فهذه من خصائصه، أما غيره من الأنبياء فإنه يبعث إلى قومه خاصة. فمثلاً إذا كان في الأرض أقوام متعددة فإن الرسول يبعث إلى قومه الذي هو في أرضهم، أو في غير أرضهم لكنه يبعث إليهم خاصة.
ولا يرد على هذا نوح ﵊؛ لأن القوم في عهد نوح هم قومه، إذ كان الناس في ذلك الوقت قليلين لم يتفرقوا شعوباً وأقواما، فكان مبعوثاً إلى الخلق عموماً؛ لأن الخلق في ذلك الوقت ليس فيهم أقوام، ولهذا اهلك المكذبون له وصار الذي بقوا ممن على السفينة هم آباء الخلق كلهم، كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ) (الصافات: ٧٧) ، أي ذرية نوح. وبهذا ينكف الإيراد الذي أورده بعض العلماء حيث قال: إن نوحاً أرسل إلى جميع أهل الأرض؟ وجواب هذا الإيراد أن جميع أهل الأرض هم قومه في ذلك الوقت، وليس هناك أقوام آخرون، لكن في عهد الرسول ﷺ هناك أقوام آخرون؛ فهناك الفرس والروم والبربر وغيرهم، وهو مبعوث إليهم جميعا.
فمن نعمة الله على النبي ﷺ أن الله تعالى أرسله إلى جميع الخلق، لأنه يلزم من ذلك أن كل من عمل بشريعته ناله من أجره، ولهذا رفع له سواد عظيم فظن أنهم أمته فقيل له: هذا موسى وقومه، ثم رفع له سواد عظيم أعظم من الأول وقيل له: هذه أمتك (١) .
فأمة النبي ﷺ أكثر الأمم، وأجره أكثر أجر الأنبياء؛ لأن كل واحد من
стр. 527
أمته يعمل بشريعته فإن له مثل أجره، وبهذا نعرف ضلال من إذا فعلوا طاعة أهدوها للرسول ﷺ ، فإن إهداء القرب للرسول ﷺ بدعة وضلالة في الدين وسفه في العقل؛ لأن من أهدى إليه عبادة فعلها فمضمون ذلك أنه حرم نفسه من أجرها فقط، أما الرسول ﵊ فأجرها واصل إليه من الأصل؛ سواء أهديتها إليه أم لم تهدها إليه.
ثم إنك لم تؤمر أن تهدي إليه العبادات؛ لا أضحية، ولا قراءة قرآن، ولا غيره، بل أمرت أن تصلي وتسلم عليه، وتدعو له، فهكذا أمرت كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (الأحزاب: الآية٥٦)
قال شيخ الإسلام: ولم يعهد أن أحداً من القرون المفضلة فعل ذلك، لا الصحابة ولا التابعون وتابعوهم، كلهم لم يهدوا للرسول ﵊ ثواب قربة أبداً؛ لأنهم أفقه وأعلم واحكم من أن يهدوا إلى الرسول ﷺ ثواباً؛ إذ إن أجرهم حاصل للرسول ﷺ فإن ((الدال على الخير كفاعله)) (١)
стр. 528
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٣٨- ومعجز القرآن كالمعراج ... حقا بلا مين ولا اعوجاج
ــ
الشرح
قال ﵀: (ومعجز القرآن) يعني وخصه تعالى بمعجز القرآن، فالقرآن معجز، قال تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القرآن لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) (الإسراء: ٨٨) . فالإنس والجن متفرقون أو متعاونون لا يمكن أن يأتوا بمثل هذا القرآن.
والدليل على هذا من الواقع أن القرآن نزل في قوم هم أفصح العرب، وبلغة هؤلاء القوم، ومع ذلك عجزوا عن معارضته، وهم بلا شك يودون بكل طاقاتهم أن يجدوا معارضة للقرآن الكريم، حتى يقولوا للرسول ﷺ : ما جئت به فإننا نستطيع مثله، فأنت لست بنبي، لكن عجزوا، بل كان هذا القرآن يأخذ بألبابهم حتى يصغوا إليه قهراً.
وذكروا في التاريخ أن رؤساءهم كانوا يأتون خفية إلى قرب النبي ﷺ ليستمعوا القرآن؛ لأنه يعجبهم ويبهرهم، وقد قال الله تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا القرآن لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) (الأنعام: الآية١٩) ، فدل ذلك على أن بلاغهم تقوم به الحجة.
وقد تحداهم الله أن يأتوا بمثله فعجزوا: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ) (البقرة: الآية٢٣) ، وتحداهم بعشر سور فعجزوا، وتحداهم بسورة فعجزوا، وتحداهم بآية فعجزوا، وقال تعالى:
стр. 529
(فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) (الطور: ٣٤) ، أي: حديث مثله إن كانوا صادقين فعجزوا، ولهذا قال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ) (الطور: ٣٣) ، أي ليس عندهم علم إلا أنهم كفار لا يؤمنون، (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) (الطور: ٣٤) ، وما أتوا (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) (الطور: ٣٨) ، وهذا تحدٍ؛ إن كانوا صادقين فليأت مستمعهم بسلطان مبين، وكل هذا لم يكن، إذاً فالقرآن أعجز الورى؛ لأنه إذا اعجز الذين نزل بلغتهم وبوقتهم، فمن بعدهم من باب أولى ومن سواهم من باب أولى. لكن هنا ملاحظة على قول المؤلف: (ومعجز القرآن) هذا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها لأن المعنى: والقرآن المعجز، وكان ينبغي له ألا يعبر عن آيات الأنبياء بالإعجاز؛ لأن الإعجاز ليس من خصائص الأنبياء، فإن الساحر يعجز، والبهلواني يعجز، فلما كان هذا اللفظ مشتركاً بين الحق والباطل، كان الأولى أن نأتي بلفظ يتعين فيه الحق، وهو ما نطق الله به وهو (الآيات) كما قال الله تعالى في القرآن: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) (العنكبوت: الآية٤٩) .
فالأولى أن يقول: آيات القرآن بدل: معجز القرآن، والأولى في جميع ما يسمى بمعجزات الأنبياء أن نسميه آيات الأنبياء؛ لأن الآيات بمعنى العلامات الدالة على صدقه.
أما المعجزات فقد يعجز الساحر وقد يعجز غيره، فإن أحداً لا يستطيع أن يجعل الحبال كأنها حيات تسعى إلا السحرة.
стр. 530
فالسحرة يفعلون ما يعجز عنه البشر، لكن بالسحر، ولهذا نقول كان من الأولى أن يعبر عن معجزات الأنبياء التي تسمى معجزات بالآيات.
وقد قال بعض الناس: إن معجزات السحرة لا تشتبه بآيات الأنبياء؛ لأن آيات الأنبياء مقرونة بالتحدي، وهذا غير صحيح؛ لأن آيات الأنبياء تارة تكون تحدياً؛ وتارة تكون ابتداءً بدون تحد. فقد جاء الصحابة ﵃ إلى الرسول ﵊ في غزوة الحديبية، وقالوا له: يا رسول الله، ليس عندنا ماء، فدعا بإناء فوضع أصابع يده عليه فجعل الماء يفور من بين أصابعه (١) ، وليس في هذا تحد، وهم ﵃ لم يقولوا له ائتنا بآية، بل شكوا إليه قلة الماء فجاءت هذه الآية.
وآيات الرسول ﷺ كثيراً ما تكون بغير تحد، كما جاءه الرجل وهو على المنبر ﷺ ، فقال: ادع الله أن يغيثنا: فدعا ﷺ فأغيثوا قبل أن ينزل من منبره، وجاء في الجمعة الثانية، وقال: ادع الله أن يمسكها عنا فدعا فانفرجت السماء (٢) ، وليس في هذا تحد.
وقال بعض الناس: إن معجزات الأنبياء تشبه كرامات الأولياء، فلذلك يجب أن ننكر إما آيات الأنبياء أو كرامات الأولياء، وآيات الأنبياء لا يمكن إنكارها فلننكر كرامات الأولياء؛ فقالوا: لا يمكن أن يوجد للأولياء كرامات، والصواب أن كرامات الأولياء ثابتة فيمن قبلنا وفي هذه الأمة.
стр. 531
فقصة مريم فيها كرامة من عدة أوجه فقد فجاءها المخاض إلى جذع النخلة فجاءت إلى جذع النخلة لأن المخاض اضطرها أن تأتي إليه، وهي حامل تطلق، فوضعت الولد، وقيل لها: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً) (مريم: ٢٥) وهي امرأة نفساء، والمرأة النفساء عادة تكون ضعيفة، ثم قيل لها: هزي بجذع النخلة دون أن تصعدي إلى أعلاها، والهز بجذع النخلة لا يتأتى بل إنه صعب، فإن الرجل القوي إذا صعد إلى أعلاها وهزها تهتز، لكن إذا هزها من أسفل لا تهتز، لكن مريم قيل لها: هزي بجذع النخلة فهزت فاهتزت النخلة، وهذه كرامة (تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً) (مريم: الآية٢٥) ، يعني مخروفة بيسر، والعادة أن الرطب إذا تساقط من فوق النخلة، فإنه يفسد ويتفضخ، لكنه في شأنها بقي رطبا جنيا، وهذه كرامة، ولما جاءت تحمل الولد فقيل لها معرضين لها بالزنى: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً) (مريم: ٢٨) ، (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ) (مريم: الآية٢٩) فكلمهم، وهذه كرامة.
فهذه كرامة وهي في الحقيقة تشبه آيات الأنبياء، لكن الفرق بينهما أن آيات الأنبياء تأتي من النبي، وكرامة الأولياء تأتي من ولي متبع للنبي، وهذا الولي لا يقول إنه نبي أبداً، وقد لا يزكي نفسه ولا يقول إنه ولي فتأتيه الكرامة.
فإن قيل: كيف كان القرآن آية؟ أبلفظه أم بمعناه أم بصدق مخبره أم بماذا؟
فالجواب: أنه آية بكل معنى الآية في اللفظ والأسلوب والمعنى وأنه مهما كررته فلا يمكن أن تمل منه، وهذه الفاتحة نكررها في اليوم مرات ومرات ولا
стр. 532
نملها أبدا، وهذا على عكس أي كلام آخر، فلو قرئت قطعة من أحسن قصيدة من قصائد العرب وكررتها في اليوم مرتين فإنك تمل، ثم لا تلبث أن تحس وكأنها شيء خلق، أما هذا القرآن فإنك مهما كررته لا تمله، وربما إذا وفقك الله للتدبر أن يفتح الله عليك في المرة الثانية من المعاني واللطائف ما لم تجده في المرة الأولى.
وكذلك أيضاً في تأثيره على القلب، فإن الإنسان إذا قرأه بتدبر فإنه يلين القلب، ويوجه الإنسان إلى ربه، ويوجد طعماً عجيباً للإيمان، قال ابن عبد القوي ﵀ في داليته المشهورة:
وحافظ على درس القرآن فإنه ... يلين قلباً قاسياً مثل جلمد
فهذه من آيات القرآن، قال تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) (الحديد: الآية١٦) ، وقال تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) (الزمر: الآية٢٣) وهذه من آيات القرآن.
ومن آيات القرآن الإصلاح التام إذا تمسكت به الأمة، فلا سبيل إلى إصلاح الأمة إلا بالقرآن، قال الله تعالى عن نبيه: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: ٤) ، وقالت عائشة ﵂: ((كان خلقه القرآن)) (١) ، فصلاح الأمة بهذا القرآن، فبالقرآن تجد الأمة صالحة؛ كلمة واحدة، يد واحدة، جسد واحد، روح واحد.
قال تعالى: (إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانا) (آل عمران: الآية١٠٣) ، وهذا الأثر العظيم من آيات القرآن.
стр. 533
ومن ذلك أيضاً أن القرآن بمجرد ما يسمعه الإنسان يشعر بأنه قامت عليه الحجة، قال تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ) (التوبة: الآية٦) ، فجعل الله تعالى سماعه أثراً في قلب هذا المؤَمَن. . ومن آيات القرآن الآثار العظيمة التي لم تكن لأي أمة قامت بكتاب؛ فتح المسلمون بالقرآن مشارق الأرض ومغاربها، وهذا لم يوجد لأي كتاب آخر.
فإذاً القرآن كله آيات من كل وجه؛ في لفظه، ومعناه، وأسلوبه، وتأثيره، وآثاره، ولا يوجد له نظير، ولهذا قال المؤلف ﵀ (ومعجز القرآن كالمعراج)) .
قوله: (كالمعراج) المعراج مفعال من العروج، وهي آلة العروج، يعني الآلة التي يعرج بها الإنسان من أسفل إلى أعلى، فالسلم معراج ومصعد، والمعراج من خصائص الرسول ﵊، لم يحصل لأحد من الأنبياء قبله، ولم يحصل لأحد بعده إلا روح المؤمن؛ فإن روح المؤمن إذا قبضت يصعد بها إلى الله سماء فسماء، والملائكة شأنهم شأن آخر، فمن خصائص الرسول ﵊ المعراج؛ لأنه لم يحصل لأحد من الأنبياء سواه.
والمعراج هو أنه عرج به ﷺ من الأرض إلى السماء السابعة، إلى أن بلغ مكاناً سمع فيه صريف الأقلام -أقلام القضاء والقدر. فالقلم إذا كتب به سُمع له صوت - فهو ﷺ وصل إلى هذا الحد، إلى سدرة المنتهى التي ينتهي إليها كل شيء صعد من الأرض، وهو مكان ما بلغه فيما نعلم أحد من البشر.
وكان العروج وهو ﷺ في مكة قبل الهجرة بثلاث سنوات، أُسري به من مكة إلى المسجد الأقصى، واجتمع بالأنبياء هناك؛ لأن أنبياء بني إسرائيل
стр. 534
كلهم أو غالبهم كانوا في جهة الشام أو مصر، فجمعوا له هناك وصلى بهم إماما، إشارة إلى أنه ﷺ هو إمامهم ورضوا كلهم بذلك؛ لأن الله قد أخذ عليهم الميثاق، كما قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا) (آل عمران: الآية٨١) .
فصلى بهم ثم صعد به جبريل سماء فسماء حتى وصل إلى السماء السابعة، وهو يمر بمن يمر به من الملائكة، وبمن يمر به من الأنبياء، ومر عَلَى عِلْيَة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكلهم إذا سلم عليهم النبي ﷺ يرد ﵇ ويرحب به؛ قال له آدم: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح، وقال مثل ذلك إبراهيم: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح، وبقية الأنبياء قالوا: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح (١) ، فشهد له الأنبياء بالبنوة والإخوة والنبوة وبالصلاح مرتين، وكل هذا من إعلاء ذكره ﷺ ، وهو داخل في قوله تعالى: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) (الشرح: ٤) .
وفي هذا المعراج فرض الله عليه أفضل الأعمال البدنية وهي الصلاة، ولم يفرض عليه الزكاة ولا الصيام ولا الحج، ولهذا لا نعلم عبادة فرضت من الله إلى الرسول بدون واسطة إلا الصلاة، وفرضها الله عليه خمسين صلاة في اليوم والليلة، وهذا يدل على أهميتها، وفضلها، وعناية الله بها، وأنها جديرة بأن يصرف الإنسان جميع وقته أو جله فيها؛ لأن خمسين صلاة تستوعب وقتاً طويلاً، لا سيما وأننا لا ندري كم كان عدد الركعات فيها،
стр. 535
ونزل نبينا وإمامنا وقائدنا وقدوتنا ﷺ مقتنعاً بذلك، راضياً به مسلماً.
ففرضت الصلاة خمسين صلاة يصليها في اليوم والليلة هو وأمته، حتى قيض الله له موسى ﷺ ، وألهم الله موسى أن يسأله: ماذا فَرض عليك ربك؟ فأخبره، فقال: إن أمتك لا تطيق ذلك؛ إني جربت بني إسرائيل وعالجتهم أشد المعالجة (١) .
وموسى ﵊ لا شك أنه قاس هذه الأمة على بني إسرائيل؛ لأنه لا يعلم الغيب، وإلا فلا يصح قياس هذه الأمة على بني إسرائيل؛ لأن هذه الأمة أطوع لله من بني إسرائيل، فهذه الأمة لما ابتلاها الله بالصيد وهم محرمون تناله أيديهم ورماحهم؛ تناله أيديهم فيما يمشي، ورماحهم فيما يطير، والعادة أن الذي يطير لا ينال إلا بالسهام، والذي يمشي لا ينال إلا بالرماح، لكن ابتلاهم الله فحرم عليهم الصيد، لحكمة هي: (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) (المائدة: الآية٩٤) ، فكف الصحابة ﵃ عن الصيد مع تيسره.
أما بنو إسرائيل فقيل لهم لا تصيدوا يوم السبت سمكاً، فقالوا: لا نصيد، فطال عليهم الأمد، فابتلاهم الله يوم السبت، بحيث تأتي الحيتان شرعا على وجه الماء، وفي غير يوم السبت لا تأتي، ورأوا ألا يبقوا هكذا لا يأكلون السمك وكانوا أصحاب حيل، فأرادوا أن يحتالوا على من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فوضعوا شبكاً يوم الجمعة فجاءت الحيتان على العادة يوم السبت، فدخلت الشبك وعجزت عن الخروج، فلما كان يوم
стр. 536
الأحد أخذوها، فتحيلوا على محارم الله، لكن لم ينفعهم هذا التحيل، بل قلبهم الله تعالى قردة، فأصبحوا قردة يتعاوون، وأصبح الرجل الذي بالأمس يمشي على رجليه قرداً يمشي على يديه ورجليه. فلما كانت الحيلة التي فعلوها أقرب ما يكون للحل، مسخوا إلى أقرب ما يكون لبني آدم فصار الجزاء وفاقا من جنس العمل.
إذاً لا يمكن أن تقاس هذه الأمة السامعة المطيعة التي قال قائلهم لما استشارهم رسول الله ﷺ في الغزو: والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) (المائدة: الآية٢٤) ، أي إنا قاعدون في هذا المكان لا نتعداه. لكن قال الصحابة ﵃ للرسول ﷺ : (اذهب فقالت: فنحن بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك، والله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك.
فموسى ﵊ لا يعلم الغيب، ومن نعمة الله أنه كان لا يعلم عن هذه الأمة حقيقة، ولهذا قال: ارجع إلى ربك فأساله التخفيف لامتك، فرجع فوضع عنه خمساً خمسا، أو عشرا، حتى وصلت إلى خمس، فنادى منادٍ إني قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي؛ هن خمس في الفعل وخمسون في الميزان (١) . وهذا يدل على فضل الصلاة وعظمها، ففرض الله عليه الصلاة ونزل إلى الأرض حتى وصل مكة بغلس وصلى بها الفجر.
وهذا المعراج من خصائص الرسول ﷺ ، ولم يحصل لأحد من الأنبياء سواه أبداً، فهو من الآيات العظيمة الدالة على كمال قدرة الله ، وعلى
стр. 537
الآيات الكبرى التي شاهدها الرسول ﵊، ولو أننا استعرضنا المعراج لوجدنا النبي ﷺ في غاية ما يكون من الأدب، قال تعالى: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى) (النجم: ١٧) ، فلم يتجاوز النظر الذي حدد له؛ فكان في غاية ما يكون من الأدب، و (مَا زَاغَ الْبَصَرُ) (النجم: الآية١٧) أي ما نظر شيئاً على خلاف الواقع. قال تعالى: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) (النجم: ١٨) ، والكبرى فيها وجهان من الإعراب: الوجه الأول: مفعول به: أي لقد رأى الكبرى من آيات ربه، والوجه الثاني: صفة لآيات. والظاهر أن كونها صفة أبلغ؛ لأنها إذا كانت مفعولاً به صار المعنى أنه رأى الكبرى التي لا أكبر منها، وإذا قلنا: إنها صفة، صار المعنى رأى من الآيات الكبرى الموجودة في ذلك الوقت، وهي كثيرة.
وهنا قد يرد إشكال، حيث وجد النبي ﷺ الأنبياء في السموات فكيف نقول: إنه اختصه بالمعراج مع أن الأنبياء كانوا في السموات؟
والجواب على ذلك من وجهين:
الأول: أن الأنبياء لم يعرج بهم وهم أحياء من الدنيا إلى السموات، وإنما وجد أرواحهم في السموات.
والثاني: أنه حتى الذين في السموات لم يصلوا إلى سدرة المنتهى؛ لأن أعلاهم إبراهيم ﵊ كان في السماء السابعة، ولم يصل إلى سدرة المنتهى. وهذان فرقان واضحان.
ومن الآيات التي أخبرت عن الإسراء والمعراج قوله تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) (النجم: ١) (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) (النجم: ٢) ، فأقسم الله تعالى بالنجم حين هويه؛ فقيل: المعنى حين غروبه لأنه يهوي في الأفق، وقيل: المعنى
стр. 538
حين انطلاقه ليضرب مسترق السمع، ويكون في هذا إشارة إلى حماية الله تعالى للوحي الذي نزل على محمد، وهذا المعنى أصح.
قال تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) (النجم: ١) (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) (النجم: ٢) ضل: أي خالف الحق عن جهل، وغوى: أي خالف الحق عن عمد، وصاحبكم: هو النبي ﷺ ، وإنما عدل عن قوله ما ضل محمد أو ما ضل النبي إلى قوله: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) (النجم: ٣) لإقامة الحجة عليهم وعلى بلاهتهم، كأنما يقول: ما ضل هذا الرجل الذي تعرفونه، وهو صاحبكم؛ نشأ بينكم وعرفتم صدقه وأمانته، والصاحب أعلم الناس بصاحبه، فقد يعلم الصاحب من صاحبه ما لا يعلمه القريب من قريبه. فهذا صاحبكم. فكيف تقولون إنه ضل؟!
ثم قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) (النجم: ٣) ، ولم يقل: ما ينطق بالهوى؛ أي ما ينطق بالهوى الذي يريد، بل قال تعالى (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) (النجم: ٣) يعني لا ينطق نطقاً صادراً عن هواه، وإنما ينطق نطقاً صادراً عن وحي، أو عن اجتهاد أراد به المصلحة لا لمجرد الهوى، والفرق بينهما عظيم.
ولهذا قال: (إِنْ هُوَ) (النجم: الآية٤)) أي نطقه (إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم: الآية٤) ، والمراد بالضمير في قوله: (إِنْ هُوَ) (النجم: الآية٤) القرآن خاصة، وقوله: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) (النجم: ٥) ، وهو جبريل، والذي علمه جبريل هو القرآن: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) (النجم: ٥) (ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى) (النجم: ٦) مرة: يعني هيئة حسنة. فوصفه بالقوة والحسن والجمال والبهاء، وإذا اجتمعت القوة والحسن والبهاء والجمال فذلك هو الكمال.
ثم وصفه بوصف ثالث وهو علو المنزلة، فقال تعالى: (ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى)
стр. 539
(النجم: ٦) (وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى) (لنجم: ٧) ، استوى: أي كمل، يعن كان على خلقته وهو بالأفق الأعلى، فقد رآه النبي ﷺ على خلقته التي خلقه الله عليها مرتين؛ مرة عند سدرة المنتهى، ومرة في الأرض.
رآه ﷺ بالأفق الأعلى وله ستمائة جناح، قد سد الأفق من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه، يعني غيمة واحدة سدت الأفق (١) .
قال تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) (النجم: ٨) ، دنا: أي قرب، والمقصود ذو المرة وهو جبريل، (فَتَدَلَّى) والتدلي: النزول من فوق. (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) (النجم: ٩) ، أي كان جبريل قاب قوسين أو أدنى من الرسول ﷺ .
(فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) (النجم: ١٠) ، أي أوحى جبريل، إلى عبده: أي عبد الله، ما أوحى: أي القرآن وأبهمه تعظيماً له، ولا يقال إن قوله: أوحى ما أوحى هو تحصيل حاصل، بل يقال: إن هذا إبهام للتعظيم، كقوله تعالى: (فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) (طه: الآية٧٨) ومعلوم أن الذي غشيهم هو الذي غشيهم، لكن جاء بصورة الإبهام للتعظيم. والمعنى: أوحى لعبده شيئاً عظيماً من الوحي.
قال تعالى: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) (النجم: ١١) ، فالفؤاد ما كذب الذي رأى بل رآه على ما هو عليه صدقاً وحقاً. (أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى) (النجم: ١٢) ، أي أفتجادلونه على شيء رآه بعينه وقلبه.
قال تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى) (النجم: ١٣) ، أي قد رأى جبريل مرةً
стр. 540
أخرى في الأفق نازلاً (عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى) (النجم: ١٤) ، وهذه هي المرة الثانية التي رآه على خلقته التي خلقه الله عليها (عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى) (النجم: ١٥) ، عند سدرة المنتهى جنة المأوى، وهذا يدل على أن الجنة عليا فوق السموات - جعلنا الله من أهلها - (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى) (النجم: ١٦) ، يعني رآه حين يغشى السدرة ما يغشى، وهنا أيضاً إبهام للتعظيم، فالذي غشيها من البهاء والحسن والجمال ما يبهر العقول. فهي سدرة لكن غشيها جمال عظيم يبهر العقول.
(مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى) (النجم: ١٧) ، يعني ما مال البصر وما تجاوز الحد، فهو لم يدر يميناً ولا شمالاً، ولم يتقدم أماماً ولا فوقاً، وذلك لكمال أدبه ﷺ ، قال تعالى: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) (النجم: ١٨) وهذه هي آيات المعراج.
أما عن آيات الإسراء فقال تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الإسراء: ١) ، وقوله تعالى: (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) يؤيد ما قلناه سابقاً من أن الأولى في قوله تعالى: (مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) أن الكبرى صفة لآيات، وذلك أولى من الاحتمال الآخر وهو كونها مفعولاً به، وذلك لأن معنى قوله في سورة الإسراء: (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) أي بعض آياتنا.
والبحث في مسائل المعراج من وجوه:
الأول: متى كان؟
كان قبل الهجرة بثلاثة سنوات، وهذا أرجح ما قيل في ذلك، على انه
стр. 541
قد قيل فيه أقوال أخرى ولكنها لم تحرر؛ لأن الناس في الجاهلية ما كانوا يعتنون بهذه الأمور، ولهذا لم يكن لهم تاريخ، بل كان الجيد منهم والمثقف يؤرخ بعام الفيل، وما عرف التاريخ إلا في عهد عمر بن الخطاب ﵁. إذاً هو على الأرجح قبل الهجرة بثلاث سنوات.
الثاني: من أين كان؟
كان المسجد الحرام من الحجر، أي حجر الكعبة (١) ، وقد ورد في بعض ألفاظ الحديث أنه كان من بيت أم هانئ، والجمع بينهما أن يقال: كان نائماً عند أم هانئ فأتاه آتٍ فأيقظه، فقام إلى المسجد الحرام، واضطجع عند الحِجْر فعرج به من هناك، من المسجد الحرام.
الثالث هل كان يقظة أو مناما؟
الصواب المقطوع به أنه كان يقظة؛ لأن الله تعالى قال: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ) ولم يقل بروح عبده، والعبد هو الجسم الذي فيه الروح، فقد أسري به بجسمه صلوات الله وسلامه عليه يقظة.
ويدل لذلك أيضاً أنه لو كان مناماً لم تنكره قريش؛ لأن المنام لا ينكر، فالإنسان لو قال: انه رأى في المنام انه ذهب إلى أقصى الشرق أو أقصى الغرب ورأى ما رأى فإنه لا يكذب، فلولا أنه كان بجسمه ويقظة ما كذبت به قريش.
الرابع: هل تكرر؟
стр. 542
الصحيح - إن لم نقل المقطوع به - أنه لم يتكرر، وأنه ليس إلا مرة واحدة.
الخامس: هل الإسراء والمعراج في ليلة واحدة؟ أو الإسراء في ليلة والمعراج في ليلة؟
الصواب أنهما في ليلة واحدة، لقوله تعالى: (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الإسراء: الآية١) ، والآيات التي ذكر الله انه يريه إياها هي قوله: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) (النجم: ١٨) ، فالصواب أن الإسراء والمعراج، كانا في ليلة واحدة.
وهنا يجدر بنا أن ننبه على كتيب في المعراج، تنسب روايته إلى عبد الله ابن عباس ﵄، وهو كتيب مطول ولكن أكثره ليس بصحيح، ولا تجوز قراءته، وقد كان الناس فيما سبق يقرؤونه ويجتمعون إلى قارئه، وفيه أشياء منكرة قطعاً. فيجب الحذر من هذا الكتاب؛ لأنه موضوع على ابن عباس ﵄ ولا يصح عنه.
السادس: هل كان المعراج كما اشتهر عند الناس ليلة سبعة وعشرين من رجب؟
اشتهر عند الناس أنه كان ليلة السابعة والعشرين من رجب، وصار بعض الناس يحتفل به، وبعض الدول تجعله عطلة رسمية، مع أنهم يحكمون بغير ما أنزل الله، وهذا من التناقض العجيب
ولكن الصواب أن المعراج ليس في رجب، وأقرب ما قيل: أنه في ربيع الأول؛ لأن النبي ﵊ ولد في ربيع الأول، وأنزل عليه الوحي أول ما نزل في ربيع الأول، وقد نزل عليه القرآن في رمضان لكن أول ما بدئ به في الوحي الرؤيا الصادقة من ربيع، كما قالت عائشة ﵂: كان أول ما بدئ بالوحي أنه أن يرى الرؤيا الصالحة حتى تأتي مثل
стр. 543
فلق الصبح (١) ، وبقي على هذا ستة أشهر، وهي: ربيع الأول، والثاني، وجماد الأول، والثاني، ورجب، وشعبان، وفي رمضان أنزل عليه القرآن.
وإذا قارنت بين هذا وبين قول الرسول ﵊: ((الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)) (٢) ، ونسبت ستة الأشهر إلى الثلاث والعشرين سنة وهي مدة الوحي، صارت ستة الأشهر بالنسبة للثلاث والعشرين سنة، جزءاً من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.
إذاً فالنبي ﷺ ولد في ربيع، وأول ما جاءه الوحي في ربيع، لكن أول ما أنزل عليه القرآن في رمضان، وهاجر في ربيع، وتوفي في ربيع، فكل الحوادث الكبيرة في حياة الرسول ﵊ كانت في ربيع، فأصح ما قيل: إن المعراج كان في ربيع وليس في رجب، لكن اشتهر أنه في رجب، وصار عند الناس كأنه مجزوم به، كما اشتهر أن ولادته كانت في ليلة الثاني عشر، وهذا لا أصل له.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (حقاً بلا مين ولا اعوجاج) والمين: هو الكذب، والاعوجاج: هو الانحراف عن الاستقامة، فهو حق لا كذب فيه، وهو استقامة ليس فيها اعوجاج ولا تحريف.
стр. 544
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٣٩- فكم حباه ربه وفضله ... وخصه سبحانه وخوله
ــ
الشرح
قوله ﵀: (فكم حباه ربه وفضله) يعني ما أكثر ما حباه ربه وفضله، فكم هنا تكثيرية، ويجوز أن تكون استفهاما يراد به التكثير، والمعنى واحد، (حباه ربه وفضله) وحبى حباء بمعنى الإعطاء، والتفضيل بمعنى الزيادة، (وخصه سبحانه) يعني بأشياء لم تكن لغيره، (وخوله) أي أعطاه، فعليه: الحباء والتخويل بمعنى واحد.
فالله خص نبيه ﵊ بخصائص لم تكن لغيره، وفضله بفضائل لم تكن لغيره، وأعطاه من الهبات ما لم تكن لغيره، فصلوات لله وسلامه عليه.
стр. 545
فصل
في التنبيه على بعض معجزاته ﷺ
وهي كثيرةٌ جداً
١٤٠- ومعجزات خاتم الأنباء ... كثيرة تجل عن إحصائي
١٤١- منها كلام الله معجز الورى ... كذا انشقاق البدر من غير امترا
ــ
الشرح
قال ﵀: (ومعجزات خاتم الأنباء) أي خاتم أنباء الأنبياء. الأنباء أي أنباء الأنبياء، فهو خاتم النبيين لا خاتم الأنباء، لأن الأنباء جمع نبأ، لكن مراد المؤلف ﵀ خاتم أنباء الأنبياء، وخاتم بفتح التاء كما في القرآن، وهو أبلغ من خاتم بكسر التاء؛ لان خاتم بالفتح بمعنى الطابع الذي لا ينفذ من ورائه شيء، والخاتِم بالكسر بمعنى الآخِر، إذا فالخاتم بالفتح أبلغ من الخاتم.
والمعجزات: جمع معجزة، وهي في التعريف أمر خارق للعادة يظهره الله على يد الرسول شهادة بصدقه، فهو يشهد بصدقه بالفعل وهو إظهار هذه المعجزة.
فقولنا: أمر خارق للعادة، خرج به ما كان جارياً على سنن العادة، فإنه لا يعتبر هذا معجزة، ولا كرامة لولي، فلو أن رجلاً ادعى الولاية لله، وأراد أن يثبت ذلك للناس بكرامة له، فاخبر أن الشمس تطلع في اليوم المحدد في الوقت المحدد، وكان هذا الوقت هو موعد طلوعها الذي يعرفه الناس
стр. 546
ويعهدونه، فخرجت كما قال، فخرجت كما قال، فإنه لا يعد ذلك شهادة له بالولاية، ولا يعد كرامة له؛ لأنه ليس خارقاً للعادة، فلا يكون كرامة.
ولما ناظر شيخ البطائحية شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العقيدة قال له شيخ البطائحية: أنا وأنت أمام الواقع ندخل في النار، فأينا لم تحرقه النار فهو الذي على الحق، ومن أحرقته النار فهو على باطل، فقال له شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: نعم ليس عندي مانع، فإذا كان الله جعل النار برداً وسلاما على إبراهيم، فإنها تكون برداً وسلاما على أمة محمد، فلا مانع من أن ندخل النار، لكن بشرط أن نغتسل وننظف أجسامنا أنا وأنت قبل أن ندخل النار، فنكس الرجل على عقبيه، فقال شيخ الإسلام: أنا أعلم أن هذا الرجل قد طلى جسمه بمادة تمنع الاحتراق، فأراد أن يعجزني بهذا، فبهت الذي ابتدع.
مسألة: لو أن رجلاً من الناس دخل النار حقيقة ولم يحترق تأييداً للشرع هل يعد هذا كرامة؟
الجواب: نعم، لأنه أمر خارق للعادة.
وقولنا: يظهره الله على يد الرسول تأييدا له فإن أظهره الله على مدعي الرسالة تكذيباً له لا تصديقاً فليس بمعجزة، وقد ذكر ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية (١) وغيره من المؤرخين أنا مسيلمة الكذاب نبي اليمامة كان يدعي أنه رسول، وقد جاء إلى النبي ﵊ وقال: أنا أريد أن أكون أنا وأنت شركاء في الرسالة.
стр. 547
وقد جاءه قومه في يوم من الأيام، وقالوا: يا نبي الله - وهو كاذب - إن بئرنا غار ماؤها، ولم يبق فيها إلا القليل من الماء الذي لا يروينا، فقال: أنا آت إليكم، فجاء إليهم وطلب ماء، فأعطوه ماء فتمضمض به ومجه في البئر، فصاروا ينتظرون أن تجيش بالماء كما صار ذلك في بئر غزوة الحديبية فلما مج هذا الماء في الماء الباقي غار بإذن الله، وهذا خارق للعادة وليس موافقاً لها، لكن كان تكذيباً لا تصديقا.
وذكروا عنه أيضاً، أنهم أتوه بصبي شعر رأسه متمزق ليمسحه حتى يخرج بقية الشعر، فلما مسح على رأسه زال الشعر الموجود، وصار الصبي أصلع بالمرة، وهذا أيضاً خارق للعادة؛ لأن الإنسان لو مسح على رأس الصبي ما نبت الشعر ولا زال، لكن كان ذلك تكذيباً له.
ولهذا قلنا: المعجزة أمرٌ خارق للعادة يظهره الله على يد الرسول تأييداً له وتصديقاً له.
قال ﵀: (ومعجزات خاتم الأنباء كثيرة) وهنا أحب أن ارشد إلى فصل نافع جداً في هذا الموضوع، ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في آخر كتابه الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (١) ، حيث ذكر كلاماً حسناً جدا، ونقله ابن كثير في البداية والنهاية (٢) ، وقد ذكر ابن كثير أيضاً آيات كثيرة للرسول ﵊ في كتابه البداية والنهاية لما تكلم على آخر حياة الرسول ﵊، حيث ذكر آيات؛ أرضية، وسماوية،
стр. 548
وحيوانية، وغير ذلك. فمن أراد الازدياد من ذلك فليراجعه. ولهذا قال المؤلف: (تجل عن إحصاء) أي لكثرتها.
قال المؤلف ﵀: (منها كلام الله معجز الورى) أي من هذه المعجزات (كلام الله) وهو القرآن، الذي أعجز الورى، وقد ذكرنا فيما سبق شيئاً من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم؛ فمن ذلك:
١- عجز الناس أن يأتوا بمثله، ولا بسورة، ولا بحديث. مع أنهم أمراء الفصاحة والبلاغة، وهذا لا شك أنه من آيات الله .
لكن الغريب أن بعض العلماء قال: إنهم عجزوا بالصرفة لا بمقتضى الطبيعة، يعني أنهم قادرون من حيث طبيعتهم على معارضة القرآن، لكن صرفوا، أي صرفهم الله عن معارضته، فيكون إعجاز القرآن على هذا القول لا لذات القرآن، ولكن لأمر خارج وهو صرفهم عن المعارضة، وهذا القول باطل لا شك في ذلك.
ثم على تقدير التسليم، فإن القرآن يعتبر بذلك آية؛ لأن كون الله صرفهم عن معارضته يدل على أنه لا تمكن معارضته شرعاً، ولكن الذي نرى أنه الصواب أنهم عاجزون عن الإتيان بمثله طبعاً لا صرفاً، بمعنى أنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثله.
٢- تأثيره وآثاره؛ تأثيره على القلوب، وآثاره في الفتوحات وانتصار الأمة الإسلامية وإعزازها وغير ذلك.
٣- أن قارئه لا يمل منه ولو كرره عدة مرات، بخلاف غيره فإنه مهما كان
стр. 549
من الفصاحة والبلاغة فإنه يمل.
٤- حفظ الله له حيث بقي إلى وقتنا الحاضر في القرن الخامس عشر، ولم يستطع أحد أن يغير منه حرفاً واحداً، بينما الكتب السابقة بقيت دون ذلك وحرفت.
٥- ما فيه من الأخبار السابقة واللاحقة، حيث يخبر عن الشيء فيقع كما اخبر ويخبر عن الماضي، ولا شك أن الماضي كما اخبر، ولهذا قال الله تعالى في سورة إبراهيم: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ) (إبراهيم: الآية٩) ، ولهذا يجب التحري في نقل أخبار الأمم السابقة؛ لأنه لا يعلمهم إلا الله .
والمهم أن القرآن من أعظم المعجزات للنبي ﷺ ، وأقول: من أعظم المعجزات تبعاً للمؤلف، وإلا فالصواب أن نقول: الآيات.
قوله: (كذا انشقاق البدر) أيضاً من آيات الرسول ﵊: انشقاق البدر أي القمر، وقد انشق القمر فلقتين حقيقة لا برأي العين، فكان أحدهما على جبل الصفا والصفا والثاني على جبل المروة، يشاهده الناس من هنا ومن هنا، قال الله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) (القمر: ١) (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) (القمر: ٢) ، لما أراهم النبي ﵊ هذه الآية وشاهدوها بأعينهم، قالوا: سحرنا محمد، ليس صحيحاً أن القمر ينشق.
والعجيب أن آخر هذه الأمة وافق المشركين في إنكار انشقاق القمر، قالوا: انشقاق القمر غير صحيح، ولا يمكن أن ينشق القمر، لكن قوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) أي ظهر نور الرسالة. وهذا تحريف
стр. 550
فهو سبحانه يقول: (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا) ، ثم ليس هناك مانع من أن ينشق القمر.
وأما من زعم أن الأفلاك لا يمكن أن تتغير فتباً لعقله، والله تعالى يقول: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ) (الانفطار: ١) (وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ) (الانفطار: ٢) ، وما هذا إلا تغير للأفلاك، وكذلك قال تعالى: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) (التكوير: ١) (وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ) (التكوير: ٢) ، وهذا تغير للأفلاك، فالذي جمع القمر حتى صار كتلة واحدة قادر على أن يفرقه ويجعله كتلاً.
ولهذا فإننا نأسف أن يقع مثل هذا من علماء أجلاء معاصرين؛ يقولون: إنه لا يمكن انشقاق القمر؛ لأن هذا تغير أفلاك، وهذا لا يمكن. بل الذي خلق الأفلاك قادر على أن يمزقها .
وقال آخرون منكرين انشقاق القمر بحجة باردة؛ قالوا: لو كان انشقاق القمر حقاً لعلم به الناس في كل مكان على الأرض؛ لعلم به أهل الهند، وأهل الغرب، وأهل الشمال، وأهل الجنوب، ولكان نقله مما تتوافر الدواعي عليه، ولنقل في التواريخ، ولم ينقل هذا في التواريخ.
والجواب على ذلك أن يقال: لا يوجد تاريخ أصدق من كلام الله : القرآن، ولا تاريخ أصدق مما جاء في الصحيحين البخاري ومسلم، حيث تلقتهما الأمة الإسلامية بالقبول.
فإذا قالوا: لماذا لم يذكره مؤرخو الهند مثلاً أو غيرهم؟
فالجواب أن يقال: ربما كان عندهم في تلك الليلة غيوم وأمطار حجبت رؤية القمر، أو نقول: إن انشقاق القمر لم يبق مدة طويلة حتى يتمكن الناس
стр. 551
من رؤيته، إذ ربما تكون المدة يسيرة حين شاهده الناس ثم تلاءم، وربما أنضاف إلى ذلك أن الناس في ذلك الوقت في الهند مثلاً كانوا نياما؛ لأن الهند يسبق مكة في الزمن؛ فيقع هذا وهم نائمون ثم يلتئم قبل أن يستيقظوا، ثم إنه لا يهمنا في شيء كون علماء الهند قالوا أم لم يقولوه، فما دام موجوداً في كتاب الله وفيما صح عن الرسول ﷺ ؛ فلا يهمنا أن ينقل أو لا ينقل.
والمهم أن انشقاق البدر من آيات النبي ﷺ ، إذ لا يعلم أنه انشق لأحد غيره ﵊، وهو أعظم من بعض الآيات التي حصلت للأنبياء من قبل، حتى إن ابن كثير ﵀ قال: ما من آية حصلت لنبي إلا وجد مثلها للرسول ﵊ أو لأتباع الرسول، والآية لأتباع الرسول تعتبر آية للرسول؛ لأنها شهادة بصدق ما هو عليه هذا المتبع.
كان موسى ﵊ يضرب الحجر - إما حجراً معيناً أو أي حجر - فيتفجر انهارا وعيونا، والحجر يمكن أن يتفجر كما قال تعالى: (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ) (البقرة: الآية٧٤) ، لكن الماء نبع من الإناء لرسول الله ﷺ ، ففي غزوة الحديبية جاءوا يشكون إلى الرسول ﷺ قلة الماء، فدعا بإناء فيه ماء يسير فوضع يده فيه، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كالعيون، حتى ارتوى الناس كلهم، وكانوا ألفاً وأربعمائة شخصا، وهذا أعظم من أن يتفجر الحجر، لأن الحجر جرت العادة بأنه يتفجر، أما الإناء فمن أين يتفجر؟ وأين صلته بالأرض؟
فلهذا نقول: آيات الرسول ﷺ عظيمة كثيرة، وكما قال ابن كثير رحمه
стр. 552
الله ما من آية لنبي إلا حصل مثلها أو أعظم للرسول ﵊ أو لإتباع الرسول، فإحياء الموتى حصل؛ إما للرسول ﷺ إن صحت الرواية؛ وإما لأتباعه، فهذا صلة بن أشيم من التابعين العباد، كان في سفر فماتت فرسه، فبقي ليس له مركوب، فدعا الله تعالى أن يحييها حتى توصله إلى بلده، فأحياها الله، وركب عليها، ولما وصل إلى البلد، قال لابنه: يا بني ألق السرج عن الفرس فإنه عارية، فتعجب الولد! فلما وضع السرج عنه سقط الفرس ميتاً؛ لأنه كان دعا الله أن يحييه حتى يوصله إلى أهله فحصل هذا، فهذا إحياء للموتى وهو إحياء مؤقت أيضاً كأنه عارية مؤقتة وهناك أشياء كثيرة في البداية والنهاية فلتراجع.
وقوله: (من غير امترا) أي من غير شك فإن انشقاق القمر عندنا يقين في حدوثه كرؤيتنا للقمر الآن، لا نمتري في هذا، ونقول: إن الله على كل شيء قدير، فالذي جمع القمر قادر على تفريقه.
стр. 553
فصل
في ذكر فضيلة نبينا وأولي العزم
وغيرهم من النبيين والمرسلين
١٤٢- وأفضل العالم من غير امترا ... نبينا المبعوث في أم القرى
١٤٣- وبعده الأفضل أهل العزم ... فالرسل ثم الانبيا بالجزم
ــ
الشرح
قال المؤلف ﵀: فصل في ذكر فضيلة نبينا ﷺ ، وأولي العزم، وغيرهم من النبيين والمرسلين، وليعلم ما يلي:
أولاً: أن الفضل أو التفاضل مراتب لا تتلقى إلا من الوحي؛ لأن المراتب تختلف اختلافاً عظيماً وتتباين تبايناً كبيرا، ولا يمكن أن نرتب فضيلة على أخرى إلا بدليل من الشرع، فإن لم يكن لنا دليل من الشرع فليس لنا الحق في أن نتكلم.
ثانياً: الترتيب في الفضيلة بناء على ما يظهر لنا، لا على ما هو الواقع عند الله ؛ لأننا قد نرى شخصين يصليان أحدهما قد أجاد صلاته ظاهراً تماماً؛ بحيث لا نراه يتحرك ولا يعبث، ونراه قد خضع برأسه وصلى صلاة كاملة باعتبار ما يظهر لنا، وآخر نرى أنه يحصل منه بعض الحركة وما أشبه ذلك، فنحن إذا فضلنا الأول نفضله بحسب ما يظهر لنا، أما عند الله فقد يكون الثاني أفضل. فقد يكون هذا الثاني قام بقلبه من الإخلاص لله وتعظيم الله ما لم يكن في قلب الأول؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة
стр. 554
والسلام في شارب الخمر الذي يكثر أن يجاء به إلى رسول الله ﷺ : ((إنه يحب الله)) (١) . مع أنه يكثر شرب الخمر، فلو أننا حكمنا بالظاهر لقلنا: هذا الذي يكثر شرب الخمر ليس في قلبه محبة لله، ومع ذلك قال الرسول ﵊: (إنه يحب الله)) .
ولهذا فإننا حين نفضل فإنما نفضل بحسب ما يظهر لنا. أما ما ورد به النص فلا شك أننا نتبعه؛ لأن النص ورد من عند الله، والله تعالى عليم بما في القلوب وبما في الظواهر.
قال المؤلف ﵀: (وأفضل العالم من غير امترا نبينا) ثم قال في البيت التالي: (وبعده الأفضل أهل العزم) ثم قال ﵀: (فالرسل ثم الانبيا بالجزم) . هذه المسألة، وهي التفاضل بين الأنبياء، ثابتة شرعا، فقد قال الله ﵎: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) (البقرة: الآية٢٥٣) ، هذا في الرسل، وقال تعالى: (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً) (الإسراء: الآية٥٥) ، فالله فضل الرسل بعضهم على بعض، وفضل النبيين بعضهم على بعض، وفضل الناس بعضهم على بعض، قال تعالى: (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) (النساء: الآية٣٢) ، فالله فضل بعض الناس على بعض؛ الرسل والأنبياء وغيرهم.
والعقل يدل على أن البعض أفضل من البعض، لأن من قام بمهمات عظيمة جليلة يقتضي العقل انه أفضل ممن دونه، فالتفاضل إذاً ثابت.
والتفضيل يقتضي أن بعضهم أفضل من بعض في الإيمان وفي الأعمال
стр. 555
الصالحة أيضاً، ودليل ذلك قوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: الآية١٣) فدل هذا على أن الكرم عند الله بالتقوى، ولا شك أنه قد جرى لبعض الأنبياء من المحن ما لم يجر لغيرهم، فأي محنة حصلت لإنسان مثل ما حصل لإبراهيم ﵊ في إلقائه في النار إزاء توحيده وما يدعو إليه من التوحيد، فيلقى في النار وهو يراها أمامه تضطرم.
وكذلك ما حصل في الأمر بذبح ولده، فإن هذه محنة عظيمة؛ ويصبر على ذلك، وهذا شيء عظيم، ودليل على الإخلاص لله تعالى. يقال له: اذبح ولدك فيمتثل ويستسلم، وليس عنده غيره، والولد قد بلغ معه السعي؛ فليس صغيراً لا يلتفت له، وليس كبيراً قد بان من أبيه، بل صار يافعا، وأكبر ما تتعلق به النفس في مثل هذا السن، ثم يقال: اذبح ولدك، فإن هذه محنة عظيمة.
ثم إنه قد يفضل النبي غيره بكثرة أتباعه؛ لأن أتباعه كلما عملوا عملاً صالحا فله مثل أجورهم.
فإن قال قائل: كيف نثبت ذلك وقد نهى النبي ﷺ عن التفضيل بين الأنبياء (١) ؟ فيقال: حاشى لرسول الله ﷺ أن ينهى عما أثبته الله ولا يمكن ذلك أبداً، فإذا اخبر الله انه فضل بعض النبيين على بعض، فلا يمكن للرسول ﷺ أن يقول: لا تفضلوا بين الأنبياء، ولكنه نهى عن التفضيل بين الأنبياء حيث يكون الحقد والعدوان، فلو أن أحداً فضل محمدا ﷺ على
стр. 556
موسى بحضرة اليهود، وصار ذلك سبباً للعداوة أو البغضاء ثم سببا للشر فإنه لا يفضل درءاً للمفسدة. فالذي نهى عنه النبي ﵊ من التفضيل ما كان موجبا للمفسدة، أما ما كان حكاية للواقع فإن الرسول ﵊ لا يمكن أن ينهى عنه وقد أثبته الله.
إذاً فنحن حينما نتكلم عن تفضيل الرسول ﵊ على جميع الناس، فإننا نتكلم به خبراً عما قاله الله، ولكننا لا نتكلم به حيث يكون في ذلك شر فساد.
قال المؤلف ﵀: (وأفضل العالم من غير امترا) ظاهر كلام المؤلف ﵀ أن النبي ﷺ أفضل من كل المخلوقات؛ لأن العالم هو كل ما سوى الله، ولهذا قال الله : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة: ٢) فليس هناك إلا رب ومربوب، والعالمون كلهم مربوبون، وإذا لم يكن إلا رب ومربوب صار المراد بالعالمين من سوى الله، فيشمل ذلك عالم الملائكة، وعالم الجن، وعالم الإنس، وعالم الجمادات، وكل شيء.
فهل يوجد دليل على أن الرسول ﵊ أفضل من هؤلاء كلهم؟ والجواب أن نقول: إن مراد المؤلف أفضل العالم من البشر نبينا محمد ﵊، كما قال ﵊: ((أنا سيد ولد آدم)) (١) ، أما من سواهم فإننا نتوقف وإن كنا يغلب على ظننا أن الرسول ﵊ أفضل الخلق على الإطلاق، وفي ذلك يقول الناظم:
وأفضل الخلق على الإطلاق ... نبينا فمل عن الشقاق
مل: فعل أمر من مال يميل
стр. 557
قال ﵀: (نبينا المبعوث في أم القرى) وهذه صفة كاشفة وليست صفة مقيدة؛ لأن نبينا محمداً ﷺ لم يبعث إلا في أم القرى، ومعنى المبعوث: المرسل إلى الناس، والمراد بأم القرى: مكة، وسميت أم القرى لأن القرى كلها تؤمها؛ في الحج إليها، والاعتمار إليها، وتؤمها في اتجاهها إليها في الصلاة وغير الصلاة.
وقال بعض الناس: هي أم القرى لأنها مركز العالم، ووسط العالم، وهذا أمر جغرافي لا ندري عنه، ولكن إن ثبت فلا مانع من أن نقول به، وإن لم يثبت فهي أمر القرى في الفضائل تؤمها القرى في الحج والعمرة والاتجاه.
قال ﵀: (وبعده الأفضل أهل العزم) أي بعد محمد ﵊ فالأفضل أهل العزم، وهم أربعة غير محمد ﷺ وهم: إبراهيم وموسى وعيسى ونوح، وهم مرتبون على هذا: إبراهيم، ثم موسى، أما نوح وعيسى فاختلف العلماء ﵏ أيهما أفضل؟
فقيل: إن عيسى أفضل؛ لما أعطاه الله من الآيات، ولكثرة أتباعه، وقيل: إن نوحاً أفضل؛ لأنه أول الرسل، وعانى من المشقة والتعب من قومه ما لم يذكر لنا أنه حصل لعيسى، حيث لبت فيهم ألف سنة إلا خمسين وما آمن معه إلا قليل.
ولكننا نقول: إن الفضل الذي عند الله لا نعلمه، أما ما تبين لنا من شأنهم في الدنيا، فلكل واحد مزية لم تحصل للآخر، وحينئذٍ نتوقف، فإذا توقفنا فنقدم ذكراً نوحا؛ لأنه الأول وعيسى بعده، ومع ذلك فإن هذا التقديم لا يقتضي الترتيب لأن الواو لا تستلزم الترتيب.
ثم قال: (فالرسل ثم الانبيا) الرسل: جمع رسول، والرسول هو من
стр. 558
أرسل. تقول: أرسلت فلاناً إلى فلان، أي أمرته أن يبلغ فلاناً عني شيئاً، أما النبي: فإنه من النبأ، وهو الذي أتاه الخبر لكن لم يكلف بالتبليغ، وهذا الذي قررنا هو مذهب جمهور العلماء ﵏، أن الرسول من أُوحي إليه بشرع وأمر أن يبلغه، وأما النبي فهو من أوحي إليه بشرع دون أن يكلف بالتبليغ، ولكنه لم يمنع من التبليغ، يعني نبئ إليه بشرع ولم يقل له: لا تبلغه، فإذا بلغه كان متطوعاً.
فالفرق بين النبي والرسول: أن الرسول ملزم بالتبليغ والنبي غير ملزم، لكن غير ممنوع من التبليغ، بل يعمل هو بنفسه ويجدد الشرع ولكنه لا يلزم بالتبليغ، وهذا هو وجه كون الرسول أفضل من النبي؛ لأن الرسول ألزم بالتبليغ، وبزيادة تكليف، والتكليف ليس بالأمر الهين؛ لأن فيه معاناة الناس والتعب معهم.
ولا يخفى علينا جميعاً ما حصل للرسل من الأذية، بل من الضرر أحياناً، لكن النبي يتعبد بما أوحى إليه ولا يكلف أن يبلغ به، فمن اقتدى به واخذ بما هو عليه فله ذلك، ومن لا فلا؛ ولهذا كان الأنبياء في بني إسرائيل كثيرين جداً؛ لأن بني إسرائيل قوم عتاة يحتاجون إلى تجديد الوحي دائما. إذاً مرتبة الرسل فوق مرتبة الأنبياء وهذا صحيح.
وقول المؤلف (بالجزم) أي قل ذلك بالجزم، أو قلت ذلك بالجزم، وعلى الثاني يكون الكلام خبراً عن عقيدة المؤلف، وعلى الأول يكون أمراً باعتقاد هذا؛ أي: أن نعتقد هذا جزماً.
فإذا قال قائل: كم عدد الرسل؟ وهل جميع الرسل بُلغوا لنا؟
стр. 559
فالجواب: أن عدد الرسل ورد فيه أحاديث ليست بتلك القوة، فلا يلزم بها، فورد أن عددهم أربعة وعشرون ألفاً، ولكننا لا نردي على يصح هذا الخبر أولا؟ إنما الذين ذكروا في القرآن خمسة وعشرون رسولاً، وكل من ذكر في القرآن فهو رسول وإن ذكر بوصف النبوة، وذلك لأن كل رسول نبي ولا عكس، والدليل على أن كل من ذكر في القرآن رسول قول الله ﵎: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) (غافر: الآية٧٨) ، فعلم بهذا أن كل من قص الله علينا نبأه فهو رسول.
أما الذين لم يقصوا علينا فهم كثيرون ولكننا نؤمن بهم إجمالاً، ومعنى إجمالاً أي أنه لا يلزمنا التعيين؛ لأننا لا نعلم عنهم، لكن نقول: آمنا بكل رسول أرسله الله تعالى.
مسألة: ثبت في السنة أن آدم ﵊ كان نبياً (١) وقد ذكر في القرآن فهل يكون رسولاً؟
فالجواب: لا؛ لأنه لم يذكر في القرآن بوصف النبوة.
فالمهم أن أفضل البشر من حيث الجنس الرسل، ثم الأنبياء، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون، أما بالتعيين فأفضل البشر محمد ﷺ ، والدليل النقلي على ذلك قوله ﷺ : (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) (٢) . والدليل الفعلي: أنه ﷺ صلى بالأنبياء إماماً لهم في ليلة الإسراء.
وهناك عبارة خاطئة تقول: الرسل خادم، والنبي عالم، والولي ولي
стр. 560
موالٍ، وعلى هذا يقولون: إن الولي أفضل، ثم النبي لأنه خص بالعلم، ثم الرسول لأنه خادم، ويقول قائلهم:
مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي
وهذا القول كفر؛ فإن الرسول جمع بين النبوة والولاية، فهو أفضل الأولياء، والنبي جمع بين الولاية والنبوة، فهو في الدرجة الثانية بعد الرسالة، والولي فاتته النبوة والرسالة فليس له من الفضل إلا فضل الولاية.
لكن القائلين بما سبق من قول باطل يرون أن من يزعمونهم أولياء أشرف البشر، ولهذا تصل بهم الحال إلى عبادتهم، وذلك باعتقاد أنهم يدبرون الكون تدبيراً كاملاً، كما قال ذلك بعض مشايخ الصوفية الغالين وغيرهم.
стр. 561
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٤٤- وأن كل واحد منهم سلم ... من كل ما نقص ومن كفر عصم
١٤٥- كذاك من إفك ومن خيانة ... لوصفهم بالصدق والأمانة
١٤٦- وجائز في حق كل الرسل ... النوم والنكاح مثل الأكل
ــ
الشرح
قوله رحمه الله تعالى: (وأن كل واحد منهم سلم) - ((وأن)) : الظاهر أن الصواب كسرها، وإن كان المعنى: ونؤمن بأن، لكن الأصل عدم التقدير. والضمير في قوله: (منهم) يعود على الرسل عليهم الصلاة والسلام، فكل واحد منهم سلم (من كل ما نقص) و (ما) هنا زائدة، والتقدير: من كل نقص، وليس المراد بقول (من كل ما نقص) نقص الخلقة، أو نقص البشرية، بل المراد من كل ما نقص في الدين، لأنهم عليهم الصلاة والسلام هم أسبق الناس إلى الخيرات، وأعظم الناس امتثالاً لأمر الله، فهم سالمون من كل نقص في الدين.
وكذلك من فوات الدين بالكلية لقوله: (ومن كفر عصم) .
فلم يكفر أحد من الرسل، وليس من الرسل كافر، ولم يتعمد أحد من الرسل أن يفعل ما فيه نقص الدين أبداً، وإن فعلوا شيئاً فأما عن اجتهاد أو تأويل أو ما أشبه ذلك، ثم يبرؤون من إثمه بتوبة الله عليهم.
قوله: (كذاك من إفك ومن خيانة) يعني أنهم مبرؤون من الإفك وهو الكذب؛ ولهذا ما كذب نبي قط، وأما ما جاء عن إبراهيم عليه الصلاة
стр. 562
والسلام من أنه كذب ثلاث كذبات في الله (١) فهي كذبات تورية، والتورية ليست كذباً في الواقع، لأن المعنى الباطن منها حقيقي مطابق للواقع، فقوله للملك الظالم: هذه أختي وهي زوجته، فهي وإن كانت ليست أخته بمعنى شقيقته، فإنها أخته على وجه صحيح، فقد أراد أنها أخته في دين الله، وكذلك قوله: بل فعله كبيرهم هذا، أيضاً فيه تورية، وإن كان الكبير لم يفعله، لكن الذي كسر الأصنام هو إبراهيم ﵊، إلا أنه ورى أي فعله كبيرهم الذي تزعمون أنه إله.
وفعل إبراهيم ﵊ هنا ضرورة، ولا يقال إن التورية جائزة مطلقاً، فالتورية للظالم حرام بالإجماع، وللمظلوم جائزة، أما من ليس بظالم ولا مظلوم ففيها خلاف بين أهل العلم؛ فبضعهم يقول إنها حرام؛ لأن الإنسان يتهم بذلك ويجر على نفسه التهمة، وبعضهم يقول ليست بحرام، والراجح أنها حرام إلا لحاجة؛ لأن الإنسان لو أجزنا له التورية كلما شاء صار كل كلامه تورية، وأدى ذلك إلى عدم وثوق الناس به.
وقوله (ومن خيانة) أي: أن الرسل مبرؤون من الخيانة، فهم لا يمكن أن يخونوا لا بالقول ولا بالفعل، حتى إن النبي ﷺ منع من الإشارة بالعين ومن الغمز بالعين، لأن هذا نوع من الخيانة.
إذاً فهم صلوات الله وسلامه عليهم قد سلموا من كل كذب، وسلموا من كل خيانة؛ لأن الكذب والخيانة ينافيان الرسالة منافاة كاملة، إذ لا ثقة بقول الخائن ولا ثقة بقول الكاذب، لاحتمال أن يكون ما يقول به من الكذب الذي
стр. 563
كان يكذبه، ولاحتمال أن يكون خان فأخبر بالأمر على خلاف وجهه، لذلك فهم مبرؤون من الكذب والخيانة.
لذلك قال ﵀: (لوصفهم بالصدق) وهذا ضد قوله: (من إفك) ، (والأمانة) وهي ضد قوله: (ومن خيانة) ، فهم موصوفون بالصدق عليهم الصلاة والسلام، لأن الله شهد لهم، كذلك موصوفون بالأمانة؛ لأنهم أمناء على وحي الله ، وإذا كان جبريل ﵊ موصوفاً بالأمانة وهو رسول إليهم، فهم كذلك من باب أولى.
وأفادنا المؤلف ﵀ أن الرسل معصومون مما ذكر، لكن هل هم معصومون من صغائر الإثم؟ وجواب ذلك أن نقول: إنهم ليسوا معصومين من صغائر الإثم، لكنهم معصومون من إرادة المخالفة، ومن الإصرار على المعصية. وقلنا: إنهم معصومون من إرادة المخالفة. وقلنا: إنهم معصومون من إرادة المخالفة لأن الذي يقع منهم يكون عن قصد اخطئوا فيه الصواب، فمثلاً قال تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) (التوبة: ٤٣) ، فهو قد أذن لهم اجتهاداً منه ﷺ يظن أن المصلحة في ذلك، ولكن المصلحة في غير هذا، فالمصلحة أن يتأنى حتى يعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين.
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التحريم: ١) ، فالنبي ﷺ حرم ما احل الله له طلباً لمرضاة زوجاته وتأليف قلوبهن، ولكنه لم يحرمه حكماً شرعياً، إنما حرمه امتناعا، يعني حرمه على نفسه، كما يقول أحدنا: حرام علي أن البس هذا الثوب، أو حرام علي أن ادخل هذا البيت، أو حرام علي أن اشتري هذه السيارة مثلاً. فتحريمه ﷺ هذا ليس تحريماً شرعياً، لكنه تحريم امتناع، يعني إنني ألزم نفسي
стр. 564
أن امتنع من هذا الشيء.
كذلك قال تعالى: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) (الأحزاب: الآية٣٧) ، وهو ﷺ لم يخف في نفسه هذا عناداً ومخالفة؛ لكنه أخفاه تحرياً للمصلحة، ومع ذلك نهي عن هذا، فالحاصل أنهم عليهم الصلاة والسلام لا يمنعون من وقوع صغائر الذنوب، لكنهم لا يفعلونها كما يفعلها غيرهم تعمداً للمخالفة، ولا يقرون عليها أيضاً، بل لابد أن ينبهوا عليها حتى يرجعوا إلى الصواب.
مسألة: قال الله تعالى عن يونس ﵊: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) (الأنبياء: الآية٨٧) ، فهل يجوز مثل هذا الظن من الرسل؟
والجواب: أن معنى نقدر أي نضيق كما قال تعالى: (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) (الطلاق: الآية٧) ، فيونس ﵊ ظن أنه بخروجه هذا أنه يجد سعة عما كان عليه في الأول فظن ذلك، ولكن الله تعالى أراه انه في قبضته وضيق عليه أكثر من ذي قبل، في بطن الحوت: (فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) (الصافات: ١٤٣) (لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (الصافات: ١٤٤) . مسألة: إذا كان الأنبياء معصومين من فعل الكبائر. وقتل النفس من الكبائر وقد وقع من بعضهم فما الجواب؟
والجواب: أن قتلهم للنفس يكون بتأويل وإذا كان بتأويل فقد يكون الشيء كبيرة لكن في حقهم ليس بكبيرة لأنهم لم يتعمدوا.
стр. 565
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
وجائز في حق كل الرسل ... النوم والنكاح ومثل الأكل
بعد أن تكلم المؤلف ﵀ عن الممتنع في حقهم صلوات الله وسلامه عليهم انتقل إلى الجائز في حقهم، والجائز في حقهم هي الطبائع البشرية، فالطبائع البشرية يستوون فيها مع الناس، ولهذا قالوا للمكذبين: (إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) (إبراهيم: الآية١١) ، وقال خاتمهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون)) (١) ، وهذه طبيعة بشرية، فهو ﷺ يأكل كما نأكل، ويشرب كما نشرب، ويتقي البرد كما نتقيه، ويتقي الحر كما نتقيه، ويلبس الدروع في الحرب كما نلبسها، وهكذا، فالطبائع البشرية جائزة في حق الرسل.
ولهذا قال المؤلف ﵀: (وجائز في حق كل الرسل النوم) ، لكن قد يختصون بخصائص في النوم، منها اختصاص النبي ﷺ بأنه تنام عيناه ولا ينام قلبه، فالإحساس الظاهري منه ينام كغيره، وفي الباطن لا ينام قلبه، فقلبه دائماً مشغول بذكر الله تعالى وبغير ذلك مما أراد .
وقوله: (النوم والنكاح) أي والنكاح جائز في حقهم والجواز هنا جواز خلقي، أما شرعاً فهم مأمورون بذلك، لأنهم مشرعون للأمة؛ قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً) (الرعد: الآية٣٨) ، وقوله: (مثل الأكل) فالأكل أيضاً من الأمور الجائزة، فلا يعاب على الرسول إذا أكل أو شرب أو ما أشبه ذلك، فهذه من الأمور الجائزة، فكل الأمور البشرية جائزة عليهم.