقرران الإيمان وينكران الكفر، ولهذا قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري ﵀: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها (١)
فالحاصل أن نقول: إننا إذا أخذنا بظاهر النصوص لم نكن ممثلين بل
стр. 111
نحن أبعد الناس عن التمثيل، والممثل حقيقة هو الذي صرف النصوص عن ظاهرها، فهذا الذي جعل النصوص دالة على التمثيل هو الذي صرفها عن ظاهرها؛ لأنه لم يصرفها عن ظاهرها إلا حيث اعتقد أن ظاهرها يقتضي التمثيل، فلما اعتقد هذه العقيدة الباطلة ذهب يصرفها عن ظاهرها، ولهذا نقول: كل معطل فهو ممثل؛ لأنه لم يعطل إلا حيث اعتقد أن ظاهرها التمثيل فذهب يصرفها عن ظاهرها ويعطل مدلولها عما أراده الله.
أما القائلون بتحكيم العقل فهم الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية، وكل أهل التأويل يقولون بتحكيم العقل في هذا الباب، وسيأتي إن شاء الله في كلام المؤلف ﵀ أن الأشاعرة لا يثبتون من الصفات إلا سبعا؛ ادعوا أن العقل يقتضيها، وأنكروا بقية الصفات بحجة أن العقل لا يقتضيها، ولكننا نقول بان العقل يؤيد ما جاءت به النصوص من هذه الصفات الكمالية، التي اتصف الله بها.
قال: (ولا نرد ذاك بالعقول) أما الذين رجعوا إلى العقول فقد ردوها؛ لأنهم أنكروا دلالتها على المراد بها. فمثلا قالوا في قوله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ) أي وجاء أمر ربك، فردوها، إذ قالوا: نحن لم نردها ولم نكذب بمجيء الله، ولكن المراد بمجيئه مجيء أمره، وما هذا في الحقيقة إلا رد؛ إذ ما معنى الرد إذا لم يكن هذا ردا؟ فربنا يقول: (وَجَاءَ رَبُّكَ) وانتم تقولون: لم يجئ ربك، بل الذي جاء أمره - سبحان الله! - هل الله يبين لعباده خشية أن يضلوا، أو يعمي على عباده ليضلوا؟!
الجواب: الأول بلا شك قال تعالى: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) (النساء: الآية ١٧٦) ، فلو كان الله يريد بقول: (وَجَاءَ رَبُّكَ) : وجاء أمر ربك لكان هذا ابلغ ما يكون في التعمية، ولكان هذا من عدم البيان، بل من التلبيس على
стр. 112
العباد، وإذا كان الله أوجب على عباده أن يعرفوه بصفاته فكيف يقول: (وَجَاءَ رَبُّكَ) وهو يريد وجاء أمر ربك؟!
فإذا قال قائل: إن الله يقول: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) (النحل: الآية ١) فيجب أن نحمل (وَجَاءَ رَبُّكَ) على هذه الآية؟
فالجواب: أن هذه الآية التي استدللتم بها حجة عليكم وليست حجة لكم، لان اختلاف التعبير في الموضعين يدل على أن احدهما غير الآخر، فلو كان الله يريد بقوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ) : وجاء أمر ربك، لقالها، كما قاله في الآية الثانية (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) .
ثم إن الله قال: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً) (الفجر: ٢٢) ، ومعلوم أن الذي جاءهم الملائكة أنفسهم وليس أمرهم، ففي الآية أيضا قرينة لفظية تدل على امتناع تفسيرها بمجيء أمره.
ولا تعجب أن يكون كل دليل استدل به المبطل دليلا عليه؛ لان استدلاله به يدل على أنه فيه إشارة إلى هذا المعنى لكنه إشارة على غير ما أراده. وقد التزم شيخ الإسلام ﵀ في كتابه: درء تعارض العقل والنقل بألا يأتي مبطل بحجة يحتج بها على باطله إلا جعلها دليلا عليه لا له (١)
إذاً: نقول للذين يحكمون العقل: إنكم انتم الذين خرجتم بآيات الصفات وأحاديثها عن ظاهرها، أما نحن فإننا أخذنا بظاهرها لان الله تعالى إنما انزل الكتاب تبيانا لكل شيء، وأراد من عباده أن يهتدوا بهذا القرآن لا أن يضلوا فيه، وإذا كنتم انتم تعملون بظاهر النصوص في العبادات
стр. 113
والمعاملات وهي أيضا - اعني العبادات والمعاملات - فيها ما يرجع فيه إلى العقل كالمسائل القياسية، فكيف لا ترجعون فيها إلى مجرد النقل وتمنعون القياس كما منعه أهل الظاهر؟! مع أن هؤلاء الذين يرجعون إلى العقل في باب الصفات فيها ولا يأخذون بظاهر النصوص في باب الصفات، وهذا من التناقض في الاستدلال.
فالحاصل أنه لا يجوز الاعتماد في باب الصفات على العقل لعلل منها:
الأولى: تناقض العقلاء فيما بينهم فيما يثبت وما ينفى.
والثانية أن نقول: لو حكمنا العقل في هذا لكان مقتضى ذلك أن نرجع إلى المنقول؛ لان صفات الله من باب الخبر المحض التي يعتمد فيها على النقل المحض.
والثالثة: أن العقول لا يمكنها إدراك ما يجب لله ويمتنع ويجوز على سبيل التفصيل.
أما على سبيل الإجمال فيمكن إدراكه وذلك بان الله موصوف بصفات الكمال منزه عن صفات النقص، لكن على سبيل التفصيل لا يمكن.
والرابعة: أنه يمتنع عقلا أن تتحدث عن شخص تجهل حقيقة صفاته فكيف تتحدث عن الخالق الذي لا مثيل له؟
والخامسة: أن الذين رجعوا إلى العقول في هذا ارتكبوا محذورين: أنهم يقولون على الله ما لا يعلمون، وينفون عن الله ما قاله عن نفسه، وهؤلاء ارتكبوا محظورا عظيما بحجة أن العقل يمنع هذا على الله، أو بحجة أن
стр. 114
العقل يوجب على الله هذا الشيء، ولهذا قال المؤلف ﵀: (ولا نرد ذاك بالعقول) .
وقوله: (لقول مفترٍ) اللام هنا للتعليل أي من اجل قول مفتر، والمفتري هو الكاذب.
وقوله: (مفتر به جهول) : أي كاذب به جهول، ويجوز أن نجعل (به) متعلقا بجهول، أي جهول به، وإنما قال المؤلف: مفتر، وجهول لان من خالف النص وقال إن المراد به كذا، فهو إما كاذب وإما جاهل؛ إما كاذب إن تعمد مخالفة النص وهو يعلم أن النص يدل على كذا ولكن قال نرجع إلى كذا؛ وإما جهول إن كان لا يدري أنه خالف النص، فالذين خالفوا النصوص في هذا الباب لا يخرجون عن أحد هذين الوصفين؛ إما الكذب إن علموا أن النص يدل على خلاف قولهم ولكن ارتكبوا خلافه عن عمد؛ وإما الجهل إن ارتكبوا خلاف النص عن غير عمد.
ثم قال ﵀: (فعقدنا الإثبات يا خليلي) عقدنا - يعني - اعتقادنا الإثبات من غير تعطيل ولا تمثيل.
وقوله: (فقعدنا الإثبات) : أي ما أثبته الله لنفسه، ولا شك أن في العبارة قصورا؛ لان عقدنا: الإثبات فيما أثبته الله لنفسه، والنفي فيما نفاه الله عن نفسه، والتوقف فيما لم يرد إثباته ولا نفيه ما لم يتضمن نقصا، فإن تضمن نقصا محضا فهو مما ينفى عن الله ، فصار اعتقادنا على النحو التالي:
الأول: إثبات ما أثبته الله لنفسه، كالحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والوجه، والعين , واليد، والقدم، والأصبع، وغير ذلك: فهذا
стр. 115
نثبته لان الله أثبته لنفسه.
والثاني: نفي ما نفاه الله عن نفسه، كالظلم، والجهل، والغفلة، والنسيان والعور، وغير ذلك، فننفي ما نفاه الله عن نفسه.
والثالث: التوقف فيما لم يرد إثباته ولا نفيه ما لم يتضمن نقصا محضا، فإن تضمن نقصا محضا فإننا ننفيه عن الله وإن لم يرد نفيه، وأما فيما لم يرد إثباته ولا نفيه فمثاله الجسم، فلو قال لنا قائل: هل تقولون إن الله جسم؟
فالجواب: لا نقول إنه جسم، وتأمل العبارة: لا نقول إنه جسم، وهذه العبارة غير أن نقول: أنه ليس بجسم: والصحيح قول: لا نقول إنه جسم. ونحن إذا قلنا: أنه ليس بجسم نفينا أنه جسم، أما إذا قلنا: لا نقول أنه جسم فقد نفينا القول بأنه جسم.
وفرق بين النفيين؛ لان الأول وهو قول: أنه ليس بجسم حكم بانتفاء الجسمية عن الله، وهذا ليس عندنا علم فيه، والثاني وهو قول: لا نقول أنه جسم نفي للقول بذلك، ونحن ننفي أن نقول بذلك لأننا لا نعلم.
إذا الجسم: لا نثبته ولا ننفيه؛ لان الله لم ينفه عن نفسه ولم يثبته، فإذا لم ينفه عن نفسه ولم يثبته فليس لنا دخل في هذا، فنقف حيث وقف النص، ولكن نسأل عن المعنى المراد بالجسم؛ فإن أردت بالجسم الشيء القائم بنفسه المتصف بما يستحقه من الصفات، فهذا المعنى صحيح، فإن الله تعالى شيء قائم بنفسه متصف بما يليق به من الصفات: يستوي، ويأتي، وينزل، ويضحك، ويفرح، ويغضب، ويرضى، ونحن نؤمن بذلك، وإن أردت بالجسم الشيء المركب من أجزاء يفتقر بعضها إلى بعض، ويجوز انفصال بعضها عن بعض كما في الأجسام المخلوقة فهذا باطل.
стр. 116
كذلك أيضا الجهة، هل الله في جهة؟ نقول: أما اللفظ فإننا نتوقف فيه، وما لنا وله! وأما المعنى فنستفصل: ماذا تريد بالجهة؟ إن أردت أن الله تعالى في جهة تحيط به إحاطة الظرف بالمظروف فهذا ممتنع وباطل، وإن أردت بذلك جهة سفل ومخالطة للمخلوقات فهذا أيضا باطل وممتنع على الله، فليس الله في جهة السفل وليس في جهة تحيط به إحاطة الظرف بالمظروف، وإن أردت أنه في جهة عليا عدمية لا تحيط به، ما ثم إلا هو فهذا حق، والنبي ﵊ اعلم الخلق بالله قال للجارية: ((أين الله) ؟ قالت: في السماء (١) . فاستفهم باين التي يستفهم بها عن المكان، والمرأة أجابت بفي الدالة على الظرفية، أي: الظرفية العدمية، يعني: لا شيء محيط بالله، فما ثم فوق المخلوقات إلا الله .
وفي خطبة يوم عرفة التي لم يشهد النبي ﷺ ولا المسلمون اجتماعا أعظم منها ولا اكبر منها في عهد الرسول ﵊، قال وهو يخطب الناس: ((ألا هل بلغت) ؟ قالوا: نعم، فقال: ((اللهم اشهد) يشير بالسبابة إلى السماء وينكث بها إلى الناس. ((ألا هل بلغت) قالوا، نعم. ففعلها مرة أخرى: ((ألا هل بلغت) ؟ (٢) قالوا: نعم ففعلها ثلاث مرات. وهذه الإشارة تعني أن الله في جهة وهي جهة العلو.
فالحاصل انك إذا أردت بالجهة جهة علو عدمية، أي ليس فوق إلا الله وحده فهذا صحيح، ومع ذلك ونظرا لكون البسطاء من الناس يفهمون من
стр. 117
الجهة أنه في كل مكان مثلا، فنقول: لا تطلق أن الله في جهة أو في غير جهة، بل لابد من التقييد على حسب التفصيل الذي ذكرنا.
وكذلك الحيز، فاللفظ نتوقف فيه، والمعنى نستفصل، فإن أريد أن الله في حيز يحيط به ويحوزه فهذا باطل وممتنع؛ لان الله لا يحيط به شيء من مخلوقاته، وإن أريد أنه منحاز عن المخلوقات بائن منها غير مختلط فيها ولا هي حالة فيه فهذا حق.
إذا قول المؤلف ﵀: (فعقدنا الإثبات) فيه قصور؛ لان الواقع أن عقدنا إثبات ونفي وتوقف، ولكن في باب النفي؛ هل الله تعالى متصف بصفات هي نفي محض؟ الجواب: لا، بل صفات الله المنفية متضمنة لثبوت كمال، ويجب أن نؤمن بأنها متضمنة لثبوت كمال، لأنها يراد بها بيان كمال الصفة المضادة فلا يظلم الله الناس شيئا (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً) (يونس: الآية ٤٤) وذلك لكمال عدله، فهذا النفي إنما هو من أجل كمال الضد، فقد يكون في الإنسان عدل لكن يكون فيه أيضا ظلم، فيقال: فلان عدل، لكن ظلم في القضية الفلانية، فلا ينتفي عنه الظلم، لكن الله ينتفي عنه الظلم، لان العدل لديه كامل لا يمكن أن يرد في حقه الظلم؛ لا في قليل ولا في كثير، فانتفى الظلم عنه لكمال العدل في حقه .
ولو قلت: أنا أقول: لا يظلم ولا أقول لكمال العدل، قلنا: هذا ليس بصحيح لان صفات الله كلها عليا، وظلم لا يتضمن كمال العدل ليس من الصفات العليا؛ لان نفي الظلم إذا لم يكن لكمال العدل فقد يكون نقصا، وقد يكون لعدم القابلية، فلا يمدح بنقص ولا كمال، فإذا قلت فلان
стр. 118
رجل طيب لا يظلم، الناس يضربونه فيقول: اللهم اعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وأعني على الصبر، يأخذون ماله فيقول: الله اغنني؛ لأنه غير قادر، فهو ضعيف جدا، بل يخاف إن تكلم أن يضرب زيادة، فهل هذا يعتبر مدحا إذا قلنا: إنه لا يظلم؟ لا، ولهذا قال الشاعر:
قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل
لو سمعت قوله: لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل، قلت: ما شاء الله هؤلاء ناس أهل وفاء، وأهل عدل، لا يغدرون، ولا يظلمون، لكن الواقع أنه يسبهم بأنهم لا يقدرون على الغدر ولا على الظلم، ويقول الشاعر أيضا:
لكن قومي وإن كانوا ذوي حسب ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
يحزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ومن إساءة أهل السوء إحسانا
فليت لي بهم قوما إذا ركبوا شنوا الإغارة فرسانا وركبانا
فهذا الرجل يذم قومه وليس يمدحهم، ولهذا قال: فليت لي بهم قوما: أي بدلهم.
إذا نفي النقص لعدم القدرة عليه يعتبر نقصا، وقد يكون نفي النقص لان المحل غير قابل له، لا لكمال المحل، كما لو قلت: جدارنا لا يظلم الناس، وسيارتي لا تظلم أحداً، فهذا لا يعتبر مدحا؛ لأنه لا يقبل الظلم ولا العدل.
قال المؤلف ﵀: (من غير تعطيل ولا تمثيل) يعني يجب علينا أن
стр. 119
نثبت بلا تعطيل والتعطيل نوعان: تعطي للنص، وتعطيل للصفة؛ فأما تعطي النص: فتعطيله عن دلالته، وأما تعطيل الصفة فنفيها عن الله .
مثلا: اليد تعطيلها باعتبار تعطيل الصفة بان يقول: ليس لله يد حقيقية، وتعطيل النص بان يقول في قوله تعالى: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ) (ص: الآية ٧٥) أي بقدرتي أو بنعمتي.
فالتعطيل إذا إما تعطيل للنصوص بمنع دلالاتها على ما أريد بها، وإما تعطيل للصفات بنفيها عن الله مع ثبوتها له.
فأهل السنة والجماعة يتبرؤون من التعطيلين؛ لأنهم يجرون النصوص على ظاهرها، ولأنهم يثبتون لله ما أثبته الله لنفسه.
ثم اعلم أن التعطيل الذي ينفيه أهل السنة والجماعة ينقسم إلى أقسام:
الأول: تعطيل جزئي: يكون بإثبات الأسماء، وإثبات سبع من الصفات، وإنكار الباقي، وهذا مذهب الأشاعرة، فالأشاعرة يثبتون الأسماء لله ، ويثبتون سبعا م الصفات، وينكرون الباقي، فإذا جاءت النصوص بدلالة على الباقي حرفوها، فيكون هؤلاء عطلوا النصوص وعطلوا الصفات فيما نفوه، فمثلا يقولون: في قول الله تعالى: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه) (التوبة: الآية ١٠٠) يقولون: معنى ﵃: أي أثابهم، فيفسرون الرضى بالمفعول المنفصل عن الله وهو الثواب، فهؤلاء عطلوا الصفة وهي الرضا، وعطلوا النص فصرفوا دلالته عن الرضا إلى الثواب، فعطلوه عن مدلوله.
стр. 120
الثاني: تعطيل هو فوق ذلك. وهو تعطيل الصفات كلها دون الأسماء فينفون الصفات عن الله ويثبتون له الأسماء ومنهم من يقر بالحياة والعلم والقدرة لأنه لابد للرب منها، وما عدا ذلك يحرفونه، وهؤلاء هم المعتزلة، وهذا هو المشهور عنهم؛ أنهم يقرون بالأسماء، وينكرون الصفات أو يقرون بثلاث صفات وينكرون الباقي.
الثالث: تعطيل فوق ذلك، وهو إنكار الأسماء والصفات. فيقولون: إن الله لا يسمى سميعا ولا يثبت له سمع، وكل ما سمى الله به نفسه يجعلونه اسما للمخلوقات، فليس الله هو السميع بل السميع خلقه، وأضيف السمع إليه لأنه هو الذي خلقه في هذا، فيجعلون الأسماء والصفات كلها للمخلوقات لا للخالق ، وهؤلاء غلاة الجهمية، يقولون: لا نؤمن بان الله له أسماء ولا بان الله له صفات.
الرابع: تعطيل قوم فوق ذلك وهم الذين لا يثبتون لله أي صفة ثبوتية. فكل شيء ثبوتي لا يثبتونه لله، وإنما يثبتون لله السلبيات فقط، فيقولون مثلا: ليس بمعدوم، ليس بجاهل، ليس بأعمى، ليس بأصم، وأما إثبات الصفة فهي ممنوعة، لا الأسماء ولا الصفات، وهؤلاء هم القرامطة وأشباههم.
الخامس: تعطيل فوق ذلك وهم الذين يعطلون النفي والإثبات، فلا يصفون الله بصفة ثبوتية ولا بصفة سلبية، فلا يثبتون الإثبات ولا النفي، فيقولون: لا نقول أنه يرضى ولا نقول أنه لا يرضى ولا نقول حي ولا ميت، لا سميع ولا أصم، لا بصير ولا أعمى. فينفون عنه النفي والإثبات.
قالوا: لأنك لو اثبت لشبهته بالمثبتات، ولا نفيت لشبهته بالمنفيات.
стр. 121
فأنت واقع في التشبيه سواء أثبت أم نفيت، فنقول لهم: هل تقولون أنه موجود؟ فيقولون: لا. هل تقولون معدوم؟ فسيقولون: لا. إذا لا موجود ولا معدوم! وهل هذا ممكن أن يكون الشيء لا موجودا ولا معدوما؛ أو موجودا معدوما؟! لا يمكن.
إذا انتم الآن فررتم من تشبيهه بالمنفيات أو بالمثبتات وشبهتموه بالممتنعات. والممتنع طبعا لا وجود له أصلا.
وانظر كيف يلعب الشيطان ببني ادم إلى هذا الحد؛ فيقول: إن قلت: حي فقد شبهت، وإن قلت: ليس بحي، فقد شبهت. وإن قلت: سميع فقد شبهت؛ وإن قلت: ليس بسميع فقد شبهت. فماذا نصنع؟ ! قل: لا سميع ولا غير سميع، وإن قلت: موجود شبهت، وإن قلت: لا موجود شبهت، إذا ماذا أقول؟! قل: لا موجود، ولا لا موجود. وهذا غاية ما يكون من الامتناع.
وقال لهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما معناه: أنتم إذا فررتم من تشبيهه بالمثبتات والمنفيات - مع أن المثبتات والمنفيات أمر ممكن - فقد شبهتموه بالممتنعات؛ لان تقابل النفي والإثبات بإجماع العقلاء من باب تقابل النقيضين (١) ، يعني لو سلمنا جدلا بان الحياة والموت من باب تقابل العدم والملكة، وأنه يصح أن نقول لا حي ولا ميت فيما لا يقبل الحياة ولا الموت، كالجماد مثلا، فالجدار نقول: لا حي ولا ميت لأنه لا يقبل الحياة ولا الموت، فلو سلمنا جدلا بأننا نوافقكم على أن تقابل الحياة والموت والسمع
стр. 122
والصمم من باب تقابل العدم والملكة التي جوز أن تنفى عمن لا يكون محلا قابلا لها - لكن لا يمكن أن تخرجوا عن الإثبات والنفي، لان تقابل الإثبات والنفي من باب تقابل النقيضين، يعني ليس هناك شيء إلا موجود أو معدوم؛ إلا ثابت أو منفي.
فإذا نفيتم الإثبات والنفي، أو الوجود والعدم فقد أتيتم بما أجمع العقلاء على امتناعه؛ وذلك لان تقابل الوجود والعدم، والإثبات والنفي من باب تقابل النقيضين اللذين اجمع العقلاء على إنهما لا يجتمعان ولا يرتفعان، فانتم لابد أن تصفوه أما بالوجود وإما بالعدم، فإما أن تقولوا: ليس بموجود أو ليس بمعدوم، أما أن تقولوا: لا موجود ولا معدوم فهذا شيء ممتنع، وقال بذلك غلاة القرامطة والباطنية، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
والحاصل أن التعطيل خمسة أنواع، وأهل السنة والجماعة يتبرؤون من جميع هذه الأنواع، ويثبتون لله كل ما أثبته لنفسه.
وأقول لهؤلاء: إنكم ما فررتم من شيء إلا ووقعتم في شر منه، لا في مثله فحسب بل في شر منه، لان هؤلاء إذا فروا مما يعتقدون في تشبيهه وأثبتوا صفة أخرى، نقول لهم: هذه الصفة موجودة في المخلوق فقد وقعتم فيما فررتم منه من حيث التشبيه بالمخلوق، وشر منه تحريف النص.
ونضرب مثلا: الذين يقولون إن الله ليس له يد حقيقية وإنما له قوة. لماذا لم يثبتوا اليد الحقيقية؟ قالوا: لان هذا يقتضي التشبيه بالمخلوق الذي له يد وجارحة. فنقول: والقوة كذلك: أليس للمخلوق قوة؟ فلن يستطيع أن
стр. 123
يقول: لا، والله يقول: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً) (الروم: من الآية ٥٤) فأنتم كان لكم ضعف ثم قوة ثم ضعف، فإذا قلتم: له قوة وقعتم في التشبيه على قاعدتكم؛ لان للمخلوق قوة، فيلزم على قاعدتكم أن تكونوا مشبهين لله تعالى بخلقه.
وقلنا: أنهم وقعوا في شر مما يفرون منه وهو تحريف النص، حيث حرفوا معنى النص إلى معنى خلاف الظاهر، وهكذا كل الذين يتكلمون بالتعطيل نقول: هم فروا من شيء ووقعوا في شر منه.
قوله: (ولا تمثيل) يعني: نثبت بلا تمثيل، وهذا من المؤلف جيد جدا حيث أتى بنفي التمثيل دون نفي التشبيه، فإن هذا أولى لوجوه ثلاثة:
الوجه الأول: أن نفي التمثيل هو الذي جاء به النص، كما قال الله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: الآية ١١) ، وقال تعالى: (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ) (النحل: الآية ٧٤) .
ولا شك أن استعمال الألفاظ التي جاءت بها النصوص أولى بكثير من استعمال ألفاظ جديدة لأمور:
أولا: انك إذا استعملت الألفاظ التي جاءت بها النصوص ربطت الناس بالنصوص، وربط الناس بالنصوص له اثر جيد محبوب.
وثانيا: أنك إذا استعملت الألفاظ التي جاءت بها النصوص سلمت من أي اعتراض، لان النصوص محكمة وليس فيها تناقض ولا اختلاف.
وثالثا: انك إذا استعملت الألفاظ التي جاءت بها النصوص فإن ذلك
стр. 124
أدق وأبين مما إذا استعملت عبارات أخرى، وإن كانت فيما يبدو للسامع مرادفة لما جاءت به النصوص.
الوجه الثاني: أن نفي التشبيه من كل وجه لا يصح؛ لأنه ما من شيئين موجودين إلا وبينهما تشابه في الجملة، ولولا هذا التشابه ما استطعنا أن نعرف المعنى أبداً، فلله حياة وللإنسان حياة، فهناك نوع من التشابه، لكن هل هناك تشابه فيما يختص فيه كل واحد؟ الجواب: لا. لان للمخلوق حياة تتميز عن حياة الخالق، وللخالق حياة تتميز عن حياة المخلوق، كما أن للخالق ذاتا تتميز عن ذات المخلوق وكذلك للمخلوق ذات تتميز عن ذات الخالق.
الوجه الثالث: أن نفي التشبيه صار يطلق على نفي الصفات؛ لان من الناس من يقول إن كل من أثبت لله صفة فهو مشبه، فإذا قلت: من غير تشبيه صار معناها عند هذا القائل من غير إثبات صفات، وهذا معنى باطل.
وعلى هذا فما نقرؤه من كلمة: (من غير تشبيه) في كثير من الكتب المؤلفة في هذا الباب إنما يريدون به من غير تمثيل؛ لان نفي التشبيه من كل وجه لا يصح، ولان بعض الناس يعتقد أن كل من اثبت لله صفة فهو مشبه، فيكون المعنى على هذا الاعتقاد: من غير إثبات صفات.
стр. 125
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٢٨ - فكل من أول في الصفات ... كذاته من غير ما إثبات
٢٩- فقد تعدى واستطال واجترى ... وخاض في يبحر الهلاك وافترى
ــ
الشرح
(كل) : مبتدأ، والخبر: (فقد تعدى) وقرن المؤلف ﵀ الخبر بالفاء لان المبتدأ يشبه الشرط في العموم، قال العلماء ﵏: وإذا كان المبتدأ يشبه الشرط في العموم حسن اقتران خبره بالفاء، ومثلوا ذلك بقولهم: الذي يأتيني فله درهم. وهذا مثله (كل من أول فقد تعدى) .
وقوله: (فكل من أول في الصفات) من: اسم موصول يشمل كل مؤول، يعني سواء كان تأويله عاما أو خاصا، فإذا أول أي نص من غير ما إثبات، فإنه يكون متعديا، وسواء أول في الصفات الخبرية أو في الصفات الفعلية أو في الصفات الذاتية، فإنه يعتبر متعديا.
فمن قال مثلا: إن المراد باليدين النعمة فهو مؤول، ومن قال: إن المراد بالوجه الثواب فهو مؤول، ومن قال: إن المراد بالاستواء الاستيلاء فهو مؤول، وتسميتنا إياه تأويلا من باب التسامح، وإلا فالحقيقة أن هذا تحريف، فكل تأويل ليس له أصل فإنه ينبغي أن نسميه تحريفا، كما نطق به القرآن: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) (النساء: الآية ٤٦) ، فكل من أول الكلم عن موضعه وحمله على معنى آخر فقد حرف.
وقوله: (كذاته) يعني كما أن من أول في ذات الله من غير إثبات فهو
стр. 126
معتد، فكذلك من أول في الصفات، وهذا إشارة من المؤلف ﵀ بأن القول في الصفات كالقول في الذات، فكما إننا نثبت لله ذاتا لا تشبه ذات المخلوقين، فإننا نثبت له صفات لا تشبه صفات المخلوقين.
وقوله: (من غير ما إثبات) يعني من غير ما دليل على تأويله، فإنه يكون متعديا، فإن وجد دليل للتأويل فإن ذلك لا باس به، ولا يعد هذا تعديا، مثاله قوله في الحديث القدسي: ((ولا يزال عبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه) (١)
فلو قال قائل: ظاهر الحديث أن الله يكون سمع الإنسان وبصره ويده ورجله، فلماذا تؤولون هذا الحديث وتقولون: إن المراد أن الله يسدد هذا الرجل في سمعه وبصره ومشيه وبطشه؟
فالجواب أن نقول: لان عندنا دليلا يدل على ذلك، وهو قول الله في الحديث القدسي: ((من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تتقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه) .
فهنا يوجد عابد ومعبود لقوله: ((ما تقرب إلى عبدي) ، ويوجد متقرب ومتقرب إليه ((ما تقرب إلي عبدي) ، ويوجد فارض ومفروض عليه ((مما
стр. 127
افترضت عليه) وفيه أيضا سائل ومسئول، ومعطي ومعطى، ومستعيذ ومستعاذ به، في قوله: ((ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه) . وكل هذا يدل على التباين بين هذا وبين هذا، فإذا كان هذا دالا على التباين فكيف يكون هذا الشيء المباين بعضا من الشيء المباين؟! وكيف يكون سمعه وبصره ويده ورجله؟! فهذا مستحيل.
وأيضا السمع والبصر واليد والرجل بعض من المخلوق ولا يمكن أن يكون بعض المخلوق هو الخالق، فهذا شيء مستحيل.
إذا فعندنا دليل على هذا التأويل، وإذا قام الدليل على التأويل فإننا نقول: ليس ظاهر الحديث مقصودا، بل لنا أن نقول: أن هذا الظاهر الذي ادعي ليس هو ظاهر الحديث؛ لان ظاهر الحديث يناقض سياقه × ومعلوم أن ظاهر الكلام ما يقتضيه سياقه، وليس كل لفظ من الألفاظ له معنى منفرد، بل الألفاظ يكون معناها بضم بعضها إلى بعض. فنحن لم نخرج عن ظاهر الحديث ولم نؤول، وإذا تنزلنا جدلا وقلنا: إن هذا تأويل، فإننا نقول: إن هذا التأويل قد دل عليه الدليل، وإذا دل عليه الدليل من كلام من تأولنا كلامه لم نكن خرجنا بكلامه عن ظاهره، لان المتكلم اعلم بمراده؛ ومثل ذلك أيضا ما جاء في الحديث الصحيح أن الله تعالى يقول: ((عبدي جعت فلم تطعمني، ومرضت فلم تعدني) (١) فإنا لو أخذنا بظاهر هذا اللفظ لقلنا إن الله يمرض وإن الله يجوع، وهذا شيء مستحيل على الله، لكن هذا قد فسر في نفس الحديث حيث قال: ((إن عبدي فلانا جاءك فلم تطعمه، ومرض فلم تعده)) ،
стр. 128
فهذا يدل على أن هذا اللفظ الذي يدعى أنه ظاهر غير مراد؛ لان الله تعالى بينه بنفسه.
فالحاصل أن المؤلف ﵀ أعطانا قاعدة وهي أن جميع من أول في الصفات من غير إثبات ولا دليل يدل على تأويله فإنه معتد.
وأيضا كما أننا لا نؤول في الذات يجب أن لا نؤول في الصفات، لان الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات.
ثم قال ﵀:
فقد تعدى واستطال واجترى وخاض في بحر الهلاك وافترى
هذه خمس صفات - والعياذ بالله من ذلك -: تعدى، واستطال، واجترى، وخاض في بحر الهلاك، وافترى. كل هذه أوصاف لمن أول في الصفات من غير دليل.
قوله: (فقد تعدى) تعدى على النصوص وعلى المتكلم بالنصوص؛ لان هذا التأويل تعد على اللفظ وإخراج له عن ظاهره، وتعد على قائل النص حيث كلم الناس بما لا يريد، وهذا نوع من التعمية، وهو خلاف قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (النحل: الآية ٤٤) وخلاف قوله تعالى: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) (النساء: الآية ١٧٦) وخلاف قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (النساء: من الآية ٢٦) ، فكل إنسان يؤول فقد تعدى على النص وعلى المتكلم بالنص وهو الله ورسوله.
وقوله: (واستطال) استطال من الطول وهو الغنى، كما في قوله
стр. 129
تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ) (النساء: الآية ٢٥) أو من الاستطالة وهي العلو والترفع، والثاني انسب يعني أنه استطال واستعلى وترفع والعياذ بالله، واعتد برأيه، وأنكر رأي الآخرين.
وقوله: (واجترى) من الجرأة، وهي الإقدام، أي: إقدام الإنسان على ما ليس له بحق، وقد تجرأ فلان على كذا: يعني أقدم على شيء ليس له فيه حق، وكذلك الذي يؤول في الصفات؛ فإنه قد أقدم على شيء ليس له بحق.
وقوله: (وخاض في بحر الهلاك) الخوض في الأصل يطلق على العمل الذي ليس بمركز ولا منظم، ومنه الخوض في الوحل، والخوض في الماء، والخوض في الطين، قال تعالى: (فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ) (الطور: الآية ١٢) .
وقوله: (في بحر الهلاك) الهلاك هنا معنوي، يعني يبقى حيا لكن هو في الحقيقة حي ميت، بل الميت على الحق خير من هذا الذي بقي على الباطل.
وقوله: (وافترى يعني كذب ووجه كذبه أنه قال: إن الله لم يرد كذا وأراد كذا، فكذب في النفي وكذب في الإثبات:
مثلا: في قوله تعالى: (بِيَدَيَّ) (صّ: الآية ٧٥) قال: إن الله لم يرد اليدين وأراد النعمة فكذب في النفي وكذب في الإثبات، وقوله: (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش) (الأعراف: الآية ٥٤) قال: إن الله لم يستو على العرش ولكن استولى أو لم يرد العلو وإنما أراد الاستيلاء. فنقول: كذبت في الأول وفي الثاني.
стр. 130
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٣٠- ألم تر اختلاف أصحاب النظر ... فيه وحسن ما نحاه ذو الأثر
٣١- فإنهم قد اقتدوا بالمصطفى ... وصحبه فاقنع بهذا وكفى
ــ
الشرح
لما ذكر المؤلف ﵀ أنه لا يجوز الرد إلى العقول في باب الصفات، وذكر تحريم التأويل وانه استطالة وجرأة وافتراء، ذكر دليلا حسيا ملموسا، فقال:
(ألم تر اختلاف أصحاب النظر فيه) يعني الم تعلم أن أصحاب النظر والمراد بأصحاب النظر أصحاب الكلام، الذين يرجعون في إثبات الصفات أو نفيها إلى العقل، فهؤلاء اختلفوا واضطربوا اضطرابا كثيرا عظيما، حتى إن بعضهم يوجب ما يرى الآخر أنه مستحيل. احدهم يقول: هذا واجب لله، والثاني يقول: هذا مستحيل على الله، والأخر يقول: هذا جائز، وهذا من التناقض فاضطربوا اضطرابا كثيرا فيما هم عليه.
ولا ريب أن اختلاف الأقوال واضطرابها يدل على ضعفها وأنه ليس لها أساس؛ لان الأقوال كلما قويت أساساتها تقاربت، ولهذا تجد المسائل المنصوصة في القرآن أو السنة الخلاف فيها قليل، وأضرب لك مثلا بالمواريث فإن الخلاف بين العلماء ﵏ في المواريث قليل بالنسبة للخلاف في غيره، وذلك لان غالب أحكامه منصوص عليها، والمنصوص عليه لا
стр. 131
يختلف الناس فيه. كذلك أهل الزكاة مثلا، فأهل الزكاة الثمانية لا تكاد تجد خلافا بين العلماء ﵏ فيهم إلا قليلا بالنسبة للخلاف في المسائل الأخرى، لان أصحاب الزكاة منصوص عليهم، فكلما كانت الأقوال مؤيدة بالنصوص كان الخلاف فيها أقل، لان النص يجمع أطراف الخلاف.
أما إذا كانت المسائل ليست مبنية على نص ولا على أصل فانك ترى فيها الخلاف العجيب، ولو شئت لقلت، إن الخلاف أكثر من أصحابه، فإذا كانوا عشرة اختلفوا على خمسة عشر قولا.
فإذا قال قائل: كيف يكون الخلاف أكثر من أصحابه؟!
فنقول: يكون للواحد عدة أقوال. فإذا كانوا عشرة وكل واحد له خمسة أقوال صار الخلاف خمسين وجها.
فأصحاب النظر، الذين يدعون أنهم أصحاب عقول وأن غيرهم عامة وحشوية وبلهاء وما أشبه ذلك، هم أكثر الناس اختلافا في هذا الباب، ومن طالع ما ينقل عنهم رأى العجب العجاب، حتى إنك لا تكاد تتصور القول من شدة فساده.
فإذا كان هذا حال أصحاب النظر فكيف يعتمد على هؤلاء فيما هو أساس الرسالات، وهو معرفة الرب جل وعلا بأسمائه وصفاته؟! وكيف نعتمد على هذه الأقوال المتناقضة التي لا تنبني على أصل؟! ولهذا فإن المؤلف ﵀ جاء باختلاف أهل النظر دليلا على فساد أقوالهم، لان الاختلاف والاضطراب يدل على الفساد.
فإن قيل: من هم أصحاب النظر؟
стр. 132
فالجواب: هم أصحاب الكلام كما يسميهم أهل العلم، وعلمهم علم الكلام، وسموا أصحاب النظر لأنهم قدموا النظر على الأثر. وأصحاب النظر - هؤلاء المتكلمون - هم أكثر الناس فسادا واضطرابا في الأقوال؛ لأنهم لم يبنوا على أسس صحيحة، وإنما بنوا على وهميات ظنوها عقليات، فبنوا عليها عقيدتهم.
ولعله قد مر بك أن أساطينهم ورؤساءهم أقروا بأنهم على ضلال، فمن جملتهم الرازي الذي يقول: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تروي غليلا ولا تشفي عليلا، ووجدت اقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات قول الله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه: ٥) ، وقوله: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) (فاطر: الآية ١٠) ، وأقرأ في النفي: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: الآية ١١) ، (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) (طه: الآية ١١٠) ، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.
هذا هو الرازي أحد أساطينهم وكبرائهم وعلمائهم يقول: هذه المناهج والطرق ما رأيتها تروي غليلاً ولا تشفي عليلاً، أي، لا تسمن ولا تغني من جوع، ويقول: رأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، يعني: طريقة تحكيم النصوص في هذا الباب، ثم ضرب مثلا: اقرأ في الإثبات: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه: ٥) فأؤمن بأنه استوى على العرش، واقرأ: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) (فاطر: الآية ١٠) فأؤمن بأنه في العلو، واقرأ في النفي: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: الآية ١١) وهي نفي للتمثيل، واقرأ: (َلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) (طه: الآية ١١٠) وهي نفي التكييف، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.
стр. 133
ويقول:
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وغاية دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
والقيل والقال محصول ليس بجيد، والرسول ﷺ نهى عن قيل وقال (١) . هؤلاء بحثوا طول عمرهم وما استفادوا إلا قيل وقالوا، وغاية دنياهم أذى ووبال والعياذ بالله؛ لان غاية دنياهم - نسأل الله العافية -الشك والحيرة، فأكثر الناس شكا عند الموت هم أهل الكلام، لأنهم ليس عندهم عقيدة يبنون عليها معبودهم ، بل لا يعرفونه إلا بوهمياتهم التي يدعون إنها عقليات، فلذلك إذا جاءت الساعة وجاء وقت الامتحان والمحك ضاعوا وما وجدوا حصيلة.
فكانوا أكثر الناس شكا عند الموت نسأل الله العافية، حتى إن بعضهم يقول: ها أنا أموت على عقيدة أمي، أمه الأمية التي لا تعرف، والثاني يقول: أموت على عقيدة عجائز نيسابور. فرجعوا إلى عقيدة العجائز لأنها فطرية، وهم عقيدتهم نظرية وهمية في الواقع.
فإذا نظرنا إلى هؤلاء والى مآلهم والى أحوالهم - فهل يمكن لنا أن نقول أنهم على حق وندع الأثر لنظرهم؟! لا يمكن أبداً فكل إنسان عاقل لا يمكن أي يتولى مثل هؤلاء ويأخذ من أقوالهم؛ لأنها أقوال فاسدة متناقضة ليس لها أساس لا من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ ولا من أقوال السلف.
стр. 134
والعجيب أن الرازي يقول: أرواحنا في وحشة من جسومنا، إلى هذا الحد: روحه مستوحشة من جسده، لا تود أن تقر فيه، كأنما يتمنون الموت الآن ومفارقة الروح الجسد الذي هي في وحشة منه؛ لان الإنسان - نسأل الله العافية والسلامة والثبات - إذا لم يكن له عقيدة ضاع، اللهم إلا أن يكون قلبه ميتا، لان الذي قلبه ميت يكون حيوانيا لا يهتم بشيء أبداً، لكن الإنسان الذي عنده شيء من الحياة في القلب إذا لم يكن له عقيدة فإنه يضيع ويهلك، ويكون في قلق دائم لا نهاية له، فتكون روحه في وحشة من جسمه وقوله: (وحسن ما نحاه ذو الأثر) نحاه بمعني اتبعه، يعني: وألم تر حسن ما اتبعه ذوي الأثر، والجواب: أننا نرى ذلك، فنحن نطالع كتب هؤلاء وأقوالهم، ونطالع كتب أولئك وأقوالهم، فنجد أن هؤلاء الأثريين، إذا قالوا قولاً فإنما يقولون بقول الله ورسوله، مطمئنين منشرحة صدورهم. أما أولئك فهم على العكس من هذا، دائماً في صراع قيل وقال، وجدل لا نهاية له، وفرضيات وهمية ليس لها أصل، فتجدهم في حيرة وقلق.
لكن ما نحاه أهل الأثر واتبعوه يقرأ احدهم كلام الله : (وَجَاءَ رَبُّكَ) (الفجر: ٢٢) (فيقول: يجيء كما يليق بجلاله، ويقرأ: (استوى على العرش) (فيقول: استوى على عرشه كما يليق بجلاله، ويقرأ: (بل يداه مبسوطتان) (يقول: له يدان لكنها ليست كأيدي المخلوقين؛ لان الله ليس كمثله شيء وهكذا يقرأ في القرآن والسنة نصوصا واضحة بينة.
ووالله لو خلوا من التقديرات التي يقدرونها ما وجدوا إلا خيرا، أي
стр. 135
شيء يضير الإنسان إذا قال: أنا أؤمن بان لله يدين؛ لأن الله أثبتهما لنفسه، ولكني أؤمن بأنه لا مثيل لهاتين اليدين، هل عليه ضير؟ أبداً، بل ينشرح صدره، ويستريح من التقديرات التي لا أساس لها، ولذلك تجد أهل السنة والجماعة في هذا الباب هم أريح الناس بالا، وأشرحهم صدرا، وأكثرهم اطمئنانا وأبعدهم إشكالا. أما أن نذهب نقدر ونقول: اليد جارحة، والجارحة ممتنعة، والجارحة بعض من كل، وما أشبه ذلك. وهذا جسم وهذا عرض، فإننا سوف نتعب في هذا.
والأولى لنا أن نؤمن بأن لله يدا ونقول: سبحان الله العظيم، وبأن له وجها وبأن له عينا، وبأنه مستو على العرش، وبأنه يجيء يوم القيامة، وبأنه ينزل إلى السماء الدنيا، إلى غير ذلك بدون أن نقدر تقديرات، فلسنا نحن الذين نحكم على الله، بل الله هو الذي يحكم علينا ولنفسه بما شاء، أما نحن فليس لنا إلا التسليم في هذه الأمور، ولهذا قال: (حسن ما نحاه ذو الأثر) .
وأنا أجزم جزما أنك لو تلوت على أحد من العامة حديثا في صفات الله ، تجده يسبح بلسانه، ويعظم الله بقلبه، ويقشعر من ذلك جلده، لكن لو تلوته على واحد من أهل الكلام ما أحس بهذا أبداً، بل ذهب يتصور أن الله مناف للمخلوق، ثم يحاول أن يصرف هذا النص إلى معنى يدعي أنه معقول، وتجده يتعب نفسه، وذاك العامي يسبح ويهلل ويمجد الله، ولا يتعب نفسه. وذاك يذهب يبحث عن القرائن، ولا يكون في قلبه من تعظيم الله مثل ما يكون في قلب العامي، وهذا أمر محسوس، ولهذا ما أوتي قوم الجدل إلا ضلوا.
стр. 136
فأنت إذا أخذت النصوص على ظاهرها سلمت من كل شيء، وعظمت الله حق تعظيمه، ولن تحتاج إلى أن تتكلم في ذات الله كأنما تشرح جسما من أجسام الآدميين، كما يوجد عند بعض الناس الآن، حتى إني رأيت كتابا لبعض الناس يسال: هل يقال أن الله ذكر أو أنثى؟ أعوذ الله إلى هذا الحد - نسأل الله العافية؟!
والله إن هذا الإنسان ليس في قلبه تعظيم لله وهو يفرض هذا الفرض، فتجد من يقول: أقم دليلا على أن الله ذكر؟! وتجد من يفرض ويقول: هل الله واحد أو متعدد؟ والله يقول: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) (الحجر: الآية ٩) فنحن هنا جماعة؟! فإذا أراد الإنسان السلام فليدع هذه الأشياء، فماذا أنت يا ابن ادم بالنسبة للسماء وبالنسبة للأرض وبالنسبة للأشجار؟! لست بشيء فكيف تتكلم في خالق السموات والأرض بأشياء ما تكلم بها عن نفسه، ولا تحدث بها رسوله ﵊، ولا قالها من هم احرص منك على الخير وأشد منك تعظيما لله؛ وهم الصحابة ﵃.
ولما قال الرسول ﷺ : ((إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له.. إلى آخره) (١) لم يفكر الصحابة ﵃ كيف ينزل الله تعالى وكيف يصعد، بل فكروا كيف يستغلون هذا الوقت بالاستغفار والدعاء والسؤال، وهذا هو الذي أراده الرسول ﷺ منهم، فالرسول ﷺ ما أراد منهم أن يفكروا كيف نزل ومتى يصعد وكيف
стр. 137
صعد بل أراد منهم أن ينتهزوا هذه الفرصة في هذا الجزء من الليل الذي يقول الله فيه: من يدعوني؟ من يسألني؟ من يستغفرني؟
فالمهم أن الواجب علينا أن نعرض عما قاله أهل الكلام في هذا كله، ونحن نحاجهم بكلمة بسيطة وهم أهل جدل، فنقول: أأنتم أعلم باله أم الله؟ إن قالوا: نحن أعلم بالله من الله فهم كرة بذلك. وإن قالوا: الله أعلم، فنقول: ألم يقل عن نفسه كذا وكذا. فلماذا لا تقبلون؟! ولماذا تحاولون الزيغ يمينا ويسارا؟! والله وضح وبين وكلامه أبين الكلام (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) (النساء: الآية ٢٦) (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) (النساء: الآية ١٧٦) (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (النحل: الآية ٤٤) .
فالقرآن مبين، والرسول ﵊ مبين، ولا يمكن أبداً بحال من الأحوال أن يبين الله لنا كيف نبول، وكيف نتغوط، وكيف نلبس، وكيف ندخل، وكيف نخرج، وكيف نأكل، وكيف نشرب، وكيف ننام، وكيف نستيقظ، ثم يدع البيان فيما يتعلق بأسمائه وصفاته التي هي زبدة الرسالة، ونحن إذا لم نعرف الله ما عبدناه، وإذا عرفناه فيجب أن نعرفه كما وصف نفسه، بعيدا عما أشار المؤلف إليه من اختلاف أصحاب النظر، فإن هذا يصدنا عن سبيل الله ويبعدنا كثيرا.
إذا بأي شيء يكون: (حسن ما نحاه ذو الأثر) ؟ يكون بإتباع الآثار، وهذا الحسن يتمثل في طمأنينة القلب، وانشراح الصدر، وركود النفس، والانبساط، وعدم القلق، وعدم الحيرة. وكل هذا موجود ولله الحمد فيما نحاه أهل الأثر، حيث يقولون: سمعنا وأطعنا.
قوله: (فإنهم قد اقتدوا بالمصطفى وصحبه) : (فإنهم) أي أهل الأثر، (قد
стр. 138
اقتدوا بالمصطفى) وهو محمد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فاتبعوه ظاهراً وباطناً، ومن اتبع المصطفى ﵊ فقد هدى إلى صراط مستقيم، كما قال الله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الشورى: الآية ٥٢) ، ومن وفق لذلك فقد وفق لمحبة الله له، قال تعالى: (كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه) (آل عمران: الآية ٣١) ، ومن وفق لذلك فقد شرح صدره، قال تعالى: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) (الزمر: الآية ٢٢) .
فإذا وفق المسلم لإتباع الرسول ﵊ في العقيدة، والقول والعمل، والفعل والترك، فقد وفق لكل خير. وقد قال بعض السلف: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن في لجالدونا عليه بالسيوف. الله اكبر! فانك لو سالت أهل الدنيا: من انعم الناس؟ لقالوا: الملوك وأبناء الملوك.
لكن أهل العبادة انعم من هؤلاء، انعم، واسر بالا، وأشرح صدرا وأهدأ نفسا، لأنهم متصلون بالله في قيامهم وقعوهم ومنامهم ويقظتهم، دائما مع الله، والله تعالى معهم، فهم انعم الناس في الدنيا والآخرة، ولهذا قال: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف.
لكن الملوك إذا اخذوا بما اخذ به هؤلاء صاروا انعم منهم، ولهذا قال الرسول ﵊: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إما عادل، وشاب نشأ في طاعة الله ... ) (١) فبدأ هؤلاء السبعة بالإمام العادل؛ العادل
стр. 139
في معاملة الله وفي معاملة عبد الله.
فالمهم إننا نقول: إن الاقتداء بالرسول ﵊ فيه كل الخير، فاحرص على أتباعه ظاهرا وباطنا، في العقيدة، والأقوال، والأعمال، والأفعال والتروك، لكن ما فعله على سبيل التعبد فانك تفعله عبادة وتقربا إلى الله هه، وما فعله لا على سبيل التعبد فإن من الناس من يفعله لمحبته للرسول ﵊، لا للتقرب إلى الله به، بل يفعله لان الرسول ﷺ فعله فيحب ما عله الرسول ﷺ فقط لا تعبدا لله. كما أن الإنسان إذا أحب شخصا تجده يقلده وإن كان لا يعتقد أن في ذلك عبادة وتقربا إلى الله .
ومن ثم كان عبد الله بن عمر ﵄ يتتبع آثار الرسول ﷺ حتى في غير الأمور العبادية، حتى أنه كان يتحرى المكان الذي نزل فيه الرسول ﵊ ليبول فيه في الطريق فينزل ويبول، لكن هذه القاعدة خالفه فيها أكثر الصحابة ﵃، كما قال شيخ الإسلام ﵀.
ثم قال: (وصحبه) صحب الرسول ﷺ هم كل من لقي النبي ﷺ مؤمنا به ومات على ذلك، ولكن نعلم أن الصحابة ﵃ طبقات وليسوا طبقة واحدة، كما قال تعالى: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) (الحديد: الآية ١٠) حتى إن الرسول ﷺ قال لخالد بن الوليد لما نازع عبد الرحمن بن عوف ﵄: ((لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفق
стр. 140
أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد احدهم ولا نصيفه) (١) ، ففرق بين خالد الذي تأخر إسلامه وبين عبد الرحمن بن عوف الذي يعتبر من السابقين إلى الإسلام.
والمهم أن الصحب طبقات؛ طبقات في الصحبة، وطبقات في الهجرة، وطبقات في العلم وطبقات في كل شيء ولا يوجد أحد من الصحابة أفضل من أبي بكر ﵁؛ لان الله تعالى نص على صحبته في القرآن الذي يتلى إلى يوم القيامة، قال تعالى: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة: الآية ٤٠) ، فاثبت الصحبة له، وأثبت المعية الخاصة له مع الرسول ﷺ ، حيث قال: (إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة: الآية ٤٠) .
ثم يليه بلا شك عمر بن الخطاب ﵁، الذي اختاره أبوبكر، ونحن نشهد الله أن أبا بكر اشد الناس أمانة وأصدقهم فراسة فأشد الناس أمانة لأننا نعلم لو كان الرجل يريد الخيانة ما ولى عمر ﵁ ولولى أحد أبنائه أو أحد قومه، لكنه أمين على هذه الأمة، فأدى الأمانة ﵁ حيا وميتاً.
ونعلم أنه أصدق الناس فراسة لأنه ولى عليهم من هو خير الناس بعده، فالنبي ﵊ كان دائما يقول: ذهبت أنا وأبوبكر وعمر، وجئت أنا وأبوبكر وعمر، ودائما يقترن اسم هذين الرجلين باسم الرسول ﵊.
ولهذا شاء الله بحكمته أن يكون هؤلاء الثلاثة قرناء في
стр. 141
الحياة وفي الممات، فقبورهم في مكان واحد، ويوم القيامة يقومون من قبورهم قيام رجل واحد، وهذه هي الميزة والفضيلة.
والمهم أن الصحب يختلفون، لكن على كل حال لا أحد يساوي الصحابة ﵃ في فضل الصحبة أبداً أما في العلم فربما يوجد من التابعين من هو اعلم من بعض الصحابة ﵃، فإن الرجل الأعرابي لو جاء للرسول ﷺ ، وآمن به وأخذ منه ما أخذ من الشريعة وانصرف إلى قومه ولم يأت إلى المدينة للتعلم لا شك أن من التابعين من هو اعلم منه، ولكن الصحبة التي هي رؤية النبي ﵊ مع الإيمان به لا توجد في غير الصحابة ﵃.
قال: (فاقنع بهذا وكفى) ، ونقول للمؤلف ﵀: سمعا وطاعة، نقنع بهذا إن شاء الله تعال، ونسأل الله تعالى أن يميتنا عليه، (اقنع بهذا) أي: بإتباع آثار المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وصحبه، (وكفى) أي: كفى عن كل شيء، كفى عن أهل النظر، وعن مجادلاتهم، وعن معقولاتهم التي هي وهميات، ففي هذين البيتين اكبر دليل على بطلان ما عليه أهل النظر، وأكبر دليل على صحة ما عليه أهل الأثر. والله اعلم.
стр. 142
الباب الأول في معرفة الله تعالى
٣٢- أول واجب على العبيد ... معرفة الإله بالتسديد
٣٣- بأنه واحد لا نظير ... له ولا شبه ولا وزير
ــ
الشرح
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (الباب الأول) والذي مضى من هذه العقيد (المقدمة) (١) .
قال: (الباب الأول: في معرفة الله معرفة الله نوعان: معرفة ذاته بالوجود، ومعرفة صفاته كذلك، ومعرفة ذاته في الكنه والحقيقة، ومعرفة صفاته كذلك، يعني نقول: هي قسمان: معرفة وجود ومعاني ومعرفة كنه وحقيقة.
أما معرفة الوجود والمعاني فهذا هو المطلوب منا، وأما معرفة الكنه والحقيقة فهذا غير مطلوب منا، فلا أحد يعرف حقيقة ذات الله ولا حقيقة صفاته، والوصول إلى ذلك مستحيل فمستحيل أن تعرف الله في حقيقة ذاته.
فالإنسان تعرف حقيقة ذاته، فهو لحم ودم وعظم وباقي مكونات الجسم، لكن الرب لا تعرف عنه هذا، وصفات الإنسان كذلك
стр. 143
تعرف حقيقتها وكنهها التي هي عليه، فتعرف وجه الإنسان؛ وتعرف العين؛ وتعرف القدم؛ وتعرف اليد؛ وتعرف الأصابع لكن صفات الله لا تصل إلى حقيقتها وكنهها والمطلوب إذا معرفة الذات بالوجود ومعرفة الصفات بالمعاني، أما معرفة الكنه والحقيقة فهذا مما لا يعلمه إلا الله
فصار قول المؤلف ﵀ في معرفة الله لا بد فيه من هذا التسديد.
أول واجب على العبيد ... معرفة الإله بالتسديد
فأول واجب على الإنسان أن يعرف الله، والمراد أول واجب لذاته، وأما أول واجب لغيره فهو النظر والتدبر الموصل إلى معرفة الله. فالعلماء ﵏ قالوا: أول ما يجب على الإنسان أن ينظر، فإذا نظر وصل إلى غاية وهي المعرفة، فيكون النظر أول واجب لغيره، والمعرفة أول واجب لذاته.
وقال بعض أهل العلم: إن النظر لا يجب لا لغيره ولا لذاته؛ لان معرفة الله معلومة بالفطرة والإنسان مجبول عليها، ولا يجهل الله إلا من اجتالته الشياطين، ولو رجع الإنسان إلى فطرته لعرف الله دون أن ينظر ويفكر. قالوا ودليل ذلك قول النبي ﷺ : ((كل مولود يولد على الفطرة) (١) ، ولقول الله تعالى في الحديث القدسي: ((إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين) (٢) ، فصار الصارف عن مقتضى الفطرة حادث وارد على
стр. 144
فطرة سليمة.
فأول ما يولد الإنسان يولد على الفطرة، ولو ترك ونفسه في أرض برية ما عبد غير الله، ولو عاش في بيئة مسلمة ما عبد غير الله، وحينئذ تكون عبادته لله، وإذا عاش في بيئة مسلمة يكون المقوم لها شيئين هما الفطرة والبيئة، لكن إذا عاش في بيئة كافرة فإنه حينئذ يحدث عليه هذا المانع لفطرته من الاستقامة، لقول النبي ﵊: ((فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) (١) .
إذا معرفة الله لا تحتاج إلى نظر في الأصل، ولهذا نجد عوام المسلمين الآن ما فكروا ونظروا وقرءوا في الآيات الكونية والآيات الشرعية حتى عرفوا الله، بل عرفوه بمقتضى الفطرة، ولا شك أن للبيئة تأثيرا لكنهم ما نظروا، بل إن بعض الناس - نسأل الله العافية - إذا نظر وأمعن ودقق وتعمق وتنطع ربما يهلك، كما قال النبي ﵊: ((هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون) (٢) .
فالصحيح إذاً ما قاله المؤلف ﵀ أن أول واجب معرفة الله، وأما النظر فلا نقول أنه واجب، لكن لو فرض أن الإنسان احتاج إلى النظر فحينئذ يجب عليه النظر، مثل لو كان إيمانه فيه شيء من الضعف ويحتاج إلى تقوية فحينئذ لابد أن ينظر، ولهذا قال الله تعالى: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) (الأعراف: الآية ١٨٥) ، وقال (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ)
стр. 145
(المؤمنون: الآية ٦٨) ، وقال: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) (صّ: الآية ٢٩) .
فإذا وجد الإنسان في إيمانه ضعفا حينئذ يجب أن ينظر ولكن لا ينظر من زاوية الجدل والمعارضات والإيرادات؛ لأنه إن نظر من هذه الزاوية يكون مآله الضياع والهلاك، ويورد عليه الشيطان من الإشكالات والإيرادات ما يقف معها حيران لكن ينظر من زاوية الوصول إلى الحقيقة، فمثلا إذا نظر إلى الشمس - هذا المخلوق العظيم الكبير الوهاج - فلا يقل: من الذي خلقه؟ خلقه الله. فمن خلق الله؟ فهذا لا ينبغي، بل يقول: خلقه الله ويقف؛ لان الرسول ﷺ أمرنا أن ننتهي إذا قال لنا الشيطان من خلق الله؟ لنقطع التسلسل، لأنك لو قلت من خلق الله؟ وقلت مثلا: خلقه شيء ما، سيقول لك الشيطان: فمن خلق هذا الشيء؟ ثم تتسلسل إلى ما لا نهاية له، وتضيع في البحر الذي لا ساحل له.
فالحاصل أن النظر لا يحتاج إليه الإنسان إلا عند الضرورة كالدواء، فإذا ضعف إيمانه أو رأى من نفسه ضعفا فلينظر، وإلا فمعرفة الله مركزة في الفطر.
قال المؤلف ﵀: (معرفة الإله بالتسديد) أي بالصواب، لكن ما هو الطريق إلى معرفة الله ؟ الطريق: قلنا بالفطرة قبل كل شيء، فالإنسان مفطور على معرفة ربه وأن له خالقا، وإن كان لا يهتدي إلى معرفة صفات الخالق عل التفصيل، لكن يعرف أن له خالقا كاملا من كل وجه.
ومن الطرق التي توصل إلى معرفة الله الأمور العقلية، فإن