دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ) (النمل: ٨٢) ، هذا ما ذهب إليه كثير من أهل العلم، وهو المشهور كما قال المؤلف.
وقال بعض العلماء: إن الدابة أمر مبهم صحت بها الأحاديث عن النبي ﷺ ولكن لم تبين (١) ، وما ورد من صفاتها وأنها تخرج من أجياد أو من الصفا أو من غيرهما أحاديث ضعيفة وليست بالأحاديث التي تبنى عليها العقيدة، وحسبنا أن نؤمن بما قال الرسول ﷺ : الدابة فقط، وأما الصفات الواردة فيها وليست بصحيحة عن النبي ﷺ فإنه لا يلزمنا اعتقادها؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.
أما آخر شيء من هذه الأشراط فيقول ﵀: (آخر الآيات حشر النار) حشر مضاف والنار مضاف إليه، من باب إضافة المصدر إلى فاعله، يعني: حشر النار الناس، وهذه نار تخرج من عدن تسوق الناس إلى الشام أي إلى المحشر، وقد ورد أنها تمشي مع الناس تسير بسيرهم، وتقيل بمقيلهم، وتبيت بمبيتهم حتى ينجفل الناس كلهم إلى المحشر (٢) ، وحينئذٍ ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، فهذه آخر الآيات كما قال المؤلف رحمه الله تعالى.
أما آية الدخان فقد اختلف العلماء فيها: هل هي آية مضت أو هي آية مقبلة؟ فمنهم من قال: إنها آية مضت، وهي المشار إليها في قوله تعالى:
стр. 457
(فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) (الدخان: ١٠) ، وأن المراد بذلك ما أصاب قريشاً من الجدب والقحط حتى أصيبوا بالجهد العظيم، وكان الإنسان منهم ينظر إلى السماء فيظن أنها دخان من شدة تأثير الجوع عليه.
ومنهم من قال: بل هو أمر مستقبل، وهو أن الله يبعث عند قيام الساعة دخاناً عظيما يملأ الأجواء ويغشى الناس كلهم.
والأقرب للصواب أنه دخان يرسله الله عند قيام الساعة فيغشى الناس كلهم، والله أعلم بكيفية هذا الدخان، فنحن إنما نعرف انه دخان، لكن لا نعرف كيف يأتي الناس ولا من أين يأتي، فهذا أمره إلى الله .
والمقصود من هذه الأشراط هو إنذار الناس بقرب قيام الساعة، حتى يستعدوا لها ويعملوا لها.
ثم قال المؤلف ﵀: (فكلها صحت بها الأخبار) كلها: يعني كل هذه الأشراط العشرة صحت بها الأخبار عن النبي ﷺ . (وسطرت آثارها الأخيار) سطرت: يعني كتبت، وسميت الكتابة تسطيراً لأنها تكتب بأسطر، والأخيار: جمع خير، فظاهر كلام المؤلف انه حتى الدابة التي تخرج من أجياد قد صحت بها الأخبار، ولكن الأمر خلاف ذلك، اللهم إلا أن تكون صحت عنده، فإنه قد يصح الحديث عند شخص ولا يصح عند آخرين.
стр. 458
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١١٥- واجزم بأمر البعث والنشور ... والحشر جزماً بعد نفخ الصور
١١٦- كذا وقوف الخلق للحساب ... والصحف والميزان للثواب
ــ
الشرح
قال ﵀: (واجزم بأمر البعث والنشور) وهذا يوم القيامة، والبعث: أي الإخراج، والنشور: أي النشر والتفريق والتوزيع، ثم قال: (والحشر جزماً بعد نفخ الصور) ، وذلك أن الله يأمر اسرافيل وهو أحد الملائكة الموكلين بحمل العرش أن ينفخ في الصور، والصور وصف بأنه قرن عظيم واسع؛ سعته كسعة السماء والأرض، تودع فيه الأرواح عند نفخه، فإذا نفخ فيه أولاً فزع الناس، ثم صعقوا وهلكوا كلهم، قال الله تعالى (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ) (النمل: ٨٧)) ، وقال تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) (الزمر: ٦٨) .
وقد اختلف العلماء ﵏ هل النفخ يكون ثلاث مرات؛ نفخ الفزع، ونفخ الصعق، ونفخ البعث، أو هو مرتان فقط، وأن نفخ الفزع والصعق واحد؛ ينفخ أولاً فيفزع الناس ثم يصعقون، وينفخ ثانياً فيقومون من قبورهم لرب العالمين؟ وهذا الأخير هو الأقرب للصواب، والأمر في هذا قريب.
стр. 459
حتى لو قال قائل بأنه ينفخ أولاً فيفزع الناس، ثم ينفخ فيموتون، لم يكن ذلك متناقضاً، لكن الأقرب أنهما نفختان فقط.
وقوله (كذا وقوف الخلق للحساب) كذا وقوف الخلق: يعني المخلوقين، فالخلق مصدر أريد به اسم المفعول، وقوفهم للحساب: أي ليحاسبهم الله .
والكلام في الحساب في أمور، منها:
أولاً: أن الحساب يتنوع: فالحساب ينقسم إلى حساب للمؤمن، وحساب للكافر:
أما حساب المؤمن: فإن الله تعالى يخلو به وحده، ويقرره بذنوبه حتى يقر ويعترف بها، ثم يقول الله له: قد سترتها عليك في الدنيا وأنا اغفرها لك اليوم، فينجو.
وأما حساب الكافر: فليست كيفيته كحساب المؤمن، فإنه تحصى أعماله وتبين، ثم يخزى بها والعياذ بالله، ويقال: (هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (هود: الآية١٨)) .
فالمؤمن حسابه ستر، وبينه وبين ربه، أما الكافر فحسابه كشف يفضح به بين الناس. نسأل الله أن يستر علينا.
ثانياً: أن الحساب ليس عاماً: بل إن من الناس من ينجو من الحساب فلا يحاسب، بل ويدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب، ومنهم سبعون ألفاً كما هو ثابت في الصحيحين (١) عن النبي ﷺ ، وقد روى الإمام أحمد في مسنده
стр. 460
بإسناد جيد أن مع كل واحد منهم سبعين ألفاً؛ فعددهم حاصب ضرب السبعين ألفاً في سبعين ألفاً، وهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون.
فالحساب إذاً يتنوع، وهو ليس عاماً لكل أحد.
قوله: (والصحف) يعني الصحف التي كتبت فيها أعمال العبد، وهي التي كتبتها الملائكة في الدنيا، قال الله تعالى: (كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ) (الانفطار: ٩) (وإِنَّ عَلَيكُمْ لَحَافِظِين) (الانفطار: ١٠) (كِرَاماً كَاتِبِينَ) (الانفطار: ١١) ، وقال تعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً) (الإسراء: ١٣) (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) (الإسراء: ١٤) .
فهذه الصحف قد كتبت من قبل وسجلت، فتنشر يوم القيامة، ويقال للرجل إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، وقد قال بعض السلف: والله لقد أنصفك من جعلك حسيباً على نفسك.
وهذه الصحف تنشر وتتطاير، فينقسم الناس فيها إلى قسمين: قسم يأخذها باليمين؛ وقسم يأخذها بالشمال، وفي آية ثالثة من وراء الظهر، ويحتمل أن تكون هذه صفة ثالثة، ويحتمل أن تكون صفة في صفة الشمال، وهو الصنف الثاني، وهذا هو الأقرب، والأول محتمل.
ثم إن الآخذ لكتابه بيمينه يفتخر ويقول للناس كما قال تعالى (هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ) (الحاقة: الآية١٩) (إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ) (الحاقة: ٢٠) .، (وَأَمَّا مَنْ أُوتَي كَتَابَهُ وَرَاءَ ظَهرِه فَسَوف يَدْعُو ثُبُوراً وَيَصْلَى سَعِيراً) (الانشقاق: الآية ١٠-١١) ويقول كما قال تعالى: (ُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ) (الحاقة: الآية٢٥) (وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ) (الحاقة: ٢٦) (يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ)
стр. 461
(الحاقة: ٢٧) (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ) (الحاقة: ٢٨) (هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ) (الحاقة: ٢٩) وهذا كما نشاهده في الدنيا حين يعطى إنسان نتيجة الاختبار، فإن كان ناجحاً فإنه يرفعها ويقول: انظروا. انظروا. وإن كان راسباً خرج مُنسَلاً.
فالإنسان المؤمن يفرح ويقول للناس: هاؤم اقرؤوا كتابي، ويبين السبب؛ إني ظننت إني ملاق حسابي، يعني أيقنت ذلك والصحف هي الكتب التي كتبت فيها أعمال العباد، بحيث يأخذها الناس باليمين وبالشمال أو من وراء الظهر، والذي من وراء الظهر هو الشمال، لكنه والعياذ بالله تخلع يده إلى الخلف كما جعل كتاب الله وراء ظهره.
ثم قال المؤلف ﵀: (والصحف والميزان للثواب) فنحن نؤمن أيضاً بالميزان للثواب، والميزان ما يعرف به وزن الشيء، وقد اختلفت الأمة هل هذا الميزان حسي أم هو معنوي؟ فذهبت المعتزلة إلى أنه معنوي، وأن الميزان المذكور في القرآن والوزن المذكور في القرآن معناه إقامة العدل، وليس ثمة شيءٌ محسوس يوزن به، وعللوا ذلك بأن الأعمال أوصاف ومعانٍ، والأوصاف والمعاني لا توزن، وإنما الوزن يكون للأجسام، أما الأوصاف والمعاني فلا يمكن أن توزن.
فحكموا العقل، وقدموه على النقل وعلى الشرع، والنصوص تدل على أن هذا الميزان ميزان حسي، وحديث صاحب البطاقة (١) واضح فيه، وكذلك
стр. 462
حديث ابن مسعود ﵁ لما خرج ذات يوم في ريح شديدة، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفئه ويميل منها؛ لأنه نحيف ليس كبير الجسم، فضحك منه بعض الصحابة، فقال ﷺ : ((إن ساقيه في الميزان أثقل من أُحد)) (١) ، وهذا يدل على أن الوزن وزن حسي حقيقي.
وأما قولهم: إن الأعمال أوصاف ومعان فلا توزن، فنقول رداً على ذلك: إن الله على كل شيء قدير، قد يجعل الله المعاني أجساماً، فها هو الموت معنى من المعاني ويؤتى به يوم القيامة على صورة كبش، ويوقف بين الجنة والنار ويقال لأهل النار وأهل الجنة: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، فيذبح بين الجنة والنار، ويقال لأهل الجنة: خلود فلا موت، ولأهل النار: خلود فلا موت (٢) .
فالله قادر على أن يجعل الأوصاف والمعاني أجساماً، ولا يجوز أن نرد الأدلة بمجرد ما تتحير فيه العقول، بل إذا تحيرت العقول فأعلم أن القول فوق العقول، ولا يمكن أن تأتي النصوص بما يحيله العقل أبدا، إذا فالصحيح أن الميزان حسي لا معنوي.
واختلف العلماء في الذي يوزن هل هو العمل أو صاحب العمل أو كتاب العمل؟ وفي هذا للعلماء ثلاثة أقوال:
قال بعض العلماء: إن الذي يوزن هو العمل، واستدل هؤلاء بقوله
стр. 463
تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) (الزلزلة: ٧) (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) (الزلزلة: ٨) ، وبقوله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء: ٤٧) ، وبقول النبي ﷺ : (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)) (١) . فقال: ((ثقيلتان في الميزان)) .
وهذه النصوص واضحة في أن الذي يوزن العمل، ويبقى رد الإشكال الذي أورده المعتزلة وردوا به النصوص؛ وهو أن الأعمال أوصاف ومعان. فكيف توزن؟ ونقول: إن الله قادر على أن يجعلها أجساماً فتوزن.
القول الثاني: أن الذي يوزن صحائف العمل، وأن هذه الصحائف تثقل وتخف بحسب ما فيها من الأعمال، واستدلوا لهذا بحديث صاحب البطاقة الذي يُمد له سجل من المعاصي، ثم يؤتى ببطاقة صغيرة فيها كلمة الإخلاص، فيقول هذا الرجل: وما تصنع هذه البطاقة في هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم، ثم توضع البطاقة في كفة، والسجلات في كفة، فترجع بهن البطاقة (٢) ، وهذا يدل على أن الذي يوزن صحائف العمل.
القول الثالث: أن الذي يوزن هو صاحب العمل، واستدل القائلون بذلك بقوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ
стр. 464
لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً) (الكهف: ١٠٥) قال: فلا نقيم لهم، ولم يقل لأعمالهم، ولا لصحائف أعمالهم، واستدلوا أيضا بحديث ابن مسعود الذي ذكرناه آنفا.
فإذا قال قائل: لا شك أن الاستدلال بحديث ابن مسعود وحديث صاحب البطاقة لا يقاوم الأدلة الدالة من القرآن والسنة على أن الذي يوزن هو العمل، ولهذا صرح شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية فقال: تنصب الموازين فتوزن بها أعمال العباد (١) ، وهذا هو الحق، لكن حديث البطاقة قد يقال: إن هذا خاص به وبأمثاله من أجل أن يتبين له فضل الله عليه، وقد يقال: إنه لما وزنت الصحيفة وثقلت بحسب العمل، فإن الوزن حقيقة يكون للعمل.
وأما حديث ابن مسعود والآية فلا تدل على ذلك؛ لأن معنى لا نقيم لهم وزناً يعني لا نقيم لهم قيمة، كما نقول: فلان ليس له عندي وزن؛ أي لا قيمة له ولا اعتبار، وأما حديث ابن مسعود ﵁ فأراد النبي ﷺ أن يبين أن خفة الجسم لا تدل على قلة العمل، أو على خفته، وليس بذاك الصريح. وعلى ذلك فالمعتمد أن الذي توزن هي الأعمال نفسها.
بقي البحث في: هل الميزان واحد توزن به الأعمال كلها، أو أن لكل أمة ميزاناً؛ حيث إن الأمم تتفاضل في الثواب، أو أن لكل شخص ميزاناً؟
في هذا أقوال للعلماء؛ فمنهم من قال: لكل شخص ميزان، ومنهم من قال: لكل أمة ميزان، ومنهم من قال: الميزان واحد.
ولنستعرض الآيات الدالة على الميزان وما تدل عليه، قال تعالى (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الأعراف: ٨) ، وهذا
стр. 465
الدليل لا يدل على تعدد، ولا على إفراد، لأنه قال: الوزن.
ولكن هناك أدلة تذكر الميزان مثل قوله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) (الأنبياء: الآية٤٧) ، والموازين هنا جمع.
وفي حديث: ((كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان)) ، والميزان هنا مفرد، فمن قالوا بما يقتضيه الجمع قالوا بأن المراد بالميزان في قوله: ((ثقيلتان في الميزان)) الجنس، ومن قالوا بأن الميزان واحد، قالوا: إن الجمع في الآية باعتبار الموزون.
والذي يظهر لي - والله أعلم - إن الموازين متعددة بحسب الأمم؛ لأن الأمم تتفاضل في الأعمال، وإذا كانت تتفاضل في الأعمال لزم أن تكون موازين أعمالها مختلفة.
ولهذا كانت هذه الأمة - ولله الحمد - توفي سبعين أمة، وهي أكرمها عند الله ، وهي اقلها زمنا وأكثرها أجرا، فزمنها من العصر إلى الغروب، ويعطون أجرهم مرتين. إذاً لا يمكن أن يكون ميزان هؤلاء كميزان الآخرين.
ثم إن رجحان الحسنات معناه أن تنزل الكفة، لا أن ترتفع الكفة، فهي لما تثقل تنزل، وفي حديث البطاقة طاشت السجلات أي ارتفعت، وعلى هذا يكون الوزن من جهة نزول الكفة إذا ثقلت كالوزن في الدنيا.
وأما من قال: إن رجحان الحسنات يكون إذا ارتفعت، وأن هذا هو الثقل، فهذا غير صحيح، وهو خلاف المحسوس، نسأل الله أن يثقل موازيننا يوم القيامة
стр. 466
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى
١١٧- كذا الصراط ثم حوض المصطفى ... فيا هنا لمن به نال الشفا
١١٨- عنه يذاد المفتري كما ورد ... ومن نحا سب السلامة لم يرد
١١٩- فكن مطيعا واقف أهل الطاعة ... في الحوض والكوثر والشفاعة
١٢٠- فإنها ثابتة للمصطفى ... كغيره من كل أرباب الوفا
١٢١- من عالم كالرسل والأبرار ... سوى التي خصت بذي الانوار
ــ
الشرح
قال المؤلف ﵀: (كذا الصراط) أي كذا أجزم بالصراط، والصراط في الأصل هو الطريق الواسع المستقيم، وسمي صراطاً لأن الناس يسلكونه بسرعة لكونه واسعاً مستقيماً، ومنه ما يسمى عندنا الآن بالخط السريع؛ لأنه واسعٌ ومستقيم، قالوا: وأصل ذلك من قولهم زرط اللقمة إذا ابتلعها بسرعة، فلا يسمى الطريق صراطاً إلا إذا كان واسعاً مستقيماً ولهذا أن الصراط الذي يسأل المرء ربه هدايته مستقيماً، (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة: ٦)) .
والصراط جسر يوضع على جهنم يصعد منه المؤمنون من أرض المحشر إلى الجنة، ولا يصعده إلا المؤمنون، أما الكفار فقد سيقوا إلى جهنم وألقوا فيها، لكن المؤمنون هم الذي يصعدون هذا الصراط.
واختلف العلماء في هذا الصراط: هل هو صراط واسع يسع أمماً عظيمة أو هو صراط ضيق؟
وذلك على قولين فمنهم من قال: إنه أدق من الشعر، وأحد من
стр. 467
السيف، وأحر من الجمر، فلما قيل: إن هذا لا يمكن العبور عليه، أجابوا بأن الأمور الآخرة لا تقاس بالأمور الدنيا، وأن الله على كل شيء قدير، وأن الله جعله بهذه الصفة لمشقة العبور منه كمشقة الصراط في الدنيا على النفوس، لأن الجنة حفت بالمكاره.
ومنهم من قال: بل إنه صراط واسع، فيه مزلة ومدحضة، وعليه الشوك كالسعدان، لكن لا يعلم عظمها إلا الله ، وأياً كان فهو مخيف غاية الخوف، ولهذا كان من دعاء الرسل - وهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم - يومئذٍ ((اللهم سلم اللهم سلم)) (١) ، كما صح ذلك عن النبي ﷺ .
ويعبر الناس الصراط على قدر أعمالهم في الدنيا، منهم من يعبر كلمح البصر، ومنهم من يعبر كالبرق، ومنهم من يعبر كالريح، ومنهم من يعبر كالخيل الجواد أو الجياد، ومنهم من يعبر كركاب الإبل، ومنهم من يمشي، ومنهم من يزحف ومنهم من يكردس في النار، كلهم على حسب أعمالهم، فالمتقبل للدين في الدنيا المنشرح به صدراً المسابق إليه يكون عبوره على الصراط بسرعة، والمتباطئ في دينه يكون عبوره على الصراط ببطء، والمسرف على نفسه بفعل المعاصي ربما يلقى في جهنم يطهر بما يصيبه من العذاب ثم يخرج؛ إما بشفاعة وإما بانتهاء عقوبته؛ وإما بفضل الله عليه ورحمته.
وخلاصة ذلك أنه يجب علينا أن نؤمن بأنه يوضع على جهنم صراط، وهو صراط خطر مخيف يدعو الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أن يسلمهم الله تعالى منه، وأنه يمر الناس على هذا الصراط على قدر أعمالهم، وهذا المرور حسب تقبلهم لدين الله في الدنيا، وإن من الناس من يعبر الصراط
стр. 468
ومنهم من يكردس في النار، ثم يخرجون منها إلى أن يصلوا إلى الجنة.
فإذا وصلوا إلى الجنة لم يجدوها مفتوحة الأبواب، على خلاف أهل النار، فإنهم إذا وصلوا إلى النار فتحت الأبواب ليسوءهم العذاب والعياذ بالله، أما الجنة فلا تكون مفتوحة الأبواب، وإنما يوقفون هناك على قنطرة، وهي الجسر الصغير فيقتص لبعضهم من بعض اقتصاصاً غير الاقتصاص الأول الذي في عرصات القيامة، فيقتص لبعضهم من بعض اقتصاصاً يزيل ما في صدورهم من الغل والحقد؛ لأن الاقتصاص الذي في عرصات القيامة اقتصاص تؤخذ فيه الحقوق، وربما يبقى في النفوس ما يبقى، لكن هذا الأخير اقتصاص للتطهير والتهذيب والتنقية، حتى يدخلوا الجنة وما في صدورهم من غل.
وبهذا نجمع بين النصوص الواردة بأن هنا اقتصاصين، الاقتصاص الأول في العرصات ويقصد منه أخذ الحقوق، وهذا الاقتصاص الأخير والمقصود به التنقية والتطهير من الغل.
فإن قال قائل: أفلا يحصل ذلك بأخذ الحقوق؟ قلنا: لا، فلو أن رجلاً اعتدى عليك في الدنيا ثم أخذت حقك منه، فإنه قد يزول ما في قلبك عليه وقد لا يزول، فإحتمال أنه لا يزول وارد، لكن إذا هذبوا ونقوا بعد عبور الصراط ودخلوا الجنة على إكمال حال، قال تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) (الحجر: ٤٧) .
ثم قال: (ثم حوض المصطفى) يعني ثم نجزم بحوض المصطفى، والحوض مجتمع الماء، والمصطفى مأخوذ من الصفوة، واصله المصتفى لكن قلبت التاء
стр. 469
طاء لعِلة تصريفية، والمصطفى يراد به هنا محمد ﷺ ، وإن كان الرسل كلهم مصطفين؛ لأنه قد اصطفاهم الله تعالى، كما قال الله تعالى: (وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ) (صّ: ٤٧)) ، لكن المراد بالمصطفى هنا محمد ﷺ ، ونحن نؤمن بهذا الحوض على الوجوه التالية:
أولاً: نؤمن بوجود هذا الحوض، وأنه سيكون حوضاً للرسول ﷺ في عرصات القيامة يشرب الناس منه؛ لأن الناس في هذا المكان في غاية ما يكونون حاجة للماء، فيشربون منه
ثانياً: نؤمن بمادة هذا الحوض، وأن هذا الحوض يأتي من الكوثر، والكوثر نهر أعطاه الله تعالى نبينا محمدا ﷺ في الجنة، كما قال تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) (الكوثر: ١)) يصب منه ميزابان في هذا الحوض، ولهذا ترده الأمة كلها وهو باق؛ لأنه يصب عليه هذان الميزابان.
ثالثاً: ماء هذا الحوض جاء في السنة أنه أشد بياضاً من اللبن، وأنه أحلى من العسل، وأنه أطيب من رائحة المسك (١) ، فهو طيب في لونه، طيب في مذاقه، طيب في رائحته، فالعين والفم والأنف تعشقه؛ العين تلتذ به برؤية هذا الحوض الصافي الذي هو أشد بياضا من اللبن، والأنف تلتذ برائحته التي هي أطيب من ريح المسك، والفم يلتذ بمذاقه الذي هو أحلى من العسل، فما أحسن الطعم والرائحة والمنظر
رابعاً: يشرب الناس منه بآنية لا بأكفهم، وهذه الآنية جاء في الحديث
стр. 470
الصحيح ((أنها عدد نجوم السماء)) (١) ، وجاء في لفظ آخر ((أنها كنجوم السماء)) (٢) ، ووصفها بأنها كنجوم السماء أعم من وصفها بأنها عدد نجوم السماء؛ لأن الوصف الأول يشمل وصفها بأنها كنجوم السماء عددا وكنجوم السماء جمالاً ولمعاناً، فآنيته إذاً كثيرة لا يحصيها إلا الذي خلقها ، وكذلك لها لمعان ونور يتلألأ من هذه الآنية.
خامساً: يرد هذا الحوض المؤمن بمحمد ﷺ ، أما غير المؤمن فلا يرده، فلا يرده المنافق، ولا يرده الكافر الخالص، بل أولئك يذهبون إلى النار، تتمثل لهم كأنها سراب فيردونها عطاشا، وإنهم إذا رأوا هذا السراب يفرحون ويقولون: الآن نروى، فإذا وصلوا إليها والعياذ بالله ألقوا فيها، أما المؤمنون فيردون هذا الحوض ويشربون منه - أسأل الله أن يروينا منه.
سادساً: أن من شرب منه فلن يظمأ بعده أبداً، وقد سبق أنه يكون في عرصات القيامة، ولكن قد ورد في الحديث أنهم يشربون بعد الصراط، أي بعد أن يعبروا على الصراط، وليس في ذلك تعارض؛ لأنه قد ثبت أن من شرب منهم شربة واحدة لن يظمأ بعدها أبداً، فيكون شربهم بعد الصراط إما لظمأ يسير ليس فيه مشقة؛ لأنهم عبروا النار وهي حارة، أو أنهم يشربون منه تلذذاً لا عطشاً.
وعلى ذلك فيكون في عرصات القيامة، وكذلك بعد العبور على الصراط، لكن الأهم هو الذي يكون في عرصات القيامة؛ لأن الناس ينالهم
стр. 471
عطش وشدة عظيمة حيث تدنوا الشمس منهم مقدار ميل، فيعطشون ويحتاجون إلى الشرب من هذا الحوض، فإياك إياك أن تحرم الورود على هذا الحوض، وقد وعد النبي ﷺ الأنصار الحوض إذا صبروا على جور السلطان، فقال: ((إنكم ستلقون بعدي أثرة)) أي استئثارا عليكم، ((فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)) (١) .
لذلك يرجى لمن صبر على السلطان وعلى جوره أن ينال مثل هذا الوعد من النبي ﷺ ؛ لأن هناك قاعدة تقول: أن الأحكام الشرعية والجزائية لا تتعلق بالشخص بعينه ولكن بوصفه وعمله، والعمل وصف، فليس هناك حكم شرعي أو جزائي معلق بشخص بعينه ولكن بوصفه بعمله، وهذا هو مقتضى عدل الله ؛ لأن الله ليس بينه وبين أحد محاباة حتى نقول: يمكن أن يحابي أحداً لشخصه، فالإنسان قد يحابي شخصاً معيناً في حكم يختص به لشخصه، لقرابته أو لصداقته، لكن الرب (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) (الإخلاص: ٣) (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) (الإخلاص: ٤) ، لا يعطي أحداً حكماً خاصاً لشخصه أبدا.
فإن قال قائل: بل قد ورد التخصيص في الحكم الشرعي لعين الشخص كما في حديث أبي بردة بن نيار ﵁، فإنه لما كان يوم عيد الأضحى أحب أن يذبح أضحيته مبكراً من أجل أن يأكل هو وأهل بيته، فذبح أضحيته قبل صلاة العيد، فلما جاء وصلى العيد وخطب النبي ﷺ الخطبة، وقال: ((من ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله، وليس من النسك في
стр. 472
شيء)) (١) .
وأبو بردة ﵁ مثل غيره من الصحابة صرحاء، لما سمع ذلك قال: يا رسول الله، إني نسكت قبل أن أصلي، يعني وأحببت أن آكل أنا وأهلي، فقال له الرسول ﷺ : ((شاتك شاة لحم)) ، أي أنها غير مجزئة، قال: يا رسول الله، أن عندنا عناقا - أنثى من المعز الصغيرة - هي أحب إلينا من شاتين. أفتجزئ عني؟ يعني أن اذبحها الآن، قال: ((نعم، ولن تجزئ عن أحد بعدك)) (٢) .
وهذا الحديث يدل على أن الحكم خصص بابي بردة ﵁ بعينه، إذ قال له النبي ﷺ لن تجزئ عن أحد بعدك، فأخذ بذلك بعض العلماء، وقال: إن هذا تخصيص في الحكم الشرعي بعين الرجل، لكن أبى ذلك الحبر ابن تيمية ﵀ (٣) ، وقال: المراد بقوله: ((بعدك)) : أي بعد حالك، يعني لن تجزئ عن أحد حاله ليست كحالك، مثلما تقول للرجل: ما بعدك رجل يوفي بالعهد، فالمعنى ما بعد وفائك وفاء بالعهد؛ لأنه وفاء كامل، وإلا سيوفي آخر بعده بالزمن
وما ذهب إليه شيخ الإسلام هو الحق، فإنه لو جاءنا رجل مثل أبي بردة وذبح شاته قبل الصلاة جاهلاً، ثم قال لنا مثل ما قال أبو بردة للنبي ﷺ : عندي عناق صغيرة اذبحها بدلها؟ قلنا: نعم؛ لأنه جاهل.
стр. 473
فإذا قال قائل: أليس الله خص نبيه بخصائص كما قال تعالى: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) (الأحزاب: الآية٥٠)) ؟
فالجواب: أن النبي ﷺ خُصَّ بذلك؛ لأنه رسول الله، فهو خص بوصفه لا بعينه، ولولا أنه رسول لكان رجلاً من بني هاشم.
إذاً فالقاعدة عندنا أن الأحكام الشرعية والجزائية لا تخصص بالأشخاص بأعيانهم، ولكن بالأشخاص بأوصافهم، وهذا الاستطراد أوجبه قول الرسول ﷺ للأنصار: ((إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)) (١) ، وعلى ذلك فيرجى لمن صبر على جور الأئمة وأثرتهم أن يرد الحوض على النبي ﷺ .
وقلنا: يرجى، ولم نقل: يجزم؛ لأنه ربما يقول قائل: إنه لن يتصف أحد بأوصاف الأنصار، حتى لو صبر فهو ليس كالأنصار، ولكن نقول: إن الرسول ﷺ علق الحكم بالصبر، فيرجى لمن صبر أن يكون كالأنصار في هذا.
سابعاً: هل هذا الحوض خاص بالرسول ﷺ ؟ وهل يوجد في يوم القيامة أحواض أخرى لغير الرسول ﷺ ؟
اختلف في ذلك أهل العلم، فمنهم من قال: إنه لا حوض إلا لرسول الله ﷺ ؛ لأنه هو الحوض الذي تواترت فيه الأدلة؛ ولأن رسالة الرسول ﷺ عامة لكل الخلق فيكون التابعون له أكثر فيحتاجون إلى ماء يروي ظمأهم.
وقال بعض العلماء: بل لكل نبي حوض، ولكن الأكبر والأعظم
стр. 474
والأفضل والأكمل هو حوض الرسول ﷺ ، وقد جاء في هذا حديث رواه الترمذي بإسناد لا بأس به (١) .
وهذا القول الأخير هو الراجح وهو أن لكل نبي حوضاً، ولكن الحوض الكبير الأعظم الأمثل الأكمل هو حوض النبي ﷺ ، وذلك:
أولاً: لهذا الحديث الذي أشرنا إليه، وثانياً: لأن هذا من كمال عدل الله ، فإنه من نهل من شرعه في الدنيا كان جزاؤه أن ينهل من أحواض الأنبياء يوم القيامة، لكن ليس معلوماً لدينا من أين تستمد هذه الأحواض التي لغير الرسول ﷺ ، أما حوض الرسول ﷺ فإنه يكون من الكوثر كما ذكرنا.
وهل هذا الحوض واسع أو ضيق؟ جاء في الحديث الصحيح أن طوله شهر وعرضه شهر (٢) ، وبذلك يكون واسعاً.
لكن أخذ بعض العلماء من قوله ﷺ : طوله شهر وعرضه شهر أن الحوض مدور؛ لأنه لو كان مربعاً لكان ما بين الزاويتين أكثر من الشهر، فإذا قال الرسول ﷺ : إن طوله شهر وعرضه شهر فإنه لا يتحقق هذا في جميع جهاته إلا إذا كان مدوراً.
وعلى كل حال فإن كان هذا هو مراد رسول الله ﷺ فإننا نقبله، وإن لم يكن مراده فإنه جرى على لسان العرب أنهم يقولون: الحُجرة طولها أربعة أذرع وعرضها أربعة أذرع مع أنها مربعة.
قال المؤلف ﵀: (فيا هنا لمن به نال الشفا) والمراد بالشفا هنا الري؛
стр. 475
لأن من شرب منه مرة واحدة لم يظمأ بعدها أبداً.
ثم قال: (عنه يذاد المفتري كما ورد) يذاد أي يطرد، والمفتري أي الكافر. قال: (كما ورد) أي كما ورد عن النبي ﷺ أنه يُذاد عنه الكافرون، حتى إنه يذاد عنه أناس من أصحابه فيطردون، فيقول: يا رب، أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك (١) ، وهذا في الذين ارتدوا على أدبارهم بعد موت الرسول ﷺ .
قوله (ومن نحا سبل السلامة لم يرد) من نحا: أي من سلك، سبل السلامة: أي طرقها، وجمع المؤلف السبل مع أن سبيل الشرع واحدة، كما قال تعالى (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) (الأنعام: الآية١٥٣) - جمعها المؤلف - لوجهين:
الوجه الأول: ضرورة الشعر؛ لأن الشعر يضطر صاحبه إلى ما لا يجوز، كما قال صاحب منظومة النحو المسماة ملحة الإعراب.
وجائز في صنعة الشعر الصلف ... أن يصرف الشاعر ما لاينصرف
فوصف الشعر بأنه صلف؛ لأنه لا يعطي الشاعر الحرية في انتقاء الكلمات، بل لابد أن يأتي بكلمة لا ينكسر بها البيت.
الوجه الثاني: انه لم يرد بالسبل عموم الشريعة والملة، إنما أراد بذلك سبل الخيرات، وهي صلوات وزكوات وصيام وحج وبر وصلة وحسن خلق وغير ذلك، فهي بهذا الاعتبار تكون سبلاً.
وقوله: (سبل السلامة) أي السبل التي يحصل بها السلامة من العقوبات في الآخرة، (لم يرد) أي لا يرده أحد عن الشرب من هذا الحوض.
стр. 476
قوله: (فكن مطيعاً واقف أهل الطاعة) أقف أي اتبع، والمراد بقفوهم إتباع آثارهم. فكن مطيعاً لأوامر الله، ومن أوامر الله التصديق بما اخبر الله به ورسوله، يعني فصدق بهذه الأشياء وثبوتها.
قال ﵀ (في الحوض والكوثر) الحوض سبق الكلام عليه، والكوثر على وزن فوعل، وهو مأخوذ من الكثرة لكن زيدت الواو فيه للمبالغة، والكوثر نهر عظيم في الجنة أعطيه النبي ﷺ وليس لغيره من الأنبياء، وقد ذكره الله في قوله (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) (الكوثر: ١) (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (الكوثر: ٢) .
وسمي كوثر لكثرته وكثرة خيره وبركته وغير ذلك، مما تدل عليه المبالغة في كلمة الكوثر، فيجب علينا أن نؤمن بأن للرسول ﷺ نهراً في الجنة يسمى الكوثر.
قوله: (والشفاعة) الشفاعة: مأخوذة من الشفع، وهي ضد الفرد، وإن شئت فقل ضد الوتر، قال الله تعالى: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) (الفجر: ٣) (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ) (الفجر: ٤) .
والشفاعة في اللغة: ضم شيء إلى آخر ليشفعه بعد أن كان مفردا.
وأما في الاصطلاح: فإنها التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة.
مثال الأول: شفاعة النبي ﷺ في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، فهذا التوسط في جلب خير، ومثال الثاني: شفاعة النبي ﷺ فيمن دخل النار أن يخرج منها، وهذا في دفع ضرر.
فالشفاعة إذاً هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة. فلو أن
стр. 477
إنساناً توسط لنفسه أو دافع عنها عند الغير لمصلحته، فلا يسمى ذلك شفاعة؛ لأنه ليس للغير، والشفاعة لا تكون إلا للغير.
ثم إن الشفاعة تنقسم إلى شرعية وشركية.
أولاً: الشفاعة الشرعية: هي ما اجتمع فيها ثلاثة شروط:
الأول: رضي الله عن الشافع. ودليل اشتراط رضى الله عن الشافع قوله ﵎ (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السموات لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) (النجم: ٢٦) (يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً) (طه: ١٠٩) والثاني: رضي الله عن المشفوع له، ودليل ذلك قوله تعالى: (وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) (الأنبياء: الآية٢٨) أي لمن رضيه الله .
والثالث: إذن الله بالشفاعة، ودليل ذلك قوله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (البقرة: الآية ٢٥٥) ، فمن شفع بغير إذن الله فإنه لا تنفعه الشفاعة، ولا تعتبر شفاعة شرعية، فلابد من إذن الله بالشفاعة.
فلابد إذاً من ثلاثة شروط لتكون الشفاعة شرعية.
النوع الثاني: الشفاعة الشركية: وهي ما يعتقده المشركون في آلهتهم، حيث يتقربون إلى هذه الآلهة بالقربى، ويدعون أنهم يريدون بذلك أن تشفع لهم. وليست بنافعة لهم؛ لأن الله لا يمكن أن يأذن لها إن كانت هذه الأصنام ممن يكرهه الله، ولا يمكن أن يأذن لهذه الآلهة إذا كان هؤلاء ممن لا يرتضيهم الله، فالذين يعبدون عيسى ليشفع لهم، فإنه لا يمكن أن يشفع عيسى لهم؛ لأن الله لا يأذن بالشفاعة - حسب خبره حيث إن
стр. 478
هؤلاء الذين يعبدون عيسى لا يرضاهم الله وإن كان عيسى يرضاه الله لكن هؤلاء المشفوع لهم لا يرضاهم الله ، فلا يمكن أن تتحقق الشفاعة، وهذه الشفاعة تكون شركية.
ونحن نقول: إن هذه شفاعة تنزلاً مع هؤلاء الذين يقولون: (هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) (يونس: الآية١٨) ، وإلا فهي في الحقيقة شرك؛ لأنهم يعبدون هذه الأصنام ويدعون أنها تشفع لهم.
والشفاعة الشرعية تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة.
فالعامة لجميع الخلق من الأنبياء والصالحين.
والخاصة للرسول ﷺ ، وهي الشفاعة العظمى في أهل الموقف أن يقضى بينهم، والشفاعة في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وشفاعة ثالثة أخص وهي شفاعته لعمه أبي طالب حتى خفف عنه العذاب، فهذه ثلاثة أنواع من الشفاعات خاصة بالرسول ﷺ .
أولاً: الشفاعة العظمى: وهي أن الناس يوم القيامة يقفون في موقف عظيم، وأوصاف عظيمة وهي في الكتاب والسنة كثيرة ومعلومة، فيلحقهم من الغم والكرب ما لا يطيقون، فيقولون: ألا أحد يشفع لنا عند الله ويريحنا من هذا الموقف، فيذهبون إلى آدم لأنه أبو البشر ويعتذر، ثم إلى نوح ويعتذر، ثم إلى إبراهيم ويعتذر، ثم إلى موسى ويعتذر، ثم إلى عيسى ولا يعتذر لكن يعلم أن للشفاعة من هو أولى بها منه، فيحيلهم إلى الرسول ﷺ .
فيأتون إلى النبي ﷺ ، فيذهب إلى الله ، ويستأذن أن يشفع فيؤذن له، فيسجد تحت العرش، ويفتح الله عليه من المحامد ما لم يكن
стр. 479
يعرفه، فيشفع إلى الله في أن يقضي بين الناس ليريحهم من هذا الموقف، فيقبل الله شفاعته، ويأتي جل وعلا للقضاء بين أهل الموقف.
فهذه هي الشفاعة العظمى العامة لكل الخلق، وهي داخلة في قوله تعالى: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) (الإسراء: الآية٧٩) ؛ لأن هذا المقام يحمده فيه كل الناس، حيث إن الأنبياء قبله اعتذروا فصار الحمد له ﷺ في هذا المقام العظيم.
ثانياً: شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة: وذلك أن أهل الجنة إذا عبروا الصراط وجدوا أبواب الجنة مغلقة، لحكمة يريدها الله ، من هذه الحكمة أنهم يقفون هناك فيقتص لبعضهم من بعض قصاصاً يراد به زوال أثر ما كان في قلوبهم مما كان بينهم، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، بعد أن يشفع الرسول ﷺ في أن يفتح باب الجنة فيدخلوها.
ثالثاً: شفاعته في عمه أبي طالب: فإنه شفع إلى الله أن يخفف عنه فأذن الله له في ذلك، وخفف عن أبي طالب فكان في ضحضاح من نار وعليه نعلان يغلي منهما دماغه، وهو أهون أهل النار عذاباً.
إذاً الشفاعات بالتدرج: شفاعة عامة وشفاعة خاصة وشفاعة أخص، فالعامة: وهي أن يشفع في أهل الموقف عامة أن يقضى بينهم، والخاصة: وهي أن يشفع لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، والتي أخص من ذلك: وهي أن يشفع لعمه أبي طالب أن يخفف الله عنه العذاب.
وكانت هذه الشفاعة خاصة بالرسول ﷺ أن يشفع لعمه أبي طالب؛ لأنه لا يمكن الشفاعة لمشرك، حيث، من شرط الشفاعة أن يرضى الله عن
стр. 480
المشفوع له؛ إلا في هذه المسألة فقط، وهي ليست شفاعة كاملة أيضاً، فلم تكن شفاعة في أن يخرج أبو طالب من النار بل كانت شفاعة في أن يخفف عنه، ولا شك أن الخروج هذه عن سائر الشفاعات حكمة - فكما قررنا أن الأحكام الشرعية والأحكام الجزائية لا يمكن أن تخصص لشخص بعينه إنما تخصص للشخص بوصفه - وكانت الحكمة من تلك الشفاعة شكراً له على ما قدم من حماية الرسول ﷺ ، والذب عنه، فهو مصدق للرسول، لكن فاته شيء واحد وهو القبول والإذعان، وإلا فهو مصدق يعلن على الملأ أن الرسول ﷺ صادق لكنه - نسأل الله العافية - لم يقبل ولم يذعن.
ثم قال المؤلف ﵀: (فإنها ثابتة للمصطفى كغيره) قال: (فإنها) أي الشفاعة، (ثابتة للمصطفى) والمراد بالمصطفى هنا مصطفى معيناً، وهو رسول الله ﷺ ، وإلا فهناك أناس مصطفون غير الرسول ﷺ لكن المراد بالمصطفى هنا رسول الله ﷺ ، فهو عام أريد به الخاص.
وقوله: (كغيره) يعني كغير الرسول ﷺ ٠ (من كل أرباب الوفا) أرباب: جمع رب بمعنى صاحب، (من عالم كالرسل) والرسل اعلم العلماء من البشر، (والأبرار) الأبرار: جمع بر، وهو القائم بحق الله وحق العباد على الوجه الأكمل بقدر المستطاع.
قوله: (سوى التي خصت بذي الأنوار) أي بصاحب الأنوار، يعني سوى الشفاعة التي خصت بصاحب الأنوار، وهو محمد ﷺ ، والشفاعة التي خصت بصاحب الأنوار ﷺ هي غير الشفاعة التي سبق ذكرها؛ وهي: الشفاعة العظمى، والشفاعة لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، والشفاعة لأبي طالب، بل الشفاعة المقصودة هنا هي الشفاعة العامة وهي فيمن دخل النار أن يخرج منها، وفيمن استحق النار أن لا يدخلها، فهاتان شفاعتان:
стр. 481
الشفاعة الأولى: فيمن دخل النار أن يخرج منها، وهذه الشفاعة عامة، يعني لا تختص بالرسول ﷺ ، بل كل من رضيه الله شفع - لكن بإذن الله - فهذه الشفاعة فيمن دخل النار أن يخرج منها، وهم أهل الكبائر من هذه الأمة ومن غير هذه الأمة، فإنهم يدخلون النار بكبائرهم، ولكن يأذن الله لمن شاء من خلقه إكراماً له ورحمة بالمشفوع له أن يشفع فيه.
ولهذا فإن الشفاعة في الحقيقة تتضمن شيئين: تتضمن إكرام الشافع بقبوله شفاعته، وتتضمن رحمة المشفوع له بإخراجه من محنته.
فيأذن الله لمن شاء من خلقه؛ من الرسل الكرام صلوات لله وسلامه عليهم، والأنبياء، والعلماء، والصالحين أن يشفعوا فيمن شاء الله أن يشفعوا فيه أن يخرج من النار، فيخرجون من النار بعد أن كانوا حمماً أي صاروا فحماً.
وهذه الشفاعة ينكرها المعتزلة والخوارج؛ لأنهم يقولون: من دخل النار فإنه لا يخرج منها، فإنه لا يدخلها إلا صاحب كبيرة، والكبيرة توجب الخلود في النار، وهذا رأي الخوارج والمعتزلة.
ولكن الخوارج أشد من المعتزلة حيث إن الخوارج يرون أنه لا يخرج من النار وانه كافر. أما المعتزلة ففيهم شبه من المنافقين حيث يقولون: لا نقول مؤمن ولا كافر، لكنه مخلد في النار.
فاتفق المعتزلة والخوارج على الجزاء الأخروي، وهو الخلود في النار، واختلفوا في الحكم الدنيوي:
فالخوارج قالوا: هو كافر حلال الدم، حلال المال، ولذلك قاتلوا المسلمين واستحلوا دماءهم وأموالهم، والعجيب أنهم قاتلوا المؤمنين ولم يقاتلوا
стр. 482
الكافرين؛ لأن المؤمنين عندهم مرتدون، والمرتد في زعمهم أعظم من الكافر الأصلي؛ لأن الكافر الأصلي يمكن إقراره بالجزية، والمرتد لا يمكن إقراره، فلهذا قالوا: نقاتل هؤلاء المرتدين
فمن زنى عندهم فإنه كافر يحل قتله ولو كان بكراً، ومن عق والديه حل قتله، ومن اغتاب الناس - وكان ذلك عندهم كبيرة - حل قتله.
أما المعتزلة فقالوا: نحن أهل العدل؛ نخرجه من الإسلام ولا ندخله في الكفر، والخوارج قالوا: نحن أهل الصراحة؛ نخرجه من الإسلام وندخله في الكفر؛ لأنه ليس هناك إسلام، ووسط، وكفر. وقالوا: إن المنزلة بين المنزلتين بدعة في دين الله منكرة، واستدلوا بقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) (التغابن: الآية ٢) ، ولم يقل ومنكم في منزلة بين المنزلتين.
وكلا الفريقين على ضلال والعياذ بالله، والصواب الذي عليه أهل السنة: أن هذا الصنف من الناس يمكن أن يشفع فيه ويخرج من النار.
أما الشفاعة الثانية: فيمن استحق النار أن لا يدخلها فهذه أثبتها شيخ الإسلام ﵀ في العقيدة الواسطية (١) . ولكنني إلى الآن لم أجد لها دليلاً صحيحاً صريحاً.
وقد وردت فيها أحاديث في إسنادها مقال، لكن تعددها وتلقي الأمة لها بالقبول يدل على ثبوتها.
стр. 483
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٢٢- وكل إنسان وكل جنة ... في دار نار أو نعيم جنة
١٢٣- هما مصير الخلق من كل الورى ... فالنار دار من تعدى وافترى
ــ
الشرح
انتقل المؤلف ﵀ إلى نهاية البشر، وبهذه المناسبة أنبه على كلمة يقولها كثير من الناس وهم لا يفهمون معناها؛ حيث يقولون في الميت إذا مات ثم دفن: نقل إلى مثواه الأخير، وهذه الكلمة لو أخذنا بمدلولها لكانت كفراً؛ لأن مضمونها إنكار البعث، حيث إن المثوى الأخير الجنة أو النار؛ لأنه إذا قيل: إن هذا الرجل الذي مات ودفن انتقل إلى مثواه الأخير، فمضمون هذا أنه لا بعث، وأن الأمر انتهى، لكن كثيراً من الناس لا يفهمون هذا المعنى في الواقع، بل يقولون هذه العبارات بالتقليد، ولا يفكرون في المعاني الدالة عليها، وكما في قول بعضهم: اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه، فهذا منكر، والصواب أن نعزم السؤال، فإن الله لا مكره له.
فبعد ما يحصل في عرصات القيامة يؤول الناس إلى المثوى الأخير حقيقة، وهو ما ذكره المؤلف في قوله
وكل إنسان وكل جنة ... في دار نار أو نعيم جنة
(كل إنسان) يعني من بني آدم (وكل جِنة) يعني من الجن، والجن عالم
стр. 484
غيبي مستترون عن الأعين، وقد يبدون أحياناً، وقد يتصورون بشكل حيوانات كما تشكل الجني في فراش الأنصاري في عهد النبي ﷺ بشك حية، فإن شاباً من الأنصار كان حديث عهد بعرس فلما رجع إلى بيته وجد زوجته عند الباب، فقال لها: ما شأنك؟ لماذا أنت عند الباب؟ قالت له: ادخل، فدخل، فإذا حية مطوية على فراشه، فأخذ الرمح فوخزها فماتت، ثم مات هو في الحال؛ فما يدري أيهما أسرع موتاً الرجل أو الحية؛ لأن هذه الحية كانت جنية فقتله أهلها (١) .
ثم نهى النبي ﷺ عن قتل الحيات التي تكون في البيوت حتى يحرج عليها ثلاثاً، أي يخاطبها ويقول لها: أنت مني في حرج. اخرجي، فإذا حرج عليها ثلاثا وعادت قتلها؛ لأنها إن كانت جنية فلن تأتي، وإن أتت فقد أهدرت دمها، وإن كانت غير جنية فهي لا تفهم وسوف تأتي وتقتل ولا ضرر في قتلها.
وعالم الجن هذا أصله من النار؛ لأن أباهم الشيطان إبليس، وقد خلقه الله من نار.
ثم إن هذا العالم فيهم الصالحون، وفيهم دون ذلك، وفيهم المسلمون، وفيهم الكافرون، وإن كان أصلهم إبليس كافراً، لكن فيهم المسلم، وفيهم الصالح، وفيهم طالب العلم، وفيهم العابد.
يقول المؤلف ﵀:
وكل إنسان وكل جِنة ... في دار نار أو نعيم جنة
يعني أن هذا هو المآل؛ إما النار وإما الجنة، ولا ثالث لهما، ودليل المآل
стр. 485
الأول وهو قوله: (في دار نار) قوله تعالى: (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ فِي النَّارِ) (الأعراف: الآية ٣٨) ، وهذا نص صريح في أن النار يدخلها أمم من الجن وأمم من الإنس، وهذا محل إجماع من العلماء؛ أن كافر الجن في النار ككافر الإنس، ويدل لهذا أيضاً قوله تعالى في سورة الجن: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً) (الجن: ١٤) (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً) (الجن: ١٥) . فالكافر من الجن في النار بالنص والإجماع، ولا خلاف في ذلك، لكن المؤمن من الجن في دخوله الجنة خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال إن المؤمن من الجن لا يدخل الجنة ولكن ينجو من النار، وكفى بذلك راحة؛ لأنهم لما قالوا: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ) (الجن: الآية ١٤)) قال تعالى: (فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً) (الجن: الآية ١٤) ولم يذكر جزاء لهم، قال تعالى: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً) (الجن: ١٥)) ؛ قالوا: هؤلاء تحروا رشداً: أي تحروا سلوكا طيبا ومعاملة حسنة، وهذا في الدنيا، أما في الآخرة فلم تذكر الآية شيئا عن ذلك.
وقال بعض العلماء: بل إن مؤمنهم في الجنة كمؤمن الإنس، واستدلوا لذلك بآية من سورة الرحمن يخاطب الله تعالى فيها الجن والإنس ويقول (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) (الرحمن: ٣٣) (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: ٣٤) (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ) (الرحمن: ٣٥) (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: ٣٦) (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ) (الرحمن: ٣٧) (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: ٣٨) (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) (الرحمن: ٣٩) (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: ٤٠) (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ) (الرحمن: ٤١) (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: ٤٢)) كل هذا للجن
стр. 486
والإنس، ثم قال تعالى: ((وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) (الرحمن: ٤٦) (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: ٤٧) (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ) (الرحمن: ٤٨) (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: ٤٩)) ، وهذا للجن والإنس فالسياق واحد والخطاب واحد. إلى أن قال تعالى: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ) (الرحمن: ٥٦) فلم يطمثهن إنس فيفسدهن على الإنس، ولا جان فيفسدهن على الجن.
وهكذا في الجنتين الأخريين، قال: (فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ) (الرحمن: ٧٠) (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: ٧١) (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ) (الرحمن: ٧٢) (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: ٧٣) (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ) (الرحمن: ٧٤) (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: ٧٥)) .
وهذا هو الصحيح المقطوع به، أن المسلم من الجن يدخل الجنة، وهذا هو مقتضى حكمة الله وعدل الله .
ولكن يبقى النظر هل أرسل من الجن رسول؟ فيه خلاف، قيل لا، لقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) (يوسف: الآية ١٠٩)) ، وقيل: بل منهم رسول لقول الله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) (الأنعام: الآية ١٣٠)) فهو يخاطب الجن والإنس يقول: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) إِنس من الإنس وجِن من الجن.
وأما قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) (يوسف: الآية ١٠٩)) فإن الذكور من الجن يسمون رجالاً، كما قال الله تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ) (الجن: الآية ٦)) ، فالجن فيهم رجال كما في هذه الآية الكريمة، وعلى هذا فلا يتم الاستدلال بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) ، ويكون ظاهر قوله: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ
стр. 487
وَالإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) أن من الجن رسلاً.
والذين قالوا: إنه ليس من الجن رسل، أجابوا عن قوله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) قالوا: إن الخطاب باعتبار المجموع لا باعتبار الجميع، فهو كقوله تعالى في البحرين: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) (الرحمن: ٢٢)) ، واللؤلؤ والمرجان لا يخرجان إلا من المالح على المشهور.
قالوا أيضاً: إن حكمة الله تعالى تأبى ذلك؛ لأن الرسالة تشريف وتكريم وتعظيم، والجن أصلهم من النار وأبوهم إبليس سيد المتكبرين، وقائد الكافرين، فليس من الحكمة أن يكرم هؤلاء بالرسالة، وإنما يتلقون التعاليم مما جاء إلى البشر، كما قال تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القرآن فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) (الاحقاف: ٢٩) (قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) (الاحقاف: ٣٠) (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) (الاحقاف: ٣١) فقالوا: إن الجن ليس منهم رسل لكن منهم نذر؛ حيث قال تعالى: (وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) ، فيتلقى هؤلاء النذر مما جاءت به الرسل وينذرون بها قومهم. وينبني على ذلك: هل ما يؤمر به الجن هو ما يؤمر به الإنس؟ يعني هل صلاتهم كصلاتنا وزكاتهم كزكاتنا وصيامهم كصيامنا وحجهم كحجنا؟
في هذا أيضاً خلاف بين العلماء ﵏؛ فمنهم من قال: إذا كان تلقيهم لما يقومون به من الشرائع مما جاءت به الإنس، وجب أن يكون هو نفس ما جاء به الإنس؛ لأننا لا نرى فيما جاء به الإنس فضلاً خاصاً بالجن،
стр. 488
بل نجد أن الأحكام واحدة، وعلى هذا فيكون ما أمر به الإنس هو ما أمر به الجن ولا فرق.
وقال بعض العلماء ﵏: بل إنهما يفترقان، فليس ما أمر به الجن مساوياً لما أمر به الإنس في الحد والحقيقة؛ لأن جنس الجن ليس كجنس الإنس، وإذا كان الإنس تختلف أحكامهم باختلاف أحوالهم؛ فالمريض يصلي قاعداً مثلاً؛ والفقير لا زكاة عليه؛ ومن لا يستطيع الحج فلا حج عليه، فكذلك الجن لا يمكن أن يكلف إلا بما يناسب حالهم، وتكون العمومات الدالة على ذلك مثل (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة: الآية ٢٨٦)) وما أشبهها - تقيد عموم تكليفهم بشرائع الإنس.
وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: إن اختلافهم عن الإنس في الحد والحقيقة يقتضي ألا يتساووا في التكليف؛ لأن حكمة الله تعطي كل مكلف ما يناسبه حتى في البشر (١)
وعلى كل حال فنحن نؤمن بأن الجن مكلفون بالجملة، وأن كافرهم يدخل النار، وأن مؤمنهم يدخل الجنة أيضاً، أما مسألة الرسالة وعدم الرسالة فقد تكون الأدلة متكافئة وإن كان الراجح أن الرسل من البشر، وأما مساواتهم للإنس في الأحكام الشرعية فهذا محل توقف؛ فإن نظرنا إلى عموم الأدلة قلنا: هم مساوون للإنس، وإن نظرنا إلى الحكمة في التشريع، وأن الشرع يختلف باختلاف المكلف قلنا: لابد أن يكون لهم شرع خاص بهم، وهذا الشرع الخاص بهم وإن كنا لا نجده لا في الكتاب ولا في السنة، لكن يؤخذ من العمومات مثل قوله تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا)
стр. 489
(البقرة: الآية ٢٨٦)) ، وقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: الآية ١٦)) ، فهم قد لا يستطيعون كل ما يستطيعه الإنس، وقد لا يكون عندهم كل ما عند الإنس، فتكون لهم أحكام خاصة بهم، ولذا نقول فيه: الله اعلم، فالأدلة في هذا متكافئة وليس هناك دليل واضح على أن ما كلفوا به مساوٍ لما كلف به الإنس أو مخالف.
والمهم أن المؤلف ﵀ يقول (في دار نار) هذا بالإجماع ومستنده النص وقوله: (أو نعيم جنة) فيه خلاف. والصحيح: أنهم يدخلون الجنة.
مسألة: هل يمكن التعاون بين الجن والإنس؟
والجواب: أن التعاون بينهما إذا أمكن فلا بأس به، وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن الاستعانة بالجن جائزة بشرطين: ألا يكون الطريق الموصل إليها محرماً، وألا يستعين بهم على شيء محرم، فإن كانت الطريقة محرمة؛ كأن يقولوا: لا نعينك حتى تسجد لنا مثلاً. وهذا لا يمكن أن يقع من مؤمني الجن؛ لأن مؤمن الجن لا يمكن أن يأمر بالشرك، لكن قد يكون مؤمناً أو يكون مسلماً وعنده فسق، فيقول مثلاً للمرأة: لا أعينك حتى تمكنيني من نفسك، أو يكون عنده فاحشة اللواط ويقول للشاب: لا أعينك حتى تمكنني من نفسك فهذا حرام، أو يستعين بهم على شيء محرم بأن يقول لهم: احضروا لي مال فلان، فيذهبون ويحضرون إليه مال فلان، فهذا حرام؛ لأنه استعان بهم على المعصية وهي سرقة مال الناس، لكن إذا استعان بهم على شيء مباح وبطريق مباح فيقول شيخ الإسلام ﵀: إنه لا باس بذلك
وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ وقائع في الفتاوى وكذلك في كتاب
стр. 490
النبوات وكذلك في إيضاح الدلالة في عموم الرسالة أنه في عهد عمر بن الخطاب ﵁ كانت امرأة في المدينة لها رئي من الجن وأن عمر بن الخطاب ﵁ تأخر وبحثوا عنه فجاءوا إلى هذه المرأة فأرسلت رئيها فأخبرهم (١) .
وقوله: (هما مصيرَ الخلق) ، أي: الجنة والنار.
فالجنة والنار داران هما مآل الخلق وليس بعدهما دار؛ لأن دور الإنسان أربع: الأولى في بطن أمه، والثانية في الدنيا، والثالثة في البرزخ، والرابعة يوم القيامة، وهذه هي الأخيرة لا دار بعدها.
والبحث في مسألة الجنة والنار من وجوه متعددة:
الوجه الأول: هل الجنة والنار موجودتان الآن؟
والجواب: نعم، هما موجودتان الآن، ودليل ذلك في القرآن والسنة.
أما القرآن فقد قال الله تعالى: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) (آل عمران: ١٣١) ، والإعداد بمعنى التهيئة، فإنها مهيأة للكافرين. وأما الجنة فقال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: ١٣٣) ، والإعداد بمعنى التهيئة. وفي السنة: فقد عرضت النار على النبي ﷺ وهو يصلي صلاة الكسوف (٢) ، ورأى فيها عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، يعني يجر أمعاءه، ورأى فيها امرأة تعذب في هرة لها حبستها حتى ماتت، ورأى فيها
стр. 491
صاحب المحجن الذي يسرق الحجاج بمحجنه الذي معه، وهو العصا المحنية الرأس، فكان يمر بالحاج ويخطف متاعه، فإن لم يفطن له الحاج ذهب، وإن فطن له قال: تعلق متاعك بمحجني، فرآه النبي ﷺ يعذب بمحجنه في النار (١) .
أما الجنة فرآها النبي ﵊ وهو يصلي صلاة الكسوف حتى هم أن يتناول منها قطف عنب ولكنه لم يفعل (٢) ، وكذلك دخلها ﵊ ورأى فيها قصراً لعمر بن الخطاب ﵁ فلم يدخله لأنه تذكر غيرة عمر (٣) ، ولما حدث النبي ﷺ عمر بذلك بكى عمر ﵁ وقال: أعليك أغار يا رسول الله؟ يعني: لو دخلته ما غرت ولو غرت على غيرك ما غرت عليك.
فالمهم أنه ثبت بالكتاب والسنة أن الجنة والنار موجدتان الآن، وهو أيضاً محل إجماع بين العلماء ﵏، ولكن متى خلقتا؟ هذا هو الذي نتوقف فيه، فإننا لا ندري متى خلقهما الله .
الوجه الثاني: هل الجنة والنار مؤبدتان أو إلى أمد ثم تفنيان؟
أما الجنة فبالإجماع أنها مؤبدة لا تفنى، والآيات في هذا كثيرة، فما أكثر ما نتلو قول الله تعالى في أهل الجنة: (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً) (النساء: الآية ١٦٩) ، وهو محل إجماع. وأما النار فمحل إجماع أنها مؤبدة إلا خلافاً يسيرا ذهب إليه بعض العلماء ﵏ وهو مرجوح، بل لا وزن له، والصحيح الذي لا شك فيه
стр. 492
أن النار مؤبدة دائماً وأبداً، لقول الله ﵎ في آيات ثلاث في كتابه: (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً) (النساء: الآية ١٦٩)) ؛ فقال جل وعلا في سورة النساء: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً) (النساء: ١٦٨) (إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً) (النساء: الآية ١٦٩) ، وتأبيد الخالد يدل على تأبيد مكان الخلود ضرورة، وإلا فكيف يكون خالداً في غير محل؟! هذا مستحيل، وقال تعالى في سورة الأحزاب (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً) (الأحزاب: ٦٤) (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً) (الأحزاب: ٦٥) ، وقال في سورة الجن: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً) (الجن: الآية ٢٣) .
وثبت في السنة أنه يؤتى يوم القيامة بالموت فيوقف في مكان بين الجنة والنار، فيقال يا أهل الجنة. يا أهل النار. فيشرئبون ويطلعون، فيقال لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقوون: نعم، هذا الموت، فيذبح، ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت (١) ، ولم يحدد.
والإجماع يكاد يكون منعقداً إلا خلافاً يسيراً عن طائفة من السلف والخلف لكنه مرجوح بل لا وزن له.
فإن قالوا: إن رحمة الله سبقت غضبه؟ قلنا لا قياس في مقابلة النص، فما دام عندنا نص من القرآن صريح بالتأبيد فلا قياس.
الوجه الثالث: هل يدخل الإنس والجن الجنة والنار أو هذا خاص بالإنس؟
الجواب: أما النار فيدخلها الجن والإنس بالنص والإجماع، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ) (الأعراف: الآية ١٧٩) أي خلقنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس، وقال تعالى: (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ
стр. 493
قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ فِي النَّارِ) (الأعراف: الآية ٣٨) ، وقال تعالى: في سورة الجن: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً) (الجن: ١٤) (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً) (الجن: ١٥) وأما دخول المؤمنين الجنة فهو بالنسبة للبشر بالنص والإجماع، وبالنسبة للجن محل خلاف، والصحيح أنهم يدخلون الجنة، والدليل على ذلك ما جاء في سورة الرحمن حيث يخاطب الله الجن والإنس فيقول جل وعلا (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ) (الرحمن: ٤١) (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: ٤٢) (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ) (الرحمن: ٤٣) (يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حمَِيمٍ آنٍ) (الرحمن: ٤٤) (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: ٤٥) ، وهذا في دخول النار وهو مجمع عليه وليس فيه إشكال، ثم قال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) (الرحمن: ٤٦) (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: ٤٧) ، والخطاب لمن؟ نقول: هو للجن والإنس، إلى أن قال في الجنتين الأوليين والأخريين (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ) (الرحمن: ٧٤) (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: ٧٥)) ،
وعليه فالقول الراجح أن مؤمني الجن يدخلون الجنة كمؤمني الإنس بالنص، ولأن هذا من كمال عدل الله أن من عمل ابتغاء ما وعد به من الثواب فلابد أن يحقق الله له الثواب، ولأن هذا مقتضى قوله تعالى في الحديث القدسي: ((إن رحمتي سبقت غضبي)) (١) .
والذين يقولون إن كافر الجن يدخل النار وأن مؤمنهم لا يدخل الجنة؛ يجعلون غضبه سبق رحمته؛ إذ كيف يقال: إن هؤلاء إذا عملوا بما يقتضي
стр. 494
الرحمة فإنهم لا يعطون الرحمة، وإذا عملوا بما يقتضي العذاب فإنهم يعذبون. فأين سبق الرحمة للغضب في هذا؟!
فإن قيل: ما تقولون في قوله تعالى (فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً) (الجن: الآية ١٤)) ، وفي قوله تعالى: (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) (الاحقاف: ٣١)) ، ولم يقل ويدخلكم الجنة.
فالجواب: أن السكوت عن الشيء لا يلزم منه انتفاء الشيء؛ لأن عدم الذكر ليس ذكراً للعدم، فإذا لم يذكر ثوابهم في هذه الآية فقد ذكر في آيات أخرى لا معارض لها.
وعلى هذا فنقول: في هذا البحث إن مؤمني الجن يدخلون الجنة كمؤمني الإنس ولا فرق، وهذا معنى قول المؤلف ﵀: (وكل إنسان وكل جنة) يعني كل واحدٍ من الإنس وكل واحد من الجن (في دار نار أو نعيم جنة) ، وعلى هذا فكلام المؤلف صريح في أن الجنة يدخلون الجنة، وكذلك يدخلون النار، وكذلك الإنس.
وقوله ﵀: (ما مصير الخلق من كل الورى) (هما) أي النار والجنة (مصير الخلق) فليس هناك دار ثالثة، حتى أصحاب الأعراف الذين يوقفون في مكان بين الجنة والنار مآلهم إلى الجنة ولابد، فلا يمكن لأحد من الورى إلا أن يكون إما في جنة وإما في نار.
وقوله: (من كل الورى) يريد به الخصوص، أي يريد به الإنس والجن، أما الملائكة فلا يدخلون النار، لكنهم في الجنة مسخرون لأهل الجنة، قال تعالى: (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ) (الرعد: الآية ٢٣) (سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ
стр. 495
عُقْبَى الدَّارِ) (الرعد: ٢٤)) ، وهناك ملائكة، الله أعلم بمصيرهم، لكننا نعلم أنهم لن يدخلوا النار.
ثم قال ﵀: (النار دار من تعدى وافترى) أي النار دار من تعدى الحدود وافترى الكذب، فمن أشرك فهو متعدٍ ومفترٍ أيضاً؛ لأن إشراكه بالله يقتضي انه يقول بلسان حاله أو بلسان مقاله: إن مع الله إلها آخر، وهذا افتراء، ومن زعم أن لله ولداً فهو متعد مفتر، وعلى هذا فيكون التعدي والافتراء متلازمين، لكن الافتراء يلزم منه التعدي بكل حال، والتعدي لا يلزم منه الافتراء بلسان المقال، ولكن يلزم منه الافتراء بلسان الحال.
ويتضح هذا بالنسبة المفتري أن يقال: إن المفتري متعد ولا شك، لأن الإنسان لو تقول على بشر لقيل إنه متعد عليه. فكيف إذا تقول على رب العالمين؟! أما المعتدي فقد يعتدي بغير افتراء، لكن لسان حاله يقول إنه مفتر. نسأل الله أن يعيذنا من التعدي والافتراء