← Акыда

Акыда · id 9725

شرح العقيدة السفارينية

ابن عثيمين

Полный текст (734 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

من حيث هو ليس بقديم، لكن وصف الله تعالى بالكلام هذا أزلي، فالله لم يزل متكلما كما قال ابن القيم ﵀ في النونية (١) . والله ربي لم يزل متكلما.................... فالله لم يزل متكلما، وكلامه أزلي من حيث النوع، أما من حيث الآحاد فانه متعلق بمشيئته وليس أزليا. والفرق بينهما ظاهر، فالله لم يزل يتكلم، ولكن آحاد كلامه ليست أزلية، قال تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يّس: ٨٢) ، والمراد لله مُتَجَدِد؛ فالله تعالى يريد مثلا أن ينزل المطر فينزل، ويريد أن تنبت الأرض فتنبت، فإذا أراد شيئا قال له: كن فيكون. إذا فالقول يحدث بعد الإرادة، فتكون آحاد الكلام حادثة ليست أزلية، لكن الأصل في الكلام انه أزلي، فان الله تعالى لم يزل متكلماً ولا يزال متكلماً أيضاً، كلامه لا ينفدُ، قال تعالى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً) (الكهف: ١٠٩)) ، وقال تعالى (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (لقمان: ٢٧)) . والحاصل أن كلام الله من حيث الأصل أزلي، لم يزل الله ولا يزال متكلما، أما من حيث الآحاد فهو حادث يتعلق بمشيئته سبحانه متى شاء تكلم بما شاء. قال: (اعيا الورى بالنص يا عليم) (أعيا) بمعنى أعجزه، و (الورى) : أي الخلق، فلم يأت الخلق بمثل هذا القرآن، قال الله تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ

стр. 212

الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القرآن لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) (الإسراء: ٨٨)) ، وقال تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ) (البقرة: الآية ٢٣) ، وقال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) (هود: الآية ١٣) ، فعجز العرب وهم أهل البلاغة عن أن يأتوا بمثل القرآن، فهذا دليل على أن هذا القرآن كلام الله؛ لأنه لو كان كلام المخلوق لأمكن للمخلوق أن يأتي بمثله، فلما عجز المخلوقون عن أن يأتوا بمثله عُلَمَ أنه صفة من صفات الله التي لا تماثلها صفات المخلوقين. وقوله: (بالنص) : النص هو ما ذكرناه من الآيات السابقة. وقوله: (يا عليم) : يعني يا ذا العلم، كأنه يقول: اعلم أنه أعيا الورى بالنص.

стр. 213

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٤٢- وليس في طوق الورى من أصله ... أن يستطيعوا سورة من مثله ــ الشرح قوله: (وليس في طوق) بمعنى طاقة الورى، و (الورى) الخلق. وقوله (ليس في طوق الورى من أصله) فيه إشارة إلى رد قول من يقول: إن الورى لا يستطيعون مثله بالصرفة، يعني أن الله صرفهم عن أن يأتوا بمثله، أما في الأصل فإنهم قادرون على أن يأتوا بمثله. ولا شك أن هذا القول قول باطل؛ وذلك لأن القرآن كلام الله، وكلام الله صفة من صفاته، وإذا كانت جميع صفات الله لا يمكن أن يتصف بمثلها المخلوق فكذلك الكلام لا يمكن أن يأتي بمثله المخلوق، وليس ذلك لان الله صرفهم عن معارضته، بل لأنهم عاجزون من أصله لا يستطيعون أن يأتوا بمثل هذا القرآن. وعلى فرض أن الله صرفهم فإن صرف الله عن معارضته دليل على أن القرآن حق، وإلا لسلط الله عليه من يعارضه، لكن هذا القول كما مر ضعيف، والذين أنكروه وقالوا: إن إعجاز القرآن ليس بالصرفة، قالوا: لأنه لو كان بالصرفة لكان في استطاعة الخلق أن يأتوا بمثله، فلا يكون آية، ولكن يرد عليهم في ذلك بأن القرآن لو كان آية بالصرفة كان آية من وجه آخر، وهو أن الله لم يسلطهم على معارضته بل منعهم. لكننا قلنا من الأصل: إن هذا القول ضعيف، والصحيح الذي لا شك

стр. 214

فيه أن الخلق عاجزون عن معارض القرآن، وان يأتوا بمثله، لا لأنهم صرفوا عن ذلك ومنعوا منه قدرا، ولكن لأنهم عاجزون من الأصل، لأن القرآن كلام الله صفته، وصفات الله لا يمكن أن يشابهها صفات. قال المؤلف ﵀: (أن يستطيعوا سورة من مثله) قال بعض العلماء ﵏: بل أن يستطيعوا آية من مثله، وقالوا: إن الله تحدى الخلق بأربعة وجوه: أن يأتوا بمثل القرآن كله، أو بعشر سور منه، أو بسورة، أو بحديث؛ والحديث يشمل ما دون السورة. فبالقرآن كله في قوله تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القرآن لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ) (الإسراء: الآية ٨٨) ، وبعشر سور في قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) (هود: الآية ١٣) ، وبسورة في قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِه) (البقرة: الآية ٢٣) ، وبما دون السورة في قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ) (الطور: ٣٣) (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) (الطور: ٣٤)) . وخلاصة ما ذكره المؤلف ﵀: أننا نؤمن بأن ما نزل به جبريل من عند الله كلام الله ، لكن القول بأنه قديم ليس بصحيح (١) ، ولا يجوز أن نقول به؛ لأنه مخالف للقرآن. ثم إننا نؤمن بأن هذا القرآن لا يمكن لأحد أن يأتي بمثله من الأصل؛ لأنه صفة الله، وصفة الله لا يمكن أن يتصف بها المخلوق، وليس ذلك لان المخلوق يمكن أن يقول مثله لكنه صرف، بل لأن

стр. 215

المخلوقين عاجزون عن أن يأتوا بمثله. ونؤمن بأنه غير مخلوق؛ لأنه لو كان مخلوقا لم يكن صفة من صفاته ولو جاز أن يكون مخلوقا لكان الخلق من صفات الله، ولكنت أنا وأنت صفة من صفات الله، والشمس صفة من صفات الله، والقمر صفة من صفات الله، وهكذا ... ، ومعلوم أن هذا منكر ولم يقل به أحد، فلم يقل أحد إننا صفات الله إلا من قال بوحدة الوجود، وهؤلاء معروف أنهم ملحدون. إذاً فهو غير مخلوق؛ لأنه صفة من صفات الله، وصفات الله غير مخلوقة، ولو جاز أن نسمي القرآن صفة من صفات الله ومخلوقا، لجاز أن نسمي كل مخلوق بأنه صفة من صفات الله، يقول العلماء: (منه بدأ) . منه: أي من الله بدأ، فلم يبتدئه أحد قبله، وإذا كان منه بدأ فهو كلامه يرجع إليه. فإن قال قائل: أليس الله يقول: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) (الحاقة: ٤٠) (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ) (الحاقة: الآية ٤١) ، فنسبه إلى محمد ﷺ ؟ لقلنا: إن الله تعالى نسبه إلى محمد لأنه مبلغ، والدليل على هذا أن الله نسبه في آية أخرى إلى جبريل، ومعلوم أن الكلام الواحد لا يصدر من متكلمين، فإذا نسبه إلى محمد ﷺ والى جبريل فباعتبار أنهما قاما بتبليغه؛ جبريل بلغه إلى الرسول ﷺ ، والرسول ﷺ بلغه إلى الأمة. (ثم إليه يعود) ، ومعنى إليه يعود على وجهين: الوجه الأول: إليه يعود وصفاً فلا يوصف به غيره.

стр. 216

والوجه الثاني: إليه يعود في آخر الزمان؛ حيث جاء في الآثار أن هذا القرآن ينزع من صدور الناس ومن بطون المصاحف، حتى يصبح الناس وليس بين أيديهم قرآن، وليس في صدورهم قرآن، كما أن الكعبة تهدم وتمحى من الأرض، وذلك فيما إذا أعرض الناس عن ذلك القرآن إعراضا كليا، فان الله تعالى يغار على كلامه أن يبقى بين أناس معرضين عنه إعراضا كليا، والكعبة أيضا لا يسلط الله عليها أحدا إلا إذا لم يقم أهلها بما يجب لها من التعظيم، فإن الله يسلط عليها الرجل الحبشي فيقضها حجراً حجرا حتى تلقى في البحر (١) - نسال الله العافية -.

стр. 217

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٤٣- وليس ربنا بجوهر ولا ... عرض ولا جسم تعالى ذو العلا ٤٤- سبحانه قد استوى كما ورد ... من غير كيف قد تعالى أن يحد ــ الشرح هذا الكلام من المؤلف ﵀ يحتمل وجهين: الوجه الأول: ولسنا نقول: - ربنا - جوهرا أو عرضا أو جسما، يعني لا نقول بذلك بل نسكت، وهذا الوجه صحيح، يعني لا يجوز لنا أن ننفي أن الله جوهر أو عرض أو جسم، كما لا يجوز لنا أن نثبت ذلك؛ لأنه لم يرد في القرآن ولا السنة إثبات ذلك ولا نفيه، والمعتمد في صفات الله هو الكتاب والسنة، فإذا لم يرد فيهما إثبات ولا نفي وجب علينا أن لا نقول بالإثبات ولا بالنفي. الوجه الثاني لكلام المؤلف: نفي الجوهر لا نفي القول به، وعلى هذا الوجه يكون معناه القول بنفي الجوهر، يعني إننا نقول: إنه ليس بجوهر. والفرق بين الوجهين ظاهر. فقول المؤلف ﵀: (وليس ربنا بجوهر) يحتمل أن المعنى لا نقول إن ربنا ليس بجوهر أو أنه جوهر، يعني: لا نقول لا هذا ولا هذا، وهذا المعنى صحيح؛ لان ذلك لم يرد في الكتاب ولا في السنة، ويحتمل أن يكون معنى كلامه: إن الله ليس بجوهر، فحينئذٍ أثبت قوله وهو: نفي الجوهر

стр. 218

يعني أن الله ليس بجوهر. أما الوجه الأول وهو نفي القول بأنه جوهر فهذا صحيح؛ لأنه ليس لنا أن نقول: إنه جوهر، ولا أن نقول: إنه ليس بجوهر. وأما الوجه الثاني وهو القول بأنه ليس بجوهر فهذا غير صحيح. وهو ظاهر كلام المؤلف، فالمؤلف ﵀ يرى أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يقولون: إن الله ليس بجوهر ولا عرض ولا جسم، ولا شك أن هذا النفي ليس بصحيح، ولم يقل أهل السنة بذلك، وليس هذا مذهبهم؛ لأنهم لا يجزمون بنفي شيء أو إثباته إلا بدليل، وهذا ليس فيه دليل، لا إثباتا ولا نفيا. والجوهر: هو ما قام بنفسه، والعرض: هو ما قام بغيره، والجسم: يعني ما له تمثال، يعني أنه شيء ملموس أو قائم مجسم. فالمؤلف ﵀ يرى أن من عقيدتنا أن ننفي هذه الثلاثة عن الله ، ولكن هذا ليس بصحيح وليس من مذهب أهل السنة والجماعة وذلك أن هذه الألفاظ ألفاظ حادثة لم تكن معروفة عند السلف فلا يوجد في أقوال السلف قول يقول: إن الله جسم ولا أنه ليس بجسم، ولا أن الله عرض ولا أنه ليس بعرض، ولا أن الله جوهر ولا انه ليس بجوهر، لا في القرآن ولا في السنة ولا في كلام السلف. لكن المتكلمين لما حدثت فتنتهم صاروا يذكرون هذه الكلمات للتوصل بنفيها إلى نفي الصفات عن الله، فمثلا يقولون: النزول لا يكون إلا بجسم والله تعالى ليس بجسم، وإذا انتفى الملزوم انتفى اللازم، إذاً لا ينزل الله إلى

стр. 219

السماء الدنيا، كذلك الاستواء على العرش حقيقة يستلزم أن يكون الله جسماً، والله تعالى ليس بجسم، إذاً فنفي استواء الله على العرش، وهكذا أتى المتكلمون بمثل هذه العبارات ليتوصلوا بها إلى نفي صفات الله ، وإلا فليس لهم غرض في نفي هذا أو إثباته إلا هذه المسالة. ولما كانت هذه الكلمات غير موجودة لا في القرآن ولا في السنة ولا في كلام الصحابة لا نفيا ولا إثباتا، فالواجب علينا أن نتوقف فلا ننفي أن الله جسم ولا نثبته، ولا أن الله عرض ولا نثبته، ولا أن الله جوهر ولا نثبته، بل نسكت ونستفصل في المعنى، فنقول لمن نفى أن يكون الله جسما: إن أردت بالجسم ما كان حادثا مركبا من أجزاء وأعضاء فنحن معك في نفيك، فالله ليس بحادث، ولا مركب من أعضاء وأجزاء بحيث يجوز أن يفقد شيء منها، لكن لا ننفي الجسم، بل نقول إن الله منزه عن أن يكون له أبعاض كأبعاض المخلوقين، بحيث يكون جسما مركبا منها، ويفقد بعضها مع بقاء الأصل وما أشبه ذلك. وإن أردت بالجسم الذات الموصوفة بالصفات اللائقة بها، فهذا حق نثبته، ولا يجوز لنا أن ننفيه، لكن مع ذلك لا نقول: إن الله جسم حتى إن أردنا هذا المعنى؛ لأن لفظ الجسم لم يرد في القرآن ولا في السنة، لا إثباتا ولا نفيا؛ ولأن إثبات الجسم إن أثبتناه مستلزم للتشبيه على رأي بعض الناس، وإن نفيناه فهو مستلزم للتعطيل على رأي آخرين، إذاً فلا نثبته ولا ننفيه. وهذه هي العقيدة السليمة: أن لا نثبت باللفظ أن الله جسم أو ليس بجسم، بل نسكت، فما دام الله قد سكت عنه، ورسوله سكت عنه، والصحابة سكتوا عنه، فنسكت فلا نثبت ولا ننفي، لكن نؤمن بأن لله ذاتاً

стр. 220

موصوفة بالصفات اللائقة بها، وأن الله تعالى يقبض، ويبسط، ويأخذ بيمينه الصدقة، ويريبها، وينزل، ويأتي، فيجب علينا أن نؤمن بهذا، وما ورآء ذلك فلا نتعرض له. قوله: (تعالى ذو العلا) تعالى: أي ترفع عن كل ما لا يليق به ترفعا معنويا، وترفع بذاته ترفعا حسيا، فهو متعال حسا ووصفا عن كل نقص، قال الله تعالى: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ) (غافر: الآية ١٥) . وقوله: (سبحانه) أي تنزيها له عن أن يكون جسما أو جوهر أو عرضا، وهذا التنزيه ينبغي التنزه منه لا الاتصاف به؛ لأنه كما سبق: لا يجوز لنا أن نثبت ولا أن ننفي، ونفينا ذلك عن الله وادعاء أن ذلك تنزيه خطأ، فقول المؤلف: (سبحانه) أي تنزيها له عن أن يوصف بهذه الصفات، فالتنزيه أن ينزه الله عما لا يليق به، لا أن يؤتى بألفاظ مجملة وينزه الله عنها. ثم قال: (قد استوى كما ورد من غير كيف) . ولم يذكر المؤلف ﵀ متعلق الاستواء، لكن من المعلوم أن المراد: استوى على العرش كما ورد. وقد ذكر الله الاستواء على العرش في سبعة مواضع من كتابه؛ ففي سورة الأعراف قال: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (الأعراف: الآية ٥٤) ، وفي سورة يونس: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (يونس: الآية ٣) ، وفي سورة الرعد (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (الرعد: الآية ٢) ، وفي سورة طه (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه: ٥) ، والخامس في سورة السجدة (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي

стр. 221

سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (السجدة: الآية ٤) ، والسادس في سورة الفرقان (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرحمنُ فَاسْئَل بِهِ خَبِيراً) (الفرقان: الآية ٥٩) ، والسابع في سورة الحديد (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (الحديد: الآية ٤) . ففي سبعة مواضع ذكر الله الاستواء على العرش نصاً صريحاً واضحاً، فأضاف الاستواء على العرش ((بعلى)) الدالة على العلو كقوله تعالى: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ) (المؤمنون: الآية ٢٨) ، أي علوت عليه واستقررت عليه وقال الله تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ) (الزخرف: الآية ١٢) (لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ) (الزخرف: الآية ١٣) ، أي تعلوا عليها وتستقروا عليها. والاستواء يرد في اللغة العربية على أربعة وجوه: مطلق، ومقيد بالى، ومقيد بعلى، ومقيد بالواو. ١- فإذا كان مطلقا فالمراد به الكمال، كما قال تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى) (القصص: الآية ١٤) ، أي كمل. ٢- وإذا ورد مقرونا بـ (إلى) صار معناه: الانتهاء إلى الشيء في كمال، كقوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ) (فصلت: الآية ١١) . ٣- وإذا كان مقيدا بـ (على) كان معناه العلو والاستقرار، كالآيات التي سبق أن ذكرناها في قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (الرعد: الآية ٢) . ٤- وإذا اقترن بالواو صار معناه المساواة كقولهم: استوى الماء والخشبة: أي ساوى الماء الخشبة.

стр. 222

واستوى على العرش في جميع مواقعها في اللغة العربية لا تقتضي إلا العلو والاستقرار. فمن أصول أهل السنة والجماعة الإيمان بأن الله تعالى استوى على عرشه، أي علا عليه واستقر عليه علوا واستقرارا يليق بجلاله ، لا يماثل استواء الإنسان على البعير، أو على الفلك. ولهذا قال المؤلف ﵀: (كما ورد) ويجوز أن تكون الكاف للتشبيه يعني استواء كالوارد، والوارد في استوائه أنه استواء يليق بجلاله. ويحتمل أن تكون الكاف للتعليل، أي استوى لأنه ورد في كتاب الله، والكاف تأتي للتعليل كما قال ابن مالك: شبه بكاف وبها التعليل قد يعني............................ ومنه قوله تعالى: (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ) (البقرة: الآية ١٩٨) ، على أحد الوجهين: أي لهدايته إياكم، وقوله: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً) (البقرة: الآية ١٥١) ، وفي حديث التشهد: ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم) (١) . وعلى كل حال فإن مراد المؤلف بهذا أن نؤمن بأن الله استوى على العرش استواء يليق بجلاله استواء يليق بجلاله، ومعنى استوى عليه: أي علا واستقر، وأما بالنسبة لكيفية هذا الاستواء فإنه يقول: (من غير كيف) والمراد بقوله: (من غير كيف) أي من غير تكييف، وليس المراد من غير كيفية؛ لأننا نعلم أن الله استوى على العرش على كيفية يعلمها ونحن لا نعلمها، ولا يصح أن يراد بذلك نفي الكيفية، لأننا إذا نفينا الكيفية نفينا الأصل؛ إذ ما من شيء يكون

стр. 223

إلا وله كيفية، ولكن المنفي هو التكييف. وعلى هذا يجب أن نصرف كلام المؤلف ﵀ إن كان ظاهره خلاف ذلك إلى هذا المعنى ونقول من غير كيف: أي من غير تكييف. وهذا الذي ذكره المؤلف ﵀ هو الذي عليه أئمة السلف، فان مالكا ﵀ سئل وهو في مجلسه، فقال له قائل: يا أبا عبد الله، (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه: ٥) كيف استوى؟ فسأله عن الكيفية، فاطرق ﵀ برأسه حتى علاه العرق، من شدة وقع السؤال على قلبه، ثم رفع رأسه وقال: يا هذا، الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعاً، ثم أمر به فأُخرج (١) . وهكذا ينبغي لأهل العلم إذا رأوا في صفوفهم مبتدعا أن يطردوه عن صفوفهم؛ لأن المبتدع وجوده في أهل السنة شر؛ لأن البدعة مرض كالسرطان لا يرجى برؤه إلا أن يشاء الله، وقوله: (إلا مبتدعاً) ، يحتمل أنه أراد: إلا مبتدعا بهذا السؤال، أو: إلا أنك من أهل البدع؛ لأن أهل البدع هم الذين يكون ديدنهم السؤال عن المشتبهات من أجل التشويش على الناس، وأياً كان المعنى فهو يدل على أن من هدي السلف طرد المبتدعين عن صفوف المتعلمين، وهكذا ينبغي أن يُطردوا عن المجتمع كله، وأن يضيق النطاق عليهم حتى لا تنتشر بدعهم، ولا يقال: كل إنسان حر، بل يقال: إنه حر لكن في حدود الشرع، أما إذا خالف الشرع فإنه يجب أن يضيق عليه، ويبين له الحق، فإن رجع إليه فذاك، وإلا عومل بما تقتضيه بدعته، من

стр. 224

تكفير أو فسق. إذاً معنى الاستواء على العرش هو العلو عليه، لكنه علو خاص بالعرش ليس كالعلو المطلق على جميع الكون، ولهذا قال الله تعالى: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ) (غافر: الآية ١٥) ، وهو سبحانه (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ) (البروج: ١٥) (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (البروج: ١٦) . فالله تعالى عال علواً مطلقاً على جميع الكون، ويمكننا أن نضرب مثلا يبين الفرق بين العلو العام والعلو الخاص: فلو أن رجلا على السطح على السرير، كان علوه على السرير علوا خاصا، وعلوه على ما تحت السقف علوا عاما. فالاستواء على العرش اخص من مطلق العلو الشامل لجميع الكون، ولذلك نقول: إن الله تعالى علا على الأرض وعلى السماء، ولا نقول: استوى على الأرض أو على السماء. وفي الاستواء عدة مباحث: المبحث الأول: أن الاستواء بمعنى العلو لكنه علو خاص. وسبق الكلام على هذا المبحث. المبحث الثاني: على أي كيفية كان الاستواء؟ الجواب: الله أعلم بها، له كيفية لكننا لا نعلمها، وحينئذ لا يحل لنا البحث فيها لا سؤالا ولا إجابة والله تعالى قد أخرَنا بأنه استوى ولم يخبرْنا كيف استوى، وعلى هذا فلا يمكننا أن نعرف ذلك لأنه من أمور الغيب، والله يقول: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء: الآية ٣٦) ، ويقول تعالى (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف: ٣٣) ، فلو

стр. 225

سألنا سائل وقال: كيف استوى الله على العرش؟ فإننا نقول: إن هذا السؤال لا يجوز. ولا كان لنا في معرفة هذا خير لبينه الله لنا، ولا يمكن أن ندرك هذا؛ لأن كيفية صفات الله أعظم من أن تحيط بها عقولنا. المبحث الثالث: هل استوى الله على العرش بمماسة أو بغير مماسة؟ الجواب أن نقول في هذا كما قلنا في الأول: السؤال عن هذا بدعة وليس لنا أن نقول بمماسة أو غير مماسة، بل نقول: استوى، ولا نتجاوز القرآن والحديث؛ لان هذه الأمور الغيبية لا يجوز للإنسان أن يسال عن شيء إلا عن معناها فقط، أما عن كيفيتها وما زاد عن المعنى فلا يحل لنا أن نبحث فيه؛ لا سؤالاً ولا إجابةً. ولهذا نقول: لقد أخطأ بعض العلماء الذين قالوا: إن الله استوى على العرش بدون مماسة، وأنه ليس لهم الحق أن يقولوا بمماسة أو بدون مماسة؛ لأن ذلك لم يرد، بل ندع هذا وليسعنا ما وسع الصحابة الذين هم أحرص منا على العلم، وأشد منا تعظيما لله . وعلى هذا فكلمة مماسة أو غير مماسة يجب أن تلغى وتحذف. المبحث الرابع: هل نقول: إن الله استوى على العرش بذاته؟ والجواب على ذلك: أن كلمة بذاته ليس لنا فيها حاجة؛ لأن كل فعل أضافه الله إلى نفسه فهو إلى ذاته لا شك، ولهذا لا يقال: إن الله خلق السموات بذاته؛ لأنه هو نفسه الذي خلق السموات، ولا يقال: ينزل إلى السماء الدنيا بذاته، فما دام الفعل مضافا إلى الله فهو صادر منه.

стр. 226

لكن ورد في كلام بعض السلف قولهم: إن الله استوى على العرش بذاته ومرادهم بهذا الرد على قول من قال: إن الله استولى على العرش، كما قالوا: إن الله تعالى عال بذاته؛ رداً على قول من يقول: إن الله عال بصفاته لا بذاته، وإلا فإن القاعدة التي ليس فيها إشكال أن كل شيء أضافه الله إلى نفسه فهو إليه نفسه. فلا حاجة أن نقول: استوى على العرش بذاته؛ لأن الله قال: (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش) (الأعراف: الآية ٥٤) أي نفسه، لكن إذا جاء أحد يشكك ويقول: إن استوى بمعنى استولى، وليس هناك استواء ذاتي، حينئذ نضطر إلى أن نقول: بذاته. كذلك ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فلا نزيد ونقول: ينزل بذاته وليس هناك حاجة لأن نزيد: بذاته؛ لأن الله أضاف النزول إليه نفسه، فإذا قال: ينزل إلى السماء الدنيا، يعني هو نفسه ينزل، وليس هناك حاجة أن نقول: بذاته، لكن لما قال المعطلون: ينزل أمره، احتاج أهل السنة أن يقولوا: إنه ينزل بذاته، يعني: ينزل ذاته، هذا قصدهم. فلهذا نقول: استوى على العرش بذاته، لا حاجة إليها؛ لأنها معلومة بمجرد إضافة الفعل إلى الله. المبحث الخامس: هل يجوز أن نفسر الاستواء بالاستيلاء كما قاله أهل التعطيل حيث قالوا: إن الله استوى على العرش أي استولى عليه، وليس معناه علا عليه؟ قالوا: لأننا لو قلنا: إن استوى على العرش أي علا عليه لزم أن يكون الله محدوداً، يعني له حد، ويقال: إن امرأة الجهم بن صفوان قدمت البصرة، فقيل لها: إن الله استوى على العرش، فقالت متعجبة منكرة:

стр. 227

محدود على محدود! ولا شك أن القول بذلك كفر، يعني: إذا استوى على العرش لزم أن يكون محدوداً، ولزم أن يكون جسماً، والحد ممتنع، والجسمية - على زعمهم - ممتنعة، فلهذا نقول استوى يتعين أن تكون بمعنى استولى. ورداً عليهم نقول: إن هذا التأويل، بل هذا التحريف، خطأ من عدة وجوه: الوجه الأول: إنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف؛ فظاهر اللفظ (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش) ليس فيه استولى، والسلف أيضا مجمعون على أن استوى بمعنى علا، فإن قال قائل: وما الدليل على إجماعهم؟ فإننا نقول: لأن هذا هو معنى استوى على الشيء في اللغة العربية، والسلف لغتهم عربية، ولو كان المراد بالآية سوى ما تقتضيه اللغة العربية لتكلموا به وبينوه، فلما لم يأت عنهم ما يخالف مقتضى اللغة العربية في هذه الكلمة، علم بأنهم يقولون فيها بمقتضى اللغة العربية، فهم مجمعون على أن استوى بمعنى علا على العرش واستقر. وقد ذكر ابن القيم ﵀ في النونية أنه ورد عن السلف في ذلك أربعة معان: علا واستقر وارتفع وصعد (١) . الوجه الثاني: إننا إذا قلنا استوى بمعنى استولى؛ لزم أن يكون العرش قبل استواء الله عليه ملكاً لغيره، والله تعالى يقول: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (الأعراف: الآية ٥٤) ، فهل يكون قبل ذلك لغير الله؟! هذا لا شك أنه معنى باطل، لا يمكن أن يقول به قائل.

стр. 228

الوجه الثالث: إننا لو قلنا: استوى بمعنى استولى، لصح أن يقال: إنه استوى على الأرض، وعلى الشمس، وعلى القمر، وعلى السماء، وغير ذلك مما هو ملك لله، فإذا كان استوى بمعنى استولى، فالله مستوٍ على كل شيء، ولا يمكن أن يقول بهذا قائل، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم. الوجه الرابع: أنه ليس في اللغة العربية أن استوى تأتي بمعنى استولى، والقرآن نزل بلسان عربي مبين، وليس في موضع واحد من المواضع السبعة التي ذكر الله فيها الاستواء - أنه استولى على العرش، بل المواضع السبعة كلها جاءت على وتيرة واحدة: استوى على العرش. فإذا قالوا عندنا دليل وهو قول القائل: قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مِهراق ومعنى استوى بشر على العرق: أي استولى على العراق، فالجواب على ذلك: أولاً: إن هذا البيت قائله مجهول ولا يدرى من قائله، ولا يمكن أن يستدل على شيء من العقيدة المتعلقة بالله ببيت شعر مجهول قائله، فالاحتجاج به مردود من الأصل. ثانيا: أن نقول: لو ثبت أن قائله من العرب العرباء الذين لم تغيرهم اللكنة ولا العجمة، فإن المانع من جعل الاستواء هنا بمعنى العلو قرينة ظاهرة، وهو أن بشراً لم يكن يرتفع على العراق حتى يكون العراق تحته كالكرسي، فيكون لدينا قرينة تمنع من إرادة العلو، ولم توجد هذه القرينة في قوله تعالى: (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (الأعراف: لآية ٥٤) .

стр. 229

ثالثا: أنه يمكن أن نجعل استوى في هذا البيت أيضاً بمعنى علا، فيكون قوله: ((قد استوى بشر على العراق) أي قد علا على العراق لكنه علو معنوي، كقوله تعالى: (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) (محمد: الآية ٣٥) فليس معنى (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) إننا فوق المشركين وعلى رؤوسهم، لكن هذا علو معنوي، فيكون استوى بشر على العراق يعني علا عليه، لكن علواً معنوياً. هذا إن صح أن قائل هذا البيت من العرب العرباء، مع أنه لم يصح، فبطل الاستدلال بهذا البيت على أن استوى بمعنى استولى. إذاً فعقيدتنا التي ندين الله بها، ونسال الله أن نكون عليها حتى نموت، هي أن استوى على العرش: أي علا عليه علواً خاصاً كما يليق بجلاله وعظمته، لا نكيفه، ولا نمثله. أما العرش فهو ذلك المخلوق العظيم الذي فوق جميع المخلوقات، واختصه الله تعالى لنفسه، وهو محيط بالكون كله، وقد ورد أن السموات السبع والأراضين السبع بالنسبة للكرسي الذي وسع السموات والأرض كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، فالحلقة إذا ألقيت في فلاة من الأرض فإنها لا تمثل شيئا بالنسبة إليها، ولا تنسب إليها، قال: ((وإن فضل الله على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة) (١) . إذاً فالعرش لا يقدر قدره إلا الله ، ولا يمكن أن نتصور عظمة هذا العرش، ولهذا وصفه الله بأنه مجيد، وانه عظيم؛ لأنه اكبر المخلوقات التي نعلمها، وأعلى المخلوقات التي نعلمها، ولذلك هو عرش يليق بالله .

стр. 230

المبحث السادس: هل الله باستوائه على العرش يكون العرش مُقِلاً له حاملاً له، كما يستوي الإنسان منا على السرير؟ الجواب: لا، ليس كذلك، لأننا لو قلنا إنه حامل له كحمل السرير لأحدنا، لزم من هذا أن يكون محتاجا إلى العرش، والله مستغن عن كل شيء، وكل شيء محتاج إليه، فلا يمكن أن نقول إن العرش يقل الله أبداً. فالله أعظم من أن يقله شيء من مخلوقاته، لكن هو الذي اختصه الله لنفسه بالاستواء فقط، وأما أن يقله، فلا لأننا لو قلنا بذلك لزم منه معنى فاسد لا يدل عليه القرآن، وهو احتياجه إليه كاحتياج الإنسان منا إلى السرير، ولهذا قال العلماء ﵏: إن العرش لا يقل الله، بمعنى أنه ليس محتاجاً إليه كما يحتاج الإنسان منا إلى السرير، فالإنسان منا يحتاج إلى السرر ليجلس عليه، ولو أزيل من تحتنا لسقطنا. ثم قال المؤلف ﵀: (قد تعالى أن يحد) تعالى: يعني ترفع وتباعد عن الحد، (أن يحد) : يعني عن أن يحد، فإن وما دخلت عليه في تأويل مصدر منصوبة بنزع الخافض؛ لأن نزع الخافض مع أن وإن مطرد، كما قال ابن مالك ﵀: نَقلاً وَفي أَنَّ وَأَنْ يَطَّردُ مع أمْنِ لَبْسٍ كَعَجِبْتُ أنْ يَدُواْ وعلى كل حال فترتيب العبارة: تعالى عن أن يحد، أي تعالى عن الحد، ومعنى ذلك أن الله لا يحد. وكلمة (الحد) من الألفاظ التي لم ترد في الكتاب ولا في السنة، فليس في الكتاب أن الله يحد، ولا أنه

стр. 231

لا يحد، ولا في السنة أن الله يحد، ولا أنه لا يحد. وإذا كان كذلك فالواجب السكوت عن ذلك فلا يقال إنه يحد ولا إنه لا يحد، وليس هناك ضرورة أن نقول: إنه يحد أو لا يحد، ولو كان من الضروري أن نعتقد أن الله يحد أو لا يحد لبينه الله تعالى أو بينته السنة؛ لأن الله تعالى يقول: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء) (النحل: الآية ٨٩) . ولذلك اختلف كلام من تكلم به من السلف في: هل الله يحد أو لا يحد؟ فمنهم من أنكر الحد وقال: إنه لا يجوز أن نقول إن الله محدود، ومنهم من قال: يجب أن نقول إن الله محدود، وأن له حداً. ولكن يجب أن نعلم أن الخلاف يكاد يكون لفظيا؛ لأنه يختلف باختلاف معنى الحد المثبت والمنفي. فمن قال: إن الله محدود أراد أنه بائن من الخلق ومحاد لهم ليس داخلاً فيهم ولا هم داخلون فيه، كما نقول: هذه أرض فلان، وهذه أرض فلان، كل واحدة منهما محدودة عن الأخرى، أي بينهما حد، فمن أثبت الحد أراد به هذا المعنى: أي أن الله تعالى منفصل بائن عن الخلق ليس حالا فيهم ولا الخلق حالُّون فيه، وهذا المعنى صحيح. ومن قال: إنه غير محدود أراد أن الله تعالى أكبر من أن يحد، ولا يحده شيء من مخلوقاته، ولا يحصره شيء من مخلوقاته، فقد وسع كرسيه السموات والأرض، ولا يمكن أن يحده شيء من المخلوقات وهذا المعنى صحيح، وكل السلف متفقون على هذا، وعليه فيكون الخلاف بينهم لفظيا بحسب هذا التفصيل.

стр. 232

فقول المؤلف ﵀: (قد تعالى أن يحد) يدل على أن المؤلف ممن ينكر أن يوصف الله بالحد، فيحمل كلامه على أن المراد بالحد: الحد الحاصر الذي يحصر الله ، فإن الله تعالى - بهذا المعنى - غير محدود، فالله واسع عليم وسع كرسيه السموات والأرض، والسموات والأراضين كلها في كف الرحمن كخردلة في كف أحدنا، وهذا على سبيل التقريب، وإلا فما بين الخالق والمخلوق أعظم مما بين كف الإنسان والخردلة، وعلى كل حال فإن المؤلف أراد بنفي الحد هنا الحد الذي يحصر الله ، ولم يرد الحد الذي يجعله بائنا من الخلق، فإن الحد الذي يراد به بينونة الله من خلقه أمر ثابت واجب اعتقاده. على إننا كما قلنا: إن الكلام في الحد إثباتا ونفيا من الأمور التي ينبغي السكوت عنها؛ لأنها لم ترد في القرآن ولا في السنة لكن إذا ابتلينا وجب أن نفصل.

стр. 233

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٤٥- فلا يحيط علمنا بذاته ... كذاك لا ينفك عن صفاته ــ الشرح قوله: (فلا يحيط علمنا بذاته) هذا مما يدل على أنه أراد بقوله: (قد تعالى أن يحد) أنه لا يمكن أن يكون حصوراً، يحاط به، ولهذا قال: (فلا يحيط علمنا بذاته) ، فذات الله لا يمكن أن يحيط بها العلم، وإذا كان الحس لا يحيط بها فالعلم من باب أولى، قال الله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام: ١٠٣) ، فإذا كان البصر لا يدرك الله مع مشاهدته له، فكذلك العلم المبني على مجرد التخيل والتصور لا يمكن أن يحيط بالله ؛ لأن الله أكبر وأعظم من كل شيء تقدره - مهما قدرت - فالله أعظم، ومهما قدرت فأنت كاذب في تقديرك؛ لأن الله يقول: (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) (طه: الآية ١١٠) ، فكل ما يقدره ذهنك من تصور في ذات الله فإنه كذب، والله أعظم وأجل، ولهذا نهى بعض السلف أن يفكر الإنسان في ذات الله، وقال: إنما التفكر في آيات الله، قال تعالى: (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) (آل عمران: الآية ١٩١) ولم تأت آية - ولا حديث - تحثنا على أن نتفكر في الله نفسه، فالتفكر إنما يكون في آياته، وفي أسمائه، وفي صفاته، أما في ذاته فلا؛ لأنه مهما كان الأمر فلا يمكن أن تصل إلى نتيجة إلا إلى نتيجة محرمة، وهي أن تتصور مثالا ليس لك به علم، وقد قال الله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء: الآية ٣٦)

стр. 234

إذاً: دَعِ التفكر في هذا، وتفكر في أسمائه؛ ومعنى كل اسم، وما يتضمنه من صفة، وتفكر أيضاً في آياته، وما تدل عليه؛ والشمس والقمر، واختلاف الليل والنهار، ومداولة الأيام بين الناس، وما أشبه ذلك، أما أن تجعل ذات الله هي محط التفكير فهذا خطأ وضلال؛ لأنه مهما كان لا يمكن أن تدركها، ولهذا قال: فلا يحيط علمنا بذاته كذاك لا ينفك عن صفاته لما بين المؤلف ﵀: أنه لا يحيط علمنا بذاته، وذلك قد يوهم إلا نتحدث عن الصفات كما إننا لا نتحدث عن الذات، قال: (كذاك لا ينفك عن صفاته) : أي لم يزل ولا يزال متصفا بصفات الكمال، وإذا كان متصفاً بصفات الكمال فلنا أن نبحث عن الصفة من حيث المعنى، لا من حيث الكيفية والكنه التي هي عليه؛ لأن هذا غير مدرك لنا، لكن من حيث المعنى لنا أن نبحث عن الصفة؛ عن معنى الرحمة، ومعنى العزة، ومعنى الحكمة، وغيرها. على أن قول المؤلف ﵀: (كذاك لا ينفك عن صفاته) فيه شيء من الإجمال يحتاج إلى تفصيل، وذلك أن صفات الله تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: قسم لازم لذاته لا ينفك عنه أبداً، وهذا ما يعرف عند العلماء ﵏ بالصفات الذاتية، مثل العلم، والقدرة، والحكة، والعزة، وغيرها. كذلك أيضاً لا ينفك عن الصفات الخبرية التي مسماها بالنسبة لنا أبعاض

стр. 235

وأجزاء، مثل اليد، فاليد صفة ثبتت بالخبر، ولولا الخبر لم يهتدِ العقل إليها إطلاقا، بخلاف القدرة، والقدرة ثبتت بالنص، وثبتت أيضاً بالعقل، حيث إن العقل يهتدي إلى أن الله لابد أن يكون قادراً، أما اليد فلا يثبت العقل ذلك إلا بعد ورود الشرع به، وهذه تسمى صفات خبرية، يعني أن مدارها على الخبر المحض، وليس للعقل فيها مجال إطلاقاً. وهذه الصفات هي التي مسماها أبعاض وأجزاء بالنسبة لنا، فاليد بالنسبة لنا جزء منَّا وبعض، لكن لا يجوز أن نقول: إنها بالنسبة للخالق بعض وجزء؛ لأن البعض أو الجزء هو ما صح انفصاله عن الكل، ومعلوم أن صفات الله تعالى كاليد والقدم لا يمكن أن يتصور فيها أو أن يحكم فيها بجواز الإنفصال، إذاً فلا يصح أن نطلق عليها أنها بعض من الله أو جزء من الله. بل نقول: إنها صفة من صفات الله الذاتية أخبر إله بها عن نفسه فوجب علينا قبولها والإيمان بها. القسم الثاني: صفات فعلية: وهذه باعتبار الجنس - أي جنس الفعل - صفة ذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال فعالاً ، أفعاله لا تنقضي، وكذلك أقواله، قال تعالى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً) (الكهف: ١٠٩) ، لكن آحاد الفعل أو نوع الفعل؛ ينفك الله عنه؛ يعني: ليس لازماً لذاته. مثال ذلك: النزول إلى السماء الدنيا، فهذا نوع وآحاد، نوع: لأنه لم يثبت له نظير قبل خلق السماء، وآحاد: لأنه يتجدد كل ليلة، فالأفعال نوعها قد يكون حادثاًً، وآحادها قد تكون حادثة، لكن جنسها أزلي أبدي،

стр. 236

يعني أن الله لم يزل ولا يزال فعالاً، فالنزول فعل نوعه حادث، وأفراده كل ليلة آحاد. كذلك الاستواء على العرش أيضاً باعتبار أصل الفعل ضفة ذاتية، وباعتبار النوع فهو حادث،؛ وذلك لأنه لم يكن إلا بعد خلق العرش، فيكون الاستواء صفة فعلية، أما أن يكون صفة آحادية فلا نستطيع أن نقول بذلك؛ لأن الاستواء على العرش ثابت، ولا يمكن أن نقول: إن الله قد لا يستوي على العرش، لأننا ليس عندنا علم بهذا الشيء، بخلاف النزول إلى السماء الدنيا، فإنه لما كان مقيداً بزمن قلنا: إنه يحدث كل ليلة بالنسبة للسماء الدنيا. إذاً قول المؤلف ﵀ (كذاك لا ينفك عن صفاته) يجب أن يحمل على الصفات الذاتية والصفات الخبرية، وعلى جنس الصفات الفعلية.

стр. 237

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٤٦- فكل ما قد جاء في الدليل ... فثابت من غير ما تمثيل ٤٧- من رحمة ونحوها كوجهه ... ويده وكل ما من نهجه ــ الشرح قوله ﵀: فكل ما قد جاء في الدليل فثابت من غير ما تمثيل هذه قاعدة نافعة في باب الصفات، فكل ما جاء في الدليل فثابت، ولكن الدليل الذي يعتمد عليه في صفات الله هو الأثر فقط عند أهل السنة والجماعة، والأثر يتمثل في أمور ثلاثة: الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، فهذه هي مصادر التلقي بالنسبة للصفات. أما عند غير أهل السنة والجماعة فالدليل المعتمد عليه في هذا الباب هو العقل، وهذا مذهب الأشاعرة، والمعتزلة والجهمية وغيرهم، فيقولون: ما اقتضى العقل إثباته أثبتناه وإن لم يوجد في الكتاب والسنة، وما اقتضى العقل نفيه نفيناه وإن وجد في الكتاب والسنة. وما لا يقتضي العقل إثباته ولا نفيه فأكثرهم نفاه؛ لعدم وجود الدليل المثبت، والأصل العدم فما دام العقل لم يثبته فيجب نفيه، وبعضهم توقف فيه لعدم الدليل المثبت والنافي، وقال: لا نثبت لعدم وجود الدليل المثبت، ولا ننفي لعدم وجود الدليل النافي، لكن الأكثر على النفي لقولهم: إذا لم يوجد دليل مثبت فالأصل عدم الثوب؛ فنفيه.

стр. 238

وقوله: (فثابت) أي ما جاء فيه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأقوال الصحابة ﵃ فإنه ثابت، لا يجوز أن ننفيه لا تكذيباً ولا تحريفاً، وهذا الأخير يسمى عندهم بالتأويل، وإن شئت فقل: لا تكذيبا ولا تأويلا بمعنى التحريف. فمثلاً الاستواء على العرش: هذا ثابت بالدليل، وهو قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه: ٥) ، فلا يجوز أن ننفيه بتكذيب فنقول إن الله لم يستوٍ؛ لأن من قال: إن الله لم يستوٍ فهو كافر كفراً مخرجاً عن الملة لأنه مكذب، ولا يجوز أن ننفيه بتأويل يكون تحريفاً، فمن قال: إن الله استوى بمعنى استولى، فهذا اثبت الاستواء لكن حرف معناه، فنحن نثبته ولا ننفيه لا تكذيباً ولا تأويلاً الذي حقيقته التحريف، وهذا هو معنى قول المؤلف: (فثابت) أي ثابت ثبوتاً حقيقياً لا تكذيب فيه ولا تحريف، والدليل على وجوب ثبوته من النقل والعقل. أما النقل فلأن الله أثبت هذه الأسماء والصفات في كتابه فقال: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: الآية ١٨٠) ، وقال: (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) (الكهف: الآية ٥٨) ، وقال: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ والإكرام) (الرحمن: ٢٧) ، فاثبت الأسماء والصفات الخبرية والذاتية. أما الدليل من العقل: فهو أن صفات الله وأسماءه أمور خبرية غيبية لا مدخل للعقل في تفصيلها، فوجب الاعتماد فيها على النقل، فما أثبته النقل أثبتناه، وما نفاه نفيناه، وما سكت عنه توقفنا فيه، لا نثبت، ولا ننفي.

стр. 239

وقول المؤلف: (فثابت من غير ما تمثيل) ؛ لما كان الثبوت قد يستلزم التمثيل، نفى هذا فقال: (من غير ما تمثيل) فلا نمثل، فنثبت لله وجها بدون تمثيل، ونثبت له يدا بدون تمثيل، وهكذا بقية الصفات والتمثيل قد دل على نفيه عن الله النقل والعقل فأما الدليل من النقل: فقد قال الله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء) (الشورى: الآية ١١) ، وهذا نفي عام لا يماثله شيء في أي صفة من صفاته، وقال: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) (مريم: الآية ٦٥) ، وقال: (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ) (النحل: الآية ٧٤) ، وقال: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً) (البقرة: الآية ٢٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة كلها تدل على أن الله ليس له مثل، ولا يجوز أن يجعل له مثل. فليس له مثل للأدلة الخبرية، ولا يجوز أن يجعل له مثل للأدلة الطلبية. وليلاحظ أن هناك نفياً للمماثلة ونهياً عن المماثلة، فنفي المماثلة مثل قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء) ، (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) ، والنهي عن التمثيل كقوله تعالى: (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ) ، وقوله تعالى: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً) . وأما الدليل العقي على امتناع التمثيل: أن الخالق مباين للمخلوق في ذاته ووجوده ومرتبته. أما في ذاته: فإن كل أحد يعلم بأن الخالق ليس كالمخلوق، فالمخلوق خلق من مادة ومن عناصر مكونة يقوم بعضها ببعض، والخالق ليس كذلك، فليس من جنس العناصر الموجودة؛ ليس من جنس الذهب ولا الحديد ولا

стр. 240

الزجاج ولا الرصاص ولا اللحم ولا التراب، فهو مخالف لجميع الأجناس المخلوقة وليس من جنسهم. كذلك أيضاً في الوجود: فالمخلوق وجوده ممكن والخالق وجوده واجب، وقلنا: المخلوق وجوده ممكن؛ لأنه يجوز عليه العدم، وكل ما نشأ من عدم فإنه يجوز عليه العدم، أما الخالق فوجوده أزلي أبدي. وأما في المرتبة: فالخالق فاعل والمخلوق مفعول، والفاعل أكمل من المفعول، فلا يمكن أن يجعل البناء كالباني، فلا يجعل القصر كالذي بناه فلما كان الخالق مخالفاً للمخلوق في ذاته ووجوده ومرتبته لزم من ذلك أن يكون مخالفاً له في صفاته؛ لأن الاختلاف في الذات يستلزم الاختلاف في الصفات، ولهذا نقول: إن الله تعالى لا يماثله شيء من مخلوقاته سمعاً وعقلاً. والحس يشهد بالمخالفة أيضاً؛ فالرب إذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون، والرب كل المخلوقات في يده كخردلة في يد أحدنا. إذاً لا يمكن أن يكون مماثلا للمخلوق. كذلك أيضاً نشاهد أن الناس يدعون الله فستجيب لهم بأمور لا يمكن أن يطيقها المخلوق، قال النبي ﵊: ((اللهم أغثنا) (١) ، فنشأت السحابة وأمطرت قبل أن ينزل من المنبر، ولا يمكن للمخلوق أن يصنع ذلك. إذاً الحس يشهد بمخالفة المخلوق للخالق. ولا يلزم من التماثل في الإسم أن يتماثل الشيء في الصفة، ولهذا نقول: للإنسان يد ورجل، وللثور يد ورجل، وللفيل يد ورجل، وللنمل يد

стр. 241

ورجل، ولا يلزم من هذا التماثل في الإسم التماثل في الحقيقة، وكل يعرف أن رجل الفيل ليست كرجل الذرة، وهذا في المخلوقات مع بعضها فكيف بالخالق؟! فتبين إذاً مخالفة الخالق للمخلوق بدليل السمع والعقل والحس. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (من رحمة) ؛ فعقيدة أهل السنة والجماعة إثبات الرحمة لله وأنها صفة حقيقية يتصف الله بها حقاً، أما أهل التعطيل من الأشاعرة وغيرهم فقد أنكروا صفة الرحمة، لكنهم أنكروها إنكار تأويل وليس إنكار تكذيب، وسبق أن إنكار التكذيب كفر، وإنكار التأويل ليس بكفر، بل قد يعذر فيه الإنسان. وهم يفسرون الرحمة ويقولون: إن المراد بها أحد أمرين: إما الإحسان وإما إرادة الإحسان. فإذا فسروها بالإحسان فقد فسروها بمفعول منفصل عن الله، وليس من صفاته، وإذا فسروها بالإرادة فسروها بصفة يقررونها؛ لأنهم يثبتون لله سبع صفات، وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والإرادة، والكلام. فهم يثبتون الإرادة؛ ولذلك يفسرون الرحمة بإرادة الإحسان، فيقولون: الرحمن الرحيم: يعني المريد للاحسان، أو المحسن، فيفسرون الرحمة بلازمها ومقتضاها، ولا شك أن هذا تحريف. والرد عليهم في ذلك بأن يقال: ما دام أثبتم الإرادة فليس هناك ما يمنع أن تثبتوا الرحمة، وما زعمتم من أن الرحمة رقة ولين وضعف فالجواب عن هذا بأمرين:

стр. 242

الأول: منع أن تكون الرحمة دالة على الرقة واللين والضعف. والثاني: لو قدر أن هذا مقتضاها باعتبار رحمة المخلوق، فإن ذلك لن يكون مقتضاها باعتبار رحمة الخالق. وقول المؤلف ﵀: (ونحوها) . أي نحو الرحمة، ومثال ذلك الحكمة، فالحكمة صفة ثابتة لله ، والسلف وأهل السنة والجماعة يثبتونها لله تعالى ويرون أنها من أكمل الصفات. والحكمة ممنوعة عند أهل التعطيل، حيث يقولون: إن الله ليس له حكمة، لا فيما شرع ولا فيما خلق؛ لأن الحكمة غرض، والله تعالى منزه عن الأغراض، ومنزه عن الأعراض، ومنزه عن الأبعاض، ولذلك يقول القائل منهم في الثناء على الله: سبحان من تنزه عن الأعراض والأغراض والأبعاض. وهذا كلام مسجوع لكنه ممنوع، لأن المراد بقولهم: سبحان من تنزه عن الأعراض: يعني عن الصفات، والأغراض: يعني عن الحكمة، والأبعاض: يعني عن اليد والوجه والعين وغيرها. فهم ينكرون الحكمة ويقولون: إن الله لا يفعل الشيء لحكمة، ولكنه لمجرد المشيئة؛ إذا شاء أن يفعله فعله، وإذا شاء أن لا يفعل فلا يفعل، أما أن يكون لحكمة وغاية محمودة فهذا لا يمكن؛ لأن الحكمة غرض، والغرض فيه منفعة لصاحب الغرض أو دفع مضرة عنه، والله لا يحتاج إلى جلب منفعة ولا إلى دفع مضرة. ولا شك أن هذا القول من أنكر الأقوال، وفيه في الحقيقة سلب صفة عن الله من أجل الصفات وهي الحكمة، وعلى قولهم يكون الله تعالى قد

стр. 243

خلق السموات والأرض باطلاً، ويكون قد خلق الإنسان سدى، وقد شرع الشرائع عبثاً، وكل هذا يكذبه القرآن، قال الله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون: ١١٥) ولو كان خلق الخلق لغير حكمة لكان عبثاً، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) (الدخان: ٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (الدخان: ٣٩) ، وقال تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) (صّ: ٢٧) . وإذا قدر أن الغرض جلب منفعة أو دفع مضرة فإن هذا بالنسبة للمخلوق، أما الخالق فليس ذلك، على إننا لا نرى أن هذا يكون مطرداً في المخلوق، فقد يريد الإنسان الشيء لجلب منفعة لغيره أو دفع مضرة عن غيره، فإن الإنسان لو وجد شخصاً غريقاً في الماء ونزل لإنقاذه فإنه لا يطلب منفعة مادية لذلك وإن كان له الأجر، والثواب في الآخرة، على أن أول وارد يرد على الإنسان في هذا إنقاذ أخيه، وقد يكون حين الإنقاذ لم يتصور ولم يفكر في الثواب، فيكون الغرض من ذلك دفع ضرة عن الغير. ومع هذا نقول: لو سلمنا جدلاً أن الإنسان لا يريد بأفعاله وأقواله إلا ما يتعلق بمصلحته، من جلب منفعة أو دفع مضرة، فهذا بالنسبة للمخلوق. أما الله فإنه غني عن العباد، قال الله تعالى: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران: الآية ٩٧) فهو يفعل الشيء لا لمصلحته ولا لمنفعته ولا لدفع الضرر عنه ولكن للإحسان إلى المخلوق، والإحسان إلى الغير صفة مدح.

стр. 244

وبناء على ذلك فحكمة الله متعلقة بفعله ومتعلقة بمفعوله، بفعله فلا ينسب إلى العبث؛ وبمفعوله بما يحسن به إلى الناس، من جلب المنفعة ودفع المضرة. إذاً فنحن نثبت الحكمة لله لا على أنه محتاج إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، ولكن لأن فعله ليس بعبث وليس بباطل، وهو إنما يفعل الفعل لمصلحة العبد، فلهذا فنحن نثبت لله الحكمة. والمنكرون للحكمة القائلون بأن فعله إنما هو لمجرد المشيئة، لهم شبهات، منها مثلاً قوله تعالى: (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) (الأنبياء: ٢٣)) ، ولكن هذا ليس فيه دليل: أولاً: لأن الآية في إبطال ألوهية الأصنام، ومن خصائص ألوهية الأصنام أنها تسأل إذا كانت ممن يتوجه إليه السؤال، أما الله فإنه لا يسأل. ثانياً: أن معنى الآية لا يسأل عما يفعل سؤال مناقشة، بحيث يمنع أو يؤذن له؛ لأنه تام السلطان ، فله أن يفعل ما يشاء، ولكن نحن نعلم أن فعله مقرون بالحكمة، وليس في الآية ما يشير إلى أن فعل الله ليس له حكمة، بل في الآية ما يدل على كمال سلطانه، وأنه لا أحد يسأله، أو على كمال فعله وحكمته، فلا نحتاج أن نسأل لماذا فعل؟ لأننا نعلم أنه ما فعل إلا لحكمة. فالآية منزلة على أحد وجهين إما أنه لا يسال عن فعله لكمال سلطانه؛ أو لا يسال عن فعله لكمال حكمته، لكن غير الله يسأل: لماذا فعلت؟ لأنه قد يفعل الشيء لغير حكمة، وقد يفعل الشيء لما يظنه حكمة وليس بحكمة، إما الله فلا يفعل الشيء إلا لحكمة يعلم أنها

стр. 245

حكمة، وحينئذٍ لا يسأل عما يفعل. قال المؤلف ﵀: (كوجهه) فالوجه أيضاً من صفات الله، وقد أثبت الله لنفسه الوجه في عدة آيات، منها قوله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) (الرحمن: ٢٦) (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ والإكرام) (الرحمن: ٢٧)) ، فأثبت الله لنفسه وجها، ووصف هذا الوجه بأنه ذو جلال وإكرام، أي ذو عظمة وبهاء وحسن، (وذو إكرام) أي يكرم ويكرم . وهنا يرد إشكال في قوله تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ والإكرام) (الرحمن: ٢٧) ، وفي قوله: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ والإكرام) (الرحمن: ٧٨) ، فجاء في الآية الأولى ((ذو)) وفي الآية الثانية ((ذي)) ، وذلك لأن ((ذو) في الآية الأولى صفة للوجه الذي هو فاعل الفعل (يبقى) ، قال تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ والإكرام) . وأما (ذي) في الآية الثانية فهي صفة للرب تعالى وليست صفة للاسم؛ لأن الاسم لا يوصف، فهو صفة للذات وليس صفة للإسم، قال تعالى: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ والإكرام) فقال: ربك ذي الجلال، وهذا يعني أنه لا يصح أن يوصف الاسم بأنه ذو جلال وإكرام، فالاسم اسم مسمى، بخلاف الوجه. وقال تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَه) (القصص: الآية ٨٨) ، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ) (الرعد: الآية ٢٢) ، والآيات في هذا متعددة. وأما قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله) (البقرة: الآية ١١٥) ، ففيها قولان للسلف:

стр. 246

القول الأول: إن المراد بوجه الله وجه الله الحقيقي، وقالوا: إن الآية نزلت في الصلاة، والمصلي أينما توجه فالله قِبل وجهه. القول الثاني: إن المراد بالوجه الجهة، كقوله تعالى: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) (البقرة: الآية ١٤٨) ، فالمراد أينما تكونوا فثم جهة الله التي أمركم باستقبالها، وتكون الآية نزلت فيمن اشتبهت عليه القبلة فاتجه إلى غير القبلة وهو يريد القبلة، فنقول: هذه جهة صحيحة؛ لأنك اجتهدت وأداك اجتهادك إلى ذلك، أو لصلاة النافلة في السفر، فإن المسافر يصلي حيث كان وجهه. وعلى كل حال فالآية التي يقول الله تعالى فيها: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله) ، فيها قولان للسلف، لكن بقية الآيات لا يراد بها إلا الوجه. والوجه صفة حقيقية ثابتة لله تعالى، منزهة عن مماثلة أوجه المخلوقين، والدليل على أنها حق ثابتة لله تعالى أن الله أثبتها لنفسه، والدليل على أنها لا تماثل أوجه المخلوقين أن الله قال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: الآية ١١) . فإن قال قائل: إنه ثبت عن النبي ﷺ انه قال: ((إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) (١) ، وهذا يدل على أن وجه آدم مماثل لوجه الله، وانتم تقولون: إن لله وجها لا يماثل أوجه المخلوقين، فما هو الجواب عن هذا الحديث؟

стр. 247

فالجواب: أن يقال: هذا الحديث من الأحاديث المتشابهة، فمن كان في قلبه زيغ اتبعه، وجعله مناقضا للقران، وضرب القرآن بعضه ببعض، وقال إن القرآن يقول: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: الآية ١١) وهذا الحديث يقول: ((إن الله خلق آدم على صورته) ؛ فيتبع المتشابه، وأما الراسخون في العلم فيفتح الله عليهم ويعرفون وجه الجمع بين النصوص، ويقولون. أولاً: إن معنى قوله: ((خلق آدم على صورته) : أي على الصورة التي اختارها الله ، وخلقها في أحسن صورة، تكون إضافة الصورة إلى الله إضافة خلق وتشريف، كقوله: (نَاقَةُ اللَّهِ) (الأعراف: الآية ٧٣) :، (مَسَاجِدَ اللَّهِ) (البقرة: الآية ١١٤) ، وما أشبه ذلك، وهذا وارد في القرآن، ولا يمتنع على الله . ثانياً: أن نقول: ((على صورته) : أي على صورة الله التي هي صفته، ولا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلاً للشيء، والدليل على هذا أن النبي ﷺ أخبر بأن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر (١) ، ومعلوم أنها ليست على صورة القمر من كل وجه، فليس في القمر عين ولا أنف ولا فم، ومن دخل الجنة فهو له عين وأنف وفم، فهذا يدل على أنه لا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلاً للشيء. وهنا يرد إشكال حيث يعتقد بعض العامة أن القمر وجه إنسان، وأن فيه عينين وشفتين ومنخرين، وأن المرأة إذا صعدت إلى السطح يجب عليها أن تحتجب عنه لأنه وجه آدمي.

стр. 248

والجواب على هذا: أنه غير صحيح، لأنه غير وارد، وقد ذكرت هذا هنا من أجل التحذير من مثل هذه العقائد الفاسدة. وعلى هذا يكون قولنا: إن الله خلق آدم على صورته، لا ينافي قولنا: إننا نثبت لله وجها لا يماثل أوجه المخلوقين. وصفة الوجه هنا ليست معنوية، ولكنها موافقة لمسمى هو منا أبعاض وأجزاء، فالوجه بالنسبة لنا بعض منا، لكن بالنسبة لله لا نقول إنه بعض، لأن البعض في اللغة ما جاز انفكاكه عن أصله وانفصاله عنه، ومثل هذا في صفات الله لا يمكن، وإن كان في صفاتنا ممكنا، فلهذا نقول: إن هذه الصفات صفات خبرية، مسماها بالنسبة لنا أبعاض وأجزاء. وقال المؤلف ﵀: (كوجهه) وقد تكلمنا على الوجه، وذكرنا أن الوجه صفة حقيقية ثابتة لله، وليست هي الثواب كما ادعاه أهل التعطيل؛ فقالوا: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ) (الرحمن: الآية ٢٧) أي ثوابه؛ لأن هذا تحريف للكلم عن مواضعه، فالثواب لا يوصف بأنه ذو جلال وإكرام. بل وجه الله هو الذي يوصف بالجلال والإكرام. وأيضاً فإن الرسول ﷺ قال: ((أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له السموات والأرض وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة) (١) ، فقال: بنور وجهك الذي أشرقت له السموات والأرض، وهذا لا يمكن أن يكون للثواب. والمهم أن الذين فسروه بالثواب أخطئوا الطريق وضلوا عنه، وحرفوا الكلم عن مواضعه، فجمعوا بين الجهل والضلال؛ حيث وصفوا الثواب بما لا يصح إلا لوجه الله، وبين العدوان على النصوص حيث حرفوها عن

стр. 249

مواضعها بشبهة؛ هي شبهة وليست بحجة، حيث يقولون: لو أثبتنا لله وجهاً لكان جسماً. وجوابنا على ذلك أن نقول: أأنتم اعلم أم الله، فإن قالوا: نحن أعلم. كفروا، وإن قالوا: الله أعلم، فنقول: إن الذي هو أعلم هو الذي وصف نفسه بأن له وجهاً، فلماذا تنكرون ما وصف به نفسه؟ ثم نقول: إن تفسير الوجه بالثواب أو نحوه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف، والواجب علينا في الأمور الخبرية هو إتباع النص والأخذ بظاهره، وإتباع السلف في هذا؛ لأن العقول ليس لها مجال في هذا الباب. والوجه من الصفات الخبرية وليس من الصفات المعنوية، وذلك لأن الله اخبر عنه ولم يكن له مستند إلا الخبر المحض، ولولا إخبار الله أن له وجهاً ما عرفنا أن له وجهاً. إذاً هو ليس معنوياً، أي ليس كالقوة والعزة والحكمة، يعني ليس معنى من المعاني، بل هو حقيقة أخرى نظير مسماها بالنسبة لنا أبعاض وأجزاء، فالوجه بعض منا لكننا لا نطلق كلمة بعض على الله أو على شيءٍ من صفاته؛ لأن البعض ما جاز انفصاله عن الكل، وهذا بالنسبة لصفات الله أمر مستحيل. وقوله ﵀: (ويده) يعني وكذلك نؤمن بيد الله بدون تمثيل، والبحث في اليد في أمور: البحث الأول: هل ثبتت اليد لله : الجواب: نعم ثبتت اليد لله بالكتاب والسنة وإجماع السلف، قال الله تعالى يخاطب إبليس: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)

стр. 250

(صّ: الآية ٧٥) بيدي الثنتين، وقال عن اليهود: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) (المائدة: الآية ٦٤) ، فأثبت الله تعالى له يدين بدليل هاتين الآيتين، وهذا هو الدليل من القرآن الكريم. أما الدليل من السنة فقول النبي ﷺ : ((يد الله ملأى، لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه) (١) ، وقال ﷺ : ((إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل)) (٢) ، فقال في الحديث الأول: ((يد الله ملأى ... سحاء) ، ملأى: يعني فيها الخير الكثير، سحاء: أي معطاء تعطي؛ وذلك لأن اليد قد تكون خالية فلا يمكن العطاء منها، وقد تكون ملأى ويكون صاحبها بخيلا، فإذا كانت ملأى ولكن صاحبها لا ينفق صارت غير سحاء، وإذا لم يكن فيها شيء فلا إنفاق؛ لأنها خالية، أما يد الله فملأى سحاء دائماً، تعطي الليل والنهار، ومع ذلك فإنه لم يغض ما في يمنه أي لم ينقص. أما إجماع السلف فهذا أمر معلوم وسبق أن عرفنا طريق العلم بمثل هذا الإجماع؛ لأنه قد يتعذر أن تجد نقلاً عن السلف وخصوصاً الصحابة ﵃ بأنهم أثبتوا اليد لله نصا، فيكون الطريق إلى الإجماع في هذا: أن القرآن نزل باللسان العربي الذي يفهمه الصحابة، فإذا لم يأت عنهم ما يخالف هذا القرآن فهم مجمعون عليه؛ لأنهم لو فهموا أن المراد خلاف ما جاء به لنقل عنهم. فلما لم ينقل عنهم قول مخالف، لما كانوا يتلونه في الليل والنهار، علم
следующие страницы →