صاحب المحجن الذي يسرق الحجاج بمحجنه الذي معه، وهو العصا المحنية الرأس، فكان يمر بالحاج ويخطف متاعه، فإن لم يفطن له الحاج ذهب، وإن فطن له قال: تعلق متاعك بمحجني، فرآه النبي ﷺ يعذب بمحجنه في النار (١) .
أما الجنة فرآها النبي ﵊ وهو يصلي صلاة الكسوف حتى هم أن يتناول منها قطف عنب ولكنه لم يفعل (٢) ، وكذلك دخلها ﵊ ورأى فيها قصراً لعمر بن الخطاب ﵁ فلم يدخله لأنه تذكر غيرة عمر (٣) ، ولما حدث النبي ﷺ عمر بذلك بكى عمر ﵁ وقال: أعليك أغار يا رسول الله؟ يعني: لو دخلته ما غرت ولو غرت على غيرك ما غرت عليك.
فالمهم أنه ثبت بالكتاب والسنة أن الجنة والنار موجدتان الآن، وهو أيضاً محل إجماع بين العلماء ﵏، ولكن متى خلقتا؟ هذا هو الذي نتوقف فيه، فإننا لا ندري متى خلقهما الله .
الوجه الثاني: هل الجنة والنار مؤبدتان أو إلى أمد ثم تفنيان؟
أما الجنة فبالإجماع أنها مؤبدة لا تفنى، والآيات في هذا كثيرة، فما أكثر ما نتلو قول الله تعالى في أهل الجنة: (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً) (النساء: الآية ١٦٩) ، وهو محل إجماع. وأما النار فمحل إجماع أنها مؤبدة إلا خلافاً يسيرا ذهب إليه بعض العلماء ﵏ وهو مرجوح، بل لا وزن له، والصحيح الذي لا شك فيه
стр. 492
أن النار مؤبدة دائماً وأبداً، لقول الله ﵎ في آيات ثلاث في كتابه: (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً) (النساء: الآية ١٦٩)) ؛ فقال جل وعلا في سورة النساء: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً) (النساء: ١٦٨) (إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً) (النساء: الآية ١٦٩) ، وتأبيد الخالد يدل على تأبيد مكان الخلود ضرورة، وإلا فكيف يكون خالداً في غير محل؟! هذا مستحيل، وقال تعالى في سورة الأحزاب (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً) (الأحزاب: ٦٤) (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً) (الأحزاب: ٦٥) ، وقال في سورة الجن: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً) (الجن: الآية ٢٣) .
وثبت في السنة أنه يؤتى يوم القيامة بالموت فيوقف في مكان بين الجنة والنار، فيقال يا أهل الجنة. يا أهل النار. فيشرئبون ويطلعون، فيقال لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقوون: نعم، هذا الموت، فيذبح، ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت (١) ، ولم يحدد.
والإجماع يكاد يكون منعقداً إلا خلافاً يسيراً عن طائفة من السلف والخلف لكنه مرجوح بل لا وزن له.
فإن قالوا: إن رحمة الله سبقت غضبه؟ قلنا لا قياس في مقابلة النص، فما دام عندنا نص من القرآن صريح بالتأبيد فلا قياس.
الوجه الثالث: هل يدخل الإنس والجن الجنة والنار أو هذا خاص بالإنس؟
الجواب: أما النار فيدخلها الجن والإنس بالنص والإجماع، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ) (الأعراف: الآية ١٧٩) أي خلقنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس، وقال تعالى: (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ
стр. 493
قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ فِي النَّارِ) (الأعراف: الآية ٣٨) ، وقال تعالى: في سورة الجن: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً) (الجن: ١٤) (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً) (الجن: ١٥) وأما دخول المؤمنين الجنة فهو بالنسبة للبشر بالنص والإجماع، وبالنسبة للجن محل خلاف، والصحيح أنهم يدخلون الجنة، والدليل على ذلك ما جاء في سورة الرحمن حيث يخاطب الله الجن والإنس فيقول جل وعلا (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ) (الرحمن: ٤١) (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: ٤٢) (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ) (الرحمن: ٤٣) (يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حمَِيمٍ آنٍ) (الرحمن: ٤٤) (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: ٤٥) ، وهذا في دخول النار وهو مجمع عليه وليس فيه إشكال، ثم قال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) (الرحمن: ٤٦) (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: ٤٧) ، والخطاب لمن؟ نقول: هو للجن والإنس، إلى أن قال في الجنتين الأوليين والأخريين (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ) (الرحمن: ٧٤) (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: ٧٥)) ،
وعليه فالقول الراجح أن مؤمني الجن يدخلون الجنة كمؤمني الإنس بالنص، ولأن هذا من كمال عدل الله أن من عمل ابتغاء ما وعد به من الثواب فلابد أن يحقق الله له الثواب، ولأن هذا مقتضى قوله تعالى في الحديث القدسي: ((إن رحمتي سبقت غضبي)) (١) .
والذين يقولون إن كافر الجن يدخل النار وأن مؤمنهم لا يدخل الجنة؛ يجعلون غضبه سبق رحمته؛ إذ كيف يقال: إن هؤلاء إذا عملوا بما يقتضي
стр. 494
الرحمة فإنهم لا يعطون الرحمة، وإذا عملوا بما يقتضي العذاب فإنهم يعذبون. فأين سبق الرحمة للغضب في هذا؟!
فإن قيل: ما تقولون في قوله تعالى (فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً) (الجن: الآية ١٤)) ، وفي قوله تعالى: (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) (الاحقاف: ٣١)) ، ولم يقل ويدخلكم الجنة.
فالجواب: أن السكوت عن الشيء لا يلزم منه انتفاء الشيء؛ لأن عدم الذكر ليس ذكراً للعدم، فإذا لم يذكر ثوابهم في هذه الآية فقد ذكر في آيات أخرى لا معارض لها.
وعلى هذا فنقول: في هذا البحث إن مؤمني الجن يدخلون الجنة كمؤمني الإنس ولا فرق، وهذا معنى قول المؤلف ﵀: (وكل إنسان وكل جنة) يعني كل واحدٍ من الإنس وكل واحد من الجن (في دار نار أو نعيم جنة) ، وعلى هذا فكلام المؤلف صريح في أن الجنة يدخلون الجنة، وكذلك يدخلون النار، وكذلك الإنس.
وقوله ﵀: (ما مصير الخلق من كل الورى) (هما) أي النار والجنة (مصير الخلق) فليس هناك دار ثالثة، حتى أصحاب الأعراف الذين يوقفون في مكان بين الجنة والنار مآلهم إلى الجنة ولابد، فلا يمكن لأحد من الورى إلا أن يكون إما في جنة وإما في نار.
وقوله: (من كل الورى) يريد به الخصوص، أي يريد به الإنس والجن، أما الملائكة فلا يدخلون النار، لكنهم في الجنة مسخرون لأهل الجنة، قال تعالى: (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ) (الرعد: الآية ٢٣) (سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ
стр. 495
عُقْبَى الدَّارِ) (الرعد: ٢٤)) ، وهناك ملائكة، الله أعلم بمصيرهم، لكننا نعلم أنهم لن يدخلوا النار.
ثم قال ﵀: (النار دار من تعدى وافترى) أي النار دار من تعدى الحدود وافترى الكذب، فمن أشرك فهو متعدٍ ومفترٍ أيضاً؛ لأن إشراكه بالله يقتضي انه يقول بلسان حاله أو بلسان مقاله: إن مع الله إلها آخر، وهذا افتراء، ومن زعم أن لله ولداً فهو متعد مفتر، وعلى هذا فيكون التعدي والافتراء متلازمين، لكن الافتراء يلزم منه التعدي بكل حال، والتعدي لا يلزم منه الافتراء بلسان المقال، ولكن يلزم منه الافتراء بلسان الحال.
ويتضح هذا بالنسبة المفتري أن يقال: إن المفتري متعد ولا شك، لأن الإنسان لو تقول على بشر لقيل إنه متعد عليه. فكيف إذا تقول على رب العالمين؟! أما المعتدي فقد يعتدي بغير افتراء، لكن لسان حاله يقول إنه مفتر. نسأل الله أن يعيذنا من التعدي والافتراء
стр. 496
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٢٤- ومن عصى بذنبه لم يخلدِ ... وإن دخلها يابوار المعتدي
١٢٥- وجنة النعيم للأبرار ... مصونة عن سائر الكفار
١٢٦- واجزم بأن النار كالجنة في ... وجودها وأنها لم تتلف
ــ
الشرح
قال المؤلف ﵀: (ومن عصى بذنبه لم يخلد وإن دخلها يابوار المعتدي) وهذا البيت كالاستثناء من قوله: (هما مصير الخلق من كل الورى) يعني يستثنى من ذلك (من عصى بذنبه فإنه لا يخلد، والمعصية الخروج من الطاعة، وتنقسم عند العلماء ﵏ إلى قسمين: صغائر وكبائر
فإن قيل: ما ضابط الكبائر. وهل هي محدودة أو معدودة؟
فالجواب: قال بعض العلماء ﵏: إن الكبائر معدودة، لقول رسول الله ﷺ : ((اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)) (١)
وقال بعض العلماء ﵏: إنها محدودة غر معدودة، بدليل أن الرسول ﷺ عدَّ منها الإشراك بالله، وهو كفر مخرج عن الملة، فدل هذا على أن المراد بيان عِظم هذه السبع، ولكن هناك شيء آخر لم يذكر، فهي محدودة بضوابط، وهذه الضوابط كما قال بعضهم: كل ذنب ترتب عليه لعنة، أو غضب، أو وعيد في الآخرة، أو حد في الدنيا. يعني كل ما فيه حد في الدنيا
стр. 497
أو وعيد في الآخرة أو غضب أو لعنة، وهذه أربعة أوصاف.
فالزنا مثلا كبيرة؛ لأن فيه حداً في الدنيا، والإسبال كبيرة؛ لأن فيه وعيداً في الآخرة، وقتل النفس كبيرة لأن فيه لعنة وغضباً، وهلم جرا أخذا بهذا الضابط.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الكبيرة ما ترتب عليه عقوبة خاصة (١) ، يعني ما جعل الله أو رسوله عليه عقوبة خاصة سواء كانت العقوبة دنيوية، أم دينية، أم أخروية. وذلك لأن المعاصي إما أن تقع منهياً عنها أو محرمة أو ما أشبه ذلك فهذه تكون صغيرة قال تعالى: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنّ) (النور: الآية ٣١) فهذه صغيرة، لكن إذا ترتب على ذلك عقوبة خاصة؛ كحدٍ في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو لعنة، أو غضب، أو نفي إيمان، أو تبرؤ من فاعله، فإن ذلك يكون من كبائر الذنوب، كقول رسول الله ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) (٢) ، فإذا لم تحب لأخيك ما تحب لنفسك فإن هذا من الكبائر، لأن الرسول ﷺ نفى الإيمان عمن لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
وهذا الضابط ضابط حسن، وبه يمكن أن تميز بين الصغائر والكبائر، فما جاء مرتباً عليه عقوبة خاصة فهو كبيرة، وما جاء منهياً عنه، أو ذكر فيه التحريم، أو كان لا ينبغي، أو ما أشبه ذلك؛ فهذه من صغائر الذنوب.
إذاً فالمعاصي تنقسم إلى قسمين: صغائر وكبائر، والفرق بينهما من حيث الحقيقة والماهية هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ لأن
стр. 498
النفس تطمئن إليه، أما من حيث الحكم؛ فالفرق بينهما أن الصغائر تكفرها الصلاة والصوم والوضوء والصدقة والتسبيح وما أشبه ذلك مما ورد عن النبي ﷺ ، أما الكبائر فلابد فيها من توبة، ولا تنمحي عن الإنسان إلا بتوبة هذا هو الأصل.
وفرق ثانٍ من حيث الحكم: أن الكبائر بمجرد فعلها يخرج الإنسان من دائرة العدالة إلى دائرة الفسق، أي انه يكون فاسقا بمجرد فعل الكبيرة ما لم يتب، والصغائر لا يخرج فاعلها من دائرة العدالة إلى دائرة الفسق إلا بالإصرار عليها، إذا أصر عليها صار فاسقاً لا عدلا.
وعلى ذلك فالفرق بينهما من وجهين:
الأول: أن الصغائر تكفر بالأعمال الصالحة، والكبائر لابد فيها من توبة.
والثاني أن الكبائر يخرج بها الإنسان من دائرة العدالة إلى دائرة الفسق بمجرد الفعل، أما الصغائر فلا يخرج بها من دائرة العدالة إلى دائرة الفسق إلا بالإصرار عليها.
فمثلاً حلق اللحية صغيرة، لكن إذا أصر عليه الإنسان صار كبيرة. وكذلك شرب الدخان صغيرة، فإذا أصر عليه الإنسان صار كبيرة، هذا بقطع النظر عما يحدث في قلب الفاعل؛ لأنه أحياناً يقترن بفعل الصغيرة شيء من الاستخفاف بأوامر الشرع والاستهانة بها، وحينئذٍ تنقلب الصغيرة كبيرة من من أجل الاستخفاف بأوامر الشرع. وربما تكون الكبيرة صغيرة مثل أن يفعلها الإنسان من الخجل من الله ورؤيتها أمام عينه دائماً، فهنا تنقلب إلى صغيرة، وربما يكون شعوره هذا توبة.
وقولنا: إن الكبائر لابد فيها من توبة. فهل يعني ذلك أن الإنسان لابد أن
стр. 499
يعاقب عليها؟
والجواب: أن الكبائر إذا فعلها الإنسان فإنه يستحق العقوبة ما لم يتب، أما الصغائر فقد تقع مكفرة بالأعمال الصالحة.
أما نفس العقوبة فإن الله يقول: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: الآية ٤٨)) ، وعلى هذا ففاعل الكبيرة إذا لم يتب فهو على خطر؛ لأنه يقال له: ما الذي أعلمك أنك داخل في المشيئة، وللأسف فإن بعض الناس إذا نهيته عن الكبيرة قال: إن لله تعالى يقول في القرآن الكريم: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: الآية ٤٨)) فانظر كيف تمنيه نفسه، فالله تعالى لم يقل: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ) (النساء: الآية ٤٨)) مطلقاً، بل قيد ذلك بالمشيئة، فقال: (لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: الآية ٤٨)) ، ثم إنه لا يضمن لك أحداً أنك ممن دخل في المشيئة، فربما تكون ممن لا يشاء الله أن يغفر له فأنت على خطر.
ثم إنه قد يقال إن المستثنى في قوله تعالى: (لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: الآية ٤٨)) هو الذي فعل الكبيرة على وجه الحياء والخجل من الله ، فصارت الكبيرة دائماً في عينه، فإنها حينئذٍ تنقلب صغيرة ويدخل صاحبها في المشيئة، فقد يقال هذا وإن كان هذا خلاف ظاهر اللفظ.
والحاصل أننا نقول لهذا المفرط الذي منته نفسه ما لم يكن على علم من حصوله: من قال إنك داخل في قوله (لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: الآية ٤٨)) ؟!
ثم قال المؤلف ﵀: (ومن عصى بذنبه لم يخلد) والمراد بالمعصية في كلام المؤلف هنا الكبائر، قال: (وإن دخلها) وفي نسخة: (وإن يردها) ، يعني وإن وردها دخولاً، لكن النسخة الصحيحة وإن دخلها، يعني وإن دخل النار
стр. 500
لا يخلد، لأنه لا يخلد فيها إلا الكافرون.
وقوله: (وإن دخلها يا بوار المعتدي) يا بوار المعتدي: هذا نداء، يعني: يا بوار المعتدي احضر، لأن المعتدي أهل للبوار، والبوار هو الهلاك، كما قال تعالى: (وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) (إبراهيم: الآية ٢٨)) ، أي دار الهلاك.
وقوله: (يا بوار المعتدي) قد يشكل من المعتدي هنا. هل المعتدي هو العاصي الذي يدخل النار، أو المعتدي من يقول: إن من دخل النار لا يخرج منها. أو هما جميعا؟ الظاهر أنهما جميعاً، أو أن مراد المؤلف ﵀ بالمعتدي المعتزلة والخوارج؛ لأن المعتزلة والخوارج يقولون: من دخل النار - ولو من أجل الكبيرة - فإنه لا يخرج منها، ولكن يختلفون في أحكام الدنيا؛ فقالت المعتزلة: لا نقول مؤمن ولا نقول كافر، ولكنه في منزلة بين المنزلتين، وقالت الخوارج: إنه كافر، وهم جميعا اتفقوا أنهم في الآخرة - أي العصاة - مخلدون في النار، ولهذا لا تنفع فيهم الشفاعة.
وهناك طائفة ثالثة من المبتدعة؛ وهم المرجئة الذين يقولون: إن أهل الكبائر لا يدخلون النار لأنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة. فهم يقولون إن الأعمال لا تدخل في الإيمان، فإذا آمن الإنسان بقلبه فهو مؤمن ولا يستحق العقاب، وإذا قيل لهم: فما تقولون في آيات الوعيد وأحاديث الوعيد؟ قالوا: هذه في الكفار، أما المؤمن فلا يمكن أن يدخل النار.
وهذا المذهب باطل؛ لأن هناك نصوصاً كثيرة تعلق الوعيد على فعل ما ليس بكفر، فقطع الرحم مثلاً ليس بكفر، وقد قال النبي عليه الصلاة
стр. 501
والسلام ((لا يدخل الجنة قاطع)) (١) وعلى كل حال فيمكن أن نقول: إن الشفاعة فيمن دخل النار أن يخرج منها - من أهل الكبائر - يخالف فيها ثلاث طوائف مبتدعة: المرجئة: لأنهم يقولون: إن أهل الكبائر لا يدخلون النار أصلاً. والخوارج والمعتزلة: لأنهم يقولون: من دخل النار فهو خالد فيها. والصحيح ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة كما سبق في أحاديث كثيرة في الشفاعة؛ وان من دخلها من العصاة فإنه يخرج منها؛ ما بالشفاعة، وإما بفضل الله ورحمته.
ثم بين لمن تكون الجنة ولمن تكون النار، فقال ﵀: ((وجنة النعيم للأبرار)) جنة النعيم: هي جنة الآخرة، ونعيمها نعيم في البدن ونعيم في القلب. بخلاف الدنيا فإن الدنيا في الغالب لا يجتمع فيها النعيمان؛ فقد ينعم الإنسان في البدن ولا ينعم في القلب، وقد ينعم في القلب ولا ينعم في البدن، فقد يكون رجل غني عنده من الترف ما لا يعلمه إلا الله، ينعم في بدنه تماماً، لكن قلبه يغلي من الهم والغم والخوف على نعيمه والخوف على نفسه، ومهما يكن من نعيم الدنيا فإن الإنسان إذا تذكر الموت أو تذكر الهرم تنغص، كما قال الشاعر:
لا طيب للعيش ما دامت منغصة ... لذاته بادكار الموت والهرم
على أنه لا يمكن أن يتم النعيم من وجه الدنيا، كما قال الشاعر
стр. 502
الحكيم:
فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نُساء ويوم نُسر
وقس هذا بنفسك، فإنك إذا سررت اليوم فانتظر الحزن غداً، وإن حزنت اليوم فانتظر السرور غداً، هكذا الدنيا.
لكن نعيم الجنة - جعلنا الله والمسلمين ممن يتمتع به - ليس فيه حزن، ولهذا قال المؤلف: (وجنة النعيم) يعني كلاً من نعيم القلب ونعيم البدن، ولهذا قال الله تعالى في سورة الإنسان: (وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً) (الإنسان: الآية١١) ، نضرة في الوجه وفي البدن، وسرور في القلب، فاجتمع لهما النعيمان؛ نعيم البدن بالنضرة الحسنة، ونعيم القلب بالسرور.
قال المؤلف ﵀:
واجزم بأن النار كالجنة في ... وجودها وأنها لم تتلف
وهذا سبق أن تكلمنا عنه في وجود الجنة والنار، حيث قلنا إن الجنة والنار الآن موجودتان بدلالة الكتاب والسنة، وذكرنا أن القول الراجح أنهما لا يفنيان، وأن عدم فناء الجنة محل إجماع من أهل السنة، وأما النار ففيها خلاف ضعيف جداً، والقائل به قليل فلا يعتد به ولا يلتفت إليه. والصحيح الذي لا شك فيه عندنا، والذي ندين الله به ونعتقده أن النار مؤبدة لن تتلف، ولهذا قال المؤلف ﵀:
واجزم بأن النار كالجنة في ... وجودها وأنها لم تتلف
ولم هنا بمعنى لن: لن تتلف في المستقبل. وهنا قاس النار على الجنة؛ لأن النار مختلف في بقائها بخلاف الجنة.
стр. 503
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٢٧- فنسأل الله النعيم والنظر ... لربنا من غير ما شين غبر
١٢٨- فإنه ينظر بالأبصار ... كما أتى في النص والأخبار
١٢٩- لأنه سبحانه لم يحجب ... إلا عن الكافر والمكذب
ــ
الشرح
قال ﵀: ((فنسأل الله النعيم والنظر لربنا)) نسأل الله النعيم في الجنة، ونسأله النظر لربنا وهو أعلى نعيم في الجنة، فإن أهل الجنة لا يعطون نعيماً أعظم ولا أسر من النظر لوجه الله.
وقوله: (من غير ماشين غبر) أي من غير سوء، وغبر: أي مضى. أي نسأل الله النعيم والنظر من غير أن يتقدم ذلك عذاب، بل نسأله أن ندخل الجنة بلا عذاب.
وقوله: (فإنه ينظر بالأبصار) فإنه: أي الله ، (ينظر بالأبصار) الأبصار جمع بصر يعني بالعين، رداً على من قال أنه ينظر بالقلب، وأن النصوص الواردة في النظر إلى الله يراد بها النظر بالقلب، أو النظر إلى ثوابه، وكلاهما معنيان باطلان.
أما النظر بالقلب فإن هذا حاصل لأهل الجنة قبل أن يدخلوا الجنة، فإن المؤمن يكاد يرى ربه بقلبه من شدة إيمانه به، وبأسمائه وصفاته، وأنت لو وصف لك شيء في الدنيا كما لو وصف لك إنسان ثقة بيتاً لتشتريه وصفاً دقيقاً، فكأنما تراه بقلبك، وكذلك فالمؤمنون المتقون يرون الله بقلوبهم قبل يوم القيامة، ولولا هذا اليقين ما حصل لهم دخول الجنة، فهم
стр. 504
يرون الله تعالى بقلوبهم من قبل أن يدخلوا الجنة، وحينئذٍ لا نعيم لهم بهذا النظر؛ لأنه قد تم لهم من قبل وأما الذين قالوا: إنهم ينظرون إلى ثواب الله، فيقال لهم: هذا تحريف للنصوص الصريحة الصحيحة، مثل قول النبي ﷺ : ((إنكم ترون ربكم كما ترون الشمس ليس دونها سحاب)) (١) ، وهذا واضح في أن الذي يُرى هو الله ، فنراه كالشمس ليس دونها سحاب، وقوله ﷺ : ((ترونه كالقمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته)) (٢) .
وقوله: (كما أتى في النص) النص: يعني القرآن، (والأخبار) جمع خبر، وهي الأحاديث.
فرؤية الله في الآخرة ثابتة بالقرآن والسنة وإجماع السلف، حتى إن بعض العلماء رحمهم لله صرح بأن من أنكر رؤية الله في الآخرة فهو كافر؛ لأنه مكذب للنصوص الصريحة الصحيحة، ومخالف لإجماع السلف.
وقال بعض العلماء ﵏: من قال: إن الله لا يُرى في الآخرة، فنسأل الله أن يحرمه رؤيته في الآخرة. ولا شك أن الذي ينكر أن الله يرى في الآخرة يستحق أن يقال له: حرمك الله منها، وأعتقد أننا لو قلنا له: حرمك الله منها لاستشاط غضباً، فكيف إذا دعي عليه بألا يرى ربه غضب وهو يقول
стр. 505
في عقيدته: يمتنع أن نرى ربنا؟ فمن العجب أن يغضب عند إلزامه بما يقول.
وقد دل على ثبوت الرؤية القرآن والسنة:
أما دلالة القرآن على الرؤية: فمن وجوه:
الأول: التصريح بالنظر.
والثاني: نفي الإدراك.
والثالث: حجب أعداء الله عن رؤية الله. هذه ثلاثة أنواع من الأدلة.
أولاً: التصريح بالنظر: مثل قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) (القيامة: ٢٢) (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (القيامة: ٢٣) فالله قال: وجوه، ولم يقل قلوب يومئذٍ ناظرة، وإذا كانت الوجوه هي التي ترى، فوسيلة الرؤية في الوجه لا شك أنها العين. إذاً نراه بأعيننا.
وقال الله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) (يونس: الآية٢٦) ، وفسر الزيادة أعلم الخلق بالله وكتابه رسول الله ﷺ بأن المراد بالزيادة النظر إلى وجه الله تعالى، ولا نعلم تفسيراً أصح وأوثق من تفسير الرسول ﷺ أبداً، فإذا قال: هي النظر إلى وجه الله قلنا: صدقت وصدق الله ورسوله.
ثانياً: نفي الإدراك: قال الله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) (الأنعام: الآية١٠٣) ، فإن نفي الإدراك يدل على ثبوت أصل الرؤية؛ لأن نفي الإدراك مع عدم ثبوت الرؤية لغو من القول وفساد؛ إذ كيف يقال: لا تدركه الإبصار وهو لا يرى أصلاً؟ فكونه يقول: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) يعني أنها تراه ولكن لا تدركه. ولهذا استدل بهذه الآية أهل السنة على أن الله يرى،
стр. 506
ووجه الدلالة أن نفي الإدراك دليل على أصل ثبوت الرؤية؛ لأن نفي الإدراك عما لم يثبت أصله لغو من القول لا حاجة له، وحينئذٍ يكون في الآية دليل على ثبوت الرؤية.
والعجب أن الذين ينفون الرؤية يستدلون بنفس الآية على أنه لا يرى لأن الله يقول: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) ، ونقول رداً عليهم: الله يقول: (لا تُدْرِكُهُ) ولم يقل: لا تراه. وفرق بين الإدراك والرؤية. فنحن الآن نعلم الله لكن لا ندرك حقيقته. ولو قلنا بقولهم لقلنا: إن الله لا يعلم. وعلى هذا فالآية صريحة في أن الله تعالى يرى.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية قاعدة في الاستدلال، وناهيك به فهما وفقها، فقال: أنا ملتزم بكل دليل صحيح استدل به مبطل على باطله أن اجعله دليلاً عليه لا له، سواء كان أثريا أم نظريا، ذكر هذا في كتابه درء تعارض العقل والنقل، وذلك لأن الاستدلال بالدليل الصحيح على القول الباطل لا شك أنه يشم منه رائحة ما ذهب إليه.
فهؤلاء الذين استدلوا بنفي الرؤية في الآخرة بقوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) ، قال شيخ الإسلام: هذا دليل عليهم؛ لأن نفي الإدراك يدل على وجود أصل الرؤية، ولولا وجود أصل الرؤية لكان نفي الإدراك لغوا ينزه عنه كلام الله.
ثالثاً: حجب الله عن أعدائه، وذلك في قوله: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) (المطففين: ١٥)) .
стр. 507
قال الإمام الشافعي ﵀: والله ما حجب أعداءه عنه في حال الغضب إلا ليراه أولياؤه في حال الرضا، وهذا صحيح؛ لأنه لو كان الجميع محجوبين لم يكن لنفي الحجب عن الأعداء فائدة، بل فيه مضرة، حيث أوهم التخصيص ببعض مدلولاته.
والحاصل أن رؤية الله ثابتة بالنص على ثلاثة أوجه: ثبوت الرؤية، ونفي الإدراك، والحجب عن الأعداء.
أما دلالة السنة على الرؤية:
فقد تواترت السنة على رؤية المؤمنين لله يوم القيامة وعلى هذا قول الناظم ينظم بعض ما تواتر:
مما تواتر حديث من كذب ... ومن بنى لله بيتا واحتسب
ورؤية شافعة والحوض ... ومسح خفين وهذي بعض
والشاهد قوله: (ورؤية) .
ثم قال المؤلف ﵀:
لأنه سبحانه لم يحجب ... إلا عن الكافر والمكذب
هذا تعليل بتدليل؛ لأنه لم يحجب إلا عن الكافر والمكذب، وفي هذا يشير المؤلف ﵀ إلى قوله تعالى: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) (المطففين: ١٥)) ، فإذا حجب هؤلاء فضدهم يرون الله .
стр. 508
الباب الخامس في ذكر النبوة ومتعلقاتها
١٣٠- ومن عظيم منة السلام ... ولطفه بسائر الأنام
١٣١- أن ارشد الخلق إلى الوصول ... مبيناً للحق بالرسول
ــ
الشرح
الدين الإسلامي نبي على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فبشهادة أن لا إله إلا الله يكون الإخلاص، وبشهادة أن محمدا رسول الله يكون الإتباع. وقد انتهينا مما يتعلق بالرب فيما قال المؤلف ﵀، في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. وبقيت شهادة أن محمداً رسول الله، وحينئذٍ لابد أن نعرف النبوة والرسالة، والحكمة من الرسالة والنبوة وما يتعلق بهذا، ولذلك قال المؤلف ﵀:
ومن عظيم منة السلام ... ولطفه بسائر الأنام
أن أرشد الخلق إلى الوصول ... مبينا للحق بالرسول
وصدق ﵀، فمن عظيم المنة، بل أعظم منة من الله بها أن أرسل الرسل إلى الخلق مبشرين ومنذرين، والمنة: العطاء، فالعطاء بلا طلب مكافأة يسمى منة، وأَمنُّ المعطين عليك الله جل وعلا ثم رسوله ﷺ ، ولهذا في غزوة حنين غنم الرسول ﷺ وأصحابه أموالاً كثيرة جداً، فصار يعطي المؤلفة قلوبهم تأليفا لهم على الإسلام؛ لأن الإنسان مهما كان يحب المال، قال تعالى: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) (العاديات: ٨)) ، حتى إنه مرة من المرات
стр. 509
جاء أعرابي مسلما لكن إسلامه ليس إلى ذاك، يعني ليس ثابتاً، والأعراب يحبون المواشي وبالأخص الغنم والإبل، فأعطاه الرسول ﷺ غنماً بين جبلين فذهب إلى قومه وقال: يا قومي، أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة (١) ، ولم يقل: اسلموا تدخلوا الجنة. فانظر كيف ملك هذا المال قلبه، وبهذا نعرف حكمة الله أن جعل للمؤلفة قلوبهم نصيباً من الزكاة الواجبة؛ فيعطون من الزكاة من أجل تأليف القلوب، خلافاً لبعض الدعاة الآن حيث يعطونهم من صلف القول ما ينفر قلوبهم.
وهذا يعني أننا لو رجعنا للدين الإسلامي وتأملنا كيف يدعو الناس لدين الإسلام، وجدنا رحمة وعطفاً، ووجدنا أن الإسلام يقابل المخالفين مقابلة الطبيب الحاذق المشفق، لا مقابلة المنتصر الذي يريد أن ينتقم، وهذه مسألة نسأل الله أن يعيننا على تنفيذها في دعوة الخلق إلى الحق.
فمن تمام نعمة الله ورحمته وحكمته أيضاً أن أرسل إلى الخلق رسلاً؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل؛ ولأن العقول لا يمكن أن تستقل بمعرفة ما يحبه الله ويرضاه، حتى يقوم الإنسان بفعله، فلابد من إرسال الرسل، وضرورة الناس إلى الرسل أشد من ضرورتهم إلى الطعام والشراب والهواء؛ لأن بالرسل سعادة الدنيا والآخرة، وإذا لم يبعث الرسل بقي الناس جهالا؛ ولهذا كان من علامات الساعة أن يقبض العلم، كما قال الرسول ﷺ : ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً من صدور الرجال، ولكن يقبضه بموت
стр. 510
العلماء، فإذا مات العلماء اتخذ الناس رؤساء جهالا، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)) (١) .
إذاً لابد من الرسالة حتى تقوم الحجة، وتبين المحجة، ويسلك الناس إلى ربهم طريق الهدى، وهي من منة الله، بل أمن شيء من الله به علينا هو الرسالة والعلم.
وقوله: (ولطفه بسائر الأنام) أي ومن لطفه جل وعلا ورأفته ورحمته، (بسائر الأنام) أي بعموم الأنام، والأنام: هم الخلق، (أن ارشد الخلق إلى الوصول) (أن) هنا مصدرية وهي في محل المبتدأ، ومن عظيم: خبر مقدم، أي: من عظيم منة الرحمن أن ارشد الخلق إلى الوصول.
وقوله: (مبيناً للحق بالرسول) المراد بالرسول هنا الجنس، وعلى هذا فـ (الـ)) لبيان الجنس وليست للعهد الذكري ولا الحضوري ولا الذهني، بل هي للجنس الدال على العموم، وقد بين الله تعالى في كتابه أنه ما من أمة من الأمم إلا خلا فيها نذير، وكل رسول يرسل إلى قومه إلا أن النبي ﷺ أرسل إلى الناس كافة، وبلغت رسالته جميع الخلق إلى يوم القيامة، وآيته العظمى هذا القرآن الكريم الذي بين أيدينا - ولله الحمد - إلى اليوم.
стр. 511
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٣٢- وشرط من أُكرم بالنبوة ... حرية ذكورة كقوة
ــ
الشرح
النبي لابد أن يكون أهلاً للرسالة، فلابد أن يكون المعطى للرسالة مؤهلاً لها؛ لأنه ليس كل إنسان يصلح للرسالة والله يؤتي فضله من يشاء، وهذا كما أن العلم الموروث عن الرسالة لا يعطيه الله إلا لمن هو أهل له، نسأل الله أن يجعلنا منهم.
والدليل على ذلك قوله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (الأنعام: الآية١٢٤)) ، وذلك رداً على الكفار المعاندين للرسل الذين قالوا: (لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ) (الأنعام: الآية١٢٤)) فقال الله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (الأنعام: الآية١٢٤)) ، أي أنهم ليسوا أهلا للرسالة فلم يعطوها لكن أعطيها من هو أهل لها.
والنبوة لها شروط، وقد بين المؤلف ﵀ شيئاً منها فقال: (وشروط من أكرم بالنبوة حرية) شرط: مبتدأ، حرية: خبره، من أكرم: أي من أكرمه الله وفضله، بالنبوة: أي بالرسالة، فالرسالة إذاً إكرام من الله تعالى للعبد، قال تعالى: (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ) (الإسراء: الآية٥٥)) ، وقال تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) (البقرة: الآية٢٥٣) ، وقال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) (الإسراء: الآية٧٠)) ، ومن المعلوم أن أعلى أصناف بني آدم هم الرسل عليهم الصلاة والسلام.
стр. 512
فالرسالة كرامة من الله ؛ سواء تمكن الرسول من بث رسالته وانتفع به الخلق أم لم يتمكن، فإن الرسول ﷺ رأى الأنبياء، رأى النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، وكلهم مكرمون، لكن لا شك أن من منّ الله عليهم بكثرة الإتباع أعظم إكراماً ممن دون ذلك.
فإن قيل: كيف نجمع بين قول النبي ﷺ : ((يأتي النبي وليس معه أحد)) (١) . وقوله: (مامن نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا جعل الله له حواريين) (٢)(٢) .
فالجواب: إما أن يكون المراد بالحديث الثاني ذوي العزم من الرسل أو أنه يستثني من الحديث الثاني ما دل عليه الحديث الأول؛ لأن الأنبياء كثيرون. وقوله: (وشرط من أكرم بالنبوة حرية ... الخ) النبوة لها شروط:
الشرط الأول: ذكره المؤلف ﵀ في قوله: (حرية) يعني شرطه أن يكون حراً لا رقيقاً، والرقيق هو المملوك، العبد الذي يباع ويشترى، فهذا لا يكون نبياً ولا رسولاً؛ وذلك لأن الرق وصف نازل عن الحرية، فالرقيق مملوك يملكه سيده، يباع، ويشترى، ويستخدم، فلا يمكن أن يكون هذا قائدا؛ لأنه هو نفسه مملوك مقود؛ فكيف يكون قائداً. إذا لابد أن يكون النبي حراً.
واعلم أن هذه الشروط شروط لما وقع لا لما سيقع؛ لأنه لا يمكن أن يقع
стр. 513
الآن، فمحمد ﷺ هو خاتم النبيين، لكن الذين كانوا أنبياء لأبد فيهم من هذه الشروط، فلابد أن يكونوا أحراراً ولا يمكن أن يكونوا أرقاء.
فإن قيل: إن يوسف ﵊ بيع مملوكاً عند عزيز مصر؟
فالجواب: أن يوسف ﵊ نبئ بعد السجن.
فإذا قال قائل: ما تقولون في قوله تعالى عن يوسف ﵊: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا) (يوسف: الآية١٥)) ، يعني جاءه الوحي قبل السجن؟
فالجواب: أن الضمير يعود على أبيه يعقوب ﵊.
والشرط الثاني: قال (ذكورة) فالنساء ليس منهن رسول؛ لأنهن لسن أهلاً لتحمل هذه القيادة العظيمة، وإذا كان الرسول ﷺ قال: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) (١) ، ولو بالانتخاب؛ فإذا انتخبوا امرأة فإنهم لن يفلحوا، فكيف يمكن أن تكون امرأةً رسولاً، ثم لو قدر أنها صارت نبيا، والنبي هو الذي يصلي بقومه، فإذا جاءها الحيض فلن تصلي إذا فلا يصح إطلاقاً أن تكون نبيا، لكن يصح أن تكون عالماً، وهذا هو الدليل العقلي.
أما الدليل السمعي فلقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) (الأنبياء: الآية٧)) ، فاخبر تعالى أنه لا يرسل إلا رجالا؛ لا ملائكة ولا إناثا.
فإن قال قائل: إن هناك أقواماً ولوا أمرهم نساء وأفلحوا فما الجواب عن
стр. 514
ذلك؟
فالجواب عنه من أحد وجوه:
الوجه الأول: إما أن يراد بقول النبي ﷺ : ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) ، يعني أولئك القوم فيكون خاصاً، وإذا كان خاصا لم يكن إشكال.
الوجه الثاني: أن نقول: إن هؤلاء النساء لم يتولين الأمر على وجه الإطلاق بل الذي يدبر الأمر غيرهن لكن لهن الرئاسة اسماً لا حقيقة.
الوجه الثالث: أن يقال: هؤلاء القوم لو أنهم ولوا رجلا لكان افلح لهم ويكون المراد بالنفي: لن يفلح قوم نفي الفلاح التام فيقال: هؤلاء القوم لو أنهم ولوا رجلا لكان افلح لهم.
الوجه الرابع: أن يقال: إن قول النبي ﷺ ((لن يفلح قوم)) هذا بناء على الأغلب والأكثر وإلا فقد يفلحوا.
فهذه أربعة أوجه في الجواب عن هذا الحديث والله أعلم.
والشرط الثالث: قال: (كقوة) يعني أن يكون عنده قدرة وقوة على إبلاغ الرسالة، فلا يمكن أن يكون أصم، ولا يمكن أن يكون أبكم لا يتكلم، ولا يمكن أن يكون منهك القوى البدنية، بل لابد أن يكون عنده قوة؛ لأن إرسال من ليس ذا قوة عبث ينزه الله عنه، فلا يعقل أن يرسل من لا يستطيع أن يتكلم أو من هو أصم، والأعمى قد نقول إنه لا يمكن أن يرسل الله رسولاً أعمى، وقد نقول انه يمكن؛ لأن العمى وإن كان يضعف القوة على أداء الرسالة لكنه لا يمنع أداء الرسالة، والكلام على ما يمنع أداء الرسالة. فلابد
стр. 515
أن يكون قوياً. لا يرد عليك نبي الله أيوب ﵊ لأنه أصيب بما أصيب ثم برئ في النهاية فهذا من العوارض.
ولا يشترط أن يكون ذا سيادة في قومه، لكن في الغالب أنه يكون ذا سيادة في قومه، لقول الله تعالى: (وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ) (هود: الآية٩١) ، وهذا هو الغالب وقد يكون ذا شرف في قومه وسيادة، لقول لوط ﵊: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) (هود: الآية٨٠)) ، أي إلى قوم يمنعونني منكم.
فالمهم أنه ليس بشرط أن يكون الرسول ذا سيادة وشرف في قومه، لكن ذلك هو الأكثر، ولا سيما في خاتم الأنبياء محمد ﷺ ، فإنه كان أشرف قومه نسباً؛ لأن الله اصطفى إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاه ﷺ من بني هاشم، فهو كريم من كرام؛ كرام الآباء والأجداد، ﵊، ولكن ليس هذا بشرط.
وقوله: (حرية ذكورة كقوة) لو قال: (حرية ذكورة وقوة) لكان أحسن. لكنه قال: (كقوة) فكأنه جعل القوة تعليلاً لاشتراط الذكورة واشتراط الحرية، وهذه الكاف للتشبيه يعني كما تشترط القوة.
فالشروط التي ذكرها المؤلف ﵀ ثلاثة: الحرية والذكورة والقوة على إبلاغ الرسالة.
стр. 516
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٣٣- ولا تنال رتبة النبوة ... بالكسب والتهذيب والفتوة
١٣٤- لكنها فضل من المولى الأجل ... لمن يشا من خلقه إلى الأجل
ــ
الشرح
قال المؤلف ﵀:
ولا تنال رتبة النبوة ... بالكسب والتهذيب والفتوة
يعني أن رتبة النبوة لا تنال بعمل العبد، وهذا أيضاً كما سبق لا مجال له الآن؛ لأن الرسالة ختمت بمحمد ﷺ .
وقول المؤلف: إن النبوة لا تنال (بالكسب) يعني بالتخلق بالأخلاق الفاضلة، والقيام بما يجب على الإنسان من الحقوق التي لربه والتي للخلق. (والتهذيب) أي ولا تنال أيضا بتهذيب الإنسان نفسه، وتهذيب غيره، بأن يكون رجلا مريدا للإصلاح ساعيا فيه.
قوله: (والفتوة) أي وكذلك لا تنال بالفتوة، وهي الكرم والشجاعة.
وذكر المؤلف ﵀ هذا الكلام رداً على بعض المتكلمين الذين قالوا: إنه يمكن للإنسان أن يهيئ نفسه ويهذبها حتى يكون مؤهلاً للنبوة فيكون نبياً، وهذا ليس بصحيح، فالنبوة لا تنال بالكسب، ولا يمكن أن يصل إليها الإنسان بالكسب.
ولكن ربما يقول قائل: ألم يقل الله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (الأنعام: الآية١٢٤)) ؟ فنقول: بلى، ولكن هذا الذي كان أهلاً للرسالة، لم تكن هذه الأهلية بعمل منه بل كانت بفضل من الله تعالى، ويدل لذلك أننا نجد أناساً وصولاً إلى القمة في الكرم والشجاعة وحسن الأخلاق في الجاهلية؛ مثل عبد
стр. 517
الله بن جدعان وغيره، ومع ذلك لم ينل النبوة، وإنما نالها محمد ﷺ . ولهذا قال المؤلف ﵀:
لكنها فضل من المولى الأجل ... لمن يشا من خلقه إلى الأجل
أفادنا المؤلف ﵀ في هذا البيت أن النبوة فضل من لله يتفضل بها على من يشاء من عباده، ولهذا لما قال أعداء الرسل للرسل: (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) (إبراهيم: الآية١٠) (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) (إبراهيم: الآية١١) يعني ما نحن إلا بشر مثلكم، (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) (إبراهيم: الآية١١) فالله هو الذي يمن بالنبوة على من يشاء من عباده، كما يمن بالعلم على من يشاء من عباده، مع أن العلم ربما يحصل بالكسب، لكن هو منة من الله، فكم من إنسان حاول أن يطلب العلم ولكنه عجز.
وأفادنا في قوله: (لمن يشا من خلقه إلى الأجل) أن من كان نبياً فلا يمكن أن تسلب منه النبوة، فالنبوة لها ابتداء وليس لها انتهاء إلا بالموت، يعني لا يمكن أن يكون الإنسان رسولاً ثم تسلب منه الرسالة، لكن يمكن أن يكون غير رسول ثم يُرسل كما هو الأصل؛ فالأصل أنه لا يرسل إلا من كان قد بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ليكون تام العقل.
وأما قوله تعالى عن عيسى ﵊ حين أشارت أمه إليه فقالوا: (كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ َصبِيّاً) (مريم: الآية٢٩) (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً) (مريم: ٣٠) (وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ َالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً) (مريم: ٣١) (وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً) (مريم: ٣٢) ، فقال بعض العلماء ﵏: إن هذا خاص بعيسى ﵊، وأما غيره فلابد أن يبلغ أشده ويستوي ويكبر، أما عيسى فإنه آية من آيات الله في خلقه وتكوينه
стр. 518
ورسالته، وقيل المعنى آتاني الكتاب في علمه، فيكون التعبير بالماضي باعتبار علم الله، ويكون الماضي هنا استعمل في المستقبل لتحقق وقوعه، وهذا هو الأقرب.
فإن قال قائل: لماذا رجحتم هذا مع أن التقدير الأول لا مانع منه وهو أن يكون خاصاً به؟
فالجواب: إذا رجحنا التقدير الأول فمعنى هذا أننا نمنع هذا الأصل وهو عدم الخصوصية هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن الله لن يرسل رسولاً إلا إذا أن أهلاً للرسالة يتحمل الدعوة ويتحمل الرد على الآخرين، هذا الذي يظهر لي، والله اعلم.
مسألة: ما الفرق بين النبي والرسول؟
الفرق بين النبي والرسول كما ذهب إليه الجمهور؛ أن النبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، ولهذا يسمى نبياً ولا يسمى رسولاً لأنه لم يؤمر، لكنه لم ينه عن إبلاغه، وأما الرسول فهو من أوحى إليه بشرع وأمر بتبليغه، وهناك فرق بين أن نقول في النبي لم يؤمر بتبليغه وبين أن نقول: نهي عن تبليغه، وهذا نظير ما قاله شيخ الإسلام ﵀ فيمن لم ينكر على الولاة ولامه بعض الناس على عدم إنكاره للمنكر، قال شيخ الإسلام: هناك فرق بين السكوت عن الإنكار، وبين الأمر بالمنكر (١) ، فالسكوت عن الإنكار مع عدم القدرة على الإنكار أو مع خوف منكر أكبر لا يلام عليه الإنسان بل قد يحمد إذا ترك الإنكار خوفاً من مفسدة اكبر، لكن لو أمر بالمنكر فإنه في هذه الحال يذم على الأمر بالمنكر والرضى به.
стр. 519
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٣٥- ولم تزل فيما مضى الأنباء ... من فضله تأتي لمن يشاء
ــ
الشرح
قوله: (الأنباء) بالرفع على أنها اسم (تزل) ؛ لأن زال ويزال تعمل عمل كان إذا سبقت بنفي أو شبهه، وهنا سبقت بنفي وهو قوله: (ولم تزل) ، وعليه فالأنباء اسم تزل، وخبرها قوله (تأتي لمن يشاء) أي لم تزل الأنباء آتية لمن يشاء.
وقوله: (فيما مضى) أي فيما سبق هذه الأمة، و (من فضله) أي على المرسل وعلى المرسل إليهم جميعا.
وقوله: (لمن يشاء) أي لمن يشاء من عباده، وقد اخبر الله أنه بعث في كل أمة رسولاً، قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل: الآية٣٦) ، وقال تعالى: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) (فاطر: الآية٢٤)
وعليه فإن كل الأمم السابقة قد أرسل الله إليهم الرسول والنذير وأقام الحجة على جميع الخلق، ولم يبقى لأحد حجة على الله .
فإن قال قائل: هل الأنبياء محصورون؟
قلنا: إنه ورد في ذلك حديث يدل على حصرهم بأربعة وعشرين ألفاً، والرسل دون ذلك؛ لأن الأنبياء أكثر بكثير من الرسل، أما الرسل فأقل، وقد ذكر في القرآن منهم خمسة وعشرون رسولاً ولكنهم أكثر من هذا، وقد
стр. 520
يزيدون على ثلاثمائة إلا أن الله تعالى يقول: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) (غافر: الآية٧٨) إذاً فعقيدتنا بالنسبة للرسل أنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير، وما من أمة إلا بعث الله إليها من يوجهها ويبين لها الحق.
وأول الأنبياء هو آدم، فإنه كان نبيا مكلماً، كما في حدث أبي ذر ﵁، أنه سأل النبي ﷺ : هل كان آدم نبياً؟ قال: نعم، نبي مكلم (١) .
وأما أول الرسل فهو نوح، لقول الله ﵎: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ َوالْكِتَابَ) (الحديد: الآية٢٦) ، فإذا كانت النبوة والكتاب في ذرية نوح وإبراهيم دل هذا على أنه ليس قبل نوح رسول، ويدل لذلك أيضاً قوله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) (النساء: الآية١٦٣) ، ويدل لهذا ما ثبت في الصحيح: ((أن الناس يأتون إلى نوح يوم القيامة ويقولون: أنت أول رسول أرسله الله إلى الأرض)) (٢) . وبهذا نعرف أن من أقحم إدريس بين نوح وآدم فإنه غلط؛ لأننا نجد شجرة الأنبياء التي كتبها بعض الناس قد كتب فيها إدريس قبل نوح، وهذا غلط لاشك فيه. فإن عقيدتنا أن نوحاً هو أول الرسل.
وآخر الرسل محمد ﷺ لقول الله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) (الأحزاب: الآية٤٠) ، فمن ادعى النبوة بعده فهو كافر، ومن صدق مدعي النبوة بعده فهو كافر أيضاً، لأنه مكذب لله
стр. 521
ورسوله، وقد قال النبي ﵊ لعلي بن أبي طالب ﵁ حين خلفه في أهله في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله، تخرج وأقعد مع النساء والولدان، فقال له النبي ﷺ : (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)) (١) ، فرضي علي ﵁
وقد استدلت الرافضة بهذا الحديث على أن علياً ﵁ أفضل الصحابة، ولكن لا دليل فيه؛ لأن الرسول ﷺ أراد بقوله أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى حين خلفه في قومه، أي في هذه المسألة فقط، أما الفضل الآخر فلا شك أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.
стр. 522
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٣٦- حتى أتى بالخاتم الذي ختم ... به وأعلانا على كل الأمم
ــ
الشرح
قوله: (إعلانا) : يعني جعلنا فوق كل الأمم؛ فنحن الآخرون السابقون يوم القيامة، ونحن الشهداء على الخلق في أن الرسل بلغوا ما أُنزل إليهم من ربهم، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة: الآية١٤٣) ، فهذه الأمة ولله الحمد هي أعلى الأمم، ولها النصر التام على غيرها، ولكن بشرط أن تكون عاملة بشريعة الله التي جاء بها رسول الله ﷺ ، أما أن تكون منتسبة فقط، ويكون الإسلام دين بطاقة وهوية بدون عمل، فهذا لا يجدي شيئاً، وللأسف فإن أكثر الناس قد كتب في هويته وبطاقته: الديانة: مسلم، وهو لا يعرف الإسلام، وقد لا يعرف كيف يتوضأ ولا كيف يصلي
стр. 523
١٣٧- وخصه بذاك كالمقام ... وبعثه لسائر الأنام
ــ
الشرح
وقوله (وخصه بذاك) خصه: أي النبي ﷺ ، (بذاك) أي بختمه للرسالة، فإنه خاتم الأنبياء ولا نبي بعده ﷺ ، وهذا من خصائص ﷺ . وكان عيسى بن مريم ﷺ خاتم أنبياء بني إسرائيل، ولكن هذا الختم مقيد بأنبياء بني إسرائيل، أما محمد ﷺ فختمه ختم مطلق فلا نبي بعده، وهذا يدعو إلى تأمل الحكمة من أن عيسى ينزل في آخر الزمان ويتبع محمداً ﷺ ، ليتبين أن الختم الذي ختمت به رسالة بني إسرائيل ليس ختماً مطلقاً بل هو ختم مقيد، والرسول الذي بعده هو محمد ﷺ ، ولذلك في آخر الزمان إذا نزل عيسى فإنما يحكم بشريعة النبي ﷺ .
فإن قال قائل: أليس قد اخبر النبي ﷺ أنه يكسر الصليب ويقتل الخنزير ولا يقبل الإسلام فلا يقبل الجزية، وهذا ليس هو الحكم الشرعي الموجود الآن؛ فإن الحكم الشرعي الموجود الآن أن يُقر النصارى على ما هم عليه، إذا كان بيننا وبينهم عهد فإننا لا نتعرض لديانتهم؟
فالجواب: أن النبي ﷺ حدثنا بذلك مقرراً له راضياً به، فيكون ما يقضي به عيسى في آخر الزمان من شريعة النبي ﷺ .
وقوله (كالمقام) يشير بذلك إلى قوله تعالى: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) (الإسراء: الآية٧٩) ، وقد سبق أن من المقام المحمود الشفاعة العظمى،
стр. 524
حيث تنتهي إلى رسول الله ﷺ ، وأن الناس يلحقهم من الكرب والغنم ما لا يطيقون، فيستشفعون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، حتى تنتهي إليه، فهذا من المقام المحمود - حيث يحمده فيه الأولون والآخرون - وليس كله.
مسألة: هل من المقام المحمود ما ذكره بعض العلماء من أن الله يجلس الرسول ﷺ على العرش؟
فالجواب: هذا إن صح فهو من المقام المحمود لا شك.
وقوله (وبعثه لسائر الأنام) يعني، وخص النبي ﷺ بأنه بعث إلى سائر الأنام، وغيره من الأنبياء بعثوا إلى أقوامهم فقط.
فإن قال قائل: أليس نوح ﵊ مرسلاً إلى جميع الخلق في وقته؟
قلنا: بلى هو مرسل إلى جميع الخلق في وقته، لكن لم يكن هناك قوميات سوى هذه القومية، فيكون نوح مرسلاً إلى قومٍ، كما قال تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (نوح: ١) ، والخليقة في ذلك الوقت لم تكن كثرت بعد حتى تولد منها قوميات، وبذلك يكون نوح مرسلاً إلى قومه فقط، بل كانت الأمة قليلة وأرسل إليهم نوح فكان مرسلاً إلى قومه خاصة.
وقوله: (لسائر الأنام) سائر: يقولون أنها تطلق بمعنى الباقي، وتطلق بمعنى الجميع؛ فإن أخذت من السؤر صارت بمعنى الباقي، وإن أخذت من السور - والسور محيط بل ما كان داخله - صارت بمعنى الجميع، وإذا كانت
стр. 525
بمعنى الجميع كان فيها إعلال؛ لأنها تكون مشتقة من السور، والسور ليس فيه همزة، لكن قلبت الواو همزة في (سائر) لعلة تصريفية. أما إذا قلنا إن (سائر) من السؤر فالهمزة فيها أصلية.
ونظير ذلك لفظ زائر، هل الهمزة أصلية أو منقلبة؟ فيه تفصيل؛ فإن كانت من زأر الأسد فهي أصلية، تقول: زأر الأسد فهو زائر، وإن كانت من الزيارة فهي منقلبة، تقول زار يزور فهو زائر، وأصلها زاير لكن قلبت همزة.
قوله: (الأنام) أي الخلق، قال الله تعالى: (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ) (الرحمن: ١٠) ، أي: للخلق فهو مبعوث لجميع الخلق المكلفين، ودليل اختصاصه بذلك من وجهين:
الوجه الأول: كونه خاتم الأنبياء، وهذا ثابت بالقرآن، فإذا كان خاتم الأنبياء - والناس كلهم محتاجون للرسالة - لزم من ذلك أن يكون رسولاً إلى جميع الخلق.
الوجه الثاني: أنه في حديث جابر بن عبد الله رضي الله ﵄ قال النبي ﷺ : ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد من قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة)) (١)
стр. 526
فهذه من خصائصه، أما غيره من الأنبياء فإنه يبعث إلى قومه خاصة. فمثلاً إذا كان في الأرض أقوام متعددة فإن الرسول يبعث إلى قومه الذي هو في أرضهم، أو في غير أرضهم لكنه يبعث إليهم خاصة.
ولا يرد على هذا نوح ﵊؛ لأن القوم في عهد نوح هم قومه، إذ كان الناس في ذلك الوقت قليلين لم يتفرقوا شعوباً وأقواما، فكان مبعوثاً إلى الخلق عموماً؛ لأن الخلق في ذلك الوقت ليس فيهم أقوام، ولهذا اهلك المكذبون له وصار الذي بقوا ممن على السفينة هم آباء الخلق كلهم، كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ) (الصافات: ٧٧) ، أي ذرية نوح. وبهذا ينكف الإيراد الذي أورده بعض العلماء حيث قال: إن نوحاً أرسل إلى جميع أهل الأرض؟ وجواب هذا الإيراد أن جميع أهل الأرض هم قومه في ذلك الوقت، وليس هناك أقوام آخرون، لكن في عهد الرسول ﷺ هناك أقوام آخرون؛ فهناك الفرس والروم والبربر وغيرهم، وهو مبعوث إليهم جميعا.
فمن نعمة الله على النبي ﷺ أن الله تعالى أرسله إلى جميع الخلق، لأنه يلزم من ذلك أن كل من عمل بشريعته ناله من أجره، ولهذا رفع له سواد عظيم فظن أنهم أمته فقيل له: هذا موسى وقومه، ثم رفع له سواد عظيم أعظم من الأول وقيل له: هذه أمتك (١) .
فأمة النبي ﷺ أكثر الأمم، وأجره أكثر أجر الأنبياء؛ لأن كل واحد من
стр. 527
أمته يعمل بشريعته فإن له مثل أجره، وبهذا نعرف ضلال من إذا فعلوا طاعة أهدوها للرسول ﷺ ، فإن إهداء القرب للرسول ﷺ بدعة وضلالة في الدين وسفه في العقل؛ لأن من أهدى إليه عبادة فعلها فمضمون ذلك أنه حرم نفسه من أجرها فقط، أما الرسول ﵊ فأجرها واصل إليه من الأصل؛ سواء أهديتها إليه أم لم تهدها إليه.
ثم إنك لم تؤمر أن تهدي إليه العبادات؛ لا أضحية، ولا قراءة قرآن، ولا غيره، بل أمرت أن تصلي وتسلم عليه، وتدعو له، فهكذا أمرت كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (الأحزاب: الآية٥٦)
قال شيخ الإسلام: ولم يعهد أن أحداً من القرون المفضلة فعل ذلك، لا الصحابة ولا التابعون وتابعوهم، كلهم لم يهدوا للرسول ﵊ ثواب قربة أبداً؛ لأنهم أفقه وأعلم واحكم من أن يهدوا إلى الرسول ﷺ ثواباً؛ إذ إن أجرهم حاصل للرسول ﷺ فإن ((الدال على الخير كفاعله)) (١)
стр. 528
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٣٨- ومعجز القرآن كالمعراج ... حقا بلا مين ولا اعوجاج
ــ
الشرح
قال ﵀: (ومعجز القرآن) يعني وخصه تعالى بمعجز القرآن، فالقرآن معجز، قال تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القرآن لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) (الإسراء: ٨٨) . فالإنس والجن متفرقون أو متعاونون لا يمكن أن يأتوا بمثل هذا القرآن.
والدليل على هذا من الواقع أن القرآن نزل في قوم هم أفصح العرب، وبلغة هؤلاء القوم، ومع ذلك عجزوا عن معارضته، وهم بلا شك يودون بكل طاقاتهم أن يجدوا معارضة للقرآن الكريم، حتى يقولوا للرسول ﷺ : ما جئت به فإننا نستطيع مثله، فأنت لست بنبي، لكن عجزوا، بل كان هذا القرآن يأخذ بألبابهم حتى يصغوا إليه قهراً.
وذكروا في التاريخ أن رؤساءهم كانوا يأتون خفية إلى قرب النبي ﷺ ليستمعوا القرآن؛ لأنه يعجبهم ويبهرهم، وقد قال الله تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا القرآن لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) (الأنعام: الآية١٩) ، فدل ذلك على أن بلاغهم تقوم به الحجة.
وقد تحداهم الله أن يأتوا بمثله فعجزوا: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ) (البقرة: الآية٢٣) ، وتحداهم بعشر سور فعجزوا، وتحداهم بسورة فعجزوا، وتحداهم بآية فعجزوا، وقال تعالى:
стр. 529
(فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) (الطور: ٣٤) ، أي: حديث مثله إن كانوا صادقين فعجزوا، ولهذا قال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ) (الطور: ٣٣) ، أي ليس عندهم علم إلا أنهم كفار لا يؤمنون، (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) (الطور: ٣٤) ، وما أتوا (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) (الطور: ٣٨) ، وهذا تحدٍ؛ إن كانوا صادقين فليأت مستمعهم بسلطان مبين، وكل هذا لم يكن، إذاً فالقرآن أعجز الورى؛ لأنه إذا اعجز الذين نزل بلغتهم وبوقتهم، فمن بعدهم من باب أولى ومن سواهم من باب أولى. لكن هنا ملاحظة على قول المؤلف: (ومعجز القرآن) هذا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها لأن المعنى: والقرآن المعجز، وكان ينبغي له ألا يعبر عن آيات الأنبياء بالإعجاز؛ لأن الإعجاز ليس من خصائص الأنبياء، فإن الساحر يعجز، والبهلواني يعجز، فلما كان هذا اللفظ مشتركاً بين الحق والباطل، كان الأولى أن نأتي بلفظ يتعين فيه الحق، وهو ما نطق الله به وهو (الآيات) كما قال الله تعالى في القرآن: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) (العنكبوت: الآية٤٩) .
فالأولى أن يقول: آيات القرآن بدل: معجز القرآن، والأولى في جميع ما يسمى بمعجزات الأنبياء أن نسميه آيات الأنبياء؛ لأن الآيات بمعنى العلامات الدالة على صدقه.
أما المعجزات فقد يعجز الساحر وقد يعجز غيره، فإن أحداً لا يستطيع أن يجعل الحبال كأنها حيات تسعى إلا السحرة.
стр. 530
فالسحرة يفعلون ما يعجز عنه البشر، لكن بالسحر، ولهذا نقول كان من الأولى أن يعبر عن معجزات الأنبياء التي تسمى معجزات بالآيات.
وقد قال بعض الناس: إن معجزات السحرة لا تشتبه بآيات الأنبياء؛ لأن آيات الأنبياء مقرونة بالتحدي، وهذا غير صحيح؛ لأن آيات الأنبياء تارة تكون تحدياً؛ وتارة تكون ابتداءً بدون تحد. فقد جاء الصحابة ﵃ إلى الرسول ﵊ في غزوة الحديبية، وقالوا له: يا رسول الله، ليس عندنا ماء، فدعا بإناء فوضع أصابع يده عليه فجعل الماء يفور من بين أصابعه (١) ، وليس في هذا تحد، وهم ﵃ لم يقولوا له ائتنا بآية، بل شكوا إليه قلة الماء فجاءت هذه الآية.
وآيات الرسول ﷺ كثيراً ما تكون بغير تحد، كما جاءه الرجل وهو على المنبر ﷺ ، فقال: ادع الله أن يغيثنا: فدعا ﷺ فأغيثوا قبل أن ينزل من منبره، وجاء في الجمعة الثانية، وقال: ادع الله أن يمسكها عنا فدعا فانفرجت السماء (٢) ، وليس في هذا تحد.
وقال بعض الناس: إن معجزات الأنبياء تشبه كرامات الأولياء، فلذلك يجب أن ننكر إما آيات الأنبياء أو كرامات الأولياء، وآيات الأنبياء لا يمكن إنكارها فلننكر كرامات الأولياء؛ فقالوا: لا يمكن أن يوجد للأولياء كرامات، والصواب أن كرامات الأولياء ثابتة فيمن قبلنا وفي هذه الأمة.