← Акыда

Акыда · id 9725

شرح العقيدة السفارينية

ابن عثيمين

Полный текст (734 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الحياة وفي الممات، فقبورهم في مكان واحد، ويوم القيامة يقومون من قبورهم قيام رجل واحد، وهذه هي الميزة والفضيلة. والمهم أن الصحب يختلفون، لكن على كل حال لا أحد يساوي الصحابة ﵃ في فضل الصحبة أبداً أما في العلم فربما يوجد من التابعين من هو اعلم من بعض الصحابة ﵃، فإن الرجل الأعرابي لو جاء للرسول ﷺ ، وآمن به وأخذ منه ما أخذ من الشريعة وانصرف إلى قومه ولم يأت إلى المدينة للتعلم لا شك أن من التابعين من هو اعلم منه، ولكن الصحبة التي هي رؤية النبي ﵊ مع الإيمان به لا توجد في غير الصحابة ﵃. قال: (فاقنع بهذا وكفى) ، ونقول للمؤلف ﵀: سمعا وطاعة، نقنع بهذا إن شاء الله تعال، ونسأل الله تعالى أن يميتنا عليه، (اقنع بهذا) أي: بإتباع آثار المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وصحبه، (وكفى) أي: كفى عن كل شيء، كفى عن أهل النظر، وعن مجادلاتهم، وعن معقولاتهم التي هي وهميات، ففي هذين البيتين اكبر دليل على بطلان ما عليه أهل النظر، وأكبر دليل على صحة ما عليه أهل الأثر. والله اعلم.

стр. 142

الباب الأول في معرفة الله تعالى ٣٢- أول واجب على العبيد ... معرفة الإله بالتسديد ٣٣- بأنه واحد لا نظير ... له ولا شبه ولا وزير ــ الشرح قال المؤلف رحمه الله تعالى: (الباب الأول) والذي مضى من هذه العقيد (المقدمة) (١) . قال: (الباب الأول: في معرفة الله معرفة الله نوعان: معرفة ذاته بالوجود، ومعرفة صفاته كذلك، ومعرفة ذاته في الكنه والحقيقة، ومعرفة صفاته كذلك، يعني نقول: هي قسمان: معرفة وجود ومعاني ومعرفة كنه وحقيقة. أما معرفة الوجود والمعاني فهذا هو المطلوب منا، وأما معرفة الكنه والحقيقة فهذا غير مطلوب منا، فلا أحد يعرف حقيقة ذات الله ولا حقيقة صفاته، والوصول إلى ذلك مستحيل فمستحيل أن تعرف الله في حقيقة ذاته. فالإنسان تعرف حقيقة ذاته، فهو لحم ودم وعظم وباقي مكونات الجسم، لكن الرب لا تعرف عنه هذا، وصفات الإنسان كذلك

стр. 143

تعرف حقيقتها وكنهها التي هي عليه، فتعرف وجه الإنسان؛ وتعرف العين؛ وتعرف القدم؛ وتعرف اليد؛ وتعرف الأصابع لكن صفات الله لا تصل إلى حقيقتها وكنهها والمطلوب إذا معرفة الذات بالوجود ومعرفة الصفات بالمعاني، أما معرفة الكنه والحقيقة فهذا مما لا يعلمه إلا الله فصار قول المؤلف ﵀ في معرفة الله لا بد فيه من هذا التسديد. أول واجب على العبيد ... معرفة الإله بالتسديد فأول واجب على الإنسان أن يعرف الله، والمراد أول واجب لذاته، وأما أول واجب لغيره فهو النظر والتدبر الموصل إلى معرفة الله. فالعلماء ﵏ قالوا: أول ما يجب على الإنسان أن ينظر، فإذا نظر وصل إلى غاية وهي المعرفة، فيكون النظر أول واجب لغيره، والمعرفة أول واجب لذاته. وقال بعض أهل العلم: إن النظر لا يجب لا لغيره ولا لذاته؛ لان معرفة الله معلومة بالفطرة والإنسان مجبول عليها، ولا يجهل الله إلا من اجتالته الشياطين، ولو رجع الإنسان إلى فطرته لعرف الله دون أن ينظر ويفكر. قالوا ودليل ذلك قول النبي ﷺ : ((كل مولود يولد على الفطرة) (١) ، ولقول الله تعالى في الحديث القدسي: ((إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين) (٢) ، فصار الصارف عن مقتضى الفطرة حادث وارد على

стр. 144

فطرة سليمة. فأول ما يولد الإنسان يولد على الفطرة، ولو ترك ونفسه في أرض برية ما عبد غير الله، ولو عاش في بيئة مسلمة ما عبد غير الله، وحينئذ تكون عبادته لله، وإذا عاش في بيئة مسلمة يكون المقوم لها شيئين هما الفطرة والبيئة، لكن إذا عاش في بيئة كافرة فإنه حينئذ يحدث عليه هذا المانع لفطرته من الاستقامة، لقول النبي ﵊: ((فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) (١) . إذا معرفة الله لا تحتاج إلى نظر في الأصل، ولهذا نجد عوام المسلمين الآن ما فكروا ونظروا وقرءوا في الآيات الكونية والآيات الشرعية حتى عرفوا الله، بل عرفوه بمقتضى الفطرة، ولا شك أن للبيئة تأثيرا لكنهم ما نظروا، بل إن بعض الناس - نسأل الله العافية - إذا نظر وأمعن ودقق وتعمق وتنطع ربما يهلك، كما قال النبي ﵊: ((هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون) (٢) . فالصحيح إذاً ما قاله المؤلف ﵀ أن أول واجب معرفة الله، وأما النظر فلا نقول أنه واجب، لكن لو فرض أن الإنسان احتاج إلى النظر فحينئذ يجب عليه النظر، مثل لو كان إيمانه فيه شيء من الضعف ويحتاج إلى تقوية فحينئذ لابد أن ينظر، ولهذا قال الله تعالى: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) (الأعراف: الآية ١٨٥) ، وقال (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ)

стр. 145

(المؤمنون: الآية ٦٨) ، وقال: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) (صّ: الآية ٢٩) . فإذا وجد الإنسان في إيمانه ضعفا حينئذ يجب أن ينظر ولكن لا ينظر من زاوية الجدل والمعارضات والإيرادات؛ لأنه إن نظر من هذه الزاوية يكون مآله الضياع والهلاك، ويورد عليه الشيطان من الإشكالات والإيرادات ما يقف معها حيران لكن ينظر من زاوية الوصول إلى الحقيقة، فمثلا إذا نظر إلى الشمس - هذا المخلوق العظيم الكبير الوهاج - فلا يقل: من الذي خلقه؟ خلقه الله. فمن خلق الله؟ فهذا لا ينبغي، بل يقول: خلقه الله ويقف؛ لان الرسول ﷺ أمرنا أن ننتهي إذا قال لنا الشيطان من خلق الله؟ لنقطع التسلسل، لأنك لو قلت من خلق الله؟ وقلت مثلا: خلقه شيء ما، سيقول لك الشيطان: فمن خلق هذا الشيء؟ ثم تتسلسل إلى ما لا نهاية له، وتضيع في البحر الذي لا ساحل له. فالحاصل أن النظر لا يحتاج إليه الإنسان إلا عند الضرورة كالدواء، فإذا ضعف إيمانه أو رأى من نفسه ضعفا فلينظر، وإلا فمعرفة الله مركزة في الفطر. قال المؤلف ﵀: (معرفة الإله بالتسديد) أي بالصواب، لكن ما هو الطريق إلى معرفة الله ؟ الطريق: قلنا بالفطرة قبل كل شيء، فالإنسان مفطور على معرفة ربه وأن له خالقا، وإن كان لا يهتدي إلى معرفة صفات الخالق عل التفصيل، لكن يعرف أن له خالقا كاملا من كل وجه. ومن الطرق التي توصل إلى معرفة الله الأمور العقلية، فإن

стр. 146

العقل يهتدي إلى معرفة الله إذا كان القلب سليما من الشبهات، فينظر إلى ما في الناس من نعمة فيستدل به على وجود المنعم، وعلى رحمة المنعم، لأنه لولا وجود المنعم ما وجدت النعم، ولولا رحمته ما وجدت النعم. وينظر إلى إمهال الله للعاصين فيستدل به على حلم الله؛ لأن الله يقول: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ) (فاطر: الآية ٤٥) وصدق الله لو أن الله واخذ الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة لأن أكثر الناس على الكفر فلو أراد الله أن يؤاخذهم بأعمالهم ما ترك ما على ظهرها من دابة. وننظر في السموات والأرض فنستدل به على عظمة الله وقدرته؛ لأن عظم المخلوق يدل على عظم الخالق، وهكذا. ونستدل أيضاً إلى معرفة الله تعالى بإجابة الدعاء، فالإنسان يدعو فيستجيب الله دعاءه، فنعرف بهذا وجود الله، وقدرة الله، ورحمة الله، وصدق الله ، قال تعالى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر: الآية ٦٠) إلى غير ذلك مما تستلزمه إجابة الدعاء. ومن الطرق التي يستدل به الإنسان على معرفة الله الواقع، فأخذ الله للكافرين بالنكبات والهزائم تدل على أن الله شديد العقاب وانه من المجرمين منتقم، ونصر الله لأوليائه يدل على انه ينصر من شاء من العباد، وانه قادر على ذلك ولو كثر خصومهم. ثم إن المراد بالمعرفة ما يترتب عليها من التصديق والقبول للأوامر والإذعان لها، وأما مجرد المعرفة بدون أن يركن الإنسان إليها ويقول

стр. 147

بمقتضاها فإنها لا فائدة منها؛ لأنه حتى الكفار يعرفون الله. ثم قال المؤلف ﵀: (بأنه واحد) بأنه: أي الله واحد، واحد في ذاته وصفاته وأحكامه الكونية والشرعية، فهو واحد في ذاته لا نظير له ولا شبه ولا وزير، وواحد أيضاً في ربوبيته فلا أحد يتصرف معه، ولا أحد يملك معه، ولا أحد يعينه، بل لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه لكمال سلطانه. وكذلك هو واحد في ألوهيته فلا يعبد إلا هو ، ولا يتأله إلا إليه، ويجب أن يصرف الإنسان حبه وتعظيمه كله لله ، فلا يحب إلا ما يحبه الله، ولا يرضى إلا بما يرضي الله، ويكره ما كرهه الله، ويبغض ما أبغضه الله، حتى يكون قلبه كله وإرادته لله ، فيوحد الله في القصد والعبادة. كذلك واحد واد في صفاته، فليس له نظير في صفاته، لا الصفات المعنوية لا الصفات الخبرية، لا الذاتية اللازمة ولا الفعلية المتعلقة بمشيئته . قوله: (بأنه واحد لا نظير له ولا شبه) النظير: يعني المماثل والمشابه، وعليه فقوله: (ولا شبه) من باب عطف المتماثلين أو المترادفين، كقول الشاعر: فألفى قولها كذبا ومينا ... ....................... فالكذب والمين معناهما واحد وإن اختلفا في اللفظ، وكذلك النظير والشبه معناهما واحد وإن اختلفا في اللفظ، وهذا من باب التوكيد اللفظي.

стр. 148

وقوله: (ولا شبه) سبق أن الأولى أن يعبر بقوله: (لا مثل) للوجوه الثلاثة السابقة. فالله تعالى لا نظير له في ذاته ولا شبه له في ذاته، وكذلك لا شبيه هـ في صفاته وفي أفعاله، قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: الآية ١١) . وقوله: (ولا وزير) الوزير: أي المعين، ومنه قوله تعالى عن موسى: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي) (طه: ٢٩)) ، وهي مأخوذة من المؤازرة وهي المعاونة. فالله ليس له أحد يعينه لأنه قادر على كل شيء، قال تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يّس: ٨٢) ، وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى في قوله: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) (سبأ: ٢٢) (يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ) (طه: الآية ١٠٩) ، فهم لا يملكون مثال ذرة في السموات ولا في الأرض على سبيل الاستقلال، وما لهم فيهما من شرك على سبيل المشاركة، والفرق بين الاستقلال والمشاركة واضح. فمثلا هذا لي أنا مستقل به، وهذا بيني وبينك أنا شريك فيه. فهم لا يملكون شيئا على سبيل الاستقلال ولا على سبيل المشاركة مع الله ، و (وَمَا لَهُ) أي ما لله (مِنْهُمْ) من هؤلاء المدعوين (مِنْ ظَهِيرٍ) أي معين، فهم لا يعاونون الله بشيء. ثم مع ذلك لا تستطيع هذه الآلهة أن تشفع (لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ) ، وبنفي هذه الأمور الأربعة تنقطع الأسباب التي يتعلق بها

стр. 149

المشركون، لأن غاية ما يتعلقون به أنهم يقولون: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، فقط الله كل سبب. فإن قال قائل: أليس هناك ملائكة موكلون بحفظ أعمال بني آدم، وملائكة موكلون بالقطر، وملائكة موكلون بالنبات، والملائكة موكلون بالحفظ العام لبني آدم؟ فالجواب: بلى هذا موجود، لكن لم يوكلهم الله تعالى استعانة بهم، بل وكلهم الله بذلك ليبين عظمته وكمال سلطانه، كما أن الملك في الدنيا - ولله المثل الأعلى -له من يتولى شئون ملكته، لكن الملوك في الدنيا يفعلون ذلك لقصورهم وعدم إحاطتهم، أما الله فلا، إنما فعل ذلك ليظهر عظمة ملكه وسلطانه، وأنه المدبر ، وان له جنودا لا يستعين بهم ولكن يمتثلون بأمره ويكلفهم بما شاء، قال تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) (المدثر: الآية ٣١) ، ولكن ليسوا جنودا يعينونه كجنود الملوك في الدنيا، بل جنود تظهر بهم عظمته وكمال سلطانه.

стр. 150

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٣٤- صفاته كذاته قديمه ... أسماؤه ثابتة عظيمه ٣٥- لكنها في الحق توقيفيه ... لنا بذا أدلة وفيه ــ الشرح قوله: (صفاته كذاته قديمه) صفاته: مبتدأ، والخبر: قديمة، ذاته: حال، يعني صفاته حال كونها كذاته قديمة. والصفات: هي ما يتصف به الموصوف. وقول المؤلف: (صفاته قديمه) مجمل يحتاج إلى تفصيل، فالصفات بالنسبة لله ثلاثة أقسام: صفات ذاتية، وصفات فعلية، وصفات خبرية. (١) الصفات الذاتية: هي صفات المعاني الثابتة لله أزلاً وأبدا، مثل الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والعزة، والحكمة، إلى غير ذلك وهي كثيرة فهذه نسميها صفات ذاتية؛ لأنه متصف بها أزلا وأبدا ولا تفارق ذاته. (٢) الصفات الفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها، مثل الاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين العباد، والفرح بتوبة التائب، والضحك إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة، والغضب على الكافرين، والرضا للمؤمنين، وغيرها، فهذه نسميها صفات فعلية؛ لأنها من فعله، وفعله يتعلق بمشيئته.

стр. 151

(٣) لكن هذا القسم من صفات الله آحاده حادثة، تحدث شيئا فشيئا، وأما جنس الفعل فإنه أزلي أبدي، فجنس كون الله فعالا - أي جنس الفعل في الله أزلي، فلم يزل ولا يزال فعالا، لم يأت وقت من الأوقات يكون الله تعالى معطلا فيه عن الفعل، فإن الله لم يزل ولا يزال فعالا لما يريد . لكن نوع الفعل أو آحاده هي التي تكون حادثة، مثلا الاستواء على العرش نوع من أنواع الفعل، وهو حادث لأنه كان بعد خلق العرش، كذلك النول إلى السماء الدنيا نوع من أنواع الفعل، وهو حادث لأنه كان بعد خلق العرش، كذلك النزول إلى السماء الدنيا نوع من أنواع الفعل، وهو حادث لأنه كان بعد أن خلق السماء الدنيا، كذلك الرضا والغضب نوع من أنواع الفعل، وهو حادث لأنه إذا فعل العبد فعلا يقتضي الرضا، ﵁، وإذا فعل فعلا يقتضي الغضب غضب الله عليه. وهذه تسمى الصفات الفعلية، وربما تسمي الأفعال الاختيارية؛ لأن هذه الأفعال تتعلق بمشيئة الله تعالى واختياره قال تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) (القصص: الآية ٦٨) ، لكن - كما سبق - كل صفة فعلية فإنها حادثة النوع أو الفرد، لكنها قديمة الجنس، فمثال النوع الاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا فهذا نوع، لكن نزوله كل ليلة فهذا فرد، لأن نزوله الليلة ليس هو نزوله البارحة. (٤) الصفات الخبرية: وهي التي نعتمد فيها على مجرد الخبر، وليست من المعاني المعقولة، بل هي من الأمور المدركة بالسمع المجرد فقط، ونظيرها أو نظير مسماها بالنسبة إلينا أبعاض وأجزاء، مثل اليد، والوجه، والعين،

стр. 152

والقدم، والإصبع، فهذه نسميها الصفات الخبرية، لأنها ليست معنى من المعاني، فاليد غير القوة، القوة معنى، واليد صفة من نوع آخر. مسماها بالنسبة إلينا أبعاض وأجزاء، فاليد بعض من أو جزء منا، والوجه كذلك والعين كذلك. ولكن بالنسبة لله لا نقول أنها جزء أو بعض؛ لأن البعضية والجزئية لم ترد بالنسبة إلى الله لا نفيا ولا إثباتا، ولهذا نقول لمن قال: إن الله واحد لا يتجزأ ولا ينقسم وما أشبه ذلك، نقول: هذه ألفاظ بدعية. فليس هناك دليل على أن تصف الله بهذا النفي، وما أنت اعلم بالله من الله، ولا اعلم بالله من رسول الله ﷺ ولا اعلم بالله من أصحاب رسول الله ﷺ ، فما قال واحد منهم قط: إنه لا يتبعض ولا يتجزأ، فاحبس لسانك عما حبسوا ألسنتهم عنه، ولا تتكلم بأشياء فارغة، وليس هناك داع لأن تقول: لا يتجزأ، فلا أحد يتصور أن الله تعالى - وله الحمد والفضل - يتجزأ، لا أحد يتصور هذا حتى تنفيه، فدع ذلك، وإنما ينفى مثل هذا الكلام لو أن أحداً قاله، إما ولم يقله أحد فليس له داع، بل يقال: لله يد، وله وجه، وله عين، ودع عنك: لا يتجزأ ولا يتبعض، فلم يتعبدنا الله بهذا، ولا ورد عن الله انه يتبعض أو يتجزأ، أو لا يتبعض ولا يتجزأ، بل قال تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ) (البقرة: الآية ١٣٦) وقال: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (البقرة: الآية ٢٥٥) وقال تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ*اللَّهُ الصَّمَدُ) (الإخلاص: ٢) . وكل هذا لم يرد، وما لم يرد فالأدب مع الله ورسوله أن نمسك عنه، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الحجرات: ١) ، فلو نفيت ما لم ينفه ما لم ينفه الله عن نفسه فقد تقدمت بين

стр. 153

يدي الله ورسوله، ولو أثبت ما لم يثبته فقد تقدمت بين يدي الله ورسوله. فالحاصل أن الصفات الخبرية هي التي مسماها أبعاض وأجزاء لنا، لكن بالنسبة لله فلا نقول انه بعض أو جزء؛ لأن إثبات البعضية أو الجزئية أو نفي البعضية أو الجزئية بالنسبة لله، من الألفاظ المبتدعة التي يجب على الإنسان أن يتحاشاها، فلم يتعبدنا الله لا في كتابه ولا على لسان رسوله بان نثبت البعضية أو ننفي البعضية ونحن نؤمن بان اليد غير الذات؛ يد الله غير ذاته؛ ووجه الله غير ذاته، فهو شيء آخر زائد عن الذات، وقد يعبر الله تعالى عن نفسه بوجهه، كما قال الله تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ والإكرام) (الرحمن: ٢٧) ، ونحن لا ننكر الوجه ولا ننكر أن يعبر به عن النفس. وهذه مع أنها صفات خبرية، فهي في نفس الوقت صفات قديمة؛ لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال متصفا بها، وصفات الله الذاتية والخبرية كلها قديمة، إما صفاته الفعلية فهي قديمة الجنس، حادثة النوع والآحاد، لذلك فإطلاق الوصف على صفات الله بأنها قديمة ليس بصحيح. وقول المؤلف ﵀: (كذاته) أي ذات الله تعالى. فأصل الذات كلمة مولدة بالمعنى المراد بها؛ لأن المراد بها عند القائلين - كلمة ذات وصفات - أرادوا بها: النفس، فذات الإنسان يعني نفس الإنسان، فالله لم يعبر عن نفسه بالذات، إنما عبر عن نفسه بالنفس فقال: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) (آل عمران: الآية ٢٨) وقال عن عيسى ﵊: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) (المائدة: الآية ١١٦) وأصل الذات في اللغة العربية بمعنى صاحبة، فيقال مثلا: ذات علم، ذات

стр. 154

قدرة، ويقال لامرأة: ذات جمال، فهي ذات بمعنى صاحبة تضاف إلى صفة، نقلها المتكلمون من كونها تضاف إلى صفة وجعلوها اسما للموصوف. فقالوا: كل موصوف قائم بنفسه فهو ذات، فمثلا أصل ذات الله يعني ذات الإلوهية، فنقلوا كلمة ذات إلى الشيء القائم بنفسه وقطعوه عن الإضافة، ولم تكن من كلام العرب، ولا يعرفها العرب بهذا المعنى؛ أي بأنها قائمة مقام النفس. لكن هم لما قالوا: ((ذات علم) ، قالوا: إن علم) صفة، و ((ذات) موصف، فأطلقوا على الموصوف اسم ذات، فقالوا: الذات، والصفات بدل الله وصفاته، لكن لا مشاحة في الاصطلاح، فإن العلماء ﵏ تقبلوا هذا، وصاروا يقولون: ذات وصفات، صفات الذات وصفات الأفعال، وإلا فهي في الأصل ليست من كلام العرب. وذات الله تعالى قديمة، والقديم عند المتكلمين هو الذي لا ابتداء له، وليس هو القديم في اللغة العربية، بل القديم في اللغة العربية هو ما سبق غيره، ولو كان حادثا، إما القديم عند المتكلمين فهو الذي لم يسبق بعدم، بل دائما وأبدا موجود، فالذي لا أول له - أي لم يسبق بعدم - هو القديم عند المتكلمين، لكن اللغة العربية تقول: إن القديم ما تقدم غيره ولو كان حادثا، ومنه قوله تعالى: (حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) (يّس: الآية ٣٩) . وصفات الله كلها كمال، سواء كانت مطلقة أو مقيدة، فما كان كمالا محضا فهو مطلق؛ أي في كل حال وغير مقيد، وما كان كمالا في حال دون حال فهو مقيد.

стр. 155

فمثلا الخلق والزرق والكلام وما أشبه ذلك، هذا كمال مطلق، فيوصف الله به على الإطلاق، فيقال: إن الله متكلم رازق خالق، وما أشبه ذلك. وما كان كمالا في حال دون حال فإنه لا يجوز إطلاقه على الله، وإنما يوصف به مقيدا، مثل المكر، والخديعة، والاستهزاء، والكيد، فهذا يكون كمالا في حال ونقصا في حال، فلا يوصف الله به إلا على وجه الكمال. فالمكر مثلا لا يجوز أن تصف الله بالمكر على سبيل الإطلاق فتقول: إن الله ماكر، فهذا حرام؛ لأنه يفهم من ذلك النقص والعيب، فإن المكر عند الإطلاق صفة قدح وذم، لكنه عند المقابلة يكون صفة مدح، فتقو: إن الله يمكر بمن يمكر به وبرسله، وهنا صار المكر صفة كمال ومدح، أي انه أعلى من مكر أعدائه. كذلك إذا وصفت المكر بما يدل على الكمال فلا باس، مثل أن تقول: الله خير الماكرين، كما قال الله تعالى: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّه) (الأنفال: الآية ٣٠) ثم قال: (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال: الآية ٣٠) وكذلك الخداع لا يجوز أن تصف الله بأنه خادع، أو من صفاته الخداع على سبيل الإطلاق، لكن يجوز أن تصفه به على سبيل المقابلة، فتقول: إن الله تعالى يخدع المنافقين، أو خادع المنافقين، أو خادع من يخدعه، أو ما أشبه ذلك؛ لأنها في هذه الحال تكون صفة كمال، ولا يجوز أن تصفه بها على سبيل الإطلاق لأنها تحتمل معنى صحيحا ومعنى فاسداً. أما ما كان نقصا من الصفات فإنه لا يدخل في صفات الله أبدا، وإنما جاء الكلام عليه في التقسيم من أجل الحصر. فصفات النقص لا تدخل في صفات الله تعالى أبدا، لا علي سبيل

стр. 156

الإطلاق؛ ولا على سبيل التقييد، مثال ذلك: الخيانة، فالخيانة لا تدخل في صفات الله؛ لأنها ذم وقدح بكل حال، ولهذا قال النبي ﵊: ((لا تخن من خانك) (١) وقال: ((الحرب خدعة)) (٢) ، فأذن بالخدعة في محلها وهو الحرب، ونهى عن الخيانة في محلها. فقال: ((لا تخن من خانك) . مع أن الإنسان قد تسول له نفسه أن يخون من خانه؛ لأن الله تعالى قال: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: الآية ١٩٤) ، لكن الرسول ﷺ قال: ((لا تخن من خانك) فإذا ائتمنك إنسان بشيء وقد خانك من قبل فلا تخنه فيه؛ لأن الخيانة وصف ذم على الإطلاق، وبهذا نعرف خطأ قول العامة: خان الله من يخون. فهذا القول لا يجوز، وهو قول باطل. لكن لو قيل: خدع الله بمن يخدع. فهذا صحيح. إذا يمكن أن نقول: إن الصفات بالنسبة لله على ثلاثة أقسام: ١- صفات كمال محض: فهذه يوصف بها على سبيل الإطلاق. ٢- وصفات كمال في حال دون حال: فلا يوصف بها إلا مقيدا بالحال التي تكون فيها كمالا. ٣- وصفات نقص على الإطلاق: فلا يوصف الله بها مطلقا. فإذا قال قائل: هل هناك فرق بين الأسماء والصفات في هذا الباب؟ بمعنى أن الاسم إذا كان متضمنا لنقص فإنه لا يسمى به الله في حال الكمال؟ فالجواب: لا؛ لأن الله تعالى قال في الأسماء: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)

стр. 157

(الأعراف: الآية ١٨٠) ، أي البالغة في الحسن كمالها، وحينئذ لا يسمى الله تعالى باسم يتضمن نقصا ولو في بعض الأحوال. ولهذا لا يسمى الله بالمتكلم مع أن الله يخبر بأنه متكلم ويوصف بذلك، فلا تقول: يا متكلم اغفر لي، وكذلك يوصف الله بالإرادة لكن لا يسمى بالمريد. فلينتبه للفرق: وهو أن الأسماء الحسنة من القسم الأول فقط، أي أنها من الكمال المطلق فقط، فلا تتضمن كمالا ونقصا في حال دون حال، بل هي كمال مطلق، والدليل على ذلك وصف الله تعالى إياها بأنها حسنى. بخلاف الصفات - التي كما سبق - منها الكمال المطلق الذي يوصف الله به على سبيل الإطلاق، والنقص المطلق، وهذا لا يوصف الله به مطلقا، والكمال في حال دون حال، وهذا يوصف به الله حال كونه كمالا، ولا يوصف به حال كونه نقصا. قال المؤلف ﵀: ((أسماؤه ثابتة عظيمة) : أسماء الله ثابتة عظيمة، (ثابتة) : بمعنى أنها حق واقع يجب الإيمان بها وإثباتها. (عظيمة) لاشتمالها على أحسن الصفات وأكملها، قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأعراف: ١٨٠) وأسماء الله البحث فيها من عدة أوجه: البحث الأول: أسماء الله كلها حسنة ليس فيها نقص بوجه من الوجوه ولا بحال من الأحوال، قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)

стр. 158

(الأعراف: ١٨٠)) . وقال تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الحشر: ٢٣) (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الحشر: الآية ٢٤) فوصفها باسم التفضيل فليس فيها نقص بوجه من الوجوه. البحث الثاني: أن أسماء الله تعالى مشتقة، أي أنها تتضمن معاني وأوصافا فكل اسم منها يتضمن الصفة التي اشتق منها، حتى اسم (الله) يتضمن صفة وهي الإلوهية، فأسماء الله تعالى إذاً أعلام دالة على صفة، ولولا ذلك ما كانت حسنى، لأنها إذا لم تتضمن معنى صارت أسماء جامدة لا معنى لها، وإذا كانت أسماء جامدة لا معنى لها فلا توصف بالحسنة، والله وصفها بأنها حسنة أي بالغة في الحسن كماله. إذا ما من اسم إلا ويتضمن صفة وقد يتضمن بعضها صفتين أو أكثر، عن طريق الالتزام، يعني من باب دلالة اللزوم أو الالتزام. فمثلا الخلاق من أسماء الله، قال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) (الحجر: ٨٦) ، فالخلاق يتضمن صفة الخلق، ويستلزم صفة العلم والقدرة إذ لا خلق إلا بعلم وقدرة، فهو إلى على الخلق بمقتضى مادته، ودال على العلم والقدرة بلازمه، فالخلاق دال على الخلق بمقتضى المادة، لأن الخلاق من الخلق، ودال على العلم والقدرة دلالة التزام؛ لأن من لازم الخلق العلم والقدرة، فمن لا علم عنده لا يمكن أن يخلق، إذ كيف يخلق وهو لا يعرف أن يخلق؟ ومن لا قدرة عنده لا يخلق؛ إذ كيف يخلق وهو ضعيف؟ ونضرب مثلا في الإنسان، فإذا قيل لإنسان: اصنع لنا مسجلا، وهو

стр. 159

إنسان عنده المواد الخام، وعنده قدرة ونشاط وذكاء، لكن ليس عنده علم. فهذا لا يمكن أن يصنع المسجل لعدم علمه. وإذا كان هناك إنسان عنده علم، فهو مهندس ودارس ويقرأ ويعرف، لكنه مشلول لا يقدر أن يصلح شيئا، فهذا لا يقدر أن يصنع المسجل لعدم القدرة. إذا اسم الله الخلاق تضمن ثلاث صفات: الخلق، والعلم، والقدرة، ولهذا قال الله : (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) (الطلاق: ١٢) ، يعني أخبرناكم بذلك لتعلموا أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما، ولولا علمه وقدرته ما خلق السموات والأرض. ويعبر عن هذا البحث بأن أسماء الله أعلام وأوصاف، فباعتبار دلالتها على الذات هي أعلام؛ وباعتبار دلالتها على المعاني هي أوصاف. ويترتب على هذا البحث: هل أسماء الله متباينة أو مترادفة؟ والجواب أن نقول: إما باعتبار دلالتها على الذات فهي مترادفة؛ لأنها دلت على شيء واحد وهو الله، وأما باعتبار دلالتها على المعنى فهي متباينة؛ لأن لكل اسم منها معنى غير المعنى في الاسم الآخر. والمترادف: هو متعدد اللفظ متحد المعنى، والمتباين: هو متعدد اللفظ والمعنى، فحجر وإنسان متباين؛ لأن اللفظ مختلف والمعنى مختلف، وبشر وإنسان مترادف؛ لأن اللفظ متعدد والمعنى واحد. فالله والرحمن، والرحيم، والملك، والقدوس، والسلام، إلى آخر ما

стр. 160

ذكر في سورة الحشر باعتبار دلالتها على الله، فهي مترادفة لأنها تدل على شيء واحد، وباعتبار دلالة كل واحد منها على معناه فهي متباينة. الوجه الثالث: أسماء الله غير محصورة بعدد معين، ولا يمكن حصرها لقوله ﷺ في الحديث المشهور - حديث ابن مسعود ﵁ في دعاء الغم والهم قال: ((أسالك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ... ) (١) إلى آخره، الشاهد قوله: ((أو استأثرت به في علم الغيب عندك) وهذا يدل على أن من أسماء الله ما استأثر الله به، وما استأثر الله به فلا يمكن الوصول إليه؛ لأنه لو أمكن الوصول إليه لم يكن مستأثرا به، ولهذا قال: ((استأثرت به في علم الغيب عندك) ، فإذا ليست أسماء الله محصورة، ولا يمكن حصرها. فإذا قال قائل: كيف نجمع بين هذا وبين قوله ﷺ : ((إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة) ؟ (٢) فالجواب: أن هذا الحديث الثاني لا يدل على الحصر، وإنما يدل على حصر معين، وهو أن من أسماء الله تسعة وتسعين اسما إذا أحصيتها دخلت الجنة، يعني إذا أحصيت تسعة وتسعين اسما من أسماء الله فانك تدخل الجنة. ونظيره لو قلت: عندي عشر سيارات أعددتها لحمل البطحاء، فليس

стр. 161

معنى ذلك انه ليس عندك إلا هذه العشر، لكن هذه العشر خصت بأنها معدة لحمل البطحاء، وقد يكون عندك سيارات أخرى معدة لحمل الخشب، وأخرى معدة لحمل الرجال، وأخرى لحمل الأمتعة، ومثل هذا التعبير لا يدل على الحصر. فإذا قال قائل: ما الفائدة من هذا الكلام إذا قلنا إنه لا يدل على الحصر؟ قلنا: الفائدة من أجل أن يبحث المكلف عن هذه الأسماء من الكتاب والسنة حتى يدركها، وإلا لسردها لنا النبي ﷺ سردا ونستريح، لكن من أجل أن يبتلي الله الإنسان الحريص من غير الحريص. فالحريص هو الذي يبحث عن الشيء حتى يصل إليه وغير الحريص هو الذي يقول إن كان الشيء سهلا أخذته، وإن كان صعبا يحتاج إلى مراجعة والى بحث فلا حاجة لي به. البحث الرابع: حكم التسمي بأسماء الله ؟ إن من أسماء الله ما لا يسمى به غيره، مثل الله، فلا يمكن أن نسمي أحداً بهذا الاسم لا على سبيل إرادة المعنى، ولا على غيره، كذلك اسم الرحمن أيضاً، قال العلماء ﵏: لا يجوز أن يسمى به غيره ولا يوصف به غيره؛ لأن الإلوهية والرحمة الواسعة الشاملة التي هي وصف لازم للراحم؛ هذه لا تكون إلا لله. أما بقية الأسماء فهي إن قصد بها ما يقصد بأسماء الله من الدلالة على العلمية والوصفية فإنها ممنوعة، وإن قصد بها مجرد العلمية فليست ممنوعة،

стр. 162

فالحكم والحكيم من أسماء الله، فإذا سمينا شخصا بالحكم أو بحكيم ولم نقصد معنى الحكمة فيه ولا معنى الحكم فهنا لا باس به، وفي الصحابة ﵃ من اسمه حكيم، وفيهم من اسمه الحكم. وإن قصدنا بذلك المعنى الذي اشتققنا منه هذا الاسم فهذا لا يجوز، لأن هذا من خصائص أسماء الله، فهي التي يراد بها الاسم والوصف، ولهذا إذا سمينا رجلا بصالح فإنه جائز ولا يغير الاسم، لأننا ما قصدنا بذلك التزكية، أي وصفه بالصلاح وأننا ما سميناه صالحا إلا لأنه صالح؛ سمينا صالحا مجرد علم. كذلك إذا سمينا شخصا بسلمان فليس لأنه سالم، بل قد يكون من أتعس الناس، يوما تكسر رجله، ويوما تكسر يده؛ ويوما يفلق رأسه، ويوما يخدش ظهره، وليس فيه السلامة، ومع ذلك نسميه سلمان، وكذلك سليمان. فالمهم انه إذا لم يقصد المعنى في الاسم فإنه جائز لمجرد العلم فقط. البحث الخامس: أن أسماء الله تعالى توقيفية وليس لنا أن نسمي الله بما لم يسم به نفسه. قال المؤلف ﵀: (لكنها في الحق توقيفية) : (لكنها) : أي أسماء الله ، (في الحق) أي في القول الحق الصحيح، (توقيفية) أي موقوفة على ورود الشرع بها، والتوقيفي هو الذي يتوقف إثباته أو نفيه على قول الشارع، فهي توقيفية لا يجوز لنا أن نسمي الله بما لم يسم به نفسه.

стр. 163

ودليل ذلك من الأثر والنظر: أما من الأثر: فقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف: ٣٣) وإثبات اسم من أسماء الله لم يسم به نفسه هذا من القول عليه بلا علم، فيكون حراما، وقال تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء: ٣٦) وإثبات اسم لله لم يسم به نفسه من قفو ما ليس لنا به علم. أما من النظر: أولا: فلأن اسم المسمى لا يكون إلا بما وضعه لنفسه، وإذا كان الناس يعدون من العدوان أن يسمى الإنسان بما لم يسم به نفسه أو بما لم يسمه به أبوه، فإن كون ذلك عدوانا في حق الخالق من باب أولى، فلو أن رجلا اسمه محمد وناداه آخر: يا عبد الله، وكلما ناداه أو راسله سماه عبد الله، لغضب من ذلك، ورأى أن ذلك تعد عليه، فإذا كان هذا في حق المخلوق، فهو في حق الخالق أعظم. ثانياً: من الدليل النظري أيضاً أن الله قال: ((وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الأعراف: الآية ١٨٠)) ، الحسنة البالغة في الحسن كماله، وأنت إذا سميت الله باسم فليس عندك علم أنه بلغ كمال الحسن، بل قد تسميه باسم تظن انه حسن، وهو سيئ ليس بحسن. وهذا أيضاً دليل عقلي يدل على انه لا يجوز أن نسمي الله بما لم يسم به نفسه. فهذه أربعة أدلة؛ دليلان أثريان أو شرعيان؛ ودليلان عقليان نظريان. ولهذا قال المؤلف ﵀: (لنا بذا أدلة وفيه) . (لنا بذا) : المشار إليه

стр. 164

القول بأنها توقيفية. (أدلة وفية) أي كافية وافية بالمقصود. وهنا يرد سؤال وهو: هل الصفات كالأسماء توقيفية؟ والجواب: سبق أن ذكرنا أن الصفات ثلاثة أقسام: كمال محض، ونقص محض، وكمال في حال دون حال. فالكمال المحض يوصف الله به، والنقص المحض لا يوصف الله به، والمتردد بين هذا وهذا يوصف الله به في حال الكمال، ولا يوصف به في حال النقص ولا على الإطلاق، أي أن الذي يكون كمالا في حال دون حال يوصف الله به مقيدا في حال الكمال. إذا فليست كالأسماء توقيفية. ولهذا يمكن أن نشتق من كل فعل من أفعال الله صفة، فنقول: إن الله تعالى مزجي السحاب لقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً) (النور: الآية ٤٣) ونقول: إن الله تعالى ماكر بمن يمكر به لقوله: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ) (الأنفال: ٣٠) ، ونقول: إن الله مستهزئ بمن يستهزئ به لقوله: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) (البقرة: ١٥) لما قالوا: (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) (البقرة: ١٤) ، ونقول: إن الله خادع من يخدعه لقوله: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) (النساء: ١٤٢) وعلى هذا فقس. مسألة: ما الضابط في التفريق بين الأسماء والصفات؟ نقول: الضابط هو أن ما دل على معنى وذات فهو اسم، وما دل على معنى فقط فهو صفة.

стр. 165

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٣٦- له الحياة والكلام والبصر ... سمع إرادة وعلم واقتدر ٣٧- بقدرة تعلقت بممكن ... كذا إرادة فع واستبن ــ الشرح شرع المؤلف ﵀ في بيان الصفات على سبيل التفصيل، فقال: (له الحياة) : له: الضمير يعود على الله (الحياة والكلام والبصر سمع) هذا على تقدير عاطف، أي: وسمع، (إرادة) كذلك على تقدير عاطف، أي: وإرادة وعلم (واقتدر) أي القدرة. فهذه سبع صفات أثبتها المؤلف ﵀ لله ، وقد يظن أن في كلامه هنا إيهاما بأنه لا يثبت إلا هذه الصفات السبع، ولكن له كلام آخر بأنه يجب إثبات كل ما وصف الله به نفسه في قوله فيما سبق: فكل ما جاء من الآيات ... أو صح في الأخبار عن ثقات من الأحاديث نمره كما ... قد جاء فاسمع من نظامي واعلما فن كلامه السابق يدل على إننا نثبت لله تعالى كل ما أثبته لنفسه من الصفات. قال هنا ولا: (له الحياة) أي لله ، و (أل) في الحياة هنا للاستغراق، يعني الحياة الكاملة، أو لبيان الحقيقة، وتعرف الحقيقة بحسب ما تضاف إليه الصفة، فالحياة المضافة إلى الله ليست كالحياة المضافة إلى البشر

стр. 166

أو إلى المخلوق على صفة العموم، فحياة الله أزلية أبدية، أي لم يزل ولا يزال حيا، ثم هي حياة أيضاً كاملة لا يعتريها نقص بوجه من الوجوه، قال الله : (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ) (الفرقان: من الآية ٥٨) فهذا فيه الامتناع عن زوال هذه الحياة، وقال تعالى: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) (البقرة: الآية ٢٥٥) وهذا منع لوصفها بالنقائص، فهي حياة كاملة ليس فيها سنة ولا نوم، حياة دائمة ليس فيها موت، حياة أزلية لأنها لم تسبق بعدم، وكل حياة البشر بل كل المخلوقات حياتها مسبوقة بعدم، وكذلك أيضاً جميع حياة الإحياء قابلة للزوال غير الله ، حتى ما خلق للبقاء كالروح، وغلمان أهل الجنة، والحور؛ هذه خلقت للبقاء وستبقى، لكنها قابلة للزوال لو شاء الله تعالى لأهلكها. إما حياة الله فإنها غير قابلة للزوال ولا للنقص ولا للابتداء، فيستحيل عليه ابتداء الحياة وزوالها ونقصها، ولهذا قال الله : (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) (البقرة: ٢٥٥) بخلاف حياة الإنسان فإنه وإن حاول أن يمتنع عن النوم فلابد أن يأخذه النوم أو يهلك، ولهذا عبر بقوله: (لا تَأْخُذُهُ) : أي لا تغلبه، ولم يقل: لا ينام؛ لأن البشر قد يحاول إلا ينام، ولكن لو حاول أن لا ينام فلنقصه؛ لأنه لابد أن تأخذه السنة والنوم أو يهلك. إما الرب فلا تأخذه السنة ولا النوم، وفي الحديث الصحيح: ((إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام) (١) فانتفى بذلك غلبة النوم والسنة عليه بنص القرآن، وأنه لا ينام ولا بإرادته؛ لأن ذلك من المستحيل عليه، لقوله: ((ولا ينبغي له أن ينام) ؛ لأن النوم نقص، ونحن إنما ننام لنقصنا لا

стр. 167

لكمالنا، ننام من أجل الراحة مما مضى واستجلاب القوة لما يستقبل أما الله فإنه لم يزل ولا يزال قويا، وخلق السموات والأرض في ستة أيام وما مسه من لغوب. فالحاصل أن الله له الحياة الكاملة أزلا: ابتداء وانتهاء واستمرارا، فابتداء حيث لم تسبق، وانتهاء حيث لا يلحقها زوال، واستمرارا حيث أنها حياة كاملة لا يعتريها سنة ولا نوم ولا نقص بأي نوع من أنواع النقص: (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) (البقرة: ٢٥٥) . ثانياً: (له الكلام) : فهو يتكلم، والكلام كمال، ولهذا يعد الخرس عيبا ونقصا، فله الكلام، وكلامه بحرف وصوت؛ لأننا نجد أن ما يتكلم الله به حروف، ونعلم أن كلامه يسمع ويرد عليه. أما الأول: وهو أن كلامه بحرف، فهو أشهر من أن يذكر، فكل الكلام الذي ذكره الله عن نفسه نجده بحروف، فمثلا القرآن الكريم سماه الله تعالى كلاما له، فقال: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ) (التوبة: الآية ٦) ومعلوم أن القرآن حروف، ثم إن الله يقول: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) (المائدة: الآية ١١٦) ، (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ) (صّ: ٧١)) ، (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) (البقرة: الآية ٣٥) ، كل هذه المقولات حروف متتابعة وليست متقارنة، فقوله: (يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) (آل عمران: الآية ٥٥) ، فعيسى بعد ((يا) ، وقوله: ((إني متوفيك) بعد عيسى فهي متتابعة بعضها بعد بعض، وليست متقارنة ولا يمكن أن تكون متقارنة. وكذلك فكلام الله بصوت، لقوله تعالى: (وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً) (مريم: ٥٢) فالمناداة بصوت مرتفع، والمناجاة بصوت.

стр. 168

منخفض، وكل ذلك وصف الله به نفسه قال: (وَنَادَيْنَاهُ) وقال: (وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً) فهذه كلها صفة للصوت. وفي السنة ((يقول الله تعالى: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك. فينادى بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار) (١) ثم إن المحاورة التي تقع بين الله وبين رسله تكون بشيء مسموع بلا شك، فإن موسى ﵊ لما كان الله يحاوره قال: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) (طه: ١٧) (قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) (طه: ١٨) (قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى) (طه: ١٩) (فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى) (طه: ٢٠) (قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى) (طه: ٢١) وموسى ﷺ كان يسمع هذا ولا يمكن أن يسمع شيئا بلا صوت، فلابد من صوت. فكلام الله إذا بحرف وصوت. وكلام الله أيضاً يتعلق بمشيئته ابتداء وانتهاء وكيفية، يعني متى شاء تكلم، ومتى شاء لم يتكلم، وبكيفية يشاءها، إن شاء تكلم بصوت مرتفع، وإن شاء تكلم بصوت غير مرتفع، إن شاء تكلم بالعربية، ,إن شاء تكلم بغير العربية فكلامه مع موسى بغير العربية؛ لأنه لو كلم موسى بالعربية ما فهم موسى شيئا، وكلامه لمحمد ﷺ بالعربية، ولو تكلم بغير العربية ما فهمه محمد ﷺ ، إذا يتكلم كيف شاء ابتداء وانتهاء وكيفية. ولهذا نجد أن المحاورة التي مع موسى لها ابتداء وانتهاء: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) ابتداء بالواو وانتهاء بالألف من قوله: (يَا مُوسَى) ، قال:

стр. 169

(أَلْقِهَا يَا مُوسَى) ابتداء بالهمزة وانتهاء بالألف. والمهم أن الله يبتدئ بالكلام وينتهي بالكلام، ويتكلم كذل كيف يشاء باللغة التي يشاء، فيكلم محمدا بالعربية ويكلم موسى بالسريانية، وهذا هو الظاهر لنا، وإن كان من الجائز أن يكلمه الله بالعربية، وان يلقي له فهما خاصا في تلك اللحظة يفهم به اللغة العربية، وهذا جائز عقلا، لكنه خلاف الظاهر، ونحن ليس لنا إلا الظاهر، إما ما وراء الظاهر فلا نعلمه، فمن ادعاه فعليه الدليل، فالله يتكلم كيف شاء، وكذلك يتكلم بما شاء، بالأمر والنهي والخبر والاستخبار الذي هو الاستفهام وغير ذلك، ويتكلم بما شاء؛ لأن له الملك المطلق والتدبير المطلق، فله أن يتكلم بما شاء من الكلام، متى شاء، لأن الكلام يتعلق بمشيئته فمتى شاء تكلم، فالكلام الذي حصل لموسى كان حين أرسله، وكان حين جاء للميقات، قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) (الأعراف: الآية ١٤٣) فيتكلم في أي وقت شاء، وكلامه في أي وقت شاء ضروري وهو أمر يوجبه العقل؛ لأننا نشاهد المحدثات لا تحدث إلا بإرادته، وإذا أراد شيئا فإنما يقو له: كن فيكون، إذا لابد أن يتعلق الكلام بمشيئته، متى شاء تكلم بما يريد من الكلام الكوني ومن الكلام الشرعي. المهم أن كلام الله تعالى يتعلق بمشيئته، ولهذا قال أهل العلم من أهل السنة: إن الله يتكلم بحرف وصوف، بما شاء، متى شاء، كيف شاء. وهذا مذهب أهل السنة والجماعة في كلام الله ، وهو مذهب تؤيده الأدلة الشرعية والأدلة العقلة والأدلة اللغوية؛ لأن الكلام لا يعقل إلا

стр. 170

بحرف وصوت. وقال أهل البدع قولا كثيرا في الكلام بلغ إلى ثمانية أقوال بالإضافة إلى قول أهل السنة والجماعة، ذكرها ابن القيم ﵀، في مختصر الصواعق المرسلة (١) ، ونذكر منها قولين مشهورين: القول الأول: قول الجهمية والمعتزلة وأتباعهما، يقولون: إن الله تعالى يتكلم بكلام يسمع، وبحرف، ومتى شاء، وبما شاء، ولكن ليس كلامه صفة فيه، بل كلامه مخلوق من مخلوقاته بائن منه، يخلق كلاما في الهواء أو في جهة معينة، ثم يسمع فيضاف إلى الله إضافة تشريف وخلق، كما أضاف الله إلى نفسه البيت في قوله: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ) (الحج: الآية ٢٦) ، وكما أضاف إلى نفسه الناقة في قوله: (نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا) (الشمس: الآية ١٣) وكما أضاف إلى نفسه المساجد في قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) (البقرة: الآية ١١٤) فيقولون: إن إضافة الكلام إليه لا لأنه تكلم به وأنه صفة من صفاته، ولكن لأنه خلق، إما الله فمحال أن يتكلم بكلام، وإنما يخلق كلاما في غيره ثم يضيفه إليه على سبيل التشريف والتكريم والتعظيم أما مناداة إله لموسى في قوله تعالى: (وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ) (مريم: الآية ٥٢) فيقولون فيها: خلق الله في جانب الطور الأيمن صوتا نادى موسى من الشجرة: (أَنْ يَا مُوسَى) (القصص: الآية ٣٠) فيزعمون أن الله خلق كلاما في الشجرة فسمعه موسى ﵊، فنقول: سبحان الله! كيف

стр. 171

يضيف الله الكلام إلى نفسه: (وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ) (مريم: الآية ٥٢) ويضيفه إلى نفسه في محاورته لموسى، ثم تقولون: إنه من الشجرة؟! وعلى قاعدتكم هذه نقول: كل كلام يمكن أن يكون كلام الله، حتى كلام البشر يمكن أن نقول: إنه كلام الله؛ لأنه مخلوق في الإنسان، بل إن كلام البشر على قاعدتكم يكون أشرف من كلام الله، لأنه مسموع من البشر، الذي فضله الله على كثير ممن خلق تفضلا، وكلام الله عندكم مسموع من شجرة أو من جانب جبل أو ما أشبه ذلك!! ومن ثم ادعى أهل الحلول أن كل كلام فهو كلام الله، حتى نعيق الطيور وأصواتها كلام الله، وقال قائلهم: وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه يعني كل كلام في الوجود فهو كلام الله، حتى من يتكلم باللعن والسب والشتم ويشتم الله ورسله وكتبه، فكل هذا يعتبر - والعياذ بالله - كلام الله عند أهل الحلول وهذا غير معقول. لكن هذا القول وإن كان الجهمية والمعتزلة ينكرونه، لكنه لازم لهم؛ لأنهم إذا اعتقدوا أن ما يضاف إلى الله من الكلام يكون كلام غيره، فلا فرق بين أن يكون كلام البشر، أو كلام الشجرة، وجانب الطور، وما أشبه ذلك. وعلى هذا المذهب لا يوصف الله تعالى بالكلام في الواقع، وإنما يوصف بأنه خالق الكلام، ومن ثم بنوا على هذا قولهم: إن القرآن مخلوق، وغير منزل واستدلوا بقوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) (الزمر: الآية ٦٢) ، والكلام شيء

стр. 172

فيكون مخلوقا غر منزل، وقالوا: حتى لو قلنا انه منزل فليس كل منزل غير مخلوق؛ فالله انزل من السماء ماء، والماء النازل من السماء مخلوق، وقال تعالى (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) (الزمر: الآية ٦) والأنعام مخلوقة، (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) (الحديد: الآية ٢٥) والحديد مخلوق. فانظر كيف التلبيس! وهو من تلبيس إبليس، فبماذا نجيبهم على شبهتهم هذه؟! نقول: إن المنزل إما أن يكون عينا قائمة بنفسها وحينئذ يكون خلوقا؛ لأنه بائن من الله ، وإما أن يكون وصفا لا يقوم إلا بغيره، وحينئذ يجب أن يكون من صفات الله، والكلام وصف لا يقوم إلا بغيره، وحينئذ إذا أضاف الله الكلام إلى نفسه فهو صفة من صفاته، إما الحديد فلا يكون من صفات الله، والماء النازل من السماء ليس من صفات الله، وكذلك الأنعام: الإبل والبقر والغنم ليست من صفات الله، بل هي أعيان قائمة بنفسها، أضافها الله تعالى إلى نفسه إضافة خلق وتكوين، وليست إضافة صفة إلى موصوفها. ويمكن الرد عليهم فيما استدلوا به كما يلي: أولا: أما الآية التي استدلوا بها، وهي قوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) (الرعد: الآية١٦) أي كل شيء يصلح للخلق، أي خالق كل شيء مخلوق، وأما القرآن فهو صفة من صفات الله ، وصفات الله غير مخلوقة، لأن الصفة تابعة للموصوف. وأيضا فإن هذه الآية الكريمة تدل على خالق ومخلوق، فيجب أن يكون

стр. 173

المخلوق مخلوقا بائنا منفصلا عن خالقه، كما لو قلنا: صانع ومصنوع، فإننا إذا قلنا مثلا هذا صانع للقدر، فالقدر ليس من صفاته بل هو بائن عنه. إذا فالمخلوق الذي خلقه الله بائن عن الله ، ومن المعلوم أن الكلام معنى يقوم بالغير، وليس عينا قائمة بنفسها، فإذا أضافه الله إليه فهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها. أما بالنسبة لقولهم: أن الله انزل الحديد والأنعام والمطر وهي مخلوقة، فنقول: هذه أعيان قائمة بنفسها، لا يصح أن تكون صفة لله ، بخلاف الكلام. إذا ما احتجوا به فهو باطل، وهم إذا أنكروا كلام الله الذي هو وصفه وقالوا إنه مخلوق، فإن إنكارهم هذا في الحقيقة يقتضي إنكار الشرع والقدر، لأنه يقتضي أن تكون المخلوقات بغير كلام الله، بل بمخلوق مثلها، ويقتضي أيضاً أن يكون الشرع بغير وحي الله، بل بمخلوق من المخلوقات، ولا يقتضي إلزام الناس به لأنه مخلوق. ولهذا ذكر ابن القيم ﵀ في النونية (١) أن هذا القول يترتب عليه إبطال الخلق والأمر جميعا، لأنه لا يكون الخلق بقوله: ((كن)) ، ولا الشرع بقوله: ((افعلوا)) ، وإنما بأشياء مخلوقة بمخلوقة، وهذا إبطال للشرع والقدر. وقد ذكرنا انه يلزم على قولهم - غير ما ذكر ابن القيم ﵀ من إبطال الشرع والقدر - أن يكون كل كلام الناس كلام الله، لأنهم إذا ادعوا أن الكلام المخلوق يكون كلاما لله، فنقول: إذا كلام المخلوقات كلام لله لأنه

стр. 174

مخلوق، وهذا شيء ممتنع. إما القول الثاني: فقول الأشاعرة حيث قالوا: إن كلام الله صفة من صفاته وليس بمخلوق، ولكن الكلام الذي نقر به هو المعنى القائم بنفسه، وليس الشيء المسموع الذي يكون بالحروف، فإن هذا الشيء المسموع الذي يكون بالحروف خلق من مخلوقات الله، خلقه الله تعبيرا عما في نفسه، وليس هو كلام الله، لكن إضافته إلى الله من باب المجاز، فتجوز عما كان عبارة عن الشيء فسمي به الشيء، فسمي كلام الله لأنه عبارة عنه، وليس هو كلام الله، بل الكلام هو المعنى القائم بالنفس، وهو أزلي أبدي لا يتعلق بمشيئته، بل هو وصف لازم له كلزوم الحياة والعلم والقدرة. وعلى زعمهم هذا فهو لا يتكلم متى شاء، كما أنه لا يعلم متى يشاء، بل علمه لازم لذاته، فهم يقولون: الكلام لازم لذاته ولا يتعلق بمشيئته، وعلى ذلك فالجهمية والمعتزلة خير منهم من هذا الوجه؛ لأنهم يقولون: إن كلام الله يتعلق بمشيئته لكنه مخلوق، وهم يقولون لا يتعلق بمشيئته ولا بإرادته. ثم يقولون: إن ما يسمعه محمد ﷺ وموسى وغيرهما من كلام الله، إنما هو شيء مخلوق، فهم قد شاركوا الجهمية والمعتزلة في أن ما يسمع مخلوق، لكن الجهمية قالوا: هو كلام الله، وهؤلاء قالوا: عبارة عن كلام الله، فوافقوا الجهمية في أن المسموع مخلوق، وخالفوهم في أنهم قالوا: إنه عبارة، وهؤلاء قالوا: إنه حقيقة. فصار المعتزلة والجهمية خيراً منهم من هذا الوجه؛ لأن الجهمية والمعتزلة يقولون هذا كلام الله، وهم يقولون: هذا ليس كلام الله، بل هو عبارة عن كلام الله، مع أن الله يصرح أنه كلامه، لكنهم يقولون: لا، بل هو عبارة عن

стр. 175

كلام الله. ونحن نقول: إن دعواهم بان الكلام هو المعنى القائم بالنفس هذه دعوى يكذبها الشرع وتكذبها اللغة وإذا كانت يكذبها الشرع وتكذبها اللغة فهي باطلة. أما الشرع: فلأن الله تعالى وصف القرآن بأنه كلام الله، والأصل أن الصفة حقيقة في موصوفها، وهذا القرآن مسموع، وبحروف، ويتعلق بالمشيئة. فكذب دعواهم بأن الكلام هو المعنى القائم بالنفس. وأما مخالفته للغة: فلأنه لا يقال في اللغة للكلام كلام حتى يخرج باللسان، وإنما يذكر الكلام القائم بالنفس كلاما مقيدا، فيقال حدث نفسه، ويقال: حديث النفس، ويقال يقول في نفسه، إما عند الإطلاق فإن القول والكلام لا يقال إلا لما يسمع ويكون بالحروف فإذا قالوا: إن الله تعالى يقول: (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُول) (المجادلة: الآية ٨) قلنا: هذا رد عليكم وليس لكم، بل هو دليل عليكم وليس لكم؛ لأن الله لما أراد حديث النفس قال: (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ) ولما أراد حديث اللسان قال: (بِمَا نَقُول) فأطلق، وذلك في قوله تعالى (لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُول) (المجادلة: الآية ٨) ولم يقولوا: بما نقول في أنفسنا؛ لأنهم يقولون بألسنتهم، لكن يحدثون أنفسهم ويقولون: لولا يعذبنا الله بما نقول. فحديث النفس لا يسمى قولا ولا كلاما ولا حديثا إلا مقيدا، وأما القول والحديث والكلام عند الإطلاق فإنما هو القول المسموع الذي يكون

стр. 176

بالحروف. ثم إننا نقول لهم: أي فرق بين العلم والكلام على ما زعمتم، لأن حقيقة الأمر أنه إذا كان الكلام هو ما قدره الله في نفسه صار معناه العلم، فلا فرق بن العلم والكلام على زعمكم. فإن قالوا: قال الشاعر: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا قلنا: وهذا دليل عليكم أيضاً وليس لكم؛ لأن الشاعر يريد أن الكلام المعتبر هو الذي يخرج من القلب، ولكنه لا يسمى كلاما ولا يضاف إلى الإنسان حتى يقوم عليه الدليل، والدليل لا يكون إلا باللسان الذي ينطق فيسمع، ويكون بحروف. هذا إذا تنزلنا وقبلنا أن نوافق على الاستشهاد بهذا البيت، وأما إذا قيل: إن القائل لهذا البيت هو الأخطل، فإنه لا ليل فيه؛ لأن الأخطل من النصارى، وهم يجوزون من الوهميات ما تجيزه العقول، فالنصارى يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، ويقولون: نحن موحدون، وكيف يكون موحد من جعل الإله ثلاثة؟! فهم عندهم خطأ وعندهم ضلال، ولهذا وصفوا بأنهم ضالون، وإن قولا يستشهد له ويستدل له بأقوال النصارى لقول مبني على شفا جرف هار. وعلى كل حال فنحن إذا سلمنا جدلا بالاستدلال بهذا البيت، فهو دليل عليهم لا لهم؛ لأن حقيقة القول أو حقيقة الكلام المعتبر، ما كان في القلب وعبر عنه اللسان، أما الكلام الذي لا يكون في القلب فهذا هذيان، فمثل

стр. 177

كلام النائم، أو المخرف البالغ من الكبر عتيا، لا يمكن أن نقول عنه انه كلام! فمراد الشاعر: أن الكلام المعتبر هو الذي يكون في القلب، ثم يعبر عنه اللسان، ويدل عليه (إنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا) . وعلى ذلك فإن الأشاعرة يخالفون أهل السنة في الكلام من وجوه: أولاً: أنه معنى وليس بحرف وصوت. ثانياً: أنه لازم لذات الله، ولا يتعلق بمشيئته وإرادته - وأهل السنة والجماعة يقولون: إنه متعلق بمشيئته وإرادته، فمتى شاء تكلم، ومتى شاء لم يتكلم. وإذا قال قائل: على أي شيء بنى المعتزلة والأشاعرة قولهم؟ نقول: أما المعتزلة فبنوا قولهم على نفي الصفات عن الله؛ لأنهم ينفون صفة الكلام، وينفون أنه يتكلم. فهم يثبتون الأسماء ولا يثبتون الصفات. وأما الأشاعرة فبنوا قولهم على امتناع قيام الحوادث بالله، وقالوا: الشيء الحادث الذي يقوم بالمشيئة لا يقوم بالله أبدا، قالوا: لأن الحادث لا يقوم إلا بحادث، فإذا قامت بالله الحوادث لزم من ذلك أن يكون حادثا، وهذا لا شك أنه خطأ. أما مذهب المعتزلة والجهمية فظاهر خطؤه؛ لأنهم ينكرون جميع الصفات، ونحن نثبت لله جميع ما أثبته لنفسه. وأما الأشعرية فنقول: من قال:، إن الحادث لا يقوم إلا بحادث؟! فقد يقوم الحادث بالقديم أي بالأزلي الأبدي، وهذا من كمال الله، أن يكون فعله متعلقا بمشيئته، وان يحدث من أمره ما شاء، ونقول لهم: ماذا تقولون في قوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يّس: ٨٢)

стр. 178

فالآية واضحة، بأنه عند إرادة الشيء يقول له كن فيكون. والفاء في قوله: (كُنْ فَيَكُونُ) تدل على الترتيب والتعقيب، إذا فالأمر بالكون سابق للكون، لكنه مقارن يعني: متصل به (كُنْ فَيَكُونُ) . فإن ادعوا أن المراد: يقول في الأزل: كن. فالجواب أن هذا خلاف الظاهر؛ لأن (كُنْ فَيَكُونُ) تدل على أن هذه عقب هذه، وهذا يستلزم أن يكون قوله حادثا عند وجود ما أراده . مسألة: قال الأشاعرة: إن القرآن جاء به جبريل إلى محمد ﵊، وإذا جعلتموه صفة من صفات الله فكيف تنفك الصفة عن الموصوف؟ والجواب على هذا يسير؛ فأنا عندما أقول لشخص ما: بلغ فلانا بكذا وكذا، فالكلام كلامي أنا، وأما هذا فهو مبلغ فقط، فالكلام إنما يضاف إلى من قاله مبتدئا، لا إلى من قاله مبلغاً. وهذا الكلام - أصلا - هو كلام الله، لكن تكلم جبريل به هذا مخلوق، إما المتكلم به فهو كلام الله، فعندما أقرأ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة: ٢) (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (الفاتحة: ٣) (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (الفاتحة: ٤) فصوتي هذا مخلوق، لكن ما أصوت به هو صفة الله غير مخلوق ولهذا وصف الله القرآن بأنه قول محمد ﷺ وقول جبريل، ولا يمكن أن يكون قولا من قائلين؛ فقال تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) (التكوير: ١٩) (ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) (التكوير: ٢٠) ، والمراد بالرسول هنا جبريل، وقال تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) (الحاقة: ٤٠) (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ)

стр. 179

(الحاقة: ٤١)) ، والمراد بالرسول هنا محمد ﷺ ، فأضاف الله تعالى القول إلى محمد ﷺ مرة، وأضافه مرة أخرى إلى جبريل. ومن المعلوم انه قول القائل الأول له؛ وهو الله وليس محمدا ﷺ ولا جبريل؛ ويبين ذلك قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الشعراء: ١٩٢) (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) (الشعراء: ١٩٣)) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) (الشعراء: ١٩٤) ، وتنزيل رب العالمين هذا هو الأول من الثلاثة. إذا فالكلام يضاف إلى أول من قاله، فلو قلت: (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل) . فالذي قال هذا الكلام هو امرؤ القيس، وأنا قلت هذا الآن، لكنني قلته إما مبلغ إن كنت قد أمرت بتبليغه، وإما حاكيا إن لم أؤمر بتبليغه. ثالثاً: قال: (والبصر) ، يعني وله البصر، والبصر هو رؤية الأشياء، وقد أثبت الله في كتابه أنه بصير بما يعمل العباد، وأخبر النبي ﵊ أن لله بصراً في قوله: ((حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) (١) ، وعلى هذا فالبصر ثابت لله تعالى بالكتاب والسنة. لكن هذا الحديث الذي ذكرناه هو بصر الرؤية، إما بصر العلم فيستفاد من الآية، ولهذا نقول: إن بصر الله نوعان: بصر رؤية، وبصر علم، وكلاهما يشمله قوله تعالى: (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (آل عمران: الآية ١٥) وقوله: (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (الحجرات: الآية ١٨) وما أشبه ذلك من الآيات، فإن هذا البصر شامل لبصر العلم وبصر الرؤية.

стр. 180

أما قوله ﵊: ((لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) ، فإنه يختص ببصر الرؤية، وعلى كل حال فالبصر ثابت لله ، وهو من الصفات الذاتية التي لم يزل ولا يزال متصفا بها، فهو لم يزل ولا يزال عليما، ولم يزل ولا يزال بصيرا بخلقه ، أي يبصرهم. ولا يلزم من البصر العين، ولولا النصوص الدالة على ثبوت العين لم يجز أن نثبتها بثبوت البصر، ولهذا كانت الأشاعرة يثبتون لله البصر ولا يثبتون له العين، فيقولون: إن الله يرى لكن لا بعين، فالعين لها نصوصها الدالة عليها والبصر له نصوصه الدالة عليه. فإذا قال قائل: هل يمكن عقلا أن يرى بلا عين أو أن يحصل البصر بلا عين؟ فالجواب: نعم يمكن، فقد قال الله تعالى عن الأرض: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) (الزلزلة: ٤) أي تخبر بما عمل الناس عليها، وعمل الناس قد يكون فعلا يرى، وقد يكون قولا يسمع، فالأرض تسمع بلا إذن وترى بلا عين، والله على كل شيء قدير. وعلى كل حال فإننا نثبت لله البصر؛ بصر العلم وبصر الرؤية، ونرى أنه من الصفات الذاتية التي لم يزل ولا يزال الله متصفا بها. رابعا: السمع: قال: (سمع) ، وهذه معطوفة على قوله: الحياة، لكنها بإسقاط حرف العطف لضرورة النظم والسمع الذي أثبته الله لنفسه نوعان: سمع إدراك المسموع، وسمع إجابة المسموع. وهناك فرق بين الإدراك وبين الإجابة، قال الله تعالى: (وَلا تَكُونُوا
следующие страницы →