← Акыда

Акыда · id 9725

شرح العقيدة السفارينية

ابن عثيمين

Полный текст (734 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الباب الرابع في أشراط الساعة ١٠٣- وكل ما صح من الأخبار ... أو جاء في التنزيل والآثار ١٠٤- من فتنة البرزخ والقبور ... وما أتى في ذا من الأمور ــ الشرح أورد المؤلف ﵀ هذا الباب، وهو في أشراط الساعة، والأشراط جمع شرط، وهو في اللغة العلامة، وفي الاصطلاح ما يتوقف صحة الشيء على وجوده، والمراد به هنا العلامة، فقوله: أشراط الساعة، يعني علاماتها، والساعة هي القيامة، وسميت الساعة لأنها ساعة مشقة وإنذار وساعة عظيمة ومفزعة، وكل شيء يكون عظيماً فإنه يسمى ساعة، قال تعالى (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) (محمد: الآية١٨)) . وأشراط الساعة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم مضى، وقسم ما زال يأتي، وقسم أكبر وهو الأشراط القريبة منها وهي الأشراط الكبار. فمن الأشياء التي مضت بعثة النبي ﷺ ؛ فإن بعثته وجعه آخر الرسل تدل على أن الساعة قريبة، ولهذا قال النبي ﷺ : (بعثت أنا والساعة كهاتين)) (١) ، ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى يعني أننا مقترنان، وليس

стр. 422

بيننا إلا مثل ما بين السبابة والوسطى. وهناك أشراط ما زالت تقع مثل كثرة المال وكثرة الهرج يعني القتل، وتقارب الزمان، وغير ذلك. وقسم ثالث لم يأت بعد، وهو الأشراط الكبيرة: كنزول عيسى ابن مريم ﷺ ، والدجال، ويأجوج ومأجوج، وما أشبهها. فما موقفنا نحو هذه الأشراط؟ يقول المؤلف: (وكل ما صح من الأخبار) يعني الأحاديث التي صحت عن النبي ﷺ (أو جاء في التنزيل والآثار) . وهذه ثلاثة طرق تثبت بهذا أشراط الساعة: الأول: ما صح من أخبار النبي ﷺ ، وقيد المؤلف ﵀ ذلك بقوله: (ما صح) احترازا مما لم يصح، وليعلم أن بعض العلماء ﵏ أفرط في سياق الأشراط، وذكر ما لا يصح عن النبي ﷺ ، فذكر أحاديث لا زمام لها ولا صحة لها، ولهذا يجب التحرز من الكتب المؤلفة في هذا، مثل الإشاعة في أشراط الساعة، فإن فيه أشياء كثيرة غير صحيحة، فيجب التحرز من هذا لئلا نقع في نسبة شيء إلى رسول الله ﷺ وهو ليس كذلك. الثاني: ما جاء في التنزيل، والمراد به القرآن، كما قال الله تعالى (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (السجدة: ٢) . والثالث: ما جاء في الآثار، وهي جمع أثر، وهو ما روي عن الصحابي، بشرط ألا يكون معروفاً بالأخذ عن بني إسرائيل، فإن كان

стр. 423

معروفاً بالأخذ عن بني إسرائيل فإن إخباره تكون كأخير بني إسرائيل لا تصدق ولا تكذب. فهذه ثلاثة طرق لإثبات أشراط الساعة. ثم ذكر المؤلف ﵀ أمثلة لهذه الأشراط، فقال: (من فتنة البرزخ والقبور) والواقع أن هذا ليس من أشراط الساعة، لكنه من الأمور السمعيات التي تتلقى من السمع. والفتنة في اللغة هي الاختبار، فهي هنا اختبار للإنسان، والبرزخ: الحاجز بين الشيئين، والمراد به ما بين موت الإنسان إلى قيام الساعة، وعطف القبور عليه من باب عطف الخاص على العام؛ لأن البرزخ أعم من القبور، قد يموت الإنسان ويلقى على وجه الأرض فتأكله السباع، فهو حين ذلك لا يكون في قبر، ولكنه في برزخ، فكل ميت فهو في برزخ، وكل مقبور فهو في برزخ، فعطف القبور على البرزخ من باب عطف الخاص على العام. وفتنة البرزخ هي الاختبار الذي يحصل للميت إذا دُفن، وذلك بأنه يأتيه ملكان فيقعدانه، ويسألانه عن ربه ودينه ونبيه، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، فيقول: المؤمن ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد، فينادي مناد من السماء: أن قد صدق عبدي، فيصدق، ويسمعه هو، فيزداد بذلك فرحاً أن شهد له شاهد من السماء بأنه صادق. ويعتبر هذا من نعيم القبر؛ لأن الإنسان إذا صدق في قوله ازداد بذلك فرحاً وسرورا.

стр. 424

وأما المنافق أو المرتاب، فإنه يقول: هاه هاه، لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي؛ حيث أنه يدري أنه لا إله إلا الله، ويدري أن محمدا رسول الله، ويدري أن الدين عند الله الإسلام، ولكنه عاند وأصر، فيقال: كذب عبدي. فيفسح للأول في قبره، ويفتح له باب إلى الجنة، ويأتيه عمله الصالح فيجلس عنده يؤنسه، وأما الثاني - والعياذ بالله - فيضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، أي يدخل بعضها في بعض من شدة الضيق، ويفتح له باب إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها، ويأتيه عمله السيئ في أخبث صورة - والعياذ بالله - فيوبخه على ما فرط وأهمل في دين الله . هذه الفتنة يجب علينا أن نؤمن بها، فقد ثبتت هذه الفتنة في الكتاب والسنة، أما في الكتاب فعلى طريق الإشارة في قوله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) (إبراهيم: ٢٧) ، وأما في السنة فالأحاديث بذلك مشهور معلومة، فيجب علينا أن نؤمن بها. وفي هذه المسألة مباحث، منها: المبحث الأول: متى تكون هذه الفتنة؟ هل هي بخروج الروح أو بتسليم الإنسان إلى عالم الآخرة؟ والجواب الثاني: أما مجرد خروج الروح فلا يحصل به فتنة؛ لأن النبي ﷺ كان إذا أرادوا دفن الميت، يقول: (أسرعوا بالجنازة؛ فإن تكن صالحة فخير

стр. 425

تقدمونها إليه)) (١) ، وهذا يدل على أنها لا تصل إلى ذلك الخير ما دامت في أيديهم، وعلى هذا فإذا مات ميت ووضع في الثلاجة للتحقق من موته، وأسبابه، فإنه لا يفتن، ولا يأتيه ملكان حتى يدفن. المبحث الثاني: هل هذا خاص بالمقبور لقوله: (إذا دفن الميت) أو يشمل كل ميت؟ والجواب: أن هذا ليس خاصا بالمقبور بل يشمل كل ميت، وقوله ﷺ : ((إذا دفن الميت ... الخ)) ، بناءً على الأغلب، وما قيد بقيد أغلبي فلا مفهوم له، وعلى هذا فإذا ألقي الإنسان في البر، أو القي في البحر ومات هناك، فإنه يأتيه الملكان ويفتن. المبحث الثالث: هل هذه الفتنة عامة لكل أحد أو يخرج منها من يخرج بإذن الله؟ والجواب: أن هذه الفتنة يخرج منها من يخرج بإذن الله، ومن ذلك: أولاً: غير المكلف، فإن كثيراً من أهل العلم قالوا: إن غير المكلف لا يسأل لأنه غير مكلف؛ سواء أجاب بخطأ أو صواب، فما دام التكليف رفع عنه في الدنيا فإنه يرفع عنه في الآخرة. وقال بعض العلماء: بل يأتيه الملكان ويسألانه، وهو إذا كان محكوماً بإيمانه فإنه سوف يجيب بالصواب، ولا يبعد أن الله يكلف هذا الصغير، وأن الصغير يجيب بالصواب، فها هو عيسى بن مريم كان في المهد، ولما انتقدوا على أمه أشارت إليه، (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ

стр. 426

وَجَعَلَنِي نَبِيّاً) (مريم: ٣٠) (وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً) (مريم: ٣١) (وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً) (مريم: ٣٢) (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً) (مريم: ٣٣) كل هذا قاله وهو في المهد. فهؤلاء الأطفال الذين يموتون، أو المجانين - وإن كانوا غير مكلفين - فإن الله تعالى قادر على أن ينطقهم في القبر بما يشاء. مسألة: إذا قلنا: أن غير المكلف لا يُسأل في قبره فلو كلف ثم زال تكليفه يعني كان بالغ ثم أصيب بجنون هل يسأل؟ والجواب: الظاهر أنه يسأل لأنه أتى عليه زمن التكليف. ثانياً: ومما يستثنى الشهيد؛ فالشهيد الذي قتل في سبيل الله لا يسأل، كما جاء ذلك في الحديث عن النبي ﷺ ، حيث قال: ((كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة)) (١) ، فإن هذا الرجل الذي وقف أمام السيوف وسلم رقبته للعدو، يدل فعله هذا أكبر دلالة على صحة إيمانه، وحينئذٍ لا يحتاج إلى سؤال. ثالثاً: ومما يستثنى: النبي؛ فإنه لا يسأل؛ لأن النبي مسؤول عنه، حيث يقال: ما دينك؟ من نبيك؟ ولأنه إذا كان الشهيد لا يسأل، فالني أعلى درجة منه، وإن كانت الأمور في الآخرة ليس فيها قياس، لكننا نقول: إن النبي عنده من اليقين أكثر مما عند الشهيد، ولا شك في هذا، ولهذا نقول: إن النبي لا يسأل.

стр. 427

المبحث الرابع: بأي لغة يسال؟ والجواب: قال بعض العلماء: يسأل بالسريانية، والسريانية لغة النصارى، والظاهر والله أعلم أن هذا القول مأخوذ من النصارى، من أجل أن يفتخروا ويقولوا لغتنا لغة السؤال في القبر لكل ميت، والذي يظهر أنه يسأل بما يفهم. ولو أردنا أن نفضل لغة على لغة لفضلنا العربية؛ لأنها لغة أمة محمد ﷺ . وعلى كل حال فإن الذي يظهر لنا -والعلم عند الله - أن الإنسان يسأل بما يفهم، فإن كان من العرب فباللغة العربية، وإن كان من غير العرب فبلغتهم. المبحث الخامس: من السائل؟ والجواب: السائل الملكان كما في الحديث، فقيل: إنهما الملكان اللذان يكتبان على الإنسان عمله من خير وشر، فهما صاحباه في الدنيا، وهما سائلاه في القبر. وقيل: بل هما ملكان آخران، ونحن نتوقف في هذا، فالله أعلم. ففي الأحاديث جاء في بعضها: ((أتاه ملكان)) (١) ، وفي بعضها جاء ((يأتيه الملكان)) (٢) . بـ (ال) ، و (ال) هذه يحتمل أنها للمعهود الذهني، أي الملكان المعروفان اللذان يكتبان أعمال العباد، ويحتمل أنها للجنس؛ فتكون

стр. 428

بمعنى ملكين. وأنا أتوقف في هذا؛ فأقول: يأتيه ملكان أو الملكان كما جاء في الحديث، والله أعلم من هما. المبحث السادس: ما اسم هذين الملكين؟ والجواب: ورد في بعض الآثار: أن اسمهما منكر ونكير، وليس المنكر هنا المنكر الشرعي، بل المنكر غير المعروف. كما قال إبراهيم ﵊ للملائكة: (قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) (الحجر: ٦٢) ، فهذا منكر أي لا يعرفه الميت، ونكير بمعنى منكر، فالاختلاف في اللفظ. وقيل لا يسميان، وأن تسميتهما بمنكر ونكير ضعيف، ولم يصح به الحديث عن النبي ﷺ . وعقيدتنا في هذا أن نقول: إن كان النبي ﷺ سماهما بذلك فنحن نعتقده، وإن لم يكن سماهما فنحن نطلق، ونقول: ملكان فقط، ولا يسعنا أكثر من ذلك. المبحث السابع: ثبت في الحديث إنهما يقعدان الميت (١) ، وهنا إشكال فإن القبر لا يتسع لجلوس الميت كما هو معروف، فكيف يقال إنهما يقعدانه؟ والجواب على ذلك أن نقول: أمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا، فأمور الآخرة وظيفتنا أن نقول عندها: سمعنا وصدقنا وآمنا، ولا تكون كأحوال الدنيا، وإذا كنا نرى في الدنيا أشياء في المنام لا تطابق المعروف في اليقظة. فما بالك في الممات؟ ففي المنام يرى الإنسان الرؤيا فيها ذهاب ومجيء

стр. 429

وركوب وغيره، كل هذا وهو على فراشه لم يتحرك، حتى اللحاف ما انكشف منه شيء. وقد يرى أشياء تحتاج لوقت طويل في مدة قصيرة، لكن سبحان الله؛ في المنام يرى الإنسان أشياء يقضيها في لحظة وهي تحتمل أياماً، فنقول: الأمور الأخروية لا تقاس بالأمور الدنيوية، وأمور الموت لا تقاس بأمور اليقظة، بل وأمور النوم لا تقاس بأمور اليقظة. قوله: (وما أتى في ذا من الأمور) أي فيما يتعلق بالقبر والبرزخ من الأمور العظيم، منها أنه بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب، وعلى هذا فيجب علينا أن نؤمن بأن الإنسان يعذب أو ينعم في قبره، والدليل على ذلك من الكتاب ومن السنة. أما من الكتاب، فقال الله : (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيبين يَقُولونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادخلوا الجَّنة بِما كُنْتُم تَعْمَلُون) (النحل: ٣٢) .، وهذا يدل على أنهم يأتيهم من نعيم الجنة في أول يوم يفارقون الدنيا. وأما العذاب فمن ذلك قوله ﵎: (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) (الأنفال: ٥٠) (إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ) أي: في تلك الساعة (يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) . ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) (الأنعام: الآية٩٣)) ، فقال سبحانه (الْيَوْمَ) يعني يوم إخراج أنفسهم، أي يوم موتهم يجزون عذاب

стр. 430

الهون. ومن ذلك قوله تعالى في آل فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) (غافر: ٤٦) فقال: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً) . وذلك قبل قيام الساعة. (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) . أما السنة فهي مستفيضة في إثبات عذاب القبر ونعيمه، ومن ذلك حديث ابن عباس ﵄ في الصحيحين: مر النبي ﷺ على قبرين فقال: ((إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة)) (١) ، فأثبت هذا الحديث عذاب القبر. ومن ذلك أيضاً دعاؤنا في الصلاة: ((أعوذ بالله من عذاب القبر)) ونحن لا نستعيذ إلا من شيء موجود. وهنا يرد سؤال: هل العذاب على البدن أو على الروح أو عليهما معاً أو يختلف؛ فتارةً يكون عليهما معا وتارة يكون على الروح فقط؟ والجواب على ذلك أن نقول: الأصل أن العذاب على الروح، ولكن الروح قد تتصل بالبدن أحيانا فيتنعم أو يعذب، وهذا ما ذهب إليه المحققون من أهل العلم، كشيخ الإسلام ابن تيمية (٢) (٣) وغيرهما (٤) .

стр. 431

أما من ناحية دوام عذاب القبر أو انقطاعه؛ فإن الكافر عذابه دائم مستمر، وأما المؤمن فيحتمل أن ينقطع ويحتمل أن يستمر؛ لأنه سيعذب على حسب عمله، وعمله قد يستوعب جميع الزمن وقد ينقص عنه. ثم هل يمكن أن نطلع على عذاب القبر؟ الأصل أنه لا يمكن الاطلاع على عذاب القبر، وقد قال النبي ﷺ : ((لولا ألا تدافنوا لدعوتُ الله أن يريكم عذاب القبر)) (١) ، إذاً فالأصل أنه غير معلوم لكن قد يطلع الله عليه بعض الناس إما برؤيا صالحة وإما باليقظة، كما اطلع الله نبيه ﷺ على القبرين اللذين يعذبان، كما في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄، قال: مرّ النبي ﷺ بقبرين فقال: ((إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة)) (٢) إذا فالأصل أن عذاب القبر غير معلوم، ولكن قد يعلم الله به من شاء من عباده. وهذه مباحث فيما يتعلق بنعيم القبر وعذاب القبر، وكل ما ثبت عن النبي ﷺ في ذلك فإن الواجب علينا أن نؤمن به.

стр. 432

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ١٠٥- وأن أرواح الورى لم تعدم ... مع كونها مخلوقة فاستفهم ١٠٦- فكل ما عن سيد الخلق ورد ... من أمر هذا الباب حق لا يرد ــ الشرح قال ﵀: (وأن أرواح الورى لم تعدم) يعني نؤمن بأن أرواح الورى أي الخلق لم تعدم، و (لم) هنا بمعنى لن، يعني لن تعدم في المستقبل؛ لأن الله تعالى خلقها للبقاء لا للفناء، كما خلق الجنة للبقاء لا للفناء، وخلق النار للبقاء لا للفناء، وخلق ما في الجنة من الحور والولدان للبقاء لا للفناء، كذلك الأرواح خلقت للبقاء لا للفناء، فهي لا تعدم. ولكن هل هي مخلوقة أو أزلية؟ والجواب: أنها مخلوقة وليست أزلية؛ لأن الله قال في كتابه: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) (الزمر: الآية٦٢)) وهي داخلة في لفظ كل شيء، فكل من سوى الله، وما سوى الله، فهو مخلوق، ولا شك أنه مخلوق من العدم، فالروح ليست أزلية. والروح إن شئنا عرفناها بلازمها الذي لابد منه، فالروح على ذلك هي ما به حياة الأبدان، وهذا التفسير لها هو تفسير باللازم المتحتم؛ لأنها إذا فارقت البدن ذهبت عنه الحياة، وما دامت في البدن فهو حي، أما عن ماهية الروح فقد اختلف العلماء ﵏ فيها:

стр. 433

فقيل إنها البدن، أو جزء منه، أو صفة من صفاته. وبناء على هذا القول الباطل يكون خروجها من البدن هو عدمها، لأنه إذا كان جزء من البدن ومات البدن لزم أن تموت هي أيضاً، ولكن هذا القول باطل يبطله الكتاب والسنة والواقع. وقيل إن الروح شيء معلوم في الذهن لا يمكن تخيله، ولا يمكن أن يكون داخل العالم ولا خارج العالم، ولا متصل بالعالم ولا منفصل عن العالم، ولا فوق العالم ولا تحت العالم، ولا مباين للعالم ولا محاذِ للعالم، فوصفوها بما وصفوا الله به، وهذا أيضاً باطل. والصحيح كما قال الله : (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) (الإسراء: الآية٨٥) ، فالروح أمرها عجيب، ولا يمكن الإحاطة بها، ولا يمكن تحديد ماهيتها أبداً، كما قال تعالى: (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) (الإسراء: الآية٨٥) وصدق الله. لكن ومع ذلك فنحن نؤمن بما جاء في الكتاب والسنة من أوصافها، فقد ثبت في السنة أن الروح ترى، وهذا يقتضي أن تكون جسما؛ لأنه لا يرى إلا الجسم، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ لما دخل على أبي سلمة ﵁ وإذا بصره قد شخص، أي ارتفع وانفتح، فقال النبي ﷺ : ((إن الروح إذا قبض تبعه البصر)) (١) ، فينظر الإنسان إلى هذا الذي خرج منه عند الموت، ويشخص بصره بقوة، وهذا يدل على أنها جسم وأنها ترى. كذلك أيضاً ثبت عن النبي ﵊ أنها إذا قبضها ملك

стр. 434

الموت، وعنده الملائكة المساعدون له الذين نزلوا من السماء، فإنها إذا كانت صالحة كان معهم كفن من الجنة وحنوط من الجنة فلا يدعونها في يده طرفة عين، حتى يضعوها في هذا الكفن وهذا الحنوط، ثم يصعدون بها إلى السماء، ويشعها من كل سماء مقربوها إلى السماء التي فوقها، ويقال ما هذه الروح الطيبة؟ فيقول الملائكة: هذه روح فلان بن فلان، بأطيب ما يسمى به في الدنيا حتى تصل إلى خالقها ، ثم يقول : ردوه إلى الأرض، فإني منها خلقته، وفيها أعيده، ومنها أخرجه تارة أخرى، فتعاد روحه في جسده حتى يأتيه الملكان ويسألاه، ثم بعد ذلك تذهب إلى الجنة (١) ، وهذا يدل على أنها جسم، ووجه الدلالة أنها تكفن، ويصعد بها، وتطيب، فهذا يدل على أنها جسم. ولكن هذا الجسم ليس من جنس الأجسام المعهودة، بل من أجسام لا نعرفها، لأنها ليست من مادة الجسم، والجسم من طين، والنسل من سلالة من ماء مهين، لكن هي من جسم غريب ليس من هذه المواد التي تعرف في الدنيا أبدا، ولذلك قال الله فيها: (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) (الإسراء: الآية٨٥) وأما ما وصفها به بعض العلماء من أنها جسم نوراني لطيف، يسري في الجسد سريان النار في الفحم، والماء في اللبن، فهذا لا نجزم به، لكن نجزم بأنها جسم يرى، وأن مادتها من غير مواد الأجسام، وليست من تراب ولا من مني. خلقت - والله أعلم - قبل البدن. أو خلقت عند تكون البدن على الخلاف في ذلك.

стр. 435

والمهم أننا لا نستطيع أن نحدد من أي ماهية هي، ولا أن نحدد هل هي نور مشع أو غير مشع. ولما كانت من أمر الغيب فإننا نقتصر فيها على ما ورد فقط، ونقول: إذا مات الإنسان اتبع بصره روحه ينظر إليها، وإذا قبضت روحه فإنها تجعل في كفن ويصعد بها إلى السماء، ونقتصر على ذلك ولا نتعداه؛ لأن هذا أمر لا نحيط به. قال ﵀: (وأن أرواح الورى لم تعدم) قوله (الورى) يعني بذلك الخلق، ثم قال: (مع كونها مخلوقة فاستفهم) قوله: (مخلوقة) هذا رد على الفلاسفة الذين يقولون: إنها قديمة وإنها ليست حادثة. وعقيدتنا أنها مخلوقة، لقوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (الزمر: ٦٢) . واعلم أن هناك فرقا بين الروح والنفس، فالروح ما به حياة البدن، أما النفس فقد يراد بها الإرادة، كما يقال: أمرت نفسي بكذا، وكقوله تعالى: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) (يوسف: الآية٥٣) وقد أطال ابن القيم ﵀ في كتاب الروح الكلام في هذه المسائل، لكن هذا الكتاب فيه أشياء قد يشك في صحتها الإنسان. ثم قال المؤلف ﵀: (فكل ما عن سيد الخلق ورد) فكل: مبتدأ. وسيد الخلق: هو رسول الله ﷺ ، والسيد هو ذو الشرف والجاه، فرسول الله ﷺ أشرف الخلق جميعا على الإطلاق، قال الناظم: وأفضل الخلق على الإطلاق ... نبينا فمل عن الشقاق ولا شك أن نبينا ﷺ سيد ولد آدم، كما أخبر عن نفسه وهو الصادق

стр. 436

المصدوق. فقال: ((أنا سيد ولد آدم)) (١) وهل النبي ﷺ سيد الخلق أو سيد ولد آدم؟ والجواب: هذا ينبني على الخلاف في اعتبار أن ولد آدم أشرف للمخلوقات، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء: ٧٠) ، فلم يقل الله تعالى: فضلناهم على من خلقنا، بل قال: (عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا) (الإسراء: الآية٧٠) ، فمن خلق الله تعالى من لم يفضل عليهم بنو آدم. ومن ثم اختلف العلماء ﵏ في تفضيل الملائكة على بني آدم، فقيل: إن الملائكة أفضل لأنهم خلقوا من نور، ولأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ولأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولم يفتتنوا بالدنيا، وعلى ذلك فهم أفضل. وقال آخرون: بل بنو آدم أفضل لأن الله سخر الملائكة لهم في الدنيا وفي الآخرة، ولأنهم ابتلوا بالفتن فصبروا، ومن ابتلى بالفتن وصبر نال درجة الصبر، بخلاف من لم يفتن، فدرجة الصبر عنده ضعيفة، ولأن في بني آدم الرسل والنبيين والصديقين والشهداء. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢) : الملائكة أفضل باعتبار البداية؛ لأنهم خُلقوا من نور، واصطفاهم الله لنفسه، وبنو آدم أفضل باعتبار النهاية؛ لأنهم هم الذين يكونون في جوار الله في الجنة، والملائكة

стр. 437

يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم، فهم أفضل باعتبار النهاية، وبذلك يكون قد جمع بين القولين ﵀. وبناء على هذا إذا قلنا: بنو آدم أفضل من الملائكة، فمحمد ﷺ سيد الخلق، وإذا قلنا الملائكة أفضل، فإنه يبقى النظر: هل محمد ﷺ أفضل منهم؟ وذلك يحتاج إلى إثبات؛ لأن تفضيل الجنس على الجنس لا يمنع أن يكون فرد من أفراد هذا الجنس أفضل من الجنس الثاني، فتفضيل الجنس على الجنس تفضيل مطلق على مطلق، وتفضيل الفرد على الفرد أو على الجنس تفضيل معين، وإذا كان في هذا الجنس من فاق الجنس الأول لا يلزم أن يكون هذا الجنس أفضل من الآخر، فالفضل المطلق غير الفضل المقيد. ولهذا لو قال قائل مثلاً: يوجد لعثمان ﵁ مناقب ليست لعلي، ولعلي مناقب ليست لعثمان، ولعمر مناقب ليست لأبي بكر، ولأبي بكر مناقب ليست لعمر، فإن الفضل الخاص لا يلغي الفضل المطلق العام، وكذلك أخبر النبي ﵊ انه في آخر الزمان أيام الصبر، للعامل فيهن أجر خمسين من الصحابة (١) ، فلا يقال: إن هذا العامل الذي في آخر الزمان أفضل من الصحابة، أو أفضل من الخمسين، فهذا فضله خاص، حيث عمل في هذا الزمان المظلم الذي لا يجد فيه من ينصره، بل يجد من يستهزئ به ويسخر به، والصحابة كلهم يعملون بالحق، فكان أجر خمسين من الصحابة لما يعانيه من القيام بشرائع دينه، وليس أفضل من الصحابة بلا شك. ولو عبر المؤلف ﵀ بسيد بني آدم لكان أسد وأسلم

стр. 438

من الإيراد. وقول المؤلف ﵀: (فكل ما عن سيد الخلق) في هذا دليل على أن المؤلف يرى جواز إطلاق السيادة على النبي ﷺ ، وهذا لا شك فيه باعتبار الخبر؛ كأن يخبر بأنه ﷺ سيد الخلق، أو سيد الأنبياء، أو سيد الرسل. وأما عند خطابه فإن النبي ﷺ لما قالوا له: أنت سيدنا وابن سيدنا، قال: (قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستهوينكم الشيطان) (١) ، فحذرهم من الغلو إذا خاطبوه بمثل هذا الخطاب، وهناك فرق بين المخاطبة وبين الإخبار، فنحن نخبر بأنه سيد الخلق، وأنه ﵊ أفضل الخلق، لكن عندما نخاطبه فإنه يجب علينا التحرز من المغالاة، لقوله: ((قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستهوينكم الشيطان)) . قال ﵀: (من أمر هذا الباب) أي باب البرزخ فتنته وعذابه والباب يعبر به العلماء ﵏ عن المسألة، يقال في هذا الباب: أي في هذه المسألة، كما نجد ذلك كثيراً في كلام الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهم ﵏، مثل قوله ﷺ : ((لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)) (٢) ، قال الإمام احمد: لا يثبت في هذا الباب شيء، أي باب التسمية على الوضوء، فالعلماء يعبرون بالباب عن المسألة.

стр. 439

فقول المؤلف: (من أمر هذا الباب) يعني فتنة القبر وعذاب القبر، كل ما ورد عن النبي ﷺ فهو حق ثابت يجب علينا أن نؤمن به، سواء أدركته عقولنا أم لم تدركه، وسواء أدركته حواسنا أم لم تدركه، ومن ذلك عذاب القبر، فيجب علينا أن نؤمن به وإن لم تدركه الحواس. فلو قال قائل: نبشت قبراً فلم أجد أثرا للتعذيب في جسد ميت، وكان كافراً، قلنا له هذا أمر غيبي لو أراد الله تعالى أن يكون محسوساً لأبرزه، مع أنه قد يكشف عن العذاب في القبر، كما كشف للنبي ﷺ في الرجلين اللذين يعذبان بالنميمة وعدم التنزه من البول، ووضع عليهما جريدة رطبة وقال: ((لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا)) (١) . وقد أوردت هنا هذا الحديث مع وضوحه للتنبيه على المسألة من أغرب المسائل، وهي أن بعض الناس إذا دفن الميت أتى بجريدة خضراء، أو شجرة وغرزها في القبر لعلها تخفف عنه ما لم تيبس. وهذا الفعل إساءة ظن بالميت، فإن كونه يعذب أو لا يعذب هذا من أمور الغيب التي لا يعلمها أحد إلا الله، ثم مع كونها إساءة للميت هي بدعة في دين الله، لأن الرسول ﷺ لم يكن يضع الجريدة على كل قبر، إنما وضعها على من كشف له أنها يعذبان، ولم يكن من هدي الرسول ﷺ كلما دفن ميتاً أن يضع عليه جريدة، فهذا الفعل جمع بين إساءة الظن بالميت وبين البدعة في دين الله، وهذا من الضلال؛ أن يزين للإنسان سوء العمل

стр. 440

هذا من الضلال، قال تعالى: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهدِي مَنْ يَشَاء) (فاطر: الآية٨)) . وأما وضع الزهور فليس كوضع الجريدة لكن قد يكون فيه تشبيه بالنصارى وهذا أخبث. قال ﵀: (حق لا يرد) وحق: هو خبر المبتدأ (كل) ، وعلى ذلك فكل ما ورد عن الرسول ﷺ فهو حق ثابت سواء أدركته عقولنا أو لم تدركه؛ لأن هناك شيئا وراء هذه المادة، فنحن لا ندرك في حياتنا إلا هذه المادة فقط، أما ما وراءها فنحن لا ندركه على الإطلاق، ولهذا فنحن لا ندرك كُنْهَ أرواحنا التي فينا؛ لأنها لم تخلق من تراب ولا من مني ولا من المواد التي نعرفها، ومن ثم اختلف فيها كما سبق.

стр. 441

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ١٠٧- وما أتى في النص من أشراط ... فكله حق بلا شطاط ١٠٨- منها الإمام الخاتم الفصيح ... محمد المهدي والمسيح ١٠٩- وأنه يقتل الدجال ... بباب لدٍ خل عن جدال ــ الشرح قال رحمه الله تعالى: (وما أتى في النص من أشراط) (ما) مبتدأ، يعني الذي أتى، و (من) بيان لـ ((ما)) ، فهي بيانية، وجملة (فكله حق) خبر المبتدأ، يعني كل ما أتى في النص من أشراط الساعة فكله حق (بلا شطاط) ، يعني بلا شطط في اعتقاده، ولا في المنازعة فيه، بل يجب أن يكون مسلماً. وأشراط الساعة: علاماتها الدالة على قربها، وهي أنواع: منها ما مضى، ومنها ما هو حاضر، ومنها ما هو مستقبل. والمراد بها هنا التي في المستقبل، يعني الأشراط الكبيرة العظمى وإنما قدم الله تعالى لها أشراطاً لعظمها وأهميتها وهذه الأشراط هي مُقدِّمات - أو مقدَّمات - بين يديها من أجل أن ينتبه الناس ويستعدوا لها. قال: (منها) أي من أشراط الساعة، (الإمام الخاتم الفصيح محمد المهدي) الإمام: يعني الذي يؤم الناس؛ لا في الصلاة ولكن في القيادة، فيكون إماماً لهم أعظم كالخليفة، وهذا الإمام يقول: إنه (الخاتم) أي للأئمة؛ لأنه لا إمام بعده، فهو خاتم الأئمة، واسمه يقول: محمد ولقبه المهدي؛ لأن الذي هداه

стр. 442

الله . هذا المهدي يبعث في آخر الزمان إذا مُلئت الأرض ظلماً وجوراً، ونسي فيها الحق، وصار المظلوم لقمة للظالم، وانتشرت الفوضى، فحينئذٍ يبعث الله هذا الرجل إماماً مصلحاً للحق. والأحاديث الواردة فيه تنقسم إلى أربعة أقسام: صحيح وحسن وضعيف وموضوع. وقد اختلف العلماء ﵏ في إثباته؛ فمنهم من قال: انه لا مهدي، وإن جميع الأحاديث الواردة في ذلك ضعيفة ولا تقوم بها حجة، وهذه مسألة غيبية مهمة، لا يمكن أن تترك أو لا يأتي بيانها إلا في أحاديث ضعيفة أو تبلغ درجة السن بتعدد طرقها، فلا عبرة بها. ومنهم من قال: يجب أن نتبع الحق، فإذا جاءت السنة الكثيرة عن رسول الله ﷺ في هذا الرجل، ومنها ما يبلغ درجة الصحة، فإن الواجب القول به، وأنه يخرج رجل في آخر الزمان عند فساد الأمة ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، والله على كل شيء قدير. ولكن هذا المهدي ليس مهدي الرافضة الذي ينتظرونه، فإنهم ينتظرون مهدياً يخرج من سرداب سامراء، يدعون أنه اختفى عن الحروف والفتن التي حصلت في زمن علي بن أبي طالب ﵁ وما بعدها، فاختفى في هذا السرداب، وأنه ما دام مغلوباً لا يستطيع أن ينفذ ما أراد فإنه مختف، ولهذا تجدهم في أدعيتهم يقولون: فرج الله كربته وأزال غربته، كربته: لأنه مكروب بهذا السرداب، غربته: لأنه غريب في هذا السرداب.

стр. 443

ويقال: إنهم كلما طلعت الشمس أرسلوا فارساً على فرس معه خبز وماء وعسل ولبن، يقف عند باب هذا السرداب يدعو مولاه المهدي لعله يخرج فيفطر على هذا الخبز والعسل والماء، فإذا أفطر فالفرس مهيأ معه السيف ومعه الرمح يعتم ويركب وتفتح له الدنيا بَاباً بَاباً، حتى يملك مشارق الأرض ومغاربها هم ينتظرون ذلك، ولكن هذا ليس بصحيح، وكيف يمكن لشخص أن يبقى في هذا السرداب لا يعلم عنه؟ ! لا يأتيه أكل ولا شرب ولا شيء! كيف يبقى هذه المدة؟! ويعللون لذلك بقولهم: إن الله على كل شيء قدير، وهذا الرجل وليٌ مجاب الدعوة، ما في الكون حبة ولا ذَرة تتحرك أو تسكن إلا بعد علمه، وهو يعلم ما كان وما يكون وما سيكون لو كان كيف يكون، يعلم كل شيء وتعرض عليه جميع المقدرات اليومية. وإن المتأمل في ذلك يجد أن هذه العقول عقول لا قيمة لها، وهذا داخل في قوله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً) (الكهف: ١٠٣) (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) (الكهف: ١٠٤) (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً) (الكهف: ١٠٥) . أما المهدي الذي يتكلم عليه أهل السنة، فليس هو مهدي الرافضة الذي ينتظرونه، بل هذا المهدي خليفة يبعثه الله في آخر الزمان، وهو ليس مختفياً بل يخلق في وقته، فيخرج ويملأ الأرض عدلاً بعد أن كانت ملئت ظلماً وجوراً.

стр. 444

قال ﵀: (محمد) يعني أن اسمه محمد، (المهدي) لقبه، فله اسم ولقب، الاسم محمد واللقب مهدي، وأصل مهدي في التصريف مهدوي على وزن مفعول، ولكن حدث فيها إعلال فصارت مهدي. وقوله ﵀: (والمسيح) يعني: ومن أشراط الساعة الكبرى المسيح عيسى بن مريم، فهو من آيات الله . والمسيح عيسى بن مريم من آيات الله ابتداءً وانتهاء، أما ابتداء فلأن الله خلقه من أم بلا أب، وأما انتهاء فلأنه الآن في السماء حي، حيث رفعه الله إليه، وينزل من السماء في آخر الزمان عند قيام الساعة؛ فيقتل المسيح الدجال عند باب اللد، واللد: قرية من قرى فلسطين، لذلك قال ﵀: وأنه يقتل الدجال ... بباب لُدٍ خل عن جدال إذاً المسيح يقتل مسيحا؛ مسيح الهدى يقتل مسيح الضلالة. فإذا قال قائل: كيف نجمع بين القول بأن عيسى ابن مريم حي، وبين قول الله تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيّ) (آل عمران: الآية٥٥)) . فالجواب على ذلك في قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ) (الأنعام: الآية٦٠) ، وقوله تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) (الزمر: الآية٤٢) ، وعلى هذا فيكون عيسى بن مريم توفاه الله، يعني قبضه وهو حي، كما صعد بمحمد إلى السماء وهو حي. والدجال مشتق من الدجل، وهو التكذيب والتمويه، والكلام على الدجال يشمل المباحث الآتية: المبحث الأول: الدجال بشر من بني آدم، ليس من الشياطين ولا من مواد

стр. 445

أخرى وهو كله عيب، حتى إنه اعور أعين التي يبصر بها، فهو أعور العين، كما بين ذلك النبي ﷺ ، إذا فهو بشر سيئ أعور العين قبيح المنظر. المبحث الثاني: ذكر من فتنته أنه يدعي أول ما يظهر أنه نبي، فإذا تابعه الناس على ما معه من التمويه ادعى أنه رب، ويؤيد على ذلك بما آتاه الله من الفتنة؛ حيث يأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، فيأتي إلى القوم يدعوهم إلى أنه الرب، فإذا أجابوه قال للسماء: أمطري، فتمطر السماء، وقال للأرض: انبتي، فتنبت الأرض، وتهتز رابية، فترجع مواشيهم إليهم أسبغ ما تكون ضروعاً، فتمتلئ ضروعها لبناً، وجلودها لحما وشحما، ويخصبون. ويأتي إلى القوم يدعوهم فينكرونه ويكذبونه، فيأمر السماء فتقلع، والأرض فتجدب، فيصبحون ممحلين ليس عندهم شيء من المراعي، وترجع إليهم مواشيهم كأهزل ما تكون، وهذه فتنة عظيمة، ولا سيما لأهل البادية فيبعث الله إليه شاباً فيواجهه، يدعوه إلى ما يدعوه إليه من أنه الرب، فيقول له الشاب: كذبت، ولكنك الدجال الذي اخبرنا عنك رسول الله ﷺ ، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين - أي قطعتين - ويمشي بين القطعتين تحقيقا للانفصال، ثم يأمره فيقول: قم، فتلتئم الجزلتان ويقوم سويا، ولكنه يقول: اشهد أنك المسيح الدجال الذي أخرنا عنك رسول الله ﷺ ، والله ما ازددت فيك إلا بصيرة، فيقتله ثانية ويمشي بين شقيه ثم يحييه، فإذا قال له: أنت المسيح الدجال، وأراد أن يقتله عجز عنه، فظهر بذلك عجزه أمام الناس (١) . المبحث الثالث: يمكث المسيح الدجال في الأرض أربعين يوماً، اليوم

стр. 446

الأول كسنة، واليوم الثاني كشهر، واليوم الثالث كجمعة، واليوم الرابع كسائر الأيام. ولما حدث النبي ﷺ أصحابه بذلك لم يؤولوا الحديث ويقووا: إن اليوم الأول كسنة لشدته على الناس، والشدة تكون أيامها طويلة، هذا هو معنى الحديث المعقول، وليس معنى الحديث أن الشمس تتريث وتبقى لا تغيب إلا بعد سنة. فلم يقولوا هكذا، ولو أن هذا كان عند المتأخرين لسهل عليهم أن يقولوا بذلك، ولقالوا: هذا كناية عن شدة اليوم الأول، وأنه لشدته كأنه سنة، لكن الذين عندهم صفاء القلوب وقبول ما جاءت به الشريعة قالوا: يا رسول الله، كيف نصنع بصلاتنا في ذلك اليوم؟ قال: ((اقدروا له قدره)) (١) ، فأخذوا الأمر مسلماً به بدون تأويل، وإن هذا التسليم التام للنص ليدعونا إلى التأمل والاعتبار. وقد استفدنا نحن من سؤال الصحابة ﵃ وجزاهم الله عنا خيراً حلاً لمشكلة جدت الآن، وهي خاصة بأصحاب الدوائر القطبية، الذين يبقى اليوم عندهم أسبوعاً أو شهراً أو ستة أشهر، فعلى هؤلاء أن يقدروا له قدره، فحيث لا يوجد عندهم ليل ولا نهار، فيظلوا ستة أشهر في ليل، وستة أشهر في نهار، كان عليهم أن يقدروا لستة أشهر الليل صلاة ستة أشهر، وستة أشهر النهار صلاة ستة أشهر. وقال بعض العلماء: عليهم أن يقدروا الصلاة باعتبار توقيت مكة؛ لأنها أم القرى، ومركز الأرض كما ثبت ذلك جيولوجيا.

стр. 447

وقال آخرون: بل يقدرون ويعتدون بالزمن المعتدل في المنقطة الواقعة على خط الاستواء، الذي فيه النهار اثنا عشر ساعة والليل اثنا عشر ساعة. وقال آخرون: عليهم أن يقتدوا بأقرب البلاد إليهم مما فيه ليل ونهار معتاد. هذه أقوال ثلاثة وبكل منها قال بعض العلماء. وأقرب ما يكون عندي إلى الصواب هو القول الأخير، وهو أن يعتبروا بأقرب البلاد إليهم؛ لأن الأعراض الأفقية عندهم أقرب إليهم من المكان البعيد عنهم. والخلاصة أن الدجال يمكث في الأرض أربعين يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع، وسائر أيامه كأيامنا، فتكون أيامه باعتبار أيامنا سنة وشهرين وأسبوعين.

стр. 448

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى ١١٠- وأمر يأجوج ومأجوج ... اثبت فإنه حق كهدم الكعبة ١١١- وأن منها آية الدخان ... وانه يذهب بالقرآن ١١٢- طلوع شمس الأفق من دبور ... كذات أجياد على المشهور ١١٣- وآخر الآيات حشر النار ... كما أتى في محكم الأخبار ١١٤- فكلها صحت بها الأخبار ... وسطرت آثارها الأخيار ــ الشرح قال ﵀: (وأمر يأجوج ومأجوج اثبت) وهذا هو الشرط الرابع، فالأول: المهدي، والثاني: المسيح عيسى بن مريم، والثالث: الدجال، والرابع: يأجوج ومأجوج، لكن نزول عيسى بعد الدجال، فكان عليه أن يقدم الدجال أولاً ثم عيسى بن مريم؛ لأن عيسى بن مريم يقتل الدجال، وقد صح بذلك الحديث (١) . أما أمر يأجوج ومأجوج فيقول: (اثبت وانه حق) ونحن نثبته لأنه حق جاء في القرآن، قال الله ﵎: (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ) (الأنبياء: ٩٦) (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ) (الأنبياء: الآية٩٧)) . ويأجوج ومأجوج بشر من بني آدم، لا يخرجون عن صفاتهم، ودليل ذلك أنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((يقول الله تعالى يوم القيامة: يا آدم، فيقو: لبيك وسعديك، فيقول: أخرج من ذريتك بعثا إلى النار. قال: ربي، وما بعث النار؟

стр. 449

قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون في النار وواحد في الجنة، فلما عظم ذلك على الصحابة وشق عليهم قالوا: يا رسول الله، أينا ذلك الواحد؟ فقال: أبشروا فإنكم في أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج)) (١) . وهذا يدل على أنهم بشر من بني آدم؛ فلهم ما لبني آدم وعليهم ما عليهم. فهم بشر يأكلون، ويشربون، ويرتدون، ويأتزرون. وعلى ذلك فنحن لا نصدق ما اشتهر في بعض الإسرائيليات وعند العامة، وبعض كتب الوعظ من أنهم مختلفون في الخلقة، فبعضهم طويل جداً جداً يأخذ السمكة من قاع البحر ويشويها في قرص الشمس، ويقولون: إن بعضهم يفترش إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى، أي أن آذانهم كبيرة طويلة، وبعضهم قصير جداً يترادفون على ربع الصاع - وهو المد - فيظنونه بئراً، فيقول أعلاهم إذا نظر في هذا المد وليس فيه ماء: إن بئركم لا ماء فيه، وذلك لأنهم قصار. وكل هذا لا أصل له. وسموا يأجوج ومأجوج من الأجيج، أي أجيج النار، والنار إذا اضطرمت اضطربت وصار لهبها يتداخل بعضه في بعض، وهم لكثرتهم هكذا، ولهذا يقول الله لعيسى بن مريم: ((إني قد أخرجت عباداً لا يدان لأحد بقتاهم)) (٢) ، فهم كثيرون جداً، وإذا نظرت إليهم وجدتهم كأنهم قرية نمل أو ذر، هذا يجئ وهذا يروح، متداخلون مثل لهب النار يتداخل بعضه مع بعض. وعندهم طيش وعجلة وعدوان على الخلق، بل وعلى الخالق؛ فهم

стр. 450

يجتمعون في قاعة كبيرة، ويأخذون بنشابهم التي يرمون بها فيصوبونها نحو السماء، ثم يطلقون السهام فترجع السهام مخضبة بدماء. امتحانا من الله، فيقول بعضهم لبعض: غلبنا أهلَ السماء، فهلم لنغلب أهل الأرض، فيغزون الناس، ويحصل فيهم فتنة عظيمة. وجاء في حديث النواس بن سمعان الطويل، قال: يقول الله تعالى لعيسى بن مريم: إني قد بعثت عباداً لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور فيحرزهم إلى الطور، ويبقون في الجبل حتى يلحقهم من المشقة ما شاء الله، ثم يرغب عيسى ﵊ ومن معه إلى الله في أن يهلك هؤلاء القوم، فيرسل الله عليهم النغف في أعناقهم أو في رقابهم، والنغف دودة كبيرة تقضي على المخ والنخاع الشوكي والشرايين العصبية، فيصبحون موتى ميتة رجل واحد، فيملؤون الأرض نتناً وزهماً ورائحة كريهة، فيرغب عيسى بن مريم إلى الله أن يخلصهم من شر هذه الأجساد المنتنة، فيبعث الله تعالى طيورا كأعناق الإبل تأخذ الواحد منهم فترميه في البحر (١) . فهؤلاء هم يأجوج ومأجوج، وهم من أشراط الساعة الكبيرة القريبة من قيامها. فإن قال قائل: جاء في قصة ذي القرنين كما قال الله تعالى في سورة الكهف: (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) (الكهف: ٩٢) (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لايَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَولاً) (الكهف: الآية٩٣) ، وذلك لأن لغتهم كانت غريبة، (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً

стр. 451

عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً) (الكهف: ٩٤) ، وهذا يدل على أنهم كانوا موجودين. فكيف يكونون موجودين من عهد ذي القرنين، ويكون خروجهم من أشراط الساعة؟! فالجواب أن نقول: إن الذي من أشراط الساعة ليس إيجادهم بل انبعاثهم وخروجهم على الناس، وعبثهم في الأرض وفسادهم فيها، أما وجودهم فهم موجودون من زمن ذي القرنين إلى الآن، لكنهم منفردون في محل؛ فإذا أراد الله خروجهم سلطهم وجعل لهم قدرة وقوة فينفذون من وراء هذه السدود. وقوله ﵀: (فإنه حق) يعني ثابت عن النبي ﷺ ، وهذا من أمور الغيب التي لا مجال للعقل فيها، ولهذا يجب علينا أن نسلم بها تسليما كاملاً، ونحن في الأمور الغيبية ظاهرية؛ نأخذ بظاهر النص، ولا نتعرض لشيء، ولا نسأل عن شيء، بل نقول: سمعنا وآمنا وصدقنا، ونعرض عن كل شيء من شأنه رد مثل هذه النصوص. قال ﵀: (كهدم الكعبة) يعني كما أن هدم الكعبة حق ومن أشراط الساعة. فهذه الكعبة التي هي بيت الله، والتي بناها إبراهيم ﵊، وحماها الله من الأعداء حتى من أصحاب الفيل، الذين جاءوا بفيلهم وجنودهم من أجل هدم الكعبة، قال تعالى: (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ) (الفيل: ٣) (تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ) (الفيل: ٤) (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) (الفيل: ٥) لكن في آخر الزمان يسلط الله على هذه الكعبة رجلا من الحبشة قصير افحج - يعني الرجلين - فينتقضها حجراً حجرا، ومعه جنود يتناولون هذه الأحجار من رجل لآخر إلى البحر، أي أنهم من مكة إلى جدة، وهم صف

стр. 452

يتناولون أحجارها ويلقونها في البحر، ولا يسلط عليه أحد (١) ؛ لأن الله قد قضى بنهاية هذه الكعبة أما أصحاب الفيل فحماها الله منهم؛ لأنه لم يقض أجلها بعد، ولأن هناك رسولاً يبعث من أم القرى يدعو الناس إلى حج هذا البيت، فكان من حكمة الله أن دافع الله عنه حتى بقي ولله الحمد. ولا شك أن الله تعالى يسلط هذا الرجل الحبشي على بيت الله فينتقضه حجراً حجرا، وإنما يكون ذلك - والله اعلم - إذا عتى أهل مكة فيها، وأهانوا حرمة البيت، وذلك بالمعاصي؛ من شرك وزنى ولواط وشرب خمر وغير ذلك، فحينئذٍ لا يبقى مكان لهذا البيت المعظم بين هؤلاء الذين أهانوه، أما ما دام معظماً فإن لله سيحميه، لكن إذا أسقطت حرمته من أهل مكة؛ حينئذٍ لا يبقى له مكان بين هؤلاء القوم. ونظيره ما ذكره المؤلف ﵀: (وأنه يذهب بالقرآن) وهذا أيضاً من أشراط الساعة، أنه يذهب بالقرآن؛ فينزع من صدور الرجال ويمحى من المصاحف، في ليلة واحدةٍ يقوم الناس والحفاظ وقد نسوا، والمصاحف بيضاء ليس فيها كتابة. وهذا هو أحد المعنيين في قول السلف: منه بدأ واليه يعود، أي يرجع في آخر الزمان، فلا يبقى مصاحف، ولا قرآن في الصدور. فإذا قال قائل: كيف يكون ذلك وما هي الحكمة من ذلك؟ فالجواب عن هذا ما ذكرناه في الكعبة؛ حين يعرض الناس عن كتاب الله فلا يتلونه حق تلاوته، ولا يصدقون أخباره، ولا يعلمون بأحكامه، فيبقى

стр. 453

هذا القرآن الكريم في قوم قد جفوه تماما، فلا يليق أن يبقى بينهم. وعلى هذا يحمل حديث حذيفة في قوم لا يعرفون من الإسلام إلا لا إله إلا الله، وقد اندرس الإسلام (١) ، وهذا يكون بعد نزع القرآن من الصدور والمصاحف ولا يبقى شيء يعلم - نسأل الله العافية -، وهو من أشراط الساعة؛ لأن نزعه من الأمة دليل على قرب انتهائها. ثم قال ﵀: (طلوع شمس الأفق) و (شمس الأفق) : أي الشمس، (من دَبور) بفتح الدال: أي من المغرب، والدبور هو المغرب، والقبول والصبا هي المشرق، كما جاء في الحديث: ((نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدَبور)) (٢) ؛ يعني الريح الغربية. فالشمس الآن تشاهدها تطلع من المشرق، وتغرب في المغرب، منذ خلقها الله إلى اليوم، لكن في آخر الزمان تسجد تحت عرش الله وتستأذن أن تخرج فلا يؤذن لها، فترجع من حيث جاءت، وكيف التصور لو أصبحنا والشمس قد خرجت من المغرب لحصل انزعاج الناس، ولعلموا أن هذا هو الحق المبين، فيتوبوا إلى الله، فيتوب العصاة ويؤمن الكفار، ولكن الله قال: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) (الأنعام: الآية١٥٨) ، وقال النبي ﷺ : ((لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تخرج الشمس من مغربها)) (٣) .

стр. 454

إذاً خروجها من مغربها يعني نهاية الدنيا. فيختل سيرها وتخرب الأفلاك بإذن الله ؛ لأن اتجاه الأفلاك كله للغرب، فإذا انعكست القضية فمعنى ذلك أن نظام الكون قد تغير، وآن انقضاؤه. فيكون طلوع الشمس من المغرب من أشراط الساعة الكبار. وفي هذا الحديث دليل على أن الشمس هي التي تدور على الأرض، وأن بدورانها على الأرض يحصل اختلاف الليل والنهار، لقول الله تعالى: (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) (الكهف: الآية١٧) ، أربعة أفعال كلها مسندة للشمس. الأول: طلعت، الثاني: تزاور، الثالث: غربت، الرابع: تقرضهم، وإذا أضيف الفعل إلى فاعله فالأصل أنه واقع منه حقيقة، ولهذا نقول: إنه يجب علينا أن نعتقد بأن الشمس هي التي تدور على الأرض؛ لأن هذا هو ظاهر القرآن وليس لنا إلا الظاهر. نعم لو ثبت بطريق علمي لا إشكال فيه أن اختلاف الليل والنهار بدوران الأرض، فحينئذٍ نقول به، ونقول: إنه لا يعارض ظاهر القرآن لما سبق من أنه لا تعارض بين قطعيين، ولا بين قطعي وظني، وهو لا يعارض ظاهر القرآن لاحتمال أن يكون المراد بقوله: طلعت، في رؤية العين لا في حقيقة الواقع، ففي رؤية العين فهي التي تطلع، وهذا إذا ثبت قطعاً ثبوتاً يقينياً بأن الشمس لا تدور على الأرض، وان اختلاف الليل والنهار إنما هو بدوران الأرض فقط. لكنه عندي - وأنا قاصر العلم في مسألة الفلك - أنه لم يثبت بعد. والذين قالوا بذلك عللوا قولهم بأن الأرض جرم صغير، والكبير لا يدور

стр. 455

على الصغير؛ لأن الصغير يكون تابعاً لا متبوعاً. لكن هذا يرد بأنها ليست تابعة للأرض، بل تدور من أفق بعيد جداً حول الأرض، والله سخرها لأجل مصلحة العباد، والمسألة ليست مسألة كبير وصغير حتى نقول لا سلطان للأرض على الشمس، أبدا، بل الكل مسخر بأمر الله، سخر الله هذه الشمس العظيمة أن تدور على الأرض من أجل مصلحة الخلق. فإذا قال قائل: فما تفسير اختلاف الفصول من برد إلى حر إلى وسط؟ فالجواب: أن تفسير ذلك سهل، فإن نفس الشمس لها حركة تقرب من الشمال وتقرب من الجنوب، فإذا قربت من الشمال توسطت على الرؤوس، فاشتدت حرارتها؛ لأن الحرارة إذا كانت عمودية تكون أشد مما إذا كانت جانبية، والمسألة واضحة ولله الحمد. لكن لو قال لنا علماء الفلك: إننا متيقنون من هذا، فإننا نقول: إن تيقنكم لكم، ولا نقول إنكم كفرتم بذلك؛ لأن المسألة مجرد ظاهر القرآن، فإذا كنتم متيقنين لهذا، فأنتم على يقينكم، ولا نقول: أزيلوا ذلك اليقين، فإن الإمام إذا كان في الصلاة وتيقن، وسبح به كل الذين وراءه، فلا يجوز أن يرجع إلى قولهم وهو يتيقن خلافه، فهؤلاء العلماء كذلك. قوه (كذات أجياد على المشهور) وهذه هي العلامة التاسعة من علامات الساعة، وإن شئت فقل: الشرط التاسع من أشراط الساعة، وأجياد مكان معروف في مكة بهذا الاسم إلى اليوم، وهي الدابة التي تخرج من ذاك المحل على المشهور؛ تخرج على الناس ويكون لها رعب شديد، وتلاحق أناس فمن كان كافراً وسمته بسمات الكفر، ومن كان مؤمناً وسمته بسمات الإيمان، وهذه هي الدابة المذكورة في قوله تعالى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ

стр. 456

دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ) (النمل: ٨٢) ، هذا ما ذهب إليه كثير من أهل العلم، وهو المشهور كما قال المؤلف. وقال بعض العلماء: إن الدابة أمر مبهم صحت بها الأحاديث عن النبي ﷺ ولكن لم تبين (١) ، وما ورد من صفاتها وأنها تخرج من أجياد أو من الصفا أو من غيرهما أحاديث ضعيفة وليست بالأحاديث التي تبنى عليها العقيدة، وحسبنا أن نؤمن بما قال الرسول ﷺ : الدابة فقط، وأما الصفات الواردة فيها وليست بصحيحة عن النبي ﷺ فإنه لا يلزمنا اعتقادها؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها. أما آخر شيء من هذه الأشراط فيقول ﵀: (آخر الآيات حشر النار) حشر مضاف والنار مضاف إليه، من باب إضافة المصدر إلى فاعله، يعني: حشر النار الناس، وهذه نار تخرج من عدن تسوق الناس إلى الشام أي إلى المحشر، وقد ورد أنها تمشي مع الناس تسير بسيرهم، وتقيل بمقيلهم، وتبيت بمبيتهم حتى ينجفل الناس كلهم إلى المحشر (٢) ، وحينئذٍ ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، فهذه آخر الآيات كما قال المؤلف رحمه الله تعالى. أما آية الدخان فقد اختلف العلماء فيها: هل هي آية مضت أو هي آية مقبلة؟ فمنهم من قال: إنها آية مضت، وهي المشار إليها في قوله تعالى:

стр. 457

(فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) (الدخان: ١٠) ، وأن المراد بذلك ما أصاب قريشاً من الجدب والقحط حتى أصيبوا بالجهد العظيم، وكان الإنسان منهم ينظر إلى السماء فيظن أنها دخان من شدة تأثير الجوع عليه. ومنهم من قال: بل هو أمر مستقبل، وهو أن الله يبعث عند قيام الساعة دخاناً عظيما يملأ الأجواء ويغشى الناس كلهم. والأقرب للصواب أنه دخان يرسله الله عند قيام الساعة فيغشى الناس كلهم، والله أعلم بكيفية هذا الدخان، فنحن إنما نعرف انه دخان، لكن لا نعرف كيف يأتي الناس ولا من أين يأتي، فهذا أمره إلى الله . والمقصود من هذه الأشراط هو إنذار الناس بقرب قيام الساعة، حتى يستعدوا لها ويعملوا لها. ثم قال المؤلف ﵀: (فكلها صحت بها الأخبار) كلها: يعني كل هذه الأشراط العشرة صحت بها الأخبار عن النبي ﷺ . (وسطرت آثارها الأخيار) سطرت: يعني كتبت، وسميت الكتابة تسطيراً لأنها تكتب بأسطر، والأخيار: جمع خير، فظاهر كلام المؤلف انه حتى الدابة التي تخرج من أجياد قد صحت بها الأخبار، ولكن الأمر خلاف ذلك، اللهم إلا أن تكون صحت عنده، فإنه قد يصح الحديث عند شخص ولا يصح عند آخرين.

стр. 458

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ١١٥- واجزم بأمر البعث والنشور ... والحشر جزماً بعد نفخ الصور ١١٦- كذا وقوف الخلق للحساب ... والصحف والميزان للثواب ــ الشرح قال ﵀: (واجزم بأمر البعث والنشور) وهذا يوم القيامة، والبعث: أي الإخراج، والنشور: أي النشر والتفريق والتوزيع، ثم قال: (والحشر جزماً بعد نفخ الصور) ، وذلك أن الله يأمر اسرافيل وهو أحد الملائكة الموكلين بحمل العرش أن ينفخ في الصور، والصور وصف بأنه قرن عظيم واسع؛ سعته كسعة السماء والأرض، تودع فيه الأرواح عند نفخه، فإذا نفخ فيه أولاً فزع الناس، ثم صعقوا وهلكوا كلهم، قال الله تعالى (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ) (النمل: ٨٧)) ، وقال تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) (الزمر: ٦٨) . وقد اختلف العلماء ﵏ هل النفخ يكون ثلاث مرات؛ نفخ الفزع، ونفخ الصعق، ونفخ البعث، أو هو مرتان فقط، وأن نفخ الفزع والصعق واحد؛ ينفخ أولاً فيفزع الناس ثم يصعقون، وينفخ ثانياً فيقومون من قبورهم لرب العالمين؟ وهذا الأخير هو الأقرب للصواب، والأمر في هذا قريب.

стр. 459

حتى لو قال قائل بأنه ينفخ أولاً فيفزع الناس، ثم ينفخ فيموتون، لم يكن ذلك متناقضاً، لكن الأقرب أنهما نفختان فقط. وقوله (كذا وقوف الخلق للحساب) كذا وقوف الخلق: يعني المخلوقين، فالخلق مصدر أريد به اسم المفعول، وقوفهم للحساب: أي ليحاسبهم الله . والكلام في الحساب في أمور، منها: أولاً: أن الحساب يتنوع: فالحساب ينقسم إلى حساب للمؤمن، وحساب للكافر: أما حساب المؤمن: فإن الله تعالى يخلو به وحده، ويقرره بذنوبه حتى يقر ويعترف بها، ثم يقول الله له: قد سترتها عليك في الدنيا وأنا اغفرها لك اليوم، فينجو. وأما حساب الكافر: فليست كيفيته كحساب المؤمن، فإنه تحصى أعماله وتبين، ثم يخزى بها والعياذ بالله، ويقال: (هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (هود: الآية١٨)) . فالمؤمن حسابه ستر، وبينه وبين ربه، أما الكافر فحسابه كشف يفضح به بين الناس. نسأل الله أن يستر علينا. ثانياً: أن الحساب ليس عاماً: بل إن من الناس من ينجو من الحساب فلا يحاسب، بل ويدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب، ومنهم سبعون ألفاً كما هو ثابت في الصحيحين (١) عن النبي ﷺ ، وقد روى الإمام أحمد في مسنده

стр. 460

بإسناد جيد أن مع كل واحد منهم سبعين ألفاً؛ فعددهم حاصب ضرب السبعين ألفاً في سبعين ألفاً، وهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون. فالحساب إذاً يتنوع، وهو ليس عاماً لكل أحد. قوله: (والصحف) يعني الصحف التي كتبت فيها أعمال العبد، وهي التي كتبتها الملائكة في الدنيا، قال الله تعالى: (كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ) (الانفطار: ٩) (وإِنَّ عَلَيكُمْ لَحَافِظِين) (الانفطار: ١٠) (كِرَاماً كَاتِبِينَ) (الانفطار: ١١) ، وقال تعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً) (الإسراء: ١٣) (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) (الإسراء: ١٤) . فهذه الصحف قد كتبت من قبل وسجلت، فتنشر يوم القيامة، ويقال للرجل إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، وقد قال بعض السلف: والله لقد أنصفك من جعلك حسيباً على نفسك. وهذه الصحف تنشر وتتطاير، فينقسم الناس فيها إلى قسمين: قسم يأخذها باليمين؛ وقسم يأخذها بالشمال، وفي آية ثالثة من وراء الظهر، ويحتمل أن تكون هذه صفة ثالثة، ويحتمل أن تكون صفة في صفة الشمال، وهو الصنف الثاني، وهذا هو الأقرب، والأول محتمل. ثم إن الآخذ لكتابه بيمينه يفتخر ويقول للناس كما قال تعالى (هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ) (الحاقة: الآية١٩) (إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ) (الحاقة: ٢٠) .، (وَأَمَّا مَنْ أُوتَي كَتَابَهُ وَرَاءَ ظَهرِه فَسَوف يَدْعُو ثُبُوراً وَيَصْلَى سَعِيراً) (الانشقاق: الآية ١٠-١١) ويقول كما قال تعالى: (ُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ) (الحاقة: الآية٢٥) (وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ) (الحاقة: ٢٦) (يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ)
следующие страницы →