بالحروف.
ثم إننا نقول لهم: أي فرق بين العلم والكلام على ما زعمتم، لأن حقيقة الأمر أنه إذا كان الكلام هو ما قدره الله في نفسه صار معناه العلم، فلا فرق بن العلم والكلام على زعمكم.
فإن قالوا: قال الشاعر:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا
قلنا: وهذا دليل عليكم أيضاً وليس لكم؛ لأن الشاعر يريد أن الكلام المعتبر هو الذي يخرج من القلب، ولكنه لا يسمى كلاما ولا يضاف إلى الإنسان حتى يقوم عليه الدليل، والدليل لا يكون إلا باللسان الذي ينطق فيسمع، ويكون بحروف.
هذا إذا تنزلنا وقبلنا أن نوافق على الاستشهاد بهذا البيت، وأما إذا قيل: إن القائل لهذا البيت هو الأخطل، فإنه لا ليل فيه؛ لأن الأخطل من النصارى، وهم يجوزون من الوهميات ما تجيزه العقول، فالنصارى يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، ويقولون: نحن موحدون، وكيف يكون موحد من جعل الإله ثلاثة؟! فهم عندهم خطأ وعندهم ضلال، ولهذا وصفوا بأنهم ضالون، وإن قولا يستشهد له ويستدل له بأقوال النصارى لقول مبني على شفا جرف هار.
وعلى كل حال فنحن إذا سلمنا جدلا بالاستدلال بهذا البيت، فهو دليل عليهم لا لهم؛ لأن حقيقة القول أو حقيقة الكلام المعتبر، ما كان في القلب وعبر عنه اللسان، أما الكلام الذي لا يكون في القلب فهذا هذيان، فمثل
стр. 177
كلام النائم، أو المخرف البالغ من الكبر عتيا، لا يمكن أن نقول عنه انه كلام!
فمراد الشاعر: أن الكلام المعتبر هو الذي يكون في القلب، ثم يعبر عنه اللسان، ويدل عليه (إنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا) .
وعلى ذلك فإن الأشاعرة يخالفون أهل السنة في الكلام من وجوه:
أولاً: أنه معنى وليس بحرف وصوت.
ثانياً: أنه لازم لذات الله، ولا يتعلق بمشيئته وإرادته - وأهل السنة والجماعة يقولون: إنه متعلق بمشيئته وإرادته، فمتى شاء تكلم، ومتى شاء لم يتكلم.
وإذا قال قائل: على أي شيء بنى المعتزلة والأشاعرة قولهم؟
نقول: أما المعتزلة فبنوا قولهم على نفي الصفات عن الله؛ لأنهم ينفون صفة الكلام، وينفون أنه يتكلم. فهم يثبتون الأسماء ولا يثبتون الصفات.
وأما الأشاعرة فبنوا قولهم على امتناع قيام الحوادث بالله، وقالوا: الشيء الحادث الذي يقوم بالمشيئة لا يقوم بالله أبدا، قالوا: لأن الحادث لا يقوم إلا بحادث، فإذا قامت بالله الحوادث لزم من ذلك أن يكون حادثا، وهذا لا شك أنه خطأ.
أما مذهب المعتزلة والجهمية فظاهر خطؤه؛ لأنهم ينكرون جميع الصفات، ونحن نثبت لله جميع ما أثبته لنفسه.
وأما الأشعرية فنقول: من قال:، إن الحادث لا يقوم إلا بحادث؟! فقد يقوم الحادث بالقديم أي بالأزلي الأبدي، وهذا من كمال الله، أن يكون فعله متعلقا بمشيئته، وان يحدث من أمره ما شاء، ونقول لهم: ماذا تقولون في قوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يّس: ٨٢)
стр. 178
فالآية واضحة، بأنه عند إرادة الشيء يقول له كن فيكون.
والفاء في قوله: (كُنْ فَيَكُونُ) تدل على الترتيب والتعقيب، إذا فالأمر بالكون سابق للكون، لكنه مقارن يعني: متصل به (كُنْ فَيَكُونُ) .
فإن ادعوا أن المراد: يقول في الأزل: كن. فالجواب أن هذا خلاف الظاهر؛ لأن (كُنْ فَيَكُونُ) تدل على أن هذه عقب هذه، وهذا يستلزم أن يكون قوله حادثا عند وجود ما أراده .
مسألة:
قال الأشاعرة: إن القرآن جاء به جبريل إلى محمد ﵊، وإذا جعلتموه صفة من صفات الله فكيف تنفك الصفة عن الموصوف؟ والجواب على هذا يسير؛ فأنا عندما أقول لشخص ما: بلغ فلانا بكذا وكذا، فالكلام كلامي أنا، وأما هذا فهو مبلغ فقط، فالكلام إنما يضاف إلى من قاله مبتدئا، لا إلى من قاله مبلغاً.
وهذا الكلام - أصلا - هو كلام الله، لكن تكلم جبريل به هذا مخلوق، إما المتكلم به فهو كلام الله، فعندما أقرأ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة: ٢) (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (الفاتحة: ٣) (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (الفاتحة: ٤) فصوتي هذا مخلوق، لكن ما أصوت به هو صفة الله غير مخلوق
ولهذا وصف الله القرآن بأنه قول محمد ﷺ وقول جبريل، ولا يمكن أن يكون قولا من قائلين؛ فقال تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) (التكوير: ١٩) (ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) (التكوير: ٢٠) ، والمراد بالرسول هنا جبريل، وقال تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) (الحاقة: ٤٠) (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ)
стр. 179
(الحاقة: ٤١)) ، والمراد بالرسول هنا محمد ﷺ ، فأضاف الله تعالى القول إلى محمد ﷺ مرة، وأضافه مرة أخرى إلى جبريل.
ومن المعلوم انه قول القائل الأول له؛ وهو الله وليس محمدا ﷺ ولا جبريل؛ ويبين ذلك قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الشعراء: ١٩٢) (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) (الشعراء: ١٩٣)) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) (الشعراء: ١٩٤) ، وتنزيل رب العالمين هذا هو الأول من الثلاثة.
إذا فالكلام يضاف إلى أول من قاله، فلو قلت: (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل) . فالذي قال هذا الكلام هو امرؤ القيس، وأنا قلت هذا الآن، لكنني قلته إما مبلغ إن كنت قد أمرت بتبليغه، وإما حاكيا إن لم أؤمر بتبليغه.
ثالثاً: قال: (والبصر) ، يعني وله البصر، والبصر هو رؤية الأشياء، وقد أثبت الله في كتابه أنه بصير بما يعمل العباد، وأخبر النبي ﵊ أن لله بصراً في قوله: ((حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) (١) ، وعلى هذا فالبصر ثابت لله تعالى بالكتاب والسنة.
لكن هذا الحديث الذي ذكرناه هو بصر الرؤية، إما بصر العلم فيستفاد من الآية، ولهذا نقول: إن بصر الله نوعان: بصر رؤية، وبصر علم، وكلاهما يشمله قوله تعالى: (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (آل عمران: الآية ١٥) وقوله: (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (الحجرات: الآية ١٨) وما أشبه ذلك من الآيات، فإن هذا البصر شامل لبصر العلم وبصر الرؤية.
стр. 180
أما قوله ﵊: ((لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) ، فإنه يختص ببصر الرؤية، وعلى كل حال فالبصر ثابت لله ، وهو من الصفات الذاتية التي لم يزل ولا يزال متصفا بها، فهو لم يزل ولا يزال عليما، ولم يزل ولا يزال بصيرا بخلقه ، أي يبصرهم.
ولا يلزم من البصر العين، ولولا النصوص الدالة على ثبوت العين لم يجز أن نثبتها بثبوت البصر، ولهذا كانت الأشاعرة يثبتون لله البصر ولا يثبتون له العين، فيقولون: إن الله يرى لكن لا بعين، فالعين لها نصوصها الدالة عليها والبصر له نصوصه الدالة عليه.
فإذا قال قائل: هل يمكن عقلا أن يرى بلا عين أو أن يحصل البصر بلا عين؟
فالجواب: نعم يمكن، فقد قال الله تعالى عن الأرض: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) (الزلزلة: ٤) أي تخبر بما عمل الناس عليها، وعمل الناس قد يكون فعلا يرى، وقد يكون قولا يسمع، فالأرض تسمع بلا إذن وترى بلا عين، والله على كل شيء قدير.
وعلى كل حال فإننا نثبت لله البصر؛ بصر العلم وبصر الرؤية، ونرى أنه من الصفات الذاتية التي لم يزل ولا يزال الله متصفا بها.
رابعا: السمع: قال: (سمع) ، وهذه معطوفة على قوله: الحياة، لكنها بإسقاط حرف العطف لضرورة النظم
والسمع الذي أثبته الله لنفسه نوعان: سمع إدراك المسموع، وسمع إجابة المسموع.
وهناك فرق بين الإدراك وبين الإجابة، قال الله تعالى: (وَلا تَكُونُوا
стр. 181
كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) (الأنفال: ٢١) ، (سَمِعْنَا) ، أي: سمع إدراك، (وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) أي سمع استجابة، في قوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُك) (المجادلة: ١) هنا سمع إدراك، وفي قوله تعالى: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) (إبراهيم: الآية ٣٩) ، أي سمع استجابة، وفي قول المصلي: سمع الله لمن حمده. سمع الأمرين جميعاً، يعني يسمع ويجيب من حمده بالإثابة.
إذا فسمع الله ينقسم إلى قسمين؛ سمع إدراك وسمع استجابة، لكن هل هما من الصفات الذاتية؟
أما سمع الإدراك فهو من الصفات الذاتية، وأما سمع الاستجابة فهو من الصفات الفعلية؛ لأنه إن شاء استجاب وإن شاء لم يستجب.
فأولوا الألباب الذين يقولون: (رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا) (آل عمران: الآية ١٩٣) ، قال الله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ) (آل عمران: الآية ١٩٥) ، (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر: الآية ٦٠) ، فالاستجابة حصلت بعد الدعاء، وكل شيء يكون له سبب من صفات الله فهو من الصفات الفعلية.
إذا فسمع الاستجابة من الصفات الفعلية، فمن استجاب الله له فقد سمعه، لكن سمع الإدراك من الصفات الذاتية، لكن الحادث هو المسموع لا السمع، فأنا مثلا اسمع الصوت الآن ولكن سمعي موجود من قبل، أي أن هذا الصوت المعين حادث، ولكن القوة السمعية موجودة في من قبل هذا الصوت، فقد تكون الصفة قديمة ومتعلقها حادث ولا مانع.
قال العلماء ﵏: والسمع بمعنى الإدراك ينقسم إلى عدم أقسام: سمع عام لكل شيء، فهذا يشمل المؤمن والكافر، وما يرضاه الله وما لا
стр. 182
يرضاه ومثاله قوله تعالى: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: الآية ٢٢٤) هذا عام يشمل كل شيء.
وسمع خاص مقتضاه النصر والتأييد، وهذا السمع الخاص له أمثلة في كتاب الله، مثل قوله تعالى لموسى وهارون: (قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (طه: ٤٦)) فليس المراد هنا أن الله تعالى يسمعهما ويراهما مجرد سمع ورؤية، بل المراد أسمع وأرى فانتصر لكما، فهذا السمع مقتضاه النصر والتأييد.
وقد يكون للتهديد والوعيد مثل قوله تعالى: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا) (آل عمران: الآية ١٨١) ، وقوله تعالى: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) (الزخرف: ٨٠)) .
فصار السمع الخاص قد يكون مقتضاه النصر التأييد، وقد يكون مقتضاه الوعيد والتهديد.
فإذا قال قائل: ما هو الضابط لما يقتضيه هذا وهذا؟
فالجواب: أن الضابط: القرائن، فقرائن الأحوال، وسياق الكلام، تدل على أن مقتضاه كذا أو كذا.
خامسا: (إرادة) : بالرفع عطفا على الحياة، بإسقاط حرف العطف لضرورة النظم.
فقوله إرادة: يعني أن الله له الإرادة، ودليل ذلك قوله تعالى: (وقوله تعالى: (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (البروج: ١٦) وقول الله تعالى (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُم)
стр. 183
(النساء: ٢٧) : (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (النساء: الآية ٢٦) والآيات في الإرادة كثيرة.
قال أهل العلم ﵏: والإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية: وهي التي بمعنى المشيئة، وإرادة شرعية: وهي التي بمعنى المحبة.
مثال الإرادة الشرعية: قوله تعالى: ((وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) (النساء: الآية ٢٧)) فهذه بمعنى المحبة وليست بمعنى المشيئة؛ لأنها لو كانت بمعنى المشيئة لتاب الله على جميع الناس، لكنها بمعنى المحبة فتتعلق بمشيئته إن شاء تاب، وإن شاء لم يتب. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) (البقرة: الآية ١٨٥) .
ومثال الإرادة الكونية التي بمعنى المشيئة قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) (الحج: الآية ١٤) ، أي ما يشاء، بدليل قوله تعالى في الآية الثانية: (وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) (إبراهيم: الآية ٢٧)
ومن أمثلة الإرادة الكونية أيضاً قوله تعالى: (إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ) (هود: الآية ٣٤) فالإرادة هنا كونية؛ لأن الله تعالى لا يريد شرعا أن يغوي عباده، بل يريد شرعا أن يهديهم، قال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (النساء٢٦) (والله يُرِيدُ أن َيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) (النساء: الآية ٢٧) .
فالإرادة إذا قسمان: كونية وشرعية.
والفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية من حيث الحكم من وجهين:
الوجه الأول: أن الإرادة الكونية يلزم فيها وقوع المراد، والإرادة الشرعية لا يلزم فيها وقوع المراد، فقد يريد الله الشيء شرعا ولا يقع.
стр. 184
الوجه الثاني: الإرادة الشرعية لا تكون إلا فيما يحبه الله، والإرادة الكونية تكون فيما يحبه وما لا يحبه. فمثلا الإيمان والعمل الصالح مراد لله شرعا لا كونا؛ لأن من الناس من لم يؤمن ومن لم يعمل صالحا، ولو كان مرادا لله كونا وقدرا للزم أن يؤمن الناس كلهم ويعملوا صالحا.
فإذا قال قائل: الكفر الواقع من بني آدم هل هو مراد لله؟
فنقول: مراد كونا لا شرعا؛ فمراد كونا لأنه واقع، وكل شيء يقع فهو مراد لله (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يّس: ٨٢) ، فهو مراد كوناً غير مراد شرعاً؛ لأن الله لا يريد من عباده الكفر، وإنما يريد منهم الإيمان.
ونمثل ذلك بالأشخاص فكفر أبي جهل مراد كونا، والدليل على أنه مراد كونا لأنه واقع، وكل شيء واقع فهو مراد كونا لا إشكال فيه، وليس هو مرادا شرعا؛ لأن الله لا يحبه، وإذا كان الله لا يحب شيئا فإنه وإن وقع غير مراد لله شرعاً.
وإيمان أبي بكر ﵁، مراد كونا لوقوعه، ومراد شرعا لأنه محبوب إلى الله ؛ لأنه كما قلنا كل شيء واقع فهو مراد كونا، وإيمان أبي بكر واقع فهو مراد كونا.
وإيمان أبي لهب - أي تقديراً - مراد شرعاً لا كوناً؛ لأنه لم يقع، فمراد شرعاً لأن الله يحب منه الإيمان؛ لأنه محبوب إلى الله .
وقد ذكرنا فيما سبق أن كفر أبي جهل مراد كونا لوقوعه، غير مراد شرعا لأن الله لا يحبه. وذكرنا أيضاً أن إيمان أبي لهب مراد شرعا لأن الله يحبه، غير مراد كونا لأنه لم يقع.
стр. 185
وهنا يرد علينا إشكال، وهو كيف يكون الشيء مرادا لله كونا وهو لا يحبه؟ وهل أحد يكرهه على أن يوقع ما لا يحب؟ وقد أجاب بعض المعتزلة فقال: كل ما وقع فهو مراد لله كونا وشرعا، حتى المعاصي قالوا: إن الله أرادها شرعا، ولكن هذا فيه إشكال
والجواب السديد في مثل هذه المسألة أن يقال: إن الله يكره كفر هذا الكافر ولم يكرهه أحد على أن يوقع شيئا يكرهه، لكن هذا الشيء مكروه لذاته محبوب لغيره، فالكفر الواقع هنا مكروه لذاته محبوب لغيره. ويكون الشيء محبوبا مكروها باعتبارين، لا باعتبار واحد فهذا ممتنع.
مثال ذلك: أنك ترى الرجل يأتي بالحديدة محماة حمراء من النار ليكوي بها ابنه المريض، لكن كيه لابنه ليس مرادا لذاته، بل مراد لغيره، ولهذا تجده محبوبا له مكروها، محبوبا من وجه، مكروها من وجه؛ من وجه إيلامه لابنه مكروه، ومن وجه أنه سبب لشفائه، محبوب.
وكذلك الكفر واقع بإرادة الله ، مكروه إلى الله لذاته، محبوب إليه لغيره. فلولا الكفر ما عرف الإيمان، ولولا الكفر لم يكن جهاد، ولولا الكفر لم يكن امتحان، ولولا الكفر لكان خلق النار عبثا، إلى غير ذك من المصالح العظيمة التي أراد الله أن يقع الكفر بحكمته، ولهذا قال عمر: ((لا ينقض الإسلام عروة عروة إلا من لم يدخل في الكفر) ، يعني أن من عرف قدر الإسلام لا ينقضه، ولا يعرف قدر الإسلام إلا إذا كان قد دخل في الكفر، فبضدهما تبين الأشياء.
وهكذا الله يوقع في عباده ما يكرهه لكن من أجل مصلحة
стр. 186
أخرى أعظم من إيقاعه وذلك مثل قوله تعالى في الحديث القدسي: ((ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره إساءته ولابد له منه) (١) ، فهذا مما يكرهه الله كونا لا شرعا، لكنه يوقعه لما له من المصالح العظيمة، فإنه لابد من الموت حتى يجازي الإنسان بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
فالحاصل أن نقول جوابا على هذا الإيراد الشائك: إن هذا المكروه إلى الله مكروه إليه لذاته محبوب إليه لغيره فهو مكروه محبوب من وجهين.
سادسا: قال: (وعلم) ، أي من صفات الله تعالى العلم، والعلم صفة كمال، ولهذا يمتدح به الإنسان، ويكره أن يوصف بضده، فلو قلت لشخص: يا جاهل، وأنت من أعلم الناس قال لك: أنت الجاهل؛ لأنه يرى أن وصفه بالجهل عيب وقدح ومسبة لابد أن ترد.
فالعلم صفة كمال بلا شك، وعلم الله شامل لكل شيء، حاضرا ومستقبلا وماضيا، قال الله : (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) (الطلاق: الآية ١٢) ، وقال تعالى عن الملائكة: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْما) (غافر: الآية ٧) ، وقال تعالى: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة: الآية ٢٩) .
وكذلك أيضاً علم الله تعالى محيط بكل شيء تفصيلا، قال الله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)
стр. 187
(الأنعام: ٥٩) .
وعلمه شامل لما يتعلق بفعله وما يتعلق بفعل عباده، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) (قّ: الآية ١٦) ، وقال تعالى: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (التغابن: الآية ٤) ، وقال تعالى: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (البقرة: الآية ٢٨٣) فعلم الله شامل لكل ما يعمله العبد.
إذاً علم الله ثابت له بالكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين، والنظر الصحيح.
بالكتاب: وما أكثر الآيات التي تصف الله بالعلم.
والسنة كذلك مملوءة بما يدل على أن الله تعالى بكل شيء عليم، كما في حديث الاستخارة وغيره.
وإجماع المسلمين ثابت بأن الله بكل شيء عليم
والنظر الصحيح يدل عليه، قول الله تعالى مستدلا على علمه بدلالة عقلية: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك: ١٤) ، فالخالق لابد أن يكون عالما بمخلوقه، وعالما بخلقه كيف يخلق.
فالعلم دل عليه القرآن والسنة والإجماع والعقل جملة وتفصيلا.
سابعا: قال: (واقتدر بقدرة تعلقت بممكن) ، يعني من صفات الله تعالى القدرة، وقال: اقتدر، من باب المبالغة وهي أبلغ من قدر؛ لأن اقتدر تدل على صفة ذاتية لازمة، قال الله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ) (القمر: ٥٤) (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) (القمر: ٥٥) ، وقال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: الآية ٢٠) ، والآيات في هذا كثيرة.
стр. 188
وقدرة الله تعالى قدرة مقرونة بالقوة، فهو القوي القادر، بخلاف المخلوق فإن قدرته محدودة، وقد تكون قدرة بقوة، وقد تكون قدرة بلا قوة.
لكن المؤلف ﵀ قيد القدرة حيث قال: (تعلقت بممكن) ، وتعلقت بالواجب أيضاً من باب أولى، ولم تتعلق بالمستحيل؛ لأن المستحيل ليس بشيء، فضلا عن أن يكون مقدورا عليه.
لكن المستحيل الذي يتصور ذهننا أنه مستحيل: مستحيل لذاته، ومستحيل لغيره.
أما المستحيل لذاته فهو مستحيل لا يمكن، فلو أن أحداً قال هل الله قادر على أن يخلق مثله؟ لقلنا: هذا مستحيل، لكن الله قادر على أن يخلق خلقا أعظم من الخلق الذي نعلمه الآن، ونحن نعلم أن أعظم مخلوق نعلمه هو العرش، فهو أعظم من كل شيء من المخلوقات التي نعلمها، ومع ذلك نعلم أن الله قادر على أن يخلق أعظم من العرش، لكن الشيء المستحيل لذاته هذا غير ممكن.
كذلك نحن نعلم أنه يستحيل في العادة - وليس لذاته - أن يقع خسوف القمر في أول الشهر، فهذا مستحيل حسب العادة، ونعلم أيضاً أنه لا يمكن أن يهل الهلال ثم تخسف الشمس بعد غروبه، فهذا نعلم علم اليقين أنه لن يكون، لكن لغيره، أي حسب ما أجرى الله العادة، وإلا فإن الله قادر على أن يكسف القمر في أول الشهر وعلى أن يهل الهلال ثم تخسف الشمس بعد غروبه.
стр. 189
وظهور الهلال لا يمكن أن يكون قبل خسوف الشمس، بمعنى أنه إذا خسفت الشمس في ليلة قلنا: إنها أول ليلة في الشهر، فهذا شيء مستحيل؛ لأن من المعلوم أن كسوف الشمس سببه - الذي جعله الله سببا كونيا - حيلولة القمر بين الشمس والأرض، وحيلولة القمر بين الشمس والأرض يمنع أن يهل الهلال قبل الخسوف؛ لأنه إذا هل الهلال قبل الخسوف لا يمكن أن يتجاوز ثم يحول بين الشمس والأرض؛ لأن المعلوم أن القمر يتأخر عن الشمس.
فسبب الخسوف الذي جعله الله سببا للخسوف في العادة. هو: حيلولة القمر بين الشمس والأرض إذا فهل الشمس سبقت في هذا الحال أو لم تسبق؟ الجواب: أنها لم تسبقه. لأنها لو سبقته لم يكن خسوف، وإذا هل الهلال لزم أن تكون الشمس قد سبقت الهلال؛ لأن الهلال لا يكون هلالا إلا بعد غروب الشمس.
وإذا كان الشمس قد سبقت هل يمكن الخسوف؟ لا يمكن أبدا؛ لأن القمر لا يمكن بعد أن تأخر عن الشمس أن يذهب بسرعة حتى يكون تحتها، هذا مستحيل لغيره؛ يعني: مستحيل حسب ما أجرى الله العادة
لكن الله قادر على أن يحبس الشمس ويسرع في سير القمر حتى يخسف بعد الغروب.
إذاً قول المؤلف ﵀: ((تعلقت بممكن) نقول: ضده المستحيل، فالمستحيل لا تتعلق به القدرة؛ لأنه على اسمه مستحيل، ولكن يجب أن نعلم - حتى لا يتوهم واهم إننا خصصنا ما عممه أو قيدنا ما أطلقه - أن المستحيل نوعان: مستحيل لذاته ومستحيل لغيره.
стр. 190
فالمستحيل لذاته: لا يمكن أن تتعلق به القدرة، كما مثلنا وقلنا: لو قال قائل: هل يقدر الله أن يخلق مثله؟
قلنا: هذا مستحيل لذاته، لأن المماثلة مستحيلة، وأدنى ما نقول في ذلك: أن هذا مخلوق والرب خالق، فتنتفي المماثلة على كل حال.
والمستحيل لغيره: بمعنى أن الله تعالى أجرى هذا الشيء على هذه العادة المستمرة التي يستحيل أن تنخرم، ولكن الله قادر على أن يخرمها، فهذا نقول إن القدرة تتعلق به، فيمكن للشيء الذي نرى أنه مستحيل بحسب العادة أن يكون جائزا واقعاً بحسب القدرة، وهذا الشيء كثير، فكل آيات الأنبياء الكونية من هذا الباب (المستحيل لغيره) ؛ فانشقاق القمر للرسول ﵊ مستحيل لغيره، لكن غير مستحيل لذاته لأنه وقع، والله قادر على أن يشق القمر نصفين، بل قادر على أن يشق الشمس نصفين.
ونحن - مثلا - نرى أن من المستحيل أن تنزل الشمس حتى تحاذي منارة المسجد، ومن ادعى ذلك كذبناه، وقلنا: هذا مستحيل. لكن لابد أن نعلم أن هذا مستحيل لغيره لا لذاته، أي أنه مستحيل حسب ما أجرى الله العادة، لكن الله قادر على أن ينزل الشمس حتى تحاذي المنارة، بل ودون المنارة، فإنها يوم القيامة تكون على رؤوس الناس بقدر ميل، بقدرة الله.
فعبارة المؤلف ﵀: (تعلقت بممكن) تحتاج إلى بيان، فإن ظاهر كلامه أن القدرة لا تتعلق بالمستحيل، ونحن نقول: لابد في ذك من التفصيل، فالمستحيل لذاته لا تتعلق به القدرة لأنه ليس موجودا، ولا يمكن أن يوجد، ولا يفرضه الذهن، كما انه لا يمكن أن يكون الشيء متحركا ساكنا في آن واحد؛ لأنه إن كان متحركاً فليس بساكن، وإن كان ساكناً فليس
стр. 191
بمتحرك.
أما المستحيل لغيره - يعني الذي يكون بحسب العادة غير ممكن - فهذا تتعلق به القدرة، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، فإن كل آيات الأنبياء الكونية من هذا الباب، فلو أن أحداً من الناس قال: أنا اضرب هذا الحجر ضربة بعصاي فينفلق اثنتي عشرة عينا لقلنا: هذا مستحيل حسب العادة، فلو ضرب الحجر بعصا من حديد حتى يتفتت الحجر ما أتى باثنتي عشرة عينا، لكن هذا مستحل لغيره وليس مستحيلا لذاته، لأن الله تعالى جعله لموسى ﵊.
كذلك أن تصير العصا حية، هذا لا يمكن حتى في السحر؛ لأنه إنما تكون حية بالسحر حسب نظرنا وليس حقيقة، لكن يمكن أن تكون العصا حية حقيقة حسب قدرة الله تعالى، فكون العصا حية مستحيل لغيره لا لذاته، لكنه لقدرة الله ليس مستحيلا.
ولهذا كان عصا موسى ﵊ ينقلب حية حقيقية تلقف وتأكل.
وكذلك فإن الإنسان مخلوق من الطين، فلو صنع شخص تمثالا على شكل طير وقام ينفخ فيه، وقال: صار طيرا وطار، فإننا لن نصدقه؛ لأن هذا مستحيل حسب العادة، لكنه مستحيل لغيره، وأما حسب القدرة فليس بمستحيل؛ لأنه غير مستحيل لذاته، ولهذا جعله الله آية لعيسى ﵊؛ يخلق تمثالا على شكل الطير ثم ينفخ فيه فيطير.
стр. 192
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٣٨- والعلم والكلام قد تعلقا ... بكل شيء يا خليلي مطلقا
ــ
الشرح
لما بين المؤلف ﵀ هذه الصفات السبع، وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والإرادة، والكلام، بين متعلقات هذه الصفات، أما الحياة فلم يذكر متعلقاً لها كما سيأتي إن شاء الله أنه لا متعلق لها؛ لأنها لا تتعدى.
وأما القدرة: فقال المؤلف ﵀:
بقدرة تعلقت بممكن ... كذا إرادة فع واستبن
وسبق لنا أن قوله: (بممكن) يخرج به المستحيل، وذكرنا أن المستحيل نوعان، مستحيل لذاته ومستحيل لغيره.
فخلق عيسى ﵊ من غير أب أمر مستحيل في العادة، فلا يمكن أن يوجد ولد بلا أب، وكذلك خلق ولد بلا أم، فإن ذلك مستحيل في العادة، فما من ولد إلا وله أم، ولكن في حواء صار لها أب وليس لها أم.
كذلك أيضاً يستحيل في العادة أن يوجد بشر بلا أم ولا أب، ولكن هذا مستحيل لغيره، ولو شاء الله أن يخلقه لخلقه.
стр. 193
ثم أليس الناس إذا دفنوا في القبور فإن الأرض تأكل أجسامهم كلها إلا عجب الذنب ومع ذلك يتكون من هذا التراب البشر مرة أخرى، وآدم ﵊ كان خلقه من الطين، وهذا مستحيل لغيره حسب العادة ولكن الله قادر عليه.
قوه: (كذا إرادة) ، يعني كذلك الإرادة تتعلق بالممكن أما المستحيل فلا يمكن. فالمستحيل لذاته لا يمكن أن يريده الله؛ لأن هذه الإرادة عبث والله منزه عن العبث، فلو قال قائل مثلا: إن الله يريد هذا الشيء أن يكون متحركا ساكنا، لأجيب بأن الله لا يريد هذا؛ لأنه متى كان الشيء متحركا لم يكن ساكنا، ومتى كان ساكنا لم يكن متحركا، وليس المراد أنه يكون متحركا ثم يسكن أو ساكناً ثم يتحرك فهذا ممكن.
فالإرادة إذاً تتعلق بالممكن، ولهذا نقول: إن الله إذا أراد أمراً فإنما يقول له: كن فيكون، وهذا يدل على أن الإرادة تكون في الأشياء الممكنة، التي يمكن أن يفعلها الله .
قال: (والعلم والكلام قد تعلقا بكل شيء) ، يعني: أن الله يمكن أن يتكلم بالشيء المستحيل، ويعلم بالشيء المستحيل، فالله يقول: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) (الأنبياء: الآية ٢٢) فقال بالمستحيل يعني تكلم عن شيء مستحيل، وكذلك قال تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) (الأنبياء: ٢٢) (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ) (المؤمنون: الآية ٩١) فتكلم بشيء مستحيل.
والعلم أيضاً يتعلق بالمستحيل والدليل قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) (الأنبياء: الآية ٢٢) فهذا خبر يخبر الله فيه أنه لو كان في السماء
стр. 194
والأرض آلهة إلا الله لفسدتا، وهذا خبر عن شيءٍ مستحيل إذاً الكلام يتعلق بالمستحيل.
وكذلك يتعلق بالواجب من باب أولى، فالله تعالى يتكلم بالشيء الواجب، ومما تكلم به من الأمور الواجبة أن الله واحد لا شريك له، قال تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران: ١٨) .
والعلم أيضاً يتعلق بالماضي والمستقبل والحاضر؛ لأن الله بكل شيء عليم. فكل شيء فالله عليم به.
стр. 195
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٣٩- وسمعه سبحانه كالبصر ... بكل مسموع وكل مبصر
ــ
الشرح
أي أن السمع يتعلق بالمسموعات لا بكل شيء، لا يتعلق بالمرئيات، فلا يقال: سمع الله فلانا أي نظر إليه؛ لان السمع يتعلق بالمسموعات. فالأقوال من شأن السمع، والبصر كذلك يتعلق بالمبصرات، فالأفعال، من شأن البصر؛ لأن الفعل يرى ولا يسمع، فالذي يسمع ليس الفعل وإنما هو حركة الفاعل.
إذاً الأفعال من متعلقات البصر، والأقوال من متعلقات السمع؛ ولهذا قال: (وسمعه سبحانه كالبصر بكل مسموع) كالأقوال، (وكل مبصر) كالأفعال.
أما الحياة فلا تتعلق بشيء بائن عن الله ؛ لان الحياة وصف لازم لذاته لا تتعدى لغيره، فلهذا لم يذكر لها المؤلف ﵀ متعلقا.
فهذه سبع صفات ذكرها المؤلف ﵀، ولكنه لم يذكر غيرها؛ لأنها هي الصفات التي اتفق عليها السلف وأهل التأويل من الأشعرية ونحوهم، فلهذا خصها المؤلف بالذكر؛ لأنها محل اتفاق، أما السلف فيثبتون لله تعالى أكثر من هذه الصفات، يثبتون لله كل ما وصف به نفسه من الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والإرادة والكلام والحفظ والرضا والغضب وغير ذلك مما وصف الله به نفسه، لكن الأشاعرة لا يثبتون إلا هذه الصفات السبع فقط؛ لأنهم يرون أن هذه الصفات السبع دل عليها العقل فأثبتوها لدلالة العقل عليها، وأما ما سواها فإن العقل لا يدل عليها فيجب أن تأول.
стр. 196
ثم فصلوا كيف دل عليها العقل فقالوا: الإيجاد دل على القدرة، حيث إن إيجاد الأشياء يدل على قدرة الموجد وهو الله ، والأشياء موجودة فإيجاد الأشياء دليل على القدرة.
وأحكام هذه الأشياء خلقا وصنعا يدل على العلم؛ لأن الجاهل لا يحكم الشيء.
والتخصيص يدل على الإرادة وذلك أن كون هذا ذكر وهذه أنثى، وهذه شمس وهذا قمر، وهذه أرض وتلك سماء، يدل على الإرادة، فأراد الله أن تكون السماء سماء فكانت وأن تكون الأرض أرضا فكانت، وأن يكون الإنسان إنسانا فكان، وأن يكون البعير بعيرا فكان، فالتخصيص يدل على الإرادة، وهذه ثلاث صفات.
ثم قالوا: وهذه الصفات الثلاث لا تقوم إلا بحي، أي من لازم المتصف بهذه الصفات الثلاث أن يكون حيا، فاثبتوا الحياة، فتكون الصفات بذلك أربع.
ثم يقولون: إذا ثبت أنه حي فإما أن يتصف بالسمع والبصر والكلام أو بضد ذلك، وضد ذلك ممتنع، لأن ضد السمع الصمم، وضد الكلام الخرس، وضد البصر العمى، وهذه الصفات صفات عيب لا يمكن أن يتصف بها الخالق، وهذا وجه دلالة العقل على هذه الصفات السبع.
أما الرحمة والرضا والحكمة والوجه واليدان فقالوا: لا نثبت لله رحمة، ولا نثبت لله رضا، ولا نثبت لله حكمة، ولا نثبت لله وجها، ولا نثبت لله يدين؛ لان هذه الصفات لا يدل عليها العقل، وإذا لم يدل عليها العقل فإنه لا يمكن أن نثبتها لله .
стр. 197
ويجاب عليهم بثلاثة أجوبة وهي:
أولا: أن الرجوع إلى العقل في هذه الأمور باطل شرعا وعقلا.
أما شرعا فقال الله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء: الآية ٣٦) ، وقال: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف: ٣٣) .
وأما بطلانه عقلا فلأن هذه الأمور من الأشياء التي تتلقى بالخبر؛ لأن الخالق ليس كمثل الخلق، فلا يجوز عليه ما يجوز عليهم، ولا يمتنع عليه ما يمتنع عليهم، ولا يجب له ما يجب لهم، فهو مخالف للخلق، وإذا كان مخالفا للخلق فلا يحكم الخلق عليه بعقولهم، وكيف يحكم الخلق عليه وهم لم يشاهدوا الله، ولا نظيرا لله؛ فكان في الشرع والعقل ما يبطل الاعتماد على العقل في هذه الأمور.
ثانياً: هب أن العقل لا يدل على سوى هذه الصفات السبع، فقد دل عليها الشرع، وتعدد الدليل جائز عقلا وواقعا، فإذا انتفى أحد الدليلين ثبت المدلول بالدليل الآخر؛ لان انتفاء الدليل المعين لا يستلزم انتفاء المدلول، فقد يكون للمدلول دليل آخر غير الدليل الذي انتفى. فإذا فرضنا جدلا أن العقل لا يدل على هذه الصفات فإن الشرع دل عليها وإذا دل عليها وجب إثباتها.
ثالثاً: أننا يمكننا أن نثبت بالعقل ما نفيتم أن العقل دال عليه، يعني إننا نستدل بالعقل كما استدللتم بالعقل، فنقول: ما نفيتموه قد دل عليه العقل.
مثال ذلك: هذه النعم التي نشاهدها، وهذه النقم التي تندفع عنا مع
стр. 198
وجود أسبابها، فهذه تدل على الرحمة، ونزول المطر من آثار الرحمة، ونبات الأرض من آثار الرحمة، والنوم والراحة من آثار الرحمة، والعلم والرزق من آثار الرحمة، كل ما بنا من نعمة فهي من آثار الرحمة، ودلالة هذه الأشياء على الرحمة عقلا أوضح وأبين من دلالة التخصيص على الإرادة؛ لأن دلالة هذه الأشياء على الرحمة واضحة للعامي والعالم، ودلالة التخصيص على الإرادة لا يفهمها إلا عالم، وكذلك إثابة الطائعين وتعلية منازلهم دليل على الرضا عنهم لا الكراهة لهم؛ لأنه لو كرههم لعاقبهم.
وانتقامه من المجرمين يدل على الغضب، قال تعالى: (فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ) (الزخرف: الآية ٥٥) .
فالمهم أن ما ذكروا أن العقل لا يدل عليه، فإنه يمكننا أن نثبته نحن بدلالة العقل.
لكن إثبات الأشاعرة لهذه الصفات السبع ليس كإثبات أهل السنة لها بل يختلف، فالكلام مثلا عند أهل السنة والجماعة ليس هو الكلام عند الأشاعرة وسبق أن الأشاعرة قالوا في الكلام قولا لا يقوله من له عقل بل قالوا قولا حقيقته نفي الكلام؛ لأنهم قالوا: إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس والمسموع عبارة عن هذا الكلام خلقه الله ليعبر عما في نفسه.
وسبق بيان قولهم والرد عليهم (١) ،
стр. 199
كذلك السمع والبصر يختلف إثباتهم لها عن إثبات أهل السنة والجماعة.
فلهذا نقول: إن مذهب أهل السنة والجماعة مع مذهب الأشاعرة متماثل في عد هذه الصفات السبع وثبوتها. وإن كان يختلف في كيفية إثباتها.
فصارت هذه الصفات الست:
اثنتان منها تتعلقان بكل شيء وهما: العلم والكلام. واثنتان تتعلقان بالممكن وجودا وعدما وهما: القدرة والإرادة. واثنتان تتعلقان بالموجود وهما: السمع والبصر.
стр. 200
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٤٠- وأن ما جاء مع جبريل ... من محكم القرآن والتنزيل
٤١- كلامه سبحانه قديم ... أعيا الورى بالنص يا عليم
ــ
الشرح
لما ذكر المؤلف ﵀ ما ذكر من صفات الله ، وهي الصفات التي اتفق عليها أهل السنة والأشاعرة على خلاف بينهم في الإيمان بهذه الصفات؛ أي في كيفية الإيمان بها، ذكر الكلام على القرآن الكريم فقال: (وأن ما جاء مع جبريل) ويجوز (وأن ما جاء مع جبريل) عطفا على قوله: بأنه واحد، يعني ومن الواجب أن ما جاء مع جبريل من محكم الآيات كلامه، ولعل الكسر أظهر، وإن ما جاء مع جبريل هو من عند الله، كما قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الشعراء: ١٩٢) (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) (الشعراء: ١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ) (الشعراء: الآية ١٩٤) .
قول المؤلف ﵀: (وأن ما جاء مع جبريل) بكسر (جبريل) مع أنه اسم لا ينصرف، والله تعالى يقول: (مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) (البقرة: الآية ٩٨) فجره بالفتحة، ولكن المؤلف هنا جره بالكسرة لضرورة الشعر. قال ابن مالك ﵀:
ولاضطرار أو تناسب صرف..........................
يعني عند الضرورة يصرف ما لا ينصرف
وجبريل أحد الملائكة الكرام العظام، وهو موكل بالوحي ينزل به على
стр. 201
الأنبياء، وربما وكل بغير ذلك، كما في قوله تعالى في قصة مريم: (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً) (مريم: الآية ١٧) لكن العمل الموكول إليه في الأصل هو نزول الوحي على الأنبياء.
ولهذا يقال ثلاثة من الملائكة علمنا أنهم موكلون بما فيه الحياة: جبريل وميكائيل وإسرافيل، فجبريل موكل بما فيه حياة القلوب، وميكائيل موكل بما فيه حياة النبات، أي القطر، وإسرافيل موكل بما فيه بعث الأجساد بعد الموت وهو النفخ في الصور، وأشرفها وأعلاها ما فيه حياة القلوب.
وكان النبي ﵊ يذكر هؤلاء الثلاثة في افتتاح صلاة الليل، حيث يقول في افتتاح صلاة الليل: ((اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، أهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) (١) .
ووصف الله جبريل بأنه أمين، فقال: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) (التكوير: ١٩) (ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) (التكوير: ٢٠) (مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) (التكوير: ٢١) ووصفه بالقوة، فقال تعالى: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) (النجم: ٥) (ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى) (النجم: ٦)) فاجتمع في حق جبريل ﵊ القوة والأمانة، فبأمانته نعلم أنه لا زيادة ولا نقص في القرآن الذي أوحاه الله إليه ليلقيه على قلب النبي ﵊، وبالقوة نعلم أنه لا أحد تسلط على القرآن حين نزول جبريل به، أو غلبه عليه، أو توانى جبريل في تنزيله؛ لأنه قوي
стр. 202
يستطيع الدفع ولا يقربه أحد.
فجبريل ﵊ نزل وجاء بالوحي من الله ، ولهذا قال المؤلف: (من محكم القرآن والتنزيل) ؛ محكم القرآن: هذا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ أي من القرآن المحكم، والقرآن محكم أي متقن، فهو متقن من كل وجه؛ أخباره محكمة ليس فيها كذب؛ أحكامه محكمة ليس فيها جور؛ دلالاته أو مدلولاته محكمة ليس فيها تناقض.
وليعلم أن الله تعالى وصف القرآن كله بأنه محكم وبأنه حكيم، ووصفه كله بأنه متشابه، ووصفه بأن بعضه متشابه وبعضه محكم، فهذه ثلاث صفات.
وصفه بأنه محكم في قوله: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ) (هود: الآية ١) وفي قوله: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) (يونس: الآية ١) (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً) (يونس: الآية ٢) .
ووصفه بأنه متشابه في قوله: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ) (الزمر: الآية ٢٣) .
ووصفه بان بعضه محكم وبعضه متشابه في قوله: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) (آل عمران: الآية ٧) ولكل من هذه الأوصاف وجه.
أما وصف كونه محكما؛ فلأن القرآن كله متقن، لا يكذب بعضه بعضا، ولا يناقض بعضه بعضا، وليس فيه شيء من الباطل، قال تعالى: (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ) (فصلت: الآية ٤٢)
وأما وصفه كله بأنه متشابه؛ فلأنه يشبه بعضه بعضا في الكمال والجودة
стр. 203
والمنافع العظيمة، وإن كان يتفاوت في هذا الوجه لكنه يشبه بعضه بعضا، والتفاوت باعتبار المتكلم به ممنوع؛ لان المتكلم به واحد وهو الله، وأما باعتبار مدلول الكلام فإن الاختلاف بينه واقع، فأعظم سورة في كتاب الله الفاتحة، وأعظم آية فيه آية الكرسي، و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (الإخلاص: ١) تعدل ثلث القرآن، وليست السورة التي قبلها بمنزلتها في الدلالة العظيمة، فسورة تبت ليست في موضوعها ومدلولها كسورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (الإخلاص: ١)
إذا هو متشابه من حيث الكمال والجودة فكله كامل وكله على غاية ما يكون من الجودة، وأما وصف بعضه بأنه محكم وبعضه بأنه متشابه؛ فأرجح الأقوال فيها أن المحكم ما اتضح معناه، والمتشابه ما خفي معناه؛ لأنه يشتبه على بعض الناس دون بعض، ولكن الذين أتاهم الله العلم يردون هذا المتشابه الخفي المعنى إلى المحكم الواضح، فيكون القرآن كله واضحا بهذا الاعتبار.
ولكن لو قال قائل: كيف نطلق على القرآن كله أنه محكم مع أن الله قال في كتابه: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) (آل عمران: الآية ٧) ، فجعل منه آيات محكمات، وجعل منه أخر متشابهات؟
والجواب: أن الله قال في المحكمات (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) ، أي: مرجع الكتاب، فإذا وجدنا متشابهات رددناه إلى الأم، والأم محكم، فيكون هذا المتشابه محكما، وحينئذ يكون التشابه في ابتداء الأمر، أما في النهاية فيكون محكما، وهذا كثير في القرآن، فتجد آيات مجملات فصلت بآيات أخرى، وتجد آيات ظاهرها التعارض يجمعها دليل آخر، وهكذا، وبهذا
стр. 204
يكون القرآن كله محكما.
وقوله: (من محكم القرآن والتنزيل) القرآن: ما يقرأ، فهو مصدر بمعنى اسم المفعول، والمصدر يأتي على وزن فعلان؛ كالغفران والشكران والكفران والطغيان وما أشبه ذلك.
إذا فالقرآن مصدر بمعنى اسم المفعول لأنه مقروء، وقيل بمعنى اسم الفاعل لأنه قارئ أي جامع؛ لأنه جامع لكل ما تتضمنه الكتب السابقة، كما قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) (المائدة: الآية ٤٨) .
وقوله: (والتنزيل) التنزيل: بمعنى المنزل؛ لان التنزيل فعل المنزل، وهنا منزل وتنزيل ومنزل إليه وواسطة، فالمنزل هو الله والتنزيل فعله الذي هو الكلام، تكلم الله ثم أمر جبريل فنزل به على محمد ﵊، والمنزل إليه محمد ﷺ ، والواسطة جبريل ﵊.
وقوله: (من محكم القرآن والتنزيل) ، هذا من باب عطف المترادفين، فإن التنزيل هو القرآن.
وقوله: (كلامه سبحانه) هذا خبر (أن) ، يعني ما جاء مع جبريل من محكم الآيات والتنزيل الذي نزل على رسول الله ﷺ كلام الله لفظا ومعنى، تكلم الله به جل وعلا فسمعه جبريل، فنزل به على محمد ﷺ ، قال الله تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الشعراء: ١٩٢) (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) (عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء: ١٩٥) وقال تعالى:
стр. 205
(وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ) (التوبة: الآية ٦) ، وعلى هذا فهذا القرآن كلام الله تكلم به نفسه بحروفه وألفاظه، وسمعه جبريل فنزل به كما كان على محمد ﷺ من غير زيادة ولا نقص، ولهذا قال الله تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) (التكوير: ١٩) (ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) (التكوير: ٢٠) ، وقال: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) (الشعراء: ١٩٣) ، فوصفه بالأمانة، ووصفه بالكرم، ووصفه بالقوة، وبهذا نعلم علم اليقين أن هذا القرآن الكريم لم يتغير فيه شيء، بل هو كلام الله نفسه.
وإذا علمنا أنه كلام الله لزم من ذلك أن نعظم هذا الكلام، ولهذا نهينا أن نمس هذا القرآن بلا طهارة، كما في حديث عمرو بن حزم المرسل الذي تلقته الأمة بالقبول: ((لا يمس القرآن إلا طاهر) أي إلا طاهر متوضئ؛ لأن الوضوء طهارة، كما قال تعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) (المائدة: الآية ٦) .
وأما من فسر الطاهر في قوله: ((لا يمس القرآن إلا طاهر) (١) بالمؤمن فقد أبعد؛ لأننا لا نجد في القرآن ولا في السنة التعبير بالطاهر عن المؤمن أبداً، وإن كان المؤمن لا ينجس لكن لم يعبر عنه بالطاهر، المؤمن يعبر عنه بالإيمان أو بالتقي أو ما أشبه ذلك.
وقوله: (كلامه سبحانه) سبحانه: جملة معترضة يراد بها تنزيه الله ، ولهذا يقولون: التسبيح بمعنى التنزيه، ويقولون: إن سبحان اسم مصدر فعله سبح، والمصدر تسبيح، وسبحان اسم مصدر، واسم المصدر:
стр. 206
كل ما دل على معنى المصدر وليس فيه حروفه فإنه يسمى اسم مصدر، والكلام: اسم مصدر فعله كلم، والسلام اسم مصدر فعله سلم، فسبحان اسم مصدر فعله سبح.
فقوله: (سبحانه) أي تنزيها له عن صفات النقص، وعن نقص كماله، وعن مماثلة المخلوقين؛ لان الله منزه عن هذه الأشياء الثلاثة: عن نقص الكمال، وعن النقص المحض، وعن مماثلة المخلوقين.
مثال نقص الكمال الذي ينزه الله عنه: ما ادعاه اليهود - عليهم لعنة الله -، حيث قالوا: إن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام فتعب واستراح، وقد كذب الله قولهم هذا في قوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ) (قّ: ٣٨)) ، فهؤلاء اثبتوا له القدرة، ولكن هذه القدرة ناقصة.
ومثال النقص المحض: قول اليهود أيضا: (إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ) (آل عمران: الآية ١٨١) ، وقولهم: إن الله بخيل، في قوله تعالى: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) (المائدة: الآية ٦٤) . ومن ذلك أيضا من اثبت لله علما ولكنه قال: إن الله قد يخفى عليه شيء، فهذا لم يسبح الله.
ومثال مماثلة المخلوقين كقول النصارى: (إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ) (المائدة: الآية ٧٣) فاثبتوا له مثيلاً، والله تعالى قد كذبهم في قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: الآية ١١) (، وقوله: (قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) (الأنعام: الآية ١٩) . ومن ذلك أيضا من قال: إن قدرة الله كقدرة المخلوق، فهذا لم يسبح الله
стр. 207
وقوله: (كلامه سبحانه قديم) ، القديم عندهم ما ليس له أول، يعني ما كان أزليا لم يسبقه عدم، وليس القديم عندهم هو القديم في اللغة؛ لان القديم في اللغة هو ما تقدم على غيره وإن كان حادثا غير أزلي، قال الله تعالى: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) (يّس: ٣٩)) ، والعرجون هو ما يكون فيه ثمر النخل يعني القنو، فالقنو القديم ينحني ويتقوس لكنه غير أزلي؛ لأنه حادث بعد أن لم يكن.
وعلى هذا يقول المؤلف: إن القرآن كلام الله القديم يعني الأزلي، أي أن القرآن قديم بقدم الله ، فهو أزلي؛ أي لم يزل هذا القرآن على زعمه موجودا من قبل خلق السموات، بل من قبل كل شيء.
ولا شك أن هذا القول باطل لان القرآن يتكلم الله به حين إنزاله، والدليل على هذا أن الله يتحدث عن أشياء وقعت في عهد الرسول ﷺ بصيغة الماضي، وهذا يدل على أن كلامه بها كان بعد وقوعها، قال الله تعالى: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (آل عمران: ١٢١) ، قال: غدوت بصيغة الماضي، وهذا القول قاله الله بعد غدو الرسول ﷺ .
وقال تعالى (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) (المجادلة: الآية ١) ، فقال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ) ، ولا يمكن أن يخبر الله عن شيء أنه سمعه وهو لم يقع، فقوله، قد سمع، يدل على أن هذا الكلام كان بعد وقوع الحادثة وهذا هو الحق، أن الله تكلم بالقرآن حديثا، كما قال تعالى: (مَا
стр. 208
يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ) (الأنبياء: الآية ٢) .
والقول بان المراد بمحدث أي محدث إنزاله فهذا خطأ، بل هو محدث هذا الذكر؛ لان الله يتكلم متى شاء بما شاء، وعلى هذا لو أن المؤلف - عفا الله عنه - قال: عظيم بدل قوله: قديم فقال: (كلامه سبحانه عظيم) ؛ وذلك كما وصفه الله به، حيث قال سبحانه: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالقرآن الْعَظِيمَ) (الحجر: ٨٧)) ، أو قال: كريم، كما وصفه الله تعالى حيث قال: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) (الواقعة: ٧٧) ؛ لكان انسب وابعد عن الخطأ، وأما كلمة قديم فهي كلمة محدثة غير صحيحة بالنسبة للقران.
فإذا قال قائل: أليس قد جاء عن ابن عباس ﵄ أن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ، ونزل إلى بيت العزة في السماء، ثم صار ينزل به جبريل على النبي ﷺ في الوقت المناسب الذي يؤمر بتنزيله فيه؟
والجواب: نعم روي ذلك عن ابن عباس ﵄، ولكن ظواهر القرآن ترده، ونحن لا نطالب إلا بما دل عليه القرآن.
فأما قوله تعالى: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ) (البروج: ٢١) (فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (البروج: ٢٢)) ، فانه لا يتعين أن يكون القرآن نفسه مكتوبا في اللوح المحفوظ، بل يكون الذي في اللوح المحفوظ ذكره دون ألفاظه، وهذا لا يمتنع، أي أن يقال: إن القرآن في كذا والمراد ذكره، كما في قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ) (الشعراء: ١٩٦)) ، وإنه: أي القرآن (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ) (الشعراء: ١٩٦)) ، أي ذكره لا
стр. 209
القرآن نفسه؛ لان القرآن ما نزل على احد قبل محمد ﵊، ولكن المراد ذكره.
والدليل على أن المراد ذكره قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ) (الشعراء: ١٩٧)) ، وكلنا يقرأ قوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) (المجادلة: الآية ١) ، ولو كان القرآن العظيم مكتوبا في اللوح المحفوظ بهذا اللفظ لأخبر الله عن سمع ما لم يكن، والله تعالى قال: (قَدْ سَمِعَ) ، ثم قال: (والله يسمع) بالمضارع الدال على الحال والحاضر، وإذا كان الله عبر بقوله: (قَدْ سَمِعَ) عن المستقبل بالماضي لتحقق وقوعه، فان سلمنا هنا أن نقول بهذا، فانه تمتنع مثل هذه الدعوى في قوله (وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) (المجادلة: الآية ١) ، فان ((يسمع) فعل مضارع يدل على الحاضر.
فلو قال قائل: إن الله عبر في الآية عن المستقبل بالماضي لتحقق وقوعه كقوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) (النحل: الآية ١) ؟ فالجواب أن هذا لا يصح؛ لان الله تعالى قال: (قَدْ سَمِعَ) ، وإذا قلنا انه عبر عنه قبل وقوعه صح أن تقول: إنه لم يسمعه، ولا أحد يتجرأ أن يقول مثل هذا القول أبداً، وأما (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) (النحل: ١) فان الله ذكر في الآية ما يدل على انه لم يأت، حيث قال: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) ، إذا هو لم يأت، ويصح أن نقول في (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) انه لم يأت؛ لان الله قال: (فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) ، ولو كان قد أتى لم يستقم أن يقول: (فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) .
فالراجح عندي أن القرآن تكلم الله به حين نزوله، وأن ما في
стр. 210
اللوح المحفوظ فإنما هو ذكره (١) وأنه سيكون، وفيه ثناء عليه أيضا، كما قال تعالى: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ) (البروج: ٢١) (فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (البروج: ٢٢) يعني ذكر في اللوح المحفوظ بالمجد وبالعظمة.
وعلى كل حال فقول المؤلف: (قديم) كلمة ضعيفة لا يجوز أن يوصف بها القرآن الكريم، فان القرآن الكريم يتكلم الله به حينما ينزله على محمد ﷺ .
يبقى النظر في كلام الله من حيث هو، لا في القرآن نفسه، فكلام الله
стр. 211
من حيث هو ليس بقديم، لكن وصف الله تعالى بالكلام هذا أزلي، فالله لم يزل متكلما كما قال ابن القيم ﵀ في النونية (١) .
والله ربي لم يزل متكلما....................
فالله لم يزل متكلما، وكلامه أزلي من حيث النوع، أما من حيث الآحاد فانه متعلق بمشيئته وليس أزليا.
والفرق بينهما ظاهر، فالله لم يزل يتكلم، ولكن آحاد كلامه ليست أزلية، قال تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يّس: ٨٢) ، والمراد لله مُتَجَدِد؛ فالله تعالى يريد مثلا أن ينزل المطر فينزل، ويريد أن تنبت الأرض فتنبت، فإذا أراد شيئا قال له: كن فيكون. إذا فالقول يحدث بعد الإرادة، فتكون آحاد الكلام حادثة ليست أزلية، لكن الأصل في الكلام انه أزلي، فان الله تعالى لم يزل متكلماً ولا يزال متكلماً أيضاً، كلامه لا ينفدُ، قال تعالى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً) (الكهف: ١٠٩)) ، وقال تعالى (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (لقمان: ٢٧)) .
والحاصل أن كلام الله من حيث الأصل أزلي، لم يزل الله ولا يزال متكلما، أما من حيث الآحاد فهو حادث يتعلق بمشيئته سبحانه متى شاء تكلم بما شاء.
قال: (اعيا الورى بالنص يا عليم) (أعيا) بمعنى أعجزه، و (الورى) : أي الخلق، فلم يأت الخلق بمثل هذا القرآن، قال الله تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ
стр. 212
الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القرآن لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) (الإسراء: ٨٨)) ، وقال تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ) (البقرة: الآية ٢٣) ، وقال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) (هود: الآية ١٣) ، فعجز العرب وهم أهل البلاغة عن أن يأتوا بمثل القرآن، فهذا دليل على أن هذا القرآن كلام الله؛ لأنه لو كان كلام المخلوق لأمكن للمخلوق أن يأتي بمثله، فلما عجز المخلوقون عن أن يأتوا بمثله عُلَمَ أنه صفة من صفات الله التي لا تماثلها صفات المخلوقين.
وقوله: (بالنص) : النص هو ما ذكرناه من الآيات السابقة.
وقوله: (يا عليم) : يعني يا ذا العلم، كأنه يقول: اعلم أنه أعيا الورى بالنص.
стр. 213
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٤٢- وليس في طوق الورى من أصله ... أن يستطيعوا سورة من مثله
ــ
الشرح
قوله: (وليس في طوق) بمعنى طاقة الورى، و (الورى) الخلق.
وقوله (ليس في طوق الورى من أصله) فيه إشارة إلى رد قول من يقول: إن الورى لا يستطيعون مثله بالصرفة، يعني أن الله صرفهم عن أن يأتوا بمثله، أما في الأصل فإنهم قادرون على أن يأتوا بمثله.
ولا شك أن هذا القول قول باطل؛ وذلك لأن القرآن كلام الله، وكلام الله صفة من صفاته، وإذا كانت جميع صفات الله لا يمكن أن يتصف بمثلها المخلوق فكذلك الكلام لا يمكن أن يأتي بمثله المخلوق، وليس ذلك لان الله صرفهم عن معارضته، بل لأنهم عاجزون من أصله لا يستطيعون أن يأتوا بمثل هذا القرآن.
وعلى فرض أن الله صرفهم فإن صرف الله عن معارضته دليل على أن القرآن حق، وإلا لسلط الله عليه من يعارضه، لكن هذا القول كما مر ضعيف، والذين أنكروه وقالوا: إن إعجاز القرآن ليس بالصرفة، قالوا: لأنه لو كان بالصرفة لكان في استطاعة الخلق أن يأتوا بمثله، فلا يكون آية، ولكن يرد عليهم في ذلك بأن القرآن لو كان آية بالصرفة كان آية من وجه آخر، وهو أن الله لم يسلطهم على معارضته بل منعهم.
لكننا قلنا من الأصل: إن هذا القول ضعيف، والصحيح الذي لا شك
стр. 214
فيه أن الخلق عاجزون عن معارض القرآن، وان يأتوا بمثله، لا لأنهم صرفوا عن ذلك ومنعوا منه قدرا، ولكن لأنهم عاجزون من الأصل، لأن القرآن كلام الله صفته، وصفات الله لا يمكن أن يشابهها صفات.
قال المؤلف ﵀: (أن يستطيعوا سورة من مثله) قال بعض العلماء ﵏: بل أن يستطيعوا آية من مثله، وقالوا: إن الله تحدى الخلق بأربعة وجوه: أن يأتوا بمثل القرآن كله، أو بعشر سور منه، أو بسورة، أو بحديث؛ والحديث يشمل ما دون السورة.
فبالقرآن كله في قوله تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القرآن لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ) (الإسراء: الآية ٨٨) ، وبعشر سور في قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) (هود: الآية ١٣) ، وبسورة في قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِه) (البقرة: الآية ٢٣) ، وبما دون السورة في قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ) (الطور: ٣٣) (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) (الطور: ٣٤)) .
وخلاصة ما ذكره المؤلف ﵀: أننا نؤمن بأن ما نزل به جبريل من عند الله كلام الله ، لكن القول بأنه قديم ليس بصحيح (١) ، ولا يجوز أن نقول به؛ لأنه مخالف للقرآن. ثم إننا نؤمن بأن هذا القرآن لا يمكن لأحد أن يأتي بمثله من الأصل؛ لأنه صفة الله، وصفة الله لا يمكن أن يتصف بها المخلوق، وليس ذلك لان المخلوق يمكن أن يقول مثله لكنه صرف، بل لأن
стр. 215
المخلوقين عاجزون عن أن يأتوا بمثله.
ونؤمن بأنه غير مخلوق؛ لأنه لو كان مخلوقا لم يكن صفة من صفاته ولو جاز أن يكون مخلوقا لكان الخلق من صفات الله، ولكنت أنا وأنت صفة من صفات الله، والشمس صفة من صفات الله، والقمر صفة من صفات الله، وهكذا ... ، ومعلوم أن هذا منكر ولم يقل به أحد، فلم يقل أحد إننا صفات الله إلا من قال بوحدة الوجود، وهؤلاء معروف أنهم ملحدون.
إذاً فهو غير مخلوق؛ لأنه صفة من صفات الله، وصفات الله غير مخلوقة، ولو جاز أن نسمي القرآن صفة من صفات الله ومخلوقا، لجاز أن نسمي كل مخلوق بأنه صفة من صفات الله، يقول العلماء: (منه بدأ) . منه: أي من الله بدأ، فلم يبتدئه أحد قبله، وإذا كان منه بدأ فهو كلامه يرجع إليه.
فإن قال قائل: أليس الله يقول: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) (الحاقة: ٤٠) (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ) (الحاقة: الآية ٤١) ، فنسبه إلى محمد ﷺ ؟ لقلنا: إن الله تعالى نسبه إلى محمد لأنه مبلغ، والدليل على هذا أن الله نسبه في آية أخرى إلى جبريل، ومعلوم أن الكلام الواحد لا يصدر من متكلمين، فإذا نسبه إلى محمد ﷺ والى جبريل فباعتبار أنهما قاما بتبليغه؛ جبريل بلغه إلى الرسول ﷺ ، والرسول ﷺ بلغه إلى الأمة.
(ثم إليه يعود) ، ومعنى إليه يعود على وجهين:
الوجه الأول: إليه يعود وصفاً فلا يوصف به غيره.